Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ ٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٦) منك)). اللفظ لابن قانع، وهو عند ابن منده مطول بلفظ آخر. وحديث الحسحاس بن بكر عند أبي موسى المديني الذي ذيل به على الصحابة لابن منده عن النبي، عَّ ◌ُلّه، قال: ((من لقي الله بخمس عوفي من النار وأدخل الجنة: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاَّ الله، والله أكبر، وولد يحتسب)). وحديث عبد الله بن عمر عند الطبراني، قال: ((إن رجلاً من الأنصار كان له ابن يروح إذا راح النبي، فسأل نبي الله، عَّه، عنه فقال: أتحبه؟ قال: يا نبي الله، نعم، فأخّبك الله كما أحبه، فقال إن الله أشد لي حباً منك له، فلم يلبث أن مات ابنه ذاك، فراح إلى النبي، عَّ له، وقد أقبل عليه بثه، فقال له رسول الله، عَّ لِ: أجزعت؟ قال: نعم، فقال له رسول الله، عَّ له، أو لا ترضى أن يكون ابنك مع ابني إبراهيم يلاعبه تحت ظل العرش؟ قال: بلى يا رسول الله)). وحديث الزبير بن العوام عند الدارقطني في (العلل) عن النبي، عَ لّه: ((من مات له ثلاثة من الولد .. )) الحديث. وحديث بريدة عند البزار قال: ((كنت عند النبي عَّ لِ فبلغه أن امرأة من الأنصار مات ابن لها .. )) الحديث، وفيه: ((فقال رسول الله عَ لّه إنها الرقوب الذي يعيش ولدها، إنه لا يموت لامرأة مسلمة أو امرىء مسلم نسمة، أو قال ثلاثة من ولده، فيحتسبهم إلاّ وجبت له الجنة، فقال عمر: واثنين؟ قال: واثنين)). وحديث ابن سلمى عند النسائي في اليوم والليلة عنه مرفوعاً: ((بخ بخ بخمس .. )) مثل حديث سفينة، وحديث أبي برزة الأسلمي عند أحمد رواه من حديث الحارث بن وقيش، قال: كنا عند أبي برزة فحدث ليلتئذ عن النبي عَّم قال: ما من مسلمين يموت لهما أربعة أفراط ألاَّ أدخلهما الله الجنة بفضل رحمته، فقالوا: يا رسول الله وثلاثة؟ قال: وثلاثة، قالوا: وإثنان؟ قال: وإثنان)). واسم أبي برزة نضلة بن عبيد على الصحيح. وحديث عائشة، رضي الله تعالى عنها عند الطبراني في (الأوسط) ((من قدم ثلاثة من الولد صابراً محتسباً حجبوه عن النار بإذن الله تعالى)). وحديث حبيبة بنت سهل عند الطبراني في (الكبير) من حديث محمد بن سيرين عنها، قالت: قال النبي عَُّلِّ: ((ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة أطفال لم يبلغوا الحنث، إلاَّ أدخلهما الله الجنة بفضل رحمته إياهم)). وحديث أم سليم عند ابن أبي شيبة في (مصنفه) من حديث عمرو الأنصاري عن أم سليم ابنة ملحان، وهي أم أنس، أنها سمعت النبي عَّ لِ يقول: ((ما من مسلمين ... )) الحديث، نحو حديث حبيبة بنت سهل. وحديث أم مبشر عند الطبراني في (الكبير) من حديث سعيد بن المسيب عنها، ((أن رسول الله عَّ قال لها: يا أم مبشر، من كان له ثلاثة أفراط من ولده أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم، وكانت أم مبشر تطبخ طبيخاً، فقالت: أو فرطان؟ فقال: أو فرطان)). وحديث رجل لم يسم عند ابن أبي شيبة في (مصنفه) ((عن النبي، عَّهِ، أنه قال لا مرأة أتته بصبي لها، فقالت: يا رسول الله أدع الله سبحانه وتعالى أن يبقيه، فقد مضى لي ثلاثة، فقال: أمذ أسلمت؟ قالت: نعم، قال: جنة حصينة من النار)). ٤٢ ٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٦) وَقَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥]. وقول الله، بالجر عطفاً على قوله: من مات، وفي بعض النسخ: قال الله تعالى: ﴿وبشر الصابرين﴾ [البقرة: ١٥٥] ووقع هذا في رواية الأصيلي وكريمة، وذكر هذا تأكيداً لقوله: فاحتسب، لأن الاحتساب لا يكون إلاَّ بالصبر، وقد بشر الله الصابرين في هذه الآية التي في سورة البقرة ووصفهم بقوله عز وجل ﴿وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ [البقرة: ١٥٥]. ولفظ: المصيبة، عام فيتناول المصيبة بالولد وغيره. ١٢/ ١٢٤٨ - حدَّثنا أَبُو مَعْمَرٍ قال حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ قال حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ عنْ أَنَسٍ رضي الله تعالى عنه قال قال النبيُّ عَّه ما مِنَ النَّاسِ مِنْ مُسْلِمٍ يُتَوَفَّى لَهُ ثَلاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ إلاَّ أُدْخَلَهُ الله الجَنَّةَ بِفَضْلٍ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ. [الحديث ١٢٤٨ - طرفه في: ١٣٨١]. مطابقته للترجمة ظاهرة، وذكر الولد فيها يتناول الثلاثة فما فوقها. فإن قلت: ذكر فيها الاحتساب وليس ذلك في الحديث؟ قلت: هو مراد فيه وإن لم يذكر صريحاً لأن دخول الجنة لا يكون إلا بالاحتساب فيه. ذكر رجاله: وهم أربعة: الأول: أبو معمر، بفتح الميمين: عبد الله بن عمرو. الثاني: عبد الوارث بن سعيد. الثالث: عبد العزيز بن صهيب، وصرح به في رواية ابن ماجه. الرابع: أنس بن مالك، رضي الله تعالى عنه. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في موضع واحد. وفيه: القول في ثلاثة مواضع. وفيه: أن رواته كلهم بصريون. وفيه: أنه من الرباعيات. والحديث أخرجه النسائي وابن ماجه جميعاً في الجنائز عن يوسف بن حماد، وعند النسائي: ((من احتسب ثلاثة من صلبه دخل الجنة، فقامت امرأة فقالت: أو اثنان؟ قال: وإثنان، قالت المرأة: يا ليتني قلت واحداً). ذكر معناه: قوله: ((ما من الناس من مسلم)) كلمة: من، الأولى بيانية والثانية زائدة، وهو اسم: لما، قوله: ((ثلاثة))، أي: ثلاثة أولاد، ويروى: ((ثلاث))، لا يقال الولد مذكر فلا بد من علامة التأنيث فيه لأنا نقول: إذا كان المميز محذوفاً جاز في لفظ العدد التذكير والتأنيث. قوله: ((يتوفى)) على صيغة المجهول أي: يموت. قوله: ((لم يبلغوا الحنث))، بكسر الحاء المهملة وسكون النون وفي آخره ثاء مثلثة، كذا هو في جميع الروايات، وحكى صاحب (المطالع) عن الداودي أنه روى: ((لم يبلغوا الخبث))، بفتح الخاء المعجمة والباء الموحدة أي: لم يبلغوا فعل المعاصي. قال: وهذا لا يعرف، إنما هو الحنث وهو المحفوظ. قال أبو المعالي في (المنتهى): بلغ الغلام الحنث أي: بلغ مبلغاً تجري عليه الطاعة والمعصية. وفي (المحكم): الحنث الحلم، وقال الخليل: بلغ الغلام الحنث أي: جرى عليه القلم، والحنث الذنب، قال تعالى: ﴿وكانوا يصرون على الحنث العظيم﴾ [الواقعة: ٤٦]. وقيل: ٤٣ ٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِ / باب (٦) المراد بلغ إلى زمان يؤاخذ بيمينه إذا حنث، وقال الراغب: عبر بالحنث عن البلوغ لما كان الإنسان يؤاخذ بما يرتكبه فيه، بخلاف ما قبله قوله: ((إلاَّ أدخله الجنة))، هذا الاستثناء وما بعده خبر قوله: ((وما من مسلم)). قوله: ((بفضل رحمته)) أي: بفضل رحمة الله للأولاد، وقيل: إن الضمير في: رحمته، يرجع إلى الأب لكونه كان يرحمهم في الدنيا فيجازى بالرحمة في الآخرة، ورد ذلك بأن الضمير يرجع إلى الله تعالى، بدليل ما روي في رواية ابن ماجه من هذا الوجه، بفضل رحمة الله إياهم. وفي رواية النسائي، من حديث أبي ذر: ((إلاَّ غفر الله لهما بفضل رحمته)) وكذا في حديث الحارث بن وقيش، وقد مر عن قريب، وكذا في حديث عمرو بن عبسة وقد مر أيضاً، فكأن هذا القائل لم يطلع على الأحاديث المذكورة، وتصرف فيما قاله. قوله: ((إياهم))، الضمير يرجع إلى قوله: ((ثلاثة من الولد))، وقال الكرماني: الظاهر أن المراد به المسلم الذي توفيت أولاده، لا الأولاد، وإنما جمع باعتبار أنه نكرة في سياق النفي تفيد العموم. قلت: الظاهر غير ظاهر لأن في غير طريق هذا الحديث ما يدل على أن الضمير للأولاد، وذلك في حديث عمرو بن أبي عبسة وأبي ثعلبة الأشجعي، وقد مر ذكرهما، وقد تكلف الكرماني فيما قاله لعدم اطلاعه على هذه الأحاديث، وقد علم أن الأحاديث يفسر بعضها بعضاً، ولا سيما إذا كانت في قضية واحدة، فافهم. ذكر ما يستفاد منه: فيه: خص الصغير لأن الشفقة عليهم أعظم والحب له أشد والرحمة له أوفر، وعلى هذا فمن بلغ الحنث لا يحصل لمن فقده ما ذكر من هذا الثواب، وإن كان في فقد الولد مطلقاً أجر في الجملة وعلى هذا كثير من العلماء، لأن البالغ يتصور منه العقوق المقتضي لعدم الرحمة، بخلاف الصغير فإنه لا يتصور منه ذلك، لأنه غير مخاطب. وقيل: بل يدخل الكبير في ذلك من طرق الفحوى لأنه إذا ثبت ذلك في الطفل الذي هو كلٌّ على أبويه، فكيف لا يثبت في الكبير الذي بلغ معه السعي ووصل له منه النفع، وتوجه إليه الخطاب بالحقوق؟ قال هذا القائل: دليل هذا هو السر في إلغاء البخاري التقييد بذلك في الترجمة. قيل: يقول الأول: قوله: ((بفضل رحمته إياهم)) لأن الرحمة للصغار أكثر لعدم حصول الإثم منهم؟ قلت: رحمة الله واسعة تشمل الصغير والكبير فلا يحتاج إلى التقييد. فإن قلت: هل يلتحق بالصغار من بلغ مجنوناً مثلاً واستمر على ذلك فمات؟ قلت: الظاهر أنه يلحق لعدم الخطاب. فإن قلت: في الناس من يكره ولده ويتبرأ منه، ولا سيما إذا كان ضيق الحال؟ قلت: لما كان الولد مظنة المحبة نيط بها الحكم، وإن كان يوجد التخلف في بعض الأفراد. فإن قلت: هل يدخل أولاد الأولاد في هذا الحكم؟ قلت: الحديث الذي أخرجه النسائي من طريق حفص بن عبيد الله عن أنس عن رسول الله، عَ ليه، قال: ((من احتسب ثلاثة من صلبه دخل الجنة .. )) الحديث يدل على أن أولاد الأولاد لا يدخلون، و كذلك حدیث عثمان بن أبي العاص، ((رجل سلف بين يديه ثلاثة من صلبه في الإسلام))، وقد مر عن قريب، ٤٤ ٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٦) ولكن الظاهر أن أولاد الأولاد الذكور منهم يدخلون، وأولاد البنات لا يدخلون، وفيه: التقييد بالإسلام ليدل على اختصاص ذلك الثواب بالمسلم فإن قلت: من مات له أولاد في الكفر ثم أسلم هل يدخل فيه؟ قلت: حديث أبي ثعلبة الأشجعي وحديث عمرو بن عبسة اللذين قد ذكرا عن قريب يدلان على عدم ذلك. وفيه: دليل على أن أطفال المسلمين في الجنة. قال في (التوضيح): وهو إجماع، ولا عبرة للمجبرة حيث جعلوهم تحت المشيئة، فلا يعتد بخلافهم ولا بوفاقهم. وفي أطفال المشركين اختلاف بين العلماء، فذهب جماعة إلى التوقف في أطفال المشركين أن يكونوا في جنة أو نار، منهم ابن المبارك وحماد وإسحاق لحديث أبي هريرة: ((سئل رسول الله عٍَّ عن الأطفال؟ فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين)). كذا قال: الأطفال، ولم يخص طفلاً من طفل. قال الطبراني في (معجمه الأوسط): روي أن النبي، عَّ اله، قال لعائشة في أطفال المشركين: ((إن شئت دعوت الله تعالى أن يسمعك تضاغيهم في النار؟)) وقال سمرة بن جندب: قال رسول الله عَ له: ((أولاد المشركين هم خدم أهل الجنة)). وروي عنه أنه سئل عنهم فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين، فرجع الأمر إلى قول رسول الله عَّبله: ألله أعلم بما كانوا عاملين، فمن سبق علم الله فيه أنه لو كبر آمن هم الذين قال: ((هم خدم أهل الجنة))، وهو قول أهل السنة. فإن قلت: روى أبو داود الطيالسي: حدثنا قيس بن الربيع عن يحيى بن إسحاق عن عائشة بنت طلحة ((عن عائشة: أن النبي ◌َِّ أتى بصبي من الأنصار ليصلي عليه، فقالت: طوبى له عصفور من عصافير الجنة لم يعمل سوءاً قط ولم يدره! فقال: يا عائشة! أولاً تدرين أن الله تبارك خلق الجنة وخلق لها أهلاً، خلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار وخلق لها أهلاً وهم في أصلاب آبائهم؟)) وروي ((عن سلمة بن يزيد الجعفي قال: قلت: يا رسول الله إن أمنا ماتت في الجاهلية، وإنها وأدت أختاً لنا لم تبلغ الحنث في الجاهلية، فهل ذلك نافع أختنا؟ فقال رسول الله عَ لَّه: أما إن الوائدة والموءودة فإنهما في النار إلاَّ أن يدرك الإسلام)). وروي بقية عن محمد بن يزيد الألهاني قال: سمعت عبد الله بن قيس، سمعت عائشة ((سألت النبي عَّلِّ عن ذراري المسلمين؟ فقال: هم من آبائهم، قلت: بلا عمل؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين؟ وسألته عن ذراري المشركين؟ فقال: مع آبائهم، قلت: بلا عمل؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين)). وروى أبو داود الطيالسي من حديث أبي عقيل، صاحب بهية، عن بهية ((عن عائشة قالت: سألت رسول الله عَ لَّم عن أطفال المشركين .. )) الحديث؟ قلت: قيس بن الربيع وأبو عقيل وبقية متكلم فيهم، فأحاديثهم ضعاف. وقال أبو عمر: قوله: ((إن الله خلق الجنة .. )) إلى آخره ساقط ضعيف مردود بالإجماع، وفي إسناده طلحة بن يحيى وهو ضعيف. قلت: كيف يقال: إنه ساقط وطلحة ضعيف والحديث أخرجه مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن طلحة بن يحيى عن عمته عائشة بنت طلحة ((عن عائشة، أم المؤمنين، قالت: دعي رسول الله عَّه إلى جنازة صبي من الأنصار، فقلت: يا رسول الله! طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء ولم يدركه. قال: أو غير ٤٥ ٢٣ - كِتَابُ الجَنّائِزِ / باب (٦) ذلك يا عائشة إن الله خلق للجنة أهلاً خلقهم لها وهم في أصلاب الرجال، وخلق للنار أهلاً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم». والجواب عنه أن المراد به النهي عن المسارعة إلى القطع من غير دليل قاطع، وقيل ذلك قبل أن يعلم عَ ◌ّ كونهم في الجنة، فلما علم ذلك أثبته بحديث شفاعة الأطفال، ويقال: على تقدير الصحة يعارض الأحاديث المذكورة ما في الصحيح من حديث سمرة حديث الرؤيا: ((وأما الرجل الذي في الروضة، إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، وأما الولدان حوله فكل مولود يولد على الفطرة. قيل: يا رسول الله وأولاد المشركين؟ قال: وأولاد المشركين)). وفي لفظ: ((وأما الشيخ في أصل الشجرة فإبراهيم، عليه الصلاة والسلام، والصبيان حوله أولاد الناس)). وروى الحاكم عن أبي هريرة على شرط الشيخين يرفعه: ((أولاد المؤمنين في جبل في الجنة يكفلهم إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، حتى يردهم إلى آبائهم يوم القيامة)). وفي (التمهيد) حديث مفسر يقضي على ما روي في الأحاديث بأن ذلك كان في أحوال ثلاثة عن عائشة: أن خديجة، رضي الله تعالى عنها، ((سألت رسول الله عَ لّه عن أولاد المشركين؟ فقال: هم مع آبائهم، ثم سألته بعد ذلك، فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين، ثم بعدما استحكم الإسلام ونزلت: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ [الأنعام: ١٦٤ وغيرها] قال: هم على الفطرة، وذكر محمد بن سنجر في مسنده: حدثنا هودة حدثنا عوف ((عن خنساء بنت معاوية قالت: حدثني عمي قال: قلت: يا رسول الله من في الجنة؟ قال: النبي في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، والوثيد في الجنة)). وعن أنس قال رسول الله عَّ: ((سألت ربي في اللاَّهِين، يعني الأطفال من ذرية المشركين، أن لا يعذبهم فأعطانيهم)). وروى الحجاج بن نصير عن المبارك بن فضالة عن علي بن زيد عن أنس يرفعه: ((أولاد المشركين خدم أهل الجنة))، وروى الحكيم في (نوادر الأصول) عن أبي طالب الهروي: حدثنا يوسف بن عطية، حدثنا أنس بلفظ: ((كل مولود من ولد كافر أو مسلم فإنهم إنما يولدون على فطرة الإسلام كلهم))، وفي حديث عياض بن حماد المجاشعي: أن رسول الله عَّه قال في خطبته: ((إن الله تعالى أمرني أن أعلمكم، وقال: إني خلقت عبادي كلهم حنفاء فاتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وأمرتهم أن يشركوا بي، وحرمت عليهم ما أحللت لهم)). والجواب: عن حديث سلمة بن يزيد أنه: وإن كان صحيحاً، ولكنه يحتمل أن يكون خرج على جواب السائل في غير مقصوده، فكانت الإشارة إليها. ١٢٤٩/١٣ - حدّثنا مُسْلِمٌ قال حدَّثنا شُعْبَةُ قال حدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الأصْبِهَانِيِّ عَنْ ذَكْوَانَ عنْ أَبِي سَعِيدٍ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ النِّساءَ قُلْنَ للنبيِّ عَ لِ اجْعَلْ لَنَا يَوْماً فَوَعَظَهُنَّ وقال أيَُّا امْرَأَةٍ ماتَ لَهَا ثَلاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ كَانُوا حِجَاباً مِنَ النَّارِ قَالَتِ امْرَأَةٌ واثْنَانٍ قال وَاثْنَانٍ. [أنظر الحديث ١٠١]. مطابقته للترجمة مثل الوجه الذي ذكرناه في الحديث السابق. ٤٦ ٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٦) ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: مسلم بن إبراهيم الأزدي القصاب وقد مر غير مرة. الثاني: شعبة بن الحجاج. الثالث: عبد الرحمن بن الأصبهاني واسم الأصبهاني عبد الله ويروى عبد الرحمن الأصبهاني بدون لفظة ابن، والأصبهاني بكسر الهمزة وفتحها وبالفاء وبالباء الموحدة أربع لغات قاله الكرماني. قلت: بالباء الموحدة في لسان العجم، وبالفاء في استعمال العرب. الرابع: ذكوان هو أبو صالح السمان. الخامس: أبو سعيد الخدري واسمه: سعد بن مالك. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في موضعين. وفيه: حدثنا عبد الرحمن وفي رواية الأصيلي أخبرنا. وفيه: أن شيخه بصري. وشعبة واسطي وعبد الرحمن كوفي وأصله من أصبهان وكان أبوه يتجر إلى أصبهان فقيل له الأصبهاني وذكوان مدني. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري في مواضع قد ذكرناها في كتاب العلم في: باب هل يجعل للنساء يوم على حدة في العلم، وهناك أخرجه عن آدم عن شعبة إلى آخره نحوه مع زيادة فيه. وأخرجه مسلم والنسائي أيضاً. ذكر معناه: قوله: ((أن النساء قلن)) وفي رواية مسلم ((أنهن كن من نساء الأنصار)). قوله: ((فوعظهن))، عطف على مقدر تقديره، فجعل لهن يوماً فوعظهن فيه ومن جملة ما قال لهن قوله: ((أيما امرأة». قوله: ((ثلاث من الولد)» في رواية أبي ذر، وهكذا في رواية غيرة ((ثلاثة)) وقد مر توجيهه عن قريب. وقوله ((ولد)) يتناول الذكر والأنثى والمفرد والجمع. قوله: ((كن)) هكذا رواية الحموي والمستملي، وكأنه أنث باعتبار النفس أو النسمة وفي رواية غيرهما. ((كانوا))، وفي رواية أبي الوقت ((كانوا لها حجاباً) وقال الكرماني: القياس: كانوا، ولكن الأطفال كالنساء في كونهم غير عاقلين، أو المراد كانت النساء محجوبات. قلت: تشبيههم بالنساء هكذا غير موجه لأن النساء عاقلات، غير أن في عقولهن قصوراً. قوله: ((فقالت امرأة))، هي أم سليم الأنصارية والدة أنس بن مالك، رواه الطبراني عنها بإسناد جيد. («قالت: قال رسول الله عَ لِّ ذات يوم وأنا عنده: ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم، فقلت: وإثنان قال: واثنان. وممن سأل عن ذلك أم أيمن، وقد تقدم في حديث جابر بن سمرة، ومنهن أم مبشر، مضى من حديث جابر ابن عبد الله، وفي حديث ابن عباس أن عائشة منهن، وحكى ابن بشكوال أن أم هانىء سألت عن ذلك. فإن قلت: سؤالهن كان في مجلس واحد أو في مجالس؟ قلت: يحتمل كلاً منهما. وقال بعضهم في تعدد القصة بُعد. قلت: الأقرب تعدد القصة ألا ترى أنه قد تقدم في حديث جابر بن عبد الله أنه: ممن سأل عن ذلك أيضاً ... وقد مضى في حديث بريدة أن عمر سأل عن ذلك أيضاً، فظهر من ذلك أن اتحاد المجلس فيه بعد ظاهر، فافهم. قوله: ((وإثنان)) عطف على ثلاثة ومثله يسمى بالعطف التلقيني أي: قل يا رسول الله: واثنان، ونظيره قوله تعالى حكاية عن إبراهيم: ﴿ومن ٤٧ ٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٦) ذريتي﴾ [إبراهيم: ٤٠]. وقال بعضهم: وإثنان، أي: وإذا مات اثنان ما الحكم؟ فقال: وإثنان. أي: وإذا مات اثنان فالحكم كذلك قلت: فيه كثرة الحذف المخلة بالفصاحة، وفي رواية مسلم من هذا الوجه: واثنين، بالنصب أي: وما أمر اثنين؟ وفي رواية سهيل: أو إثنان؟ أي: أو إن وجد إثنان فكالثلاثة، وفيه التسوية بين ثلاثة وإثنين. فإن قلت: كيف قال في الحال: وإثنان؟ قلت: قال ابن بطال: هو محمول على أنه أوحي إليه بذلك في الحال، ولا يبعد أن ينزل عليه الوحي في أسرع من طرفة عين، ويحتمل أن يكون كان العلم عنده حاصلاً لكنه أشفق عليهم أن يتكلموا، لأن موت الإثنين غالباً أكثر من موت الثلاثة، ثم لما سئل عن ذلك لم یکن بد من الجواب. ومما يستفاد منه: ما قاله ابن التين تبعاً للقاضي عياض: أن مفهوم العدد ليس بحجة، لأن الصحابية من أهل اللسان ولم تعتبره إذ لو اعتبرته لانتفى الحكم عندها عما عدا الثلاثة، لكنها جوزت ذلك فسألت، وقال بعضهم: الظاهر أنها اعتبرت مفهوم العدد إذ لو لم تعتبره لم تسأل. قلت: دلالة مفهوم العدد بطريق الاحتمال لا بطريق القطع، فلذلك وقع السؤال عن ذلك. فإن قلت: لم خصت الثلاثة بالذكر؟ لأنها أول مراتب الكثرة فتعظم المصيبة فيكثر الأجر، فإذا زاد عليها يخف أمرها لكونها تصير كالعادة كما قيل: روعت بالبين حتى ما أراع به كذا قاله القرطبي، وقيل: هذا مصير منه إلى انحصار الأجر المذكور، في الثلاثة ثم في الاثنين بخلاف الأربعة والخمسة، ويلزم في ذلك أن يرتفع الأجر في الأربعة مع وجود الثلاثة فيها مع تجدد المصيبة، والوجه السديد في هذا أن يقال: إن تناول الخبر الأربعة فما فوقها من باب الأولى والأجدر، ألا ترى أنهم ما سألوا عن الأربعة ولا ما فوقها، لأنه كالمعلوم عندهم أن المصيبة إذا كثرت كان الأجر أعظم. ... / ١٢٥٠ - وقال شَرِيكُ عنِ ابنِ الأَصْبَهَانِيِّ قال حدَّثني أَبُو صالِحِ عنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهما عن النبيِّ عَّه قال أَبُو هُرَيْرَةَ لَمْ يَبْلُغُواْ الحِنْثَ. [أنظر الحديث ١٠٢]. شريك بن عبد الله، وابن الأصبهاني هو عبد الرحمن، وقد مضى الآن، وأبو صالح ذكوان وقد مضى صريحاً في الحديث السابق، وهذا التعليق وصله ابن أبي شيبة عنه، حدثنا عبد الرحمن بن الأصبهاني قال: أتاني أبو صالح يعزيني عن ابن لي فأخذ يحدث عن أبي سعيد وأبي هريرة أن النبي، عَّ له، قال: (ما من امرأة تدفن ثلاثة أفراط إلاَّ كانوا لها حجاباً من النار فقالت امرأة: يا رسول الله قدمت اثنين؟ قال: ثلاثة، ثم قال: واثنين وإثنين)). قال أبو هريرة: الفرط من لم يبلغ الحنث، وقد قال في كتاب العلم وعن عبد الرحمن بن الأصبهاني: سمعت أبا حازم عن أبي هريرة وقال: ثلاثة لم يبلغوا الحنث. ١٤ /١٢٥١ - حدّثنا عَلِيٍّ قال حدَّثنا سُفْيَانُ قال سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ عنْ سَعِيدِ بنِ ٤٨ ٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِرِ / باب (٦) المُسَيَّبِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه عنِ النبيِّ عَّهِ قال لاَ يَمْوتُ لِمُسْلِمٍ ثَلاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ فَيَلِجَ النَّارَ إِلاَّ تَحِلَّةَ القَسَمْ. [الحديث ١٢٥١ - طرفه في: ٦٦٥٦]. مطابقته للترجمة قد ذكرناها في الحديثين السابقين، ورجاله قد ذكروا غير مرة، وعلي هو ابن المديني وسفيان هو ابن عيينة والزهري هو محمد بن مسلم. والحديث أخرجه مسلم في الأدب عن أبي بكر بن أبي بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد وزهير بن حرب. وأخرجه النسائي في التفسير عن محمد بن عبد الله بن يزيد. وأخرجه ابن ماجه في الجنائز عن أبي بكر بن أبي شيبة. ذكر معناه: قوله: ((لا يموت لمسلم))، قيد الإسلام شرط لأنه لا نجاة للكافر بموت أولاده، وإنما ينجو من النار بالإيمان والسلامة من المعاصي، وهذه اللفظة فيها عموم تشمل الرجال والنساء بخلاف الرواية الماضية لأبي هريرة فإنها مقيدة بالنساء. قوله: ((فيلج النار)) من الولوج وهو الدخول، يقال: ولج يلج ولوجاً ولجة أي: دخل، قال سيبويه: إنما جاء مصدره ولوجاً وهو من مصادر غير المتعدي على معنى: ولجت فيه وأولجه أدخله، قال الله تعالى: ﴿يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل﴾ [الحج: ٦١]. أي: يزيد من هذا في ذلك ومن ذلك في هذا. قوله: ((إلا تحلة القسم))، بفتح التاء المثناة من فوق وكسر الحاء وتشديد اللام، وهو مصدر حلل اليمين أي: كفرها. يقال: حلل تحليلاً وتحلة وتحلاً وهو شاذ، والتاء فيه زائدة، ومعنى: تحلة القسم: ما ينحل به القسم وهو اليمين تقول العرب: ضربه تحليلاً وضربه تعزيراً إذا لم يبالغ في ضربه، وهذا مثل في القليل المفرط القلة وهو أن يباشر من الفعل الذي يقسم عليه المقدار الذي يبر قسمه به مثل أن يحلف على النزول بمكان فلو وقع به وقعة خفيفة أجزأته فتلك تحلة قسمه، وقال أهل اللغة: يقال فعلته تحلة القسم، أي: قدر ما حللت به يميني، ولم أبالغ، وقال الخطابي: حللت القسم تحلة أي: أبررتها، بقوله: ﴿وإن منكم إلاَّ واردها﴾ [مريم: ٧١]. أي: لا يدخل النار ليعاقبه بها، ولكنه يجوز عليها فلا يكون ذلك إلاّ بقدر ما يبر الله به قسمه، والقسم مضمر كأنه قال: وإن منكم والله إلاَّ واردها. وقال ابن بطال: المراد بهذه الكلمة تقليل مكث الشيء، وشبهوه بتحليل القسم. وقال الجوهري: التحليل ضد التحريم، تقول: حللته تحليلاً وتحلة. وفي الحديث: ((إلاّ تحلة القسم) أي: قدر ما يبر الله قسمه فيه بقوله: ﴿وإن منكم إلاَّ واردها﴾ [مريم: ٧١]. وقال القرطبي: اختلف في المراد بهذا القسم، فقيل: هو معين، وقيل: غير معين، فالجمهور على الأول. وقيل: لم يعن به قسم بعينه. وإنما معناه: التقليل لأمر ورودها، وهذا اللفظ يستعمل في هذا، يقال: ما ينام فلان إلاّ كتحليل الآلية، ويقال: ما ضربه إلاَّ تحليلاً إذا لم يبالغ في الضرب، أي: قدراً يصيبه منه مكروه. وقال جمهور العلماء: المراد به قوله تعالى: ﴿وإن منكم إلاَّ واردها﴾ [مريم: ٧١]. وليس المراد دخولها للعقاب، ولكن للجواز. كما قاله الخطابي، ويدل على ذلك ما رواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري في آخر هذا الحديث: إلاَّ تحلة القسم، يعني: الورود، وفي (سنن أبي سعيد بن منصور): عن سفيان بن عيينة في ٤٩ ٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِرِ / باب (٦) آخره ثم قرأ سفيان: ﴿وإن منكم إلاَّ واردها﴾ [مريم: ٧١]. ومن طريق زمعة بن صالح عن الزهري في آخره، قيل: وما تحلة القسم؟ قال: قوله تعالى: ﴿وإن منكم إلاَّ واردها﴾ [مريم: ٧١]. وكذا وقع في رواية كريمة في أصل البخاري. قال أبو عبد الله: ﴿وإن منكم إلاّ واردها﴾ [مريم: ٧١]. والمراد: بأبو عبد الله، هو البخاري نفسه، ولم يقع هذا في رواية غير كريمة، ومن أقوى الدليل على أن المراد من الورود: الجواز، حديث عبد الرحمن بن بشير الأنصاري الذي ذكرناه في أوائل الباب، وهو: ((من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث لم يرد النار إلاَّ عابر سبيل))، يعني: الجواز على الصراط، ومع هذا اختلف السلف في المراد بالورود في الآية، فقيل: هو الدخول، واستدل على ذلك بما رواه أحمد والنسائي والحاكم من حديث جابر مرفوعاً ((الورود: الدخول، لا يبقى بر ولا فاجر إلاَّ دخلها، فيكون على المؤمنين برداً وسلاماً)) ورواه ابن أبي شيبة أيضاً وزاد: ((كما كانت على إبراهيم حتى إن للنار أو لجهنم ضجيج من بردهم، ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيا)). وروى الترمذي، وقال: حدثنا عبد بن حميد، قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل ((عن السدي قال: سألت مرة الهمداني عن قول الله تعالى: ﴿وإن منكم إلاّ واردها﴾ [مريم: ٧١]. فحدثني أن عبد الله بن مسعود حدثهم قال: قال رسول الله عَّ له: يرد الناس النار ثم يصدرون عنها بأعمالهم، فأولهم كلمح البرق ثم كالريح ثم كحضر الفرس ثم كالراكب في رحله ثم کشد الرجل ثم كمشيه))، هذا حديث حسن، ورواه شعبة عن السدي ولم يرفعه. حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن عن شعبة: عن السدي بمثله، قال عبد الرحمن: قلت لشعبة: إن إسرائيل حدثني عن السدي عن مرة عن عبد الله عن النبي عٍَّ قال شعبة وقد سمعته من السدي مرفوعاً ولكني أدعه عمداً. وقيل: المراد بالورود الممر عليها. واستدل على ذلك بما رواه الإمام أبو الليث السمرقندي، قال: حدثنا أبو الحسن محمد بن محمد مندوست، قال: حدثنا فارس بن مردويه، قال: حدثنا محمد بن الفضل، قال: حدثنا علي بن عاصم، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: حدثنا الجريري عن أبي السليل عن غنيم بن قيس ((عن أبي العوام، قال: قال كعب: هل تدرون ما قوله: ﴿وإن منكم إلاَّ واردها﴾ [مريم: ٧١]. قالوا: ما كنا لنرى ورودها إلاَّ دخولها. قال: لا، ولكن ورودها: أن يجاء بجهنم كأنها متن إهالة حتى استوت عليها أقدام الخلائق برهم وفاجرهم، نادى مناد: خذي أصحابك وذري أصحابي، فتجيب بكل ولي لها وهي أعلم بهم من الوالد بولده، وينجو المؤمنون ندية ثيابهم) قوله: (كأنها متن إهالة)) أي: ظهرها، والإهالة، بكسر الهمزة، كل شيء من الأدهان مما يؤتدم به. وقيل: هو ما أذيب من الإلية والشحم. وقيل: الدسم الجامد. وقيل: المراد بالورود الدنو منها، وقيل: الإشراف عليها. وقيل: المراد به ما يصيب المؤمن في الدنيا من الحمى، وهو محكي عن مجاهد فإنه قال: الحمى حظ المؤمن من النار، وقيل: الورود مختص بالكفار، واستدل على ذلك بقراءة بعضهم: ﴿وإن منكم إلاّ واردها﴾ [مريم: ٧١] وحكي ذلك عن ابن عمدة القاري / ج ٨ / ٤٢ ٥٠ ٢٣ - كِتَابُ الجَنّائِزِ / باب (٦) عباس أيضاً، ويكون الورود على ذلك في الكفار دون المؤمنين، وقال أبو عمر: ظاهر قوله عَّ له ((فتمسه النار)، يدل على أن المراد بالورود الدخول، لأن المسيس حقيقة في اللغة: المماسة، ثم قال: روي عن ابن عباس وعلي، رضي الله تعالى عنه، أن الورود الدخول، وكذا رواه أحمد بن حنبل عن جابر. انتهى. ويدل على صحة ذلك ما رواه مسلم من حديث أم مبشر: أن حفصة قالت للنبي عَ ليه. لما قال: ((لا يدخل أحد شهد الحديبية النار: أليس الله يقول: ﴿وإن منكم إلاَّ واردها﴾ [مريم: ٧١]. فقال لها: أليس الله يقول: ﴿ثم ننجي الذين اتقوا﴾ [مريم: ٧٢]. الآية، ويكون على مذهب هؤلاء: ثم ننجي الذين اتقوا بخروج المتقين من جملة من يدخلها ليعلم فضل النعمة بما شاهدوا فيه أهل العذاب. ذكر إعرابه: قوله: ((فيلج النار))، منصوب بأن المقدرة، تقديره: فأن يلج النار، لأن الفعل المضارع المنفي ينصب بأن المقدرة، وحكى الطيبي عن بعضهم: إنما تنصب الفاء الفعل المضارع بتقدير: أن إذا كان ما قبلها أو ما بعدها سببية، ولا سببية ههنا، إذ لا يجوز أن يكون موت الأولاد ولا عدمه سبباً لولوج أبيهم النار، فالفاء بمعنى الواو التي للجمعية، وتقديره: لا يجتمع لمسلم موت ثلاثة من أولاده وولوجه النار، ونظيره ما ورد: ((ما من عبد يقول في صباح كل يوم ومساء كل ليلة: ﴿بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ]، فيضره شيء)). بالنصب، وتقديره: لا يجتمع ولا في السماء وهو السميع العليم﴾ [ قول عبد هذه الكلمات في هذه الأوقات وضر شيء إياه. قال الطيبي: إن كانت الرواية على النصب فلا محيد عن ذلك، والرفع يدل على أنه لا يوجد ولوج النار عقيب موت الأولاد إلاّ مقداراً يسيراً، ومعنى: فاء التعقيب، كمعنى الماضي في قوله تعالى: ﴿ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار﴾ [ك: ٤٤]. في أن ما سيكون بمنزله الكائن، لأن ما أخبر به الصادق من المستقبل كالواقع، وقال بعضهم: وهذا قد تلقاه جماعة عن الطيبي وأقروه عليه، وفيه نظر، لأن السببية حاصلة بالنظر إلى الاستثناء، لأن الاستثناء بعد النفي إثبات، فكان المعنى: أن تخفيف الولوج مسبب عن موت الأولاد، وهو ظاهر، لأن الولوج عام وتخفيفه يقع بأمور منها موت الأولاد بشرطه، وما ادعاه أن الفاء بمعنى الواو التي للجمع فيه نظر. قلت: في كل واحد من نظريه نظر، أما الأول: فلأنا لا نسلم حصول السببية بالنظر إلى الاستثناء، لأن الولوج ههنا ليس على حقيقته بالاتفاق، لأنه بمعنى الورود، وقد مر أن في معناه أقوالاً. وقوله: لأن الاستثناء بعد النفي إثبات محل نزاع، وقد علم في موضعه. وأما الثاني: فأيضاً ممنوع، لأن الحروف ينوب بعضها عن بعض، ولم يمنع أحد عن ذلك ألا ترى أن بعضهم قالوا: إن الاستثناء بمعنى: الواو، أي: لا تمسه النار قليلاً ولا كثيراً، ولا تحلة القسم، وقد جوز الفراء والأخفش وأبو عبيدة مجيء: إلاَّ بمعنى: الواو، وجعلوا منه قوله تعالى: ﴿لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم﴾ [البقرة: ١٥٠]. أي: ولا الذين ظلموا منهم. ٥١ ٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٧) ٧ - بابُ قَوْلِ الرَّجُلِ لِلْمَرْأةِ عِنْدَ القَبْرِ اصبِرِي أي: هذا باب في بيان جواز قول الرجل للمرأة عند قبر الميت: إصبري، والقصد من هذه الترجمة جواز مخاطبة الرجال للنساء بما فيه موعظة وأمر بمعروف ونهي عن منكر، وإنما ذكر بقوله: ((قول الرجل)) إشارة إلى أن ذلك لا يختص بالنبي، عَّ، وإن كان في الحديث قوله، عَّ له، وأطلق إمرأة ليتناول الشابة والعجوز، وعين لفظ: اصبري، ولم يقل لفظ: اتقي، كما في الحديث لأنه هو المناسب في ذلك الوقت. فإن قلت: لِمَ قال: قول الرجل، ولم يقل: وعظ الرجل، ونحوه؟ قلت: لعموم معنى القول وشموله. ١٢٥٢/١٥ _ حدَّثنا آدَمُ قال حدَّثنا شُعْبَةُ قال حدَّثنا ثابتٌ عنْ أَنَسٍ بنِ مالِكِ رضي الله تعالى عنهُ قال مرَّ النبيُّ عَ لِ بامْرَأَةِ عِنْدَ قَبْرٍ وهْيَ تَبْكِي فقال اتَّقِي الله واضبِرِي. [الحديث ١٢٥٢ - أطرافه في: ١٢٨٣، ١٣٠٢، ٧١٥٤]. مطابقته للترجمة في قوله: ((واصبري))، ورجاله قد ذكروا غير مرة. وأخرجه البخاري أيضاً في الجنائز عن بندار عن غندر، وفي الأحكام أيضاً عن إسحاق ابن منصور عن عبد الصمد بن عبد الوارث. وأخرجه مسلم في الجنائز عن بندار وعن غندر عن أبي موسى وعن يحيى بن حبيب وعن عقبة بن مكرم وعن أحمد بن إبراهيم الدورقي وزهير بن حرب عن عبد الصمد، ستتهم عنه به. وأخرجه أبو داود فيه عن أبي موسى محمد ابن المثنى نحوه. وأخرجه الترمذي فيه عن بندار به. وأخرجه النسائي فيه عن عمر بن علي عن غندر. قوله: ((وهي تبكي)) جملة إسمية وقعت حالاً. قوله: ((فقال)) أي: النبي، عَِّ، لها: ((اتقي الله واصبري)) أي: لا تجزعي، فإن الجزع يحبط الأجر، واصبري فإن الصبر يجزل الأجر، قال تعالى: ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾ [الزمر: ١٠]. وقال ابن بطال: أراد النبي، عَّهِ، أن لا يجتمع عليها مصيبتان: مصيبة فقد الولد، ومصيبة فقد الأجر الذي يبطله الجزع، فأمرها بالصبر الذي لا بد للجازع من الرجوع إليه بعد سقوط أجره، وقيل: كل مصيبة لم يذهب فرح ثوابها ألم حزنها فهي المصيبة الدائمة، والحزن الباقي. وقال الحسن: الحمد لله الذي أجرنا على ما لا بد لنا منه. ومما يستفاد منه: جواز زيارة القبور والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وفيه: دلالة على تواضعه، عَّهِ، وكونه لم ينهرها، وفيه: النهي عن البكاء بعد الموت. وفيه: الموعظة للباكي بتقوى الله والصبر. ٨ - بابُ غُسْلِ المَيِّتِ وَوَضُوئِهِ بِالمَاءِ والسِّدْرِ أي: هذا باب في بيان حكم غسل الميت .. إلى آخره. وهذه الترجمة مشتملة على أمور. ٥٢ ٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٨) الأول: في غسل الميت، هل هو فرض أو واجب أو سنة؟ فقال أصحابنا: هو واجب على الأحياء بالسنة وإجماع الأمة. أما السنة: فقوله عَّةٍ ((المسلم على المسلم ست حقوق .. )) وذكر منها: إذا مات أن يغسله، وأجمعت الأمة على هذا. وفي (شرح الوجيز): الغسل والتكفين والصلاة فرض على الكفاية بالإجماع، وكذا نقل النووي الإجماع على أن غسل الميت فرض كفاية، وقد أنكر بعضهم على النووي في نقله هذا فقال: وهو ذهول شديد، فإن الخلاف مشهور جداً عند المالكية، حتى أن القرطبي رجح في (شرح مسلم) أنه سنة، ولكن الجمهور على وجوبه. انتهى. قلت: هذا ذهول أشد من هذا القائل حيث لم ينظر إلى معنى الكلام، فإن معنى قوله: سنة، أي: سنة مؤكدة، وهي في قوة الوجوب، حتى قال هو: وقد رد ابن العربي على من لم يقل بذلك، أي: بالوجوب، وقال: توارد به القول والعمل وغسل الطاهر المطهر فكيف بمن سواه؟. الثاني: في أن أصل وجوب غسل الميت ما رواه عبد الله بن أحمد في (المسند) ((أن آدم، عليه الصلاة والسلام، غسلته الملائكة وكفنوه وحنطوه وحفروا له وألحدوا وصلوا عليه، ثم دخلوا قبره فوضعوه فيه ووضعوا عليه اللبن، ثم خرجوا من قبره، ثم حثوا عليه التراب، ثم قالوا: يا بني آدم هذه سبيلكم)) ورواه البيهقي بمعناه. الثالث: في سبب وجوب غسل الميت، فقال بعضهم: هو الحدث، فإن الموت سبب الاسترخاء مفاصله، وقال الشيخ أبو عبد الله الجرجاني وغيره من مشايخ العراق، إنما أوجب النجاسة الموت إذ الآدمي له دم مسفوح كسائر الحيوانات، ولهذا يتنجس البئر بموته فيها، وفي (البدائع): عن محمد بن الشجاع البجلي أن الآدمي لا ينجس بالموت كرامة له، لأنه لو تنجس لما حكم بطهارته بالغسل كسائر الحيوانات التي حكم بنجاستها بالموت، وسيأتي قول ابن عباس: إن المسلم لا ينجس حياً ولا ميتاً. وقال بعض الحنابلة: ينجس بالموت ولا يطهر بالغسل ويتنجس الثوب الذي ينشف به كسائر الميتات، وهذا باطل بلا شك وخرق للإجماع. الرابع: في وضوء الميت، فوضوؤه سنة كما في الاغتسال في حالة الحياة، غير أنه لا يمضمض ولا يستنشق عندنا لأنهما متعسران. وقال صاحب (المغني): ولا يدخل الماء فاه ولا منخريه في قول أكثر أهل العلم. وهو قول سعيد بن جبير والنخعي والثوري وأحمد. وقال الشافعي: يمضمض ويستنشق كما يفعله الحي. وقال النووي: المضمضة جعل الماء في فيه. قلت: هذا خلاف ما قاله أهل اللغة، فقال الجوهري: المضمضة تحريك الماء في الفم، وإمام الحرمين لم يصوب من قال مثل ما قال النووي. الخامس: في الماء والسدر، فالحكم فيه عندنا أن الماء يغلي بالسدر والأشنان مبالغة في التنظيف، فإن لم يكن السدر أو الأشنان فالماء القراح، وذكر في (المحيط) و(المبسوط): أنه يغسل أولاً بالماء القراح، ثم بالماء الذي يطرح فيه السدر، وفي الثالثة يجعل الكافور في الماء ويغسل به، هكذا روي عن ابن مسعود، رضي الله تعالى عنه، وعند سعيد ٥٣ ٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٨) ابن المسيب والنخعي والثوري: يغسل في المرة الأولى والثانية بالماء القراح، والثالثة بالسدر. وقال الشافعي: يختص السدر بالأولى، وبه قال ابن الخطاب من الحنابلة. وعن أحمد: يستعمل السدر في الثلاث كلها، وهو قول عطاء وإسحاق وسليمان بن حرب. وقال القرطبي: يجعل السدر في ماء ويخضخض إلى أن تخرج رغوته ويدلك جسده ثم يصب عليه الماء القراح، فهذه غسلة، وكرهت الشافعية وبعض الحنابلة الماء المسخن، وخيره مالك ما ذكره في (الجواهر) وفي (الختلي) من كتب الشافعية، قيل: المسخن أولى بكل حال وهو قول إسحاق. وفي (الدراية): وعند الشافعي وأحمد الماء البارد أفضل إلاَّ أن يكون عليه وسخ أو نجاسة لا تزول إلاَّ بالماء الحار أو يكون البرد شديداً. فإن قلت: الوضوء مذكور في الترجمة ولم يذكر له حديثاً. قلت: اعتمد على المعهود من الاغتسال من الجنابة، ويمكن أن يقال: إنه اعتمد على ما ورد في بعض طرق حديث الباب من حديث أم عطية: ((إبدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها)). وقيل: أراد وضوء الغاسل أي: لا يلزمه وضوء. قلت: هذا بعيد، لأن الغاسل لم يذكر فيما قبله ولا يعود الضمير في قوله: ((ووضوئه)) إلاَّ إلى الميت، ووجه بعضهم هذا فقال: إلاّ أن يقال: تقدير الترجمة: باب غسل الحي الميت، لأن الميت لا يتولى ذلك بنفسه فيعود الضمير على المحذوف. قلت: هذا عسف وإن كان له وجه مع أن رجوع الضمير إلى أقرب الشيئين إليه أولى. وَحَتَّطَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما ابْناً لِسَعِيدِ بنِ زَيْدٍ وَحَمَلَهُ وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأَ مطابقتة للترجمة تؤخذ من موضعين: الأول: من قوله: ((حنط))، لأن التحنيط يستلزم الغسل، فكأنه قال: غسله وحنطه، وهو مطابق لقوله: باب غسل الميت، والثاني: من قوله: ((ولم يتوضأ))، لأنا قد ذكرنا أن الضمير في قوله: ((ووضوئه))، يرجع إلى الميت، وقوله: ((لم يتوضأ) يدل على أن الغاسل ليس عليه وضوء، فوقع التطابق من هذه الحيثية. وقال بعضهم: وقيل: تعلق هذا الأثر وما بعده بالترجمة من جهة أن المصنف يرى أن المؤمن لا ينجس بالموت وأن غسله إنما هو للتعبد، لأنه لو كان نجساً لم يطهره الماء والسدر ولا الماء وحده، ولو كان نجساً ما مسه ابن عمر، ولغسل ما مسه من أعضائه. قلت: ليس بين هذا الأثر وبين الترجمة تعلق أصلاً من هذه الجهة البعيدة، والذي ذكرناه هو الأوجه. نعم، هذا الذي ذكره يصلح أن يكون وجه التطابق بين الترجمة وبين أثر ابن عباس الآتي، لأن إيراده أثر ابن عباس في هذا الباب يدل على أنه يرى فيه رأي ابن عباس، ويفهم منه أن غسل الميت عنده أمر تعبدي، وإن كان قوله: باب غسل الميت، أعم من ذلك، لكن إيراده أثر ابن عباس وأثر سعد، والحديث المعلق يدل على ذلك فافهم. وقال هذا القائل أيضاً: وكأنه أشار إلى تضعيف ما أخرجه أبو داود من طريق عمرو بنِ عمير عن أبي هريرة مرفوعاً: (من غسل الميت فليغتسل ومن حمله فليتوضأ))، رواته ثقات إلاَّ عمرو بن عمير فليس بمعروف، وروى الترمذي وابن حبان من طريق سهيل بن أبي صالح عن ٥٤ ٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٨) أبيه عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، نحوه، وهو معلول لأن أبا صالح لم يسمعه من أبي هريرة. وقال ابن أبي حاتم: عن أبيه الصواب: عن أبي هريرة، موقوف. وقال أبو داود بعد تخريجه: هذا منسوخ ولم يبين ناسخه، وقال الذهلي فيما حكاه الحاكم في (تاريخه): ليس فيمن غسل ميتاً فليغتسل حديث ثابت. انتهى. قلت: إيش وجه إشارة البخاري بهذه الترجمة إلى تضعيف الحديث المذكور؟ فأي عبارة تدل على هذا بدلالة من أنواع الدلالات، وهذا کلام واه. قلت: أما حديث أبي داود فقد قال في (سننه): حدثنا أحمد بن صالح أخبرنا ابن أبي فديك حدثني ابن أبي ذئب عن القاسم ابن عباس عن عمرو بن عمير عن أبي هريرة أن رسول الله عَّ له قال: ((من غسل الميت .. )) الحديث، وابن أبي فديك: هو محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، وابن أبي ذئب: محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث ابن أبي ذئب، وعمرو بن عمير، بفتح العين في الإبن وضمها في الأب قلت: قوله: عمرو بن عمير ليس بمعروف، إشارة إلى تضعيف الحديث، فهذا أبو داود قد روى له وسكت عليه فدل على أنه قد رضي به، ولكنه قال: هذا منسوخ، فرده هذا الحديث لم يكن إلاَّ من جهة كونه منسوخاً، ثم قال هذا القائل: ولم يبين ناسخه قلت: بتركه بيان الناسخ لا يلزم تضعيف الحديث، والنسخ يعلم بأمور منها: ترك العمل بالحديث، فإنه يدل على وجود ناسخ وإن لم يطلع عليه. وأما حديث الترمذي فقد قال: حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب حدثنا عبد العزيز بن المختار عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي عَ لّه قال: «من غسله الغسل ومن حمله الوضوء) يعني الميت، وقال: حديث أبي هريرة حديث حسن، وقد روي عن أبي هريرة موقوفاً، ثم قال: وقد اختلف أهل العلم في الذي يغسل الميت، فقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي عَّه وغيرهم: إذا غسل ميتاً فعليه الغسل، وقال بعضهم: عليه الوضوء، وقال مالك بن أنس: استحب الغسل من غسل الميت ولا أرى ذلك واجباً، وهكذا قال الشافعي، وقال أحمد: من غسل ميتاً أرجو أن لا يجب عليه الغسل، فأما الوضوء فأقل ما فيه. وقال إسحاق: لا بد من الوضوء، وقد روي عن عبد الله بن المبارك أنه قال: لا يغتسل ولا يتوضأ من غسل الميت، وقال الترمذي: وفي الباب عن علي وعائشة. قلت: كلاهما عند أبي داود، وفي الباب عن حذيفة عند البيهقي بإسناد ساقط، وقال مالك في (العتبية): أدركت الناس على أن غاسل الميت يغتسل، واستحسنه ابن القاسم وأشهب، وقال ابن حبيب: لا غسل عليه ولا وضوء، وفي (التوضيح): وللشافعي قولان: الجديد هذا، والقديم: الوجوب، وبالغسل قال ابن المسيب وابن سيرين والزهري، قاله ابن المنذر، وقال الخطابي: لا أعلم أحداً قال بوجوب الغسل منه، وأوجب أحمد وإسحاق الوضوء منه. وأما التعليق المذكور فقد وصله مالك في (موطئه) عن نافع: أن ابن عمر حنط ابناً لسعيد بن زيد وحمله ثم دخل المسجد فصلى ولم يتوضأ، وروى ابن أبي شيبة عن وكيع عن هشام بن عروة عن أبيه: أن ابن عمر كفن ميتاً وحنطه ولم يمس ماء، وعن أبي الأحوص ٥٥ ٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٨) عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عمر: اغتسل من غسل الميت؟ قال: لا. وحدثنا عباد بن العوام عن حجاج عن سليمان بن ربيع عن سعيد بن جبير، قال: غسلت أمي ميتة، فقالت لي: سل، علي غسل؟ فأتيت ابن عمر فسألته، فقال: أنجساً غسلت؟ ثم أتيت ابن عباس، فسألته فقال مثل ذلك: أنجساً غسلت؟ وحدثنا عباد عن حجاج عن عطاء عن ابن عباس وابن عمر أنهما قالا: ليس على غاسل الميت غسل؟ قوله: ((حنط))، بفتح الحاء المهملة وتشديد النون أي: استعمل الحنوط، وهو كل شيء خلط من الطيب للميت خاصة، قاله الكرماني وتبعه بعضهم على هذا. وفي (الصحاح) بالحنوط ذريرة، وهو طيب الميت. قلت: الحنوط: عطر مركب من أنواع الطيب يجعل على رأس الميت ولحيته ولبقيه جسده إن تيسر. وفي الحديث: ((أن ثموداً لما استيقنوا بالعذاب تكفنوا بالأنطاع وتحنطوا بالصبر لئلا يجيفوا وينتنوا)). وفي (المحيط): لا بأس بسائر الطيب في الحنوط غير الزعفران والورس في حق الرجال، ولا بأس بهما في حق النساء، فيدخل فيه المسك، وأجازه أكثر العلماء، وأمر به علي، رضي الله تعالى عنه واستعمله أنس وابن عمر وابن المسيب، وبه قال: مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، وكرهه: عطاء والحسن ومجاهد، وقالوا: إنه ميتة واستعماله في الحنوط على الجبهة والراحتين والركبتين والقدمين. وفي (الروضة): ولا بأس بجعل المسك في الحنوط وقال النخعي: يوضع الحنوط على الجبهة والراحتين والركبتين والقدمين، وفي (المفيد): وإن لم يفعل فلا يضر، وقال ابن الجوزي والقرافي: يستحب في المرة الثالثة شيء من الكافور. قالا: وقال أبو حنيفة: لا يستحب. قلت: نقلهما ذلك عنه خطأ. قوله: ((ابناً لسعيد)) واسم الابن: عبد الرحمن، روى عن الليث عن نافع أنه رأى عبد الله بن عمر حنط عبد الرحمن بن سعيد بن زيد، وسعيد بن زيد هذا أحد العشرة المبشرة بالجنة، أسلم قديماً ومات بالعقيق، ونقل إلى المدينة فدفن بها سنة إحدى وخمسين، رضي الله تعالى عنه. وقال ابنُ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما المُسْلِمُ لاَ يَنْجُسُ حَيًَّ وَلاَ مَيَاً وجه مطابقته للترجمة قد ذكرناها في أثر ابن عمر الذي مضى، وقد وصل هذا التعليق ابن أبي شيبة عن سفيان بن عيينة عن عمرو عن عطاء ((عن ابن عباس أنه قال: لا تنجسوا موتاكم فإن المؤمن ليس بنجس حياً ولا ميتاً). قوله: ((لا تنجسوا موتاكم)) أي: لا تقولوا إنهم نجس، ورواه سعيد بن منصور أيضاً عن سفيان نحوه، ورواه الحاكم مرفوعاً، قال: أخبرنا إبراهيم بن عصمة بن إبراهيم العدل حدثنا أبو مسلم المسيب بن زهير البغدادي حدثنا أبو بكر وعثمان ابنا ابن أبي شيبة، قالا: حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال: قال رسول الله عَّله: ((لا تنجسوا موتاكم فإن المسلم لا ينجس حياً ولا ميتاً)) صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. : ٥٦ ٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٨) وقَالَ سَعدٌ لَوْ كانَ نَجِساً ما مَسِستُهُ وجه المطابقة ما ذكرناه، ووقع في رواية الأصيلي وأبي الوقت سعيد بالياء والأول أشهر وأصح، وهو سعد بن أبي وقاص، رضي الله تعالى عنه، ووصل هذا التعليق ابن أبي شيبة عن يحيى بن سعيد القطان عن الجعد عن عائشة قالت: أوذن سعد بجنازة سعيد بن زيد وهو بالبقيع فجاءه فغسله وكفنه وحنطه، ثم أتى داره فصلى عليه، ثم دعا بماء فاغتسل، ثم قال: لم أغتسل من غسله ولو كان نجساً ما غسلته أو ما مسسته، ولكني أغتسل من الحر. وفي هذا الأثر فائدة حسنة وهي: أن العالم إذا عمل عملاً يخشى أن يلتبس على من رآه ينبغي له أن يعلمهم بحقيقة الأمر لئلا يحملوه على غير محمله. وقال النبي ءَێِ المُؤمِنُ لاَ يَنُْسُ هذا طرف من حديث أبي هريرة ذكره البخاري مسنداً في: باب الجنب يمشي، في كتاب الغسل: حدثنا عياش، قال: حدثنا عبد الأعلى، قال: حدثنا حميد عن أبي رافع ((عن أبي هريرة، قال: لقيني رسول الله، عَ لَه، وأنا جنب .. )) الحديث، وقد ذكرنا هناك جميع ما يتعلق به مستقصىّ. ١٦/ ١٢٥٣ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ عَبْدِ الله قال حدَّثني مالِكٌ عنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ عنْ مُحَمَّدٍ بنِ سيرِينَ عنْ أَمّ عَطِيئَّةَ الأنْصَارِيَّةِ رضي الله تعالى عنها قالَتْ دَخَلَ عَلَيْنَا رسولُ الِهِ عَ لَّهِ حِينَ تُؤُفِّيَتْ ابْنَتُهُ فقال اغْسِلْتَهَا ثَلَاثاً أَوْ خَمْساً أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذُلِكَ إِنْ رَأيْتُنَّ ذُلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كافُوراً أوْ شَيْئاً مِنْ كَافُورٍ فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآَذِنَِّي فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ فأعْطَانَا حِقْوَهُ فقال أُشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ تَعْنِي إِزَارَهُ. [أنظر الحديث ١٦٧ وأطرافه]. مطابقته للترجمة ظاهرة. ذكر رجاله: وهم خمسة كلهم قد ذكروا، وإسماعيل بن عبد الله هو إسماعيل بن أبي أويس ابن أخت مالك، وأم عطية اسمها: نسيبة، بضم النون، بنت كعب، ويقال: بنت الحارث الأنصارية، وقد شهدت غسل ابنة رسول الله، عَّلِ، وحكت ذلك فأتقنت، وحديثها أصل في غسل الميت، ومدار حديثها على محمد وحفصة ابني سيرين، حفظت منها حفصة ما لم يحفظ محمد، وقال ابن المنذر: ليس في أحاديث غسل الميت أعلى من حديث أم عطية، وعليه عول الأئمة. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع وبصيغة الإفراد في موضع. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: القول في موضعين. وفيه: أن شيخه وشيخ شيخه مدنيان، وأيوب وابن سيرين بصريان. وفيه: عن أيوب عن محمد وفي رواية ابن جريج: عن أيوب سمعت ابن سيرين. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابية. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرج البخاري هذا الحديث من أحد عشر ٥٧ ٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٨) طريقاً. الأول: أخرجه في الطهارة في: باب التيمن في الوضوء والغسل، عن مسدد وقد ذكرنا هناك من أخرجه غيره. الثاني: عن إسماعيل المذكور في هذا الباب. الثالث: عن محمد بن عبد الوهاب في: باب ما يستحب أن يغسل وتراً. الرابع: عن علي بن عبد الله في: باب ما يبدأ بميامن الميت. وأخرجه مسلم في الجنائز عن يحيى بن أيوب وابن أبي شيبة وعمرو الناقد، ثلاثتهم عن إسماعيل وعن إسماعيل بن يحيى. وأخرجه أبو داود فيه عن أبي كامل الجحدري عن إسماعيل به، وأخرجه الترمذي فيه عن أحمد بن منيع عن هشيم به. وأخرجه النسائي فيه عن عمرو بن منصور عن أحمد بن جنبل عن إسماعيل به. الخامس: عن يحيى بن موسى في: باب مواضع الوضوء من الميت. السادس: عن عبد الرحمن بن حماد في: باب هل تكفن المرأة في إزار الرجل. وأخرجه النسائي فيه عن شعيب بن يوسف. السابع: عن حامد بن عمر في: باب يجعل الكافور في آخرة. الثامن: عن أحمد عن ابن وهب في: باب ينقض شعر المرأة. التاسع: عن أحمد عن ابن وهب أيضاً في: باب كيف الإشعار للميت. وأخرجه مسلم في الجنائز عن أبي الربيع الزهراني وقتيبة، كلاهما عن حماد ابن زيد وعن قتيبة عن مالك وعن يحبی بن یحیی وعن يحيى بن أيوب. وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي عن مالك به وعن مسدد ومحمد بن عبيد، كلاهما عن حماد بن زيد به. وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة عن مالك وحماد بن زيد فرقهما به، وعن إسماعيل بن مسعود وعن عمرو بن زرارة وعن يوسف بن سعيد. وأخرجه ابن ماجه عن ابن أبي شيبة عن الثقفي به. العاشر: عن قبيصة عن سفيان في: باب هل يجعل شعر المرأة ثلاثة قرون. وأخرجه أبو داود فيه عن محمد بن المثنى. الحادي عشر: عن مسدد عن يحيى بن سعيد في: باب يلقى شعر المرأة خلفها. وأخرجه مسلم في الجنائز عن عمرو الناقد. وأخرجه الترمذي فيه عن عن أحمد بن منيع. وأخرجه النسائي فيه عن أحمد بن منيع، وأخرجه النسائي فيه عن عمر بن علي عن يحيى به. ذكر معناه: قوله: ((حين توفيت ابنة)) هي زينب زوج أبي العاص بن الربيع والدة أمامة هي التي كان رسول الله عٍَّ يحملها في الصلاة، فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها، وزينب أكبر بنات رسول الله، عَّ، وتزوج بزينب: أبو العاص بن الربيع فولدت منه علياً وأمامة، وتوفيت زينب في سنة ثمان. قاله الواقدي، وقال قتادة عن ابن حزم: في أول سنة ثمان، ولم يقع في روايات البخاري ابنته هذه مسماة، وهو مصرح به في لفظ مسلم ((عن أم عطية، قالت: لما ماتت زينب بنت رسول الله، عَّ له، قال لنا رسول الله عَ له: اغسلنها .. )) الحديث، هذا هو المروي الأكثر وذكر بعض أهل السير أنها أم كلثوم زوج عثمان، رضي الله تعالى عنه، وقد ذكره أبو داود أيضاً، قال: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا أبي عن أبي إسحاق حدثني نوح بن حكيم الثقفي وكان قارئاً للقرآن عن رجل من بني عروة ابن مسعود يقال له داود، وقد ولدته أم حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبي، عَ لّه، عن ليلى بنت قانف الثقفية، قالت: كنت فيمن غسل أم كلثوم ابنة رسول الله عَ لّه، عند وفاتها، فكان ٥٨ ٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٨) أول ما أعطانا، عَّهِ، الحقا ثم الدرع ثم الخمار ثم الملحفة، ثم أدرجت بعد في الثوب الآخر. قالت: ورسول الله عٍَّ جالس عند الباب معه كفنها يناولنا ثوباً ثوباً. وقال المنذري: فيه محمد بن إسحاق، وفيه من ليس بمشهور، والصحيح أن هذه القصة في زينب، لأن أم كلثوم توفيت ورسول الله، عَّةٍ، غائب ببدر، وقال ابن القطان في كتابه: ونوح بن حكيم رجل مجهول لم تثبت عدالته، وقد غلطوا المنذري في قوله: أم كلثوم توفيت ورسول الله، عَِّ، غائب ببدر، لأن التي توفيت حينئذ رقية. فإن قلت: حكى ابن التين عن الداودي الشارح بأنه جزم بأن البنت المذكورة أم كلثوم زوج عثمان. وذكر صاحب (التلويح): بأن الترمذي زعم أنها أم كلثوم، قلت: أما الداودي فإنه لم يذكر مستنده، وأما الترمذي فلم يذكر شيئاً من ذلك. فإن قلت: ذكر الدولابي من طريق أبي الرجال عن عمرة أن أم عطية كانت ممن غسل أم كلثوم بنت النبي عَّ ◌ُّه، قلت: لا يلزم من ذلك أن تكون البنت في حديث الباب أم كلثوم، لأن أم عطية كانت غاسلة الميتات فيمكن أن تكون حضرت لهما جميعاً. قوله: ((ثلاثاً أو خمساً)) وفي رواية هشام بن حسان عن حفصة: ((إغسلنها وتراً ثلاثاً أو خمساً). وكلمة: أو. هنا للتنويع، والنص على الثلاث أو الإشارة إلى أن المستحب، الإيتار، ألا يُرى أنه نقلهن من الثلاث إلى الخمس دون الأربع، وقال بعضهم: أو، هنا للترتيب لا للتخيير. قلت: لم ينقل عن أحد أن: أو، تجيء للترتيب، وقد ذكر النحاة أن: أو، تأتي لاثني عشر معنى، وليس فيها ما يدل على أنها تجيء للترتيب، والظاهر أنه أخذه من الطيبي فإنه نقل من المظهر شرح المصابيح: أن فيه للترتيب دون التخيير، إذ لو حصل الاكتفاء بالغسلة الأولى استحب التثليث، وكره التجاوز عنه فإن حصلت بالثانية أو بالثالثة استحب التخميس، وإلا فالتسبيع، والمنع باق فيه. وفي الطيبي في نقله، وفي صاحب المظهر شارح (المصابيح). قوله: ((أو أكثر من ذلك)) أي: من الخمس ينتهي إلى السبع، كما في رواية أيوب عن حفصة: ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً، وسيأتي في الباب الذي يليه، وليس في الروايات أكثر من السبع إلاَّ في رواية أبي داود: حدثنا حماد عن أيوب عن محمد عن أم عطية بمعنى حديث مالك، زاد في حديث حفصة عن أم عطية نحو هذا، وزادت فيه: أو سبعاً أو أكثر، من ذلك إن رأيته. ويستفاد من هذا استحباب الإيتار بالزيادة على السبعة لأن ذلك أبلغ في التنظيف، وكره أحمد مجاوزة السبع، وقال ابن عبد البر: لا أعلم أحداً قال بمجاوزة السبع، وساق من طريق قتادة أن ابن سيرين كان يأخذ الغسل عن أم عطية ثلاثاً وإلاَّ فخمساً وإلاَّ فسبعاً. قال: فرأينا أن الأكثر من ذلك سبع. وقال الماوردي: الزيادة على السبع سرف، وقال ابن المنذر: بلغني أن جسد الميت يسترخي بالماء، فلا أحب الزيادة على ذلك. قوله: ((إن رأيتن ذلك))، قال الطيبي: بكسر الكاف خطاب لأم عطية ورأيت بمعنى الرأي يعني أن احتجتن إلى أكثر من ثلاث أو خمس للإنقاء لا للتشهي فلتفعلن، قلت: كسر الكاف في ذلك الثاني لا في ٥٩ ٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٨) الأول، فإن بعضهم نقل ذلك عن الطيبي. ولكنه غلط فيه، وذكره في ذلك الأول، وليس كذلك على ما يخفى، وقال ابن المنذر: إنما فوض الرأي إليهن بالشرط المذكور وهو الإيتار. وحكى ابن التين عن بعضهم، قال: يحتمل قوله: ((إن رأيتن)) أن يرجع إلى الأعداد المذكورة، ويحتمل أن يكون معناه: إن رأيتن أن تفعلن ذلك وإلاَّ فالانقاء يكفي. قوله: ((بماء وسدر))، الباء تتعلق بقوله: ((اغسلنها)) قال الطيبي ناقلاً عن المطهر: قوله: (بماء وسدر)) لا يقتضي استعمال السدر في جميع الغسلات، والمستحب استعماله في الكرة الأولى ليزيل الأقذار، ويمنع من تسارع الفساد. وقال ابن العربي: قوله: ((بماء وسدر)) أصل في جواز التطهر بالماء المضاف إذا لم يسلب الإطلاق. وقال ابن التين. قوله: ((بماء وسدر)) هو السنة في ذلك، والخطمي مثله، فإن عدم فما يقوم مقامه كالأشنان والنطرون، ولا معنى لطرح ورق السدر في الماء، كما تفعل العامة، وأنكرها أحمد ولم يعجبه، ومثله من قال: يحك الميت بالسدر ويصب عليه الماء فتحصل طهارته بالماء، وعن ابن سيرين، أنه كان يأخذ الغسل عن أم عطية فيغسل بالماء والسدر مرتين والثالثة بالماء والكافور. ومنهم من ذهب إلى أن الغسلات كلها بالماء والسدر، وهو قول أحمد: ولما غسلوا النبي، عَّه، غسلوه بماء وسدر ثلاث مرات، في كلهن ذكره أبو عمر. قوله: ((واجعلن في الآخرة)) أي في المرة الآخرة ويروى ((الأخيرة)) قوله: ((كافوراً)) والحكمة فيه أن الجسم يتصلب به وتنفر الهوام من رائحته، وفيه إكرام الملائكة. وخصه صاحب (المذهب) بالثالثة، والجرجاني بالثانية، وهما غريبان. وقال صاحب (التوضيح): وانفرد أبو حنيفة فقال: لا يستحب الكافور والسنة قاضية عليه. قلت: لم يقل أبو حنيفة هذا أصلاً، وقد بينا فيما مضى مذهبه، وقال أيضاً: يستحب عندنا أن يجعل في كل غسلة قليل كافور. قوله: ((أو شيئاً من كافور)) شك من الراوي أي اللفظين قال. وقوله: ((شيئاً)) نكرة في سياق الإثبات فيصدق بكل شيء منه، وهل يقوم المسك مقام الكافور، قال بعضهم: إن نظر إلى مجرد التطيب، نعم وإلا فلا. قلتِ: ليسِ كذلك، بل ينظر إن كان يوجد فيه ما ذكره من الأمور في الكافور ينبغي أن يقوم وإلاَّ فلا إلاَّ عند الضرورة، فيقوم غيره مقامه. قوله: ((آذنني))، بتشديد النون الأولى، قاله الكرماني، ولم يبين وجهه. قلت: هذا أمر لجماعة الإناث، من: آذن يؤذن إيذاناً إذا علم. قوله: ((فلما فرغنا)) هكذا هو بصيغة الماضي الجماعة المتكلمين، وفي رواية الأصيلي: ((فلما فرغن)) بصيغة الماضي للجمع المؤنث. وقال بعضهم: ((فلما فرغنا)) للأكثر بصيغة الخطاب من الحاضر، وللأصيلي: ((فلما فرغن)) بصيغة الغائب، قلت: هذا القائل لم يمس شيئاً من علم التصريف ولا يخفى فساد تصرفه. قوله: ((حقوه))، بفتح الحاء المهملة وسكون القاف، وفي (المحكم) الحقو، والحقو يعني بالفتح والكسر، والحقوة والحقا: كله الإزار، كأنه سمي بما يلاث عليه، والجمع: أحق وأحقاء وحقي وحقاء، وقد فسره في المتن بقوله: تعني إزاره، يعني إزار النبي عَّ له وقال بعضهم: الحقو في الأصل معقد الإزار وأطلق على الإزار مجازاً ((وفي رواية ابن عوف عن محمد بن ٦٠ ٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٩) سيرين بلفظ فنزع من حقوه إزاره)) والحقو في هذا على حقيقته. قلت: إن كان أخذاً من موضع كان يتعين عليه أن يبين مأخذه، وإن كان هذا تصرفاً من عنده فهو غير صحيح، ولم يقل أحد إن الحقو في موضع مجاز وفي موضع حقيقة، بل هو في الموضعين حقيقة لأنه مشترك بين المعنيين، والمشترك حقيقة في المعنيين والثلاثة وأكثر والدليل على ذلك أن الجوهري قال: الحقو: الإزار وثلاثة أحق. ثم قال: والحقو أيضاً الخصر ومشد الإزار. قوله: ((أشعرنها إياه)) أمر من الإشعار وهو إلباس الثوب الذي يلي بشرة الإنسان أي: إجعلن هذا الإزار شعارها، وسمي: شعاراً لأنه يلي شعر الجسد، والدثار ما فوق الجسد، والحكمة فيه التبرك بآثاره الشريفة، وإنما أخره إلى فراغهن من الغسل ولم يناولهن إياه أولاً ليكون قريب العهد من جسده، عَّله، الشريف حتى لا يكون بين انتقاله من جسده إلى جسدها فاصل، وهو أصل في التبرك بآثار الصالحين، واختلف في صفة إشعارها إياه فقيل يجعل لها مثزراً، وقيل: تلفُّ فيه. ذكر ما يستفاد منه: فيه: استحباب استعمال السدر والكافور في حق الميت. وفيه: دليل على جواز استعمال المسك وكل ما شابهه من الطيب، وأجاز المسك أكثر العلماء، وأمر علي، رضي الله تعالى عنه، به في حنوطه. وقال: هو من فضل حنوط النبي، معَِّ، واستعمله أنس وابن عمر وسعيد بن المسيب، وكرهه عمر وعطاء والحسن ومجاهد. وقال عطاء والحسن: إنه ميتة، وفي استعمال الشارع له في حنوطه حجة عليهم. وقال أصحابنا: المسك حلال للرجال والنساء. وفيه: ما يدل على أن النساء أحق بغسل المرأة من الزوج، وبه قال الحسن والثوري والشعبي وأبو حنيفة، والجمهور على خلافه، وهو قول الثلاثة والأوزاعي وإسحاق. وفي (التوضيح): وقد وصت فاطمة، رضي الله تعالى عنها، زوجها علياً، رضي الله تعالى عنه، بذلك، وكان بحضرة الصحابة ولم ينكر أحد، فصار إجماعاً. قلت: وفيه: نظر لأن صاحب (المبسوط) و(المحيط) و(البدائع) وآخرون قالوا: إن ابن مسعود سئل عن فعل علي، رضي الله تعالى عنه، في ذلك، فقال: إنها زوجته في الدنيا والآخرة، وعنى بذلك أن الزوجية باقية بينهما لم تنقطع، وفيه نظر، لأنه لو بقيت الزوجية بينهما لما تزوج أمامة بنت زينب بعد موت فاطمة، رضي الله تعالى عنها، وقد مات عن أربع حرائر، ووصية فاطمة علياً بغسلها رواه البيهقي وابن الجوزري وفي إسناده عبد الله بن نافع، قال يحيى: ليس بشيء، وقال النسائي: متروك، والبيهقي رواه في (سننه الكبير) وسكت، وظن أنه يخفى، وأما المرأة إذا غسلت زوجها وهي معتدة فهو جائز له لأنها في العدة. وفيه: جواز تكفين المرأة في ثوب الرجل. ٩ - بابُ ما يُسْتَحَبُّ أنْ يُغْسَلَ وِتْراً كلمة: ما، مصدرية وكذا كلمة: أن، والتقدير: هذا باب في بيان استحباب غسل الميت وتراً. قيل: يحتمل أن تكون: ما، مصدرية أو موصولة والثاني أظهر. قلت: الأول أظهر،