Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٥٦)
أما التيمم لصلاة الجنازة فقد مر الكلام فيه مستوفىّ عن قريب.
وأما التيمم لصلاة العيد فعلى التفصيل عندنا، وهو أنه إن كان قبل الشروع في صلاة
العيد لا يجوز للإمام، لأنه ينتظر، وأما المقتدي فإن كان الماء قريباً بحيث لو توضأ لا يخاف
الفوت لا يجوز، وإلاَّ فيجوز، فلو أحدث أحدهما بعد الشروع بالتيمم يتيمم وإن كان
الشروع بالوضوء وخاف ذهاب الوقت لو توضأ، فكذلك عند أبي حنيفة خلافاً لهما. وفي
(المحيط) وإن كان بالوضوء وخاف زوال الشمس لو توضأ يتيمم بالإجماع، وإلاّ فإن كان
يرجو إدراك الإمام قبل الفراغ لا يتيمم بالإجماع، وإلاَّ يتيمم ويبني عند أبي حنيفة. وقالا:
يتوضأ ولا يتيمم، فمن المشايخ من قال: هذا اختلاف عصر وزمان، ففي زمن أبي حنيفة
كانت الجبانة بعيدة من الكوفة، وفي زمنهما كانوا يصلون في جبانة قريبة، وعند الشافعي: لا
يجوز التيمم لصلاة العيد أداءً وبناءً. وقال النووي: قاس الشافعي صلاة الجنازة والعيد على
الجمعة، وقال: تفوت الجمعة بخروج الوقت بالإجماع، والجنازة لا تفوت بل يصلى على
القبر إلى ثلاثة أيام بالإجماع، ويجوز بعدها عندنا.
وإِذَا انْتَهِى إِلَى الجِنَازَةِ وَهُمْ يُصَلُّونَ يَدْخُلُ مَعَهُمْ بِتَكْبِيرَةٍ
هذا بقية من كلام الحسن أيضاً، أي: إذا انتهى الرجل إلى الجنازة - والحال أن
الجماعة يصلون - يدخل معهم بتكبيرة، وقد وصله ابن أبي شيبة: حدثنا معاذ عن أشعث عن
الحسن في الرجل ينتهي إلى الجنازة وهم يصلون عليها، قال: يدخل معهم بتكبيرة، قال:
وحدثنا أبو أسامة عن هشام عن محمد، قال: يكبر ما أدرك ويقضي ما سبقه. وقال الحسن:
يكبر ما أدرك ولا يقضي ما سبقه، وعندنا لو كبر الإمام تكبيرة أو تكبيرتين لا يكبر الآتي
حتى يكبر الإمام تكبيرة أخرى عند أبي حنيفة ومحمد، ثم إذا كبر الإمام يكبر معه، فإذا فرغ
الإمام كبر هذا الآتي ما فاته قبل أن ترفع الجنازة. وقال أبو يوسف: يكبر حين يحضر، وبه
قال الشافعي وأحمد في رواية، وعن أحمد مخير، وقولهما هو قول الثوري والحارث بن يزيد،
وبه قال مالك وإسحاق وأحمد في رواية.
وقال ابنُ المُسَيِّبُ يُكَبِّرُ بِاللَّيْلِ والتَّهَارِ وَالسَّفَرِ وَالْحَضَرِ أَزْبَعاً
أي: قال سعيد بن المسيب: يكبر الرجل في صلاة الجنازة سواء كانت بالليل أو
بالنهار، وسواء كانت في السفر أو في الحضر أربعاً أي: أربع تكبيرات، وقد ذكرنا الاختلاف
في عدد التكبيرات.
وقَالَ أنسّ رضي الله تعالى عنهُ التَّكْبِيرَةُ الوَاحِدَةِ اسْتِفْتَاحُ الصَّلاَةِ
هذا أيضاً مما يدل على ما قاله البخاري من جواز إطلاق الصلاة على صلاة الجنازة
حيث أثبت لها تكبيرة الاستفتاح، كما في صلاة الفرض، وروى سعيد بن منصور ما يتضمن
ما ذكره البخاري عن أنس عن إسماعيل بن علية عن يحيى بن أبي إسحاق، قال زريق بن

١٨٢
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٥٧)
كريم لأنس بن مالك: رجل صلى فكبر ثلاثاً؟ قال أنس: أوليس التكبير ثلاثاً؟ قال: يا أبا
حمزة، التكبير أربع. قال: أجل غير أن واحدة هي افتتاح الصلاة.
وقال عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَلاَ تُصَلٌّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٨٤]
هذا معطوف على أصل الترجمة، وهي قوله: باب سنة الصلاة على الجنازة، فإنه أطلق
عليه الصلاة حيث نهى عن فعلها على أحد من المنافقين.
وَفِيهِ صُفُوفٌ وَإِمَامٌ
هذا عطف على قوله: وفيها تكبير وتسليم، والضمير في: فيه، يرجع إلى صلاة
الجنازة، والتذكير باعتبار المذكور أو باعتبار فعل الصلاة، أراد أن كون الصفوف في صلاة
الجنازة وكون الإمام فيها يدلان على إطلاق الصلاة على صلاة الجنازة.
٧٩/ ١٣٢٢ - حدّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قال حدَّثنا شُعْبَةُ عنِ الشَّيْبَانِيِّ عنِ الشَّغْبِيّ
قال أخبرني مَنْ مَرَّ مَعَ نَبِيِّكُمْ عَّ ◌َلِّ عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ فَأَمَّنَا فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ فَقُلْنَا يا أبَا عَمْرٍو مَنْ
حَدَّثَكَ قال ابنُ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما. [أنظر الحديث ٨٥٧ وأطرافه].
مطابقته للترجمة فى قوله: ((فأمنا فصففنا))، لأن الإمامة وتسوية الصفوف من سنة صلاة
الجنازة، والحديث قد مر في الباب الذي قبله وقبل قبله، والشيباني هو سليمان، والشعبي هو
عامر بن شراحيل. قوله: (يابا عمرو)) أصله: يا أبا عمرو، حذفت الهمزة للتخفيف، وأبو عمرو
هذا هو الشعبي.
٥٧ _ بابُ فَضْلِ اتَّبَاعِ الجَنَائِ
أي: هذا باب في بيان فضل اتباع الجنائز، والمراد من الاتباع أن يتبع الجنازة ويصلي
عليها، وليس المراد أن يتبع ثم ينصرف بغير صلاة. فإن قلت: ما تدل الترجمة على الحكم؟
قلت: المراد إثبات الأجر والترغيب فيه لا تعيين الحكم، وقيل: المراد من الاتباع القدر الذي
يحصل به مسماه الذي يحصل به القيراط من الأجر.
وقَالَ زَيْدُ بنُ ثَابِتٍ رضي الله تعالى عنهُ: إِذَا صَلَّيْتَ فَقَدْ قَضَيْتَ الَّذِي عَلَيْكَ
مطابقته للترجمة من حيث إن الصلاة على الميت لا تحصل إلا باتباعه، وزيد بن
ثابت بن الضحاك بن زيد الأنصاري النجاري أبو خارجة المدني، قدم رسول الله عند له.
المدينة وهو ابن إحدى عشرة سنة، وكان يكتب الوحي لرسول الله عَ ليه، وكان من فضلاء
الصحابة، ومن أصحاب الفتوى، توفي سنة خمس وأربعين بالمدينة، وهذا التعليق وصله سعيد
ابن منصور من طريق عروة عنه، ووصله ابن أبي شيبة عن أبي معاوية ووكيع عن هشام عن
أبيه عن زيد بن ثابت: ((إذا صليتم على الجنازة فقد قضيتم ما عليكم فخلوا بينها وبين
أهلها)). قوله: ((إذا صليت)) أي: على الميت ((فقد قضيت)) حقه ((الذي عليك))، من الواجب

١٨٣
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٥٧)
الذي هو على الكفاية، وإذا أراد الاتباع بعد ذلك إلى قبره فله زيادة الأجر.
وقال حُمَّيْدُ بنُ هِلاَلٍ: ما عَلِمْنَا عَلَى الجَنَازَةِ إِذْناً
لُكِنْ مَنْ صَلَّى ثُمَّ رَجَعَ فَلَهُ قِرَاطٌ
مطابقته للترجمة في قوله: ((من صلى ثم رجع)) لأن الصلاة تكون بالاتباع، وحميد،
بضم الحاء المهملة: ابن هلال بن هبيرة أبو نصر البصري التابعي، مر في: باب يرد المصلي
من يمر بين يديه. قوله: ((إذناً))، بكسر الهمزة أي، ما ثبت عندنا أنه يؤذن على الجنازة، ولكن
ثبت من صلى ... إلى آخره، هذا أن الصلاة على الجنازة حق الميت، ولابتغاء الفضل وليس
للأولياء فيها حق حتى يتوقف الانصراف بعد الصلاة على الإذن. وفي هذا الباب اختلاف،
فروي عن زيد بن ثابت وجابر بن عبد الله وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد والحسن وقتادة
وابن سيرين وأبي قلابة: أنهم كانوا ينصرفون بعد الصلاة ولا يستأذنون، وهو قول الشافعي
وجماعة من العلماء، وقالت طائفة: لا بد من الإذن في ذلك، وروي عن عمر وابن مسعود
وابن عمر وأبي هريرة والمسور بن مخرمة والنخعي: أنهم كانوا لا ينصرفون حتى يستأذنون،
وروى ابن عبد الحكم عن مالك قال: لا يجب لمن يشهد جنازة أن ينصرف عنها حتى
يؤذن له، إلاَّ أن يطول ذلك. فإن قلت: روى عبد الرزاق من طريق عمرو بن شعيب ((عن أبي
هريرة قال: أميران وليسا بأميرين: الرجل يكون مع الجنازة يصلي عليها فليس له أن يرجع
حتى يستأذن وليها ... )) الحديث، وروى البزار من حديث جابر مرفوعاً: ((أميران وليسا
بأميرين: المرأة تحج مع القوم فتحيض، والرجل يتبع الجنازة فيصلي عليها ليس له أن يرجع
حتى يستأمر أهل الجنازة)). وروى أحمد من حديث أبي هريرة يرفعه: ((من تبع جنازة فحمل
من علوها، وحتى في قبرها، وقعد حتى يؤذن له رجع بقيراطين)). قلت: أما حديث عمرو بن
شعيب فهو منقطع موقوف. فإن قلت: روي عن أبي هريرة مرفوعاً أيضاً؟ قلت: قال أبو جعفر
العقيلي: لم يتابع عليه. وأما حديث جابر فهو ضعيف، وكذلك حديث أحمد ضعيف.
:
٨٠/ ١٣٢٣ - حدّثنا أبُو النُّعْمَانِ قال حدَّثنا جَرِيرُ بنُ حازِمِ قال سَمِعْتُ نافِعاً يَقُولُ
حُدِّثَ ابْنُ عُمَرَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهم يقُولُ مَنْ تَبِعَ جَنَازَةً فَلَهُ قِيرَاطٌ فقال أكْثَرَ
أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَيْنَا. [أنظر الحديث ٤٧ وطرفه].
... / ١٣٢٤ - فَصَدْقَتْ يَعْنِي عَائِشَةَ أَبَا هُرَيْرَةَ وَقَالَتْ سَمِعْتُ رسولَ اللهِ عَ لِّ يَقُولُهُ
فقال ابنُ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ.
مطابقته للترجمة ظاهرة، ورجاله قد مضوا غير مرة، وأبو النعمان محمد بن الفضل
السدوسي وجرير، بفتح الجيم وبكسر الراء المكررة: ابن حازم، بالحاء المهملة والزاي، سبق
في: باب يستقبل الإمام الناس إذا سلم.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً ومسلم والنسائي وابن

١٨٤
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٥٧)
ماجه من رواية معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي أيضاً من رواية الزهري عن الأعرج عن أبي هريرة. وأخرجه
مسلم أيضاً كما أخرجه البخاري ههنا من رواية نافع عن أبي هريرة، ورواه البخاري أيضاً من
رواية سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة، ورواه مسلم أيضاً من رواية سهيل بن أبي صالح
عن أبيه عن أبي هريرة، ومن رواية يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة. ورواه مسلم
أيضاً وأبو داود من رواية خباب صاحب المقصورة عن أبي هريرة، ورواه أبو داود أيضاً من
رواية سفيان هو ابن عيينة عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة، ورواه الترمذي، وقال:
حدثنا أبو كريب حدثنا عبدة بن سليمان عن محمد بن عمرو حدثنا أبو سلمة عن أبي هريرة
قال: قال رسول الله عَّ له: ((من صلى على جنازة فله قيراط، ومن تبعها حتى يقضي دفنها
فله قيراطان أحدهما أو أصغرهما مثل أحد، فذكرت ذلك لابن عمر، فأرسل إلى عائشة
يسألها عن ذلك، فقالت: صدق أبو هريرة، فقال ابن عمر: لقد فرطنا في قراريط كثيرة)). وفي
الباب عن البراء رواه النسائي عنه، قال: قال رسول الله عَ له: ((من تبع جنازة حتى يصلى
عليها كان له من الأجر قيراط، ومن مشى مع الجنازة حتى تدفن كان له من الأجر قيراطان،
والقيراط مثل أحد))، وعن عبد الله بن المغفل روى حديثه النسائي أيضاً عنه، قال: قال رسول
الله عَّله: ((من تبع جنازة حتى يفرغ منها فله قيراطان، فإن رجع قبل أن يفرغ منها فله
قيراط)). وعن أبي سعيد الخدري، رضي الله تعالى عنه، واسمه: سعد بن مالك الأنصاري،
روى حديثه ابن أبي شيبة في (مصنفه) عنه، قال: قال رسول الله عَّه: ((من أتى الجنازة عند
أهلها فمشى معها حتى يصلي عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان مثل
أحد)). وعن أبي بن كعب أخرج حديثه ابن ماجه عنه، قال: قال رسول الله عَ له: ((من صلى
على جنازة فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراط، والذي نفس محمد بيده القيراط
أعظم من أحد)). وعن ابن عمر: أخرج حديثه ابن أبي شيبة في (مصنفه) قال: قال رسول الله
عَّ اله: (من صلى على جنازة فله قيراط))، وعن ثوبان أخرج حديثه مسلم وابن ماجه، عنه: أن
رسول الله عَّ له قال: ((من صلى على جنازة فله قيراط، فإن شهد دفنها فله قيراطان، القيراط
مثل أحد)).
ذكر معناه: قوله: ((حدث))، بضم الحاء على صيغة المجهول من الماضي ولم يبين
في شيء من الطرق من كان حدث ابن عمر عن أبي هريرة بذلك، ولكن يمكن أن يقال: إنه
بين في موضعين أحدهما في (صحيح مسلم): حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، قال: حدثنا
عبد الله بن يزيد، قال: حدثنا حيوة بن صخر عن يزيد بن عبد الله بن قسيط أنه حدث أن
داود بن عامر بن سعد بن أبي وقاص حدثه عن أبيه أنه كان قاعداً عند عبد الله بن عمر إذ
طلع خباب صاحب المقصورة، فقال: يا عبد الله بن عمر ألاَ تسمع ما يقول أبو هريرة؟ إنه
سمع رسول الله عَ ليه يقول: من خرج مع جنازة من بيتها وصلى عليها ثم تبعها حتى تدفن
كان له قيراطان من الأجر مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع كان له من الأجر مثل أحد.

١٨٥
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٥٧)
فأرسل ابن عمر خباباً إلى عائشة يسألها عن قول أبي هريرة، ثم رجع إليه يخبره ما قالت،
وأخذ ابن عمر قبضة من حصباء المسجد يقلبها في يده حتى رجع إليه الرسول، فقال: قالت
عائشة: صدق أبو هريرة، فضرب ابن عمر بالحصباء الذي كان في يده ثم قال: لقد فرطنا في
قراريط كثيرة)). والموضع الآخر في رواية الترمذي، وقد ذكرناه. قوله: ((أن أبا هريرة يقول:
من تبع)) كذا في جميع الطرق لم يذكر فيه النبي عَ ليه، وكذا أخرجه الإسماعيلي من طريق
إبراهيم بن راشد عن أبي النعمان شيخ البخاري فيه، وأخرجه أبو عوانة في صحيحه عن
مهدي بن الحارث عن موسى بن إسماعيل وعن أبي أمية عن أبي النعمان وعن التستري عن
شيبان، ثلاثتهم عن جرير بن حازم عن نافع، قال: قيل لابن عمر: إن أبا هريرة يقول: سمعت
رسول الله، عٍَّ، يقول: ((من تبع جنازة فله قيراط من الأجر))، فذكره. قوله: ((من تبع جنازة
فله قيراط))، زاد مسلم في روايته: ((من الأجر .. )) والقيراط، بكسر القاف. قال الكرماني:
القيراط لغة: نصف دانق، والمقصود منه هنا النصيب. وقيل: القيراط جزء من أجزاء الدينار،
وهو نصف عشره في أكثر البلاد، وأهل الشام يجعلونه جزءاً من أربعة وعشرين، وأصله:
القراط، يعني بالتشديد بدليل جمعه بالقراريط، فأبدل إحدى الراءين ياء. وعن ابن عقيل:
القيراط نصف سدس درهم أو نصف عشر دينار. وقيل: المراد بالقيراط ههنا جزء من أجزاء
معلومة عند الله تعالى، وقد قربها النبي، عَّهِ، للفهم بتمثيله القيراط بأحد، وقال الطيبي:
قوله: ((مثل أحد)) تفسير للمقصود من الكلام لا للفظ القيراط، والمراد منه أن يرجع بنصيب
من الأجر، وذلك لأن لفظ القيراط مبهم من وجهين فبين الموزون بقوله: ((من الأجر)) وبين
المقدار المراد منه بقوله: ((مثل أحد)). فإن قلت: لِمَ خص القيراط بالذكر؟ قلت: لأن غالب
ما تقع به معاملتهم كان بالقيراط.
وقد ورد لفظ القيراط في عدة أحاديث: فمنها: ما يحمل على القيراط المتعارف.
ومنها: ما يحمل على الجزء وإن لم تعرف النسبة، فمن الأول: حديث كعب بن مالك:
((إنكم ستفتحون بلداً يذكر فيها القيراط))، وحديث أبي هريرة مرفوعاً ((كنت أرى الغنم لأهل
مكة بالقراريط)). قال ابن ماجه عن بعض شيوخه، يعني: كل شاة بقيراط، وقال غيره: قراريط
جبل بمكة، ومن المحتمل حديث ابن عمر الذين أعطوا الكتاب أعطوا قيراطاً قيراطاً، وحديث
الباب. وحديث أبي هريرة: ((من اقتنى كلباً نقص من عمله كل يوم قيراط)). وقد جاء في
حديث مسلم، وغيره: ((القيراط مثل أحد))، وسيأتي في الباب الذي يأتي: القيراطان مثل
الجبلين العظيمين، وهذا تمثيل واستعارة، ويجوز أن يكون حقيقة بأن يجعل الله عمله ذلك يوم
القيامة في صورة عين يوزن كما توزن الأجسام، ويكون قدر هذا كقدر أحد. فإن قلت:
التمثيل بأحد ما وجه تخصيصه؟ قلت: لأنه كان قريباً من المخاطبين وكان أكثرهم يعرفونه
كما ينبغي، وقيل: لأنه عَّ قال في حقه: ((إنه جبل يحبنا ونحن نحبه)). وقيل: لأنه أعظم
الجبال خلقاً. قلت: فيه نظر لا يخفى.
قوله: ((فقال))، أي: قال ابن عمر: أكثر أبو هريرة علينا. قال الكرماني: أي: في ذكر

١٨٦
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٥٧)
الأجر أو في رواية الحديث، خاف لكثرة رواياته أنه اشتبه عليه الأمر، فيه لا أنه نسبه إلى
رواية ما لم يسمع لأن مرتبتهما أجل من ذلك وقال ابن التين لم يهتم ابن عمر بل خشي عليه
السهو أو قال ذلك لكونه لم ينقل له عن أبي هريرة أنه رفعه، فظن أنه قال برأيه، فاستنكره.
ووقع في رواية أبي سلمة عند سعيد بن منصور، فبلغ ذلك ابن عمر فتعاظمه، وفي رواية
الوليد بن عبد الرحمن عند سعيد أيضاً ومسدد وأحمد بإسناد صحيح: فقال ابن عمر: يا أبا
هريرة أنظر ما تحدث من رسول الله عَّهِ؟ قوله: ((فصدقت)) يعني عائشة أبا هريرة، لفظ:
يعني، من البخاري، كأنه شك فاستعملها، وقد رواه الإسماعيلي من طريق أبي النعمان شيخ
البخاري فلم يقلها، وقد ذكرنا رواية مسلم وفيها: فبعث ابن عمر إلى عائشة فسألها فصدقت
أبا هريرة، وقد ذكرنا أيضاً عن الترمذي: ((فأرسل إلى عائشة يسألها عن ذلك فقالت: صدق
أبو هريرة)). فإن قلت: روى سعيد بن منصور من حديث الوليد بن عبد الرحمن: ((فقام أبو
هريرة فأخذ بيده فانطلقا حتى أتيا عائشة، رضي الله تعالى عنها، فقال لها: يا أم المؤمنين،
أنشدك الله أسمعت رسول الله عَّ} يقول؟ فذكره، فقالت: أللهم نعم)). قلت: التوفيق في
ذلك بأن الرسول لما رجع إلى ابن عمر بخبر عائشة بلغ ذلك أبا هريرة فمشى إلى ابن عمر
فأسمعه ذلك من عائشة مشافهة، وزاد في رواية الوليد: ((فقال أبو هريرة: لم يشغلني عن
رسول الله عَّ غرس بالوادي ولا صفق بالأسواق، وإنما كنت أطلب من رسول الله، معد له،
أكلة يطعمنيها أو كلمة يعلمنيها. قال له ابن عمر: كنت ألزمنا رسول الله، عَّه، وأعلمنا
بحديثه)). قوله: ((لقد فرطنا في قراريط كثيرة)) أي: من عدم المواظبة على حضور الدفن.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: تمييز أبي هريرة في الحفظ، وأن إنكار العلماء بعضهم على
بعض قديم، وأن العالم يستغرب ما لم يصل إلى علمه. وفيه: عدم مبالاة الحافظ بإنكار من
لم يحفظ. وفيه: ما كانت الصحابة عليه من التثبت في العلم والحديث النبوي والتحرير فيه.
وفيه: دلالة على فضيلة ابن عمر من حرصه على العلم وتأسفه على ما فاته من العمل
الصالح. وفيه: في قوله: ((من تبع جنازة)) حجة لمن قال: إن المشى خلف الجنازة أفضل من
المشي أمامها، لأن ذلك حقيقة الاتباع حساً. وقال ابن دقيق العيد: الذين رجحوا المشي
أمامها حملوا الاتباع هنا على الاتباع المعنوي، أي: المصاحبة، وهو أعم من أن يكون أمامها
أو خلفها أو غير ذلك. قلت: هذا تحكم، واتباع الرجل غيره في اللغة والعرف عبارة عن أن
يمشي وراءه، وليس لما قاله وجه من الوجوه.
فَرَّطْتُ: ضَيَّعْتُ مِنْ أَمْرِ اللهِ
جرى دأب البخاري أنه يفسر الكلمة الغريبة من الحديث إذا وافقت كلمة من القرآن،
وهذا إشارة إلى ما ورد في القرآن: ﴿يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله﴾ [الزمر: ٥٦].
ومعناه: ضيعت من أمر الله، وفي جميع الطرق وقع: فرطت ضيعت من أمر الله، وفي بعض
النسخ: فرطت من أمر الله أي: ضيعت، وهذا أشبه.

١٨٧
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِرِ / باب (٥٨)
٥٨ - بابُ مَنِ انْتَظَرَ حَتَّى يُدْفَنَ
أي: هذا باب في بيان ثواب من انتظر الميت أي: لم يفارقه حتى يدفن، يعني إلى أن
يدفن، وإنما لم يذكر جواب الشرط اكتفاء بما ذكر في الحديث. وقيل: إنما لم يذكر توقفاً عن
إثبات الاستحقاق بمجرد الانتظار إن خلا عن الاتباع. فإن قلت: لفظ الحديث ((من شهد
الجنازة))، فلم عدل عنه إلى لفظ الانتظار. قلت: قيل: لينبه على أن المقصود من الشهود إنما
هو معاضدة أهل الميت والتصدي لمعونتهم، وذلك من المقاصد المعتبرة. وقال بعضهم:
اختار لفظ الانتظار لكونه أعم من المشاهدة. انتهى وفي كل واحد منهما نظر. أما الأول:
فلأنه إذا عاضد أهل الميت وتصدى لمعونتهم ولم يصلّ لا يستحق القيراط الموعود به،
وكذلك إذا صلى ولم يحضر الدفن لا يستحق القيراطين الموعود بهما. وإنما يستحق قيراطاً
واحداً، فعلم من ذلك أن المقصود من الشهود ليس مجرد الشهود لأجل ما ذكره. وأما
الثاني: فلا نسلم أن الانتظار أعم من المشاهدة، لأنه ليس بين مفهوميهما عموم وخصوص،
والصواب أن يقال: إنما اختار لفظ الانتظار إشارة إلى ما ورد في بعض طرقه بلفظ الانتظار في
رواية البزار، رحمه الله تعالى: ((فإن انتظرها حتى تدفن فله قيراط)). رواه ابن عجلان عن أبيه
عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه.
٨١/ ١٣٢٥ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ. قال قَرَأْتُ عَلَى ابنِ أبِي ذِئْبٍ عنْ سَعِيدٍ
ابن أبي سعِيدِ المَقْبُرِيِّ عنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سألَ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ فقالَ سَمِعْتُ النبيَّ
عَ لَه ح وحدَّثني عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدٍ حدَّثنا هِشَامٌ حدَّثنا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنِ ابنِ المُسَيَّبِ
عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ النَّبِيَّ عَلَّهِ قال حدَّثنا أحْمَدُ بنُ شَبِيبٍ بنِ سَعِيدٍ قال
حدَّثني أبي قال حدَّثنا يُونُسُ. قال ابنُّ شِهَابٍ وحدَّثني عَبْدُ الرَّحْمنِ الأعْرَجِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ
رضي الله تعالى عنهُ. قال قال رسولُ الله عَِّ مَنْ شَهِدَ الجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلِّيَ فَلَهُ قِيْرَاطٌ
وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ كانَ لَهُ قِيرَاطانٍ قِيلَ وَما القِيرَاطانِ قال مِثْلُ الجَبَلَيْنِ العَظِيمَيْنِ.
[أنظر الحديث ٤٧ وطرفه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((من شهد حتى تدفن)) إذا جعل شهد بمعنى حضر،
والتحقيق فيه ما ذكرناه آنفاً.
ذكر رجاله: وهم أربعة عشر رجلاً، لأنه رواه من ثلاث طرق: الأول: عبد الله بن
مسلمة القعنبي. الثاني: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب. الثالث: سعيد بن أبي سعيد.
الرابع: أبوه أبو سعيد، واسمه كيسان، وهؤلاء قد ذكروا غير مرة. الخامس: عبد الله بن
محمد بن عبد الله الجعفي البخاري المعروف بالمسندي. السادس: هشام بن يوسف
الصنعاني أبو عبد الرحمن قاضي صنعاء من أبناء فارس. السابع: معمر بن راشد. الثامن:
محمد بن مسلم الزهري. التاسع: سعيد بن المسيب. العاشر: أحمد بن شبيب، بفتح الشين
المعجمة وكسر الباء الموحدة الأولى: ابن سعيد أبو عبد الله الحبطي، بفتح الحاء المهملة

١٨٨
٢٣ - كِتَابُ الجَنّائِزِ / باب (٥٨)
وفتح الباء الموحدة وبالطاء المهملة: البصري. الحادي عشر: أبوه شبيب بن سعيد. الثاني
عشر: يونس بن يزيد. الثالث عشر: عبد الرحمن الأعرج. الرابع عشر: أبو هريرة، رضي الله
تعالى عنه.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في خمسة مواضع، وبصيغة الإفراد
في موضعين. وفيه: القراءة على الشيخ. وفيه: السماع. وفيه: العنعنة في أربعة مواضع. وفيه:
الإخبار بصيغة الجمع في موضع واحد. وفيه: القول في سبعة مواضع. وفيه: رواية الابن عن
الأب. وفيه: عبد الله بن مسلمة مدني سكن البصرة، ومعمر وأحمد بن شبيب وأبوه بصريون،
ويونس أيلي، والباقون مدنيون. وفيه: عن سعيد بن أبي سعيد، وحكى الكرماني أن: عن أبيه،
ساقط في بعض الطرق. قيل: الصواب إثباته. وكذا أخرجه إسحاق بن راهويه والإسماعيلي
وغيرهما من طريق ابن أبي ذئب، وسقط: عن أبيه، عند أبي عوانة في رواية ابن عجلان،
وعند ابن أبي شيبة كذلك في رواية عبد الرحمن بن إسحاق وعبد بن حميد بن زنجويه في
رواية أبي معشر.
ذكر من أخرجه غيره: الطريق الأول لم يخرجه غيره من بقية الستة. والطريق الثاني:
أخرجه مسلم في الجنائز أيضاً عن أبي بكر بن أبي شيبة وعن محمد بن رافع وعبد بن حميد
وعن عبد الملك بن شعيب. وأخرجه النسائي فيه عن نوح بن حبيب. وأخرجه ابن ماجه فيه
عن أبي بكر بن أبي شيبة. والطريق الثالث: أخرجه مسلم فيه عن أبي الطاهر بن السرح
وحرملة بن يحيى وهارون بن سعيد. وأخرجه النسائي فيه عن سويد بن نصر عن عبد الله بن
المبارك، رضي الله تعالى عنه.
ذكر معناه: قوله: ((وحدثني) ذكر بلفظ: الواو، عطفاً على مقدر، أي: قال ابن
شهاب: حدثني فلان به، وحدثني عبد الرحمن أيضاً به. قوله: ((حتى يصلي)) وفي رواية
الكشميهني ((حتى يصلي عليه))، وفي أكثر الروايات: اللام، فيه مفتوحة وفي بعضها بكسرها.
وقلت: رواية الفتح على رواية الكسر لأن حصول القيراط متوقف على وجود الصلاة من
الذي يشهد، ولم يبين في هذه ابتداء الحضور، وفي رواية أبي سعيد المقبري بين ذلك حيث
قال: من أهلها. وفي رواية خباب عند مسلم: ((من خرج مع جنازة من بيتها)). وفي رواية
أحمد من حديث أبي سعيد الخدري: ((فمشى معها من أهلها))، فهذه الأحاديث تقتضي أن
القيراط يختص بمن حضر من أول الأمر إلى انقضاء الصلاة. وقال بعضهم: يحصل أيضاً لمن
صلى فقط، لأن كل ما قبل الصلاة وسيلة إليها، لكن يكون قيراط من صلى فقط دون قيراط
من شيع وصلى. قلت: فيه نظر، لأن كل ما كان قبل الصلاة ليس لأجل الصلاة خاصة، وإنما
هو لها ولمعاضدة أهل الجنازة ومعونتهم، ولأجل إظهار الخدمة لهم تطييباً لقلوبهم. والشارع
قد نص عن أن الذي يصلي فقط فله قيراط، ولم يتعرض إلى اختلاف القيراط في نفسه.
وهذا التصرف فيه تحكم.
فإن قلت: يختلف القيراط باختلاف كثرة العمل فيه كما في الجمعة: ((من جاء في

١٨٩
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٥٨)
الساعة الأولى .. )) الحديث. قلت: هذا القياس لا يصح، لأن عين القيراط نص عليه فلا يمكن
أن يتصرف في الشيء المعين المنصوص عليه بالزيادة والنقصان، بخلاف الجمعة فإن
الاختلاف فيه ليس في شيء بعينه. فافهم. قوله: ((كان له قيراطان)) ظاهره أنهما غير قيراط
الصلاة، وبذلك جزم البعض، وحكاه ابن التين عن القاضي أبي الوليد. لكن رواية الحسن
ومحمد بن سيرين صريحة في أن الحاصل من الصلاة ومن الدفن قيراطان فقط، وروايتهما قد
مرت في: باب اتباع الجنائز من الإيمان، في كتاب الإيمان رويا عن أبي هريرة أن النبي،
عَ اله، قال: ((من تبع جنازة مسلم إيماناً واحتساباً وكان معها حتى يصلي عليها ويفرغ من
دفنها فإنه يرجع من الأجر بقيراطين، كل قيراط مثل أحد. ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن
تدفن فإنه يرجع بقيراط)). وقال النووي: رواية ابن سيرين صريحة في أن المجموع قيراطان.
قلت: يحتمل أن تكون رواية الأعرج عن أبي هريرة متأخرة عن رواية ابن سيرين عنه. قوله:
((حتى تدفن)) اختلف فيه أن حصول القيراطين يحصل بمجرد وضع الميت في القبر أو عند
انتهاء الدفن قبل إهالة التراب أو بعد الفراغ بالكلية، وبكل ذلك ورد الخبر. ففي رواية مسلم
من طريق معمر في إحدى الروايتين عنه: ((حتى يفرغ منها))، وفي الأخرى: ((حتى توضع في
اللحد))، وفي رواية أبي حازم عنده: ((حتى توضع في القبر))، وفي رواية أبي مزاحم عند
أحمد: ((حتى يقضي قضاءها))، وفي رواية أبي سلمة عند الترمذي: ((حتى يقضي دفنها)). وفي
رواية ابن عياض عند أبي عوانة: ((حتى يسوى عليها))، أي: التراب. وقال شيخنا زين الدين:
الصحيح عند أصحاب الشافعي أن ذلك يتوقف على كمال الدفن لا على وضعه في اللحد،
وذهب بعض أصحاب الشافعي إلى أنه يحصل بمجرد الوضع في اللحد. قوله: ((قيل: وما
القيراطان؟)) قال بعضهم: لم يعين ههنا القائل ولا المقول له، وقد بين له مسلم في رواية
الأعرج فقال: ((قيل: وما القيراطان يا رسول الله؟))، وبين القائل أبو عوانة من طريق أبي مزاحم
عن أبي هريرة ولفظه: ((قلت: وما القيراط يا رسول الله؟)). قلت: الظاهر بحسب القرينة يدل
على أن القائل راوي الحديث، وهو أبو هريرة، والمقول له هو النبي عَّ له. أما القائل ففيه
احتمال أن يكون غير الراوي ممن كان حاضراً في ذلك المجلس. وأما المقول له فهو النبي
عَ ◌ّه قطعاً لأنه قال: ((مثل الجبلين العظيمين)، وليس هذا إلاَّ وظيفة النبي عَّ لأن الضمير
في قوله: قال، يرجع إلى النبي عَّله، قوله: ((مثل الجبلين العظيمين))، وفي رواية ابن سيرين
وغيره: ((مثل أحد))، وفي رواية ابن أبي شيبة: ((القيراط مثل جبل أحد)). وكذا في حديث
ثوبان عند مسلم، والبراء عند النسائي، وأبي سعيد عند أحمد وفي رواية للنسائي من طريق
الشعبي: ((فله قيراطان من الأجر، كل واحد منهما أعظم من أحد)). وفي رواية أبي صالح عند
مسلم: ((أصغرهما مثل أحد)). وفي رواية ابن ماجه من حديث أبي بن كعب: ((القيراط أعظم
من أحد))، وعند ابن عدي من حديث واثلة ((كتب له قيراطان من أجر أخفهما في ميزانه يوم
القيامة أثقل من جبل أحد)) وقد ذكرنا أن هذا من باب التمثيل والاستعارة.
ومما يستفاد منه: فيه: الترغيب في شهود جنازة الميت والقيام بأمره والحض على

١٩٠
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٥٩)
الاجتماع له، والتنبيه على عظيم فضل الله تعالى، وتكريمه للمسلم في تكثيره الثواب لمن
يتولى أمره بعد موته. وفيه: تقدير الأعمال بنسبة الأوزان أو بجعلها أعياناً حقيقة. وفيه:
السؤال عما يهم فيه.
٥٩ - بابُ صَلاَةِ الصِّبْيَانِ مَعَ النَّاسِ عَلَى الجَنَائِزِ
أي: هذا باب في بيان مشروعية صلاة الصبيان على الموتى. فإن قلت: قد ذكر قبل
هذا: باب صفوف الصبيان مع الرجال في الجنائز أوَ ليس هذا بتكرار؟ قلت: أفاد بذلك
الباب وقوف الصبيان مع الرجال، وأنهم يصفون معهم لا يتأخرون عنهم لقول ابن عباس في
حديث ذلك الباب: وأنا فيهم، وأفاد بهذا الباب مشروعية صلاة الصبيان على الموتى، كما
ذكرنا. فإن قلت: هذا كان يستفاد من ذلك الباب. قلت: نعم لكن ضمناً وهنا ذكره قصداً
ونصاً.
١٣٢٦/٨٢ - حدثنا یعقُوبُ بنُ إبرَاهِیمَ قال حدثنا یخیی بنُ أبي بُگھْرٍ قال حدثنا
زَائِدَةُ قال حدثنا أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ عنْ عامِرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما. قال
أَتَى رَسولُ اللهِ عَ لَّلِ قَبْراً فقالُوا لهذا دُفِنَ أَوْ دُفِنَتِ البَارِخَةَ. قال ابنُّ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى
عنهما فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا. [أنظر الحديث ٨٥٧ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فصففنا خلفه))، والحديث قد مر في: باب صفوف
الصبيان مع الرجال في الجنائز، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي مر في: باب حب الرسول من
الإيمان، ويحيى بن أبي بكير، بضم الباء الموحدة وفتح الكاف وسكون الياء آخر الحروف
وبالراء: أبو زكريا العبدي الكوفي قاضي كرمان، مات سنة ثمان ومائتين، وزائدة، من الزيادة،
وأبو إسحاق، اسمه سليمان، وعامر هو الشعبي، وقد مرا في الباب المذكور.
وفيه: الصلاة على القبر. وفيه: الجماعة. وفيه: الدفن بالليل.
٦٠ - بابُ الصَّلاَةِ عَلَى الجَنَائِزِ بِالمُصَلَّى وَالمَسْجِدِ
أي: هذا باب في بيان حكم الصلاة على الجنائز بالمصلى، بضم الميم وفتح اللام
المشددة، وهو الموضع الذي يتخذ للصلاة على الموتى فيه. قوله: ((والمسجد))، أي:
والصلاة عليها بالمسجد. قيل: إنما ذكر المسجد في الترجمة لاتصاله بمصلى الجنائز. قلت:
نذكر وجه ذكره في بيان المطابقة للترجمة.
١٣٢٧/٨٣ - حدّثنا يَحْتَى بِنُ بُكَثِرِ قال حدثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ
سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ. قال نَعَى لَنَا
رسولُ اللهِ عَّ ◌ُلّهِ النَّجَاشِيَّ صاحِبَ الحَبَشَةِ يَوْمَ الَّذِي ماتَ فِيهِ قال اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ. [أنظر
الحديث ١٢٤٥ وأطرافه].

١٩١
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٦٠)
١٣٢٨ _ وعَنِ ابنِ شِهَابٍ قال حدَّثني سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله
تعالى عنه قال إنَّ النبيَّ عَّ صَفَّ بِهِمْ بِالمُصَلَّى فَكَثِّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعاً. [أنظر الحديث ١٢٤٥
وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((صف بهم بالمصلى))، وقد تقدم الحديث في: باب
الصفوف على الجنازة، وتقدم الكلام فيه مستوفىّ. ويحيى بن بكير هو يحيى بن عبد الله بن
بكير، مصغر بكر، المخزومي المصري. وقيل، بضم العين: ابن خالد. قوله: ((النجاشي))،
منصوب لأنه مفعول: نعى ((وصاحب الحبشة)) منصوب لأنه صفته، واليوم منصوب على
الظرفية. قوله: ((وعن ابن شهاب)) معطوف على إسناد المصدر والرواية عن ابن شهاب
محمد بن مسلم الزهري في الأول: بالعنعنة، وفي الثاني: بالتحديث بصيغة الإفراد.
١٣٢٩/٨٤ - حدّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ المُنذِرِ قال حدَّثنا أَبُو ضَمْرَةَ قال حدَّثنا مُوسى بنُ
عُقْبَةَ عنْ نَافَعِ عنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما أنَّ اليَهُودَ جَاؤُوا إِلَى النبيِّ عَّه
بِرَجُلٍ مِنْهُمْ وَامْرَأَةٍ زَنَيَا فَأُمَرَ بِهِما فَرُجِمَا قَرِيباً مِنْ مَوْضِعِ الجَنَائِزِ عِنْدَ المَسْجِدِ. [الحديث
١٣٢٩ - أطرافه في: ٣٦٣٥، ٤٥٥٦، ٦٨١٩، ٦٨٤١، ٧٣٣٢، ٧٥٤٣].
وجه مطابقه هذا الحديث للترجمة لا يتأتى إلاَّ إذا قلنا إن: عند، في قوله: ((عند
المسجد))، يكون بمعنى: في، أو نقول. قوله: باب الصلاة على الجنائز بالمصلى والمسجد،
يحتمل وجهين أحدهما: الإثبات، والآخر: النفي، ولعل غرض البخاري النفي بأن لا يصلى
عليها في المسجد بدليل تعيين رسول الله عَّهم موضع الجنازة عند المسجد، ولو جاز فيه
لما عينه في خارجه، وبهذا يدفع كلام ابن بطال: ليس فيه، أي: في حديث ابن عمر، دليل
على الصلاة في المسجد، إنما الدليل في حديث عائشة: ((صلى رسول الله عَّ ◌ُالمِ على سهيل
ابن بيضاء في المسجد)). قلت: لو كان إسناده على شرطه لأخرجه في (صحيحه) وقد
استوفينا الكلام في هذا الباب فيما مضى عن قريب.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: إبراهيم بن المنذر بن عبد الله الحزامي، وقد مر.
الثاني: أبو ضمرة، بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم وبالراء: اسمه أنس بن عياض، مر
في: باب التبرز في البيوت. الثالث: موسى بن عقبة، بضم العين وسكون القاف، مر في أول
الوضوء. الرابع: نافع مولى ابن عمر. الخامس: عبد الله بن عمر، رضي الله تعالى عنهما.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في
موضعين. وفيه: القول في موضعين. وفيه: أن رواته كلهم مدنيون.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري في التفسير وفي الاعتصام عن
إبراهيم بن المنذر عن أنس بن عياض. وأخرجه مسلم في الحدود عن أحمد بن يونس.
وأخرجه النسائي في الرجم عن محمد بن معدان.
أما رواية البخاري في التفسير فقال: حدثني إبراهيم بن المنذر حدثنا أبو ضمرة حدثنا

١٩٢
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٦٠)
موسى بن عقبة عن نافع عن عبد الله بن عمر، رضي الله تعالى عنهما: ((أن اليهود جاؤوا إلى
النبي عَّهُ برجل منهم وامرأة قد زنيا، فقال لهم: كيف تفعلون بمن زنى منكم؟ قالوا:
نحممهما ونضربهما، فقال: لا تجدون في التوراة الرجم؟ فقالوا: لا نجد فيها شيئاً. فقال
لهم: عبد الله بن سلام: كذبتم، فأتوا بالتوراة إن كنتم صادقين، فوضع مدراسها الذي يدرسها
منهم كفه على آية الرجم، فطفق يقرأ ما دون يده وما وراءها ولا يقرأ آية الرجم. فنزع يده عن
آية الرجم فقال: ما هذه؟ فلما رأووا ذلك قالوا: هي آية الرجم، فأمر بهما فرجما قريباً من
حيث توضع الجنائز عند المسجد، فرأيت صاحبها يحني عليها يقيها الحجارة)). هذا لفظه
في سورة آل عمران في التفسير. وأما لفظه في كتاب الاعتصام، فكلفظه ههنا سنداً ومتناً
بعینھما.
وأما رواية مسلم ففي الحدود: حدثني الحكم بن موسى أبو صالح حدثنا شعيب بن
إسحاق أخبرنا عبيد الله عن نافع أن عبد الله أخبره أن رسول الله عَّفي أتي بيهودي وبيهودية
قد زنيا فانطلق رسول الله عَّللم حتى جاء يهود فقال: ما تجدون في التوراة على من زنى؟
قالوا: نسود وجوههما ونحملهما ونخالف بين وجوههما ويطاف بهما. قال: فأتوا بالتوراة إن
كنتم صادقين، فجاؤوا بها فقرأوها حتى إذا مروا بآية الرجم وضع الفتى الذي يقرأ يده على
آية الرجم، وقرأ ما بين يديها وما وراءها، فقال له عبد الله بن سلام، وهو مع رسول الله عَطّةٍ:
مُره فليرفع يده، فرفعها فإذا تحتها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله عَ له فرجمهما. قال عبد
الله بن عمر: كنت فيمن رجمهما، فلقد رأيته يقيها من الحجارة بنفسه)).
وأما رواية النسائي: ففي الرجم: أخبرنا محمد بن معدان، قال: حدثنا الحسن ابن
أعين، قال: حدثنا زهير، قال: حدثنا موسى عن نافع ((عن ابن عمر أن اليهود جاؤوا إلى رسول
الله عٍَّ برجل منهم وامرأة قد زنيا، قال: فكيف تفعلون بمن زنى منكم؟ قالوا: نضربهما.
قال: ما تجدون في التوراة؟ قالوا: ما نجد فيها شيئاً. فقال: عبد الله بن سلام: كذبتم في
التوراة الرجم، فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين، فجاؤوا بالتوراة فوضع مدرسها الذي
يدرسها منهم كفه على آية الرجم فطفق يقرأ ما دون يده وما وراءها ولا يقرأ آية الرجم،
فضرب عبد الله بن سلام يده فقال: ما هذه؟ قال: هي آية الرجم، فأمر بهما رسول الله، عَ لِّ،
فرجما قريباً حيث توضع الجنائز. قال عبد الله: فرأيت صاحبها يحني عليها ليقيها الحجارة)).
وفي لفظ له: ((فجاؤوا بالتوراة وجاؤوا بقارىء لهم أعور، فقرأ حتى انتهى إلى موضع منها
وضع يده عليه، فقيل: إرفع يدك فرفع فإذا هي تلوح، فقال: يا محمد إن فيها الرجم ولكنا
كنا نكاتمه ... )) الحديث، وفي لفظ له: ((فقال له عبد الله بن سلام: ((إزحل كفك فإذا هو
بالرجم یلوح)).
٠
قوله: ((نحممهما))، بالحاء المهملة، أي: نسودهما بالحممة، وهي الفحمة وفي
رواية مسلم: ((ونحملهما))، بالحاء واللام أي: نحملهما على جمل، وفي رواية: ((نجملهما))
بالجيم المفتوحة أي: نجعلهما جميعاً على الجمل. قوله: ((لا تجدون في التوراة الرجم؟))

١٩٣
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِرِ / باب (٦٠)
قالوا: هذا السؤال ليس لتقليدهم، ولا لمعونة الحكم منهم، وإنما هو لإلزامهم بما يعتقدونه في
كتابهم. ولعله عَّهِ قد أوحي إليه أن الرجم في التوراة الموجودة في أيديهم لم يغيروه كما
غيروا أشياء، أو أنه أخبره بذلك من أسلم منهم، ولهذا لم يخف ذلك عليه حين كتموه. قوله:
((مدراسها))، بكسر الميم على وزن: مفعال، من أبنية المبالغة، وهو صاحب دراسة كتبهم،
من: درس يدرس درساً ودراسة، وأصل الدراسة: الرياضة والتعهد للشيء، وكذلك المدرس،
بكسر الميم على وزن: مفعل، من أبنية المبالغة، وجاء في حديث آخر: ((حتى أتى
المدراس»، بالكسر وهو البيت الذي يدرسون فيه، ومفعال غريب في المكان. قوله: ((فطفق)»،
بكسر الفاء: بمعنى أخذ في الفعل وشرع يعمل، وهو من أفعال المقاربة. قوله: ((يحني)) من
حتى يحنو ويحني إذا أشفق وعطف. قوله: ((يقيها)) أي: يحفظها، من: وقى يقي وقاية، وهذه
الجملة محلها النصب على الحال. قوله: ((إزحل))، بالزاي: أزل كفك. قوله: ((يلوح)) أي:
یظهر ويبرق.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: دليل لوجوب حد الزنا على الكافر وأنه يصح نكاحه، وقال
النووي: لأنه لا يجب الرجم إلاَّ على المحصن، فلو لم يصح نكاحه لم يثبت إحصانه ولم
يرجم. قلت: من جملة شروط الإحصان الإسلام لقوله عَّ له ((من أشرك بالله فليس
بمحصن))، رواه الدارقطني. وعن أبي يوسف، أنه ليس بشرط، وبه قال الشافعي وأحمد،
واستدلوا على ذلك بحديث الباب. قلنا: كان ذلك بحكم التوراة قبل نزول آية الجلد في أول
ما دخل، عَّلَِّ، المدينة، وصار منسوخاً بها، ثم نسخ الحد في حق المحصن، والكافر ليس
بمحصن، وهو قول علي وابن عباس وابن عمر ومالك، رضي الله تعالى عنهم. فإن قلت: روى
مسلم من حديث عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله عَةٍ: ((خذوا عني خذوا عني: قد
جعل الله لهن سبيلاً البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة والثيب بالثيب جلد مائة والرجم)).
فالنبي عَّم فرق بينهما بالثيوبة، فمن فرق بينهما بالإسلام فقد زاد على النص. قلت: هذا
منسوخ، لأنه عَِّ ما كان يحكم بعد نزول القرآن إلاَّ بما فيه، وفيه النص على الجلد فقط.
فإن قلت: روي أن النبي عَِّ قال: إذا قبلوا عقد الذمة فأعلموهم أن لهم ما للمسلمين
وعليهم ما على المسلمين، والرجم على المسلم الثيب، فكذا على الكافر الثيب. قلت:
الرجم غير واجب على كافة المسلمين، فدل على أنه يختص بالزناة المحصنين دون غيرهم.
ثم اعلم أن العلماء أجمعوا على وجوب حد جلد الزاني البكر مائة، ورجم المحصن
وهو الثيب، ولم يخالف في هذا أحد من أهل القبلة إلاَّ ما حكى القاضي وغيره عن الخوارج
وبعض المعتزلة: كالنظام وأصحابه، فإنهم لم يقولوا بالرجم، واختلفوا في جلد الثيب مع
الرجم، فقالت طائفة: يجب الجمع بينهما فيجلد ثم يرجم، وبه قال علي بن أبي طالب
والحسن البصري وإسحاق بن راهويه وداود وأهل الظاهر وبعض أصحاب الشافعي. وقال
جماهير العلماء: الواجب الرجم وحده، وحكى القاضي عياض عن طائفة من أهل الحديث أنه
يجب الجمع بينهما إذا كان الزاني شيخاً ثيباً وإن كان شاباً ثيباً اقتصر على الرجم وهذا
عمدة القاري / ج٨ / م١٣

١٩٤
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٦١)
مذهب باطل لا أصل له، والمراد من البكر من الرجال من لم يجامع في نكاح صحيح، وهو
حر عاقل بالغ، والمراد من الثيب من جامع في دهره مرة بنكاح صحيح وهو حر عاقل بالغ،
والرجل والمرأة في هذا سواء. قال النووي: وسواء في كل هذا المسلم والكافر والرشيد
والمحجور عليه بسفه، وقال أيضاً: وأما قوله عَّ له في البكر: ((ونفي سنة))، ففيه حجة
للشافعي، والجماهير أنه يجب نفيه سنة رجلاً كان أو امرأة. وقال الحسن: لا يجب النفي.
وقال مالك والأوزاعي: لا نفي على النساء، وروي مثله عن علي، رضي الله تعالى عنه، قالوا:
لأنها عورة وفي نفيها تضييع لها وتعريض للفتنة، ولهذا نهيت عن المسافرة إلاَّ مع محرم.
وأما العبد والأمة ففيهما ثلاثة أقوال للشافعي: أحدهما: يغرب كل واحد منهما سنة
لظاهر الحديث، وبه قال الثوري وأبو ثور وداود وابن جرير. والثاني: يغرب نصف سنة، وهذا
أصح الأقوال. والثالث: لا يغرب المملوك أصلاً، وبه قال الحسن وحماد ومالك وأحمد
وإسحاق.
وفيه: أن الكفار مخاطبون بفروع الشرع، قاله النووي. قلت: فيه: اختلاف بين العلماء
على ما عرف في موضعه. وفيه: أن الكفار إذا تحاكموا إلينا حكم القاضي بينهم بحكم
شرعنا. فإن قلت: كيف رجم اليهوديان أبِالْبَيِّنة أم بالإقرار؟ قلت: الظاهر أنه بالإقرار، وقد جاء
في (سنن أبي داود) وغيره أنه شهد عليهما أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها، فإن كان الشهود
مسلمين فظاهر، وإن كانوا كفاراً فلا اعتبار بشهادتهم، ويتعين أنهما أقرا بالزنا.
٦١ - بابُ مَا يُكْرَهُ مِنِ اتِّخَاذِ المَسَاجِدِ عَلَى القُبُورِ
أي: هذا باب في بيان كراهية اتخاذ المساجد على القبور. فإن قلت: يأتي بعد ثمانية
أبواب: باب بناء المسجد على القبر، فما وجه هذين البابين؟ قلت: وجه ذلك أنهما في
الحكم سواء، غير أنه صرح بالكراهة في ترجمة هذا الباب، واكتفى هناك بدلالة حديث
الباب على الكراهة، وقيل: الاتخاذ أعم من البناء، فلذلك أفرده بالترجمة، ولفظها يقتضي أن
بعض الاتخاذ لا يكره، فكأنه يفصل بين ما إذا ترتب على الاتخاذ مفسدة أم لا. قلت: لا
نسلم أن لفظها يقتضي أن بعض الاتخاذ لا يكره، ودعوى العموم بين الاتخاذ والبناء غير
صحيحة.
وَلَمَّا ماتَ الحَسَنُ بنُ الحَسَنِ بنِ عَلِيّ رضي الله تعالى عنهم ضَرَبَتِ امْرَأْتُهُ القُبَّةَ عَلَى
قَبْرِهِ سَنَةً ثُمَّ رُفِعَتْ فَسَمِعُوا صائِحاً يَقُولُ أَلاَ هَلْ وَجَدُوا ما فَقَدُوا فأجابَهُ الآخَرُ بَلْ يَئِسُوا
فانْقَلَبُوا
مطابقة هذا للترجمة من حيث إن هذه القبة المضروبة لم تخل عن الصلاة فيها،
واستلزم ذلك اتخاذ المسجد عند القبر، وقد يكون القبر في جهة القبلة فتزداد الكراهة. وقال
ابن بطال: ضربت القبة على الحسن وسكنت فيها وصليت فيها فصارت كالمسجد، وأورد

١٩٥
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٦١)
البخاري ذلك دليلاً على الكراهة، وكره أحمد أن يضرب على القبر فسطاطاً. وأوصى إبراهيم
مرة أن لا تضربوا علي فسطاطاً. وقال ابن حبيب: ضربه على قبر المرأة أفضل من ضربه على
قبر الرجل، وضرب عمر، رضي الله تعالى عنه، على قبر زينب بنت جحش، وقال ابن التين:
وممن كره ضربه على قبر الرجل ابن عمر وأبو سعيد وابن المسيب، وضربت عائشة على قبر
أخيها فنزعه ابن عمر، وضربه محمد بن الحنفية على قبر ابن عباس، وقال ابن حبيب: أراه
في اليوم واليومين والثلاثة واسعاً إذا خيف من نبش أو غيره، والحسن بن الحسن - بلفظ
التكبير فيهما - ابن علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنهم، أحد أعيان بني هاشم فضلاً
وخبراً. مات سنة سبع وتسعين، وامرأته فاطمة بنت حسين بن علي، وهي التي حلفت له
بجميع ما تملكه أنها لا تزوج عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان، ثم تزوجته، فأولدها
محمد الديباج. قوله: ((قبة))، بضم القاف وتشديد الباء الموحدة، قال الجوهري: القبة، بالضم
من البناء والجمع: قبب وقباب. وقال ابن الأثير: القبة من الخيام: بيت صغير مستدير، وهو
من بيوت العرب، وضرب القبة: نصبها وإقامتها على أوتاد مضروبة في الأرض، وجاء في
رواية المغيرة ابن مقسم: لما مات الحسن بن الحسن ضربت امرأته على قبره فسطاطاً
وأقامت عليه سنة، قال الجوهري: الفسطاط بيت من شعر، وفي (المغرب): هو خيمة
عظيمة، وفي (الباهر): هو مضرب السلطان الكبير وهو السرادق أيضاً. وقال الزمخشري: هو
ضرب من الأبنية في السفر دون السرادق، وقال ابن قرقول: هو الخباء ونحوه، وقال ابن
السكيت: فسطاط، بضم الفاء، وفسطاط بكسرها، وفستاط وفستاط وفساط وفساط، والجمع:
فساطيط وفساسيط. وفي (الباهر): وفساتيط. قوله: ((ثم رفعت)) على بناء الفاعل بفتح الراء
وبضمها أيضاً على بناء المفعول. قوله: ((فسمعت)) ويروى: ((فسمعوا))، قوله: ((ما فقدوا))
ويروى ((ما طلبوا)). قوله: ((فأجابه آخر)) أي: صائح آخر، وقال ابن التين: يحتمل أن يكون
هذان الصائحان من مؤمني الجن أو من الملائكة.
١٣٣٠/٨٥ - حدّثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُوسى عنْ شَيْبَانَ عنْ هِلاَلٍ هُوَ الوَزَّانُ عنْ عُزْوَةَ
عنْ عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها عنِ النَّبِيِّ عَُّلِّ قال فِي مرَضِهِ الَّذِيِ ماتَ فِيهِ لَعَنَ الله
اليَهُودَ وَالنَّصَارِى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسْجِداً قَالَتْ ولَوْلاَ ذُلِكَ لِأَبْرَزُوا قَبْرَهُ غَيْرَ أَنِّي
أَخْشَى أنْ يُنَّخَذَ مَسْجِداً. [أنظر الحديث ٤٣٥ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث التلازم، وذلك أن الترجمة اتخاذ المسجد على القبر،
ومدلول الحديث اتخاذ القبر مسجداً ولكنهما متلازمان، وإن كان مفهوماهما متغايران.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: عبيد الله بن موسى أبو محمد العبسي، وقد مر غير
مرة. الثاني: شيبان، بفتح الشين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف بعدها الباء الموحدة:
ابن عبد الرحمن التميمي النحوي. الثالث: هلال بن حميد، ويقال ابن عبد الله الوزان.
الرابع: عروة بن الزبير بن العوام. الخامس: عائشة أم المؤمنين.

١٩٦
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٦٢)
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع وفيه العنعنة في أربعة
مواضع أن شيخه بصري سكن الكوفة، وشيبان وهلال كوفيان وعروة مدني. وفيه: أن هلالاً
مذكور بصنعته المشهور أنه ابن أبي حمد، وكذا وقع منسوباً عند ابن أبي شيبة والإسماعيلي
وغيرهما. وقيل: قال البخاري في (تاريخه): قال وكيع: هلال بن حميد، وقال مرة: هلال بن
عبد الله، ولا يصح قلت: وقال ابن أبي حاتم: هلال بن مقلاص.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري في الجنائز أيضاً عن موسى بن
إسماعيل، وأخرجه في المغازي عن الصلت بن محمد. وأخرجه مسلم في الصلاة عن أبي
بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد، كلاهما عن هاشم بن القاسم عن شیبان به.
ذكر معناه: قوله: ((في مرضه))، إنما قاله في مرضه تحذيراً مما صنعوه. قوله: ((لعن
الله)، اللعن: الطرد والإبعاد، فهم مطرودون ومبعودون من الرحمة، ولعنوا بكفرهم. قوله:
((مسجداً)، وفي رواية الكشميهني: ((مساجداً). قوله: ((لولا ذلك لأبرز)) حاصله: لولا خشية
الاتخاذ لأبرز قبره، أي: لكشف قبر النبي عَّله ولم يتخذ عليه الحائل، ولكن خشية الاتخاذ
موجودة، فامتنع الإبراز، لأن: لولا، لامتناع الشيء لوجود غيره، وهذا قالته عائشة قبل أن يوسع
المسجد، ولهذا لما وسع المسجد جعلت حجرتها مثلثة الشكل محددة حتى لا يتأتى لأحد
أن يصلي إلى جهة القبر مع استقبال القبلة، وفي رواية: ((لأبرزوا))، بلفظ الجمع أي: لكشفوا
قبره كشفاً ظاهراً من غير بناء بني عليه يمنع من الدخول إليه. قوله: ((غير أنه خشي)) والهاء
في أنه ضمير الشأن، وخشي على صيغة المجهول، وكذا في رواية مسلم، وفي رواية
((خشي)) على بناء المعلوم، فعلى هذا الضمير في: أنه، يرجع إلى النبي عَّهِ أي: إن النبي
عَّله خشي أن يتخذ قبره مسجداً وأمرهم بترك الإبراز. وفي رواية: ((إني أخشى))، وهذه
تقتضي أنها هي التي منعت من إبرازه.
ومما يستفاد منه: أن قوله، عَ لِّ هذا من باب قطع الذريعة لئلا يعبد قبره الجهال،
كما فعلت اليهود والنصارى بقبور أنبيائهم، وكره مالك المسجد على القبور، وإذا بني
مسجد على مقبرة دائرة ليصلى فيه فلا بأس به، وكره مالك الدفن في المسجد.
٦٢ - بابُ الصَّلاَةِ عَلَى النُّفَسَاءِ إِذَا مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا
أي: هذا باب في بيان الصلاة على النفساء إذا ماتت في مدة نفاسها، والنفساء: بضم
النون وفتح الفاء: المرأة الحديثة العهد بالولادة، وهي صيغة مفردة على غير القياس، وقال أبو
علي في كتابه (الممدود والمقصور): يعني، بفتح النون لغة في نفساء، بالضم وهي ثلاث
لغات يقال: امرأة نفساء وهي الفصيحة الجيدة، ونفساء ونفساء وهي أقلها وأردؤها.
١٣٣١/٨٦ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قالَ حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْع قال حدَّثنا حُسَيْنٌ قال حدَّثنا
عَبْدُ اللهِ بنُ بُرَيْدَةَ عنْ سَمُرَةَ رضي الله تعالى عنهُ. قال صَلَّيْتُ وَرَاءَ النبيِّ عَّ ◌ُلَّه عَلَى امْرَأَةٍ
ماتَتْ فِي نِفَاسِهَا فَقَامَ عَلَيْهَا وَسْطَهَا. [أنظر الحديث ٣٣٢ وطرفه].

١٩٧
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِرِ / باب (٦٣)
مطابقته للترجمة ظاهرة، ومضى الحديث في أول كتاب الغسل في: باب الصلاة على
النفساء وسنتها، فإنه أخرجه هناك: عن أحمد بن أبي سريح عن شبابة عن شعبة عن حسين
المعلم عن ابن بريدة عن سمرة بن جندب: ((أن امرأة ماتت في بطن فصلى عليها النبي عَّه.
فقام وسطها)). وقد مضى الكلام فيه هناك، ويزيد بن زريع قد مر غير مرة، ويزيد من الزيادة،
وزريع مصغر الزرع، وحسين هو ابن ذكوان المعلم، وبريدة، بضم الباء الموحدة وفتح الراء
وسكون الياء آخر الحروف. قوله: ((وسطها))، بسكون السين: يتناول العجيزة أيضاً لأنه أعم
من الوسط بالتحريك، وفي (التوضيح): بسكون السين هو الصواب، وقيده بعضهم بالفتح
أيضاً، وكون هذه المرأة في نفاسها وصف غير معتبر اتفاقاً وإنما هو حكاية أمر وقع.
وأما وصف كونها امرأة فهل هو معتبر أم لا؟ من الفقهاء من ألغاه، وقال: يقام عند
وسط الجنازة مطلقاً، ذكراً كان أو أنثى، ومنهم من خص ذلك بالمرأة محاولة للستر. وقيل:
كان قبل اتخاذ الأنعشة والقباب.
وأما الرجل فعند رأسه لئلا ينظر إلى فرجه، وهو مذهب الشافعي وأحمد وأبي يوسف،
والمشهور من الروايات عن أصحابنا في الأصل وغيره: أن يقوم من الرجل والمرأة حذاء
الصدر، وعن الحسن بحذاء الوسط منهما. وقال مالك: يقوم من الرجل عند وسطه ومن
المرأة عند منكبيها، وقال أبو علي الطبري، من الشافعية: يقوم الإمام عند صدره واختاره إمام
الحرمين والغزالي وقطع به السرخسي. قال الصيدلاني: وهو اختيار أئمتنا. وقال الماوردي:
قال أصحابنا البصريون: يقوم عند صدره، وهو قول الثوري. وقال البغداديون: عند رأسه،
وقالوا: ليس في ذلك نص، وممن قاله المحاملي وصاحب (الحاوي) والقاضي حسين وإمام
الحرمين، وروى حرب عن أحمد كقول أبي حنيفة، وذكر عن الحسن التوسعة في ذلك،
وبها قال أشهب وابن شعبان.
والخنثى كالمرأة.
والإجماع قائم على أنه لا يقوم ملاصقاً للجنازة، وأنه لا بد من فرجة بينهما، وفي
الحديث إثبات الصلاة على النفساء، وإن كانت شهيدة وعن الحسن أنه لا يصلى عليها
بموت من زنا ولا ولدها، وقال قتادة: في ولدها.
٦٣ - بابٌ أَيْنَ يَقُومُ مِنَ المَزْأَةِ وَالرَّجُلِ
أي: هذا باب يذكر فيه أين يقوم المصلي على الميت من المرأة والرجل؟ فإن قلت:
ليس في حديث الباب بيان موضع قيام الرجل، فلم ذكره في الترجمة. قلت: قال الكرماني:
للإشعار بأنه لم يجد حديثاً بشرطه في ذلك، وأما لقياس الرجل على المرأة إذا لم يقل أحد
بالفرق بينهما، وفيه نظر. أما في الأول فلأنه لما لم يجد حديثاً في ذلك بشرطه لم يكن
لذكره وجه، وأما في الثاني فمن أين علم؟ لم يقل بالفرق بينهما. وقال بعضهم: أراد عدم
التفرقة بين الرجل والمرأة، وأشار إلى تضعيف ما رواه أبو داود والترمذي من طريق أبي غالب

١٩٨
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٦٤)
عن أنس بن مالك: ((أنه صلى على رجل فقام عند رأسه، وصلى على امرأة فقام عند
عجيزتها، فقال له العلاء بن زياد: أهكذا كان رسول الله عَّله يفعل؟ قال: نعم. انتهى. قلت:
روى أبو داود هذا الحديث مطولاً وسكت عليه، وسكوته دليل رضاه به، ورواه الترمذي وابن
ماجه أيضاً، فقال الترمذي: حدثنا عبد الله بن منير عن سعيد بن عامر عن همام ((عن أبي
غالب، قال: صليت مع أنس بن مالك على جنازة رجل فقام حيال رأسه، ثم جاؤوا بجنازة
امرأة من قريش فقال: يا أبا حمزة صل عليها، فقام حيال وسط السرير، فقال له العلاء بن
زياد: هكذا رأيت رسول الله عَ ليه قام على الجنازة مقامك منها ومن الرجل مقامك منه؟ قال:
نعم، فلما فرغ قال: إحفظوه)). وقال الترمذي حديث أنس حديث حسن، واسم أبي غالب:
نافع، وقيل: رافع، وكيف يضعف هذا وقد رضي به أبو داود وحسنه الترمذي، ولكن لما كان
هذا الحديث مستند الحنفية طعنوا فيه بما لا يفيدهم، ولئن سلمنا ذلك، ولكن لا نسلم
وقوف البخاري عليه، والتضعيف وعدمه مبنيان عليه، وذكر البخاري الرجل في الترجمة لا
يدل على عدم التفرقة بينهما عنده لأنه لا يجوز أن يكون مذهبه غير هذا، وذكر الرجل وقع
اتفاقاً لا قصداً.
٨٧/ ١٣٣٢ - حدَّثْنا عِمْرَانُ بنُ مَيْسَرَةَ قال حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ قال حدثنا محُسَيْنٌ عنِ
ابنِ بُرَيْدَةً قال حدَّثنا سَمُرَةُ بنُ مُنْدَبٍ رضي الله تعالى عنهُ قال صَلَّيْتُ وَرَاءَ النبيِّ عَ لَّهِ عَلَى
امْرَأَةٍ ماتَتْ فِي نِفَاسِهَا فَقَامَ عَلَيْهَا وَسَطَهَا. [أنظر الحديث ٣٣٢ وطرفه].
ذكر حديث سمرة هنا من وجه آخر عن عمران بن ميسرة - ضد الميمنة - وقد مر
في: باب رفع العلم عن عبد الوارث ابن سعيد عن حسين المعلم عن عبد الله بن بريدة إلى
آخره، وفي الباب السابق يروى عن ابن بريدة عن سمرة بالعنعنة، وهنا بصيغة التحديث،
وهناك يروي حسين عن ابن بريدة بالتحديث، وههنا بالعنعنة.
٦٤ - باب التَّكْبِيرِ عَلَى الجَنَازَةِ أَزْبَعاً
أي: هذا باب في بيان أن التكبير على الجنازة أربع تكبيرات، وقد استقصينا الكلام
في عدد تكبيرات الجنازة في: باب الصفوف على الجنازة.
وقالَ حُمَيْدٌ صَلى بِنَا أنَسّ رضي الله تعالى عنهُ فَكَبَّرَ ثَلاَثَاً ثُمَّ سَلَّمَ فَقِيلَ لَّهُ فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ
ثُمَّ كَبَّرَ الرَّابِعَةَ ثُمَّ سَلَّمَ
مطابقته للترجمة ظاهرة، وحميد هذا هو حميد بن أبي حميد الطويل الخزاعي
البصري، واختلفوا في اسم أبي حميد، فقيل: داود، وقيل: تيرويه، وقيل: زادويه، وقيل: عبد
الرحمن، وقيل: طرخان، وقيل: مهران، وهذا التعليق أخرجه عبد الرزاق من غير طريق حميد،
وذلك: عن معمر عن قتادة ((عن أنس، رضي الله تعالى عنه، أنه كبر على جنازة ثلاثاً ثم
انصرف ناسياً، فقالوا: يا أبا حمزة إنك كبرت ثلاثاً؟ قال: فصفوا، فكبر الرابعة)). فإن قلت:

١٩٩
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٦٤)
روي عن أنس، رضي الله تعالى عنه، الاقتصار على ثلاث. قال ابن أبي شيبة في (مصنفه) من
طريق معاذ عن عمران بن حدير، قال: صليت مع أنس بن مالك، رضي الله تعالى عنه، على
جنازة، فكبر عليها ثلاثاً لم يزد عليها)). وروى ابن المنذر من طريق حماد بن سلمة عن يحيى
ابن أبي إسحاق قال: قيل لأنس: إن فلاناً كبر ثلاثاً، فقال: وهل التكبير إلاَّ ثلاثاً؟ قلت: يمكن
التوفيق بأن يكونا واقعتين لتغايرهما، ففي الأولى كان يرى الثلاث مجزئة، ثم استقر على
الأربع لما ثبت عنده أن الذي استقر عليه جماهير الصحابة هو الأربع. وقال صاحب
(التلويح): ويحمل على أن إحدى الروايتين وهم.
قلت: هذا الحمل غير موجه، والأحسن ما قلناه، وأما قوله: وهل التكبير إلاَّ ثلاث؟
يعني: غير تكبيرة الافتتاح، كما ذكرنا فيما مضى عن يحيى بن أبي إسحاق أن أنساً قال: أَوَ
ليس التبكير ثلاثاً؟ فقيل له: يا أبا حمزة التكبير أربع. قال: أجل غير أن واحدة افتتاح الصلاة.
قوله: ((فكبر ثلاثاً) أي: ثلاث تكبيرات. قوله: ((فقيل له)) أي: قيل له: كبرت ثلاثاً. قوله:
((ثم كبر الرابعة))، أي: التكبيرة الرابعة. وقال ابن حبيب: إذا ترك بعض التكبير جهلاً أو نسياناً
أتم ما بقي من التكبير، وإن رفعت إذا كان بقرب ذلك فإن طال ولم تدفن أعيدت الصلاة
عليها. وإن دفنت تركت، وفي (العتيبية) نحوه عن مالك، وقال صاحب (التوضيح): وعندنا
خلاف في البطلان إذا رفعت في أثناء الصلاة، والأصح الصحة، وإن صلى عليها قبل وضعها
ففي الصحة وجهان، وعندنا كل تكبيرة قائمة مقام ركعة حتى لو ترك تكبيرة منها لا تجوز
صلاته. كما لو ترك ركعة، ولهذا قيل أربع كأربع الظهر، والمسبوق بتكبيرة أو أكثر يقضيها
بعد السلام، ما لم ترفع الجنازة، ولو رفعت بالأيدي ولم توضع على الأكتاف يكبر في ظاهر
الرواية، وعن محمد: إن كانت إلى الأرض أقرب يكبر، وإن كانت إلى الأكتاف أقرب لا
يكبر. وقيل: لا يقطع حتى يتباعد. وفي (الأشراف): قال ابن المسيب وعطاء والنخعي
والزهري وابن سيرين والثوري وقتادة ومالك وأحمد في رواية وإسحاق والشافعي: المسبوق
يقضي ما فاته متتابعاً قبل أن ترفع الجنازة، فإذا رفعت سلم وانصرف، كقول أصحابنا، قال
ابن المنذر: وبه أقول: وقال ابن عمر: لا يقضي ما فاته من التكبير، وبه قال الحسن البصري
والسختياني والأوزاعي وأحمد في رواية، ولو جاء وكبر الإمام أربعاً ولم يسلم لم يدخل معه
وفاتته الصلاة، وعند أبي يوسف والشافعي: يدخل معه ويأتي بالتكبيرات نسقاً إن خاف رفع
الجنازة. وفي (المحيط): وعليه الفتوى.
٨٨/ ١٣٣٣ - حدّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ سَعِيدِ
ابنِ المُسَيَّبِ عنِ أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ رسولَ الله عَ لَّهِ نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي اليَوْمِ
الَّذِي ماتَ فِيهِ وخَرَجَ بِهِمْ إِلَى المُصَلَّى فَصَفَّ بِهِمْ وَكَبْرَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ. [أنظر
الحديث ١٢٤٥ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة والحديث قد مضى في باب الصفوف على الجنازة.

٢٠٠
٢٣ - كِتَابُ الجَنّائِزِ / باب (٦٥)
١٣٣٤/٨٩ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سِنَانٍ قال حدَّثنا سَلِيمُ بنُ حَبَّانَ قال حدَّثَنَا سَعِيدُ
ابن مِينَاءَ عَنْ جَابِرٍ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ النبيَّ عَّهِ صَلَّى عَلَى أَصْحَمَةَ النَّجَاشِيُّ فَكَبَّرَ
أَرْبَعاً. [أنظر الحديث ١٣١٧ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة مثل الذي قبله.
ذكر رجاله: وهم أربعة: الأول: محمد بن سنان، بكسر السين المهملة وتخفيف النون
الأولى: أبو بكر الكوفي، مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين. الثاني: سليم، بفتح السين
المهملة وكسر اللام: ابن حبان، بفتح الحاء المهملة وتشديد الياء آخر الحروف منصرفاً وغير
منصرف: ابن بسطام الهذلي. الثالث: سعيد بن ميناء، بكسر الميم وسكون الياء آخر
الحروف وبالنون وبالمد والقصر: أبو الوليد. الوليد: جابر بن عبد الله.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في
موضع واحد. وفيه: أن شيخه من أفراده. وفيه: أن سليمان بصري وليس في الصحيحين
سليم، بالفتح غيره، وسعيد بن ميناء مكي.
وأخرجه مسلم في الجنائز عن أبي بكر بن أبي شيبة.
ذكر معناه: قوله: ((على أصحمة))، بفتح الهمزة وسكون الصاد المهملة وفتح الحاء
المهملة، ومعناه بالعربية: عطية، وهو اسم ذلك الملك الصالح. قوله: ((فكبر أربعاً)) أي: أربع
تكبيرات.
وقال يَزِيدُ بنُ هَارُونَ وَعَبْدُ الصَّمَدِ عنْ سَلِيمِ أضْحَمَةَ
يزيد - من الزيادة -: ابن هارون الواسطي، وعبد الصمد بن عبد الوارث أي: قال، يزيد
وعبد الصمد مما روياه عن سليم المذكور بإسناده إلى جابر، رحمه الله تعالى: أصحمة،
ووقع في رواية المستملي: وقال يزيد عن سليم أصحمة، ورواية يزيد هذه وصلها البخاري،
رضي الله تعالى عنه، في هجرة الحبشة عن أبي بكر بن أبي شيبة عنه.
٠
وَتَابَعَهُ عَبْدُ الصَّمَدِ
أي: تابع يزيد بن هارون عبد الصمد بن عبد الوارث، ووصل روايته الإسماعيلي من
طريق أحمد بن سعيد عنه، ووقع في (مصنف ابن أبي شيبة): عن يزيد: صحمة، بفتح الصاد
وسكون الحاء يعني بحذف الهمزة، وحكى الإسماعيلي أن في رواية عبد الصمد أصخمة،
بإثبات الألف والخاء المعجمة. قال: وهو غلط، وحكى الكرماني أن في بعض النسخ في
رواية محمد بن سنان: أصحبة، بالباء الموحدة عوض الميم.
---
٦٥ - بابُ قِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الكِتَابِ عَلَى الجَنَازَةِ
أي: هذا باب في بيان مشروعية قراءة الفاتحة على الجنازة، وقد اختلفوا فيه، فنقل