Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
١٩ - كتابُ التَّهَجَدِ / باب (١٧)
(ما كتب لي)) على صيغة المجهول، وهو جملة في محل النصب، وفي رواية: ((ما كتب
الله لي))، أي: ما قدر، وهو أعم من الفرض والنفل. قوله: ((أن أصلي)) في محل الرفع على
رواية البخاري، وعلى رواية مسلم في محل النصب.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: أن الصلاة أفضل الأعمال بعد الإيمان، لقول بلال: إنه ما
عمل عملاً أرجى منه. وفيه: دليل على أن الله تعالى يعظم المجازاة على ما يسر به العبد بينه
وبين ربه مما لا يطلع عليه أحد، وقد استحب ذلك العلماء ليدخرها وليبعدها عن الرياء.
وفيه: فضيلة الوضوء وفضيلة الصلاة عقيبه لئلا يبقى الوضوء خالياً عن مقصوده. وفيه: فضيلة
بلال، رضي الله تعالى عنه، فلذلك بوب عليه مسلم حيث قال: باب فضائل بلال بن رباح
مولى أبي بكر، رضي الله تعالى عنهما، ثم روى الحديث المذكور. وفيه: سؤال الصالحين
عن عمل تلميذه ليحضه عليه ويرفبه فيه إن كان حسناً وإلاَّ فينهاه. وفيه: أن الجنة مخلوقة
موجودة الآن، خلافاً: لمن أنكر ذلك من المعتزلة. وفيه: ما استدل به البعض على جواز هذه
الصلاة في الأوقات المكروهة، وهو عموم قوله: ((في ساعة))، بالتنكير أي: في كل ساعة،
ورد بأن الأخذ بعموم هذا ليس بأولى من الأخذ بعموم النهي عن الصلاة في الأوقات
المكروهة. وقال ابن التين: ليس فيه ما يقتضي الفورية فيحمل على تأخير الصلاة قليلاً
ليخرج وقت الكراهة، أو أنه كان يؤخر الطهور إلى خروج وقت الكراهة، واعترض بعضهم
بقوله: لكن عند الترمذي وابن خزيمة من حديث بريدة في نحو هذه القضية: ((ما أصابني
حدث قط إلاَّ توضأت عنده)، ولأحمد من حديثه: ((ما أحدثت إلاَّ توضأت وصليت
ركعتين))، فدل على أنه كان يعقب الحدث بالوضوء، والوضوء بالصلاة في أي وقت كان.
انتھی.
قلت: حديث بريدة الذي رواه الترمذي ذكره الترمذي في مناقب عمر بن الخطاب،
رضي الله تعالى عنه، قال: حدثنا الحسين بن حريث أبو عمار المروزي، قال: حدثنا علي بن
الحسين بن واقد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عبد الله بن بريدة، قال: ((حدثني أبو بريدة،
قال: أصبح رسول الله عَّ له فدعا بلالاً. فقال: يا بلال بم سبقتني إلى الجنة؟ ما دخلت الجنة
قط إلاَّ سمعت خشخشتك أمامي؟ قال، دخلت البارحة الجنة فسمعت خشخشتك أمامي،
فأتيت على قصر مربع مشرف من ذهب، فقلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من العرب.
فقلت: أنا عربي، لمن هذا القصر، قالوا: لرجل من قريش، فقلت: أنا قرشي، لمن هذا القصر؟
قالوا: لرجل من أمة محمد عَّلَّهِ، فقلت: أنا محمد، لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر بن
الخطاب، رضي الله تعالى عنه. فقال بلال: يا رسول الله: ما أذنت قط إلاَّ صليت ركعتين،
وما أصابني حدث قط إلاَّ توضأت عندها، ورأيت أن الله علي ركعتين، فقال رسول الله عَ ليهٍ:
بهما)). وأما جواب هذا المعترض فما مر ذكره الآن، وهو قولنا: ورد بأن الأخذ بعموم هذا ...
إلى آخره، ويجوز أن تكون أخبار النهي عن الصلاة في الأوقات المكروهة بعد هذا الحديث.
الأسئلة والأجوبة: منها ما قاله الكرماني: فإن قلت: هذا السماع لا بد أن يكون في

٣٠٢
١٩ - كتابُ التَّهَجَدِ / باب (١٨)
النوم، إذ لا يدخل أحد الجنة إلاَّ بعد الموت؟ قلت: يحتمل كونه في حال اليقظة، وقد
صرح في أول كتاب الصلاة أنه: دخل فيها ليلة المعراج. انتهى. قلت: في كلاميه تناقض لا
يخفى لأنه ذكر أولاً أن دخوله عَ لّ الجنة في حال اليقظة محتمل، ثم قال ثانياً: فالتحقيق
أنه دخلها ليلة المعراج، والأوجه أن يقال: إن قوله: لا يدخل أحد الجنة إلاَّ بعد الموت،
ليس على عمومه، أو نقول: هذا على عمومه ولكنه في حق من كان من عالم الكون والفساد
والنبي عَ لَّمِ لما جاوز السموات السبع وبلغ إلى سدرة المنتهى خرج من أن يكون من أهل
هذا العالم، فلا يمتنع بعد هذا دخوله الجنة قبل الموت، وقد تفردت بهذا الجواب. ومنها ما
قيل: كيف يسبق بلال النبي عَّهِ في دخول الجنة، والجنة محرمة على من يدخل فيها قبل
دخوله عَّ ◌ُلَّهِ؟ والجواب فيما ذكره الكرماني بقوله: وأما بلال فلم يلزم منه أنه دخل فيها، إذ
في الجنة طرق السماع والدفء بين يديه، وقد يكون خارجاً عنها. واستبعد بعضهم هذا
الجواب بقوله: لأن السياق يشعر بإثبات فضيلة بلال لكونه جعل السبب الذي بلغه إلى ذلك
ما ذكره من ملازمة التطهر والصلاة، وإنما تثبت له الفضيلة بأن يكون رئي داخل الجنة لا
خارجاً عنها، ثم أكد كلامه بحديث بريدة المذكور. قلت: التحقيق فيه أن رؤية النبي عّلّ.
إياه في الجنة حق، لأن رؤيا الأنبياء حق. وقال الترمذي: ويروى أن رؤيا الأنبياء، عليهم
الصلاة والسلام، وحي. وأما سبق بلال النبي معَّهم في الدخول في هذه الصورة فليس هو من
حيث الحقيقة، وإنما هو بطريق التمثيل لأن عادته في اليقظة أنه كان يمشي أمامه، فلذلك تمثل
له في المنام، ولا يلزم من ذلك السبق الحقيقي في الدخول. ومنها ما قيل: إن دخول بلال
الجنة وحصول هذه المنقبة له إنما كان بسبب تطهره عند كل حدث وصلاته عند كل وضوء
بركعتين، كما صرح به في آخر حديث بريدة، بقوله: ((بهما))، أي: بالتطهر عند كل حدث
والصلاة بركعتين عند كل وضوء، وقد جاء: ((إن أحدكم لا يدخل الجنة بعمله؟)) قلت: أصل
الدخول برحمة الله تعالى، وزيادة الدرجات والتفاوت فيها بحسب الأعمال، وكذا يقال في
قوله تعالى: ﴿ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون﴾ [النحل: ٣٢].
١٨ - بابُ ما يُكْرَهُ مِنَ التَّشْدِيدِ فِي العِبَادَةِ
أي: هذا باب في بيان كراهة التشديد، وهو تحمل المشقة الزائدة في العبادة، وذلك
لمخافة الفتور والإملال، ولئلا ينقطع المرء عنها، فيكون كأنه رجع فيما بذله من نفسه
وتطوع به.
١١٥٠/١٨٠ - حدّثنا أَبُو مَعْمَرٍ قال حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ عنْ عَبْدِ العَزِيزِ بنِ صُهَيْبٍ
عنْ أنَسٍ بنِ مالِكِ رضي الله تعالى عنهُ قال دَخَلَ النبيُّ عَّهِ فَإِذَا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ
فقال ما لهذا الحَبْلُ قالُوا لهذا حَبْلٌ لِزَيْنَبَ فَإِذَا فَتَرَتْ تعَلَّقَتْ فقال النبيُّ عَلَّهِ لاَ حُلْوهُ لِيُصَلُ
أُحَدُكُمْ نَشَاطَهُ فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُد.
مطابقته للترجمة وهو إنكاره عَ لّ على فعل زينب في شدها الحبل لتتعلق عند الفتور.

٣٠٣
١٩ - كتابُ التَّهَجُّدِ / باب (١٨)
ذكر رجاله: وهم أربعة: الأول: أبو معمر، بفتح الميمين، واسمه عبد الله بن عمرو
المنقري المقعد. الثاني: عبد الوارث بن سعيد التنوري أبو عبيدة. الثالث: عبد العزيز بن
صهيب البناني الأعمى. الرابع: أنس بن مالك، رضي الله تعالى عنهم.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في
موضع واحد. وفيه: القول في ثلاثة مواضع. وفيه: أن رجاله كلهم بصريون. وفيه: أن شيخه
مذكور بكنيته، وشيخ شيخه مذكور بلا نسبة.
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في الصلاة أيضاً عن شيبان بن فروخ. وأخرجه
النسائي وابن ماجه، كلاهما فيه عن عمران بن موسى، وذكر الحميدي هذا الحديث من
أفراد البخاري، وليس كذلك فإن مسلماً أيضاً أخرجه كما ذكرنا.
ذكر معناه: قوله: ((دخل النبي عَّ)) أي: المسجد، وكذا في رواية مسلم. قوله:
((فإذا حبل)) كلمة: إذا، للمفاجأة. قوله: ((بين الساريتين)) أي: الأسطوانتين، وكأنهما كانتا
معهودتين، فلذلك ذكرهما بالألف واللام التي للعهد، وفي رواية مسلم: ((بين ساريتين))، بلا
ألف ولام. قوله: ((لزينب))، ذكر الخطيب في مبهماته أن زينب هذه هي: زينب بنت جحش
الأسدية المدنية زوج النبي عَّه، وهي التي أنزل الله تعالى في شأنها: ﴿فلما قضى زيد منها
وطراً زوجناكها﴾ [الأحزاب: ٣٧]. ماتت سنة عشرين، وتبعه الكرماني، وذكره هكذا. وقال
صاحب (التوضيح): أن ابن أبي شيبة رواه كذلك، وليس في (مسنده) ولا في (مصنفه) غير
ذكر زينب مجردة، وروى أبو داود هذا الحديث عن شيخين له، عن إسماعيل بن علية فقال
أحدهما: زينب، ولم ينسبها، وقال الآخر: حمنة بنت جحش، وهي أخت زينب بنت جحش
زوج النبي عَّ له، وروى أحمد من طريق حماد عن حميد عن أنس أنها: حمنة بنت جحش،
ووقع في صحيح ابن خزيمة من طريق شعبة عن عبد العزيز فقالوا: ميمونة بنت الحارث، وهي
رواية شاذة، قلت: لا مانع من تعدد القضية. قوله: ((فإذا فترت))، بفتح الفاء والتاء المثناة من
فوق، أي: إذا كسلت عن القيام ((تعلقت)) أي: بالحبل، وفي رواية مسلم: ((فإذا فترت أو
كسلت)) بالشك. قوله: ((فقال النبي عَّله: لا)) يحتمل أن تكون كلمة: لا، هذه للنفي أي:
لا يكون هذا الحبل أو لا يمد، ويحتمل أن تكون للنهي، أي: لا تفعلوه، وسقطت هذه الكلمة
في رواية مسلم، قوله: ((حلوه)) بضم الحاء واللام المشددة، أمر للجماعة من الحل. قوله:
((ليصل))، بكسر اللام. قوله: ((نشاطه))، بفتح النون، أي: ليصل أحدكم مدة نشاطه، فيكون
انتصابه بنزع الخافض. وروى: ((بنشاطه))، أي: ملتبساً به. قوله: ((فإذا فتر فليقعد))، وفي رواية
أبي داود: ((فإذا كسل أو فتر فليقعد))، ظاهر السياق يدل على أن المعنى أنه: إذا عيى عن
القيام، وهو يصلي فليقعد. فيستفاد منه جواز القعود في أثناء الصلاة بعد افتتاحها قائماً. وقال
بعضهم: ويحتمل أن يكون أمر بالقعود عن الصلاة، يعني ترك ما عزم عليه من التنفل، قلت:
هذا احتمال بعيد غير ناشيء عن دليل، وظاهر الكلام ينافيه.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: الحث على الاقتصاد في العبادة والنهي عن التعمق والأمر

٣٠٤
١٩ - كتابُ التَّهَجَّدِ / باب (١٨)
بالإقبال عليها بنشاطه. وفيه: أنه إذا فتر في الصلاة يقعد حتى يذهب عنه الفتور. وفيه: إزالة
المنكر باليد لمن يتمكن منه. وفيه: جواز تنفل النساء في المسجد، فإن زينب كانت تصلي
فيه فلم ينكر عليها. وفيه: كراهة التعلق بالحبل في الصلاة. وفيه: دليل على أن الصلاة
جميع الليل مكروهة، وهو مذهب الجمهور، وروي عن جماعة من السلف أنه: لا بأس به،
وهو رواية عن مالك، رحمه الله تعالى، إذا لم ينم عن الصبح.
١١٥١ - قال وقَال عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكِ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أَبِيهِ عنْ
عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ كانَتْ عِنْدِي امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي أسَدٍ فَدَخَلَ عَلَيَّ رسولُ اللهِ
عَِّ فقال مَنْ هَذِهِ قُلْتُ غُلاَنَةُ لاَ تَنَامُ اللَّيْلَ فَذُكِرَ مِنْ صَلاَتِهَا فقال مَهْ عَلَيْكُمْ ما تُطِيقُونَ مِنَ
الأعْمَالِ فإنَّ اللَّه لاَ يَمَلُّ حَتَّى ثَلُّوا. [أنظر الحديث ٤٣].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وهو زجره عَ لَّه بقوله: ((مه)) إلى آخره، فإن حاصل معناه النهي
عن التشديد في العبادة، ورجاله على هذا الوجه قد مروا غير مرة، وهذا تعليق رواه في كتاب
الإيمان في: باب أحب الدين إلى الله أدومه، وقال: حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا
يحيى عن هشام، قال: أخبرني أبي ((عن عائشة، رضي الله تعالى عنها: أن النبي عَّ دخل
عليها وعندها امرأة .. )) الحديث. قوله: ((قال عبد الله)) هكذا رواية الأكثرين، وفي رواية
الحموي والمستملي: حدثنا عبد الله، وهكذا في (الموطأ) رواية القعنبي. وقال ابن عبد البر:
تفرد القعنبي بروايته عن مالك في (الموطأ) دون بقية رواته، فإنهم اقتصروا منه على طرف
مختصر، ورواه أبو نعيم من حديث محمد بن غالب عن عبد الله بن مسلمة عن مالك، ووقع
في آخره: رواه البخاري، قال: قال عبد الله بن مسلمة، وأسنده الإسماعيلي من طريق يونس
عن ابن وهب عن مالك، ورواه مسلم من حديث ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن
عروة عن عائشة. قوله: ((فلانة))، غير منصرف، واسمها: حولاء، بفتح الحاء المهملة وبالمد.
وكانت عطارة. قوله: ((الليل)) نصب على الظرفية، ويروى: ((بالليل)) أي: في الليل. قوله:
((فذكر))، بفاء العطف، و: ذكر، على صيغة المجهول من الماضي، وهو رواية الكشميني،
وفي رواية المستملي: بصيغة المعلوم من المضارع، وفي رواية الحموي على صيغة
المجهول للمذكر من المضارع، ولكل واحد منها وجه، فرواية المستملي من قول عروة أو
من دونه، وفي رواية الآخرين يحتمل أن يكون من كلام عائشة، وعلى كل حال هو تفسير
لقولها: ((لا تنام الليل)). قوله: ((مه))، بفتح الميم وسكون الهاء، ومعناه: اكفف. قوله:
((عليكم))، اسم فعل معناه: الزموا. قوله: ((ما تطيقون))، مرفوع أو منصوب به. قوله:
((الأعمال)) عام في الصلاة وغيرها، وحمله الباجي وغيره على الصلاة خاصة، لأن الحديث
ورد فيها، وحمله على العموم أولى. لأن العبرة لعموم اللفظ. قوله: ((لا يمل))، بفتح الميم: أي
لا يترك الثواب حتى تتركوا العمل بالملل، وهو من باب المشاكلة، وقد مر الكلام فيه في
الباب المذكور مستوفى.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: الاقتصاد في العبادة والحث عليه. وفيه: النهي عن التعمق.

٣٠٥
١٩ - كتابُ التَّهَجُّدِ / باب (١٩)
وقال تعالى: ﴿لا تغلوا في دينكم﴾ [النساء: ١٧١، المائدة: ٧٧]. والله أرحم بالعبد من
نفسه وإنما كره التشديد في العبادة خشية الفتور، والملالة. وقال تعالى: ﴿لا يكلف الله نفساً
إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وقال: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨].
وفيه: مدح الشخص بالعمل الصالح.
١٩ - بابُ ما يُكْرَهُ مِنْ تَرْكِ قِيَامِ اللَّيْلِ لِمَنْ كان يَقُومُهُ
أي: هذا باب في بيان كراهة ترك قيام الليل، وهو الصلاة فيه لمن كان له عادة
بالقيام، وذلك لأنه يشعر بالإعراض عن العبادة.
١١٥٢/١٨١ - حدَّثنا عَبَّاسُ بنُ الحُسَيْنِ قال حدَّثَنَا مُبَشِّرٌ عنِ الأَوْزَاعِيِّ ح
وحدَّثني مُحَمَّدُ بنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ قال أخبرنا عَبْدُ اللهِ قال أخبرنا الأوْزَاعِيُّ قال حدَّثني
يَحْبَى بنُ أَبِي كَثِيرٍ قال حدَّثني أَبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرخْمنِ قال حدَّثنِي عَبْدُ اللهِ بنُ عَمْرِو بنِ
العَاصِ رضي الله تعالى عنهما قال قال لي رسولُ اللهِ عَ لَّه يا عَبْدَ اللهِ لا تَكُنْ مِثْلَ فُلاَنَ
كانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ. [أنظر الحديث ١١٣١ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة في قوله: ((يا عبد الله لا تكن مثل فلان .. )) إلى آخره.
ذكر رجاله: وهم ثمانية: الأول: عباس، بالباء الموحدة المشددة وبالسين المهملة: ابن
الحسين، بالتصغير: أبو الفضل البغدادي القنطري، مات سنة أربعين ومائتين. الثاني: مبشر،
يلفظ إسم الفاعل، - ضد المنذر - ابن إسماعيل الحلبي، مات سنة مائتين. الثالث: عبد
الرحمن بن عمرو الأوزاعي. الرابع: محمد بن مقاتل أبو الحسن المروزي المجاور بمكة.
الخامس: عبد الله بن المبارك. السادس: يحيى بن أبي كثير. السابع: أبو سلمة ابن عبد
الرحمن بن عوف. الثامن: عبد الله بن عمرو بن العاص.
ذكر لطائف إسناده: فيه: إسنادان أحدهما عن عباس والآخر عن محمد بن مقاتل.
وفيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين وبصيغة الإفراد في ثلاثة مواضع. وفيه: الإخبار
بصيغة الجمع في موضع واحد. وفيه: العنعنة في موضع واحد. وفيه: في سياق عبد الله
التصريح بالحديث في جميع الإسناد فحصل الأمن من تدليس الأوزاعي وشيخه. وفيه: القول
في ستة مواضع. وفيه: أن شيخه عباس بغدادي، ومبشر حلبي، والأوزاعي شامي، ومحمد بن
مقاتل وشيخه عبد الله مروزيان ويحيى بن أبي كثير يمامي وطائي، واسم أبي كثير: صالح،
وقيل: دينار، وقيل غير ذلك، وأبو سلمة مدني. وفيه: أن البخاري أخرج عن عباس ابن
الحسين هنا وفي الجهاد فقط. وفيه: أن شيخه محمد بن مقاتل من أفراد البخاري.
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في الصوم عن أحمد بن يوسف الأزدي عن
عمرو بن أبي سلمة به، وأخرجه النسائي في الصلاة عن سويد بن نصر عن ابن المبارك به،
وعن الحارث بن أسد عن بشر بن بكر عن الأوزاعي. وأخرجه ابن ماجه عن محمد بن
الصباح عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي.
عمدة القاري / ج٧ / ٢٠٢

٣٠٦
١٩ - كتابُ التَّهَجُّدِ / باب (١٩)
ذكر معناه: قوله: ((مثل فلان))، لم يدر من هو، والظاهر أن الإبهام من أحد الرواة.
وقال بعضهم: وكان إبهام مثل هذا لقصد الستر عليه، ويحتمل أن يكون النبي عَ ◌ّه لم يقصد
شيخاً معيناً، وإنما أراد تنفير عبد الله بن عمرو من الصنيع المذكور. قلت: كل ذلك غير
موجه. أما قوله: الستر عليه، فغير سديد، لأن قيام الليل لم يكن فرضاً على فلان المذكور،
فلا يكون بتركه عاصياً حتى يستر عليه. وأما قوله: ويحتمل إلى آخره، فأبعد من الأول على
ما لا يخفى، لأن الشخص إذا لم يكن معيناً كيف ينفر غيره من صنيعه؟ وأما قوله: أراد تنفير
عبد الله، فكان الأحسن فيه أن يقال: أراد ترغيب عبد الله في قيام الليل حتى لا يكون مثل
من كان قائماً منه ثم تركه. قوله: ((من الليل))، وليس في رواية الأكثرين لفظ: من، موجوداً،
بل اللفظ: كان يقوم الليل، أي: في الليل، والمراد في جزء من أجزائه فتكون: من، بمعنى:
في، نحو قوله تعالى: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة﴾ [الجمعة: ٩]. أي: في يوم
الجمعة.
ذكر ما يستفاد منه: قال ابن العربي: في هذا الحديث دليل على أن قيام الليل ليس
بواجب، إذ لو كان واجباً لم يكتف لتاركه بهذا القدر، بل كان يذمه أبلغ الذم، وقال ابن
حبان: فيه جواز ذكر الشخص بما فيه من عيب إذا قصد بذلك التحذير من صنيعه. وفيه:
استحباب الدوام على ما اعتاده المرء من الخير من غير تفريط. وفيه: الإشارة إلى كراهة قطع
العبادة وإن لم تكن واجبة.
:
1
وقال هِشَامٌ حدَّثنا ابنُ أبي العِشْرِين قال حدَّثنا الأَوْزَاعِيُّ قال حدَّثني يَحْيِى عِنْ عُمَرَ
ابنِ الحَكَمِ بنِ ثَوْبَانَ قال حدَّثني أبُو سَلَمَةَ بِهُذا مِثْلَهُ
هشام: هو ابن عمار الدمشقي الحافظ، خطيب دمشق، مات سنة خمس وأربعين
ومائتين، وهو من أفراد البخاري، واسم ابن أبي العشرين: عبد الحميد بن حبيب - ضد العدو
- كاتب الأوزاعي، كنيته أبو سعيد الدمشقي ثم البيروتي، وقد تكلم فيه غير واحد. ويحيى
هو ابن أبي كثير المذكور في السند الأول، وعمر بن الحكم، بفتح الكاف: ابن ثوبان، بفتح
الثاء المثلثة وسكون الواو وبالباء الموحدة وبالنون: الحجازي المدني مات سنة سبع عشرة
ومائة، وهذا التعليق رواه الإسماعيلي عن ابن أبي حسان ومحمد بن محمد، قالا: حدثنا
هشام بن عمار حدثنا عبد الحميد بن أبي العشرين حدثنا الأوزاعي فذكره، وقال صاحب
(التوضيح): ومتابعة هشام أسندها الإسماعيلي. قلت: ليس هذا بمتابعة، وإنما هو تعليق كما
ذكرناه، وفائدته التنبيه على أن زيادة عمر بن الحكم بن ثوبان بن يحيى وأبي سلمة من المزيد في
متصل الأسانيد لأن يحيى قد صرح بسماعه من أبي سلمة ولو كان بينهما واسطة لم يصرح
بالتحديث. قوله: ((بهذا مثله))، هذا رواية كريمة والأصيلي، وفي رواية غيرهما: بهذا، فقط.
وَتَابَعَهُ عَمْرُو بِنُ أَبِي سَلَمَةَ عنِ الأَوْزَاعِيّ
أي: تابع ابن أبي العشرين على زيادة عمر بن الحكم عمرو بن أبي سلمة، بفتح اللام:

٣٠٧
١٩ - كتابُ التَّهَجُّدِ / باب (٢٠)
أبو حفص الشامي، توفي سنة ثنتي عشرة ومائتين، ووصل هذه المتابعة مسلم عن أحمد بن
يوسف بن محمد الأزدي، قال: حدثنا عمرو بن أبي سلمة عن الأوزاعي قراءة، قال: حدثنا
يحيى بن أبي كثير عن ابن الحكم بن ثوبان، قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن عن عبد
الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله عَ ل: ((يا عبد الله لا تكن مثل فلان، كان يقوم
الليل، فترك قيام الليل)).
٢٠ - بابٌ
هكذا وقع لفظ: باب، بغير ترجمة، وهو بمنزلة الفصل من الباب الذي قبله، وقد جرت
عادة المصنفين أن يكتبوا باباً في حكم من الأحكام ثم يكتبوا عقيبه فصل فيريدوا به انفصال
هذا الحكم عما قبله، ولكنه متعلق به في نفس الأمر.
١١٥٣/١٨٢ - حدثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللهِ قال حدَّثنا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عنْ أبِي
العَبَّاسِ قال سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بنَ عَمْرٍو رضي الله تعالى عنهما قال قال لي النبيُّ عَ لّ أَلَمْ
أُخْبَزْ أَنَّكَ تَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهَارَ قُلْتُ إِنِّي أَفْعِلُ ذُلِكَ قال فإِنَّكَ إِذَا فَعَلَّتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ
عَيْنُكَ وَنَفِهَتْ نَفْسُكَ وَإِنَّ لِنَفْسِكَ حقّاً وَلِأَهْلِكَ حَقّاً فَصُمْ وَأَفْطِرْ وَقُمْ وَمْ. [أنظر الحديث
١١٣١ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وهو أمره عَّ له بالصوم والإفطار والقيام والنوم، ولا شك أنه
يقتضي ترك التشديد في ذلك.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: علي بن عبد الله المعروف بابن المديني. الثاني:
سفيان بن عيينة. الثالث: عمرو بن دينار. الرابع: أبو العباس اسمه السائب، بالسين المهملة:
ابن فروخ، بفتح الفاء وضم الراء المشددة وبالخاء المعجمة: الشاعر الأعمى. الخامس: عبد
الله بن عمرو بن العاص.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في
موضعين. وفيه: السماع. وفيه: القول في ثلاثة مواضع. وفيه: أن شيخه من أفراده. وفيه: أن
سفيان وعمراً وأبا العباس مكيون، وفيه: عمرو عن أبي العباس، وفي رواية الحميدي، في
(مسنده): عن سفيان حدثنا عمرو سمعت أبا العباس.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الصوم عن عمرو بن
علي وفي أحاديث الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، عن خلاد بن يحيى. وأخرجه مسلم في
الصوم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن سفيان نحو حديث علي وعن محمد بن رافع عن عبد
الرزاق وعن محمد بن حاتم وعن عبيد الله بن معاذ وعن أبي كريب. وأخرجه الترمذي فيه
عن هناد عن وكيع وفي بعض النسخ عن قتيبة بدل هناد. وأخرجه النسائي فيه عن علي بن
الحسن الدرهمي وعن محمد بن عبد الأعلى وعن إبراهيم بن الحسن وعن محمد بن عبيد
:

٣٠٨
١٩ - كتابُ التَّهَجُدِ / باب (٢٠)
الله وعن محمد بن بشار وعن أحمد بن إبراهيم. وأخرجه ابن ماجه فيه عن علي بن محمد
بالقصة.
ذكر معناه: قوله: ((ألم أخبر؟)) الهمزة للاستفهام، ولكنه خرج من الاستفهام الحقيقي،
فمعناه هنا حمل المخاطب على الإقرار بأمر قد استقر عنده ثبوته. وقوله: ((أُخبر)) على صيغة
المجهول لنفس المتكلم وحده. قوله: ((أنك)) بفتح الهمزة لأنه مفعول ثان للإخبار. قوله:
((الليل)) منصوب على الظرفية، وكذلك: النهار. قوله: ((هجمت))، بفتح الجيم أي: غارت أو
ضعف بصرها لكثرة السهر. قوله: ((ونفهت))، بفتح النون وكسر الفاء أي: كلت وأعيت،
وقيده الشيخ قطب الدين بفتح الفاء، وحكى الإسماعيلي أن أبا يعلى رواه بالتاء المثناة من
فوق بدل النون، وقال: إنه ضعيف، وزاد الداودي بعد قوله: ((هجمت عينك ونحل جسمك
ونفهت نفسك)). قوله: ((وإن لنفسك حقاً)) يعني: ما يحتاج إليه من الضرورات البشرية مما
أباحه الله إلى الإنسان من الأكل والشرب والراحة التي يقوم بها بدنه لتكون أعون على عبادة
ربه. قوله: ((ولأهلك حقاً)) يعني من النظر لهم فيما لا بد لهم من أمور الدنيا والآخرة، والمراد
من الأهل الزوجة أو أعم من ذلك ممن تلزمه نفقته، وسيأتي في الصيام زيادة فيه من وجه
آخر نحو قوله: ((وإن لعينك عليك حقاً). وفي رواية: ((فإن لزوجك عليك حقاً)، المراد من
الزور: الضيف. قوله: ((حقاً)) في الموضعين بالنصب لأنه اسم: ((إن))، وخبره مقدم عليه، وهو
رواية الأكثرين، وفي رواية كريمة بالرفع فيهما، ووجهه أن يكون: ((حق))، مرفوعاً على الابتداء.
وقوله: ((لنفسك)) مقدماً خبره، والجملة خبر إن، واسم إن ضمير الشأن محذوفاً، تقديره: إن
الشأن لنفسك حق، ونظيره قوله عَّل: ((إن من أشد الناس عذاباً يوم القيام المصورون))،
الأصل إنه أي: إن الشأن. قوله: ((فصم وأفطر)) أي: إذا كان الأمر كذلك فصم في بعض
الأيام وأفطر في بعضها، وكان هذا إشارة إلى صوم داود عَّهِ. قوله: ((وقم)): بضم القاف أمر
من: قام بالليل. لأجل العبادة أي: في بعض الليل، أو في بعض الليالي. قوله: (ونم))، بفتح
النون أمر من النوم أي: في بعض الليل، وهذا كله أمر ندب وإرشاد.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: جواز تحديث المرء بما عزم عليه من فعل الخير. وفيه:
تفقد الإمام أمور رعيته كلياتها وجرئياتها، وتعليمهم ما يصلحهم. وفيه: تعليل الحكم لمن
فيه أهلية ذلك. وفيه: أن الأولى في العبادات تقديم الواجبات على المندوبات. وفيه: أن من
تكلف الزيادة وتحمل المشقة على ما طبع عليه يقع له الخلل في الغالب، وربما يغلب
ويعجز. وفيه: الحض على ملازمة العبادة من غير تحمل المشقة المؤدية إلى الترك، لأنه عَ لّه
مع كراهيته التشديد لعبد الله بن عمرو على نفسه حض على الاقتصاد في العبادة، كأنه قال
له: إجمع بين المصلحتين فلا تترك حق العبادة ولا المندوب بالكلية، ولا تضيع حق نفسك
وأهلك وزورك.

٣٠٩
١٩ - كتابُ التَّهَجُدِ / باب (٢١)
٢١ - بابُ فَضْلٍ منْ تَعَارِّ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى
أي: هذا باب في بيان فضل من تعار، وتعار، بفتح التاء المثناة من فوق والعين
المهملة وبعد الألف راء مشددة، وأصله: تعارر، لأنه على وزن: تفاعل، ولما اجتمعت الرآآن
أدغمت إحداهما في الأخرى. وقال ابن سيده: عر الظليم يعر عراراً، وعار معارة وعراراً:
صاح، والتعار: السعر والتقلب على الفراش ليلاً مع كلام. وفي (الموعب): يقال منه: تعار
يتعار، ويقال: لا يكون ذلك إلاّ مع كلام وصوت، وقال ابن التين: ظاهر الحديث أن تعار:
استيقظ، لأنه قال: ((من تعار فقال))، فعطف القول بالفاء على تعار، وقيل: تعار تقلب في
فراشه، ولا يكون إلاَّ يقظة مع كلام يرفع به صوته عند انتباهه وتمطيه، وقيل: الأنين عند
التمطي بأثر الانتباه، وعن ثعلب: اختلف الناس في تعار، فقال قوم: انتبه، وقال قوم: تكلم،
وقال قوم: علم، وقال بعضهم: تمطى وأن.
١١٥٤/١٨٣ - حدّثنا صَدَقَّةُ بنُ الفَضْلٍ قال أخبرنا الوَلِيدُ عنِ الأوزَاعِيّ قال
حدَّثني عُمَيْرُ بنُ هانِىءٍ قال حدَّثني جُنَادةُ بنُ أَبِي أَمْيَّةً قال حدَّثني عُبَادَةُ بنُ الصَّامِتِ عنٍ
النَّبِيِّ عَِّ قال منْ تعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ فقال لا إله إلاَّ الله وَحدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ لَهُ المُلْكُ ولَهُ
الحَمْدُ وَهْوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيَرّ الحَمْدُ للهِ وَسُبْحَانَ الله وَلاَ إِلَّهَ إِلاَّ الله والله أَكْبَرُ ولاَ
حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ بِاللهِ ثُمَّ قالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي أَوْ دَعَا اسْتُجِيبَ لَهُ فإنْ تَوَضَّأَ قُبِلَتْ صَلاَتُهُ.
مطابقته للترجمة ظاهرة، لأنها جزء منه. فإن قلت: ليس في الحديث إلا القبول،
والترجمة في فضل الصلاة قلت: إذا قبلت يثبت لها الفضل.
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: صدقة بن الفضل أبو الفضل المروزي، مر في كتاب
العلم. الثاني: الوليد بن مسلم أبو العباس القرشي الدمشقي، مر في الصلاة. الثالث: عبد
الرحمن بن عمرو الأوزاعي. الرابع: عمير، بالتصغير، ابن هانىء، بالنون بين الألف والهمزة:
الدمشقي العبسي، قال الترمذي: حدثنا علي بن حجر، قال: حدثنا مسلمة بن عمرو، قال:
كان عمير بن هانىء يصلي كل يوم ألف سجدة، ويسبح كل يوم مئة ألف تسبيحة، قتل سنة
سبع وعشرين ومائة. الخامس: جنادة، بضم الجيم وتخفيف النون: ابن أبي أمية الأزدي ثم
الزهراني، ويقال: الدوسي، أبو عبد الله الشامي، واسم أبي أمية: كثير، وقال خليفة: اسمه
مالك، له ولأبيه صحبة، ويقال: لا صحبة له، وقال العجلي: شامي تابعي ثقة من كبار
التابعين، سكن الأردن. قال الواقدي: مات سنة ثمانين، وكذا قال خليفة. السادس: عبادة بن
الصامت، رضي الله تعالى عنه.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع وبصيغة الإفراد
في موضعين. وفيه: الإخبار بصيغة الجمع في موضع واحد. وفيه: القول في أربعة مواضع.
وفيه: أن رجاله كلهم شاميون، غير أن شيخه مروزي. وفيه: رواية الصحابي عن الصحابي
على قول من يقول بصحبة جنادة. وفيه: رواية التابعي عن الصحابي على قول من يقول: لا

٣١٠
١٩ - كتابُ التَّهَجُدِ / باب (٢١)
صحبة لجنادة. وفيه: أن شيخه من أفراده.
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه أبو داود في الأدب عن عبد الرحمن بن إبراهيم
الدمشقي. وأخرجه النسائي في اليوم والليلة عن محمد بن مصفى. وأخرجه الترمذي في
الدعوات عن محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة. وأخرجه ابن ماجه في الدعاء عن عبد
الرحمن بن إبراهيم المذكور.
ذكر معناه: قوله: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو
على كل شيء قدير)) روي عنه عَّ له أنه قال فيه: إنه ((خير ما قلت أنا والنبيون من قبلي))
وروى عنه أبو هريرة، رضي الله تعالى عنه أنه قال: ((من قال ذلك في يوم مائة مرة كانت له
عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزاً من
الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ولم يأت أحد بأفضل مما جاء إلاَّ أحد عمل أكثر من عمله
ذلك)). قوله: ((الحمد لله وسبحان الله)) زاد في رواية كريمة: ((ولا إله إلا الله))، وكذا عند
الإسماعيلي، ولم تختلف الروايات في البخاري على تقديم الحمد على التسبيح، وعند
الإسماعيلي على العكس، والظاهر أنه من تصرف الرواة. وأخرج مالك عن سعيد بن المسيب
أنه قال: ((الباقيات الصالحات))، قول العبد ذلك بزيادة: ((لا إله إلا الله)) وروي عن ابن عباس:
(هن)): ((سبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)) جعلها أربعاً. قوله: ((ثم قال: اللهم اغفر لي
أو دعا)) كذا فيه بالشك، ويحتمل أن تكون كلمة: أو، للتنويع، ولكن يعضد الوجه الأول ما
عند الإسماعيلي بلفظ: ((ثم قال: رب اغفر لي غفر له، أو قال: فدعا استجيب له))، شك
الوليد بن مسلم. قوله: ((استجيب له)) كذا في رواية الأصيلي بزيادة: له، وليس في رواية
غيره لفظ: له. قوله: ((فإن توضأ وصلى قبلت صلاته، وكذا هو في رواية أبي ذر وأبي
الوقت: ((فإن توضأ وصلى))، وكذا عند الإسماعيلي، وزاد في أوله: ((فإن هو عزم فقام فتوضأ
وصلى))، وقال ابن بطال: وعد الله تعالى على لسان نبيه عَّ له: أن من استيقظ من نومه لهجاً.
لسانه بتوحید الله والإذعان له بالملك والاعتراف بنعمته یحمده علیھا وینزهه عما لا یلیق به
بتسبيحه والخضوع له بالتكبير والتسليم له بالعجز عن القدرة إلا بعونه أنه إذا دعاه أجابه، وإذا
صلى قبلت صلاته، فينبغي لمن بلغه هذا الحديث أن يغتنم به العمل ويخلص نيته لربه
تعالى.
١١٥٥/١٨٤ - حدثنا يَخْتَى بنُ بُكَيْرٍ قال حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهَابٍ
قال أخبرني الهَيْثَمُ بنُ أبي سِنَانٍ سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ وَهْوَ يَقُصُ فِي قَصَصِهِ
وَهْوَ يَذْكُرُ رسولَ اللهِ عَّهِ إِنَّ أَخَاً لَكُمْ لاَ يَقُولُ الرَّفَثَ يَغْنِي بِذَلِكَ عَبْدَ اللهِ بنَ رَوَاحَةَ
إِذَا انْشَقَّ مَغْرُوفٌ مِنَ الفَجْرِ ساطِغُ
وَفِينَا رَسُولُ اللهِ يَتْلُو كِتَابَهُ
أُرَانًا الهُدَى بَعْدَ العَلمى فَقُلُوبُنَا
بِهِ مُوقِنَاتٌ أنَّ ما قال واقِعُ
إِذَا اسْتَثْقَلَتْ بِالمُشْرِكِينَ المَضَاجِعُ
يَبِيتُ يُجَافِي جَنْبَهُ عنْ فِرَاشِهِ

٣١١
١٩ - كتابُ التَّهَجُّدِ / باب (٢١)
[الحديث ١١٥٥ - طرفه في: ٦١٥١].
مطابقته للترجمة في قوله:
(يبيت يجافي جنبه عن فراشه)
لأن مجافاة جنبه عن الفراش وهو إبعاده عنه بسبب التعار، وكان ذلك إما للصلاة وإما
للذكر وقراءة القرآن.
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: يحيى بن بكير هو يحيى بن عبد الله بن بكير أبو
زكريا. الثاني: الليث بن سعد. الثالث: يونس بن يزيد. الرابع: محمد بن مسلم بن شهاب
الزهري. الخامس: الهيثم، بفتح الهاء وسكون الياء آخر الحروف وفتح الثاء المثلثة وفي
آخره ميم: ابن أبي سنان، بكسر السين المهملة وبالنونين بينهما ألف. السادس: أبو هريرة،
رضي الله تعالى عنه.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في
موضعين. وفيه: السماع. وفيه: القول في موضعين. وفيه: أن يحيى والليث مصريان ويونس
أيلي وابن شهاب والهيثم مدنيان. وفيه: أن شيخه مذكور بنسبته إلى جده. وفيه: أن الهيثم
من أفراده. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الأدب عن أصبغ بن الفرج.
ذكر معناه: قوله: ((وهو يقص))، جملة إسمية وقعت حالاً، أي: الهيثم سمع أبا هريرة
حال كونه يقص، من قص يقص قصاً وقصصاً، بفتح القاف، والقص في اللغة: البيان،
والقاص هو الذي يذكر الأخبار والحكايات. قوله: ((في قصصه))، بكسر القاف جمع: قصة،
ويجوز الفتح، والمعنى: سمع الهيثم أبا هريرة وهو يقص في جملة قصصه أي: مواعظه، التي
كان يذكر بها أصحابه، ويتعلق الجار والمجرور بقوله: ((سمع)). قوله: ((وهو يذكر))، جملة
حالية أيضاً أي: والحال أن أبا هريرة يذكر رسول الله عَّهِ. قوله: ((إن أخاً لكم)) القائل لهذا
هو رسول الله عَّله، والمعنى: أن الهيثم سمع أبا هريرة يقول وهو يعظ، وانجر كلامه إلى أن
ذكر رسول الله عَ لّه وذكر ما قاله من قوله عَّله: ((إن أخاً لكم لا يقول الرفث))، أي: الباطل
من القول والفحش، إنما قال ذلك حين أنشد عبد الرحمن بن رواحة الأبيات المذكورة، فدل
ذلك أن حسن الشعر محمود كحسن الكلام، فظهر من ذلك أن قوله عّلِّ: ((لأن يمتلىء
جوف أحدكم قيحاً حتى يريه خير له من أن يمتلىء شعراً) إنما يراد به الشعر الذي فيه
الباطل والهجو من القول لأنه عَّ له قد نفى عن ابن رواحة بقوله هذه الأبيات قول الرفث، فإذا
لم يكن من الرفث فهو في حيز الحق، والحق مرغوب فيه مأجور عليه صاحبه، وقال بعضهم
ليس في سياق الحديث ما يشعر بأن ذلك من قوله عَّلَّه، بل هو ظاهر أنه كلام أبي هريرة.
قلت: الذي يستخرج المراد من معنى التركيب على وفق ما يقتضيه من حيث الإعراب
يعلم أن القائل هو النبي عَّه، وأبو هريرة ناقل له، وأنه مدح من النبي عَِّ لابن رواحة،

٣١٢
١٩ - كتابُ التَّهَجَّدِ / باب (٢١)
وبيان: أن من الشعر ما هو حسن وإن كل الشعر ليس بمذموم. قوله: ((يعني بذلك)) يعني:
يريد بقوله: ((إن أخاً لكم عبد الله ابن رواحة))، وقائل هذا التفسير يحتمل أن يكون الهيثم،
ويحتمل أن يكون الزهري، والأول أوجه، وعبد الله بن رواحة، بفتح الراء وتخفيف الواو وفتح .
الحاء المهملة: ابن ثعلبة بن امرىء القيس بن عمرو الأنصاري الخزرجي، من بني الحارث،
يكنى أبا محمد، ويقال: أبا رواحة، ويقال: أبا عمرو، وكان بقية بني الحارث من الخزرج،
شهد بدراً وأحداً وسائر المشاهد مع رسول الله عَّةٍ إلاَّ الفتح وما بعده لأنه قتل قبله، وهو
أحد الأمراء في غزوة مؤتة، وكان سنة ثمان من الهجرة، واستشهد فيها. قوله: ((وفينا رسول
الله .. )) إلى آخره، بيان لما قاله عبد الله بن رواحة، والمذكور هنا ثلاثة أبيات، وهي من
الطويل، وأجزاؤه ثمانية: وهي: فعولن مفاعيلن .. إلى آخره. ((وفينا)) أي: بيننا رسول الله عَ لَّه.
قوله: ((يتلو كتابه)) أراد به القرآن، والجملة حالية. قوله: ((إذا انشق))، كذا هو في رواية
الأكثرين، وفي رواية أبي الوقت: ((كما انشق)). قوله: ((معروف)) فاعل ((انشق)). قوله: ((ساطع))
صفة: لمعروف ((ومن الفجر)) بيان له، وهو من سطع الصبح إذا ارتفع، وكذا سطعت الرائحة
والغبار، وأراد به أنه يتلو كتاب الله وقت انشقاق الوقت الساطع من الفجر. قوله: ((الهدى))
مفعول ثان. ((لأرانا)). قوله: ((بعد العمى))، أي: بعد الضلالة، ولفظ العمى مستعار منها. قوله:
(به)) أي: بالنبي عَّهِ. قوله: ((يجافي)) أي: يباعد، وهي جملة حالية، ومجافاته جنبه عن
الفراش كناية عن صلاته بالليل. قوله: ((إذا استثقلت)) أي: حين استثقلت بالمشركين
((المضاجع)) جمع مضجع، وكأنه لمح به إلى قوله تعالى: ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع
يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون﴾ [السجدة: ١٦]. قوله: ((تتجافى))
[السجدة: ١٦]. أي: ترتفع وتتنحى ﴿عن المضاجع﴾ [السجدة: ١٦]. عن الفرش ومواضع
النوم ﴿يدعون ربهم﴾ [السجدة: ١٦]. أي: داعين ربهم عابدين له لأجل خوفهم من سخطه
وطمعهم في رحمته. وقال ابن عباس: ﴿تتجافى جنوبهم﴾ [السجدة: ١٦]. لذكر الله كلما
استيقظوا ذكروا الله إما في الصلاة وإما في قيام أو قعود وعلى جنوبهم فهم لا يزالون
يذكرون الله، وعن مالك بن دينار: سألت أنساً عن قوله تعالى: ﴿تتجافى جنوبهم﴾
[السجدة: ١٦]. فقال أنس: كان أناس من أصحاب رسول الله عَ لّه يصلون من صلاة
المغرب إلى صلاة العشاء الآخرة، فأنزل الله تعالى ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع﴾
[السجدة: ١٦]. وعن أبي الدرداء والضحاك أنها صلاة العشاء والصبح في جماعة. قوله:
﴿ينفقون﴾ [السجدة: ١٦]. أي: يتصدقون، وقيل: يزكون.
تابَعَهُ عُقَيْلٌ
أي: تابع يونس عقيل، بضم العين: ابن خالد الأيلي، وفي رواية ابن شهاب: عن
الهيثم، ورواية عقيل هذه أخرجها الطبراني في (الكبير) من طريق سلامة بن روح عن عمه
عقيل بن خالد عن ابن شهاب، فذكر مثل رواية يونس.

٣١٣
١٩ - كتابُ التَّهَجُّدِ / باب (٢١)
وقال الزُّبَيْدِيُّ أخبرني الزُّهْرِيُّ عنْ سَعِيدٍ وَالأعْرَجِ
عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه .
الزبيدي، بضم الزاي وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وكسر الدال
المهملة: هو محمد بن الوليد الحمصي. والزهري: هو محمد بن مسلم. وسعيد هو ابن
المسيب. والأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز.
وأشار البخاري بهذا إلى أن في الإسناد المذكور اختلافاً عن الزهري فإن يونس وعقيلاً
اتفقا على أن شيخ الزهري فيه هو الهيثم بن أبي سنان وخالفهما الزبيدي حيث جعل شيخ
الزهري فيه سعيد بن المسيب وعبد الرحمن بن هرمز، فالطريقان صحيحان، لأن كلهم حفاظ
ثقات، ولكن الطريق الأول أرجح لمتابعة عقيل ليونس، بخلاف طريق الزبيدي.
قوله: ((وقال الزبيدي)) معلق، وصله البخاري في (التاريخ الصغير) والطبراني في
(الكبير) أيضاً من طريق عبد الله بن سالم الحمصي عنه، ولفظه ((أن أبا هريرة كان يقول في
قصصه: إن أخاكم كان يقول شعراً ليس بالرفث، وهو عبد الله بن رواحة .. )) فذكر الأبيات،
قال بعضهم: هو يبين أن قوله في الرواية الأولى من كلام أبي هريرة موقوفاً بخلاف ما جزم به
ابن بطال. قلت: يحتمل أن أبا هريرة لما كان في أثناء وعظه أجرى ذكر ما قاله عَ لّهِ في
مدح عبد الله بن رواحة، ولكنه طوى إسناده إلى النبي عَّه، وكثيراً ما كانت الصحابة
يفعلون هكذا، فمثل هذا، وإن كان موقوفاً في الصورة، ففي الحقيقة هو موصول.
١١٥٦/١٨٥ - حدّثنا أبو النُّعْمَانِ قال حدَّثنا حمادُ بنُ زَيْدٍ عنْ أَيُّوبَ عنْ نَافِعِ
عنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما قال رَأيْتُ عَلَى عَهْدِ النبيِّ عََّلَّلِ كَأنَّ بِيَدِي قِطْعَةٌ
إِسْتَبْرَقٍ فكأنّي لا أُرِيدِ مَكاناً مِنَ الجَنَّةِ إلاَّ طارَتْ إِلَيْهِ وَرَأيِتُ كأنَّ اثنَيْنِ أَتَيَانِي أَرَادَا أنْ يَذْهَبَا
بِي إِلَى النَّارِ فَتَلَقَّاهُمَا مَلَكٌ فقالَ لَمْ تُرَعْ خَلَِّا عَنْهُ. [أنظر الحديث ٤٤٠ وأطرافه].
١١٥٧ - فَقَصَّتْ حَفْصَةُ عَلَى النبيِّ عَلَّهِ إحدَى رُؤْيَايَ فَقالَ النّبِيُّ عَ لِّ نِعْمَ
الرَّجُلُ عَبْدُ اللهِ لَوْ كانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ. [أنظر الحديث ١١٢٢ وأطرافه].
١١٥٨ _ وكانُوا لاَ يَزَالُونَ يَقُصُّونَ عَلَى النَّبِيِّ عَلِ الرُّؤْيَا أَنَّهَا فِي اللَّيْلَةِ الشَّابِعَةِ مِنَ
العَشْرِ الأوَاخِرِ فَقالَ النبيُّ عَُّلِّ أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَتْ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ فَمَنْ كانَ
مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا مِنَ العَشْرِ الأَوَاخِرِ. [الحديث ١١٥٨ - طرفاه في: ٢٠١٥، ٦٩٩١].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((فكان عبد الله يصلي من الليل))، وكانت صلاته
غالباً بعد أن تعار من الليل، فهذا عين الترجمة.
ورجاله قد ذكروا غير مرة، وأبو النعمان محمد بن الفضل السدوسي وأيوب هو
السختياني.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في التعبير عن معلى بن أسد عن وهيب. وأخرجه

٣١٤
١٩ - كتابُ التَّهَجُّدِ / باب (٢٢)
مسلم في الفضائل عن خلف بن هشام وأبي الربيع الزهراني وأبي كامل الجحدري، ثلاثتهم
عن حماد، وأخرجه الترمذي في المناقب عن أحمد بن منيع عن إسماعيل بن علية. وأخرجه
النسائي فيه وفي الرؤيا عن محمد بن يحيى عن أحمد بن عبد الله وعن الحارث بن عمير،
أربعتهم عنه به.
قوله: ((استبرق))، بفتح الهمزة، وهو الديباج الغليظ فارسي معرب. قوله: ((طارت إليه))
وفي التعبير بلفظ: ((إلاَّ طارت بي إليه))، قوله: ((كأن اثنين))، بكسر الهمزة وسكون الثاء
المثلثة وفتح النون، ويروى: ((كأن آتيين)) على صيغة اسم الفاعل للتثنية من الإتيان. قوله:
((يذهبا بي)) من الإذهاب من باب الإفعال، ويروى من الذهاب متعد بحرف الجر، والفرق
بينهما أنه لا بد في الثاني من المصاحبة. قوله: ((لم ترع)) مجهول مضارع الروع، أي: لا
يكون بك خوف. قوله: ((رؤياي)) اسم جنس مضاف إلى ياء المتكلم، ويروى مثنى مضاف
إليه مدغم. قوله: ((فكان عبد الله يصلي من الليل)) كلام نافع. قوله: ((وكانوا))، أي:
الصحابة، رضي الله تعالى عنهم. قوله: ((إنها)) أي: ليلة القدر. قوله: ((قد تواطت)) هكذا في
جميع النسخ، وأصله مهموز أي: تواطأت، على وزن: تفاعلت، لكنه سهل، وفي أصل
الدمياطي: تواطأت، بالهمز ومعناه: توافقت. قوله: ((فليتحرها في العشر الأواخر))، هكذا
رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: ((من العشر الأواخر)).
٢٢ - بابُ المُدَاوَمَةِ في رَكْعَتَيْ الفَجْرِ
أي: هذا باب في بيان المداومة في ركعتي صلاة الفجر سفراً وحضراً.
١١٥٩/١٨٦ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يَزِيدَ قال حدَّثنا سَعِيدٌ بنُ أبِي أُوبَ قال
حدَّثني جَعْفَرُ ابنُ رَبِيعَةَ عِنْ عِرَاكِ بنِ مالِكِ عنْ أَبِي سَلَمَةَ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها
قالَتْ صَلَّى النبيُّ عَلِ العِشَاءُ ثُمَّ صَلَّى ثَمَانَ رَكَعَاتٍ وَرَكْعَتَيْنِ جالِساً وَرَكْعَتَيْنِ بَيْنَ النِّدَاءَيْنِ
ولَمْ يَكُنْ يَدَعُهُمَا أَبَداً. [أنظر الحديث ١١٩].
مطابقته في قوله: ((ولم يكن يدعهما أبداً). فافهم.
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: عبد الله بن يزيد، من الزيادة، أبو عبد الرحمن، مر في:
باب بين كل أذانين صلاة. الثاني: سعيد بن أبي أيوب، واسم أبي أيوب مقلاص، بكسر
الميم وسكون القاف وبالصاد المهملة: مات سنة تسع وأربعين ومائة. الثالث: جعفر بن ربيعة
ابن شرحبيل القرشي، مات سنة خمس أو ست وثلاثين ومائة. الرابع: عراك، بكسر العين
المهملة وتخفيف الراء وبالكاف: ابن مالك، مر في: باب الصلاة على الفراش. الخامس: أبو
سلمة بن عبد الرحمن. السادس: أم المؤمنين عائشة.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين وبصيغة الإفراد في
موضع. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: القول في ثلاثة مواضع. وفيه: أن شيخه من
ناحية البصرة سكن مكة وسعيد مصري وجعفر من أهل مصر وعراك وأبو سلمة مدنيان. قوله:

٣١٥
١٩ - كتابُ التَّهَجُّدِ / باب (٢٢)
((عن عراك بن مالك عن أبي سلمة)) خالفه الليث عن يزيد بن أبي حبيب فرواه عن جعفر
بن ربيعة عن أبي سلمة لم يذكر بينهما أحداً، أخرجه أحمد والنسائي، وكأن جعفراً أخذه
عن أبي سلمة بواسطة ثم حمله عنه وليزيد شيخ البخاري إسناد آخر فيه، رواه عن عراك بن
مالك عن عروة عن عائشة أخرجه مسلم، فكان لعراك فيه شيخان، والذي رواه مسلم من
طريق عراك، فقال: حدثني قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا ليث عن يزيد بن أبي حبيب عن
عراك ((عن عروة أن عائشة أخبرته أن رسول الله عَ طلم كان يصلي ثلاث عشرة ركعة بركعتي
الفجر)).
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه أبو داود في الصلاة عن نصر بن الجهضمي، وجعفر
بن مسافر التنيسي كلاهما عن أبي عبد الرحمن المقري به. وأخرجه النسائي فيه عن محمد
ابن عبد الله بن يزيد المقري عن أبيه به.
ذكر معناه: قوله: ((ثم صلى))، هذه رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: ((وصلى))،
بواو العطف. قوله: ((ثمان ركعات))، بفتح النون وهو شاذ وفي أكثر النسخ: ((ثماني ركعات))
على الأصل. قوله: ((جالساً))، نصب على الحال. قوله: ((بين النداءين)) أي: الأذان للصبح
والإقامة، وفي رواية الليث: ((ثم يمهل حتى يؤذن بالأولى من الصبح فيركع ركعتين))،
ولمسلم من رواية يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة ((يصلي ركعتين خفيفتين بين النداء
والإقامة من صلاة الصبح)). قوله: ((ولم يكن يدعهما))، أي: لم يكن النبي عَ ◌ّه يترك ركعتي
الصبح اللتين بين النداءين، قوله: ((أبداً)) أي: دائماً. قيل: انتصابه على الظرفية بمعنى: دهراً،
وقيل: هو موضوع على النصب كما في طراً وقاطبة.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: تأكيد ركعتي الفجر وأنهما من أشرف التطوع لمواظبته،
عَّ له عليهما وملازمته لهما، وعند المالكية خلاف: هل هي سنة أو من الرغائب؟ فالصحيح
عندهم أنها سنة، وهو قول جماعة من العلماء، وذهب الحسن البصري إلى وجوبها وهو شاذ
لا أصل له، نقله صاحب (التوضيح) فإن قلت: الذي ذكرته يدل على الوجوب كما قاله
الحسن، ولهذا ذكر المرغيناني عن أبي حنيفة أنها واجبة. وفي (جامع المحبوبي): روى
الحسن عن أبي حنيفة أنه قال: لو صلى سنة الفجر قاعداً بلا عذر لا يجوز؟ قلت: إنما لم
يقل بوجوبها لأنه، عَّه، ساقها مع سائر السنن في حديث المثابرة، هكذا قال أصحابنا:
وليس فيه ما يشفي العليل، وقد روى أحاديث كثيرة في ركعتي الفجر منها: ما رواه أبو داود
من حديث أبي هريرة عن النبي عَّ له قال: ((لا تدعوا ركعتي الفحر ولو طردتكم الخيل))
أي: الفرسان، وهذا كناية عن المبالغة وحث عظيم على مواظبتهما، وبه استدل أصحابنا أن
الرجل إذا انتهى إلى الإمام في صلاة الفجر وهو لم يصل ركعتي الفجر إن خشي أن تفوته
ركعة ويدرك الأخرى يصلي ركعتي الفجر عند باب المسجد ثم يدخل، ولا يتركهما، وأما
إذا خشي فوت الفرض فحينئذ يدخل مع الإمام ولا يصلي. ثم اختلف العلماء في الوقت
الذي يقضيهما فيه، فأظهر أقوال الشافعي: يقضي مؤبداً ولو بعد الصبح، وهو قول عطاء

٣١٦
١٩ - كتابُ التُّهَجُدِ / باب (٢٣)
وطاوس، ورواية عن ابن عمر وأبى ذلك مالك ونقله عن ابن بطال عن أكثر العلماء، وقالت
طائفة: يقضيهما بعد طلوع الشمس، روي ذلك عن ابن عمر والقاسم بن محمد وهو قول
الأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور، ورواية البويطي عن الشافعي، وقال مالك ومحمد بن
الحسن: يقضيهما بعد الطلوع إن أحب.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا يقضيهما. ومنها: ما رواه مسلم من حديث سعيد بن
هشام ((عن عائشة عن النبي عَ ◌ّم قال: ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها))، ورواه الترمذي
نحوه، وقال: حديث حسن صحيح، وروى مسلم أيضاً من حديث سعيد بن هشام ((عن
عائشة عن النبي عَّ أنه قال في شأن الركعتين عند طلوع الفجر: لهما أحب من الدنيا
جميعاً)). ومنها: ما رواه أبو داود من حديث أبي زياد الكندي ((عن بلال، رضي الله تعالى
عنه، أنه حدثه أنه أتى النبي عَّم ليؤذنه بصلاة الغداة ... )) الحديث، وفيه: ((أن بلالاً قال له:
أصبحت جداً، قال: أصبحت جداً؟ قال: لو أصبحت أكثر مما أصبحت لركعتهما وأحسنتهما
وأجملتهما)) ومنها: ما رواه الترمذي من حديث يسار مولى ابن عمر عن ابن عمر: أن رسول
الله عَ لِّ قال: ((لا صلاة بعد الفجر إلاَّ سجدتين))، وقال الترمذي: معنى هذا الحديث لا صلاة
بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر. ومنها: ما رواه الطبراني، رحمه الله تعالى، من رواية مطرٍ
الوراق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي عَّم قال: ((لا صلاة إذا طلع الفجر إلاّ
ركعتين)). ومنها: ما رواه مسلم والنسائي من رواية زيد بن محمد عن نافع عن ابن عمر ((عن
حفصة، قالت: كان رسول الله، عَّ له، إذا طلع الفجر لا يصلي إلاَّ ركعتين خفيفتين)). ومنها:
ما رواه ابن عدي في (الكامل) من رواية رشيد بن كريب عن أبيه عن جده ((عن ابن عباس
عن النبي عَ لَه في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم﴾ [الطور: ٤٩].
قال: ركعتين قبل الفجر)). ومنها: ما رواه من حديث قيس بن فهد ((رآه النبي عَ لّه يصلي بعد
صلاة الفجر ركعتين، فقال: يا رسول الله إني لم أكن صليت الركعتين اللتين قبلهما
فصليتهما الآن، فسكت رسول الله عَُّلِّ)) قال الترمذي هذا الحديث ليس بمتصل، وأخرجه
ابن أبي خزيمة في (صحيحه) ولفظه: ((ما هاتان الركعتان؟ قال: يا رسول الله ركعتا الفجر لم
أكن أصليهما فهما هاتان. قال: فسكت عنه)). ومنها: حديث عائشة، وسيأتي إن شاء الله
تعالی.
٢٣ - بابُ الصَّجْعَةِ عَلَى الشِّقِّ الأَيْمَنِ بَعْدَ رَكْعَتَيِّ الفَجْرِ
أي: هذا باب في بيان الضجعة إلى آخره، والضجعة بفتح الضاد المعجمة وكسرها،
والفرق بينهما أن الكسر يدل على الهيئة والفتح على المرة، من: ضجع يضجع ضجعاً
وضجوعاً، إذا وضع جنبه بالأرض.
١١٦٠/١٨٧ - حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يَزِيدَ قال حدَّثنا سَعِيدُ بنُ أبِي أَيُّوبَ قالَ
حدَّثني أبُو الأسْوَدِ عنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ كانَ النبيُّ

٣١٧
١٩ - كتابُ التَّهَجُدِ / باب (٢٣)
عَّهِ إِذَا صِلَّى رَكْعَتَيِ الفَجْرِ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأُيَمَنِ. [أنظر الحديث ٦٢٦ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وشيخه وشيخ شيخه قد ذكروا في الباب السابق، وأبو
الأسود، ضد الأبيض: اسمه محمد بن عبد الرحمن المشهور بيتيم عروة مر في: باب الجنب
يتوضأ، وعروة بن الزبير بن العوام.
الأول: أن هذا الحديث يدل على أن
الكلام في هذا الباب على أنواع:
الاضطجاع بعد ركعتي الفجر، وفي رواية مسلم عنها: ((كان النبي عَّه إذا صلى ركعتي
الفجر، فإن كنت مستيقظة حدثني وإلاّ اضطجع)). فهذا يدل على أنه تارة يضطجع قبل،
وتارة بعد، وتارة لا يضطجع. وحديث ابن عباس الذي مضى في: باب ما جاء في الوتر، يدل
على أنه قبلهما، لأنه قال فيه: ((ثم صلى ركعتين))، فذكره مكرراً ثم قال: ((ثم أوتر ثم
اضطجع حتى جاءه المؤذن فقام فصلى ركعتين ثم خرج فصلى الصبح)) وهذا يصرح بأن
اضطجاعه كان قبل ركعتي الفجر، وروي عن ابن عباس أيضاً أنه: كان إذا صلى ركعتي
الفجر اضطجع، والتوفيق بين هذه الروايات أن الرواية التي تدل على أنه قبل ركعتي الفجر لا
تستلزم نفيه بعدهما، وكذلك الرواية التي تدل على أنه بعدهما لا تستلزم نفيه قبلهما، أو
يحمل تركه إياه قبلهما أو بعدهما على بيان الجواز إذا ثبت الترك، وإذا أمكن الجمع بين
الأحاديث المخالف بعضها بعضاً في الظاهر تحمل على وجه التوفيق بينهما، لأن العمل
بالكل مع الإمكان أولى من إهمال بعضها.
النوع الثاني: في أن هذه الضجعة سنة أو مستحبة أو واجبة أو غير ذلك؟ ففيه
اختلاف العلماء من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم على ستة أقوال. أحدها: أنه سنة، وإليه
ذهب الشافعي وأصحابه، وقال النووي في (شرح مسلم): والصحيح أو الصواب أن
الاضطجاع بعد سنة الفجر سنة. وقال البيهقي في (السنن): وقد أشار الشافعي إلى أن
الاضطجاع المنقول في الأحاديث للفصل بين النافلة والفريضة، وسواء كان ذلك الفصل
بالاضطجاع أو التحدث أو التحول من ذلك المكان إلى غيره أو غيره، والاضطجاع غير
متعين في ذلك. وقال النووي في (شرح المهذب): المختار الاضطجاع.
القول الثاني: أنه مستحب، وروى ذلك عن جماعة من الصحابة، وهم: أبو موسى
الأشعري ورافع بن خديج وأنس بن مالك وأبو هريرة، وإليه ذهب جماعة من التابعين، وهم:
محمد بن سيرين وعروة وسعيد بن المسيب والقاسم بن محمد وعروة بن الزبير وأبو بكر بن
عبد الرحمن وخارجة بن زيد بن ثابت وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وسليمان بن يسار،
وكانوا يضطجعون على أيمانهم بين ركعتي الفجر وصلاة الصبح.
القول الثالث: أنه واجب، مفترض لا بد من الإتيان به، وهو قول أبي محمد بن حزم،
فقال: ومن ركع ركعتي الفجر لم تجزه صلاة الصبح إلاَّ بأن يضطجع على جنبه الأيمن بين
سلامه من ركعتي الفجر وبين تكبيره لصلاة الصبح، وسواء ترك الضجعة عمداً أو نسياناً،

٣١٨
١٩ - كتابُ التَّهَجُّدِ / باب (٢٣)
وسواء صلاها في وقتها أو صلاها قاضياً لها من نسيان أو نوم، وإن لم يصل ركعتي الفجر لم
يلزمه أن يضطجع، واستدل فيه بما رواه أبو داود: حدثنا مسدد وأبو كامل وعبيد الله بن عمرو
ابن ميسرة، قالوا: حدثنا عبد الواحد حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، قال: قال
رسول الله عَ ليه: ((إذا صلى أحدكم الركعتين قبل الصبح فليضطجع عى يمينه)). ورواه الترمذي
أيضاً وقال: حديث حسن صحيح غريب، وروى ابن ماجه من حديث سهيل بن أبي صالح
عن أبيه ((عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله عَّهه إذا صلى ركعتي الفجر
اضطجع))، فما رواه أبو داود يخبر عن أمره، وما رواه ابن ماجه يخبر عن فعله، وأجابوا عن
هذا بأجوبة.
الأول: أن عبد الواحد الراوي عن الأعمش قد تكلم فيه، فعن يحيى: أنه ليس بشيء،
وعن عمرو بن علي الفلاس: سمعت أبا داود قال: عمد عبد الواحد إلى أحاديث كان يرسلها
الأعمش فوصلها، يقول: حدثنا الأعمش حدثنا مجاهد في كذا وكذا. الثاني: أن الأعمش
قد عنعن وهو مدلس. الثالث: أنه لما بلغ ذلك ابن عمر قال: أكثر أبو هريرة على نفسه حتى
حدث بهذا الحديث. الرابع: أن الأئمة حملوا الأمر الوارد فيه على الاستحباب، وقيل في
رواية الترمذي عن أبي صالح عن أبي هريرة: إنه معلول لم يسمعه أبو صالح عن أبي هريرة،
وبين الأعمش وبين أبي صالح كلام، ونسب هذا القول إلى ابن العربي، وقال الأثرم: سمعت
أحمد يسأل عن الاضطجاع؟ قال: ما أفعله أنا. قلت: فإن فعله رجل ثم سكت كأنه لم يعبه
إن فعله، قيل له: لِمَ لا تأخذ به؟ قال: ليس فيه حديث يثبت. قلت: له حديث الأعمش عن
أبي صالح عن أبي هريرة، قال: رواه بعضهم مرسلاً. فإن قلت: عبد الواحد بن زياد احتج به
الأئمة الستة ووثقه أحمد وأبو زرعة وأبو حاتم محمد بن سعد والنسائي وابن حبان؟ قلت:
سلمنا ذلك، ولكن الأجوبة الباقية تكفي لدفع الوجوب بحديث أبي هريرة. القول الرابع: أنه
بدعة، وممن قال به من الصحابة: عبد الله بن مسعود وابن عمر على اختلاف عنه، فروى ابن
أبي شيبة في (مصنفه) من رواية إبراهيم قال: قال عبد الله: ما بال الرجل إذا صلى الركعتين
يتمعك كما تتمعك الدابة والحمار، إذا سلم فقد فصل، وروى أيضاً ابن أبي شيبة من رواية
مجاهد، قال: صحبت ابن عمر في السفر والحضر فما رأيته اضطجع بعد الركعتين: ومن
رواية سعيد بن المسيب قال: رأى ابن عمر رجلاً يضطجع بين الركعتين، فقال: أحصبوه،
ومن رواية أبي مجلز، قال: سألت ابن عمر عن ضجعة الرجل على يمينه بعد الركعتين قبل
صلاة الفجر؟ قال: يتلعب بكم الشيطان، ومن رواية زيد العمي عن أبي الصديق الناجي، قال:
رأى ابن عمر قوماً اضطجعوا بعد ركعتي الفجر، فأرسل إليهم فنهاهم، فقالوا: نريد بذلك
السنة، فقال ابن عمر: إرجع إليهم فأخبرهم أنها بدعة. وممن كره ذلك من التابعين: الأسود
ابن زيد وإبراهيم النخعي: وقال: هي ضجعة الشيطان، وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير،
ومن الأئمة: مالك بن أنس وحكاه القاضي عياض عنه وعن جمهور العلماء. القول الخامس:
إنه خلاف الأولى، روى ابن أبي شيبة في (مصنفه): عن الحسن أنه كان لا يعجبه

٣١٩
١٩ - كتابُ التَّهَجُدِ / باب (٢٤)
الاضطجاع بعد ركعتي الفجر. القول السادس: أنه ليس مقصوداً لذاته، وإنما المقصود الفصل
بين ركعتي الفجر وبين الفريضة إما باضطجاع أو حديث أو غير ذلك، وهو محكي عن
الشافعي کما ذكرنا.
النوع الثالث: أنه على قول من يراه مستحباً أو سنة أن يكون على يمينه لورود
الحديث به، كذلك، وهل تحصل سنة الاضطجاع بكونه على شقه الأيسر، أما مع القدرة
على ذلك فالظاهر أنه لا تحصل به السنة لعدم موافقته للأمر، وأما إذا كان به ضرر في الشق
الأيمن لا يمكن معه الاضطجاع أو يمكن لكن مع مشقة، فهل يضطجع على اليسار أو يشير
إلى الاضطجاع على الجانب الأيمن لعجزه عن كماله كما يفعل من عجز عن الركوع
والسجود في الصلاة؟ قال شيخنا زين الدين: لم أر لأصحابنا فيه نصاً وجزم ابن حزم بأنه
يشير إلى الاضطجاع على الجانب الأيمن ولا يضطجع على الأيسر.
النوع الرابع: في الحكمة على الجانب الأيمن، وهي أن القلب في جهة اليسار، فإذا
نام على اليسار استغرق في النوم لاستراحته بذلك، وإذا نام على جهة اليمين تعلق في نومه
فلا يستغرق.
٢٤ - بابُ مَنْ تَحَدَّثَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ ولَمْ يَضْطَجِغْ
أي: هذا باب في بيان من تحدث بعد ركعتي الفجر، والحال أنه لم يضطجع، وأشار
البخاري بهذا إلى أن الاضطجاح لم يكن إلاَّ للفصل بين ركعتي الفجر وبين الفريضة، وأن
الفصل أعم من أن يكون بالاضطجاع أو بالحديث أو بالتحول من مكانه.
١١٦١/١٨٨ - حدّثنا بِشْرُ بنُ الحَكَم قال حدَّثَنَا سُفْيَانُ قال حذَّثني سالِمٌ أَبُو
النَّضْرِ عنْ أَبِي سَلَمَةَ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالَى عنها أنَّ النبيَّ عَِّ كانَ إِذَا صلَّى فإنْ
كُنْتُ مُسْتَئِقِظَةً حدَّثَنِي وَإِلاَّ اضْطَجَعَ حَتَّى يُؤْذَنَ بِالصَّلاَةِ. [أنظر الحديث ١١١٨ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إنه عَّه كان إذا صلى ركعتي الفحر، وكانت عائشة
مستيقظة كان يتحدث معها، ولا يضطجع، فدل ذلك أن الاضطجاع لا يتعين للفصل كما
ذ کرنا.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: بشر، بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة:
ابن الحكم، بالحاء المهملة والكاف المفتوحتين: العبدي، بسكون الباء الموحدة:
النيسابوري، مات سنة ثمان وثلاثين ومائتين. الثاني: سفيان بن عيينة. الثالث: أبو النضر،
بفتح النون وسكون الضاد المعجمة: واسمه سالم بن أبي أمية، مولى عمر بن عبيد الله بن
معمر القرشي التيمي. الرابع: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف. الخامس: عائشة، رضي
الله تعالى عنها.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وبصيغة الإفراد في
موضع. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في موضعين. وفيه: أن شيخه نيسابوري كما

٣٢٠
١٩ - كتابُ التَّهَجُدِ / باب (٢٤)
ذكرنا، وسفيان مكي وسالم وأبو سلمة مدنيان.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً عن علي بن عبد الله.
وأخرجه مسلم فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة وابن عمر ونضر بن علي سفيان. وأخرجه
الترمذي فيه عن يوسف بن عيسى عن عبد الله بن إدريس، كلاهما عن مالك عن أبي النضر
نحوه، ولفظه: ((قالت كان النبي عَّلّ إذا صلى ركعتي الفجر فإن كانت له إلي حاجة
كلمني وإلاَّ خرج إلى الصلاة)). وأخرجه أبو داود عن يحيى بن حكيم عن بشر بن عمر عن
مالك بن أنس بلفظ: ((كان رسول الله عَّ إذا قضى صلاته من آخر الليل، فإن كنت
مستيقظة حدثني، وإن كنت نائمة أيقظني وصلى الركعتين ثم اضطجع حتى يأتيه المؤذن
فيؤذنه بصلاة الصبح فيصلي ركعتين خفيفتين ثم يخرج إلى الصلاة)).
ذكر معناه: قوله: ((إذا صلى))، أي: ركعتي الفجر. قوله: ((وإلا)) أي: وإن لم أكن
مستيقظة اضطجع. قوله: ((حتى نودي)) من النداء على صيغة المجهول، هذا في رواية
الكشميهني، وفي رواية غيره: ((حتى يؤذن))، بضم الياء آخر الحروف وتشديد الذال المعجمة
المفتوحة على صيغة المجهول.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: الحجة لمن نفى وجوب الاضطجاع، ومنه استدل بعضهم
على عدم استحبابه، ورد بأنه لا يلزم من تركه عّ لّه حين كون عائشة مستيقظة عدم
الاستحباب، وإنما تركه في ذلك يدل على عدم الوجوب. فإن قلت: في رواية أبي داود من
طريق مالك أن كلامه معَّلِّ لعائشة كان بعد فراغه من صلاة الليل، وقبل أن يصلي ركعتي
الفجر؟ قلت: لا مانع من أن يكلمها قبل ركعتي الفجر وبعدهما، وأن بعض الرواة عن مالك
اقتصر على هذا، واقتصر بعضهم على الآخر، وفيه أنه: لا بأس بالكلام بعد ركعتي الفجر مع
أهله وغيرهم من الكلام المباح، وهو قول الجمهور، وهو قول مالك والشافعي. وقد روى
الدارقطني في (غرائب مالك) بإسناده إلى الوليد بن مسلم ((قال: كنت مع مالك بن أنس
نتحدث بعد طلوع الفجر وبعد ركعتي الفجر، ويفتي به أنه لا بأس بذلك، وقال أبو بكر بن
العربي: وليس في السكوت في ذلك الوقت فضل مأثور، إنما ذلك بعد صلاة الصبح إلى
طلوع الشمس)). وفي (التوضيح) اختلف السلف في الكلام بعد ركعتي الفجر فقال نافع:
كان ابن عمر ربما يتكلم بعدهما، وعن الحسن وابن سيرين مثله، وكره الكوفيون الكلام قبل
صلاة الفجر إلاَّ بخير، وكان مالك يتكلم في العلم بعد ركعتي الفجر، فإذا سلم من الصبح
لم يتكلم مع أحد حتى تطلع الشمس. وقال مجاهد: رأى ابن مسعود رجلاً يكلم آخر بعد
ركعتي الفجر، فقال: إما أن تذكر الله وإما أن تسكت، وعن سعيد بن جبير مثله، وقال
إبراهيم: كانوا يكرهون الكلام بعدها، وهو قول عطاء، وسئل جابر بن زيد: هل يفرق بين
صلاة الفجر وبين الركعتين قبلها بكلام؟ قال: لا إلاّ أن يتكلم بحاجة إن شاء، ذكر هذه الآثار
ابن أبي شيبة.
والقول الأول أولى بشهادة السنة الثابتة له، ولا قول لأحد مع السنة، وذكر بعض