Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٨٠)
صاعد في (كتاب النصوص): فكان النبي عَّهِ يسمي ذلك العام عام الحزن، وكان ذلك وقد
أتى للنبي عَ ل تسع وأربعون سنة وثمانية أشهر وأحد عشر يوماً. وقيل: مات في نصف شوال
من السنة العاشرة من النبوة، وقال ابن الجزار: قبل الهجرة بثلاث سنين، وقيل: قبل الهجرة
بخمس، وقيل: بأربع سنين، وقيل: بعد الإسراء. الثالث: يكون مرسلاً حقيقة لان ابن حبان
ذكره في ثقات التابعين، وهو قول فيه غرابة. وفيه: أن شيخه إن كان ابن راهويه فهو مروزي
سكن نيسابور، وإن كان إسحاق بن منصور فهو أيضاً مروزي. وبقية الرواة مدنيون. وفيه:
ثلاثة من التابعين وهم: صالح وابن شهاب وسعيد يروي بعضهم عن بعض. وفيه: رواية
الأكابر عن الأصاغر. وفيه: رواية الابن عن الأب في موضعين.
وأخرجه البخاري أيضاً في سورة براءة عن إسحاق بن إبراهيم عن عبد الرزاق عن معمر عن
الزهري إلى آخره نحوه.
ذكر معناه: قوله: ((لما حضرت أبا طالب الوفاة))، يعني، حضرت علاماتها، وذلك
قبل النزع وإلاَّ لما نفعه الإيمان، ويدل عليه محاورته للنبي عَّهم ولكفار قريش، وأبو طالب
اسمه: عبد مناف، قاله غير واحد، وقال الحاكم: تواترت الأخبار أن اسمه كنيته، قال: ووجد
بخط علي الذي لا شك فيه: وكتب علي بن أبي طالب، وقال أبو القاسم المغربي الوزير
اسمه: عمران. قوله: ((أبا جهل))، كنيته أبو الحكم، كذا كناه رسول الله عَ لّمُ واسمه: عمرو
ابن هشام بن المغيرة المخزومي، ويقال له: ابن الحنظلية، واسمها أسماء بنت سلامة بن
مخرمة، وكان أحول مأبوناً، وكان رأسه أول رأس حز في الإسلام، فيما ذكره ابن دريد في
(وشاحه). قوله: ((وعبد الله بن أبي أمية)) أمه عاتكة عمة رسول الله عَّه، توفي شهيداً
بالطائف وكان شديداً على المسلمين معادياً لرسول الله عَ لَه أسلم قبل الفتح هو وأبو سفيان
ابن الحارث بن عبد المطلب، ولهم عبد الله بن أبي أمية بن وهب حليف بني أسد وابن
أخيهم استشهد بخيبر، ولهم عبد الله بن أمية إثنان: أحدهما بدري. قوله: ((أي: عم)) أي: يا
عمي. قوله: ((كلمة))، نصب إما على البدلية أو على الاختصاص. قوله: ((أشهد لك)) أي:
لخيرك. وفي لفظ: ((أحاج لك بها عند الله تعالى)). قوله: ((أترغب؟)) الهمزة فيه للاستفهام
على سبيل الإنكار، أي: أتعرض؟ قوله: ((يعرضها)) بكسر الراء، قوله: ((ويعودان بتلك المقالة)).
قال عياض وفي نسخة ويعيدان يعني: أبا جهل وعبد الله. وقال عياض أيضاً في جميع
الأصول. ويعود له بتلك المقالة، يعني: أبا طالب. ووقع في مسلم: ((لولا تعيرني قريش
يقولون: إنما حمله على ذلك الجزع))، بالجيم والزاي، وهو الخوف، وذهب الهروي
والخطابي فيما رواه عن ثعلب في آخرين أنه: بخاء معجمة وزاي مفتوحتين، ونبهنا غير واحد
أنه الصواب، ومعناه: الضعف والخور.
قوله: آخر ما كلمه)) أي: في آخر تكليمه إياهم. قوله: ((هو)) إما عبارة أبي طالب،
وأراد به نفسه، وإما عبارة الراوي، ولم يحك كلامه بعينه لقبحه، وهو من التصرفات الحسنة.
قوله: ((أما))، حرف تنبيه، وقيل: بمعنى حقاً، قوله: ((ما لم أَنْهَ))، على صيغة المجهول. قوله:

٢٦٢
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٨٠)
((عنك))، هذه رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: ((ما لم أنه عنه)). أي: عن الاستغفار الذي
دل عليه قوله: ((لأستغفرن))، قوله: فأنزل الله فيه: ﴿ما كان للنبي .. ﴾ [التوبة: ١١٣]. الآية
أي: فأنزل الله في الاستغفار قوله تعالى: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا
للمشركين﴾ [التوبة: ١١٣]. الآية، أي: ما كان ينبغي له ولا لهم الاستغفار للمشركين. وقال
الثعلبي: قال أهل المعاني: ما تأتي في القرآن على وجهين بمعني النفي كقوله: ﴿ما كان لكم
أن تنبتوا شجرها﴾ [النحل: ٦٠]. ﴿وما كان لنفس أن تموت إلاّ بإذن الله﴾ [آل عمران:
١٤٥]. والآخر بمعنى النهي. كقوله: ﴿وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله﴾ [الأحزاب: ٥٣].
وهي في حديث أبي طالب نهي، وتأول بعضهم الاستغفار هنا بمعنى الصلاة. وقال الواحدي:
سمعت أبا عثمان الحيري سمعت أبا الحسن بن مقسم سمعت أبا إسحاق الزجاج يقول في
هذه الآية: أجمع المفسرون أنها نزلت في أبي طالب، وفي (معاني الزجاج): يروى أن النبي،
عَّه، عرض على أبي طالب الإسلام عند وفاته، وذكر له وجوب حقه عليه فأبى أبو طالب
فقال عَّ ◌ُلّ: لأستغفرن لك حتى أُنهى عن ذلك، ويروى أنه استغفر لأمه. وروي أنه استغفر
لأبيه، وأن المؤمنين ذكروا محاسن آبائهم في الجاهلية وسألوا أن يستغفروا لآبائهم لما كان
من محاسن كانت لهم، فأعلم الله تعالى أن ذلك لا يجوز، فقال: ﴿ما كان للنبي والذين
آمنوا .. ﴾ [التوبة: ١١٣]. الآية، وذكر الواحدي من حديث موسى بن عبيدة، قال: ((أخبرنا
محمد بن كعب القرظي قال: بلغني أنه لما اشتكى أبو طالب شكواه التي قبض فيها، قالت
له قريش: أرسل إلى ابن أخيك يرسل إليك من هذه الجنة التي ذكرها يكون لك شفاء،
فأرسل إليه فقال رسول الله عَّ له: ((إن الله حرمها على الكافرين: طعامها وشرابها، ثم أتاه
فعرض عليه الإسلام، فقال: لولا أن نعير بها فيقال: جزع عمك من الموت لأقررت بها
عينك)) واستغفر له بعدما مات، فقال المسلمون: ما يمنعنا أن نستغفر لآبائنا ولذوي قرابتنا، قد
استغفر إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، لأبيه، ومحمد عَّ ◌َلَّهِ لعمه، فاستغفروا للمشركين حتى
نزلت ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا﴾ [التوبة: ١١٣]. الآية، ومن حديث ابن وهب: حدثنا ابن
جريج عن أيوب بن هانىء عن مسروق ((عن عبد الله: خرج رسول الله، عَُّلِّ، ينظر في
المقابر ونحن معه، فتخطى القبور حتى انتهى إلى قبر منها، فناجاه طويلاً، وفيه: ((فجاء وله
نحيب، فسئل، فقال: هذا قبر أبي)). وفيه: ((وإني استأذنت بعد ربي في زيارة أمي فأذن،
واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي))، وفيه: ونزل عليَّ ﴿ما كان للنبي﴾ [التوبة: ١١٣].
الآية، فأخذني ما يأخذ الوالد لولده من الرقة، فذلك الذي أبكاني)). وفي كتاب (مقامات
التنزيل) لأبي العباس الضرير: لما أقبل رسول الله عَّ له من تبوك الوسطى، واعتمر، فلما هبط
من عسفان أمر أصحابه أن يستندوا إلى العقبة حتى أرجع، فنزل على قبر أمه ثم بكى، فلما
رجع سأل عن بكائهم، فقالوا: بكينا لبكائك، قال: نزلت على قبر أمي فدعوت الله ليأذن لي
في شفاعتها يوم القيامة فأبى أن يأذن لي، فرحمتها فبكيت، ثم جاءني جبريل، عليه الصلاة
والسلام فقال: ﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبيه﴾ [التوبة: ١١٤]. الآية وفي تفسير ابن

٢٦٣
٢٣ - كِتَابُ الجَنّائِزِ / باب (٨٠)
مردويه: عن عكرمة، وفي آخره: كانت مدفونة تحت كذا، وكانت عسفان لهم وبها ولد
النبي ټڭ﴾.
وقال أبو العباس الضرير: وفي رواية الكلبي: أن النبي عَّم قال: قد استغفر إبراهيم
لأبيه، وهو مشرك لأستغفرن لأمي. فأتى قبرها ليستغفر لها فدفعه جبريل، عليه الصلاة
والسلام، عن القبر. وقال: ﴿ما كان للنبي﴾ [التوبة: ١١٣]. الآية. وفي تفسير ابن مردويه من
حديث ابن بريدة عن أبيه، صلى النبي عٍَّ ركعتين بعسفان، وقال استأذنت في الاستغفار
لآمنة، فنهيت فبكيت ثم عدت فصليت ركعتين، واستأذنت في الاستغفار لها فزجرت، ثم
دعا ناقته فما استطاعته القيام لنقل الوحي، فأنزل الله ﴿ما كان للنبي﴾ [التوبة: ١١٣]. الآية،
وقال الثعلبي من حديث سعيد عن أبيه المسيب: قال له النبي عَّله: أي عم، إنك أعظم
الناس علي حقاً، وأحسنهم عندي يداً ولأنت أعظم عندي حقاً من والدي، فقل كلمة تجب
لك بها شفاعتي يوم القيامة. وفيه: نزلت: ﴿ما كان للنبي﴾ [التوبة: ١١٣] الآية، وروى
الحاكم من حديث أبي الجليل عن علي، قال: سمعت رجلاً يستغفر لأبويه وهما مشركان،
فقلت: تستغفر لأبويك وهما مشركان؟ قال: أو لم يستغفر إبراهيم، عليه الصلاة والسلام،
لأبيه، فذكرته لرسول الله عَ لَه فنزلت ﴿ما كان للنبي﴾ [التوبة: ١١٣]. الآية، قال: صحيح
الإسناد ولم يخرجاه، ولما ذكر السهيلي قوله تعالى: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا
للمشركين﴾ [التوبة: ١١٣]. قال قد استغفر سيدنا رسول الله عَ لَم يوم أحد، فقال: اللهم إغفر
القومي فإنهم لا يعلمون، ولا يصح أن تكون الآية التي نزلت في عمه ناسخة لاستغفاره يوم
أحد، لأن عمه توفي قبل ذلك، ولا ينسخ المتقدم المتأخر، ويجاب بأن استغفاره لقومه
مشروط بتوبتهم من الشرك، كأنه أراد الدعاء لهم بالتوبة، وجاء في بعض الروايات: أللهم إهد
قومي، وقيل: أراد مغفرة تصرف عنهم عقوبة الدنيا من المسخ وشبهه، وقيل: تكون الآية
تأخر نزولها متقدماً ونزولها متأخر، لا سيما وبراءة من آخر ما نزل، فتكون على هذا ناسخة
للاستغفار، وقال ابن بطال ما محصله: أي محاجة يحتاج إليها من وافى ربه بما يدخله الجنة،
أجيب: بأنه عَّ الله ظن أن عمه اعتقد أن من آمن في مثل حاله لا ينفعه إيمانه إذا لم يقارنه عمل
سواء من صلاة أو صيام وحج وشرائط الإسلام كلها، فأعدمه عَِّ أن من قال: لا إله إلاَّ الله،
عند موته أنه يدخل في جملة المؤمنين، وإن تعرى من عمل سواها.
قلت: في قوله: وحج، نظر لأنه لم يكن مفروضاً بالإجماع يومئذ. وقيل: أن يكون أبو
طالب قد عاين أمر الآخرة وأيقن بالموت وصار في حالة من لا ينتفع بالإيمان لو آمن، فرجا
له، عَّله، أن قال: لا إله إلاَّ الله، وأيقن بنبوته أن يشفع له بذلك، ويحاج له عند الله تعالى في
أن يتجاوز عنه ويقبل منه إيمانه في تلك الحال، ويكون ذلك خاصاً بأبي طالب وحده
لمكانته من حمايته ومدافعته عنه، عَّهِ. وقيل: كان أبو طالب ممن عاين براهين النبي، عَّهِ،
وصدق بمعجزاته ولم يشك في صحة نبوته، فرجا له المحاجة بكلمة الإخلاص حتى يسقط
عنه إثم العناد والتكذيب، لما قد تبين حقيقته لكن آنسه، بقوله: ((أحاج لك بها عند الله)) لئلا

٢٦٤
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٨١)
يتردد في الإيمان ولا يتوقف عليه لتماديه على خلاف ما تبين حقيقته، وقيل: ((أحاج لك
بها))، كقوله ((أشهد لك بها عند الله)) لأن الشهادة للمرء حجة له في طلب حقه، ولذلك
ذكر البخاري هنا الشهادة لأنه أقرب التأويل في قصة أبي طالب في كتاب البعث، لاحتمالها
التأويل. ووقع عند إبن إسحاق: أن العباس قال للنبي عَُّلِّ: يا ابن أخي، إن الكلمة التي
عرضتها على عمك سمعته يقولها، فقال له النبي، عَّه: لم أسمع. قال السهيلي: لأن العباس
قال ذلك في حال كونه على غير الإسلام، ولو أداها بعد الإسلام لقبلت منه، كما قبل من
جبير بن مطعم حديثه الذي سمعه في حال كفره وأداه في الإسلام.
٨١ - بابُ الجَرِيدِ عَلَى القَبْرِ
أي: هذا باب في بيان وضع الجريد على قبر الميت، والجريد الذي يجرد عنه
الخوص.
وَأَوْصَى بُرَيْدَةُ الأَسْلَمِيُّ أَنْ يُجْعَلَ فِي قَبْرِهِ جَرِيدَانِ
مطابقته للترجمة ظاهرة، وبريدة، بضم الباء الموحدة وفتح الراء وسكون الياء آخر
الحروف وفتح الدال المهملة: ابن الحصيب، بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين: ابن عبد
الله الأسلمي، مات بمرو سنة اثنتين وستين، وقد تقدم في: باب من ترك العصر، وهذا التعليق
وصله ابن سعد من طريق مورق العجلي قال: أوصى بريدة أن يوضع في قبره جريدان. وقوله:
((في قبره)) رواية الأكثرين، وفي رواية المستملي: ((على قبره))، والحكمة في ذلك، على
رواية الأكثرين، التفاؤل ببركة النخلة. لقوله تعالى: ﴿كشجرة طيبة﴾ [إبراهيم: ٢٤]. وعلى
رواية المستملي الاقتداء بالنبي عَّ ◌ٍ في وضعه الجريدتين على القبر، وسنذكر الحكمة فيه
عن قريب، إن شاء الله تعالى.
وَرَأَى ابْنُ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما فُسْطَاطِاً عَلَى قَبْرِ عَبْدِ الرَّحْمنِ فقال انْزَعْهُ يا غُلامُ
فَإِنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ
وجه إدخال أثر ابن عمر في هذه الترجمة من حيث إنه كان يرى أن وضع النبي عَ له.
الجريدتين على القبرين خاص بهما، وأن بريدة حمله على العموم، فلذلك عقب أثر بريدة بأثر
عبد الله بن عمر، رضي الله تعالى عنهما، وعبد الرحمن هو ابن أبي بكر الصديق، رضي الله
تعالى عنهما، بينه ابن سعد في روايته له موصولاً من طريق أيوب بن عبد الله بن يسار. قال:
مر عبد الله بن عمر على قبر عبد الرحمن بن أبي بكر أخي عائشة، رضي الله تعالى عنهم،
وعليه فسطاط مضروب، فقال: يا غلام إنزعه فإنما يظله عمله. قال الغلام: تضربني مولاتي.
قال: كلا فنزعه. قوله: ((انزعه)) أي: إقلعه، وكان الغلام الذي خاطبه عبد الله غلام عائشة
أخت عبد الرحمن. قوله: ((فإنما يظله)) أي: لا يظله الفسطاط، بل يظله العمل الصالحٍ فدل
هذا على أن نصب الخيام على القبر مكروه، ولا ينفع الميت ذلك، ولا ينفعه إلاّ عمله

٢٦٥
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٨١)
الصالح الذي قدمه، وتفسير الفسطاط قد مر مستوفىّ في: باب ما يكره من اتخاذ المساجد
على القبور.
وقالَ خارِجَةُ بنُ زَيْدٍ وَرَأَيْتُنِي وَنَحْنُ شُبَّانٌ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ رضي الله تعالى عنهُ وَإِنْ
أَشَدَّنا وَثْبَةُ الَّذِي يَقِبُ قَبْرَ عُثْمَانَ بِنِ مَطْعُونٍ حَتَّى يُجَاوِزَهُ
قيل: لا مناسبة في إدخال قول خارجة في هذا الباب، وإنما موضعه في: باب موعظة
المحدث عند القبر وقعود أصحابه حوله، وكان بعض الرواة كتبه في غير موضعه، وقد تكلف
طريق إلى كونه من هذا الباب، وهي الإشارة إلى أن ضرب الفسطاط إن كان لغرض صحيح
كالتستر من الشمس مثلاً للأحياء لا لإظلال الميت فقط، جاز، فكأنه يقول: إذا كان على
القبر لغرض صحيح لا لقصد المباهاة جاز، كما يجوز القعود عليه لغرض صحيح لا لمن
أحدث عليه، وخارجة بن زيد بن ثابت الأنصاري، أحد التابعين الثقات وأحد الفقهاء السبعة
من أهل المدينة، وصل هذا التعليق البخاري في (التاريخ الصغير) من طريق ابن إسحاق:
حدثني يحيى بن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري، سمعت خارجة فذكره. قوله:
((رأيتتي)) بضم التاء المثناة من فوق، وكون الفاعل والمفعول ضميرين لشيء واحد من
خصائص أفعال القلوب، والتقدير: رأيت نفسي، والواو في: ((ونحن شبان)) للحال، و: شبان،
بضم الشين المعجمة وتشديد الباء الموحدة جمع: شاب. قوله: ((وثبة)) مصدر من: وثب يثب
وثباً ووثبة، ومظعون، بظاء معجمة ساكنة وعين مهملة.
وقال عُثْمَانُ بنُ حَكِيمٍ أَخَذَ بِيَدِي خَارِجَةُ فَأَجْلَسَنِي عَلَى قَبْرٍ وَأَخْبَرَني عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بنِ
ثابتٍ قال إنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ لِمَنْ أَحْدَثَ عليهِ
الكلام في ذكر مناسبة هذا كالكلام في الذي قبله، وعثمان بن حكيم بن عباد بن
حنيف الأنصاري الأوسي الأحملاني أبو سهل المدني، ثم الكوفي، أخو حكيم بن حكيم.
وعن أحمد: ثقة ثبت وهو من أفراد مسلم، وهذا التعليق وصله مسدد في (مسنده) الكبير
وبيَّن فيه سبب إخبار خارجة لحكيم بذلك، ولفظه: حدثنا مسدد حدثنا عيسى بن يونس
حدثنا عثمان بن حكيم حدثنا عبد الله بن سرجس وأبو سلمة بن عبد الرحمن أنهما ((سمعا أبا
هريرة يقول: لأن أجلس على جمرة فتحرق ما دون لحمي حتى تفضي إلى، أحب من أن
أجلس على قبره. قال عثمان: فرأيت خارجة بن زيد في المقابر، فذكرت له ذلك فأخذ
بيدي ... )) الحديث، وقد أخرج مسلم حديث أبي هريرة مرفوعاً، فقال: حدثني زهير بن
حرب، قال: حدثنا جرير عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله عَ لّهِ: ((لأن
يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على
قبر)). وقال بعضهم: وروى الطحاوي من طريق محمد بن كعب، قال: إنما قال أبو هريرة: من
جلس على قبر ليبول عليه، أو يتغوط، فكأنما جلس على جمرة، لكن إسناده ضعيف.

٢٦٦
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٨١)
قلت: سبحان الله ما لهذا القائل من التعصبات الباردة، فالطحاوي أخرج هذا عن أبي
هريرة من طريقين، أحدهما هذا الذي ذكره هذا القائل أخرجه عن يونس بن عبد الأعلى شيخ
مسلم عن عبد الله ابن وهب عن محمد بن أبي حميد عن محمد بن كعب عن أبي هريرة،
قال: قال رسول الله عَّه. والآخر أخرجه عن ابن أبي داود عن محمد بن أبي بكر المقدمي
عن سليمان بن داود عن محمد بن أبي حميد ... إلى آخره نحوه، وأخرجه عبد الله بن وهب
والطيالسي في مسنديهما، ولم يذكر الطحاوي هذا الحديث إلا تقوية لحديث زيد بن ثابت
أخرجه عن سليمان بن شعيب عن الحصيب عن عمرو بن علي عن عثمان بن حكيم عن أبي
أمامة أن زيد بن ثابت، قال: هلم يا ابن أخي أخبرك إنما نهى النبي عَّ ◌ُلّه عن الجلوس على
القبور لحدث غائط أو بول، ورجاله ثقات، وعمرو بن علي هو الفلاس شيخ الجماعة، فهذا
القائل: هلا ما أورد هذا الحديث الصحيح، وأورد الحديث الذي هو محمد بن أبي حميد
المتكلم فيه، مع أنه ذكر الطحاوي هذا استشهاداً وتقوية، ولكن إنما ذكره هذا القائل حتى
يفهم أن الطحاوي الذي ينصر مذهب الحنفية إنما يروي في هذا الباب الأحاديث الضعيفة،
ومن شدة تعصبه ذكر الحديث فنسبه إلى أبي هريرة، ولِمَّ لَم يذكر فيه: قال أبو هريرة: قال
النبي عَّله، فأبرزه في صورة الموقوف، والحديث مرفوع، وتحقيق الكلام في هذا الباب ما
قاله الطحاوي: باب الجلوس على القبور: حدثنا يونس، قال: حدثنا يحيى بن حسان، قال:
حدثنا صدقة بن خالد عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن بسر بن عبيد الله عن أبي إدريس
الخولاني عن واثلة بن الأسقع عن أبي مرثد الغنوي، قال: سمعت رسول الله عَ لَه يقول: ((لا
تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا إليها)). وأخرج هذا الحديث من أربع طرق، وأخرجه مسلم
وأبو داود والترمذي، واسم أبي مرثد: كناز بن الحصين، وأخرج أيضاً من حديث عمرو بن
جزم قال: ((رآني رسول الله عَّه على قبر فقال: إنزل عن القبر فلا تؤذ صاحب القبر ولا
يؤذيك)). وأخرجه أحمد في (مسنده) وأخرجه أيضاً من حديث جابر قال: ((نهى رسول الله
عَّ لِ عن تخصيص القبور والكتابة عليها والجلوس عليها والبناء عليها)). وأخرجه الجماعة غير
البخاري. وأخرج أيضاً من حديث أبي هريرة نحو رواية مسلم عنه، وقد ذكرناه الآن، ثم قال:
فذهب قوم إلى هذه الآثار وقلدوها وكرهوا من أجلها الجلوس على القبور، وأراد بالقوم:
الحسن البصري ومحمد بن سيرين وسعيد بن جبير ومكحولاً وأحمد وإسحاق وأبا سليمان،
ويروى ذلك أيضاً عن عبد الله وأبي بكرة وعقبة بن عامر وأبي هريرة وجابر، رضي الله تعالى
عنه، وإليه ذهب الظاهرية وقال ابن حزم في (المحلى): ولا يحل لأحد أن يجلس على قبر،
وهو قول أبي هريرة وجماعة من السلف، ثم قال الطحاوي: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا:
لم ينه عن ذلك لكراهة الجلوس على القبر، ولكنه أريد به الجلوس للغائط أو البول، وذلك
جائز في اللغة، يقال: جلس فلان للغائط وجلس فلان للبول، وأراد بالآخرين: أبا حنيفة ومالكاً
وعبد الله بن وهب وأبا يوسف ومحمداً، وقالوا: ما روي عن النهي محمول على ما ذكرنا،
ويحكى ذلك عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر، رضي الله تعالى عنهم، ثم قال:

٢٦٧
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٨١)
واحتجوا في ذلك بما حدثنا سليمان بن شعيب، وقد ذكرناه عن قريب، وهو حديث زيد بن
ثابت، رضي الله تعالى عنه، ثم قال: فبين زيد في هذا الجلوس المنهي عنه في الأثر الأول ما
هو ثم روي عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، أيضاً من طريق ابن يونس، وطريق ابن أبي
داود، وقد ذكرناهما الآن، ثم قال: فثبت بذلك أن الجلوس المنهي عنه في الأثر الأول هو
هذا الجلوس، يعني: للغائط والبول، فأما الجلوس بغير ذلك فلم يدخل في ذلك النهي، وهذا
قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، رحمهم الله تعالى. قلت: فعلى هذا ما ذكره أصحابنا
في كتبهم من أن وطء القبور حرام، وكذا النوم عليها، ليس كما ينبغي. فإن الطحاوي هو
أعلم الناس بمذاهب العلماء، ولا سيما بمذهب أبي حنيفة.
وقال نافعّ كانَ ابنُ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما يَجْلِسُ عَلَى القُبُورِ
هذا التعليق وصله الطحاوي: حدثنا علي، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني
بكير عن عمرو عن بكير، أن نافعاً حدثه: أن عبد الله بن عمر كان يجلس على القبور. فإن
قلت: روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عنه قال: لأن أطأ على رضف أحب إليَّ من أن أطأ
على قبر؟ قلت: ثبت من فعله أنه كان يجلس على القبور، ويحمل قوله: ((لأن أطأ))، على
معنى: لأن أطأ لأجل الحديث، وقال بعضهم، بعد أن أورد ما أخرجه الطحاوي من أثر ابن
عمر، رضي الله تعالى عنه: ولا يعارض هذا ما أخرجه ابن أبي شيبة، وهو الذي ذكرناه الآن،
وهو من المسائل المختلف فيها، وورد فيها من صحيح الحديث ما أخرجه مسلم عن أبي
مرثد الغنوي مرفوعاً: ((لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها)) قلت: ليت شعري كيف يكون
ما ذكره من هذا جواباً لدفع المعارضة والجواب ما ذكرناه، ثم قال هذا القائل: وقال النووي:
المراد بالجلوس القعود عند الجمهور، وقال مالك: المراد بالقعود الحدث وهو تأويل ضعيف
أو باطل، قلت: شدة التعصب يحمل صاحبه على أكثر من هذا، وكيف يقول النووي: إن
تأويل مالك باطل وهو أعلم من النووي؟ ومثله بموارد الأحاديث والآثار؟ وقال هذا القائل
أيضاً، بعد نقله عن النووي: وهو يوهم بانفراد مالك بذلك، وكذا أوهمه كلام ابن الجوزي،
حيث قال جمهور الفقهاء على الكراهة خلافاً لمالك، وصرح النووي في (شرح المهذب):
أن مذهب أبي حنيفة كالجمهور، وليس كذلك، بل مذهب أبي حنيفة وأصحابه كقول
مالك لما نقله عنهم الطحاوي واحتج له بأثر ابن عمر المذكور. وأخرج عن علي نحوه.
قلت: الدعوى بأن الجمهور على الكراهة غير مسلمة، لأن المخالف لهم: مالك وعبد الله بن
وهب وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والطحاوي، ومن الصحابة: عبد الله بن عمر وعلي بن
أبي طالب، فكيف يقال بأن الجمهور على الكراهة ونحن أيضاً نقول الجمهور على عدم
الكراهة، ثم قال هذا القائل: ويؤيد قول الجمهور ما أخرجه أحمد من حديث عمر بن حزم
الأنصاري مرفوعاً: ((لا تقعدوا على القبور))، وفي رواية عنه: ((رآني رسول الله عَ له وأنا متكىء
على قبر، فقال: لا تؤذ صاحب القبر))، إسناده صحيح، وهو دال على أن المراد بالجلوس
القعود على حقيقته. قلت: المراد من النهي عن القعود على القبور، هو النهي عن القعود

٢٦٨
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٨٢)
لأجل الحدث، حتى يندفع التعارض بينه وبين ما رواه أبو هريرة، ولا يلزم من النهي عن
القعود على القبر لأجل الحدث نفي حقيقة القعود.
١٣٦١/١١٦ - حدّثنا يَحْيِّى قال حدَّثنا أبُو مُعَاوِيةَ عنِ الأعْمَشِ عِنْ مُجَاهِدٍ عنْ
طاؤسٍ عنِ ابنِ عِبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما عن النبيِّ عَّهِ أنَّهُ مَرَّ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ فقال إنَّهُمَا
لَيُعَذَّبَانِ وما يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ أمَّا أحدُهُمَا لاَ يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي
بِالثَّمِيمَةِ ثُمَّ أخَذَ جَرِيدَةٍ رَطْبَةً فَشَقَّهَا بِنِصْفَيْنِ ثُمَّ غَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً فقالُوا يا رسولَ اللهِ
لِمَ صَنَعْتَ لهذَا فقال لَعَلَّهُ أنْ يَخَفَّفَ عَنْهُمَا ما لَمْ يَيْبَسَا. [أنظر الحديث ٢١٦ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ثم أخذ جريدة .. )) إلى آخره، وهذا الحديث قد مضى
في كتاب الوضوء في: باب من الكبائر أن لا يستتر من بوله، أخرجه هناك: عن عثمان
عن جرير عن منصور عن مجاهد عن ابن عباس، قال: ((مر النبي عَّه بحائط من حيطان
المدينة - أو مكة - فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما ... )) الحديث، غير أن
هناك: عن مجاهد عن ابن عباس، وههنا: عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس،
وكلاهما صحيح، لأن مجاهداً يروي عن ابن عباس وعن طاوس أيضاً، وعكس الكرماني
فقال ههنا: عن مجاهد عن ابن عباس، وهناك: عن مجاهد عن طاوس، وهذا سهو منه،
وشيخه هناك يحيى، ذكره غير منسوب، فقال الغساني: قال ابن السكن: هو يحيى بن
موسى، وقال الكلاباذي: سمع يحيى ابن جعفر أبا معاوية وهو محمد بن خازم، بالخاء
المعجمة والزاي: الضرير، وبه جزم أبو نعيم في (مستخرجه) أنه يحيى بن جعفر، وجزم
أبو مسعود في (الأطراف): والحافظ المزي أيضاً بأنه يحيى بن يحيى، ومضى الكلام في
الحديث هناك مبسوطاً مستوفى.
٨٢ - بابُ مَوْعِظَةِ المُحَدِّثِ عِنْدَ القَبْرِ وَقُعُودِ أضْحَابِهِ حَوْلَهُ
أي: هذا باب في بيان وعظ المحدث عند القبر، والموعظة مصدر ميمي يقال: وعظ
يعط وعظاً وموعظة، والوعظ: النصح والتذكير بالعواقب، تقول: وعظته وعظاً وعظة فاتعظ
أي: قبل الموعظة. قوله: ((وقعود أصحابه))، بالجر عطف على قوله: ((موعظة المحدث))،
أي: وفي بيان قعود أصحاب المحدث حول المحدث، وكأنه أشار بهذه الترجمة إلى
أن الجلوس مع الجماعة عند القبر، إن كان لمصلحة تتعلق بالحي أو الميت لا يكره
ذلك، فأما مصلحة الحي فمثل أن يجتمع قوم عند قبر وفيهم من يعظهم ويذكرهم
الموت وأحوال الآخرة، وأما مصلحة الميت فمثل ما إذا اجتمعوا عنده لقراءة القرآن
والذكر، فإن الميت ينتفع به، وروى أبو داود من حديث معقل بن يسار قال: قال رسول
الله عَ لّهِ: ((اقرأوا يس على موتاكم)). وأخرجه النسائي وابن ماجه أيضاً، فالحديث يدل
على أن الميت ينتفع بقراءة القرآن عنده، وهو حجة على من قال: إن الميت لا ينتفع
بقراءة القرآن.

٢٦٩
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٨٢)
يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجدَاثِ الأجْدَاثُ القُبُورُ
مطابقة هذا وما بعده للترجمة من حيث أن ذكر خروج بني آدم من القبور وبعثرة ما في
القبور وإيفاضهم أي: إسراعهم إلى المحشر وهم ينسلون أي: يخرجون، كل ذلك من الموعظة.
والأحداث جمع: حدث، وهو القبر. وقد قالوا: جدف، بالفاء موضع الثاء المثلثة إلاّ إنهم لم يقولوا
في الجمع: أجداف، بالفاء وأشار بهذا إلى أن المراد من الأجداث في الآية: القبور، وقد وصله ابن
أبي حاتم وغيره من طريق قتادة والسدي وغيرهما وفي (المخصص) قال الفارسي: اشتقاق الجدف
بالفاء من التجديف، وهو كفر النعم، وفي (الصحاح): الجدث القبر والجمع أحدث وأحداث.
وقال ابن جني: وأحدث، موضع، وقد نفى سيبويه أن يكون أفعل من أبنية الواحد، فيجب أن يعد
هذا مما فاته، إلاَّ أن يكون جمع الحدث الذي هو القبر على أحدث، ثم سمي به الموضع، وفي
(المجاز) لأبي عبيدة: بالثاء لغة أهل العالية، وأهل نجد يقولون: جدف، بالفاء.
بُعْثِرَتْ: أَثِيرَتْ، بَعْثَرْتُ حَوْضِي أَيْ جَعَلْتُ أسْفَلَهُ أَعْلاهُ
أشار به إلى قوله تعالى: ﴿وإذا القبور بعثرت﴾ [الانفطار: ٤]. وأن معناه: أثيرت من
الإثارة، وفي (الصحاح): قال أبو عبيدة: بعثر ما في القبور أثير وأخرج. وقال في (المجاز):
بعثرت حوضي أي: هدمته. وفي (المعاني) للفراء: بعثرت وبحثرت: لغتان وفي (تفسير
الطبري) عن ابن عباس: بعثرت بحثت. وفي (المحكم): بعثر المتاع والتراب قلبه، وبعثر
الشيء فرقه، وزعم يعقوب أن عينها بدل من عين بعثر أو غين بدل منها، وبعثر الخبر بحثه.
وفي (الواعي في اللغة): بعثرته إذا قلبت ترابه وبددته.
الإِيفَاضُ الإِسْرَاغُ
الإِيفاض، بكسر الهمزة، مصدر من أوفض يوفض إيفاضاً، وأصل إيفاض أوفاض، قلبت
الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، وأشار به إلى قوله تعالى: ﴿كأنهم إلى نضب يوفضون﴾
[المعارج: ٤٣]. وثلاثيه: وفض من الوفض، وهو: العجلة.
وَقَرَأْ الأَعْمَشُ إِلَى نَصْبٍ إِلَى شَيْءٍ مَنْصُوبٍ يَسْتَبِقُونَ إِلَيْهِ وَالنُّصْبُ وَاحِدٌ وَالنَّصْبُ
مَصْدَرٌ
الأعمش هو سليمان. قوله: ((إلى نصب))، بفتح النون كذا في رواية الأكثرين، وفي
رواية أبي ذر: بالضم، والأول أصح، وهو قراءة الجمهور، وحكى الطبري أنه لم يقرأه بالضم
إلا الحسن البصري وفي (المعاني) للزجاج: قرئت ((نصب))، نصب، بضم النون وسكون
الصاد، و: نصب، بضم النون والصاد، ومن قرأ: نصب ونصب، فمعناه كأنهم يوفضون إلى
علم منصوب لهم، ومن قرأ: نصب، فمعناه إلى أصنام لهم، وكانت النصب الآلهة التي كانت
تعبد من أحجار. وفي (المنتهى): النصب والنصب والنصب، بمعنى مثل: العمر والعمر والعمر،
وقيل: النصب حجر ينصب فيعبد ويصب عليه دماء الذبائح، وقيل: هو العلم ينصب للقوم،

٢٧٠
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٨٢)
أي علم كان. وفي (المحكم): النصب جمع نصيبة، كسفينة وسفن، وقيل: النصب الغاية،
ذكره عبد في تفسيره عن مجاهد وأبي العالية، وضعفه ابن سيده، وقال ابن التين: قرأ أبو
العالية والحسن بضم النون والصاد، وقال الحسن فيما حكاه عبد في تفسيره: كانوا يبتدرون
إذا طلعت الشمس إلى نصبهم سراعاً أيهم يستلمها أولاً لا يلوي أولهم على آخرهم. وقال أبو
عبيدة: النصب - بالفتح - العلم الذي ينصب، ونصب بالضم جماعة مثل: رهن ورهن. قوله:
((يوفضون)) أي: يسرعون، وهو من الإيفاض كما مر، وقال ابن حاتم: حدثنا أبي حدثنا مسلم
ابن إبراهيم عن قرة عن الحسن في قوله: ﴿إلى نصب يوفضون﴾ [المعارج: ٤٣]. أي:
يبتدرون أيهم يستلمه أول. قوله: ((والنصب واحد والنصب مصدر)) أشار بهذا إلى أن لفظ
النصب يستعمل إسماً ويستعمل مصدراً ويجمع على أنصاب. وقال بعضهم: النصب واحد
والنصب مصدر، كذا وقع فيه، والذي في (المعاني) للفراء: النصب والنصب واحد، وهو
مصدر، والجمع أنصاب، فكان التغيير من بعض النقلة. قلت: لا تغيير فيه لأن البخاري فرق
بكلامه هذا بين الاسم والمصدر، ولكن من قصرت يده عن علم الصرف لا يفرق بين الإسم
والمصدر في مجيئها على لفظ واحد.
يَوْمَ الخُرُوجِ مِنَ القُبُورِ يَنْسِلُونَ يَخْرُجُونَ
أشار بهذا إلى قوله تعالى: ﴿ذلك يوم الخروج﴾ [ق: ٤٢]. أي من القبور وفسر قوله:
﴿ينسلون﴾ [الأنبياء: ٩٦، يس: ٥١]. بقوله: ﴿يخرجون﴾ [ق: ٤٢]. كذا ذكره عبد عن
قتادة، وقال أبو عبيدة: ينسلون يسرعون، والذئب ينسل ويعسل. وفي (الكامل): العسلان غير
النسلان، وفي كتاب الزجاج وابن جرير الطبري و(تفسير ابن عباس) ﴿ينسلون﴾ [الأنبياء:
٩٦، يس: ٥١]. يخرجون بسرعة. وفي (المجمل): النسلان مشية الذئب إذا أعنق وأسرع
في المشي، وفي (المحكم): نسل ينسل نسلاً ونسلاناً. وأصله للذئب، ثم استعمل في غير
ذلك. وفي (الجامع) للقزاز: نسولاً، وأصله عدو مع مقاربة خطو.
١٣٦٢/١١٧ - حدّثنا عُثْمَانُ قال حدَّثني جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عنْ سَعْدِ بنِ عُبَيْدَةً عن
أبي عَبْدِ الرَّحْمنِ عنْ عَلِيّ رضي الله تعالى عنهُ. قال كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فِي بَقِيعَ الغَرْقَدِ فأتانا
النبيُّ عَ لَّهِ فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ فَتَكْسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِخْصَرَتِهِ ثُمَّ قَالَ ما مِنْكُمْ
مِنْ أحَدٍ ما منِ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلاَّ كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ وَإِلاَّ قَدْ كُتِبَ شَقِيَّةً أُوْ
سَعِيدَةً فقال رَجُلٌ يا رسول اللهِ أَفَلاَ تَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا ونَدَعُ العَمَلَ فَمَنْ كانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ
السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إلَى عَمَلٍ أهْلِ السَّعَادَةِ وَأَمَّ منْ كانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَسَيَصِيرُ إلَى عَمَلٍ
الشَّقَاوَةِ قال ثُمَّ قَرَأْ ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [الليل: ٥] الآيَةَ. [الحديث ١٣٦٢ - أطرافه
في: ٤٩٤٥، ٤٩٤٦، ٤٩٤٧، ٤٩٤٨، ٦٢١٧، ٠٦٦٠٥ ٧٥٥٢].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فقعد وقعدنا حوله))، وكان في قعوده، عَّدٍ، وكلامه بما
قاله فيه وعظ لهم.

٢٧١
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٨٢)
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: عثمان بن محمد بن أبي شيبة، واسمه إبراهيم أبو
الحسن العبسي. الثاني: جرير بن عبد الحميد الضبي. الثالث: منصور بن المعتمر. الرابع:
سعد بن عبيدة، بضم العين وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف، وقد مر في آخر
كتاب الوضوء. الخامس: أبو عبد الرحمن، هو عبد الله بن حبيب، بفتح الحاء المهملة، مر
في: باب غسل المذي في كتاب الغسل. السادس: علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى
عنه.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في
أربعة مواضع. وفيه: القول في موضع واحد. وفيه: أن شيخه مذكور غير منسوب، وكذلك
اثنان فيما بعده. وفيه: أحدهم مذكور بكنيته. وفيه: أن رواته كلهم كوفیون إلاَّ جريراً رازي
وأصله من الكوفة. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في التفسير عن آدم بن
أبي إياس، وعن بشر بن خالد عن محمد بن جعفر وعن يحيى بن وكيع، ثلاثتهم عن شعبة
وعن أبي نعيم عن سفيان وعن مسدد عن عبد الواحد بن زياد ثلاثتهم عن الأعمش عنه به
وفي القدر عن عبدان وفي الأدب عن بندار عن غندر. وأخرجه مسلم في القدر عن عثمان
ابن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم وزهير بن حرب، ثلاثتهم عن جرير به وعن أبي بكر بن أبي
شيبة وزهير بن حرب، وأبي سعيد الأشج، ثلاثتهم عن وكيع به وعن أبي بكر بن أبي شيبة
وهناد بن السري وعن محمد بن عبد الله بن نمير وعن أبي كريب وعن أبي موسى وابن
بشار. وأخرجه أبو داود في السنة عن مسدد. وأخرجه الترمذي في القدر عن الحسن بن علي
الخلال وفي التفسير عن بندار. وأخرجه النسائي في التفسير عن محمد بن عبد الأعلى وعن
إسماعيل بن مسعود. وأخرجه ابن ماجه في السنة عن عثمان بن أبي شيبة وعن علي بن
محمد عن أبي معاوية ووكيع به.
ذكر معناه: قوله: ((في بقيع))، بفتح الباء الموحدة وكسر القاف وهو من الأرض
موضع فيه أروم شجر من ضروب شتى، وبه سمي: بقيع الغرقد، بالمدينة وهي مقبرة أهلها،
و:الغرقد، بفتح الغين المعجمة وسكون الراء وفتح القاف وفي آخره دال مهملة: وهو شجر له
شوك كان ينبت هناك فذهب الشجر وبقي الإسم لازماً للموضع. وقال الأصمعي: قطعت
غرقدات في هذا الموضع حين دفن فيه عثمان بن مظعون، رضي الله تعالى عنه. وقال
ياقوت: وبالمدينة أيضاً بقيع الزبير وبقيع الخيل عند دار زيد بن ثابت وبقيع الخبجبة، بفتح
الخاء المعجمة والباء الموحدة الساكنة والجيم المفتوحة والباء الموحدة الأخرى، كذا ذكره
السهيلي، وغيره يقول: الجبجبة، بجيمين، وبقيع الخضمات، قال الخطابي: ومن الناس من
يقوله بالباء، وقال أبو حنيفة: الغرقد واحدها غرقدة وإذا عظمت العوسجة فهي غرقدة،
والعوسج من شجر الشوك له ثمر أحمر مدور كأنه خرز العقيق. وقال أبو العلاء المعري: هو
نبت من نبات السهل، وقال أبو زيد الأنصاري: الغرقد ينبت بكل مكان ما خلا حر الرمل،

٢٧٢
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٨٢)
وذكر ابن البيطار في (جامعه) أن الغرقد اسم عربي يسمي به بعض العرب النوع الأبيض
الكبير من العوسج. قال أبو عمر: إن مضغه مر. وفي الحديث في ذكر الدجال كل شيء
يواري يهودياً ينطق إلاَّ الغرقد فإنه من شجرهم فلا ينطق، وقال الأصمعي: الغرقد من شجر
الحجاز. وفي (المحكم): بقيع الغرقد يسمى كفنة لأنه يدفن فيه. قوله: ((ومعه مخصرة))،
بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الصاد المهملة والراء: وهو شيء يأخذه الرجل
بيده ليتوكأ عليه مثل العصا ونحوه، وهو أيضاً ما يأخذه الملك يشير به إذا خطب، واختصر
الرجل أمسك المخصرة. قال ابن قتيبة: التخصير إمساك القضيب باليد، وجزم ابن بطال أنه
العصا. وقال ابن التين: عصا أو قضيب.
قوله: ((فنكس))، بتخفيف الكاف وتشديدها، لغتان، أي: خفض رأسه وطأطأ به إلى
الأرض على هيئة المهموم المفكر، ويحتمل أيضاً أن يراد بنكس: نكس المخصرة. قوله:
(ينكت)) من النكت، وهو أن يضرب في الأرض بقضيب يؤثر فيها، ويقال: النكت قرعك
الأرض بعود أو بأصبع يؤثر فيها. قوله: ((منفوسة)) أي: مصنوعة مخلوقة. قوله: ((إلا كتب))،
على صيغة المجهول. قوله: ((مكانها))، بالرفع مفعول ناب عن الفاعل، وأصله: كتب الله
مكان تلك النفس المخلوقة، وكلمة: من، للبيان. قوله: ((والنار))، قال الكرماني: الواو في:
النار، بمعنى: أو. قلت: لم أدر ما حمله على هذا. قوله: ((وإلا)) كلمة: إلا، الثانية تروى بالوار
وتروى بدونها، وفيه غرابة من الكلام، وهي أن قوله: ((ما من نفس)) يحتمل أن يكون بدلاً من
قوله: (ما منكم)) وأن يكون إلاَّ ثانياً بدلاً من إلاَّ أولاً. ويحتمل أن يكون من باب اللف
والنشر، وأن يكون تعميماً بعد تخصيص، إذ الثاني في كل منها أعم من الأول. قوله:
((شقية)) قال الكرماني: بالرفع أي: هي شقية. قلت: وجه ذلك هو أن الضمير في قوله: ((إلاَّ
قد كتب))، يرجع إلى قوله: ((مكانها))، لأنه بدل منه فلا يصح أن يكون ارتفاع: شقية، إلاَّ
بتقدير شيء محذوف حينئذ وهو لفظ: هي، على أنه مبتدأ وشقية خبره. قوله: ((فقال رجل))
قيل: إنه عمر، وقيل: إنه غيره. قوله: ((أفلا نتكل على كتابنا؟)) أي: الذي قدر الله علينا
ونتكل؟ أي: نعتمد؟ وأصله: نوتكل، فأبدلت التاء من الواو وأدغمت في الأخرى لأن أصله
من وكل يكل. قوله: ((وندع العمل)) أي: نتركه. قوله: ((فسيصير)) أي: فسيجريه القضاء إليه
قهراً، ويكون مآل حاله ذلك بدون اختياره. قوله: ((فييسرون))، ذكره بلفظ الجمع باعتبار
معنى الأهل، ووجه مطابقة جوابه عَّلِ لسؤالهم هو أنهم لما قالوا: إنا نترك المشقة التي في
العمل الذي لأجلها سمي بالتكليف، فقال عَّ له: ((لا مشقة ثمة إذ كل ميسر لما خلق له))،
((وهو يسير على من يسره الله عليه)). فإن قيل: إذا كان القضاء الأزلي يقتضي ذلك، فلم
المدح والذم والثواب والعقاب؟ أجيب: بأن المدح والذم باعتبار المحلية لا باعتبار الفاعلية،
وهذا هو المراد بالكسب المشهور عن الأشاعرة، وذلك كما يمدح الشيء ويذم بحسنه وقبحه
وسلامته وعاهته. وأما الثواب والعقاب فكسائر العاديات، فكما لا يصح عندنا أن يقال: لم
خلق الله تعالى الإحتراق عقيب مماسة النار ولم يحصل ابتداء؟ فكذا ههنا، وقال الطيبي:

٢٧٣
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٨٢)
الجواب من الأسلوب الحكيم منعهم عَِّ عن الاتكال وترك العمل، وأمرهم بالتزام ما يجب
على العبد من العبودية، وإياكم والتصرف في الأمور الإلهية فلا تجعلوا العبادة وتركها سبباً
مستقلاً لدخول الجنة والنار، بل إنها علامات فقط، وقال الخطابي: لما أخبر عَ لّه عن سبق
الكتاب بالسعادة رام القوم أن يتخذوه حجة في ترك العمل، فأعلمهم أن هنا أمرين لا يبطل
أحدهما الآخر: باطن هو العلة الموجبة في حكم الربوبية، وظاهر هو التتمة اللازمة في حق
العبودية، وإنما هو أمارة مخيلة في مطالقة علم العواقب غير مفيدة حقيقة، وبيَّن لهم أن كلاً
ميسر لما خلق له، وأن عمله في العاجل دليل مصيره في الآجل، ولذلك مثل بقوله تعالى:
﴿فأما من أعطى واتقى﴾ [الليل: ٥]. الآية، ونظيره الرزق المقسوم مع الأمر بالكسب،
والأجل المضروب مع التعالج بالطب، فإنك تجد الباطن منهما على موجبه، والظاهر سبباً
مخيلاً، وقد اصطلحوا على أن الظاهر منهما لا يترك للباطن.
ذكر ما يستفاد منه: قال ابن بطال: هذا الحديث أصل لأهل السنة في أن السعادة
والشقاوة بخلق الله تعالى، بخلاف قول القدرية الذين يقولون: إن الشر ليس بخلق الله. وقال
النووي: فيه إثبات للقدر، وإن جمع الواقعات بقضاء الله تعالى وقدره، لا يُسأل عما يفعل،
وقيل: إن سر القدر ينكشف للخلائق إذا دخلوا الجنة، ولا ينكشف لهم قبل دخولها، وفيه
رد على أهل الجبر، لأن المجبر لا يأتي الشيء إلاَّ وهو يكرهه، والتيسير ضد الجبر، ألا ترى
أَن النبي عَ لّه قال: ((إن الله تجاوز عن أمتي ما استكرهوا عليه)). قال: والتيسير هو أن يأتي
الإنسان الشيء وهو يحبه.
واختلف أهل يعلم في الدنيا الشقي من السعيد؟ فقال قوم: نعم، محتجين بهذه الآية
الكريمة، والحديث لأن كل عمل أمارة على جزائه. وقال قوم: لا، والحق في ذلك أنه يدرك
ظناً لا جزماً. وقال الشيخ تقي الدين بن تيمية: من اشتهر له لسان صدق في الناس من
صالحي هذه الأمة هل يقطع له بالجنة؟ فيه قولان للعلماء رحمهم الله.
وفيه: جواز القعود عند القبور والتحدث عندها بالعلم والمواعظ. وفيه: نكته عزية
بالمخصرة في الأرض. أصل تحريك الإصبع في التشهد. قاله المهلب. فإن قلت: ما معنى
النكت بالمخصرة؟ قلت: هو إشارة إلى إحضار القلب للمعاني. وفيه: نكس الرأس عند
الخشوع والتفكر في أمر الآخرة. وفيه: إظهار الخضوع والخشوع عند الجنازة، وكانوا إذا
حضروا جنازة يلقى أحدهم حبيبه ولا يقبل عليه إلاَّ بالسلام حتى يرى أنه واجد عليه، وكانوا
لا يضحكون هناك، ورأى بعضهم رجلاً يضحك فآلى أن لا يكلمه أبداً، وكان يبقى أثر ذلك
عندهم ثلاثة أيام لشدة ما يحصل في قلوبهم من الخوف والفزع. وفيه: أن النفس المخلوقة
إما سعيدة وإما شقية، ولا يقال: إذا وجبت الشقاوة والسعادة بالقضاء الأزلي والقدر الإلهي فلا
فائدة في التكليف، فإن هذا أعظم شبه النافين للقدر، وقد أجابهم الشارع بما لا يبقى معه
إشكال، ووجه الانفصال أن الرب تعالى أمرنا بالعمل، فلا بد من امتثاله، وغيب عنا المقادير
لقيام حجته وزجره، ونصب الأعمال علامة على ما سبق في مشيئته، فسبيله التوقف، فمن
عمدة القاري / ج٨ / م١٨

٢٧٤
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٨٣)
عدل عنه ضل لأن القدر سر من أسراره لا يطلع عليه إلاَّ هو فإذا دخلوا الجنة كشف لهم.
٨٣ - بابُ ما جاءَ فِي قاتِلِ النَّفْسِ
أي: هذا باب في بيان ما جاء من الأخبار في حق قاتل النفس، قيل: مقصود الترجمة
حكم قاتل النفس، والمذكور في الباب حكم قاتل نفسه فهو أخص من الترجمة، ولكنه أراد
أن يلحق بقاتل نفسه قاتل غيره من باب الأولى. قلت: قوله: قاتل النفس، أعم من أن يكون
قاتل نفسه، وقاتل غيره، فهذا اللفظ يشمل القسمين فلا يحتاج في ذلك إلى دعوى الأخصية
ولا إلى إلحاق قاتل الغير بقاتل نفسه، ولا يلزم أن يكون حديث الباب طبق الترجمة من سائر
الوجوه، بل إذا صدق الحديث على جزء ما صدقت عليه الترجمة، كفى. وقيل: عادة
البخاري إذا توقف في شيء ترجم عليه ترجمة مبهمة كأنه ينبه على طريق الاجتهاد، وقد نقل
عن مالك أن قاتل النفس لا تقبل توبته، ومقتضاه أن لا يصلى عليه. قلت: لا نسلم أن هذه
الترجمة مبهمة، والإبهام من أين جاء وهي ظاهرة في تناولها القسمين المذكورين كما ذكرنا؟
وقال بعضهم: لعل البخاري أشار بذلك إلى ما رواه أصحاب السنن من حديث جابر بن
سمرة، رضي الله تعالى عنه: أن النبي، عَ ◌ّهِ، ((أتي برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يصل عليه)).
وفي رواية للنسائي: ((أما أنا فلا أصلي عليه)) لكنه لما لم يكن على شرطه أومأ إليه بهذه
الترجمة وأورد فيها ما يشبهه من قصة قاتل نفسه. قلت: توجيه كلام البخاري في الترجمة
بالتخمين لا يفيد، وكلامه ظاهر لا يحتاج إلى هذا التكلف، والوجه ما ذكرناه.
١٣٦٣/١١٨ _ حدَّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا يزِيدُ بنُ زُرَيْع قال حدَّثنا خالِدٌ عنْ أَبِي قِلَابَةَ
عنْ ثابتِ ابنِ الضَّحَّاكِ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النبيِّ عَ لَّهِ قال مَنْ حَلَفَ بِلَّةٍ غَيْرِ الإسْلامِ
كاذِباً مُتَعَمِّدَاً فَهْوَ كَمَا قالَ وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ عُذِّبَ بِهِ في نارٍ جَهَنَّمَ. [الحديث
١٣٦٣ - أطرافه في: ٤١٧١، ٤٨٤٣، ٦٠٤٧، ٦١٠٥، ٦٦٥٢].
وجه المطابقة بين الحديث والترجمة ما ذكرناه.
ذكر رجاله: وهم خمسة تقدموا، وخالد هو الحذاء وأبو قلابة عبد الله بن زيد بن
ثابت بن الضحاك الأنصاري الأشهلي من أصحاب بيعة الرضوان، وهو صغير، مات سنة
خمس وأربعين.
وفيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الأدب عن موسى بن
إسماعيل وفي النذور عن معلى بن أسد وفي الأدب أيضاً عن محمد بن بشار. وأخرجه مسلم
في الأيمان عن يحيى بن يحيى وعن أبي غسان وعن إسحاق بن إبراهيم وإسحاق بن منصور
وعبد الوارث بن عبد الصمد وعن محمد بن رافع. وأخرجه أبو داود في الأيمان والنذور عن
أبي توبة وأخرجه الترمذي فيه عن أحمد بن منيع. وأخرجه النسائي عن إسحاق بن منصور
وعن محمود بن خالد وعن قتيبة وعن محمد بن عبد الله، وأخرجه ابن ماجه في الكفارات

٢٧٥
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٨٣)
عن محمد بن المثنى.
ذكر معناه: قوله: ((بملة))، الملة الدين كملة الإسلام واليهودية والنصرانية، وقيل: هي
معظم الدين، وجملة ما يجيء به الرسل. صورته أن يحلف بدين النصارى أو بدين ملة من
ملل الكفرة. قوله: ((كاذباً)) حال من الضمير الذي في: حلف، أي: حال كونه كاذباً في
تعظيم تلك الملة التي حلف بها، فيكون هذا الحال من الأحوال اللازمة كما في قوله تعالى:
﴿وهو الحق مصدقاً﴾ [البقرة: ٩٢، وفاطر: ٣١]. لأن من عظم غير ملة الإسلام كان كاذباً
في تعظيم ذلك دائماً في كل حال، وفي كل وقت، ولا ينتقل عنه ولا يصلح أن يقال: إنه
يعني بكونه كاذباً في المحلوف عليه، لأنه يستوي في حقه كونه صادقاً أو كاذباً إذا حلف
بملة غير الإسلام، لأنه إنما ذمه الشرع من حيث إنه حلف بتلك الملة الباطلة معظماً لها على
نحو ما يعظم به ملة الإسلام الحق، ولا فرق بين أن يكون صادقاً أو كاذباً في المحلوف
عليه. قوله: ((متعمداً)) أيضاً حال من الأحوال المتداخلة أو المترادفة، قيد به لأنه إذا كان
الحالف بذلك غير معتقد لذلك فهو آثم مرتكب كبيرة إذ قد تشبه في قوله بمن يعظم تلك
الملة ويعتقدها، فغلظ عليه الوعيد بأن صير كواحد منهم مبالغة في الردع والزجر، كما قال
تعالى: ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾ [المائدة: ٥١]. وقال القرطبي: قوله: ((متعمداً))،
يحتمل أن يريد به النبي عّ لّهِ من كان معتقداً لتعظيم تلك الملة المغايرة لملة الإسلام،
وحينئذ يكون كافراً حقيقة، فيبقى اللفظ على ظاهره. قوله: ((فهو كما قال))، قال ابن بطال:
أي: هو كاذب لا كافر، ولا يخرج بهذه القصة من الإسلام إلى الدين الذي حلف به لأنه لم
يقل ما يعتقده، فوجب أن يكون كاذباً، كما قال لا كافراً. قال: فإن ظن أن في هذا الحديث
دليلاً على إباحة الحلف بملة غير الإسلام صادقاً لاشتراطه في الحديث أن يحلف به كاذباً،
قيل له: ليس كما توهمت لورود نهي النبي عَّم عن الحلف بغير الله نهياً مطلقاً، فاستوى
في ذلك الكاذب والصادق. وقال الكرماني: قوله: ((فهو كما قال)) أي: فهو على ملة غير
الإسلام، لأن الحلف بالشيء تعظيم له، ثم قال: الظاهر أنه تغليظ. قلت: حمله على هذا
التفسير صرفه معنى قوله: كاذباً إلى المحلوف عليه، وقد ذكرنا أنه لا يصلح ذلك الاستواء
كونه صادقاً أو كاذباً إذا حلف بملة غير الإسلام، وقال ابن الجوزي إنما يحلف الحالف بما
كان عظيماً عنده، ومن اعتقد تعظيم ملة الكفر فقد ضاهى الكفار. انتهى. قلت: فقد كفر
حقيقة والمضاهاة دون ذلك.
قوله: ((بحديدة)) أراد به آلة قاطعة مثل السيف والسكين ونحوهما، والحديدة أخص من
الحديد سمي به لأنه منيع، لأن أصله من الحد وهو المنع والجمع حدائد، وجاء في الشعر:
الحديدات. قوله: ((عذب به))، ويروى: ((بها))، أي: بالحديدة، وأما تذكير الضمير فباعتبار
المذكور، وإنما يعذب بها لأن الجزاء من جنس العمل.
ذكر ما يستفاد منه: احتج بالحديث المذكور أبو حنيفة وأصحابه على أن الحالف
باليمين المذكور ينعقد يمينه وعليه الكفارة، لأن الله تعالى أوجب على المظاهر الكفارة، وهو

٢٧٦
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٨٣)
منكر من القول وزور، والحلف بهذه الأشياء منكر وزور، وقال النووي: لا ينعقد بهذه الأشياء
يمين، وعليه أن يستغفر الله ويوحده ولا كفارة عليه سواء فعله أم لا. وقال: هذا مذهب
الشافعي ومالك وجمهور العلماء، واحتجوا بقوله عَّ له: ((من حلف فقال باللات والعزى فليقل
لا إله إلاّ الله))، ولم يذكر في الحديث كفارة، قلنا: لا يلزم من عدم ذكرها فيه نفي وجوب
الكفارة، وقال ابن بطال في قوله: ((ومن قتل نفسه بحديدة)): أجمع الفقهاء وأهل السنة على
أنه من قتل نفسه أنه لا يخرج بذلك من الإسلام، وأنه يصلى عليه وإثمه عليه، كما قال
مالك، ولم يكره الصلاة عليه إلا عمر بن عبد العزيز والأوزاعي، والصواب قول الجماعة لأن
النبي عَّهِ سن الصلاة على المسلمين ولم يستثن منهم أحداً فيصلى على جميعهم. قلت:
قال أبو يوسف: لا يصلى على قاتل نفسه لأنه ظالم لنفسه فيلحق بالباغي وقاطع الطريق،
وعند أبي حنيفة ومحمد: يصلى عليه لأن دمه هدر كما لو مات حتفه.
... / ١٣٦٤ _ وقال حجَّاجُ بنُ مِنْهَالٍ حدثنا جَرِيرُ بنُ حازِمِ عنِ الحَسَنِ قال حدثنا
مجْدَبٌ رضي الله تعالى عنهُ في لهذا المَسْجِدِ فَمَا نَسِينَا وما نَخَافُ أَنْ يَكْذِبَ جُنْدَبٌ عنٍ
النبيِّ عَ ◌ّهِ قال كانَ بِرَجُلٍ جِرَاحٌ قَتَلَ نَفْسَهُ فقال الله عزَّ وجَلَّ بَدَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ حَرَّمْتُ
عَلَيْهِ الجَنَّةَ. [الحديث ١٣٦٤ - طرفه في: ٣٤٦٣].
مطابقته للترجمة ظاهرة. ورجاله قد ذكروا غير مرة، وهذا تعليق وصله في ذكر بني
إسرائيل فقال: حدثنا محمد حدثنا حجاج بن منهال فذكره، وفي (التلويح): كذا ذكره عن
شيخه بلفظ: قال، وخرجه في أخبار بني إسرائيل، فقال: حدثنا محمد حدثنا حجاج بن
منهال، قال: وهو يضعف قول من قال: إنه إذا قال عن شيخه، وقال فلان، يكون أخذه عنه
مذاكرة، ولفظه هناك: كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح فجزع، فأخذ سكيناً فحز بها يده
فما رقي الدم حتى مات، وعند مسلم من حديث محمد بن أبي المقدمي: حدثنا وهب بن
جرير حدثنا أبي، ولفظه: ((خرجت به قرحة فلما آذته انتزع سهماً من كنانته فنكاها فلم يرق
الدم حتى مات)). وقال أبو عبد الله الحاكم محمد هذا هو الذهلي، قال الجياني: ونسبه أبو
علي ابن السكن عن الفربري، فقال: حدثنا محمد بن سعيد حدثنا حجاج، وقال الدارقطني:
قد أخرج البخاري عن محمد بن معمر وهو مشهور بالرواية، ثم رواه أبو علي عن حكيم بن
محمد حدثنا أبو بكر بن إسماعيل حدثنا علي بن قديد حدثنا محمد بن علي بن محرز
حدثنا حجاج فذكره.
ذكر معناه: قوله: ((في هذا المسجد))، الظاهر أنه مسجد البصرة، قوله: ((فما نسينا
وما نخاف)) ذكر هذا للتأكيد والتحقيق. قوله: ((عن النبي))، ويروى: ((عن النبي، عَّ له)) وهو
ظاهر، لأنه يقال: كذب عليه، وأما رواية: عن، فعلى معنى النقل، قوله: ((برجل جراح))، لم
يعرف الرجل من هو، و: الجراح، بكسر الجيم، ويروى: ((خراج))، بضم الخاء المعجمة
وتخفيف الراء، وهو في اصطلاح الأطباء: الورم إذا اجتمعت مادته المتفرقة في ليف العضو
الورم إلى تجويف واحد، وقبل ذلك يسمى ورماً وفي (المحكم) هو اسم لما يخرج في

٢٧٧
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٨٣)
البدن، زاد في (المنتهى): من القروح. وفي (المغرب): الخراج، بالضم البثر الواحدة، خراجة،
وزعم أبو موسى المديني أنه يجمع على خراجات وخرجات. وفي (الجمهرة) و(الجامع)
و(الموعب): الخراج ما خرج على الجسد من دمل ونحوه وزعم النووي أن الخراج قرحة،
بفتح القاف وإسكان الراء، وهي واحدة القروح، وهي حبات تخرج في بدن الإنسان. وفي
(التلويح): ينظر فيه من سلفه فيه. قوله: ((قتل نفسه))، أي: بسبب الجراح، وهي جملة وقعت
صفة، ويروى: ((فقتل)). قوله: ((بدرني))، معنى المبادرة: عدم صبره حتى يقبض الله روحه
حتف أنفه، يقال: بدرني، أي: سبقني من بدرت إلى الشيء أبدر بدراً: إذا أسرعت: وكذلك:
بادرت إليه.
قوله: ((حرمت عليه الجنة)) معناه: إن كان مستحلاً فعقوبته مؤبدة، أو معناه: حرمت
قبل دخول النار، أو المراد من الجنة: جنة خاصة لأن الجنان كثيرة، أو هو من باب التغيظ،
أو هو مقدر بمشيئة الله تعالى، وقيل: يحتمل أن يكون هذا الوعيد لهذا الرجل المذكور في
الحديث، وانضم إلى هذا الرجل مشركه، وقال ابن التين: يحتمل أن يكون كافراً، لقوله:
((فحرمت عليه الجنة))، وفيه نظر من حيث إن الجنة محرمة على الكافر سواء قتل نفسه او
استبقاها، وعلى تقدير أن يكون كافراً، إنما يتأتى على قول من يقول: إن الكفار مطالبون
بالفروع الشرعية، وعلى القول الآخر: لا يحسن ذلك، ثم إن الحديث لا دلالة فيه على كفر
ولا إيمان، بل هو على الإيمان أدل من غيره، والله أعلم، لا سيما وقد ورد في (المصنف)
لابن أبي شيبة: حدثنا شريك عن سماك ((عن جابر بن سمرة: أن رجلاً من أصحاب النبي،
عَّله، أصابته جراحة فآلمته، فأخذ مشقصاً فقتل به نفسه، فلم يصلِّ النبي عَ لِّ عليه)).
۔۔
١١٩/ ١٣٦٥ - حدّثنا أبو اليَمانِ قال أخبرنا شُعَيْبٌ قال حدَّثنا أبو الزِّنَادِ عنِ الأعْرَجِ
عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ. قال قال النبيُّ عَِّ الَّذِي يَخْنُقُ نَفْسَهُ يخْنُقُهَا في النَّارِ
وَالَّذِي يَطْعُنُها يَطْعُنُهَا في النَّارِ. [الحديث ١٣٦٥ - طرفه في: ٥٧٧٨].
هذا من أفراد البخاري من هذا الوجه، وأخرجه في الطب من طريق الأعمش عن أبي
صالح عن أبي هريرة مطولاً. ومن ذلك الوجه أخرجه مسلم، وليس فيه ذكر الخنق، وفيه من
الزيادة ذكر السم وغيره، ولفظه: ((فهو في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً»، وقد تمسك به
المعتزلة وغيرهم ممن قال بتخليد أصحاب المعاصي في النار، وأجاب أهل السنة بأجوبة،
منها: أنهم قالوا: هذه الزيادة وهم، وقال الترمذي بعد أن أخرجه، رواه محمد بن عجلان عن
سعيد المقبري عن أبي هريرة، فلم يذكر: ((خالداً مخلداً))، قال: وهو الأصح، لأن الروايات
قد صحت أن أهل التوحيد يعذبون ثم يخرجون منها، وقد ذكرنا أجوبة أخرى في هذا الباب،
وأبو اليمان: الحكم بن نافع، وشعيب بن أبي حمزة، وأبو الزناد، بكسر الزاي وبالنون: عبد
الله بن ذكوان، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز. قوله: ((يخنق))، بضم النون. قوله: ((يطعنها))،
بفتح العين وضمها، وإنما كان الخنق والطعن في النار، لأن الجزاء من جنس العمل.

٢٧٨
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٨٤)
٨٤ - بابُ ما يُكْرَهُ مِنَ الصَّلاةِ عَلى المُنَافِقِينَ وَالاسْتِغْفَارِ لِلْمُشْرِ كِينَ
أي: هذا باب في بيان كراهة الصلاة على المنافقين، وكراهة الاستغفار أي: طلب
المغفرة للمشركين لعدم الفائدة.
رَوَاهُ ابنُ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما عن النبيِّ عَّ
أي: روى كراهة الصلاة على المنافقين عبد الله بن عمر عن النبي عَّةٍ، وإنما ذكر
الضمير باعتبار المذكور في قوله: ((ما يكره)). قال الكرماني: فإن قلت: لما جزم البخاري بأنه
رواه فلم ما ذكره بإسناده. قلت: لأنه لم يكن الراوي بشرطه، أو لأنه ذكره في موضع آخر
انتهى. قلت: لا نسلم أنه جزم بذلك، بل أخبر. ولئن سلمنا ذلك فيحتمل أن تركه الإسناد
اكتفاء بالإسناد الذي ذكره في قصة الصلاة على عبد الله بن أبي في: باب القميص الذي
یلف.
١٣٦٦/١٢٠ - حدّثنا يحيى بنُ بُكَيْرٍ قال حدَّثني اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ
عنْ عُبَيْدِ اللهِ ابنِ عَبْدِ اللهِ عِنْ ابنِ عَبَّاسٍ عنْ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رضي الله تعالى عنهم أنَّهُ
قَال لَمَّا مات عَبْدُ اللهِ بنُ أَبَيّ بِنُ سَلُوَلَ دُعِيَ لَهُ رسولُ اللهِ عَّهُ لِيُصَلَّى عَلَيْهِ فَلَمَّا قامَ
رسولُ اللهِ عَ لَله وَثَبْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ يا رسولَ الله أَتُصَلِّي عَلَى ابنٍ أَبَيّ وَقَدْ قال يَوْمَ كَذَا وكَذَا
كَذَا وكَذَا أُعَدِّدُ عَلَيه قولَهُ فَتَبَسَّمَ رسولُ اللهِ عَّله وقال أَخِّرْ عَنِّي يا عُمَرُ فَلَمَّا أَكْثَرْتُ عليه
قال إنِّي خُيّزْتُ فَاخْتَرْتُ لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلىِ السَّبْعِينَ فَغُفِرَ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا قال
فصَلَّى عليه رسولُ اللهِ عَ لَّهِ ثُمَّ انْصَرَفَّ فَلَمْ يَمْكُثْ إِلَّ يَسِيراً حَتَّى نَزَلَتِ الْآيَتانِ مِنْ بَرَاءَةَ
﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم ماتَ أبداً﴾ إِلَى ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤] قال فَعَجِبْتُ بَعْدُ
مِنْ بجزأتِي عَلَى رَسُولِ اللهِ عَّ لِ يَوْمَئِذٍ وَالله ورسُولُهُ أَعْلَمُ. [الحديث ١٣٦٦ - طرفه في:
٤٦٧١].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ولا تصل على أحد منهم)) لأن قوله: ((لا تصل)) نهي،
والنهي يقتضي الكراهة. فإن قلت: من الترجمة قوله: والاستغفار للمشركين وليس في حديث
الباب ما يدل على النهي عن الاستغفار للمشركين؟ قلت: في قوله: ((حتى نزلت الآيات)) ما
يدل على ذلك، لأن من جملة الآيات قوله: تعالى: ﴿استغفر لهم أو لا تستغغفر لهم إن
تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ [التوبة: ٨٠]. الآية، وقوله: ﴿فلن يغفر الله لهم﴾
[التوبة: ٨٠]. يدل على منع الاستغفار لهم.
ذكر رجاله: وهم سبعة: الأول: يحيى بن بكير، بضم الباء الموحدة، وقد مر. الثاني:
الليث بن سعد. الثالث: عقيل، بضم العين: ابن خالد. الرابع: محمد بن مسلم بن شهاب.
الخامس: عبيد الله، بضم العين: ابن عبد الله، بفتح العين: ابن عيينة بن مسعود أحد الفقهاء
السبعة. السابع: عمر بن الخطاب.

:
:
٢٧٩
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٨٤)
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع وبصيغة الإفراد في
موضع. وفيه: العنعنة في خمسة مواضع. وفيه: أن شيخه منسوب إلى جده لأنه يحيى بن عبد
الله بن بكير، وهو والليث مصريان، وعقيل أيلي وابن شهاب وعبيد الله مدنيان. وفيه: رواية
التابعي عن التابعي عن الصحابي. وفيه: رواية الصحابي عن الصحابي عن النبي عَّه.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في التفسير عن يحيى بن
بكير عن الليث. وأخرجه الترمذي في التفسير عن عبد بن حميد. وأخرجه النسائي فيه عن
محمد بن عبد الله بن عمار ومحمد بن رافع، وفي الجنائز عن محمد بن عبد الله بن
المبارك. وأخرجه البخاري أيضاً من طريق ابن عمر في: باب الكفن في القميص، عن مسدد
عن يحيى عن سعيد بن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما.
وقد مضى الكلام فيه مستوفى، ونذكر هنا بعض شيء.
قوله: ((دعي))، على صيغة المجهول. قوله: ((أتصلي عليه؟)) الهمزة فيه للاستفهام.
قوله: ((أعدد عليه قوله) أي: أعد على النبي عَّ قول عبد الله بن أبي من أقواله القبيحة في
حق رسول الله عَِّ والمؤمنين. قوله: ((فلما أكثرت عليه))، أي: فلما زدت الكلام على
النبي عَّ له قال: ((إني خيرت)) على صيغة المجهول، وذلك في قوله تعالى: ﴿استغفر لهم أو
لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ [التوبة: ٨٠]. قوله: ((حتى
نزلت الآيات))، ويروى: حتى نزلت الآيتان الأولى قوله تعالى: ﴿ولا تصل علي أحد منهم
مات أبداً ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون﴾ [التوبة: ٨٤].
والآية الثانية في قوله: ﴿استغفر لهم﴾ [التوبة: ٨٠]. الآية، وأما على رواية الآيات فمن قوله:
﴿استغفر لهم﴾ [التوبة: ٨٠]. إلى قوله: ﴿وهم فاسقون﴾ [التوبة: ٨٤] ..
ذكر ما يستفاد منه: قال الداودي: هذه الآيات في قوم بأعيانهم يدل عليه قوله تعالى:
﴿وممن حولكم من الأعراب﴾ [التوبة: ١٢٠]. الآية، فلم ينه عما لم يعلم، وكذلك إخباره
لحذيفة بسبعة عشر من المنافقين، وقد كانوا يناكحون المسلمين ويوارثونهم ويجري عليهم
حكم الإسلام لاستتارهم بكفرهم، ولم ينه الناس عن الصلاة عليهم، إنما نهى النبي عَ لّه عنه
وحده، وكان عمر، رضي الله تعالى عنه، ينظر إلى حذيفة، رضي الله تعالى عنهما، فإن شهد
جنازة ممن يظن به شهد، وإلاَّ لم يشهده، ولو كان أمراً ظاهراً لم يسره الشارع إلى حذيفة،
وذكر عن الطبري أنه يجب ترك الصلاة على معلن الكفر ومسره، بهذا قال، فأما المقام على
قبره فغير محرم بل جائز لوليه القيام عليه لإصلاحه ودفنه، وبذلك صح الخبر، وعمل به أهل
العلم. وفي (التوضيح): وهذا خلاف ما قدمنا. أن ولد الكافر لا يدفنه ولا يحضر دفنه، وفي
(النوادر) عن ابن سيرين: ما حرم الله الصلاة على أحد من أهل القبلة إلا على ثمانية عشر
رجلاً من المنافقين، وقد قال عليه الصلاة والسلام لعلي، رضي الله تعالى عنه: ((إذهب فواره))
يعني أباك، وروى سعيد بن جبير، قال: مات رجل يهودي وله ابن مسلم، فذكر ذلك لابن
عباس، فقال: كان ينبغي أن يمشي معه ويدفنه ويدعو له بالصلاة ما دام حياً، فإذا مات وكله

٢٨٠
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٨٥)
إلى أشباهه، ثم قرأ: ﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة﴾ [التوبة: ١١٤]. الآية.
وقال النخعي: توفيت أم الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة وهي نصرانية، فاتبعها
أصحاب رسول الله عَّ لِ تكرمة للحارث ولم يصلوا عليها، ثم فرض على جميع الأمة أن لا
يدعوا لمشرك ولا يستغفروا له إذا مات على شركه، قال تعالى: ﴿ما كان للنبي والذين
آمنوا ... ﴾ [التوبة: ١١٣]. الآية، وقد بين الله تعالى عذر إبراهيم في استغفاره لأبيه فقال:
﴿إِلاّ عن موعدة وعدها إياه﴾ [التوبة: ١١٤]. فدعا له وهو يرجو إنابته ورجوعه إلى الإيمان:
﴿فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه﴾ [التوبة: ١١٤]. ففي هذا من الفقه أنه جائز أن يدعى
لكل من يرجى من الكفار إنابته بالهداية ما دام حياً لأنه عَّلِ إذا شمت أحد المنافقين واليهود
قال: يهديكم الله ويصلح بالكم، وقد يعمل الرجل بعمل أهل النار ويختم له بعمل أهل الجنة،
وفيه: تصحيح القول بدليل الخطاب لاستعمال النبي عَّم له، وذلك أن إخباره تعالى أنه لا
يغفر له ولو استغفر له سبعين مرة، يحتمل أنه لو زاد عليها كان يغفر له، لكن لما شهد الله
تعالى أنه كافر بقوله تعالى: ﴿ذلك بأنهم كفروا بالله وبرسوله﴾ [التوبة: ٨٠]. دلت هذه الآية
على تغليب أحد الاحتمالين، وهو أنه لا يغفر له لكفره، فلذلك أمسك عَ لِّ من الدعاء له.
وفي إقدام عمر، رضي الله تعالى عنه، على مراجعة رسول الله عَّ له من الفقه أن الوزير الفاضل
الناصح لا حرج عليه في أن يخبر سلطانه بما عنده من الرأي، وإن كان مخالفاً لرأيه، وكان
عليه فيه بعض الخفاء إذا علم فضل الوزير وثقته وحسن مذهبه، فإنه لا يلزمه اللوم على ما
يؤديه إليه اجتهاده، ولا يتوجه إليه سوء الظن، وإن صبر السلطان على ذلك من تمام فضله، ألا
يرى سكوته عَّله عن عمر وتركه الإنكار عليه، وفي رسول الله عَّ أكبر الأسوة.
٨٥ - بابُ ثَنَاءِ النَّاسِ عَلَى المَيِّتِ
أي: هذا باب في بيان مشروعية ثناء الناس على الميت، والثناء عليه بأن يذكر عنه من
أوصاف جميلة وخصال حميدة.
١٢١/ ١٣٦٧ - حدّثنا آدَمُ قال حدَّثنا شُعْبَةُ قال حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُّ صُهَيْبٍ قال
سَمِعْتُ أنَسَ بنَ مالِكِ رضي الله تعالى عنهُ يَقُولُ مَرُوا بِجَنَازَةٍ فأثْنُوا عَلَيْهَا خَيْراً فقال النبيُّ
عَّهِ وَجَبَتْ ثُمَّ مَرُوا بِأُخْرِى فَأَثْنُوا عَلَيْهَا شَرّاً فقال وَجَبَتْ فقالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رضي الله
تعالى عنهُ ما وَجَبَتْ قال: لهذا أَثْنَيْتُمْ عليهِ خَيْراً فَوَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ وَهُذا أَثْنَيْتُمْ عليه شَرّاً
فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ في الأرْضِ. [الحديث ١٣٦٧ - طرفه في: ٢٦٤٢].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فأثنوا عليها خيراً)). ورجاله قد ذكروا غير مرة، وآدم هو
ابن إیاس.
ذكر معناه: قوله: ((مروا بجنازة))، ويروى: ((مر بجنازة))، بضم الميم على صيغة
المجهول: ((فأثنوا عليها)) أي: على الجنازة، وأثنوا من الثناء: بالثاء المثلثة بعدها النون
وبالمد، وهو يستعمل في الخير ولا يستعمل في الشر، وقيل: يستعمل فيهما، وقيل: استعمال