Indexed OCR Text

Pages 1-20

بَعْدَةُ القَدَاي
شَرُح
صَحِيح البُخَارِيّ
تأليفِ
الأَمَامَ العَلَامَة بَدُرِ الدِّيْنِ أَبَ محمّد مُحُد بْن أَحَدَ العيني
المتوفى سنة ٨٥٥ هـ
ضبطه وصحّه
عبدالله محمود محمّد عَمَرَ
طبعة جديدة مرقمة الكتب والأبواب والأحاديث
حسب ترقيم المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي الشريف
الجزء الثامن
المحتوى:
كتاب الجنائز ~ كتاب الزحماة
من الحديث (١٢٣٧) - إلى الحديث (١٤٤٦)
مشورات
محمد عَلى بيضون
لِنِشْرَكْتبِ السُّنْقِوَ الجِمَاعَةِ
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان

دار الكـ
جميع الحقوق محفوظة
Copyright @
All rights reserved
Tous droits réservés
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة
لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان
ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة
تنضيد الكتاب كاملاً أو مجزاً أو تسجيله على
أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو
برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة
الناشر خطياً.
Exclusive Rights by
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beirut - Lebanan
No part of this publication may be
translated, reproduced, distributed in any
form or by any means, or stored in a data
base or retrieval system, without the
prior written permission of the publisher.
Droits Exclusifs à
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beyrouth - Liban
Il est interdit à toute personne individuelle
ou morale d'éditer, de traduire, de
photocopier, d'enregistrer sur cassette,
disquette, C.D, ordinateur toute
production écrite, entière ou partielle,
sans l'autorisation signée de l'éditeur.
الطّبعَة الأوْلى
١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
رمل الظريف، شارع البحتري، بناية ملكارت .
هاتف وفاكس : ٣٦٤٣٩٨ - ٣٦٦١٣٥ - ٣٧٨٥٤٢ (١ ٩٦١)
صندوق بريد : ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah
Beirut - Lebanon
Ramel Al-Zarif, Bohtory St., Melkart Bldg., I st Floor
Tel. & Fax : 00 (961 1) 37.85.42 - 36.61.35 - 36.43.98
P.O.Box : 1 1 - 9424 Beirut - Lebanon
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah
Beyrouth - Liban
Ramel Al-Zarif, Rue Bohtory, Imm, Melkart, Iére Etage
Tel. & Fax : 00 (961 1) 37.85.42 - 36.61.35 - 36.43.98
B.P. : 11 - 9424 Beyrouth - Liban
ISBN 2-7451-2269-X
90000>
9 782745 122698
http://www.al-ilmiyah.com/
e-mail: sales@al-ilmiyah.com
info@al-ilmiyah.com
baydoun@al-ilmiyah.com

بسم الله الرحمن الرحيم
٢٣ _ كِتَابُ الجَنَائِزِ
أي: هذا كتاب في بيان أحكام الجنائز، كذا وقع للأصيلي وأبي الوقت، ووقع الكريمة:
باب الجنائز وكذا وقع لأبي ذر ولكن بحذف لفظة باب، والجنائز جمع: جنازة، وهي بفتح
الجيم اسم للميت المحمول، وبكسرها اسم للنعش الذي يحمل عليه الميت، ويقال عكس
ذلك، حكاه صاحب (المطالع) واشتقاقها من: جنز، إذا ستر، ذكره ابن فارس وغيره،
ومضارعه يجنز، بكسر النون. وقال الجوهري: الجنازة واحدة الجنائز، والعامة تقول: الجنازة،
بالفتح، والمعنى للميت على السرير، فإذا لم يكن عليه الميت فهو سرير. ونعش، قيل: أورد
المصنف كتاب الجنائز بين الصلاة والزكاة لأن الذي يفعل بالميت من غسل وتكفين وغير
ذلك أهمه الصلاة عليه لما فيها من فائدة الدعاء بالنجاة من العذاب ولا سيما عذاب القبر
الذي يدفن فيه انتهى. قلت: للإنسان حالتان: حالة الحياة وحالة الممات، ويتعلق بكل منهما
أحكام العبادات وأحكام المعاملات، فمن العبادات الصلاة المتعلقة بالإحياء، ولما فرغ من
بيان ذلك شرع في بيان الصلاة المتعلقة بالموتى.
١ - ومَنْ كانَ آخِرُ كَلاَمِهِ لاَ إِلهَ إِلاَّ الله
هذا من الترجمة، وفي غالب النسخ: باب من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله، أي: هذا
باب في بيان حال من كان آخر كلامه عند خروجه من الدنيا: لا إله إلا الله، ولم يذكر
جواب: من، وهو في الحديث مذكور، وهو لفظ: دخل الجنة، وقد رواه أبو داود عن مالك
ابن عبد الواحد المسمعي عن الضحاك بن مخلد عن عبد الحميد بن جعفر عن صالح بن
أبي عريب عن كثير بن مرة الحضرمي عن معاذ بن جبل، رضي الله تعالى عنه، قال: قال
رسول الله عَّهِ: ((من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة)). وقال الحاكم: صحيح
الإسناد، وروى أبو بكر بن أبي شيبة بإسناده عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله عَ ليه:
((اعلم أن من شهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة)). وفي (مسند مسدد): ((عن معاذ أن النبي
عَّ اللّه قال: يا معاذ! قال: لبيك يا رسول الله، قالها ثلاثاً، قال: بشر الناس أنه من قال: لا إله
إلاّ الله، دخل الجنة)). وروى أبو يعلى في (مسنده): ((عن أبي حرب بن زيد بن خالد
الجهني قال: أشهد على أبي أنه قال: أمرني رسول الله عَ لّهِ أن أنادي: أنه من شهد أن لا إله
إلاّ الله دخل الجنة)). وقال الكرماني قوله: ((لا إله إلاّ الله)) أي: هذه الكلمة، والمراد هي
وضميمتها: محمد رسول الله. قلت: ظاهر الحديث في حق المشرك فإنه إذا قال: لا إله إلا
الله، يحكم بإسلامه فإذا استمر على ذلك إلى أن مات دخل الجنة. وأما الموحد من الذين
ينكرون نبوة سيدنا محمد رسول الله عَّ له أو يدعي أنه مبعوث للعرب خاصة، فإنه لا يحكم
٣

٤
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (١)
بإسلامه بمجرد قوله: لا إله إلاّ الله، فلا بد من ضميمة محمد رسول الله، على أن جمهور
علمائنا شرطوا في صحة إسلامه، بعد التلفظ بالشهادتين، أن يقول: تبرأت عن كل دين سوى
دين الإسلام، ومراد البخاري من هذه الترجمة أن من قال: لا إله إلاَّ الله، من أهل الشرك
ومات لا يشرك بالله شيئاً فإنه يدخل الجنة، والدليل على ذلك حديث الباب على ما نذكر ما
قالوا فيه، وقيل: يحتمل أن يكون مراد البخاري الإشارة إلى من قال: لا إله إلاَّ الله عند
الموت مخلصاً كان ذلك مسقطاً لما تقدم له، والإخلاص يستلزم التوبة والندم، ويكون النطق
علماً على ذلك قلت: يلزم مما قاله أن يقول: لا إله إلاَّ الله واستمر عليه فإنه يدخل الجنة،
وإن لم يذكره عند الموت، لأنه لا فرق بين الإسلام النطقي وبين الحكمي المستصحب،
وأما أنه إذا عمل أعمالاً سيئة فهو في سعة رحمة الله تعالى مع مشيئته. فإن قلت: لِمَ حذف
البخاري جواب: من، من الترجمة مع أن لفظ الحديث: ((من كان آخر كلامه: لا إله إلاَّ الله
دخل الجنة))؟ قلت: قيل: مراعاة لتأويل وهب بن منبه لأنه لما قيل له: أليس لا إله إلاَّ الله
مفتاح الجنة؟ قال: بلى، ولكن ليس مفتاح إلاَّ وله أسنان ... إلى آخره، فكأنه أشار بهذا إلى
أنه لا بد له من الطاعات، وأن بمجرد القول به بدون الطاعات لا يدخل الجنة، فظن هذا
القائل أن رأي البخاري في هذا مثل رأي وهب، فلذلك حذف لفظ: دخل الجنة، الذي هو
جواب من، قلت: الذي يظهر أن حذفه إنما كان اكتفاءً بما ذكر في حديث الباب، فإنه صرح
بأن من مات ولم يشرك بالله شيئاً فإنه يدخل الجنة وإن ارتكب الذنبين العظيمين المذكورين
فيه، مع أن الداودي قال: قول وهب محمول على التشديد، أو لعله لم يبلغه حديث أبي ذر،
وهو حديث الباب.
وَقِيلَ لِوَهِبٍ بِنِ مُنَبِّهِ: أَلَيْسَ لا إِلَهَ إِلاَّ اللّه مِفْتَاحُ الجَنَّةِ؟ قال بَلَى وَلْكِنْ لَيْسَ مِفْتَاحٌ إلَّ لَهُ
أُسْنَانٌ فَإِنْ جِئْتَ بِفْتَاحِ لَّهُ أُسْنَانٌ فُتِحَ لَكَ وَإلاَّ لَمْ يُفْتَحْ لَكَ
وهب بن منبه مر في كتاب العلم، وهذا القول وقع في حديث مرفوع إلى النبي معدّ ات.
ذكره البيهقي: ((عن معاذ بن جبل، رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله عَ لّه قال له حين بعثه
إلى اليمن: ((إنك ستأتي أهل كتاب يسألونك عن مفتاح الجنة، فقل: شهادة أن لا إله إلاَّ الله،
ولكن مفتاح بلا أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح لك)). وذكر أبو نعيم
الأصفهاني في كتابه (أحوال الموحدين) أن أسنان هذا المفتاح هي الطاعات الواجبة من
القيام بطاعة الله تعالى وتأديتها، والمفارقة لمعاصي الله تعالى ومجانبتها. قلت: قد ذكرنا
أحاديث فيما مضى تدل على أن قائل: لا إله إلاَّ الله يدخل الجنة، وليست مقيدة بشيء.
غاية ما في الباب جاء في حديث آخر: أن هذه الكلمة مفتاح الجنة، والظاهر أن قيد المفتاح
بالأسنان مدرج في الحديث، وذكر المفتاح ليس على الحقيقة، وإنما هو كناية عن التمكن
من الدخول عند هذا القول، وليس المراد منه المفتاح الحقيقي الذي له أسنان ولا يفتح إلا
بها، وإذا قلنا: المراد من الأسنان الطاعات يلزم من ذلك أن من قال: لا إله إلاّ الله، واستمر

٥
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (١)
على ذلك إلى أن من مات ولم يعمل بطاعة أنه لا يدخل الجنة، وهو مذهب الرافضة
والإباضية وأكثر الخوارج، فإنهم يقولون: إن أصحاب الكبائر والمذنبين من المؤمنين يخلدون
في النار بذنوبهم، والقرآن ناطق بتكذيبهم، قال الله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر
ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨]. وحديث الباب أيضاً يكذبهم وفي صحيح مسلم من
حديث عثمان مرفوعاً ((من مات وهو يعلم أن لا إله إلاّ الله دخل الجنة)).
١/ ١٢٣٧ - حدّثنا مُوسى بنُ إسْمَاعِيلَ قال حدَّثنا مَهْدِيُّ بنُ مَيْمُونٍ قال حدَّثنا
وَاصِلٌ الأُخْدَبُ عنِ المَعْرُورِ بنِ سُوَيْدٍ عنْ أبِي ذَرّ رضي الله تعالى عنهُ قال قال رسولُ اللهِ
عَِّ أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي فأخْبَرَني أوْ قالَ بَشرَني أنَّهُ منْ ماتَ مِنْ أُمَّتِي لاَ يُشْرِكُ باللهِ شَيْئاً
دَخَلَ الجنَّةَ قُلْتُ وَإِنْ زَلَى وإِنْ سَرَقَ قالَ وإِنْ زَنِى وَإِنْ سَرَقَ. [الحديث ١٢٣٧ - أطرافه
في: ١٤٠٨، ٢٣٨٨، ٣٢٢٢، ٥٨٢٧، ٦٢٦٨، ٦٤٤٣، ٦٤٤٤، ٧٤٨٧].
مطابقته للترجمة من حيث إن الحديث يدل على أن من مات ولم يشرك بالله شيئاً فإنه
يدخل الجنة، وهو معنى قوله في الترجمة: من كان آخر كلامه لا إله إلاَّ الله، فإن ترك
الإشراك هو التوحيد، والقول: بلا إله إلاّ الله هو التوحيد بعينه.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: موسى بن إسماعيل أبو سلمة المنقري يقال له:
التبوذكي، وقد مر غير مرة. الثاني: مهدي، بفتح الميم: ابن ميمون المعولي الأزدي، مر في:
باب إذا لم يتم السجود. الثالث: واصل، اسم فاعل من الوصول: ابن حيان، بفتح الحاء
المهملة وتشديد الياء آخر الحروف، وقد تقدم في: باب المعاصي من أمر الجاهلية في
كتاب الإيمان. الرابع: المعرور، بفتح الميم وسكون العين المهملة وبالراء المكررة: ابن
سويد، بضم السين المهملة وفتح الواو وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره دال مهملة، وقد
تقدم أيضاً في الباب المذكور. الخامس: أبو ذر، اسمه جندب بن جنادة، وقد تكرر ذكره.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في
موضعين. وفيه: القول في ثلاثة مواضع. وفيه: أن شيخه ومهدياً بصريان، وواصل ومعرور
كوفيان. وفيه: واصل مذكور بلا نسبة، وقد ذكر بلقبه الأحدب ضد الأقعس.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في التوحيد عن بندار عن
غندر عن شعبة، وأخرجه مسلم في الإيمان عن أبي موسى وبندار، كلاهما عن غندر به،
وأخرجه النسائي في اليوم والليلة عن بندار به وعن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم عن عبدالله
ابن بكر عن مهدي بن ميمون. وأخرجه الترمذي فقال: حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا
أبو داود، وقال: أخبرنا شعبة عن حبيب بن أبي ثابت وعبد العزيز بن رفيع والأعمش، كلهم
سمعوا زيد بن وهب ((عن أبي ذر: أن رسول الله عَ ليه قال: أتاني جبريل، عليه الصلاة
والسلام، فبشرني أنه من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة. قلت: وإن زنى وإن سرق؟
قال: نعم)). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وفي الباب عن أبي الدرداء قلت: روى

٦
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (١)
حديث أبي الدرداء مسدد في (مسنده): حدثنا يحيى حدثنا نعيم بن حكيم حدثني أبو مريم
سمعت أبا الدرداء يحدث عن النبي، عَّ لّه، قال: ((ما من رجل يشهد أن لا إله إلاّ الله ومات
لا يشرك بالله شيئاً إلا دخل الجنة أو: لم يدخل النار. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن
زنى وإن سرق، ورغم أنف أبي الدرداء)). ورواه أبو يعلى: حدثنا أبو عبد الله المقري حدثنا
يحيى ... فذكره، ورواه أحمد أيضاً في (مسنده) قلت: يحيى هو القطان، ونعيم بن حكيم
وثقه ابن معين، والعجلي وذكره ابن حبان في الثقات، وأبو مريم الثقفي: قاضي البصرة ذكره
ابن حبان في الثقات.
ذكر معناه: قوله: ((أتاني آت من ربي))، والمراد به جبريل، عليه الصلاة والسلام،
وفسره به في التوحيد: من طريق شعبة وكان هذا في رؤيا منام، والدليل عليه ما رواه البخاري
في اللباس من طريق أبي الأسود عن أبي ذر، قال: ((أتيت النبي، عََّلّه، وعليه ثوب أبيض
وهو نائم ثم انتبه وقد استيقظ)) ورواه الإسماعيلي من طريق مهدي في أول قصة: ((كنا مع
رسول الله عٍَّ في مسير له، فلما كان في بعض الليل تنحى، فلبث طويلاً ثم أتانا .. )) فذكر
الحديث. قوله: ((وإن زنى وإن سرق؟)) حرف الاستفهام فيه مقدر، وتقديره: أدخل الجنة وإن
سرق وإن زنى؟ قال الكرماني: والشرط حال. فإن قلت: ليس في الجواب استفهام، فلزم منه
أن من لم يسرق ولم يزن لم يدخل الجنة، إذ انتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط. قلت: هو
من باب: ((نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه))، والحكم في المسكوت عنه ثابت
بالطريق الأولى. قوله: ((من أمتي)) يشمل أمة الإجابة وأمة الدعوة. قوله: ((لا يشرك بالله شيئاً)
وفي رواية البخاري في اللباس بلفظ: ((ما من عبد قال: لا إله إلاّ الله ثم مات على ذلك .. ))
الحديث، ونفي الشرك يستلزم إثبات التوحيد، والشاهد له حديث عبد الله بن مسعود: ((من
مات يشرك بالله شيئاً دخل النار))، على ما يجيء عن قريب. قوله: ((فقلت)) القائل هو أبو ذر،
وليس هو النبي، عَ ◌ّه، وقد يتبادر الذهن إلى أنه هو النبي، عَّ، وليس كذلك لأنه في
رواية: ((قال أبو ذر: يا رسول الله وإن سرق وإن زنى؟ ثلاث مرات، وفي الرابعة قال: على
رغم أنف أبي ذر))، وقال صاحب (التلويح): ويجمع بين اللفظين بأن النبي، عَِّ، قاله
مستوضحاً، وأبو ذر قاله مستبعداً، لأن في ذهنه قوله، عَّهِ: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو
مؤمن))، وما في معناه، وإنما ذكر من الكبائر نوعين لأن الذنب إما حق الله تعالى، وأشار بالزنا
إليه، وإما حق العباد، وأشار بالسرقة إليه.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: حجة لأهل السنة أن أصحاب الكبائر لا يقطع لهم بالنار
وأنهم إن دخلوها خرجوا منها، وقال ابن بطال: من مات على اعتقاد لا إله إلاَّ الله، وإن بَعُدَ
قوله لها عن موته إذا لم يقل بعدها خلافها حتى مات، فإنه يدخل الجنة. ويقال: وجه هذا
الحديث عند بعض أهل العلم أن أهل التوحيد سيدخلون الجنة وإن عذبوا في النار بذنوبهم
فإنهم لا يخلدون في النار. وقيل: حديث أبي ذر من أحاديث الرجاء التي أفضى الاتكال
عليها لبعض الجهلة إلى الإقدام على الموبقات، وليس هو على ظاهره، فإن القواعد استقرت

٧
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (١)
على أن حقوق الآدميين لا تسقط بمجرد الموت على الإيمان، ولكن لا يلزم من عدم سقوطها
أن لا يتكفل الله بها عمن يريد أن يدخله الجنة، ومن ثم رد رسول الله، عَّ، على أبي ذر
استبعاده، ويحتمل أن يكون المراد بقوله: ((دخل الجنة)) أي: صار إليها إما ابتداء من أول
الحال، وإما بعد أن يقع ما يقع من العذاب.
٢/ ١٢٣٨ - حدّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ قال حدَّثنا أبي قال حدَّثنا الأعْمَشُ قال حدَّثنا
شَقِيقٌ عنْ عَبْدِ اللهِ رضي الله تعالى عنهُ قال قال رسولُ الله عَّ مَنْ ماتَ يُشْرِكُ باللهِ شَيْئاً
دَخَلَ النَّارَ وقُلْتُ أَنَا مَنْ ماتَ لاَ يُشْرِكُ باللهِ شَيْئاً دَخَلَ الجنَّةَ. [الحديث ١٢٣٨ - طرفاه
في: ٤٤٩٧، ٦٦٨٣].
مطابقته للترجمة من حيث إن الذي يموت مشركاً يدخل النار، ويفهم منه أن الذي
يموت ولا يشرك بالله يدخل الجنة، فلذلك قال ابن مسعود: ((قلت أنا .. )) إلى آخره، والذي لا
يشرك بالله هو القائل: لا إله إلاّ الله، فوقع التطابق بين الترجمة والحديث من هذه الحيثية،
وبهذا يرد على من يقول: ليس الحديث موافقاً للتبويب.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: عمر بن حفص النخعي. الثاني: أبوه حفص بن
غياث بن طلق. الثالث: سليمان الأعمش. الرابع: شقيق بن سلمة. الخامس: عبد الله بن
مسعود، رضي الله تعالى عنه.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع. وفيه: العنعنة في
موضع واحد. وفيه: القول في أربعة مواضع. وفيه: أن رواته كلهم كوفيون. وفيه: رواية الابن
عن الأب. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي، وذلك لأن الأعمش روى حديثاً عن
أنس بن مالك في دخول الخلاء، وإما في رؤيته إياه فلا نزاع فيها.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في التفسير عن عبدان
عن أبي حمزة، وفي الأيمان والنذور عن موسى بن إسماعيل عن عبد الواحد بن زياد. وأخرجه
مسلم في الإيمان عن محمد بن عبد الله بن نمير عن أبيه ووكيع. وأخرجه النسائي في التفسير
عن محمد بن عبد الأعلى وإسماعيل بن مسعود وعن إسحاق بن إبراهيم عن النضر بن
شميل.
ذكر معناه: وما يستفاد منه: قوله: ((من مات يشرك بالله))، وفي رواية أبي حمزة عن
الأعمش في تفسير البقرة: ((من مات وهو يدعو من دون الله ندا). وفي أوله: ((قال النبي صَ لّه.
كلمة، وأنا أخرى، قال: من مات يجعل لله نداً دخل النار، وقلت: من مات لا يجعل لله نداً
دخل الجنة)). وفي رواية وكيع وابن نمير لمسلم بالعكس: ((من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل
الجنة، وقلت أنا: من مات يشرك بالله شيئاً دخل النار)). وقال في (التلويح): وهذا يرد قول
من قال: إن ابن مسعود سمع أحد الحكمين فرواه وضم إليه الحكم الآخر قياساً على القواعد
الشرعية، والذي يظهر أنه نسي مرة، وهي الرواية الأولى، وحفظ مرة وهي الأخرى، فرواهما

٨
٢٣ - كِتَابُ الجَنّائِزِ / باب (٢)
مرفوعين كما فعله غيره من الصحابة، وقال بعضهم: لم تختلف الروايات في (الصحيحين)
في أن المرفوع الوعيد والموقوف الوعد، وزعم الحميدي في (جمعه) وتبعه مغلطاي في
(شرحه) ومن أخذ عنه: أن رواية مسلم من طريق وكيع وابن نمير بالعكس، وهو الذي ذكرناه،
وكان سبب الوهم في ذلك ما وقع عند أبي عوانة والإسماعيلي من طريق وكيع بالعكس،
لكن بيَّن الإسماعيلي أن المحفوظ عن وكيع كما في البخاري. قلت: كيف يكون وهماً وقد
وقع عند مسلم بالعكس؟ ووجه ذلك ما ذكرناه، وقد قال النووي: الجيد أن يقال: سمع ابن
مسعود اللفظين من النبي عَّهِ ولكنه في وقت حفظ أحدهما وتيقنه ولم يحفظ الآخر، فرفع
المحفوظ وضم الآخر إليه. وفي وقت بالعكس، فهذا جمع بين روايتي ابن مسعود وموافقة
الرواية غيره في رفع اللفظين. وقال الكرماني: من أين علم ابن مسعود هذا الحكم؟ قلت: من
حيث إن انتفاء السبب يوجب انتفاء المسبب، فإذا انتفى الشرك انتفى دخول النار، وإذا انتفى
دخول النار يلزم دخول الجنة، إذ لا ثالث لهما، أو مما قال الله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن
يشرك به﴾ [النساء: ٤٨]. الآية ونحوه.
٢ - بابُ الأمرِ بِاتّباع الجَنَائِزِ
أي: هذا باب في بيان كيفية أمر النبي ◌َّهِ باتباع الجنائز، وإنما لم يبين حكم هذا
الأمر لأن قوله: ((أمرنا))، أعم من أن يكون للوجوب أو للندب، ويجيء الكلام فيه إن شاء الله
تعالى.
١٢٣٩/٣ - حدّثنا أبُو الوَلِيدِ قال حدَّثنا شُعْبَةُ عنِ الأشْعَثِ قال سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بنَ
سُوَيْدٍ بِنِ مُقْرِنٍ عنِ الْبَرَاءِ رضي الله تعالى عنهُ قال أمرنا النبيُّ عَّه بِسَبْعٍ ونَهَانَا عنْ سَبْعٍ
أمَرَنَا بِاتَّبَاعِ الجَنَائِزِ وَعِيَادَةِ المَرِيضِ وَإِجَابَةِ الدَّاعِي وَنَصْرِ المَظْلُومِ وَإِبْرَارِ الْقَسَمِ وَرَدِّ السَّلاَمِ
وَتَشْمِيتِ العَاطِسِ ونَهَانَا عنْ آنِيَةِ الفِضَّةِ وَخَاتَمِ الذَّهَبِ والحَرِيرِ وَالدِّينَاجِ والقَسيِّ وَالإِسْتَبْرَقِ
[الحديث ١٢٣٩ - أطرافه في: ٢٤٤٥، ٥١٧٥، ٥٦٣٥، ٥٦٥٠، ٥٨٣٨، ٥٨٤٩،
٥٨٦٣،،٦٢٢٢، ٦٢٣٥، ٦٦٥٤].
مطابقته للترجمة في قوله: ((أمرنا باتباع الجنائز)).
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، وقد تكرر
ذكره. الثاني: شعبة بن الحجاج. الثالث: الأشعث، بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة
وفتح العين المهملة وفي آخره ثاء مثلثة: ابن سليم بن الأسود المحاربي، وسليم يكنى أبا
الشعثاء، مات سنة خمس وعشرين ومائة، مر في: باب التيمن في الوضوء. الرابع: معاوية بن
سويد، بضم السين المهملة: ابن مقرن، بضم الميم وفتح القاف وكسر الراء المشددة وفي
آخره نون. الخامس: البراء بن عازب، رضي الله تعالى عنهم.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: السماع. وفيه:
العنعنة في موضعين. وفيه: القول في ثلاثة مواضع. وفيه: أن شيخه بصري وشعبة واسطي

٩
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٢)
والأشعث ومعاوية كوفيان. وفيه: أحدهم مكنى واثنان مذكوران مجردين عن النسبة وآخر
مذكور باسم أبيه وجده. وفيه: عن البراء بن عازب فسمعته يقول .. فذكر الحديث.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري في عشرة مواضع: هنا عن أبي
الوليد، وفي المظالم عن سعيد بن الربيع، وفي اللباس عن آدم وعن قبيصة وعن محمد بن
مقاتل، وفي الطب عن حفص بن عمر، وفي الأدب عن سليمان بن حرب، وفي النذور عن
بندار وعن قبيصة، وفي النكاح عن الحسن بن الربيع، وفي الاستئذان عن قتيبة، وفي الأشربة
عن موسى بن إسماعيل. وأخرجه مسلم في الأطعمة عن يحيى بن يحيى وأحمد بن يونس
وعن أبي الربيع الزهراني وعن أبي بكر بن أبي شيبة وعن عثمان بن أبي شيبة وعن أبي
كريب وعن أبي موسى وبندار وعن عبد الله بن معاذ وعن إسحاق بن إبراهيم وعن عبد
الرحمن بن بشر، وعن إسحاق عن يحيى وعمرو بن محمد. وأخرجه الترمذي في الاستئذان
عن بندار عن غندر، وفي اللباس عن علي بن حجر. وأخرجه النسائي في الجنائز عن سليمان
بن منصور وهناد بن السري، وفي الأيمان والنذور عن أبي موسى وبندار، وفي الزينة عن
محمود بن غيلان. وأخرجه ابن ماجه في الكفارات عن علي بن محمد مختصراً، وفي اللباس
عن أبي بكر بن أبي شيبة ببعضه.
ذكر معناه: قوله: ((بسبع): أي بسبعة أشياء. قوله: ((باتباع الجنائز)): الاتباع افتعال من
اتبعت القوم إذا مشيت خلفهم، أو مروا بك فمضيت معهم، وكذلك تبعت القوم بالكسر تبعاً
وتباعة، واتباع الجنازة: المضي معها. قوله: ((وعيادة المريض)) من عدت المريض أعوده
عيادة إذا زرته وسألت عن حاله، وعاد إلى فلان يعود عودة وعوداً إذا رجع، وفي المثل: العود
أحمد، وأصل عيادة: عوادة، قلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها طلباً للخفة. قوله: ((وإجابة
الداعي)) الإجابة مصدر، والاسم الجابة بمنزلة الطاعة، تقول منه: أجابه وأجاب عن سؤاله،
والاستجابة بمعنى الإجابة، وأصل إجابة أجواباً، حذفت الواو وعوضت عنها التاء لأن أصله
أجوف واوي، ومنه الجواب، والداعي من: دعا يدعو دعوة، والدعوة بالفتح إلى الطعام،
وبالكسر في النسب، وبالضم في الحرب. يقال: دعوت الله له وعليه دعاء و: الدعوة المرة
الواحدة، وأصل: دعاء دعا وإلاَّ أن الواو لما جاءت بعد الألف همزت. قوله: ((وإبرار القسم))،
الإبرار، بكسر الهمزة إفعال من البر، خلاف الحنث، يقال: أبر القسم إذا صدقه، ويروى:
(إبرار المقسم))، بضم الميم وسكون القاف وكسر السين، قيل: هو تصديق من أقسم عليك،
وهو أن يفعل ما سأله الملتمس. وقال الطيبي: يقال: المقسم الحالف، ويكون المعنى أنه: لو
حلف أحد على أمر يستقبل وأنت تقدر على تصديق يمينه كما لو أقسم أن لا يفارقك حتى
تفعل كذا وأنت تستطيع فعله فافعل كيلا يحنث في يمينه.
قوله: ((وتشميت العاطس)) تشميت العاطس دعاء، وكل داع لأحد بخير فهو مشمت،
ويقال أيضاً بالسين المهملة، وقال ابن الأثير: التشميت بالشين والسين: الدعاء بالخير والبركة،
والمعجمة أعلاهما، يقال: شمت فلاناً وشمت عليه تشميتاً، فهو مشمت، واشتقاقه من

١٠
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٢)
الشوامت، وهي القوائم، كأنه دعاء للعاطس بالثبات على طاعة الله، عز وجل، وقيل: معناه:
أبعدك الله عن الشماتة وجنبك ما يشمت به عليك، والشماتة فرح العدو بيلية تنزل بمن يعاديه،
يقال: شمت به يشمت فهو شامت وأشمته غيره. قوله: ((ونهانا عن سبع: آنية الفضة)) أي:
نهانا عن سبعة أشياء، ولم يذكر البخاري في المنهيات إلاّ ستة، قال بعضهم: إما سهو من
المصنف أو من شيخه. وقال الكرماني: أبو الوليد اختصر الحديث أو نسيه؟ قلت: حمل
الترك على الناسخ أولى من نسبته إلى البخاري أو شيخه، ومع هذا ذكر البخاري في: باب
خواتيم الذهب، عن آدم عن شعبة .. إلى آخره. وذكر السابع، وهو: الميثرة الحمراء، وسنذكر
ما قيل فيها في موضعه، إن شاء الله تعالى. قوله: ((آنية الفضة)) يجوز فيه الرفع والجر، أما
الرفع فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف أي: أحدها آنية الفضة، وأما الجر فعلى أنه بدل من: سبع.
قوله: ((والحرير))، يتناول الثلاثة التي بعده فيكون وجه عطفها عليه لبيان الاهتمام بحكم ذكر
الخاص بعد العام، أو لدفع وهم أن تخصيصه باسم مستقل لا ينافي دخوله تحت حكم العام،
أو الإشعار بأن هذه الثلاثة غير الحرير، نظراً إلى العرف. وكونها ذوات أسماء مختلفة يكون
مقتضياً لاختلاف مسمياتها.
!
قوله: ((وخاتم الذهب))، الخاتم والخاتم بكسر التاء وفتحها، والخيتام والخاتام كله
بمعنى، والجمع: الخواتيم. قوله: ((والديباج))، بكسر الدال: فارسي معرب، وقال ابن الأثير:
الديباج الثياب المتخذة من الإبريسم، وقد تفتح داله. ويجمع على: دباييج ودبابيج بالياء
وبالباء، لأن أصله: دباج. قوله: ((والقسي))، بفتح القاف وكسر السين المهملة المشددة. قال
ابن الأثير: هو ثياب من كتان مخلوط بحرير يؤتى بها من مصر، نسبت إلى قرية على ساحل
البحر قريباً من تنيس يقال لها: القس، بفتح القاف، وبعض أهل الحديث يكسرها، وقيل:
أصل القسي القزي، بالزاي، منسوب إلى القز، وهو ضرب من الإبريسم، وأبدل من الزاي
سيناً. وقيل: هو منسوب إلى القس وهو الصقيع لبياضه. قلت: القس وتنيس وفرما كانت
مدناً على ساحل بحر دمياط غلب عليها البحر فاندثرت، فكانت يخرج منها ثياب مفتخرة
ويتاجر بها في البلاد. قوله: ((والإستبرق)) بكسر الهمزة: ثخين الديباج على الأشهر. وقيل:
رقيقه، وقال النسفي في قوله تعالى: ﴿ويلبسون من سندس واستبرق﴾ [الدخان: ٥٣].
السندس ما رق من الحرير، والديباج والإستبرق ما غلظ منه، وهو تعريب إستبرك، وإذا عرب
خرج من أن يكون عجمياً، لأن معنى التعريب أن يجعل عربياً بالتصرف فيه وتغيير عن
منهاجه وإجرائه على أوجه الإعراب.
ذكر ما يستفاد منه: وهو على أوجه:
الأول: في اتباع الجنائز والمشي معها إلى حين دفنها بعد الصلاة عليها. أما الصلاة
فهي من فروض الكفاية عند جمهور العلماء، وقال إصبغ: الصلاة على الميت سنة، وقال
الداودي: اتباع الجنائز حملها بعض الناس عن بعض. قال: وهو واجب على ذي القرابة
الحاضر والجار، ويراه للتأكد لا الوجوب الحقيقي. ثم الاتباع على ثلاثة أقسام: أن يصلي

١١
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِرِ / باب (٢)
:
فقط، فله قيراط. الثاني: أن يذهب فيشهد دفنها، فله قيراطان. وثالثها: أن يلقنه. قلت:
التلقين عندنا عند الاحتضار، وقد عرف في الفروع، وكذا المشي عندنا خلف الجنازة
أفضل، وفي (التوضيح): والمشي عندنا أمامها بقربها أفضل من الاتباع، وبه قال أحمد، لأنه
شفيع. وعند المالكية ثلاثة أقوال، ومشهور مذهبهم كمذهبنا. قلت: احتجت الشافعية فيما
ذهبوا إليه بحديث أخرجه الأربعة: عن عبد الله بن عمر، رضي الله تعالى عنهما، فقال أبو
داود: حدثنا القعنبي حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري ((عن سالم عن أبيه قال: رأيت النبي
عَّ الله وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة)). وقال الترمذي: حدثنا قتيبة وأحمد بن منيع
وإسحاق بن منصور ومحمود بن غيلان، قالوا: حدثنا سفيان بن عيينة .. إلى آخره نحوه،
وقال النسائي: حدثنا إسحاق بن إبراهيم وعلي بن حجر وقتيبة بن سعيد عن سفيان عن
الزهري ((عن سالم عن أبيه أنه رأى النبي عَّهِ .. )) إلى آخره نحوه، وقال ابن ماجه: حدثنا
علي بن محمد وهشام بن عمار وسهل ابن أبي سهل قالوا: حدثنا سفيان .. إلى آخره نحو
رواية أبي داود، وبه قال القاسم وسالم بن عبد الله والزهري وشريح وخارجة بن زيد وعبيد
الله بن عبد الله بن عتبة وعلقمة والأسود وعطاء، ومالك وأحمد، ويحكى ذلك عن أبي بكر
وعمر وعثمان وعبد الله بن عمر وأبي هريرة والحسن بن علي وابن الزبير وأبي قتادة وأبي
أُسید.
ذهب إبراهيم النخعي وسفيان الثوري والأوزاعي وسويد بن غفلة ومسروق وأبو قلابة
وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وإسحاق وأهل الظاهر إلى أن المشي خلف الجنازة أفضل،
ويروى ذلك عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وأبي الدرداء وأبي أمامة وعمر بن
العاص، واحتجوا بما رواه أبو داود. قال: حدثنا هارون بن عبد الله حدثنا عبد الصمد وحدثنا
ابن المثنى حدثنا أبو داود، قال: حدثنا حرب - يعني: ابن شداد - حدثني يحيى حدثني ناب
بن عمير حدثني رجل من أهل المدينة عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي، عَ لَّه، قال: ((لا تتبع
الجنازة بصوت ولا نار))، وزاد هارون: ((ولا يمشي بين يديها))، واحتجوا أيضاً بحديث سهل
بن سعد: ((أن النبي، عَِّ، كان يمشي خلف الجنازة)). رواه ابن عدي في (الكامل) وبحديث
أبي أمامة قال: ((سأل أبو سعيد الخدري علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه: المشي
خلف الجنازة أفضل أم أمامها؟ فقال علي، رضي الله تعالى عنه: والذي بعث محمداً بالحق
إن فضل الماضي خلفها على الماشي أمامها كفضل الصلاة المكتوبة على التطوع، فقال له
أبو سعيد: أبرأيك تقول أم بشيء سمعته من النبي، عَّ له؟ فغضب، وقال: لا والله، بل سمعته
غير مرة ولا اثنتين ولا ثلاث حتى سبعاً. فقال أبو سعيد: إني رأيت أبا بكر وعمر يمشيان
أمامها؟ فقال علي: يغفر الله لهما، لقد سمعا ذلك من رسول الله، عَّه، كما سمعته وإنهما
والله لخير هذه الأمة ولكنهما كرها أن يجتمع الناس ويتضايقوا فأحبا أن يسهلا على الناس)).
رواه عبد الرزاق في (مصنفه) وروى عبد الرزاق أيضاً: أخبرنا معمر ((عن ابن طاوس عن أبيه
قال: ما مشى رسول الله عَُّلَّ حتى مات إلاَّ خلف الجنازة)). وروى ابن أبي شيبة: حدثنا
:

١٢
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٢)
عيسى بن يونس عن ثور عن شريح عن مسروق، قال: قال رسول الله عَ له: ((إن لكل أمة
قرباناً، وإن قربان هذه الأمة موتاها، فاجعلوا موتاكم بين أيديكم)). وروى الدارقطني من
حديث عبيد الله بن كعب بن مالك، قال: ((جاء ثابت بن قيس بن شماس إلى رسول الله
عَ له فقال: إن أمه توفيت وهي نصرانية وهو يحب أن يحضرها، فقال النبي عَّهِ: إركب
دابتك وسر أمامها فإنك إذا كنت أمامها لم تكن معها)). وروى ابن أبي شيبة: حدثنا عبد الله
أخبرنا إسرائيل عن عبيد الله بن المختار عن معاوية بن قرة حدثنا أبو كريب أو أبو حرب ((عن
عبد الله بن عمرو بن العاص: أن أباه قال له: كن خلف الجنازة فإن مقدمها للملائكة
ومؤخرها لبني آدم)). فإن قالوا: في حديث أبي هريرة مجهولان، وفي حديث سهل بن سعد،
قال ابن قطان: لا يعرف من هو، وفيه: يحيى بن سعيد الحمصي، قال ابن معين: ليس بشيء
وفي حديث علي، رضي الله تعالى عنه، مطرح بن يزيد، ضعفه ابن معين، وفيه: عبيد الله بن
زجر، قال ابن حبان: منكر الحديث جداً، وأثر طاوس مرسل، وفي حديث كعب بن مالك:
أبو معشر، ضعفه الدارقطني. قلنا: إذا سلمنا ضعف الأحاديث التي تكلم فيها فإنها تتقوى
وتشتد فتصلح للاحتجاج، مع أن لنا حديثاً فيه رواه البخاري من حديث أبي هريرة قال: قال
رسول الله عَّله: ((من اتبع جنازة مسلم إيماناً واحتساباً وكان معها حتى يصلي عليها
ويفرغ من دفنها فإنه يرجع من الأجر بقيراطين))، والاتباع لا يكون إلاَّ إذا مشى خلفها. فدل
ذلك على أن الجنازة متبوعة. وقد جاء هذا اللفظ صريحاً في حديث رواه أبو داود عن ابن
مسعود مرفوعاً: ((الجنازة متبوعة ولا تتبع، وليس معها من تقدمها))، ورواه الترمذي وابن ماجه
وأحمد وإسحاق وأبو يعلى وابن أبي شيبة.
وأما أثر طاوس فإنه، وإن كان مرسلاً فهو حجة عندنا، وحديثهم الذي احتجوا به، وهو
حديث ابن عمر، قد اختلف فيه أئمة الحديث بحسب الصحة والضعف، وقد روي متصلاً
ومرسلاً، فذهب ابن المبارك إلى ترجيح الرواية المرسلة على المتصلة ما رواه الترمذي وغيره
عنه، وقال النسائي بعد تخريجه للرواية المتصلة: هذا خطأ، والصواب مرسل. وقد طول
شيخنا زين الدين، رحمه الله، في هذا الموضع نصرة لمذهبه، ومع هذا كله فقد قال
الترمذي: وأهل الحديث المرسل في ذلك أصح. فإن قلت: روى الترمذي: حدثنا محمد بن
المثنى حدثنا محمد بن بكر حدثنا يونس بن يزيد عن الزهري عن أنس بن مالك: ((أن النبي
عَّ لقلٍ كان يمشي أمام الجنازة وأبو بكر وعمر وعثمان، رضي الله تعالى عنهم)) قلت: قال
الزهري: سألت محمداً عن هذا الحديث فقال: هذا خطأ، فيه محمد بن بكر، وإنما يروي
هذا يونس عن الزهري: أن النبي ◌َّلَّهِ وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة، فإذا صح
الأمر على ذلك فلا يبقى لهم حجة فيه، لأن المرسل ليس بحجة عندهم.
الوجه الثاني: في عيادة المريض، هي سنة. وقيل: واجبة، بظاهر حديث أبي هريرة
الآتي، وقد روي في ذلك عن جماعة من الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، وهم: أبو موسى
وثوبان وأبو هريرة وعلي بن أبي طالب وأبو أمامة وجابر بن عبد الله وجابر بن عتيك وأبو

١٣
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِرِ / باب (٢)
مسعود وأبو سعيد وعبد الله بن عمر وأنس وأسامة بن زيد وزيد بن أرقم وسعد بن أبي وقاص
وابن عباس وابن عمرو وأبو أيوب وعثمان وكعب بن مالك وعبد الله بن أبي بكر بن محمد
ابن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح والمسیب بن
حزن وسلمان وعثمان بن أبي العاص وعوف بن مالك وأبو الدرداء وصفوان بن عسال ومعاذ
ابن جبل وجبير بن مطعم وعائشة وفاطمة الخزاعية وأم سليم وأم العلاء. فحديث: أبي موسى
عند البخاري: ((عودوا المريض وأطعموا الجائع وفكوا العاني)). وحديث ثوبان عند مسلم: ((إن
المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع، قيل: يا رسول الله! وما
خرفة الجنة؟ قال: جناها)). وحديث أبي هريرة عند البخاري يأتي، إن شاء الله تعالى. وحديث
علي بن أبي طالب عند الترمذي: ((ما من مسلم يعود مسلماً إلاَّ يبعث الله سبعين ألف ملك
يصلون عليه، أي: ساعة من النهار كانت، حتى يمسي، وأي ساعة من الليل كانت حتى
يصبح)). وحديث أبي أمامة عند أحمد: ((من تمام عيادة المريض أن يضع أحدكم يده على
جبهه أو يده ويسأله كيف هو؟)). وحديث جابر بن عبد الله عند أحمد أيضاً: ((من عاد مريضاً
لم يزل يخوض في الرحمة حتى يجلس فإذا جلس اغتمس فيها)). وحديث جابر بن عتيك
عند أبي داود: ((أن رسول الله عَّم عاد عبد الله بن ثابت .. )) الحديث مطولاً. وحديث أبي
مسعود عند الحاكم: ((المسلم على المسلم أربع خلال: يشمته إذا عطس، ويجيبه إذا دعاه،
ويشهده إذا مات، ويعوده إذا مرض)). وحديث أبي سعيد عند ابن حبان: ((عودوا المريض
واتبعوا الجنائز)). وحديث عبد الله بن عمر عند مسلم: ((من يعود منكم سعد بن عبادة؟ فقام،
وقمنا معه ونحن بضعة عشرة)). وحديث أنس عند البخاري ((عاد النبي عَّ غلاماً يهودياً كان
يخدمه)). وحديث أسامة بن زيد عند الحاكم قال: ((خرج رسول الله عَّ ◌ُله يعود عبد الله بن
أبيَّ في مرضه الذي مات فيه)). وحديث زيد بن أرقم ((عادني رسول الله عَّم من وجع كان
بعيني)) وقال الحاكم: صحيح على شرطهما.
وحديث سعد بن أبي وقاص عند الحاكم، قال: ((اشتكيت بمكة فجاءني رسول الله
عَ ◌ّله يعودني، ووضع يده على جبهتي)). وحديث ابن عباس عند الحاكم أيضاً: ((من عاد أخاه
المسلم فقعد عند رأسه .. )) الحديث، وقال: صحيح على شرط البخاري. وحديث ابن عمرو
عنده أيضاً: ((إذا عاد أحدكم مريضاً فليقل: اللهم إشف عبدك))، وقال: صحيح على شرط
مسلم. وحديث أبي أيوب عند ابن أبي الدنيا، قال: ((عاد رسول الله عَ لَّه رجلاً من الأنصار،
فأكب عليه يسأله قال: يا رسول الله ما غمضت منذ سبع ليال، ولا أحد يحضرني؟ فقال
رسول الله عَُّلّ: أي أخي إصبر تخرج من ذنوبك كما دخلت فيها)) وحديث عثمان عند(١)
قال: دخل علي رسول الله، عَّه، يعودني وأنا مريض، فقال: أعيذك بالله الأحد الصمد))
الحديث، وسنده جيد. وحديث كعب بن مالك عند الطبراني في (الكبير): ((من عاد مريضاً
خاض في الرحمة فإذا جلس استنقع فيها)). وحديث عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو
ابن حزم عن أبيه عن جده عند الطبراني أيضاً: ((من عاد مريضاً فلا يزال في الرحمة حتى إذا
....

١٤
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٢)
قعد عنده استنقع فيها، ثم إذا خرج من عنده فلا يزال يخوض فيها حتى يروح من حيث
خرج)). وحديث عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، عند ابن مردويه: ((قال: يا رسول
الله؟ ما لنا من الأجر في عيادة المريض؟ فقال: إن العبد إذا عاد المريض خاض في الرحمة
إلى حقوه)). وحديث أبي عبيدة بن الجراح، رضي الله تعالى عنه عند ابن أبي شيبة في
(مصنفه) قال: قال رسول الله عَّله: ((من عاد مريضاً أو أماط أذى من الطريق فحسنته بعشر
أمثالها)). وحديث المسيب بن حزن. وحديث سلمان عند الطبراني قال: ((دخل علي رسول
الله عَّله يعودني فلما أراد أن يخرج قال: يا سلمان كشف الله ضرك وغفر ذنبك وعافاك في
دينك وجسدك إلى أجلك)). وحديث عثمان بن أبي العاص عند الحاكم في (المستدرك):
(جاءني رسول الله عَ لَّه يعودني من وجع اشتد بي .. )). وحديث عوف بن مالك عند الطبراني
عن النبي عَّهِ ((قال: عودوا المريض واتبعوا الجنازة)). وحديث أبي الدرداء عند الطبراني
أيضاً: ((أن رسول الله عَّلَّه قال: إن الرجل إذا خرج يعود أخاه مؤمناً خاض في الرحمة إلى
حقويه، فإذا جلس عند المريض فاستوى جالساً غمرته الرحمة)). وحديث صفوان بن عسال
عند الطبراني أيضاً قال: قال رسول الله، عَ له: ((من زار أخاه المؤمن خاض في الرحمة حتى
يرجع، ومن زار أخاه المؤمن خاض في رياض الجنة حتى يرجع)). وحديث معاذ بن جبل عند
الطبراني أيضاً قال: قال رسول الله، عَّه: ((خمس من فعل واحدة منهن كان ضامناً على الله
تعالى، من عاد مريضاً أو خرج مع جنازة أو خرج غازياً أو دخل على إمامه يريد تعزيزه
وتوقيره، أو قعد في بيته فسلم الناس منه وسلم من الناس)).
وحديث جبير بن مطعم عنده أيضاً قال: ((رأيت رسول الله، عَّ ◌َلّه، عاد سعيد بن
العاص، فرأيت رسول الله، عَّله، يكمده بخرقة)). وحديث عائشة، رضي الله تعالى عنها، عند
سيف في (كتاب الردة) قالت: قال رسول الله، عَ له: ((العيادة سنة عودوا غباً، فإن أغمي على
مريض فحتى يفيق)). وحديث فاطمة الخزاعية عند ابن أبي الدنيا قالت: ((عاد رسول الله،
عَّ اللّه، امرأة من الأنصار فقال: كيف تجدك؟ قالت: بخير يا رسول الله .. )) الحديث. وحديث
أم سليم عند ابن أبي الدنيا أيضاً في (كتاب المرضى والكفارات) قالت: ((مرضت فعادني
رسول الله، عَّله، فقال: يا أم سليم أتعرفين النار والحديث وخبث الحديد؟ قلت: نعم يا
رسول الله. قال: فأبشري يا أم سليم، فإنك إن تخلصي من وجعك هذا تخلصي منه كما
يخلص الحديد من النار من خبثه)). وحديث أم العلاء عند أبي داود قالت: ((عادني رسول
الله، عَ له، وأنا مريضة ... )) الحديث.
الوجه الثالث: في إجابة الداعي، وسيأتي في حديث أبي هريرة: ((إن من حق المسلم
على المسلم أن يجيبه إذا دعاه))، وفي (التوضيح): إن كانت إجابة الداعي إلى نكاح فجمهور
العلماء على الوجوب، قالوا: والأكل واجب على الصائم، وعندنا مستحب. وقال الطيبي: إذا
دعا المسلم المسلم إلى الضيافة والمعاونة وجب عليه طاعته إذا لم يكن ثم يتضرر بدينه من
الملاهي ومفارش الحرير. وقال الفقيه أبو الليث: إذا دعيت إلى وليمة فإن لم يكن ماله حراماً

١٥
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٢)
ولم يكن فيها فسق فلا بأس بالإجابة، وإن كان ماله حراماً فلا يجيب، وكذلك إذا كان
فاسقاً معلناً فلا يجيبه ليعلم أنك غير راض بفسقه، وإذا أتيت وليمة فيها منكر فانههم عن
ذلك فإن لم ينتهوا عن ذلك فارجع لأنك إن جالستهم ظنوا أنك راضٍ بفعلهم، وروي عن
النبي عَّلِ أنه قال: ((من تشبه بقوم فهو منهم))، وقال بعضهم: إجابة الدعوة واجبة لا يسع
تركها، واحتجوا بما روي عن النبي عَّله أنه قال: ((من لم يجب الدعوة فقد عصى أبا
القاسم)). وقال عامة العلماء: ليست بواجبة ولكنها سنة، والأفضل أن يجيب إذا كانت وليمة
يدعى فيها الغني والفقير، وإذا دعيت إلى وليمة وأنت صائم فأخبره بذلك، فإن قال: لا بد
لك من الحضور فأجبه، فإذا دخلت المنزل فإن كان صومك تطوعاً وتعلم أنه لا يشق عليه
ذلك لا تفطر، وإن علمت أنه يشق عليه امتناعك من الطعام فإن شئت فأفطر واقض يوماً
مكانه، وإن شئت فلا تفطر، والإفطار أفضل لأن فيه إدخال السرور على المؤمن.
الوجه الرابع: في نصر المظلوم، وهو فرض على من قدر عليه، ويطاع أمره، وعن
أنس، رضي الله تعالى عنه، قال: ((قال رسول الله، عَّالله: أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، فقال
رجل: يا رسول الله أنصره إن كان مظلوماً، أفرأيت إن كان ظالماً كيف أنصره؟ قال: تحجزه
أو تمنعه عن الظلم فإن ذلك نصره)). رواه البخاري والترمذي، وفي رواية مسلم عن جابر عن
النبي عَ لّم قال: ولينصر الرجل أخاه ظالماً أو مظلوماً، إن كان ظالماً فلينهه فإنه له نصرة،
وإن كان مظلوماً فلينصره)). وعن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه عن النبي، عَ ل:
((قال من حمى مؤمناً عن منافق، أراه قال: بعث الله ملكاً يحمي لحمه يوم القيامة من نار
جهنم))، رواه أبو داود وعن ابن عباس قال: قال رسول الله، عَّ له: ((قال الله تبارك وتعالى:
وعزتي وجلالي لأنتقمن من الظالم في عاجله وآجله، ولأنتقمن من رأى مظلوماً فقدر أن
ينصره فلم يفعل)). رواه أبو الشيخ بن حبان في (كتاب التوبيخ).
:
الوجه الخامس: في إبرار القسم، وهو خاص فيما يحل وهو من مكارم الأخلاق، فإن
ترتب على تركه مصلحة فلا، ولهذا قال، عَّهِ، لأبي بكر، رضي الله تعالى عنه، في قصة
تعبير الرؤيا: ((لا تقسم، حين قال: أقسمت عليك يا رسول الله لتخبرني بالذي أصبت)).
الوجه السادس: في رد السلام، هو فرض على الكفاية. وفي (التوضيح): رد السلام
فرض على الكفاية عند مالك والشافعي، وعند الكوفيين فرض عين كل واحد من الجماعة.
وقال صاحب (المعونة): الابتداء بالسلام سنة ورده آكد من ابتدائه، وأقله: السلام عليكم.
قلت: قال أصحابنا: رد السلام فريضة على كل من سمع السلام، إذا قام به البعض سقط عن
الباقين، والتسليم سنة والرد فريضة، وثواب المسلم أكثر، ولا يصح الرد حتى يسمعه المسلم
إلاَّ أن يكون أصم فينبغي أن يرد عليه بتحريك شفتيه، وكذلك: تشميت العاطس، ولو سلم
على جماعة وفيهم صبي فرد الصبي إن كان لا يعقل لا يصح، وإن كان يعقل هل يصح؟
فيه اختلاف، ويجب على المرأة رد سلام الرجل ولا ترفع صوتها لأن صوتها عورة، وإن
سلمت عليه فإن كانت عجوزاً رد عليها، وإن كانت شابة رد في نفسه، وعلى هذا التفصيل

١٦
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٢)
تشميت الرجل المرأة وبالعكس، ولا يجب رد سلام السائل، ولا ينبغي أن يسلم على من يقرأ
القرآن، فإن سلم عليه يجب الرد عليه.
الوجه السابع: في تشميت العاطس، وهو أن يقول: يرحمك الله، إذا حمد العاطس،
ويرد العاطس بقوله: يهديكم الله ويصلح بالكم، وروي عن الأوزاعي أن رجلاً عطس بحضرته
فلم يحمد، فقال له: كيف يقول إذا عطست؟ قال: الحمد لله، فقال له: يرحمك الله، وجوابه
كفاية، خلافاً لبعض المالكية. قال مالك: ومن عطس في الصلاة حمد في نفسه، وخالفه
سحنون فقال: ولا في نفسه. وقد ذكرنا حكمه الآن، وهذا الذي ذكرناه حكم السبعة التي
أمر بها النبي ءڭ﴾.
وأما السبعة التي نهانا عنها: فأولها: آنية الفضة، والنهي فيه تحريم، وكذلك الآنية
الذهب بل هي أشد، قال أصحابنا: لا يجوز استعماله آنية الذهب والفضة للرجال والنساء لما
في حديث حذيفة عند الجماعة: ((ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في
صحافها .. )) الحديث. قالوا: وعلى هذا: المجمرة والملعقة والمدهن والميل والمكحلة
والمرآة ونحو ذلك، فيستوي في ذلك الرجال والنساء لعموم النهي، وعليه الإجماع، ويجوز
الشرب في الإناء المفضض والجلوس على السرير المفضض إذا كان يتقي موضع الفضة،
أي: يتقي فمه ذلك، وقيل: يتقي أخذه باليد، وقال أبو يوسف: يكره. وقول محمد
مضطرب، ويجوز التجمل بالأواني من الذهب والفضة بشرط أن لا يريد به التفاخر والتكاثر،
لأن فيه إظهار نعم الله تعالى.
الثاني: خاتم الذهب فإنه حرام على الرجال، والحديث يدل عليه، ومن الناس من أباح
التختم بالذهب لما روى الطحاوي في (شرح الآثار) بإسناده إلى محمد بن مالك، قال:
رأيت على البراء خاتماً من ذهب، فقيل له: فقال: قسم رسول الله عَّ له فألبسنيه. وقال: ((إلبس
ما كساك الله، عز وجل، ورسوله)). والجواب عنه أن الترجيح للمحرم وما روي من ذلك كان
قبل النهي، وأما التختم بالفضة فإنه يجوز لما روي ((عن أنس أن رسول الله عَ لَه اتخذ خاتماً
من فضة له فص حبشي ونقش عليه: محمد رسول الله))، رواه الجماعة، والسنة أن يكون قدر
مثقال فما دونه، والتختم سنة لمن يحتاج إليه كالسلطان والقاضي ومن في معناهما، ومن لا
حاجة له إليه فتركه أفضل.
الثالث: الحرير وهو حرام على الرجال دون النساء لما روى أبو داود وابن ماجه من
حديث علي، رضي الله تعالى عنه، ((أن النبي عَّلِ أخذ حريراً فجعله في يمينه، وأخذ ذهباً
فجعله في شماله، ثم قال: إن هذين حرام على ذكور أمتي))، زاد ابن ماجه: ((حل الإناثهم))،
وروي عن جماعة من الصحابة أنهم رووا حل الحرير للنساء، وهم: عمر، فحديثه عند البزار
وأبو موسى الأشعري، فحديثه عند الترمذي، وعبد الله بن عمرو فحديثه عند إسحاق والبزار
وأبي يعلى. وعبد الله بن عباس فحديثه عند البزار، وزيد بن أرقم فحديثه عند ابن أبي شيبة
وواثلة بن الأسقع فحديثه عند الطبراني، وعقبة بن العامر الجهن فحديثه عند أبي سعيد بن

١٧
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٢)
يونس، فأحاديثهم خصت أحاديث التحريم على الإطلاق، وقال بعضهم: حرام على النساء
والرجال لعموم النهي.
الرابع: الديباح.
والخامس: القسي.
السادس: الإستبرق، وكل هذا داخل في الحرير، وقد ذكرنا أن واحدة قد سقطت من
المنهيات وهي: الميثرة الحمراء، وسنذكرها في موضعها، إن شاء الله تعالى، وقد سأل
الكرماني ههنا بما حاصله: أن الأمر في المأمور به في بعضه للندب، وفي النهي كذلك بعضه
للحرمة وبعضه لغيرها، فهو استعمال اللفظ في معنييه الحقيقي والمجازي، وذلك ممتنع،
وأجاب بما حاصله: أن ذلك غير ممتنع عند الشافعي وعند غيره بعموم المجاز، وسأل أيضاً
بأن بعض هذه الأحكام عام للرجال والنساء: كآنية الفضة، وبعضها خاص كحرمة خاتم
الذهب للرجال، ولفظ الحديث يقتضي التساوي. وأجاب بأن التفصيل عُلِمَ من غير هذا
الحدیث.
٤ / ١٢٤٠ - حدّثنا مُحَمَّدٌ قال حدَّثنا عَمْرُو بنُ أبِي سَلَمَةَ عنِ الأوزَاعِيّ قال أخبرَنِي
ابنُّ شِهَابٍ قال أخبرني سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ أنَّ أبَا هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال سَمِعْتُ
رسولَ اللهِ عَُّلِّ يَقُولُ حَقُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ خَمْسٌ رَدُّ السَّلاَمِ وَعِيَادَةُ المَرِيضِ
وَاتِّبَاعِ الجَنَائِزِ وَإِجَابَةُ الدَّغْوَةِ وَتَشْمِيَتُ العَاطِسِ.
مطابقته للترجمة في قوله: ((واتباع الجنائز)).
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: محمد قال الكلاباذي، روى البخاري عن محمد بن
أبي سلمة غير منسوب في (كتاب الجنائز): يقال إنه محمد بن يحيى الذهلي. وقال في
(أسماء رجال الصحيحين): محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس بن ذئب، أبو عبد
الله الذهلي النيسابوري، روى عنه البخاري في الصوم والطب والجنائز والعتق وغير موضع في
قريب من ثلاثين موضعاً، ولم يقل: حدثنا محمد بن يحيى الذهلي مصرحاً، ويقول: حدثنا
محمد ولا يزيد عليه، ويقول: محمد بن عبد الله ينسبه إلى جده، ويقول: محمد بن خالد
ينسبه إلى جد أبيه، والسبب في ذلك أن البخاري لما دخل نيسابور شغب عليه محمد بن
يحيى بعد البخاري بيسير تقديره سنة سبع وخمسين ومائتين. الثاني: عمرو بن أبي سلمة،
بفتح اللام: أبو حفص التنيسي، مات سنة ثنتي عشرة ومائتين. الثالث: عبد الرحمن بن عمرو
الأوزاعي. الرابع: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري. الخامس: سعيد بن المسيب.
السادس: أبو هريرة.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في
موضع. وفيه: الإخبار بصيغة الإفراد في موضعين. وفيه: السماع. وفيه: القول في أربعة
مواضع. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي. وفيه: أن شيخه مذكور بلا نسبة
عمدة القاري / ج٨ / ٢٢

١٨
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِرِ / باب (٢)
وواحد مذكور بنسبته والآخر مذكور باسم جده. قيل: عمرو بن أبي سلمة ضعفه ابن معين
وغيره، فكيف حال حديثه عند البخاري؟ وأجيب: بأن تضعيفه كان بسبب أن في حديثه عن
الأوزاعي مناولة وإجازة فلذلك عنعن، فدل على أنه لم يسمعه. وأجيب: نصرة للبخاري: بأنه
اعتمد على المناولة واحتج بها. وكان يعتمد عليها ويحتج بها، ومع هذا لم يكتب بذلك،
وقد قواه بالمتابعة على ما نذكرها عن قريب. وفيه: أن شيخه نيسابوري، وعمرو بن أبي
سلمة تنيسي سكن بها ومات بها وأصله من دمشق، والأوزاعي شامي، وابن شهاب وابن
المسيب مدنيان.
والحديث أخرجه النسائي في اليوم والليلة عن عمرو بن عثمان عن بقية بن الوليد عن
الأوزاعي نحوه.
ذكر معناه: قوله: ((حق المسلم على المسلم))، وفي رواية مسلم من طريق عبد
الرزاق: أخبرنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله، عَ له:
((خمس يجب للمسلم على أخيه: رد السلام وتشميت العاطس وإجابة الدعوة وعيادة المريض
واتباع الجنائز)). قال عبد الرزاق: كان معمر يرسل هذا الحديث عن الزهري فأسنده مرة عن
ابن المسيب عن أبي هريرة، حدثني يحيى بن أيوب وقتيبة وابن حجر قالوا: حدثنا إسماعيل
وهو ابن جعفر عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله، عَّ الله، قال: ((حق المسلم
على المسلم ست قيل: ما هن يا رسول الله؟ قال: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك
فأجبه. وإذا استنصحك فانصح له، فإذا عطس فحمد الله فشمته. وإذا مرض فعده، وإذا
مات فاتبعه)). والعلاء هو ابن عبد الرحمن. قوله: ((حق المسلم))، قال الكرماني: هذا اللفظ
أعم من الواجب على الكفاية وعلى العين، ومن المندوب، وقال ابن بطال: أي: حق الحرمة
والصحبة. وفي (التوضيح): الحق فيه بمعنى حق حرمته عليه وجميل صحبته له، لا أنه من
الواجب، ونظيره: ((حق المسلم أن يغتسل كل جمعة)). وقال بعضهم: المراد من الحق هنا
الوجوب خلافاً لقول ابن بطال. قلت: المراد هو الوجوب على الكفاية. وقال الطيبي: هذه
كلها من حق الإسلام، يستوي فيها جميع المسلمين برهم وفاجرهم، غير أنه يخص البر
بالبشاشة والمصافحة دون الفاجر المظهر للفجور، وقد مر الكلام في بقية الحديث عن
قریب.
تابَعَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قال أخبرنا مَعْمَرٌ
أي: تابع عمرو بن أبي سلمة عبد الرزاق بن همام، قال: أخبرنا معمر بن راشد، وهذه
المتابعة ذكرها مسلم، رحمه الله، وقد ذكرناها الآن.
وَرَوَاهُ سَلاَمَةُ عنْ عُقَيْلٍ
أي: روى الحديث المذكور سلامة، بتخفيف اللام: ابن خالد بن عقيل الأيلي توفي
سنة ثمان وتسعين ومائة، وهو ابن أخي عقيل، بضم العين: إبن خالد بن عقيل، ذكر البخاري

١٩
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٣)
أنه سمع من عقيل بن خالد، وذكر غير واحد أن حديثه عنه كتاب ولم يسمع منه، وسئل أبو
زرعة عن سلامة فقال: ضعيف منكر الحديث.
٣ - بابُ الدُّخُولِ عَلَى المَيِّتِ بَعْدَ المَوْتِ إذَا أذْرِجَ فِي أكفَائِهِ
أي: هذا باب في بيان جواز الدخول على الميت إذا أدرج أي: إذا لف في أكفانه.
١٢٤١/٥ - ١٢٤٢ - حدّثنا بِشْرُ بنُ مُحَمَّدٍ قال أخبرَنا عَبْدُ اللهِ قال أخبرني مَعْمَرٌ
ويُونُسُ عنِ الزُّهْرِيِّ قال أُخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَة أَنَّ عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها زَوْجَ النبيِّ عَالم
أخبَرَتْهُ قالَتْ أقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله تعالى عنهُ عَلَى فَرَسِهِ مِنْ مَسْكَنِهِ بِالسُّنْحِ حتَّى نَزَلَ
فدَخَلَ المَسْجِدَ فَلَمْ يُكَلِّمِ النَّاسَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها فتَيَمَّمَ النبيُّ
◌َّهِ وَهْوَ مُسَجَّى بِيُرْدِ حِبَرَةٍ فَكَشَفَ عنْ وَجْهِهِ ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبِّلَهُ ثُمَّ بَكَى فَقَالَ بِأبِي أَنْتَ
يا نَبِيَّ اللهِ لاَ يَجْمَعُ اللهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ أَمَّ المَوْتَةُ الَّتِي كَتَبَ الله عَلَيْكَ فَقَدْ مُنَّهَا. قال أبُو
سَلَمَةَ فأخبرني ابنُّ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهُمَا أَنَّ أَا بَكْرٍ رضي الله تعالى عنهُ خَرَجَ وَعُمَرُ
رضي الله تعالى عنهُ يُكَلِّمُ النَّاسَ فقال اجْلِسْ فَأْتِى فقال إنْلِسْ فَأَتَى فَتَشَهَّدَ أَبُو بَكْرٍ رضي
الله تعالى عنه فَمَالَ إِلَيْهِ النَّاسُ وَتَرَكُوا عُمَرَ فقالَ أمَّا بَعْدُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّداً فإنَّ
مُحَمَّداً قَدْ ماتَ وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حيٍّ لا يَمُوتُ. قال الله تعالى ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إلاَّ
رَسُولٌ﴾ إلى ﴿الشَّاكِرِي [آل عمران: ١٤٤] وَاللهِ لَكَأنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أنَّ الله أنزَلَ
الآيَةَ حَتَّى تَلاَهَا أَبُو بَكْرٍ رضي الله تعالى عنهُ فَتَلَقَّاهَا مِنْهُ النَّاسُ فَمَا يُسْمَعُ بَشَرٌ إلاَّ يَتْلُوهَا.
[الحديث ١٢٤١ - أطرافه في: ٣٦٦٧، ٤٤٥٢، ٤٤٥٥، ٥٧١٠]. [الحديث ١٢٤٢ -
أطرافه فى: ٣٦٦٨، ٣٦٧٠، ٤٤٥٣، ٤٤٥٤، ٤٤٥٧، ٥٧١١].
مطابقته للترجمة ظاهرة، قيل: لا نسلم الظهور، لأن الترجمة في الدخول على الميت
إذا أدرج في الكفن، ومتن الحديث وهو مسجى ببرد حبرة، ولم يكن حينئذ غسل، فضلاً عن
أن يكون مدرجاً في الكفن. وأجيب: بأن كشف الميت بعد تسجيته مساوٍ لحاله بعد تكفینه،
وذلك لأن منهم من منع عن الاطلاع على الميت إلاَّ الغاسل، ومن يليه، لأن الموت سبب
لتغير محاسن الحي، لأنه يكون كريهاً في المنظر، فلذلك أمر بتغميضه وتسجيته، وأشار
البخاري إلى جواز ذلك بالترجمة المذكورة، ولما كان حاله بعد التسجية مثل حاله بعد
التكفين وقع التطابق بين الترجمة والحديث من هذه الحيثية.
ذكر رجاله: وهم سبعة: الأول: بشر، بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة:
ابن محمد أبو محمد السختياني المروزي، مات سنة أربع وعشرين ومائتين. الثاني: عبد الله
ابن المبارك. الثالث: معمر، بفتح الميمين، ابن راشد. الرابع: يونس بن يزيد. الخامس:
محمد بن مسلم الزهري. السادس: أبو سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف. السابع: أم
المؤمنين عائشة، رضي الله تعالى عنها.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد. وفيه: الإخبار

٢٠
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٣)
بصيغة الجمع في موضع وبصيغة الإفراد في ثلاثة مواضع. وفيه: القول في أربعة مواضع.
وفيه: أن شيخه من أفراده وهو وعبد الله مروزيان ومعمر بصري ويونس أيلي والزهري وأبو
سلمة مدنيان. وفيه: أربعة منهم بلا نسبة، وواحد بالكنية. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن
الصحابية.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في المغازي عن يحيى
ابن بكير عن ليث عن عقيل وفي فضل أبي بكر، رضي الله تعالى عنه، عن إسماعيل بن
أويس. وأخرجه النسائي في الجنائز عن سويد بن نصر عن ابن المبارك به. وأخرجه ابن ماجه
فيه عن علي بن محمد عن أبي معاوية.
ذكر معناه: قوله: ((بالسنح))، بضم السين المهملة والنون والحاء المهملة، وهو منازل
بني الحارث بن الخزرج، بينهما وبين منزل رسول الله عَّهِ ميل، وزعم صاحب (المطالع)
أن أبا ذر كان يقوله بإسكان النون. قوله: ((فتيمم))، أي: قصد النبي عَّ. قوله: ((وهو
مسجى))، جملة إسمية وقعت حالاً. ومسجى إسم مفعول من سجى يسجي تسجية. يقال:
سجيت الميت تسجية إذا مددت عليه ثوباً، ومعنى مسجى: هنا مغطىّ. قوله: ((ببرد حبرة))،
بالوصف والإضافة، والبرد، بضم الباء الموحدة وسكون الراء: وهو نوع من الثياب معروف،
والجمع: أبراد وبرود، والبردة والشملة المخططة وحبرة على وزن عنبة ثوب يماني يكون من
قطن أو كتان مخطط، وقال الداودي: هو ثوب أخضر. قوله: ((ثم أكب عليه))، هذا اللفظ
من النوادر حيث هو لازم، وثلاثيه كب متعد عكس ما هو المشهور في القواعد التصريفية.
قوله: ((فقبله) أي: بين عينيه وقد ترجم عليه النسائي وأورده صريحاً حيث قال: تقبيل الميت
وأين يقبل منه؟ قال: أخبرنا أحمد بن عمرو بن السرح، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني
يونس عن ابن شهاب عن عروة ((عن عائشة: أن أبا بكر قبل بين عيني النبي عَّله وهو ميت)).
قوله: ((بأبي أنت)) أي: أنت مفدىّ بأبي، فالباء متعلقة بمحذوف فيكون مرفوعاً لأنه يكون
مبتدأ وخبراً. وقيل: فعل، فيكون ما بعده منصوباً تقديره: فديتك بأبي. قوله: ((لا يجمع الله
عليك موتتين))، قال الداودي: لم يجمع الله عليك شدة بعد الموت لأن الله تعالى قد
عصمك من أهوال القيامة. قال: وقيل: لا يموت موتة أخرى في قبره كما يحيى غيره في القبر.
فيسأل ثم يقبض، وقال ابن التين: أراد بذلك موته وموت شريعته، يدل عليه. قوله: ((من كان
يعبد محمداً). وقيل: إنما قال ذلك رداً لمن قال: إن رسول الله عَ لّه لم يمت وسيبعث ويقطع
أيدي رجال وأرجلهم. قيل: إنه معارض لقوله تعالى: ﴿أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين﴾ [غافر:
١١]. وأجيب: بأن الأولى الخلقة من التراب ومن نطفة لأنهما موات، والثانية التي بموت
الخلق، وإحدى الحياتين في الدنيا والأخرى بعد الموت في الآخرة. وعن الضحاك: أن
الأولى الموت في الدنيا، والثانية الموت في القبر بعد الفتنة والمساءلة، واحتج بأنه لا يجوز
أن يقال للنطفة والتراب ميت، وإنما الميت من تقدمت له حياة، ورد عليه بقوله تعالى: ﴿وآية
لهم الأرض الميتة أحييناها﴾ [يس: ٣٣]. لم يتقدم لها حياة قط، وإنما خلقها الله جماداً