Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٦٥)
ابن المنذر عن ابن مسعود والحسن بن علي وابن الزبير والمسور بن مخرمة مشروعيتها، وبه
قال الشافعي وإسحاق، ونقل عن أبي هريرة وابن عمر: ليس فيها قراءة، وهو قول مالك
والكوفيين. قلت: وليس في صلاة الجنازة قراءة القرآن عندنا. وقال ابن بطال: وممن كان لا
يقرأ في الصلاة على الجنازة وينكر: عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عمر وأبو
هريرة، ومن التابعين: عطاء وطاوس وسعيد بن المسيب وابن سيرين وسعيد بن جبير والشعبي
والحكم، وقال ابن المنذر: وبه قال مجاهد وحماد والثوري، وقال مالك: قراءة الفاتحة
ليست معمولاً بها في بلدنا في صلاة الجنازة، وعند مكحول والشافعي وأحمد وإسحاق: يقرأ
الفاتحة في الأولى، وقال ابن حزم: يقرؤها في كل تكبيرة عند الشافعي، وهذا النقل عنه
غلط، وقال الحسن البصري: يقرؤها في كل تكبيرة، وهو قول شهر بن حوشب، وعن
المسور بن مخرمة: يقرأ في الأولى فاتحة الكتاب وسورة قصيرة.
وقال الحَسَنُ يَقْرَأْ عَلَى الطَّفْلِ بِفاتِحَةِ الكِتَابِ ويَقُولُ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا فَرَطاً وَسَلَفاً وَأَجْراً
الحسن هو البصري، ووصله أبو نصر عبد الوهاب بن عطاء الخفاف في (كتاب
الجنائز) تأليفه: عن سعيد بن أبي عروبة أنه سئل عن الصلاة على الصبي فأخبرهم عن قتادة
عن الحسن أنه كان يكبر ثم يقرأ بفاتحة الكتاب ثم يقول: اللهم اجعله لنا سلفاً وفرطاً وأجراً.
قوله: ((فرطاً)) الفرط بالتحريك الذي يتقدم الواردة فيهيء لهم أسباب المنزل. قوله: ((وسلفاً))،
بتحريك اللام: أي: متقدماً إلى الجنة لأجلنا.
١٣٣٥/٩٠ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قال حدثنا غُنْدَرٌ قال حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ سَعْدٍ عنْ
طَلْحَةَ. قالَ صَلَّيْتُ خَلْفَ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما. حدثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ قال
أخبرنا سُفْيَانُ عنْ سَعْدِ بنِ إِبْرَاهِيمَ عنْ طَلْحَةَ بنِ عَبْدِ الله بنِ عَوْفٍ. قال صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ
عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما عَلَى جَنَازَةٍ فَقَرأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ قال لِيَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّةٌ.
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم ثمانية: الأول: محمد بن بشار، بفتح الباء الموحدة وتشديد الشين
المعجمة، وقد تكرر ذكره. الثاني: غندر، بضم الغين المعجمة وسكون النون وفتح الدال
وضمها: وهو محمد بن جعفر البصري، وقد تقدم. الثالث: شعبة بن الحجاج. الرابع: سعد
ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، مات عام خمسة وعشرين ومائة. الخامس: طلحة بن
عبد الله بن عوف ابن أخي عبد الرحمن، كان فقيهاً سخياً يقال له: طلحة الندي، مات عام
تسعة وتسعين. السادس: محمد بن كثير - ضد قليل - وقد تقدم. السابع: سفيان الثوري.
الثامن: عبد الله بن عباس.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع. وفيه: الإخبار
بصيغة الجمع في موضع. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في موضعين. وفيه: طريقان
عن شيخين كلاهما مسميان بمحمد. وفيه: أحد الرواة مذكورة بلقبه. وفيه: أن شيخه محمد

٢٠٢
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٦٥)
ابن بشار وشيخ شيخه بصريان وشعبة واسطي وسعد وطلحة مدنيان ومحمد بن كثير بصري
وسفيان كوفي.
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه أبو داود في الجنائز عن محمد بن كثير به. وأخرجه
الترمذي فيه عن محمد بن بشار عن عبد الرحمن عن سفيان بمعناه، وقال: حسن صحيح،
وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن بشار عن محمد بن جعفر به، وعن الهيثم بن أيوب
الطالقاني عن إبراهيم بن سعد عن أبيه.
ذكر معناه: قوله: ((فقرأ بفاتحة الكتاب))، ليس فيه بيان لموضع القراءة، قال شيخنا
زين الدين: هو مبين في حديث جابر، رواه البيهقي من طريق الشافعي، قال: أخبرنا إبراهيم
ابن محمد بن عبد الله بن محمد بن عقيل ((عن جابر بن عبد الله: أن النبي عَ لَّه كبر على
الميت أربعاً وقرأ بأم القرآن بعد التكبيرة الأولى)). قال شيخنا: وإسناده ضعيف. وقال: وإليه
ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق. قوله: ((ليعلموا أنها)) أي: أن قراءة الفاتحة في صلاة
الجنازة سنة، وفي رواية أبي داود: ((إنها من السنة)). وفي رواية النسائي وابن خزيمة في
(صحيحه) بلفظ: ((فأخذت بيده فسألته عن ذلك، فقال: يا ابن أخي إنه حق وسنة)). وفي
رواية الترمذي: ((إنه من السنة، أو من تمام السنة)). وفي رواية للنسائي بلفظ: ((فقرأ بفاتحة
الكتاب وسورة وجهر حتى أسمعنا، فلما فرغ أخذت بيده فسألته، فقال: سنة وحق)).
ذکر ما يستفاد منه: وهو على وجوه:
الأول: أن الترمذي لما روى هذا الحديث، قال: هذا حديث حسن صحيح، ثم قال:
والعمل على هذا عن بعض أهل العلم من أصحاب النبي عَِّ. وغيرهم يختارون أن يقرأ
بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق.
الثاني: ما حكاه الترمذي عن الشافعي من أن القراءة بعد التكبيرة الأولى، هل هو على
سبيل الوجوب أو على سبيل الاستحباب؟ حكى الروياني وغيره عن نص الشافعي أنه: لو أخر
قراءة الفاتحة إلى التكبيرة الثانية جاز، وهذا يدل على أن المراد الاستحباب دون الوجوب،
وحكى ابن الرفعة والبندنيجي والقاضي حسين وإمام الحرمين والغزالي والمتولي تعين القراءة
عقيب التكبيرة الأولى، واختلف في المسألة كلام النووي، فجزم في (البيان) بوجوب قراءتها في
التكبيرة الأولى، وخالف ذلك في (الروضة): فقال: إنه يجوز تأخيرها إلى التكبيرة الثانية. وقال في
(شرح المهذب) فإن قرأ الفاتحة بعد تكبيرة أخرى غير الأولى جاز، وكذا قال في (المنهاج).
الثالث: ليس في حديث ابن عباس صفة القراءة بالنسبة إلى الجهر والإسرار، وعند
البيهقي من طريق الشافعي عن ابن عيينة عن ابن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد، قال:
سمعت ابن عباس يجهر بفاتحة الكتاب في الصلاة على الجنازة، ويقول: إنما فعلت لتعلموا
أنها سنة، فقد يستدل به على الجهر بها، وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي فيما إذا
كانت الصلاة عليها ليلاً. قال شيخنا زين الدين: والصحيح أنه يسر بها ليلاً أيضاً وأما النهار

٢٠٣
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٦٥)
فاتفقوا على أنه يسر فيه. قال: ويجاب عن الحديث بأنه أراد بذلك إعلامهم بما يقرأ ليتعلموا
ذلك، ولعله جهر ببعضها، كما صح في الحديث أن النبي عَ لِ كان يسمعهم الآية أحياناً في
صلاة الظهر، وكان مراده ليعرفهم السورة التي كان يقرأ بها في الظهر. فإن قيل للشافعية: لِمَ
لم تقرأوا بسورة مع الفاتحة كما في غيرها من الصلوات؟ مع أن في رواية النسائي المذكورة
آنفاً: فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة؟ وأجيب: عن ذلك بأن البيهقي قال في (سننه) إن ذكر
السورة فيه غير محفوظ.
الرابع: قول الصحابي من السنة حكمه حكم المرفوع على القول الصحيح، قاله
شيخنا زین الدین. وفيه: خلاف مشهور.
ووردت أحاديث أخر في قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة. منها: حديث أم شريك،
رواه ابن ماجه عنها، قالت: ((أمرنا رسول الله عَّ الله أن نقرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب)).
ومنها: حديث أم عفيف النهدية أنها قالت: ((أمرنا النبي عَّ له أن نقرأ بفاتحة الكتاب على
ميتنا)) رواه أبو نعيم. ومنها: حديث أبي أمامة بن سهل أنه قال: ((السنة في الصلاة على
الجنازة أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن مخافتة، ثم يكبر ثلاثاً، والتسليم عند الأخيرة))،
رواه النسائي وقال النووي في (الخلاصة): إن إسناده على شرط الشيخين. قال: وأبو أمامة هذا
صحابي، وقال شيخنا زين الدين: لم يعقل برؤية النبي معَّم فليست له صحبة. وقال الذهبي:
أبو أمامة بن سهل بن حنیف: اسمه أسعد، سماه رسول الله ێ، وحديثه مرسل، وروى ابن أبي
شيبة عن رجل من همدان: أن عبد الله بن مسعود قرأ على جنازة بفاتحة الكتاب، وروى أيضاً
من حديث أبي العريان الحذاء، قال: صليت خلف الحسن بن علي على جنازة، فقلت له:
كيف صنعت؟ قال: قرأت عليها بفاتحة الكتاب، وعن ابن أبي عون: كان الحسن بن أبي
الحسن يقرأ بالفاتحة في كل تكبيرة على الجنازة، وقال ابن بطال: هذا قول شهر بن حوشب،
وقال الضحاك: أقرأ في التكبيرتين الأوليين بفاتحة الكتاب، وكان مكحول يفعل ذلك، وعن
فضالة مولى عمر ان الذي كان صلى على أبي بكر أو عمر، أقرأ عليه بفاتحة الكتاب، وقال ابن
بطال: روي عن ابن الزبير وعثمان بن حنيف أنهما كانا يقرآن عليها بالفاتحة، وفي (كتاب
الجنائز) للمزني: وبلغنا أن أبا بكر وغيره من الصحابة كانوا يقرأون بأم القرآن عليها. وفي
(المحلى): صلى المسور بن مخرمة فقرأ في التكبيرة الأولى بفاتحة الكتاب وسورة قصيرة رفع
بهما صوته، فلما فرغ قال: لا أجهل أن تكون هذه الصلاة عجماء، ولكني أردت أن أعلمكم أن
فيها قراءة. وروي عن أبي الدرداء وأنس وأبي هريرة: أنهم كانوا يقرأون بالفاتحة.
قلت: قد ذكرنا في أول الباب عن جماعة من الصحابة والتابعين أن لا قراءة في صلاة
الجنازة، وعن ابن مسعود: لم يوقت فيها النبي عَّهِ قولاً ولا قراءة، ولأن ما لا ركوع فيه لا
قراءة فيه كسجود التلاوة، واستدل الطحاوي على ترك القراءة في الأولى بتركها في باقي
التكبيرات، وبترك التشهد. وقال: لعل، قراءة من قرأ الفاتحة من الصحابة كان على وجه
الدعاء لا على وجه التلاوة.

٢٠٤
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٦٦)
ومن الدعاء للميت ما رواه مسلم ((عن عوف بن مالك، رضي الله تعالى عنه، يقول:
صلى رسول الله عَّل على جنازة فحفظت من دعائه وهو يقول: اللهم إغفر له وارحمه وعافه
واعف عنه، وأكرم نزله ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما
نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله داراً خيراً من داره، وأهلا خيراً من أهله، وزوجاً خيراً
من زوجه وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار، حتى تمنيت أن أكون ذلك
الميت)). وروى أبو داود من حديث أبي هريرة قال: ((صلى رسول الله عَّلَّه على جنازة فقال:
اللهم إغفر لحينا وميتنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، وشاهدنا وغائبنا. أللهم من أحييته
منا فأحيه من الإيمان، ومن توفيته منا فتوفه على الإسلام. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا
بعده)). وروى أيضاً ((عن واثلة بن الأسقع، قال: صلى بنا رسول الله عَّه على رجل من
المسلمين، فسمعته يقول: اللهم إن فلان ابن فلان في ذمتك، فَقِهِ من عذاب القبر)). قال عبد
الرحمن شيخ أبي داود: ((في ذمتك وحبل جوارك فَقِهِ من فتنة القبر وعذاب النار وأنت أهل
الوفاء والحق. اللهم اغفر له وارحمه إنك أنت الغفور الرحيم)). والحيل العهد والميثاق. وروى
الترمذي من حديث أبي إبراهيم الأشهلي عن أبيه ((قال: كان رسول الله عَّه إذا صلى على
الجنازة قال: اللهم إغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا)). قال
الترمذي: سألت محمداً - يعني: البخاري - عن اسم أبي إبراهيم الأشهلي فلم يعرفه. وروى
الحاكم في (المستدرك) من حديث يزيد بن ركانة: ((كان رسول الله عَ له إذا قام يصلي
على الجنازة قال: أللهم عبدك وابن عبدك احتاج إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه، إن كان
محسناً فزد في إحسانه، وإن كان مسيئاً فتجاوز عنه)). وروى المستغفري في (الدعوات) من
حديث علي بن أبي طالب، قال: قال رسول الله عَ ليه: ((يا علي: إذا صليت على جنازة فقل:
أللهم عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ماضٍ فيه حكمك، ولم يكن شيئاً مذكوراً، زارك وأنت
خير مزور. أللهم لقنه حجته وألحقه بنبيه، ونزله في قبره ووسع عليه في مدخله وثبته بالقول
الثابت فإنه افتقر إليك واستغنيت عنه، وكان يشهد أن لا إله إلا أنت فاغفر له، أللهم لا
تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده. يا علي: وإذا صليت على امرأة فقل: أنت خلقتها ورزقتها، وأنت
أحييتها وأنت أمتها، وأنت أعلم بسرها وعلانيتها، جئناك شفعاء لها إغفر لها، اللهم لا تحرمنا
أجرها ولا تفتنا بعدها. يا علي: وإذا صليت على طفل فقل: اللهم إجعل لأبويه سلفاً، واجعله
لهما فرطاً، واجعله لهما نوراً وسداداً، أعقب والديه الجنة إنك على كل شيء قدير)). وروى
الطبراني من حديث عبد الله بن حارث عن أبيه ((أن النبي، عَِّ، علمهم الصلاة على
الميت: اللهم إغفر لأحيائنا وأمواتنا، وأصلح ذات بيننا، وألف بين قلوبنا. أللهم هذا عبدك
فلان بن فلان لا تعلم إلاَّ خيراً، وأنت أعلم به. فاغفر لنا وله)).
٦٦ - بابُ الصَّلاَةِ عَلَى القَبْرِ بَعْدَمَا يُدْفَنُ
أي: هذا باب في بيان الصلاة على القبر بعدما يدفن الميت فيه، وهذا من المسائل
المختلف فيها، فلذلك أطلق الترجمة بالجواز أو بعدمه، وكلمة: ما، مصدرية أي: بعد الدفن.

٢٠٥
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٦٧)
١٣٣٦/٩١ _ حدَّثنا حَجَّاجُ بنُ مِنْهَالٍ قال حدثنا شُعْبَةُ قال حدَّثني سُلَيْمَان
الشَّيْبَانِيُّ. قال سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ. قال أخبرني مَنْ مَرَّ مَعَ النبيِّ عَ لَّه عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ فَأمَّهُم
وَصَلَوْا خَلْفَهُ قُلْتُ مَنْ حَدَّثَكَ لهذا يا أبَا عَمْرٍو قال ابنُ عَباسٍ رضي الله تعالى عنهما. [أنظر
الحديث ٨٥٧ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، ومضى هذا الحديث في كتاب الجنائز في موضعين في: باب
الصفوف على الجنازة، وفي: باب سنة الصلاة على الجنازة، والشعبي: هو عامر بن شراحيل،
وروي نحوه عن أبي هريرة في: باب كنس المسجد، وفي: باب الخدم في المسجد وقد
مضى الكلام فيه مستقصى.
٩٢/ ١٣٣٧ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ الفَضْلِ قال حدثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ ثابِتٍ عنْ أَبِي
رَافِعٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ أُسْوَدَ رَجُلاً أوِ امْرَأةً كانَ يَقُمُّ المَسْجِدَ فَمَاتَ
ولَمْ يَعْلَمِ النبيُّ عَّهِ بِمَوْيِهِ فَذَكَرَهُ ذَاتَ يَوْم فقال ما فَعَلَ ذُلِكَ الإِنْسَانُ قالُوا ماتَ يا رسولَ
الله قال أَفَلاَ آذَنْتُمُونِي فقالُوا إِنَّهُ كانَ كَذَا وكَذَا قِصَّتَهُ قال فَحَقَّرُوا شَأَنَهُ قال فَدُلُّونِي عَلَى
قَبْرِهِ فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ. [أنظر الحديث ٤٥٨ وطرفه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فصلى عليه)) أي: على قبره، وقد ذكرنا الآن أن البخاري
أخرج هذا الحديث في الموضعين المذكورين، أحدهما: عن سليمان بن حرب عن حماد بن
زيد. والآخر: عن أحمد بن واقد عن حماد، وقد مضى الكلام فيهما هناك.
قوله: ((رجلاً)) بالنصب بدل عن أسود، ويجوز بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف.
قوله: ((كان يقم)) أي: يكنس ويروى: ((يكون في المسجد يقم)). قوله: ((قصته))، منصوب
بمقدر، أي: ذكروا قصته. قوله: ((فدلوني))، بضم الدال. وفي هذا الحديث زاد ابن حبان في
رواية حماد بن سلمة عن ثابت، ثم قال: ((إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله
منورها عليهم بصلاتي)). فإن قلت: صلاته عَّلَّهِ على قبر الأسود المذكور بسبب أنهم حقروا
شأنه، وفي رواية ابن حبان: صلاته عليه بسبب أن قبره مملوء ظلمة على أهلها)). قلت:
الحكم يثبت بعلتين وأكثر.
٦٧ - بابٌ المَيِّتُ يَسْمَعُ خَفْقَ النِّعَالِ
أي: هذا باب يذكر فيه الميت يسمع خفق نعال الأحياء، وخفق النعال صوتها عند
دوسها على الأرض، وقوله: الميت، مرفوع لأنه مبتدأ وخبره هو قوله: يسمع، ولفظ: باب،
مقطوع عن الإضافة وارتفاعه على أنه خبر مبتدأ محذوف.
٩٤ / ١٣٣٨ - حدَّثنا عَّاشٌ قال حدثنا عَبْدُ الأعْلَى قال حدثنا سَعِيدٌ قال وقال لِي
خَلِيفَة حدثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْع قال حدثنا سَعِيدٌ عِنْ قَتَادَةَ عنْ أنَسٍ رضي الله تعالى عنهُ عنِ
النَّبِيِّ عَ ◌ّهِ. قال العَبْدُ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّىَ وَذَهَبَ أصْحَابُهُ حَتَّى إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ

٢٠٦
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٦٧)
نِعَالِهِمْ أَتَاهُ مَلَكَانٍ فَأَقْعَدَاهُ فَيَقُولاَنِ لَهُ ما كُنْتَ تَقُولُ فِي هذا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ عَ لَِّ فَيَقُولُ
أَشْهَدُ أنَّهُ عَبْدُ الله ورَسُولُهُ فَيُقَالُ انْظُرْ إِلَى مَفْعَدِكَ مِنَ النَّارِ أَبْدَلَكَ الله ◌ِهِ مَفْعَداً مِنَ الجَنَّةِ
قال النبيُّ عَِّ فَيَرَاهُمَا جَمِيعاً وَأمَّا الكَافِرُ أَوِ المُنَافِقُ فَيَقُوَّلُ لاَ أَذْرِي كُنْتُ أَقُولُ ما يَقُولُ
النَّاسُ فَيُقَالُ لاَ دَرَيْتَ وَلاَ تَلَيْتَ ثُمَّ يُضْرَبُ بِطْرَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةٌ بَيْنَ أُذُنَيْهِ فَيَصِيحُ
صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ لاَ يَلِيهِ إلَّ التَّقَلَيْنِ. [الحديث ١٣٣٨ - طرفه في: ١٣٧٤].
مطابقته للترجمة في قوله: ((إنه يسمع قرع نعالهم)) فإن قلت: في الترجمة خفق النعال
فلا تطابق؟ قلت: الخفق والقرع في المعنى سواء، على أنه ورد في بعض طرق الحديث
بلفظ: الخفق، وهو ما رواه أبو داود وأحمد من حديث البراء بن عازب في أثناء حديث
طويل، فيه: ((وإنه ليسمع خفق نعالهم)). وروى أبو داود أيضاً نحو رواية البخاري، وقال:
حدثنا محمد بن سليمان الأنباري حدثنا عبد الوهاب يعني ابن عطاء عن سعيد عن قتادة عن
أنس عن النبي عَّم أنه قال: ((إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع
قرع نعالهم)).
ذكر رجاله: وهم سبعة: الأول: عياش، بفتح العين المهملة وتشديد الياء آخر الحروف
وفي آخره شين معجمة: ابن الوليد الرقام، مر في: باب الجنب يخرج. الثاني: عبد الأعلى
ابن عبد الأعلى السامي، بالسين المهملة. الثالث: خليفة، من الخلافة بالخاء المعجمة والفاء:
ابن خياط، بالخاء المعجمة وتشديد الياء آخر الحروف. الرابع: يزيد - من الزيادة - ابن
زريع، بضم الزاي، وقد مر غير مرة. الخامس: سعيد بن أبي عروبة. السادس: قتادة بن
دعامة. السابع: أنس بن مالك.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع. وفيه: العنعنة في
موضعين. وفيه: ساق حديثه مقروناً برواية خليفة عن يزيد بن زريع على لفظ خليفة، وهو
معنى قوله: وقال لي خليفة، أي: قال البخاري: قال لي خليفة. ومثل هذا إذا قال يكون قد
أخذه عنه في المذاكرة غالباً، ولهذا قال أبو نعيم الأصبهاني: إن البخاري رواه عن خليفة
وعياش الرقام، وفيه: أن رواته كلهم بصريون.
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في صفة النار، قال: حدثنا عبد بن حميد حدثنا
يونس بن محمد حدثنا شيبان بن عبد الرحمن ((عن قتادة حدثنا أنس بن مالك، قال: قال لي
نبي الله عٍَّ: إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم. قال:
يأتيه ملكان فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه
عبد الله ورسوله، قال: فيقال له أنظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعداً من الجنة.
قال نبي الله عَِّ: فيراهما جميعاً. قال قتادة: وذكر لنا أنه يفسح له في قبره سبعون ذراعاً،
ويملأ عليه خضراء إلى يوم يبعثون)). وأخرجه أبو داود فيه عن محمد بن سليمان الأنباري،
وأخرجه النسائي فيه عن أحمد بن أبي عبد الله الوراق مختصراً ومطولاً. وعند ابن ماجه عن
أبي هريرة، يرفعه: ((إن الميت يصير إلى القبر فيجلس الرجل الصالح غير فزع ولا مشغوب،

٢٠٧
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٦٧)
ثم يقال له: فيم كنت؟ فيقول: كنت في الإسلام، فيقال: ما هذا الرجل؟ فيقول: محمد
رسول الله جاءنا بالبينات من عند الله فصدقناه، فيقال له: هل رأيت الله؟ فيقول لا، وما ينبغي
لأحد أن يراه، فيفرج له فرجة قبل النار، فينظر إليها يحطم بعضها بعضاً، فيقال له: أنظر إلى
ما وقاك الله، ثم تفرج له فرجة قبل الجنة، فينظر إلى زهرتها وما فيها، فيقال: هذا مقعدك،
ويقال له: على اليقين كنت، وعليه مت، وعليه تبعث إن شاء الله تعالى. ويجلس الرجل
السوء في قبره فزعاً مشغولاً، فيقال له: فيم كنت؟ فيقول: لا أدري، فيقال له: ما هذا الرجل؟
فيقول: سمعت الناس يقولون قولاً فقلته، فيفرج له فرجة قبل الجنة، فينظر إلى زهرتها وما
فيها، فيقال له أنظر إلى ما صرفه الله عنك، ثم تفرج له فرجة إلى النار، فينظر إليها يحطم
بعضها بعضاً فيقال له: هذا مقعدك، على الشك كنت، وعليه مت، وعليه تبعث إن شاء الله
تعالى)). وفي رواية الحاكم: ((فإن كان مؤمناً كانت الصلاة عند رأسه، وكان الصوم عن يمينه،
وكانت الزكاة عن يساره وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى
الناس عند رجليه، فأي جهة أتى منها يمنع، فيقعد فتمثل له الشمس قد دنت للغروب، فيقال
له: ما تقول في هذا الرجل ... ؟ الحديث مطولاً. وقال: صحيح ولم يخرجاه، وفي رواية
الترمذي عن أبي هريرة أيضاً، قال: قال رسول الله عَ له: ((إذا قبر الميت، أو قال: أحدكم أتاه
ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما المنكر، وللآخر: النكير. فيقولان: ما كنت تقول في
هذا الرجل؟ فيقول، ما كان يقول: هو عبد الله ورسوله أشهد إن لا إله إلاَّ الله وأشهد أن
محمداً عبده ورسوله، فيقولان قد كنا نعلم أنك تقول هذا، ثم يفسح له في قبره سبعون
ذراعاً في سبعين، ثم ينور له فيه، ثمٍ يقال له: نم، فيقول أرجع إلى أهلي فأخبرهم، فيقولان:
نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلاَّ أحب أهله إليه حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك، فإن
كان منافقاً، قال: سمعت الناس يقولون فقلت مثلهم لا أدري، فيقولان قد كنا نعلم أنك
تقول ذلك، فيقال للأرض التثمي عليه، فتلتئم عليه فتختلف أضلاعه فلا يزال فيها معذباً حتى
يبعثه الله من مضجعه ذلك)). وقال الترمذي: حديث حسن غريب. وفي (الأوسط) للطبراني:
ووصف الملكين: أعينهما مثل قدور النحاس، وأنيابهما مثل صياصي البقر، وفي رواية ابن
حبان: ((أتدرون فيمن أنزلت هذه الآية: ﴿فإن له معيشة ضنكا﴾ [طه: ١٢٤]. هو عذاب
الكافر في القبر، يسلط عليه تسعة وتسعون تنيناً. أتدرون ما التنين؟ هو تسعة وتسعون حية،
لكل حية تسعة أرؤس ينفخن له ويلسعنه إلى يوم القيامة)).
ذكر معناه: قوله: ((العبد))، أي: العبد المؤمن المخلص. قوله: ((وتولى))، أي: أعرض
وذهب أصحابه، وهو من باب تنازع الذهاب. وقال ابن التين: إنه كرر اللفظ والمعنى واحد.
قلت: لا نسلم أن المعنى واحد، لأن التولي هو الإعراض، ولا يستلزم الذهاب. وقال بعضهم:
رأيت أن لفظ: تولى، مضبوطاً بخط معتمد على صيغة المجهول أي: تولى أمره أي:
الميت. قلت: لا يعتمد على هذا، والمعنى ما ذكرناه. قوله: ((قرع نعالهم)) أي: نعال الناس
الذين حول قبره من الذين باشروا دفنه وغيرهم، وقرع النعال: صوتها عند المشي، والقرع في

٢٠٨
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٦٧)
الأصل الضرب، فكأن أصحاب النعال إذا ضربوا الأرض بها خرج منها صوت. قوله:
((ملكان))، وهما المنكر والنكير، كما فسر في حديث أبي هريرة وغيره، وإنما سميا بهذا الإسم
لأن خلقهما لا يشبه خلق الآدميين، ولا خلق الملائكة ولا خلق البهائم ولا خلق الهوام، بل
لهما خلق بديع، وليس في خلقتيهما أنس للناظرين إليهما، جعلهما الله تكرمة للمؤمن لتثبته
وتبصره، وهتكاً لستر المنافق في البرزخ من قبل أن يبعث حتى يحل عليه العذاب، وسميا
أيضاً: فتانا القبر، لأن في سؤالهما انتهار، أو في خلقهما صعوبة. وقال ابن الجوزي بسند
ضعيف: ناكور وسيدهم رومان. قوله: ((فأقعداه)) أي: أجلساه. قال الكرماني، رحمه الله
تعالى: وهما مترادفان، وهذا يبطل قول من فرق بينهما، بأن القعود هو عن القيام، والجلوس
عن الاضطجاع. قلت: استعمال الإقعاد موضع الإجلاس لا يمنع الفرق المذكور. قوله: ((في
هذا الرجل محمد؟)) أي: النبي عَّ له. وقوله: ((محمد)) بالجر عطف بيان عن الرجل، ويجوز
أن يكون بدلاً، فإن قلت: هذه عبارة خشنة ليس فيها تعظيم ولا توقير؟ قلت: قصد بها
الامتحان للمسؤول لئلا يتلقن تعظيمه عن عبارة القائل، ثم يثبت الله الذين آمنوا بالقول
الثابت. قوله: ((فيقال))، يحتمل أن يكون هذا القول من المنكر والنكير، ويحتمل أن يكون
من غيرهما من الملائكة. قوله: ((فيراهما)) أي: المقعدين اللذين أحدهما من الجنة والآخر
من النار. قوله: ((أو المنافق)) شك من الراوي، والمراد بالمنافق الذي يقر بلسانه ولا يصدق
بقلبه، وظاهر الكلام وهو قوله: ((لا أدري كنت أقول كما يقول الناس))، يشمل الكافر
والمنافق، ولكن الكافر لا يقول ذلك فيتعين المنافق، كما في رواية الترمذي. قوله: ((لا دريت))
قال الداودي: أي: لا وقفت في مقامك هذا ولا في البيت. قوله: ((ولا تليت)) قال الخطابي:
هكذا يرويه المحدثون وهو غلط، والصواب: ايتليت، على وزن: إفتعلت، من قولك: ما ألوته
أي: ما استطعته. ويقال: لا آلو كذا، أي: لا أستطيعه. قلت: وكذا قال ابن السكيت: قولهم
لا دريت ولا ايتليت، هو افتعلت من قولك: ما ألوت هذا، أي: ما استطعته من الإيالو، أي:
قصر، أو: فلان لا يألوك نصحاً، فهو آل، والمرأة: آلية، وجمعها: أوال، ويقال أيضاً: إلى يؤلى
تالية إذا قصر، وأبطأ. وقال ابن قرقول: قيل: معناه لا تلوت يعني القرآن، أي: لم تدر ولم
تتل. أي: لم تنتفع بدرايتك ولا بتلاوتك، كما قال: ﴿فلا صدق ولا صلى﴾ [القيامة: ٣١].
قيل: معناه لا اتبعت الحق. قاله الداودي. وقيل: لا اتبعت ما تدري، قاله القزاز. وقال ابن
الأنباري: تليت غلط والصواب: أتليت، بفتح الهمزة وسكون التاء: يدعو عليه بأن تتلى إبله
أي: لا يكون لها أولاد تتلوها. أي: تتبعها. وقال ابن سراج: هذا بعيد في دعاء الملكين
للميت، وأي مال له؟ وقال القاضي: لعل ابن الأنباري رأى أن هذا أصل هذا الدعاء، ثم
استعمل في غيره كما استعمل غيره من أدعية العرب. انتهى.
قلت: ابن الأنباري لم يذكر الملكين، وإنما بين الصواب من الخطأ في هذه المادة،
وقوله بأن لا تتلى إبله من: أتليت الناقة، إذا تلاها ولدها، وقال الجوهري: ومنه قولهم: لا
دريت ولا اتليت، يدعو عليه بأن لا تتلى إبله، أي: لا يكون لها أولاد. وتلو الناقة ولدها الذي

٢٠٩
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٦٧)
يتلوها، وقال ثعلب: لا دريت ولا تليت، أصله: ولا تلوت، فقلبت الواو ياء لازدواج الكلام.
قلت: هذا أصوب من كل ما ذكروه في هذا الباب، والدليل عليه أن هذه اللفظة جاءت
هكذا في حديث البراء في مسند أحمد: ((لا دريت ولا تلوت))، أي: لم تتل القرآن فلم تنتفع
بدرايتك ولا تلاوتك، وقال الزمخشري: معناه: ولا اتبعت الناس بأن تقول شيئاً يقولونه. وقيل:
لا قرأت فقلت الواو ياء للمزاوجة أي: ما علمت بنفسك بالاستدلال، ولا اتبعت العلماء
بالتقليد. وقراءة الكتب. وقال ابن بطال: الكلمة من ذوات الواو لأنها من تلاوة القرآن، لكنه
لما كان مع: دريت، تكلم بالياء ليزدوج الكلام، ومعناه: الدعاء عليه. أي: لا كنت دارياً ولا
تالياً. قوله: ((ثم يضرب))، على صيغة المجهول أي: الميت. قوله: ((بمطرقة))، بكسر الميم،
قال الجوهري: طرق النجاد الصوف يطرقه طرقاً إذا ضربه، والقضيب الذي يضرب به يسمى:
مطرقة، وكذلك مطرقة الحداد. قوله: ((من حديد))، يجوز فيه الوجهان: أحدهما: أن يكون
صفة لموصوف محذوف أي: من ضارب حديد، أي قوي شديد الغضب. والآخر: أن يكون
صفة لمطرقة، فعلى هذا تكون كلمة: من، بيانة، ثم إن الظاهر أن الضارب غير المبكر
والنكير، ولكن يحتمل أن يكون أحدهما، ويحتمل أن يكون غيرهما. وقد روى أبو داود في
(سننه) ما يدل على جواز الوجهين:
الأول: ما رواه من حديث البراء بن عازب، قال: ((خرجنا مع رسول الله عَ لّه في
جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولم يلحد، فجلس رسول الله عَّه وجلسنا حوله
كأنما على رؤوسنا الطير، وفي يده عود ينكت به في الأرض، فرفع رأسه فقال: استعيذوا بالله
من عذاب القبر مرتين أو ثلاثاً، وإنه يسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين حين يقال له: يا هذا
من ربك وما دينك ومن نبيك؟ قال هناك: ويأتيه ملكان ويجلسانه .. )) الحديث، وفيه: ((ثم
يقيض له أعمى أبكم معه مرزبة من حديد، لو ضرب بها جبل لصار تراباً، قال فيضربه بها
ضربة يسمعها من بين المشرق والمغرب إلاَّ الثقلين، فيصير تراباً ثم يعاد فيه الروح)). فهذا
يدل صريحاً على أن الضارب غير المنكر والنكير.
الثاني: ما رواه أبو داود ((عن أنس بن مالك أن النبي عَ لّه دخل نخلاً لبني النجار
فسمع صوتاً ففزع فقال: من أصحاب هذه القبور؟ قالوا: يا رسول الله ناس ماتوا في
الجاهلية ... )) الحديث بطوله، وفيه: ((فيقول له: ما كنت تعبد؟ فيقول له: لا أدري، فيقول: لا
دريت ولا تليت، فقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: كنت أقول ما يقول الناس،
فيضربه بمطراق من حديد بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها الخلق غير الثقلين)). فهذا يدل
صريحاً على أن الضارب هو الملك الذي يسأله، وهو إما المنكر أو النكير. فإن قلت: كيف
وجه جمع الوجهين؟ قلت: يحتمل أن يكون الضرب متعدداً مرة من أحد الملكين ومرة من
الأعمى الأبكم، وكل هذا في حق الكفار. فافهم. قوله: ((من يليه؟)) أي: من يلي الميت؟
قيل: المراد به الملائكة الذين تكون فتنته ومساءلته. قوله: ((إلا الثقلين)) أي: غير الثقلين،
وهما: الإنس والجن، وسميا به لثقلهما على الأرض.
عمدة القاري / ج٨ / م١٤

٢١٠
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٦٧)
فإن قلت: ما الحكمة في منع الثقلين من سماع صيحة ذاك المعذب بمطرقة الحديد؟
قلت: لو سمعا لارتفع الابتلاء وصار الإيمان ضرورياً، ولأعرضوا عن التدابير والصنائع
ونحوهما مما يتوقف عليه بقاؤهما. فإن قلت: من للعقلاء فانحصر السماع على الملائكة.
قلت: نعم، وقيل: المراد منه العقلاء وغيرهم، وغلب جانب العقل وهذا أظهر، وقيل: المراد
بمن يليه أعم من الملائكة الذين تكون فتنته وغيرهم من الثقلين، وإنما منعت الجن هذه
النصيحة ولم يمنع سماع كلام الميت إذا حمل، وقال: قدموني، لأن كلام الميت حين
يحمل إلى قبره في حكم الدنيا وليس فيه شيء من الجزاء والعقوبة، لأن الجزاء لا يكون إلاَّ
في الآخرة، وإنما كلامه اعتبار لمن سمعه وموعظة، فأسمعه الله الجن لأنه جعل فيهم قوة
يثبتون بها عند سماعه ولا يصعقون، بخلاف الإنسان الذي كان يصعق لو سمعه، وصيحة
الميت في القبر عند فتنته هي عقوبة وجزاء، فدخلت في حكم الآخرة، فمنع الله تعالى
الثقلين الذين هما في دار الدنيا سماع عقوبته وجزائه في الآخرة، وأسمعه سائر خلقه.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: إثبات عذاب القبر، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، وأنكر
ذلك ضرار بن عمرو وبشر المريسي وأكثر المتأخرين من المعتزلة، واحتجوا في ذلك بقوله
تعالى: ﴿لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى﴾ [الدخان: ٥٦]. أي: لا يذوقون في
الجنة موتاً سوى الموتة الأولى، ولو صاروا أحياء في القبور لذاقوا مرتين لا موتة واحدة،
وبقوله تعالى: ﴿وما أنت بمسمع من في القبور﴾ [فاطر: ٢٢]. فإن الغرض من سياق الآية
تشبيه الكفرة بأهل القبور في عدم الإسماع. وقالوا: أما من جهة العقل فإنا نرى شخصاً
يصلب ويبقى مصلوباً إلى أن تذهب أجزاؤه ولا نشاهد فيه إحياء ومساءلة، والقول لهم بهما
مع المشاهدة سفسطة ظاهرة، وأبلغ منه من أكلته السباع والطيور وتفرقت أجزاؤه في بطونها
وحواصلها، وأبلغ منه من أحرق حتى يفتت وذري أجزاؤه المفتتة في الرياح العاصفة شمالاً
وجنوباً وقبولاً ودبوراً، فإنا نعلم عدم إحيائه ومساءلته وعذابه ضرورة. ولنا آيات: إحداها: قوله
تعالى: ﴿النار يعرضون عليها غدوا وعشيا﴾ [غافر: ٤٦]. فهو صريح في التعذيب بعد
الموت. الثانية: قوله تعالى: ﴿ربنا أمتنا اثنتين وأحيينا اثنتين﴾ [غافر: ١١]. فإن الله تعالى
ذكر الموتة مرتين، وهما لا تتحققان إلاَّ أن يكون في القبر حياة وموت، حتى تكون إحدى
الموتتين ما يتحصل عقيب الحياة في الدنيا والأخرى ما يتحصل عقيب الحياة التي في
القبر، والثالثة: قوله تعالى: ﴿ويوم تقوم الساعة ادخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾ [غافر: ٤٦].
عطف هذا العذاب الذي هو عذاب بوم القيامة على العذاب الذي هو عرض النار صباحاً
ومساء، فعلم أنه غيره، وذهب أبو الهذيل بن العلاف وبشر بن المعتمر إلى أن الكافر يعذب
فيما بين النفختين أيضاً، وإذا ثبت التعذيب ثبت الإحياء والمساءلة، لأن كل من قال بعذاب
القبر قال بهما.
ولنا أيضاً أحاديث صحيحة وأخبار متواترة. منها: حديث الباب. ومنها: حديث أبي
هريرة، رضي الله تعالى عنه، وقد ذكرناه فيه. ومنها: حديث زيد بن ثابت أخرجه مسلم

٢١١
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٦٧)
مطولا، وفيه: ((تعوذوا بالله من عذاب القبر)). ومنها: حديث ابن عباس، رضي الله تعالى عنه،
أخرجه الستة عنه قال: ((مر النبي، عَّ له، بقبرين فقال: إنهما ليعذبان .. )) الحديث. ومنها:
حديث البراء بن عازب، أخرجه الستة قال: ((إذا قعد المؤمن في قبره أتي فيشهد أن لا إله إلاَّ
الله وأن محمداً رسول الله، فذلك قوله تعالى: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة
الدنيا وفي الآخرة﴾ [إبراهيم: ٢٧]. لفظ البخاري، وفي رواية في الصحيحين: ((﴿يثبت الذين
آمنوا﴾ [إبراهيم: ٢٧]. نزلت في عذاب القبر)). ومنها: حديث أبي أيوب أخرجه الشيخان
والنسائي، وسيأتي إن شاء الله تعالى. ومنها: حديث أبي سعيد أخرجه ابن مردويه في تفسيره
عنه، قال: قال رسول الله، عَ له: ﴿يثبت الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي
الآخرة﴾ [إبراهيم: ٢٧]. في القبر)). ومنها: حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها، أخرجه
الشيخان والنسائي، وفيه: عذاب القبر حق، وسيأتي إن شاء الله تعالى. ومنها: حديث عمر،
رضي الله تعالى عنه، أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه عنه: ((أن النبي عَّم كان يتعوذ من
الجبن والبخل وعذاب القبر وفتنة الصدر)). ومنها: حديث سعد، رواه البخاري والترمذي
والنسائي أنه كان يقول لبنيه: أي بني تعوذوا بكلمات كان رسول الله عَّمِ يعوذ بهن، فذكر
عذاب القبر. ومنها: حديث ابن مسعود، رضي الله تعالى عنه، أخرجه الطحاوي وغيره عنه عن
النبي عَّله: ((أمر بعبد من عباد الله أن يضرب في قبره مائة جلدة، فلم يزل يسأل الله ويدعوه
حتى صارت واحدة، فامتلأ قبره عليه ناراً) الحديث. ومنها: حديث زيد بن أرقم، أخرجه
مسلم عنه، ((قال: لا أقول لكم إلاَّ ما سمعت النبي عَّالله يقول: اللهم أني أعوذ بك من العجز
والكسل والجبن والبخل وعذاب القبر)). ومنها: حديث أبي بكرة، أخرجه النسائي عنه ((عن
النبي عَّهِ أنه كان يقول في إثر الصلاة: اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر)).
ومنها: حديث عبد الرحمن بن حسنة. أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه عنه في حديث
مرفوع، قال فيه: ((أو ما علمتم ما أصاب صاحب بني إسرائيل؟ كان الرجل منهم إذا أصاب
الشيء من البول قرضه بالمقراض، فنهاهم عن ذلك فعذب في قبره)). ومنها: حديث عبد الله
ابن عمرو أخرجه النسائي عنه قال: سمعت رسول الله عَّم يقول: ((اللهم إني أعوذ بك من
الكسل .. )) الحديث. وفيه: ((وأعوذ بك من عذاب القبر)). وروى الترمذي الحكيم في (نوادر
الأصول) حديث عبد الله بن عمرو: ((أن رسول الله عَّ ذكر فتاني القبر، فقال عمر بن
الخطاب، رضي الله تعالى عنه: أترد لنا عقولنا يا رسول الله؟ قال: نعم، كهيئتكم اليوم. فقال
عمر: في فيه الحجر)). ومنها: حديث أسماء بنت أبي بكر، رضي الله تعالى عنه، أخرجه
البخاري والنسائي على ما يأتي. ومنها: حديث أم مبشر أخرجه ابن أبي شيبة في (مصنفه)
قالت: ((دخل علي النبي عَّ له وأنا في حائط من حوائط بني النجار فيه قبور منهم قد ماتوا
في الجاهلية، قالت: فخرج فسمعته يقول: استعيذوا بالله من عذاب القبر. قلت: يا رسول الله،
وللقبر عذاب؟ قال: إنهم ليعذبون عذاباً في قبورهم تسمعه البهائم)). ومنها: حديث أم خالد
أخرجه البخاري والنسائي عنهما أنها سمعت النبي عَّ له وهو يتعوذ من عذاب القبر.

٢١٢
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٦٧)
وأما الجواب عن قوله تعالى: ﴿لا يذوقون فيها الموت إلاَّ الموتة الأولى﴾ [الدخان:
٥٦]. أن ذلك وصف لأهل الجنة، والضمير فيها للجنة أي: لا يذوقون أهل الجنة في الجنة
الموت فلا ينقطع نعيمهم كما انقطع نعيم أهل الدنيا بالموت، فلا دلالة في الآية على انتفاء
موتة أخرى بعد المساءلة، وقبل دخول الجنة. وأما قوله: ﴿إلا الموتة الأولى﴾ [الدخان:
٥٦]. فهو تأكيد لعدم موتهم في الجنة على سبيل التعليق بالمحال، كأنه قيل: لو أمكن
ذوقهم الموتة الأولى لذاقوا الموتة الأولى، لكنه لا يمكن بلا شبهة، فلا يتصور موتهم فيها
وقد يقال: ﴿إِلاَّ الموتة الأولى﴾ [الدخان: ٥٦]. للجنس لا الموحدة، وإن كانت الصيغة
صيغة الواحد نحو: ﴿إن الإنسان لفي خسر﴾ [العصر: ٢]. وليس فيها نفي تعدد الموت،
لأن الجنس يتناول المتعدد أيضاً بدليل أن الله تعالى أحيى كثيراً من الأموات في زمان موسى
وعيسى وغيرهما، وذلك يوجب تأويل الآية بما ذكرنا، وأما الجواب عن قوله تعالى: ﴿وما أنت
بمسمع من في القبور﴾ [فاطر: ٢٢]. فهو أن عدم إسماع أهل القبور لا يستلزم عدم إدراكهم
وأما الجواب عن دليلهم العقلي فهو أن المصلوب لا بعد في الإحياء والمساءلة مع عدم المشاهدة
كما في صاحب السكر فإنه حي مع أنا لا نشاهد حياته وكما في رؤية النبي عَّهِ جبريل عليه
الصلاة والسلام وهو بين أظهر أصحابه مع ستره عنهم ولا بعد في رد الحياة إلى بعض أجزاء
البدن فيختص بالإحياء والمساءلة والعذاب وإن لم يكن ذلك مشاهداً لنا وقال الصالحي من
المعتزلة وابن جرير الطبري وطائفة من المتكلمين يجوز التعذيب على الموتى من غير إحياء وهذا
خروج عن المعقول لأن الجماد لا حس له فكيف يتصور تعذيبه وقال بعض المتكلمين الآلام
تجتمع في أجساد الموتى وتتضاعف من غير إحساس بها فإذا حشروا أحسوا بها دفعة واحدة
وهذا إنكار للعذاب قبل الحشر وهو باطل بما قررناه. وفيه إثبات السؤال بالملكين اللذين بينا في
حديث أبي هريرة الذي ذكرناه وأنكر الجبائي وابنه والبلخي تسمية الملكين بالمنكر والنكير وقالوا
إنما المنكر ما يصدر من الكافر عند تلجلجه إذا سئل والنكير إنما هو تقريع الملكين ويرد عليهم
بالحديث الذي فسر فيه الملكان بهما كما ذكرناه.
وفيه: جواز لبس النعل لزائر القبور الماشي بين ظهرانيها، وذهب أهل الظاهر إلى كراهة
ذلك، وبه قال يزيد بن زريع وأحمد بن حنبل، وقال ابن حزم في (المحلى): ولا يحل لأحد
أن يمشي بين القبور بنعلين سبتيتين، وهما اللذان لا شعر عليهما، فإن كان فيهما شعر جاز
ذلك، وإن كان في أحدهما شعر والآخر بلا شعر جاز المشي فيهما، وفي (المغني): ويخلع
النعال إذا دخل المقابر، وهذا مستحب. واحتج هؤلاء بحديث بشير بن الخصاصية: ((أن
رسول الله عَّ رأى رجلاً يمشي بين القبور في نعلين فقال: ويحك يا صاحب السبتيتين إلى
سبتيتيك)). رواه الطحاوي وأخرجه أبو داود وابن ماجه بأتم منه، وأخرجه الحاكم وصححه،
وكذا صححه ابن حزم، والخصاصية، أمه واختلف في اسم أبيه، فقيل: بشير بن نذير، وقيل:
ابن معبد بن شراحيل. وقال الجمهور من العلماء بجواز ذلك، وهو قول الحسن وابن سيرين
والنخعي والثوري وأبي حنيفة ومالك والشافعي وجماهير الفقهاء من التابعين ومن بعدهم،

٢١٣
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٦٨)
وأجيب عن حديث ابن الخصاصية بأنه إنما اعترض عليه بالخلع حتراماً للمقابر، وقيل:
لاختياله في مشيه. وقال الطحاوي: إن أمره عَ لّه بالخلع لا لكون المشي بين القبور بالنعال
مكروهاً. ولكن لما رأى عَّلِ قذراً فيهما يقذر القبور أمر بالخلع. وقال الخطابي: يشبه أن
يكون إنما كره ذلك لأنه فعل أهل النعمة والسعة، فأحب أن يكون دخول المقبرة على التواضع
والخشوع. وقال ابن الجوزي: ليس في الحديث سوى الحكاية عمن يدخل المقابر، وذلك
لا يقتضي إباحة ولا تحريماً، ويدل على أنه أمره بالخلع احتراماً للقبور لأنه نهى عن الاستناد
والجلوس عليها.
وفيه: ذهول عما ورد في بعض الأحاديث أن صاحب القبر، ذكره أبو عبد الله
الترمذي. فإن قلت: بعد فراغ الملكين من السؤال ما يكون الميت؟ قلت: إن كان سعيداً
كان روحه في الجنة، وإن كان شقياً ففي سجّين على صخرة على شفير جهنم في الأرض
السابعة، وعن ابن عباس: يكون قوم في برزخ ليسوا في جنة ولا نار، ويدل عليه قصة
أصحاب الأعراف، والله أعلم ما يقال لمن يدخل من أصحاب الكبائر، أكان يقال له: نم
صالحاً أو يسكت عنه. وقيل: إن أرواح السعداء تطلع على قبورها، وأكثر ما يكون منها ليلة
الجمعة ويومها، وليلة السبت إلى طلوع الشمس، فإنهم يعرفون أعمال الأحياء، يسألون من
مات من السعداء: ما فعل فلان فإن ذكر خيراً قال: أللهم ثبته وإن كان غيره قال: اللهم راجع
به، وإن قيل لهم: مات. قيل: ألم يأتكم؟ قالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون، سلك به غير طريقنا،
هوى به إلى أمه الهاوية. وقيل: إنهم إذا كانوا على قبورهم يسمعون من يسلم عليهم، فلو
أذن لهم لردوا السلام.
٦٨ - بابُ مَنْ أحَبَّ الدَّفْنَ فِي الأرْضِ المُقَدَّسَةِ أُوْ نَخْرِهَا
أي: هذا باب يذكر فيه من أحب أن يدفن في بيت المقدس إما طلباً للقرب من
الأنبياء المدفونين هناك، أو ليقرب عليه المشي إلى المحشر، وتسقط عنه المشقة التي
تحصل لمن بعد منه. قوله: ((أو نحوها)) أي: من بقية ما تشد إليه الرحال من الحرمين.
١٣٣٩/٩٥ - حدَّثنا مَحْمُودٌ قال حدثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قال أخبرنا مَعْمَرٌ عنِ ابنِ طاؤُسٍ
عن أبِيهِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ. قال أُرْسِلَ مَلَكُ المَوْتِ إلَى مُوسى عَلَيْهِما
السلاَمُ فَلَمَّا جاءَهُ صَكّهُ فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ فقال أرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لاَ يُرِيدُ الْمَوتَ فَرَدَّ الله عَلَيْهِ
عَيْنَهُ وقال ارْجِعْ فَقُلْ لَهُ يَضَعْ يَدَهُ عَلَى مَثْنِ ثَوْرِ فَلَهُ بِكُلِّ ما غَطَّتْ بِهِ يَدُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَّةٌ
قال أيْ رَبِّ ثُمَّ ماذَا قال ثُمَّ المَوْتُ قال فألآنَ فَسَالَ الله أنْ يُدْنِيهِ مِنَ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ رَمْيَةٌ
بِحَجَرٍ قال قال رسولُ اللهِ عَّهِ فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إلَى جانِبِ الطَّرِيقِ عِنْدَ الكَثِيبِ
الأَحْمَرِ. [الحديث ١٣٣٩ - طرفه في: ٣٤٠٧].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة)).
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: محمود بن غيلان، بالغين المعجمة، مر في: باب النوم

٢١٤
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٦٨)
قبل العشاء. الثاني: عبد الرزاق بن همام، وقد مضى. الثالث: معمر، بفتح الميمين: ابن
راشد، وقد تكرر ذكره. الرابع: عبد الله بن طاوس، مر في: باب المرأة تحيض. الخامس:
طاوس بن كيسان، وقد مر غير مرة. السادس: أبو هريرة، رضي الله تعالى عنه.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: الإخبار بصيغة
الجمع في موضع. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: أن شيخه مروزي ومعمر بصري
وعبد الرزاق وعبد الله بن طاوس وأبوه طاوس يمانيون. وفيه: رواية الابن عن الأب. وفيه: أن
أبا هريرة لم يرفع الحديث ههنا فلذلك عابه الإسماعيلي ورفعه في أحاديث الأنبياء، عليهم
الصلاة والسلام، على ما يجيء.
وأخرجه عن يحيى بن موسى، وأخرجه مسلم في أحاديث الأنبياء عن محمد بن رافع
وعبد بن حميد. وأخرجه النسائي في الجنائز عن محمد بن رافع.
ذكر معناه: قوله: ((أُرسل))، على صيغة المجهول، ومعلوم أن الله هو الذي أرسله.
قوله: ((صكه)) أي: ضربه بحيث فقأ عينه، يدل عليه قوله: ((فرد الله عينه))، وقد صرح بذلك
في رواية مسلم، قال: حدثني محمد بن رافع وعبد بن حميد، قال عبد: أخبرنا، وقال ابن
رافع: حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه، ((عن أبي هريرة، قال: أرسل
ملك الموت إلى موسى، عليه الصلاة والسلام، فلما جاءه صكه ففقا عينه، فرجع إلى ربه
فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت. قال: فرد الله إليه عينه ... )) الحديث، وفي رواية له:
((جاء ملك الموت إلى موسى، عليه الصلاة والسلام، فقال له: أجب ربك، قال: فلطم موسى
عين ملك الموت ففقأها، فرجع الملك إلى الله فقال: أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت،
وقد فقأ عيني. قال: فرد الله إليه عينه ... )) الحديث. وهذا الطريق مرفوع، والذي قبله موقوف
كما أخرجه البخاري، وقال ابن خزيمة: أنكر بعض أهل البدع والجهمية هذا الحديث، وقالوا:
لا يخلو أن يكون موسى، عليه الصلاة والسلام، عرف ملك الموت أو لم يعرفه، فإن كان
عرفه فقد استخف به، وإن كان لم يعرفه فرواية من روى أنه كان يأتي موسى عياناً لا معنى
لها، ثم إن الله تعالى لم يقتص لملك الموت من اللطمة وفقء العين، والله تعالى لا يظلم
أحداً.
قال ابن خزيمة: وهذا اعتراض من أعمى الله بصيرته، ومعنى الحديث صحيح، وذلك
أن موسى لم يبعث الله إليه ملك الموت وهو يريد قبض روحه، حينئذ وإنما بعثه اختباراً وبلاءً،
كما أمر الله تعالى خليله بذبح ولده ولم يرد إمضاء ذلك، ولو أراد أن يقبض روح موسى،
عليه الصلاة والسلام، حين اطم الملك لكان ما أراد، وكانت اللطمة مباحة عند موسى إذ
رأى آدمياً دخل عليه، ولا يعلم أنه ملك الموت، وقد أباح الرسول، عليه الصلاة والسلام، فقأ
عين الناظر في دار المسلم بغير إذن، ومحال أن يعلم موسى أنه ملك الموت ويفقأ عينه، وقد
جاءت الملائكة إلى إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، فلم يعرفهم ابتداء، ولو علمهم لكان من
المحال أن يقدم إليهم عجلاً، لأنهم لا يطمعون. وقد جاء الملك إلى مريم فلم تعرفه، ولو

٢١٥
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٦٨)
عرفته لما استعاذت منه، وقد دخل الملكان على داود، عليه الصلاة والسلام، في شبه آدميين
يختصمان عنده فلم يعرفهما، وقد جاء جبريل، عليه الصلاة والسلام، إلى سيدنا رسول الله
عَّه وسأله عن الإيمان فلم يعرفه، وقال: ما أتاني في صورة قط إلا عرفته فيها غير هذه المرة،
فكيف يستنكر أن لا يعرف موسى الملك حين دخل عليه.
وأما قول الجهمي: إن الله تعالى لم يقتص للملك، فهو دليل على جهله من الذي
أخبره أن بين الملائكة والآدميين قصاصاً ومن أخبره أن الملك طلب القصاص فلم يقتص
له، وما الدليل على أن ذلك كان عمداً وقد أخبرنا نبينا، عَّ له، أن الله تعالى لم يقبض نبياً
قط حتى يريه مقعده في الجنة، ويخبره فلم ير أن يقبض روحه قبل أن يريه مقعده من الجنة
ويخبره، وقال ابن التين: وقول من قال: فقأ عينه بالحجة، ليس بشيء لما في الحديث: فرد
الله عينه، وقال الخطابي. فإن قيل: كيف يجوز أن يفعل موسى، عليه الصلاة والسلام،
بالملك مثل هذا الصنيع؟ أو كيف تصل يده إليه؟ أو كيف لا يقبض الملك روحه ولا يمضي
أمر الله تعالى به؟ قلت: أكرم الله موسى، عليه الصلاة والسلام، في حياته بأمور أفرده بها،
فلما دنت وفاته لطف أيضاً به بأن لم يأمر الملك به بأخذ روحه قهراً، لكن أرسله على سبيل
الامتحان في صورة البشر، فاستنكر موسى، عليه الصلاة والسلام، شأنه ودفعه عن نفسه، فأتى
ذلك على عينه التي ركبت في الصورة البشرية التي جاءه فيها دون الصورة الملكية، وقد
كان في طبع موسى، عليه الصلاة والسلام، حدة. روي أنه كان إذا غضب اشتعلت قلنسوته
ناراً. وقال النووي: فإن قلت: كيف جاز عليه فقء عين الملك؟ قلت: لا يمتنع أن يأذن الله له
في هذه اللطمة، ويكون ذلك امتحاناً للملطوم، والله يفعل ما يشاء. وقال ابن قتيبة في
(مختلف الحديث): أذهب موسى، عليه الصلاة والسلام، العين التي هي تخييل وتمثيل
وليست على حقيقته، وعاد ملك الموت إلى حقيقة خلقه الروحاني كما كان لم ينتقص منه
شيء.
قوله: ((قال: أي رب)) أي: قال موسى، عليه الصلاة والسلام: يا رب. قوله: ((ثم
ماذا))، وفي رواية: ((ثم مه))، وهي: ما، الاستفهامية. ولما وقف عليها زاد هاء السكت،
والمعنى: ثم ما يكون بعد ذلك؟. قوله: ((قال: ثم الموت)) أي: قال الله تعالى: ثم يكون بعد
ذلك الموت. قوله: ((قال فالآن)) أي: قال موسى، عليه الصلاة والسلام، فالآن يكون الموت،
ولفظ: الآن، ظرف زمان غير متمكن، وهو اسم لزمان الحال وهو الزمان الفاصل بين الماضي
والمستقبل، وهو يدل على أن موسى، عليه السلام، لما خيره الله تعالى اختار الموت شوقاً
إلى لقاء ربه تعالى، كما خير نبينا، عليه الصلاة والسلام، فقال: ((الرفيق الأعلى)). قوله:
((فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة)) أي: فعند ذلك سأل موسى الله أن يقربه من
الأرض المقدسة، وهي بيت المقدس. وقال ابن التين: الأرض المقدسة الشام، ومعنى:
المقدسة، المطهرة. وكلمة: أن، مصدرية في محل النصب على المفعولية، أي: سأل الله
تعالى الدنو من بيت المقدس ليدفن فيه دنو لو رمى رام الحجر من ذلك الموضع الذي هو

٢١٦
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٦٨)
الآن موضع قبره لوصل إلى بيت المقدس، وإنما سأل ذلك لفضل من دفن في الأرض
المقدسة من الأنبياء والصالحين، فاستحب مجاورتهم في الممات كما في الحياة، ولأن
الناس يقصدون المواضع الفاضلة ويزورون قبورها ويدعون لأهلها. وقال المهلب: إنما سأل
الدنو منها ليسهل على نفسه ويسقط عنه المشقة التي تكون على من هو بعيد منها، وصعوبته
عند البعث والحشر.
فإن قلت: لِمَ لم يسأل نفس البيت وسأل الدنو منه؟ قلت: خاف أن يكون قبره
مشهوراً فيفتنن به الناس، كما أخبر به الشارع أن اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم
مساجد. قوله: ((رمية بحجر))، يحتمل أن يكون على قربها دونها قدر رمية حجر أو أدنى من
مكاني إلى الأرض المقدسة، هذا القدر. فإن قلت: ما الحكمة في طلبه الدنو من الأرض
المقدسة؟ قلت: الحكمة في ذلك أن الله لما منع بني إسرائيل من دخول بيت المقدس
وتركهم في التيه أربعين سنة إلى أن أفناهم الموت ولم يدخل الأرض المقدسة إلا أولادهم
مع يوشع، عليه السلام، ومات هارون ثم موسى، عليهما السلام، قبل فتحها، ثم إن موسى
لما لم يتهيأ له دخولها لغلبة الجبارين عليها، ولا يمكن نبشه بعد ذلك لينقل إليها طلب
القرب منها، لأن ما قارب الشيء أعطي حكمه. وقيل: إنما طلب الدنو لأن النبي عَ لّمه يدفن
حيث يموت ولا ينقل. قيل: فيه نظر، لأن موسى قد نقل يوسف، عليهما السلام إلى بلد
إبراهيم الخليل، عليه الصلاة والسلام. قلت: وفيه نظر، لأن موسى ما نقله إلاَّ بالوحي، فكان
ذاك مخصوصاً به. قوله: ((فلو كنت ثم))، بفتح الثاء المثلثة، وهو اسم يشار به. ولما عرج
النبي عَّه رأى موسى قائماً يصلي في قبره ..
وفي (المرآة) اختلفوا في موضع قبر موسى، عليه الصلاة والسلام، على أقوال.
أحدها: أنه بأرض التيه، هو وهارون، عليهما الصلاة والسلام، ولم يدخل الأرض
المقدسة إلاَّ رمية حجر، رواه الضحاك عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، وقال: لا
يعرف قبره، ورسول الله، عَّهِ، أبهم ذلك بقوله: ((إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر))،
ولو أراد بيانه لبين صريحاً. وقال ابن عباس: لو علمت اليهود قبر موسى وهارون لاتخذوهما
إلهين من دون الله تعالى، وقال ابن إسحاق: لم يطلع على قبر موسى، عليه الصلاة والسلام
إلا الرخمة، وهي التي أطلعت على قبر هارون لما دفن في التيه، فنزع الله تعالى عقلها لئلا
تدل عليه، ومعنى عقلها: إلهامها.
الثاني: أنه بباب لد بالبيت المقدس، وقال الطبري: هو الصحيح. قلت: كيف يكون
هو الصحيح، وقد قال ابن عباس ووهب وعامة العلماء: إنه بأرض التيه.
الثالث: أن قبره ما بين عالية وعويلة، ذكره الحافظ أبو القاسم في (تاريخ دمشق)
فقال، وروي: أن قبر موسى بين عالية وعويلة وهما محلتان عند مسجد القدم، ويقال: إن قبره
رئي في المنام فيها. قال: والأصح أنه بتيه بني إسرائيل.

٢١٧
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٦٩)
الرابع: أن قبره بواد في أرض مآب بين بصرى والبلقاء.
الخامس: أن قبره بدمشق، ذكره الحافظ أبو القاسم عن كعب الأحبار، وذكر ابن
حبان في (صحيحه) أن قبر موسى بمدين بين المدينة وبين المقدس واعترض عليه الضياء
محمد بن عبد الواحد في كتابه (علل الأحاديث) بأن مدين ليست قريبة من القدس ولا من
الأرض المقدسة، وقد اشتهر أن قبره بأريحا وهي من الأرض المقدسة مرار، ويقال: إنه قبر
موسى عَّ له وعنده كثيب أحمر، كما في الحديث، وطريق، والدعاء عنده مستجاب.
قوله: ((إلى جانب الطور)) ذكر ياقوت في (كتاب المشترك) أن الطور سبعة مواضع:
منها: جبل بيت المقدس يقال له طور زيتا، وفي الأثر: مات بطور زيتا سبعون ألف نبي قتلهم
الجوع وهو شرقي وادي سلوان، ومنها: طور هارون، علم لجبل عال مشرف من قبلي بيت
المقدس فيه فيما قيل قبر هارون أخي موسى، عليه الصلاة والسلام، والظاهر أن الطور
المذكور هو أحد الطورين المذكورين، ولكن الأقرب أنه: طور زيتا، والله أعلم. قوله: ((عند
الكثيب الأحمر))، هو الرمل المجتمع.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: دلالة ظاهرة على أن لموسى، عليه الصلاة والسلام، منزلة
كبيرة حيث فقأ عين ملك الموت ولم يعاتبه عليه. وفيه: استحباب الدفن في المواضع
الفاضلة والقرب من مدافن الصالحين. وفيه: أن للملك قدرة على التصور بصورة غير صورته.
وفيه: في قوله: ((يضع يده على متن ثور)) دلالة على أن الدنيا بقي منها كثير، وإن كان قد
ذهب أكثرها. وفيه: دلالة على الزيادة في العمر مثل الحديث الآخر: ((من سره أن يبسط رزقه
وينسأ في أثره فليصل رحمه))، وهو يؤيد قول من قال في قوله تعالى: ﴿وما يعمر من
معمر ... ﴾ [فاطر: ١١]. الآية، أنه زيادة ونقص في الحقيقة.
٦٩ - بابُ الدَّفْنِ بِاللَّيْلِ
أي: هذا باب في بيان مشروعية دفن الميت في الليل، وإنما لم يفسر الجواز بل أطلق
الترجمة لمكان الاختلاف فيه، فذهب الحسن البصري وسعيد بن المسيب وقتادة وأحمد في
رواية إلى كراهة دفن الميت بالليل، واحتجوا في ذلك بحديث جابر، رضي الله تعالى عنه،
أخرجه أحمد والطحاوي، قال: ((إن رجلاً من بني عذرة دفن ليلاً ولم يصل عليه النبي عَلّهِ،
فنهى عن الدفن بالليل، وروى الطحاوي من حديث نافعٍ عن ابن عمر قال: ((لا تدفنوا أمواتكم
بالليل)). وقال ابن حزم: لا يجوز أن يدفن أحد ليلاً إلاَّ عند ضرورة، وكل من دفن ليلاً منه
عَّ ومن أزواجه وأصحابه، رضي الله تعالى عنهم، فإنما ذلك لضرورة أوجبت ذلك من
خوف زحام أو خوف الحر على من حضر وحر المدينة شديد، أو خوف تغير أو غير ذلك
مما يبيح الدفن ليلاً، لا يحل لأحد أن يظن بهم خلاف ذلك، وذهب النخعي والزهري
والثوري وعطاء وابن أبي حازم ومطرف بن عبد الله وأبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في
الأصح وإسحاق إلى أن دفن الميت بالليل يجوز، واحتجوا بحديث الباب، وبما رواه أبو داود

٢١٨
:
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِرِ / باب (٧٠)
من حديث عمرو بن دينار، قال أخبرني: جابر بن عبد الله أو سمعت جابر بن عبد الله، قال:
((رأى ناس ناراً في المقبرة فأتوها فإذا رسول الله عَّ في القبر، وإذا هو يقول: ناولوني
صاحبكم، فإذا هو الرجل الذي كان يرفع صوته بالذكر)). وقال الطحاوي: النهي في حديث
جابر المذكور ليس لأجل كراهة الدفن بالليل، ولكن لإرادة رسول الله عَّ أن يصلي على
جميع المسلمين، لما يكون لهم في ذلك من الفضل والخير ببركة صلاته عليهم، لأنه قال
في حديث يزيد بن ثابت: فإن صلاتي عليهم رحمة، ولأن صلاته عليهم نور في قبورهم.
وذكر فيه وجهاً آخر، وهو ما ذكره عن الحسن: أن قوماً كانوا يسيئون أكفان موتاهم
فيدفنونهم ليلاً، فنهى النبي عَِّ لذلك، وقال أيضاً: وقد فعل ذلك برسول الله عَ ليه فدفن
بالليل، وروي عن عائشة، رضي الله تعالى عنها، أنها قالت: دفن علي بن أبي طالب فاطمة
ليلاً، وروي عنها أنها قالت: دفن أبو بكر ليلاً.
وَذُفِنَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله تعالى عنهُ لَيْلاً
مطابقته للترجمة ظاهرة، وهذا تعليق وصله البخاري في أواخر الجنائز في: باب موت
يوم الإثنين، من حديث عائشة، وفيه: ((دفن أبو بكر قبل أن يصبح))، وروى ابن أبي شيبة في
(مصنفه) عن إسماعيل بن علية عن الوليد عن القاسم بن محمد، قال: ((دفن أبو بكر ليلاً))،
قال: وحدثنا أبو معاوية عن ابن جريج عن إسماعيل بن محمد عن ابن السباق أن عمر، رضي
الله تعالى عنه، دفن أبا بكر ليلاً، ثم دخل المسجد فأوتر.
٩٦ / ١٣٤٠ - حدّثنا عُثْمَانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ قال حدثنا جَرِيرٌ عنِ الشَّيْبَانِيّ عنِ الشَّعْبِيِّ
عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما. قال صَلَّى النبيُّ عَ لَّه عَلَى رَجُلٍ بَعْدَما دُفِنَ بِلَيْلَةٍ قَامَ
هُوَ وَأَصْحَابُهُ وكانَ سَأْلَ عَنْهُ فقالَ مَنْ لهذا فَقَالُوا فُلانٌ دُفِنَ البَارِحَةَ فَصَلُّوا عَلَيهِ. [أنظر
الحديث ٨٥٧ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إنهم لما قالوا: دفن البارحة، لم ينكر عليهم، فدل ذلك
على عدم كراهة دفن الميت بالليل، وقد مضى هذا الحديث فى: باب الصفوف على
الجنازة، وفي: باب سنة الصلاة على الجنازة، وفي: باب الصلاة على القبر بعدما يدفن،
ومضى الكلام فيه مستوفى. والشيباني: هو سليمان، والشعبي: هو عامر بن شراحيل.
قوله: ((قام))، ويروى: ((فقام))، قوله: ((فصلوا))، على صيغة الجمع من الماضي: أي
صلى الرسول عَّ له وأصحابه عليه، ولا يقال: هذا تكرار لقوله صلى عّلّه، لأن ذلك مجمل
وهذا تفصيل لأحواله، فافهم وتيقظ.
٧٠ - بابُ بِنَاءِ المَسْجِدِ عَلَى القَبْرِ
أي: هذا باب في بيان منع بناء المسجد على القبر، وإنما قدرنا هكذا لأن حديث
الباب يدل على هذا.
:

٢١٩
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِرِ / باب (٧١)
١٣٤١/٩٧ - حدّثنا إسْمَاعِيلُ قال حدَّثني مالِكٌ عنْ هِشَامِ عنْ أَبِيهِ عنْ عَائِشَةَ رضي
الله تعالى عنها قالَتْ لَمَّا اشْتَكَى النبيُّ عَ لَِّ ذَكَرَتْ بَعْضُ نِسَائِهِ كْنِيسَةٌ رَأيْتَهَا بِأَرْضِ الحَبَشَةِ
يُقَالُ لَهَا مَارِيَةُ وكانتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَأُمُّ حَبِيبَةَ رضي الله تعالى عنهما أتَتَا أَرْضَ الحَبَشَةِ فَذَكَرْتَا
مِنْ حُسْنِهَا وتَصَاوِيرَ فِيهَا تِلْكَ الصُّورَةَ أُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللهِ. [انظر الحديث ٤٢٧
وطرفيه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((بنوا على قبره مسجداً .. )) إلى آخره، وقد مضى الحديث
في: باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية؟ أخرجه عن محمد بن المثنى عن يحيى عن
هشام عن أبيه عن عائشة، رضي الله تعالى عنها. وأخرجه أيضاً في: باب الصلاة في البيعة،
رواه البخاري عن محمد قال: أخبرنا عبدة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، رضي الله
تعالى عنها. ومضى الكلام فيه مستوفىّ. قوله: ((اشتكى)) أي: مرض، ومارية، بكسر الراء:
علم للكنيسة. قوله: «تلك)) ویروی («تیك)).
٧١ - بابُ مَنْ يَدْخُلُ قَبْرَ المَرْأةِ
أي: هذا باب في بيان من يدخل قبر المرأة لأجل إلحادها.
٩٨/ ١٣٤٢ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ سِنَانٍ قال حدَّثنا فُلَيْحُ بنُ سُلَيْمَانَ قال حدَّثنَا هِلالُ
ابن عَلِيٍّ عنْ أَنَسٍ رضي الله تعالى عنهُ. قال شَهِدْنَا بِنْتَ رسولِ اللهِ عَ لَّهِ وَرَسولُ اللهِ عَه
جالِسْ عَلَى القَبْرِ فَرَأيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ فقال هَلْ فِيكُمْ مِنْ أحَدٍ لَمْ يُقَارِفِ اللَّيْلَةَ فقال أبُو
طَلْحَةَ أنا قال فانْزِلْ فِي قَبْرِهَا قال فَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا فَقَبَرَهَا. قال ابنُ المُبَارَكِ قال فُلَيْحٌ أَرَاهُ
يَغْنِي الذَّنْبَ. [انظر الحديث ١٢٨٥].
مطابقته للترجمة من حيث إن النبي، عَّه، قال لأبي طلحة: إنزل في قبر بنته، فنزل
فقبرها. وقد ذكرنا وجه هذا في: باب قول النبي عَّ ◌ُله: يعذب الميت ببكاء أهله، لأنه أخرج
هذا الحديث هناك أيضاً: عن عبد الله بن محمد، قال: حدثنا أبو عامر، قال: حدثنا فليح بن
سليمان إلى آخره .. وقد مضى الكلام فيه مستوفىّ.
قوله: ((لم يقارف)) أي: لم يباشر المرأة. قوله: ((فقال أبو طلحة)): اسمه زيد بن سهل
الأنصاري. قوله: ((فقبرها))، أي: قبر أبو طلحة بنت النبي عَّله. قوله: ((فقال ابن المبارك))،
هو عبد الله بن المبارك. قال فليح: أراه، بضم الهمزة أي: أظنه، وهذا التعليق وصله
الإسماعيلي، وكذا قال شريح بن النعمان عن فليح: أخرجه أحمد عنه، وقال أبو علي
الغساني: كذا في النسخ. قال ابن المبارك: وفي أصل أبي الحسن القابسي، قال أبو المبارك:
قال أبو الحسن، هو أبو المبارك محمد بن سنان يعني: أبو المبارك كنيته محمد بن سنان
شيخ البخاري المذكور. وقال الجياني: هذا وهم من محمد بن سنان لا أعلم بينهم خلافاً
أنه يكنى أبا بكر، وكان في نسخة عبدوس عن أبي زيد، كما عند سائر الرواة على الصواب،
وفي (التلويح)، وروى هذا الحديث البخاري في (التاريخ الأوسط) بإسناده. وانتهى إلى قوله:

٢٢٠
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٧٢)
قال: فنزل في قبرها، ولم يذكر التفسير الذي ذكره في (الجامع). ورواية عبد الله بن المبارك
عن فليح مشهورة، وقد روى في معنى المقارفة معنى آخر غير ما فسر فليح ((عن أنس: لما
ماتت رقية، قال النبي، عَّ له: لا يدخل القبر رجل قارف الليلة أهله، فلم يدخل عثمان، رضي
الله تعالى عنه)). قال البخاري: لا أدري ما هذا؟ النبي، عَّ له، لم يشهد رقية.
قال أبُو عَبْدِ الله لِيَقْتَرِفُوا أي لِيَكْتَسِبُوا
أبو عبد الله هو البخاري نفسه، قيل: أراد البخاري بهذا تأييد ما قاله ابن المبارك عن
فليح، فإن ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، فسر قوله تعالى: ﴿وليقترفوا ما هم مقترفون﴾
[الأنعام: ١١٣]. أي: ليكتسبوا ما هم مكتسبون، وقد أخرج الطبري، رحمه الله تعالى، هذا
التفسير من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وهذا أعني: قوله: قال أبو عبد الله ...
إلى آخره، لم يثبت إلاّ في رواية الكشميهني.
٧٢ - بابُ الصَّلاَةِ عَلَى الشَّهِيدِ
أي: هذا باب في بيان حكم الصلاة على الشهيد، وإنما لم يفسر الحكم وأطلق
الترجمة لأنه ذكر في الباب حديثين: أحدهما يدل على نفيها، وهو حديث جابر. والآخر:
يدل على إثباتها، وهو حديث عقبة. ومن هنا وقع الاختلاف بين العلماء، فذهب الشافعي
ومالك وإسحاق في رواية: إلى أن الشهيد لا يصلى عليه كما لا يغسل. وإليه ذهب أهل
الظاهر، واحتجوا في ذلك بحديث جابر المذكور في الباب، وذهب ابن أبي ليلى والحسن
ابن حيي وعبيد الله بن الحسن وسليمان بن موسى وسعيد بن عبد العزيز والأوزاعي والثوري
وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وأحمد في رواية، وإسحاق في رواية: إلى أنه يصلى عليه،
وهو قول أهل الحجاز أيضاً، واحتجوا على ذلك بحديث عقبة، رضي الله تعالى عنه، على ما
نذ کره.
٩٩ / ١٣٤٣ - حدّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قال حدَّثنا اللَّيْثُ قال حدَّثني ابنُ شِهَابٍ
عنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ ابنِ كَعْب بنِ مالِكِ عنْ جابِرِ بنِ عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنهما قال كانَ
النبيُّ عَّهِ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ واحِدٍ ثُمَّ يَقُولُ أَيُّهُمْ أكْثَرٍ أُخْذَاً لِلْقُرآنِ
فإِذَا أَشِيرَ لَهُ إِلَى أُحدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ وقال أنَا شَهِيدٌ عَلَى هُؤْلاَءِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ
فِي دِمَائِهِمْ ولَمْ يُغَسَّلُوا وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ. [الحديث ١٣٤٣ - أطرافه في: ١٣٤٥، ١٣٤٦،
١٣٤٧، ١٣٤٨، ١٣٥٣، ٤٠٧٩].
مطابقته للترجمة من حيث إن بعمومها يدل على نفس الصلاة على الشهيد.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: عبد الله بن يوسف التنيسي، وقد تكرر ذكره.
الثانى: الليث بن سعد. الثالث: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري. الرابع: عبد الرحمن
ابن كعب بن مالك أبو الخطاب الأنصاري السلمي. الخامس: جابر بن عبد الله الأنصاري.