Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (١٣)
دينه؟ ويرد على ابن قدامة أيضاً بما ذكرنا، وقياسه على الجمع بين العصر والمغرب، وبين
العشاء والصبح باطل لا وجه له أصلاً لعدم وجود الملازمة، وليس فيما قلنا ترك صون كلام
الرسول، بل فيما قلنا صون كلامه عَّلَّهِ لأجل ما رواه ابن مسعود، رضي الله تعالى عنه،
وللتوفيق بين الأحاديث التي ظاهرها يتعارض، فافهم.
١١٠٧ - وقالَ إبْرَاهِيمُ بنُ طهْمَانَ عنِ الحُسَيْنِ المُعَلِّمِ عنْ يَخْبِى بنِ أبِي كَثِيرٍ عنْ
◌ِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قال كانَ رسولُ الله عَ ◌ّهِ يَجْمَعُ بَيْنَ صَلاَةِ
الظهْرِ والعَصْرِ إذَا كانَ عَلَى ظَهْرِ سَيْرٍ ويَجْمَعُ بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشَاءِ.
هذا التعليق وصله البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأخبرنا أبو علي الحافظ أحمد
ابن محمد بن عبدوس حدثنا أحمد بن حفص بن راشد حدثني أبي حدثنا إبراهيم بن طهمان
عن حسين المعلم، فذكره قوله: ((المعلم))، صفة للحسين بن ذكوان العودي من أهل
البصرة، مر في آخر كتاب الغسل، والمعلم بلفظ اسم الفاعل من التعليم. قوله: ((على ظهر
سير)) بإضافة: ظهر، إلى: سير، في رواية الأكثرين، ولفظ: ((ظهر)) مقحم كما في قوله:
((الصدقة عن ظهر غنىٌ))، والظهر قد يزاد في مثله إشباعاً للكلام وتوكيداً كأن سيره معد له.
مستند إلى ظهر قوي من الراحلة ونحوها، وقيل: جعل للسير ظهر لأن الراكب ما دام سائراً
فكأنه راكب ظهر، وفي رواية الكشميهني: ((على ظهر يسيرُ))، فظهر بالتنوين، ويسير بلفظ
المضارع، من: سار يسير سيراً، والمراد من الظهر المركوب، وعلى هذا الوجه أن يكون
محل: يسير، نصباً على الحال.
١١٠٨ - وعَنْ حُسَيْنٍ عَنْ يَخبى بنِ أبِي كَثِيرٍ عنْ حَفْصٍ بنِ عُبَيْدِ اللهِ بنِ أنَسٍ عنْ
أنسٍ بنِ مالِكِ رضي الله عَّه تعالى عنه قال كانَ النبيُّ عَّهِ يَجْمَعُ بَيْنَ صَلاَةِ المَغْرِبِ
والعِشَاءِ فِي السَّفَرِ. [الحديث ١١٠٨ - طرفه في: ١١١٠].
يجوز أن يكون هذا عطفاً على ما قبله، والتقدير: وقال إبراهيم بن طهمان عن حسين
عن يحيى، ويجوز أن يكون تعليقاً عن حسين لا بكونه من رواية إبراهيم بن طهمان عنه،
ووصله الإسماعيلي في كتابه (مجموع حديث يحيى بن أبي كثير): أخبرنا أبو يعلى
الموصلي حدثنا أبو معمر إسماعيل بن إبراهيم الهذلي حدثنا عبد الله بن معاذ عن معمر عن
يحيى بن أبي كثير عن حفص بن عبد الله ((عن أنس: كان رسول الله، عَ ◌ّ، يجمع بين
الظهر والعصر والمغرب والعشاء في السفر)).
وتابَعَهُ عَلِيُّ بنُ المُبَارِكِ وَحَرْبٌ عَنْ يَحْتَى عنْ حَفصٍ عنْ أَنَسٍ جَمَعَ النبيُّ عَلَّهِ
أي: تابع حسيناً علي بن المبارك الهنائي البصري، وتابعه أيضاً حرب بن شداد
اليشكري القطان البصري، ويحيى هو ابن أبي كثير، أما متابعة علي بن المبارك فأخرجها
الإسماعيلي أخبرني الحسن بن سفيان حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عثمان بن عمر حدثنا
علي يعني ابن المبارك عن يحيى عن حفص ((عن أنس أن النبي عَّ كان يجمع بين المغرب

٢٢٢
:
١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (١٤)
والعشاء في سفره)). وقال أبو نعيم في (المستخرج): حدثنا أبو أحمد حدثنا الحسن بن
سفيان فذكره. وأما متابعة حرب بن شداد فأخرجها البخاري في آخر الباب الذي بعده، وقد
تابعهم معمر عن أحمد وأبان بن يزيد عند الطحاوي، كلاهما عن يحيى ابن أبي كثير عنه.
١٤ - بابُ هَلْ يُؤَذِّنُ أَوْ يُقِيمُ إذَا جَمَعَ بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ
أي: هذا باب يذكر فيه: هل يؤذن المصلي المسافر إذا جمع بين صلاتي المغرب
والعشاء؟ فإن قلت: ما في حديث ابن عمر ذكر الأذان ولا في حديث أنس ذكر الأذان ولا
ذكر الإقامة، فكيف وجه هذه الترجمة؟ قلت: قال الكرماني ما حاصله: إن من إطلاق لفظ
الصلاتين يستفاد أن المراد هما الصلاتان بأركانهما وشروطهما وسننهما من الأذان والإقامة
وغيرهما، لأن المطلق ينصرف إلى الكامل وقال ابن بطال: قوله: يقيم، يعني في حديث ابن
عمر، يحتمل أن يكون معناه: بما تقام به الصلوات في أوقاتها من الأذان والإقامة، ويحتمل أن
يريد الإقامة وحدها، ويقال: لم يرد بقوله: يقيم نفس الأداء، وإنما أراد يقيم للمغرب يعني
يأتي بالإقامة لها، فعلى هذا كان مراده بالترجمة: هل يؤذن أو يقتصر على الإقامة؟ وقال
بعضهم: ولعل المصنف أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرق حديث ابن عمر، ففي
الدارقطني من طريق عمر بن محمد بن زيد عن نافع ((عن ابن عمر في قصة جمعه بين
المغرب والعشاء، فنزل فأقام الصلاة، وكان لا ينادي بشيء من الصلاة في السفر، فقام
فجمع بين المغرب والعشاء))، ثم رفع الحديث قلت: هذا كلام بعيد، لأنه كيف يضع ترجمته
وحديث بابها لا يدل عليه صريحاً ويشير بذلك إلى حديث ليس في كتابه.
١١٠٩/١٣٩ - حدثنا أبو اليَمَانِ قال أخبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال أخبرني سالِمٌ
عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما قالَ رأيْتُ رسولَ الله عَ لَّهِ إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ فِي
الشَّفَرِ يُؤَخِّرُ صَلاَةَ المَغْرِبِ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ العِشَاءِ قال سالِمٌ وكانَ عَبْدُ اللهِ يَفْعَلُهُ إِذَا
أعْجَلَهُ الشَّيْرُ ويُقِيمُ المَغْرِبَ فِيُصَلِِّهَا ثَلاثَاً ثُمَّ يُسَلِّمُ ثُمَّ قَلَّمَا يَلْبَثُ حَتَّى يُقِيمَ العِشَاءَ
فَيُصَلِّيهَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يُسَلِّمُ ولاَ يُسَبِّحُ بَيْنَهُمَا بِرَكْعَةٍ وَلاَ بَعْدَ العِشَاءِ بِسَجْدَةٍ حتَّى يَقُومَ مِنْ
جَوْفِ اللَّيْلِ. [أنظر الحديث ١٠٩١ وأطرافه].
مطابقته للترجمة تستأنس مما ذكرناه آنفاً، وهذا الإسناد بعينه مع صدر الحديث قد
ذكره في أول: باب يصلي المغرب ثلاثاً في السفر فإنه قال هناك: حدثنا أبو اليمان وهو
الحكم بن نافع عن شعيب بن حمزة عن الزهري وهو محمد بن مسلم، قال: أخبرني سالم ..
إلى قوله: وزاد الليث نحوه. قوله: ((يؤخر صلاة المغرب))، لم يبين إلى متى يؤخر، وقد بينه
مسلم من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر بأنه بعد أن يغيب الشفق، وقد ذكرنا
اختلاف الألفاظ فيه، وبينا أن الشفق على نوعين وما يترتب عليهما. قوله: ((ثم قلما يلبث))
كلمة: ما، للمدة أي: ثم قل مدة لبثه، وذلك اللبث لقضاء بعض حوائجه مما هو ضروري.
قوله: ((ولا يسبح بينهما)) أي: ولا يتنفل بين المغرب والعشاء بركعة، وأراد بها الركعتين من

٢٢٣
١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (١٤)
باب إطلاق الجزء على الكل. قوله: ((ولا بعد العشاء)) أي: ولا يسبح أيضاً بعد صلاة العشاء
بسجدة أي: بركعتين من باب إطلاق الجزء على الكل. كما في قوله: ((بركعة)). قوله:
((حتى يقوم)) أي: إلى أن يقوم ((من جوف الليل))، ففيه كان يسبح أي: يتنفل، والحاصل أن
ابن عمر ما كان يتطوع في السفر لا قبل الصلاة ولا بعدها، وكان يصلي في جوف الليل،
كما رواه ابن أبي شيبة في (مصنفه): عن هشيم عن عبيد الله بن عمر عن نافع ((عن ابن
عمر: أنه كان لا يتطوع في السفر قبل الصلاة ولا بعدها وكان يصلي من الليل)). وقال
الترمذي: وروي عن ابن عمر: أن النبي عَِّ كان لا يتطوع في السفر قبل الصلاة ولا
بعدها))، وروي عنه عن النبي عَّله: أنه كان يتطوع في السفر ثم اختلف أهل العلم بعد النبي
عَّلِ، فرأى بعض أصحاب النبي عَّ له أن يتطوع الرجل في السفر، وبه يقول أحمد وإسحاق،
ولم تر طائفة من أهل العلم أن يصلي قبلها ولا بعدها، ومعنى: من لم يتطوع قبول الرخصة،
ومن تطوع فله في ذلك فضل كثير، وهو قول أكثر أهل العلم يختارون التطوع في السفر.
١١١٠/١٤٠ - حدَّثنا إسْحَاقُ قال حدَّثنا عَبْدُ الصَّمَدِ قال حدَّثنا حَرْبٌ قال حدَّثنا
يَحْبِى قال حدَّثني حَفْصُ بنُ عُبَيْدِ اللهِ بنِ أنَسٍ أَنَّ أنَساً رضي الله تعالى عنه حدَّثَهُ أنَّ رسولَ
اللهِ عَّهِ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ هاتَيْنِ الصلاَكَيْنِ فِي السَّفَرِ يَعْنِي المَغْرِبَ وَالعِشَاءَ. [انظر الحديث
١١٠٨].
مطابقته للترجمة من حيث إنه مفسر بحديث ابن عمر السابق، لأن في حديث أنس
إجمالاً كما تراه، والمفسر، بالفتح تابع للمفسر بالكسر، وقد ذكرنا وجه التطابق في حديث
ابن عمر، فحصل في حديث أنس أيضاً من حيث التبعية لا غير، وهذا القدر كاف في ذلك.
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: إسحاق ذكره غير منسوب، ويحتمل أن يكون إسحاق
بن منصور الكوسج لأنه قال في: باب مقدم النبي عَِّ المدينة، وفي كتاب الديات: حدثنا
إسحاق بن منصور، قال: حدثنا عبد الصمد، ويحتمل أن يكون إسحاق بن راهويه، لأن كلاً
من الإسحاقين يرويان عن عبد الصمد، والبخاري يروي عن كل منهما: وقيل: جزم أبو نعيم
في (المستخرج) أنه إسحاق بن راهويه. الثاني: عبد الصمد بن عبد الوارث التنوري، وقد
مر. الثالث: حرب - ضد الصلح - ابن شداد أبو الخطاب اليشكري، وقد مر عن قريب.
الرابع: يحيى بن أبي كثير، وقد مر غير مرة. الخامس: حفص بن عبيد الله ابن أنس.
السادس: أنس بن مالك، رضي الله تعالى عنه.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع وبصيغة الإفراد
في موضع واحد. وفيه: الإخبار بصيغة الجمع في موضع. وفيه: القول في أربعة مواضع.
وفيه: اثنان بصريان وهما: عبد الصمد وحرب، ويحيى يمامي، وحفص بصري وإسحاق
مروزي، سواء كان ابن راهويه أو ابن منصور الكوسج. وفيه: ثلاثة مذكورون بغير نسبة.
والحديث قد مر في الباب الذي قبله: عن حسين عن يحيى بن أبي كثير عن حفص

٢٢٤
١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (١٥)
ابن عبيد الله .. إلى آخره، والله تعالى أعلم.
١٥ - بابٌ يُؤْخِّرُ الظُّهْرَ إلَى العَصْرِ إِذَا ازْتَحَلَ قَبْلَ أنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ
أي: هذا باب يذكر فيه أن المسافر إذا أراد الجمع بين الظهر والعصر يؤخر الظهر إذا
ارتحل قبل أن تزيع الشمس، أي: قبل أن تميل، وذلك إذا قام الفيء يقال: زاغ عن الطريق
يزيغ إذا عدل عنه.
فِيهِ ابْن عَبَّاسٍ عنِ النَّبِيِّ عَلّم.
أي: في تأخير الظهر إلى العصر إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس، روى ابن عباس عن
النبي عَِّ، رواه أحمد: حدثنا عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج أخبرني حسين بن عبد الله بن
عبيد الله بن عباس عن عكرمة وكريب ((عن ابن عباس، قال: ألا أخبركم عن صلاة رسول الله
عَّ في السفر، قلنا: بلى، قال: كان إذا زاغت الشمس في منزله جمع بين الظهر والعصر
قبل أن يركب، وإذا لم تزغ له في منزله سار حتى إذا كانت العصر نزل فجمع بين الظهر
والعصر)). وأخرجه الترمذي أيضاً من رواية أحمد بن عبد الله بن داود التاجر المروزي عنه من
رواية حسين بن عبد الله نحوه، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث ابن
عباس، ذكره في (الأطراف) ولم يذكر ابن عساكر، وقد ذكرنا ما قاله أئمة الشأن في حسين
هذا قبل هذا الباب.
١١١١/١٤١ - حدّثنا حَسَّانُ الوَاسِطِيُّ قال حدَّثنا المُفَضَّلُ بنُ فَضَالَةً عَنْ عُقَيْل
عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ أَنَسٍ بنِ مالِكِ رضي الله تعالى عنهُ قال كانَ النبيُّ عَ لّهِ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ
أنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظَّهْرَ إِلَى وَقْتِ العَصْرِ ثُمَّ يجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَإِذَا زَاغَتْ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ
رَكِبَ [الحديث ١١١١ - طرفه في: ١١١٢ ].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: حسان، على وزن فعال بالتشديد: ابن عبد الله بن
سهل الكندي المصري، كان أبوه واسطياً فقدم مصر فولد بها حسان المذكور واستمر بها
إلى أن مات سنة ثنتين وعشرين ومائتين. الثاني: المفضل، بلفظ اسم المفعول من الفضيل
بالفاء والضاد المعجمة: ابن فضالة، بفتح الفاء وتخفيف الضاد المعجمة: أبو معاوية القتباني،
بكسر القاف وسكون التاء المثناة من فوق وبالباء الموحدة وبالنون، قاضي مصر إمام مجاب
الدعوة، مات سنة إحدى وثمانين ومائة. الثالث: عقيل، بضم العين: ابن خالد، وقد مر غير
مرة. الرابع: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري. الخامس: أنس بن مالك، رضي الله تعالى
عنه.
۔۔
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في
ثلاثة مواضع. وفيه: القول في موضعين. وفيه: أن شيخه من أفراده وفي الرواة حسان الواسطي
آخر يروي عن شعبة وغيره، ضعفه الدارقطني، ومن زعم أن البخاري روى عنه عن المصريين

٢٢٥
١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (١٦)
فقد وهم، لأنه لا رواية له عن المصريين. وفيه: أن شيخه وشيخ شيخه مصريان، وعقيل أيلي
وابن شهاب مدني.
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في الصلاة عن قتيبة عن المفضل وعن عمرو
الناقد وعن أبي الطاهر بن السرح وعن عمرو بن سواد. وأخرجه أبو داود فيه عن قتيبة ويزيد
ابن خالد، كلاهما عن المفضل به. وعن سليمان بن داود عن ابن وهب به، وأخرجه النسائي
فيه عن قتيبة به وعن عمرو بن مراد به.
ذكر معناه: قوله: ((قبل أن تزيغ) أي: قبل أن تميل. قوله: ((فإذا زاغت)) أي: الشمس
قبل أن يرتحل لا بد من تقييده بهذا القيد، كما في الرواية التي تأتي، قال الكرماني: ((فإذا
زاغت)» بالفاء التعقيبية فيكون الزيغ قبل الارتحال ضرورة. قلت: الفاء قد تكون لتعقيب
الأخبار بهذه الجملة على الجملة التي قبلها، أو الفاء بمعنى الواو، واستدل من يرى الجمع
بهذا الحديث على أن من كان نازلاً في وقت الأولى، فالأفضل أن يجمع بينهما، بضم
العصر إلى الظهر، وأنه إذا كان سائراً فالأفضل تأخير الأولى بنية جمعها مع العصر إذا وثق
بنزوله. ووقت العصر باقٍ. وأما إذا كان سائراً في وقتهما جميعاً فله أن يجمع على ما يراه من
التقديم أو التأخير، ولكن الأفضل أن الأولى إلى الثانية للخروج من خلاف من خالف في
التقديم من الأئمة وقال ابن بطال: اختلفوا في وقت الجمع، فقال الجمهور: إن شاء جمع
بينهما في وقت الأولى، وإن شاء جمع في وقت الآخرة، ثم نقل قول أبي حنيفة ثم قال:
وهذا قول بخلاف الآثار. قلنا: قد ذكرنا أن في هذا الباب ستة أقوال قد بيناها، وأبو حنيفة
قط ما خالف الآثار، فإنه احتج فيما ذهب إليه بالكتاب والسنة والقياس، وحمل أحاديث
الجمع على الجمع المعنوي. ففيما قاله عمل بجميع الآثار، وفيما قاله ابن بطال ومن رأى
الجمع الصوري إهمال للبعض، مع أنه فيما نقل عن الجمهور مخالفة للحديث المذكور،
وهو ظاهر.
١٦ - بابٌ إِذَا ازْتَحَلَ بَعْدَما زَاغَتِ الشَّمْسُ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ
أي: هذا باب يذكر فيه إذا ارتحل المسافر بعدما مالت الشمس وقام الفيء صلى
صلاة الظهر ثم ركب، ولم يذكر فيه العصر لأن في حديث الباب كذلك، والآن نذكر وجه
ذلك، ويفهم من هذه الترجمة ومن التي قبلها أن البخاري يذهب إلى أن جمع التأخير يختص
بمن ارتحل قبل أن يدخل وقت الظهر.
١١١٢/١٤٢ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ قال حدَّثنا المُفَضلُ بنُ فَضَالَةَ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ
شِهَابٍ عنْ أنَسِ بنِ مالِكِ قال كانَ رسولُ اللهِ عَّهِ إِذَا ارْتَخَلَ قَبْلَ أنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ
الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ العَصْرِ ثُمَّ نَزَلَ فَجَمَعَ بِينَهُمَا فَإِنْ زَاغَتِ الشمْسُ قَبْلَ أنْ يَوْتَحِلَ صلَّى الظُّهْرَ
ثُمَّ رَكِبَ. [أنظر الحديث ١١١١].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وهو بعينه الحديث المذكور فيما قبل هذا الباب، غير أنه
عمدة القاري / ج٧ / م١٥

٢٢٦
١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (١٦)
أخرج هناك: عن حسان الواسطي عن المفضل بن فضالة، وهنا: عن قتيبة بن سعيد عن
المفضل .. إلى آخره نحوه، ولم يذكر فى الطريقين العصر، والمحفوظ عن عقيل الراوي في
الكتب المشهورة هكذا بدون ذكر العصر، وقال بعضهم: ومقتضاه أنه كان لا يجمع بين
الصلاتين إلاّ في وقت الثانية منهما، وبه احتج من منع جمع التقديم. انتهى.
قلت: لا نسلم أن مقتضى الحديث ما ذكره، بل مقتضاه الذي يقتضيه التركيب أنه لا
يجمع إذا ارتحل بعدما زاغت الشمس، بل يصلي الظهر في وقته ثم يركب، ولا يصلي
العصر عقيب الظهر، بل يصلي العصر بعد ذلك في وقته، لأن الأصول تقتضي ذلك، كذلك،
وعن هذا حكي عن أبي داود أنه قال: ليس في تقديم الوقت حديث قائم. فإن قلت: روى
إسحاق بن راهويه هذا الحديث عن شبابة بن سوار عن الليث عن عقيل عن الزهري ((عن
أنس، قال: كان النبي عَّ إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً ثم
ارتحل)). قال النووي: وإسناده صحيح. قلت: أبو داود أنكره على إسحاق وأخرجه
الإسماعيلي وأعله بتفرد إسحاق عن شبابة، وشبابة وإن كان من رجال الجماعة ولكنه يدعو
إلى الإرجاء، قاله زكريا بن يحيى الساجي. وقال محمد بن سعد: كان ثقة صالح الأمر في
الحديث وكان مرجئاً. وقال بعضهم: وهذا ليس بقادح، يعني تفرد إسحاق عن شبابة، فإنه
إمام حافظ، وقد وقع نظيره في (الأربعين) للحاكم عن أبي العباس محمد بن يعقوب عن
محمد بن إسحاق الصاغاني عن حسان بن عبد الله عن المفضل بن فضالة عن عقيل عن ابن
شهاب ((عن أنس: أن النبي عٍَّ كان إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت
العصر، ثم نزل فجمع بينهما، فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر والعصر ثم
رکب)).
قلت: في ثبوت هذه الزيادة نظر، ألا ترى أن الحاكم لم يورده في (مستدركه) مع
شهرته في تساهله في التصحيح، والبخاري مع تتبعه في أشياء على الحنفية، لم يذكر هذه
الزيادة؟ فإن قلت: له طريق آخر رواه الطبراني في (الأوسط): حدثنا محمد بن إبراهيم بن
نصر بن سندر الأصبهاني حدثنا هارون بن عبد الله الجمال حدثنا يعقوب بن محمد الزهري
حدثنا محمد بن سعدان حدثنا ابن عجلان عن عبد الله بن الفضل ((عن أنس بن مالك، رضي
الله تعالى عنه، أن النبي عَّه، كان إذا كان في سفر فزاغت الشمس قبل أن يرتجل صلى
الظهر والعصر جميعاً، وإن ارتحل قبل أن تزيغ الشمس جمع بينهما في أول العصر، وكان
يفعل ذلك في المغرب والعشاء))، وقال: تفرد به يعقوب بن مجمد؟ قلت: قال أحمد: يعقوب
ابن محمد ليس يساوي شيئاً. وقال أبو زرعة: واهي الحديث، وقال صالح: حزره عن ابن
معين أحاديثه تشبه أحاديث الواقدي.
فإن قلت: في الباب عن ابن عباس أخرجه أحمد ولفظه: ((كان إذا زاغت الشمس في
منزله جمع بين الظهر والعصر قبل أن يركب .. )) الحديث، ورواه الشافعي والبيهقي أيضاً قلت:
في سنده: حسين بن عبد الله وهو ضعيف جداً، وقد ذكرناه. وقال بعضهم: والمشهور في

٢٢٧
١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (١٧)
جمع التقديم ما أخرجه أبو داود والترمذي وأحمد وابن حبان من طريق الليث عن يزيد بن
عبد الله الرملي الهمداني حدثنا المفضل بن فضالة والليث بن سعد عن هشام بن سعد عن
أبي الزبير عن أبي الطفيل ((عن معاذ بن جبل: أن رسول الله عَّ كان في غزوة تبوك إذا
زاغت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين الظهر والعصر، وإن ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر
الظهر حتى ينزل للعصر، وفي المغرب مثل ذلك إن غاب الشفق قبل أن يرتحل جمع بين
المغرب والعشاء، وإن ارتحل قبل أن تغيب الشمس أخر المغرب حتى ينزل للعشاء ثم جمع
بينهما)) قلت: أنكر أبو داود هذا الحديث، وهشام بن سعد ضعفه يحيى بن معين، وقال أبو
حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال أحمد: لم يكن بالحافظ، وأبو الزبير اسمه محمد بن
مسلم بن تدرس، وأبو الطفيل اسمه: عامر بن واثلة.
فإن قلت: روى أبو داود أيضاً، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن يزيد بن
أبي حبيب عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، ((عن معاذ بن جبل: أن النبي عَّهِ كان في غزوة
تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعاً،
وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً، ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل
المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها
مع المغرب، قلت: قال أبو داود: لم يرو هذا الحديث إلاّ قتيبة وحده، يعني: تفرد به، ولهذا
قال الترمذي: حديث حسن غريب تفرد به قتيبة، لا يعرف أحد رواه عن الليث غيره، وذكر
أن المعروف عند أهل العلم حديث معاذ من حديث أبي الزبير. وقال أبو سعيد بن يونس
الحافظ: لم يحدث به إلّ قتيبة، ويقال إنه غلط، وإن موضع يزيد بن أبي حبيب أبو الزبير،
وذكر الحاكم أن الحديث موضوع، وقتيبة بن سعيد ثقة مأمون، وحكى عن البخاري أنه قال:
قلت لقتيبة بن سعيد: مع من كتبت عن الليث بن سعد حديث يزيد بن أبي حبيب عن أبي
الطفيل، فقال: كتبته مع خالد المدائني. قال البخاري: وكان خالد المدائني يدخل الأحاديث
على الشيوخ، انتهى. وخالد المدائني هذا هو أبو الهيثم خالد بن القاسم المدائني، متروك
الحديث. وقال ابن عدي: له عن الليث ابن سعد غير حديث منكر، والليث بريء من رواية
خالد عنه تلك الأحاديث.
١٧ - بابُ صلاَةِ القاعِدِ
أي: هذا باب في بيان حكم صلاة القاعد، وإنما أطلق الترجمة لتتناول صلاة المتنفل
قاعداً لعذر ولغير عذر، وصلاة المفترض عند العجز، وسواء كان المصلي، إماماً أو مأموماً أو
منفرداً.
١١١٣/١٤٣ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ عنْ مالِكِ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أَبِيهِ عنْ
عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها أنَّهَا قَالَتْ صلَّى رسولُ اللهِ عَ لَه فِي بَيْتِهِ وَهْوَ شاٍ فَصَلَّى
جالِساً وصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَاماً فأشَارَ إلَيْهِمْ أنِ اجْلِسُوا فَلَمَّا انْصَرَفَ قال إنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ

٢٢٨
١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (١٧)
لِيُؤْتَمَّ بِهِ فإذَا رَكَعَ فازْكَعُوا وإِذَا رَفَعَ فازْفَعُوا. [أنظر الحديث ٦٨٨ وطرفيه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، والحديث بهذا الإسناد قد مر في: باب إنما جعل الإمام ليؤتم
به، غير أنه أخرجه هناك: عن عبد الله بن يوسف عن مالك، وههنا: عن قتيبة بن سعيد عن
مالك، وهناك بعد قوله: ((فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد،
وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون)).
قوله: ((وهو شاك))، جملة حالية أي: وهو مريض كأنه يشكو عن مزاجه أنه انحرف
عن الاعتدال، ولفظ: شاك، بالتنوين أصله: شاكي، فأعل إعلال: قاضٍ، وقد استوفينا الكلام
هناك.
١١١٤/١٤٤ - حدّثنا أبو نُعَيْم قال حدَّثنا ابنُ عُيَيْنَةَ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ أنَسٍ رضي
الله تعالى عنهُ قال سقَطَ رسولُ اللهِ عَّ ◌َله مِنْ فَرَسٍ فَخُدِشَ أَوْ فَُجُحِشَ شِقُّهُ الأيَمَنُ فَدَخَلْنَا
عَلَيْهِ نَعُودُهُ فَحَضَرَتِ الصَّلاَةُ فَصَلَّى قاعِداً فَصَلَّيْنَا قُعُوداً وقال إنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَّ بِهِ فإذَا
كَبَّرَ فَكَبُِّوا وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا وَإِذَا قال سَمِعَ اللّه لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ. [أنظر
الحديث ٣٧٨ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وأبو نعيم الفضل بن دكين وابن عيينة هو سفيان، والزهري هو
محمد بن مسلم. وأخرج البخاري هذا الحديث أيضاً في: باب إنما جعل الإمام ليؤتم به، عن
عبد الله بن يوسف عن مالك عن ابن شهاب عن أنس، وقد مر الكلام فيه
.قوله: ((فخدش))، بضم الخاء المعجمة وفي آخره شين. قوله: ((أو فجحش))،
مستقصى
شك من الراوي بضم الجيم وكسر الحاء المهملة وفي آخره شين معجمة، ومعناهما واحد.
قال ابن الأثير: فجحش، أي: انخدش جلده، وانسجح وخدش الجلد قشره بعود، خدشه
يخدشه خدشاً وخدوشاً.
١١١٥/١٤٥ - حدَّثنا إِسْحَاقُ بنُ مَنْصُورٍ قال أخبرنا رَوْحُ بنُ عُبَادَةَ قال أخبرنا
حُسَيْنٌ عنْ عَبْدِ اللهِ بنِ بُرَيْدَةَ عنْ عِمْرَانَ بنِ محُصَيْنٍ رضي الله تعالى عنه أنَّهُ سألَ نَبيَّ اللهِ
عَ لّهِ (ح) وأخبرنا إسْحَاقُ قال أخبرنا عبْدُ الصَّمَدِ. قال سَمِعْتُ أبي قالَ حدَّثنا الحُسَيْنُ عنْ
ابن بُرَيْدَةَ قال حدَّثني عِمْرَانُ بنُ حُصَيْنٍ وكانَ مَبْسُوراً قال سألتُ رسولَ اللهِ عَ لَّه عَنْ صَلاَةٍ
الرَّجُلِ قَاعِداً فقالَ إِنْ صَلَّى قائِماً فَهْوَ أَفْضَلُ ومَنْ صَلَّى قاعِداً فَلَهُ نِصْفُ أجْرِ القَائِمِ وَمَنْ
صَلَّى نائِماً فَلَهُ نِصْفُ أجْرِ القَاعِدَ. [الحديث ١١١٥ - طرفاه في: ١١١٦، ١١١٧].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم ثمانية: الأول: إسحاق بن منصور بن بهرام الكوسج أبو يعقوب.
الثاني: روح، بفتح الراء: ابن عبادة، بضم العين وتخفيف الباء الموحدة، مر في: باب اتباع
الجنائز من الإيمان. الثالث: حسين بن ذكوان المعلم. الرابع: عبد الله بن بريدة، بضم الباء
الموحدة: ابن حصيب، مر في آخر كتاب الحيض. الخامس: إسحاق بن إبراهيم، نص عليه

٢٢٩
١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (١٧)
الكلاباذي والمزي في (الأطراف) وليس هذا بإسحاق بن منصور الذي مر في أول الإسناد
كما زعمه بعضهم. السادس: عبد الصمد بن عبد الوارث. السابع: أبوه عبد الوارث بن سعيد
التنوري. الثامن: عمران بن حصين.
ذكر لطائف إسناده في طريقي الحديث فيه: التحديث بصيغة الجمع في خمسة
مواضع والإخبار كذلك في موضعين. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في أربعة
مواضع. وفيه: السؤال في موضعين. وفيه: السماع. وفيه: أن شيخه مروزي ثم انتقل إلى
نيسابور وابن بريدة أيضاً مروزي وهو قاضي مرو. وفيه: البقية بصريون. وفيه: إسحاقان
أحدهما مذكور بنسبته إلى أبيه والآخر، بلا نسبة. وفيه: حسين بلا نسبة في الموضعين، ذكر
الأول بدون الألف واللام، والثاني بالألف واللام، وهما للمح الوصفية كما في العباس، لأن
الأعلام لا يدخل فيها الألف واللام. وفيه: رواية الابن عن الأب.
وفي الطريق الثاني: وحدثنا إسحاق: أخبرنا عبد الصمد، هكذا هو رواية الأكثرين،
وفي رواية الكشميهني: وزاد إسحاق أخبرنا عبد الصمد. وفيه: حدثنا عمران بن حصين.
وفيه: التصريح بسماع عبد الله بن بريدة عن عمران. وفيه: استغناء عن تكلف ابن حبان فيه
حيث قال في (صحيحه): هذا إسناد قد توهم من لم يحكم صناعة الأخبار ولا تفقه في
صحيح الآثار أنه منفصل غير متصل، وليس كذلك، فإن عبد الله بن بريدة ولد في السنة
الثالثة من خلافة عمر، رضي الله تعالى عنه، فلما وقعت فتنة عثمان، رضي الله تعالى عنه،
خرج بريدة بابنيه وهما: عبد الله وسليمان، وسكن البصرة، وبها إذ ذاك عمران بن حصين
وسمرة بن جندب فسمع منهما.
:
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرج البخاري هذا الحديث في هذا الباب
عن إسحاق بن منصور، وفي الباب الذي يليه عن أبي معمر، وفي الباب الذي يلي الباب
الثاني: عن عبدان. وأخرجه أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن حسين المعلم عن عبد
الله بن بريد ((عن عمران بن حصين: أنه سأل النبي عَّلَه عن صلاة الرجل قاعداً؟ فقال:
((صلاته قائماً أفضل من صلاته قاعداً، وصلاته قاعداً على النصف من صلاته قائماً، وصلاته
نائماً على النصف من صلاته قاعداً). حدثنا محمد بن سليمان الأنباري حدثنا وكيع عن
إبراهيم بن طهمان عن حسين المعلم عن ابن بريدة ((عن عمران بن حصين قال: كان بي
الباسور، فسألت النبي عَ لَّهِ، فقال: صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى
الجنب)). وأخرجه الترمذي: حدثنا علي بن حجر أخبرنا عيسى بن يونس حدثنا الحسين
المعلم عن عبد الله بن بريدة ((عن عمران بن حصين قال: سألت رسول الله عَ له عن صلاة
الرجل وهو قاعد؟ قال: من صلاها قائماً فهو أفضل، ومن صلاها قاعداً فله نصف أجر القائم،
ومن صلاها نائماً فله نصف أجر القاعد)).
قال الترمذي: وقد روى هذا الحديث عن إبراهيم بن طهمان بهذا الإسناد، إلاّ أنه
يقول: ((عن عمران بن حصين، رضي الله تعالى عنه، سألت رسول الله عَ لّه عن صلاة
٠٠

٢٣٠
١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (١٧)
المريض؟ فقال: صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب)). حدثنا بذلك
هناد حدثنا وكيع عن إبراهيم بن طهمان عن حسين المعلم بهذا الحديث. وأخرجه النسائي:
حدثنا حميد بن مسعدة عن سفيان وهو ابن حبيب عن حسين بن ذكوان المعلم عن عبد الله
ابن بريدة ((عن عمران بن حصين، قال: سألت النبي عَّهِ عن الذي يصلي قاعداً؟ فقال: من
صلى قائماً فهو أفضل، ومن صلى قاعداً فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائماً فله نصف
أجر القاعد)). وأخرجه ابن ماجه: حدثنا علي بن محمد، قال: حدثنا وكيع عن إبراهيم بن
طهمان عن حسين المعلم عن بن بريدة ((عن عمران بن الحصين، قال: كان بي الباسور
فسألت النبي عَّ عن الصلاة؟ فقال: صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى
الجنب)).
ذكر معناه: قوله: ((وحدثنا إسحاق))، هكذا في رواية الأكثرين، وفي رواية
الكشميهني: وزاد إسحاق أخبرنا عبد الصمد. قوله: ((حدثنا عمران))، يصرح بسماع عبد الله
ابن بريدة عن عمران، وفيه اكتفاء عن تكلف ابن حبان في إقامة الدليل على أن عبد الله بن
بريدة عاصر عمران، كما ذكرناه عن قريب. قوله: ((وكان مبسوراً)، بسكون الباء الموحدة
بعدها سين مهملة، أي: كان معلولاً بالباسور، وهو علة تحدث في المقعدة. وفي (التلويح):
الباسور، بالباء الموحدة مثل: الناسور بالنون، وهو الجرح الفاذ، أعجمي، يقال: تنسر الجرح
تنفض وانتشرت مدته، ويقال: ناسور وناصور عربيان، وهو القرحة الفاسدة الباطن التي لا تقبل
البرء ما دام فيها ذلك الفساد، حيث كانت في البدن، فأما الباسور بالباء الموحدة فهو ورم
المقعدة وباطن الأنف. قلت: الباسور واحد البواسير، وهو في عرف الأطباء نفاطات تحدث
على نفس المقعدة ينزل منها كل وقت مادة. قوله: ((قاعداً) في الموضعين، ((وقائماً))
و((نائماً): أحوال. قوله: ((ومن صلى نائماً)) بالنون من النوم أي: مضطجعاً على هيئة النائم،
يدل عليه قوله عَ له: ((فإن لم تستطع فعلى جنب))، وترجم له النسائي: باب صلاة النائم،
ويدل عليه أيضاً ما رواه أحمد في (مسنده): حدثنا عبد الوهاب الخفاف عن سعيد عن
حسين المعلم، قال: وقد سمعته عن حسين عن عبد الله بن بريدة ((عن عمران بن حصين،
قال: كنت رجلاً ذا أسقام كثيرة، فسألت رسول الله عَّ له عن صلاتي قاعداً؟ فقال: صلاتك
قاعداً على النصف من صلاتك قائماً، وصلاة الرجل مضطجعاً على النصف من صلاته قاعداً)
انتھی.
هذا يفسر أن معنى قوله: ((نائماً)) بالنون يعني: مضطجعاً، وأنه في حق من به سقم
بدلالة قوله: ((كنت رجلاً ذا أسقام كثيرة))، وأن ثواب من يصلي قاعداً نصف ثواب من
يصلي قائماً، وثواب من يصلي مضطجعاً نصف ثواب من يصلي قاعداً. وقال الخطابي: وأما
قوله: ((ومن صلى نائماً فله نصف أجر القاعد))، فإني لا أعلم أني سمعته إلاّ في هذا
الحديث، ولا أحفظ من أحد من أهل العلم أنه رخص في صلاة التطوع نائماً، كما رخصوا
فيها قاعداً، فإن صحت هذه اللفظة عن النبي معَّهِ، ولم يكن من كلام بعض الرواة أدرجه

٢٣١
١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (١٧)
في الحديث وقاسه على صلاة القاعد أو اعتبره بصلاة المريض نائماً إذا لم يقدر على القعود،
فإن التطوع مضطجعاً للقادر على القعود جائز، كما يجوز أيضاً للمسافر إذا تطوع على
راحلته، فأما من جهة القياس فلا يجوز له أن يصلي مضطجعاً، كما يجوز له أن يصلي قاعداً،
لأن القعود شكل من أشكال الصلاة وليس الاضطجاع في شيء من أشكال الصلاة، وادعى
ابن بطال أن الرواية: ((من صلى بإيماء))، على أنه جار ومجرور وأن المجرور مصدر: أوماً،
قال: وقد غلط النسائي في حديث عمران بن حصين وصحفه وترجم له: باب صلاة النائم،
فظن أن قوله، عَّله: ((من صلى بإيماء))، إنما هو من صلى نائماً. قال: والغلط فيه ظاهر لأنه قد
ثبت عن النبي، عَّله، أنه أمر المصلي إذا غلبه النوم أن يقطع الصلاة ثم بين عَّ ◌ُلّه معنى ذلك،
فقال: (لعله لم يستغفر فيسب نفسه))، فكيف يأمره بقطع الصلاة وهي مباحة له؟ وله عليها
نصف أجر القاعد؟ قال: والصلاة لها ثلاثة أحوال: أولها القيام، فإن عجز عنه فالقعود، ثم إن
عجز عنه فالإيماء، وليس النوم من أحوال الصلاة. انتهى.
وقال شيخنا زين الدين: أما نفي الخطابي وابن بطال للخلاف في صحة التطوع
مضطجعاً للقادر فمردود، فإن في مذهبنا وجهين: الأصح منهما الصحة، وعند المالكية فيه
ثلاثة أوجه حكاها القاضي عياض في (الإكمال): أحدها الجواز مطلقاً في الاضطرار،
والاختيار الصحيح والمريض لظاهر الحديث، وهو الذي صدر به القاضي كلامه. والثاني:
منعه مطلقاً لهما، إذ ليس في هيئة الصلاة. والثالث: إجازته لعدم قوة المريض فقط، وقد
روى الترمذي بإسناده عن الحسن البصري جوازه حيث قال: حدثنا محمد بن بشار حدثنا
ابن أبي عدي عن أشعث بن عبد الملك ((عن الحسن، قال: إن شاء الرجل صلى صلاة
التطوع قائماً أو جالساً أو مضطجعاً) فكيف يدعي مع هذا الخلاف القديم والحديث الاتفاق؟
وأما ما ادعاه ابن بطال عن النسائي من أنه صحفه فقال: نائماً، وإنما الرواية: بإيماء، على الجار
والمجرور، فلعل التصحيف من ابن بطال: وإنما ألجأه إلى ذلك حمل قوله: ((نائماً) على النوم
حقيقة الذي أمر المصلي إذا وجده أن يقطع الصلاة، وليس المراد ههنا إلاّ الاضطجاع
لمشابهته لهيئة النائم، وحكى القاضي عياض في الإكمال): أن في بعض الروايات:
مضطجعاً، مكان: نائماً، وبه فسره أحمد بن خالد الوهبي، فقال: نائماً، يعني: مضطجعاً.
وقال شيخنا: وبه فسره البخاري في (صحيحه) فقال، بعد إيراده للحديث: قال أبو عبد الله:
نائماً عندي مضطجعاً، وقال أيضاً: وقد بوب عليه النسائي: فضل صلاة القاعد على النائم،
ولم أر فيه: باب صلاة النائم، كما نقله ابن بطال.
ذكر ما يستنبط منه: قال الترمذي: هذا الحديث محمول عند بعض أهل العلم على
صلاة التطوع، قلت: كذلك حمله أصحابنا على صلاة النفل حتى استدلوا به في جواز صلاة
النفل قاعداً مع القدرة على القيام، وقال صاحب (الهداية): وتصلي النافلة قاعداً مع القدرة
على القيام لقوله عَّله: ((صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم))، وحكي عن الباجي من
أئمة المالكية أنه حمله على المصلي فريضة لعذر أو نافلة لعذر أو لغير عذر، وقيل: في
: .

٢٣٢
١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (١٨)
حديث عمران حجة على أبي حنيفة من أنه إذا عجز عن القعود سقطت الصلاة، حكاه
الغزالي عن أبي حنيفة في (الوسيط). قلت: هذا لم يصح ولم ينقل هذا أحد من أصحابنا عن
أبي حنيفة، ولهذا قال الرافعي: لكن هذا النقل لا يكاد يلغي في كتبهم ولا في كتب
أصحابنا، وإنما الثابت عن أبي حنيفة إسقاط الصلاة إذا عجز عن الإيماء بالرأس، واستدل
بحديث عمران من قال: لا ينتقل المريض بعد العجز عن الصلاة على الجنب والإيماء بالرأس
إلى فرض آخر من الإيماء بالطرف، وحكي ذلك عن أبي حنيفة ومالك إلاّ أنهما اختلفا، فأبو
حنيفة يقول: يقضي بعد البرء، ومالك يقول: لا قضاء عليه. وحكى صاحب (البيان) عن
بعض الشافعية وجهاً مثل مذهب أبي حنيفة وقال جمهور الشافعية: إن عجز عن الإشارة
بالرأس أومأ بطرفه، فإن لم يقدر على تحريك الأجفان أجرى أفعال الصلاة على لسانه، فإن
اعتقل لسانه أجرى القرآن والأذكار على قلبه، وما دام عاقلاً لا تسقط عنه الصلاة، وقال
الترمذي: وقال سفيان الثوري في هذا الحديث: ((من صلى جالساً فله نصف أجر القائم)).
قال: هذا للصحيح ولمن ليس له عذر، فأما من كان له عذر من مرض أو غيره فصلى جالساً
فله مثل أجر القائم، وقال النووي: إذا صلى قاعداً صلاة النفل مع القدرة على القيام فهذا له
نصف ثواب القائم، وأما إذا صلى النفل قاعداً لعجزه عن القيام فلا ينقص ثوابه، بل يكون
ثوابه كثوابه قائماً، وأما الفرض فإن صلاته قاعداً مع القدرة على القيام لا تصح، فضلاً عن
الثواب. وإن صلى قاعداً لعجزه عن القيام أو مضطجعاً لعجزه عن القعود، فثوابه كثوابه قائماً
لا ينقص. وفي (شرح الترمذي) رحمه الله تعالى: إذا صلى الفرض قاعداً مع قدرته على القيام
لا يصح، وقال أصحابنا وفيه: وإن استحله يكفر، وجرت عليه أحكام المرتدين، كما لو
استحل الزنا أو الربا أو غيره من المحرمات الشائعة التحريم، والله المتعال وإليه المآل.
١٨ - بابُ صَلاَةِ القَاعِدِ بِالإِيمَاءِ
أي: هذا باب في بيان حكم صلاة القاعد بالإيماء.
١١١٦/١٤٦ - حدَّثنا أَبُو مَعْمَر قال حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ قال حدَّثنا حُسَيْنُ المُعَلِّمُ
عنْ عَبْدِ اللهِ بنِ بُرَيْدَةَ أَنَّ عِمْرَانَ بنَ محُصَيْنٍ وكانَ رَجُلاً مَبْسُوراً. وقال أَبُو مَعْمَرٍ مَرَّةً عنْ
عِمْرَانَ. قال سألْتُ النبيَّ عَّهِ عِنْ صَلاَةِ الرَّجُلِ وَهْوَ قَاعِدٌ فقال منْ صَلَّى قائِماً فَهْوَ أَفْضَلُ
وَمَنْ صَلَّى قاعِداً فَلَهُ نِصْفُ أجْرِ القَائِمِ ومَنْ صَلَّى نائِماً فَلَهُ نِصْفُ أجْرِ القَاعِدِ. [انظر
الحديث ١١١٥ وطرفه].
١
مطابقته للترجمة من حيث إن النائم لا يقدر على الإتيان بالأفعال، فلا بد فيها من
الإشارة إليها فالنوم بمعنى الاضطجاع كناية عنها. وقال الإسماعيلي: ترجم البخاري بصلاة
القاعد بالإيماء ولم يقع في الحديث إلاّ ذكر النوم، فكأنه صحف نائماً من النوم، فظنه بإيماء
الذي هو مصدر أوما، ورد عليه بأنه لم يصحف لأنه وقع في رواية كريمة وغيرها عقيب
حدیث الباب.

٢٣٣
١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (١٩)
قال أبُو عَبْدِ اللهِ نائِماً عِنْدِي مُضْطَجِعاً هُهُنَا
قال أبو عبد الله يعني: البخاري نفسه. قوله: ((نائماً عندي)) أي: ((مضطجعاً)) وزعم ابن
التين أن في رواية الأصيلي ((ومن صلى بإيماء))، فلذلك بوب البخاري: باب صلاة القاعد
بالإيماء. قلت: إن صحت هذه الرواية فالمطابقة بين الحديث والترجمة ظاهرة جداً فلا يحتاج
إلى التكلف المذكور، والكلام فيه قد مر. قوله: ((وهو قاعد))، جملة إسمية وقعت حالاً،
وقائماً ونائماً أحوال.
١٩ - بابّ إذا لَمْ يُطِقْ قَاعِداً صَلَّى عَلَى جَنْبٍ
أي: هذا باب يذكر فيه إذا لم يطق المصلي أن يصلي قاعداً صلى على جنب.
وقال عَطَاءٌ إِنْ لَمْ يَقْدِزْ أنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى القِبْلَةِ صَلَّى حَيْثُ كَان وَجْهُهُ
مطابقة هذا الأثر للترجمة من حيث إن العاجز عن أداء فرض ينتقل إلى فرض دونه، ولا
يترك، بيان ذلك أن الترجمة تدل على أن المصلي إذا عجز عن الصلاة قاعداً يصلي على
جنبه، والأثر يدل على أنه إذا عجز عن التحول إلى القبلة يصلي إلى أي جهة كان وجهه،
وأثر عطاء بن أبي رباح هذا وصله عبد الرزاق عن ابن جريج عنه بمعناه، وقال بعضهم: فيه
حجة على من زعم أن العاجز عن القعود في الصلاة سقطت عنه الصلاة، وقد حكاه الغزالي
عن أبي حنيفة، قلت: ليس هذا بأول ما قال الغزالي في أبي حنيفة، وهو غير صحيح، ولا
هو منقول عن أبي حنيفة، وقد مر هذا عن قريب.
١١١٧/١٤٧ - حدَّثْنَا عَبْدَانُ عنْ عَبْدِ اللهِ بنِ المُبَارَكِ عنْ إِبْرَاهِيمَ بنِ طَهْمَان قال
حذَّثني الحُسَيْنُ المُكْتِبُ عنِ ابنِ بُرَيْدَةَ عَنْ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ رضي الله تعالى عنهُ قال
كانَتْ بِي بَوَاسِيرْ فسألْتُ النبيَّ عَّهِ عنِ الصَّلاَةِ فقال صَلِّ قائِماً فإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَّاعِداً فَإِنْ
لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ. [أنظر الحديث ١١١٥ وطرفه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وهو الطريق الثالث لحديث عمران، كما ذكرنا، وهو من أفراد
البخاري، وعبدان لقب عبد الله بن عثمان المروزي.
قوله: ((عن عبد الله بن المبارك))، قد مر غير مرة وليس في رواية أبي زيد المروزي.
وذكر ابن المبارك، والمذكور هو: عبد الله بلا نسبة. قوله: ((المكتب))، اسم فاعل من
التكتيب، وهو صفة الحسين بن ذكوان، وقد مر ذكره في الباب الذي قبله، ولكن المذكور
هناك: حسين المعلم، لأنه مشهور بالمكتب، والمعلم وابن بريدة هو عبد الله، وقد مر. قوله:
((عن الصلاة)) أي: عن صلاة الذي به علة، وفي رواية وكيع: ((عن إبراهيم بن طهمان، سألت
عن صلاة المريض؟)) أخرجه الترمذي وغيره. قوله: ((فعلى جنب))، أي: فعلى جنبك، لأنه
عَِّ خاطب لعمران بقوله: ((فإن لم تستطع)) وقال أولاً في جوابه: ((صل قائماً)، ولكن لم
يبين فيه على أي جنب، وهو بظاهره يتناول الجنب الأيمن والأيسر، وبه جزم الرافعي، وقال:
إلاّ أنه لو اضطجع على جنبه الأيسر ترك السنة، وكأنه أشار بهذا إلى ما رواه الدارقطني من

٢٣٤
١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (٢٠)
حديث علي، رضي الله تعالى عنه، ((عن النبي عَّه، فإن لم يستطع فعلى جنبه الأيمن مستقبل
القبلة بوجهه))، الحديث، واستدل بعضهم على استحباب كونه على الجنب الأيمن بالحديث
الصحيح المتفق عليه من حديث البراء بن عازب، رضي الله تعالى عنه، قال: ((قال لي رسول
الله عَّله: إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن، وقل:
اللهم أسلمت نفسي إليك .. )) الحديث. وقال شيخنا زين الدين، رحمه الله، وفي قوله: ((فإن
لم يستطع فعلى جنبه)) حجة لأصح الوجهين لأصحابنا أو القولين للشافعي أنه: يضطجع
على جنبه الأيمن مستقبل القبلة، وهو قول أحمد بن حنبل، كما يوجه الميت في اللحد، لقوله
عَّهِ في أثناء حديث البيت الحرام: ((قبلتكم أحياءً وأمواتاً). والوجه الثاني: أنه يستلقي على
ظهره ويجعل رجليه إلى القبلة ويومىء بالركوع والسجود إلى القبلة، وهو قول أبي حنيفة.
وفي المسألة. وجه ثالث، حكاه الرافعي وضعفه، وصفته: أنه يضطجع على جنبه الأيمن
وأخمصاه إلى القبلة. قلت: اختلفت الروايات عن أصحابنا في القعود إذا عجز عن القيام
كيف يقعد؟ فروى محمد عن أبي حنيفة أنه إذا افتتح الصلاة يجلس كيف ما شاء، وروى
الحسن عن أبي حنيفة أنه يتربع، وإذا ركع يفترش رجله اليسرى ويجلس عليها، وعن أبي
يوسف أنه يتربع في جميع صلاته، وعن زفر أنه يفترش رجله اليسرى في جميع صلاته،
والصحيح رواية محمد لأن عذر المرض يسقط الأركان عنه، فلأن يسقط عنه الهيئات أولى،
ويجعل سجوده أخفض من ركوعه، ولا يرفع إلى وجهه شيئاً يسجد عليه، وإن فعل ذلك وهو
يخفض رأسه أجزأه، ويكون مسيئاً. وفي (الينابيع): إن وجد منه تحريك رأسه يجوز وإلاّ لا،
ثم اختلفوا: هل يعد هذا سجوداً أو إيماءً؟ قيل: هو إيماء وهو الأصح، وإن لم يستطع القعود
استلقى على ظهره وجعل رجليه إلى القبلة، وأومأ بالركوع والسجود. وقال الشيخ حميد
الدين الضريري، رحمه الله: توضع وسادة تحت رأسه حتى يكون شبه القاعد ليتمكن من
الإيماء بالركوع والسجود. إذ حقيقة الاستلقاء تمنع الأصحاء عن الإيماء، فكيف المرضى؟
واختلفت الروايات عن أصحابنا في كيفية الاستلقاء، ففي ظاهر الرواية يصلي مستلقياً على
قفاه ورجلاه إلى القبلة، وروى ابن كاس عنهم أنه: يصلي على جنبه الأيمن ووجهه إلى القبلة،
فإن عجز عن ذلك استلقى على قفاه وهو قول الشافعي، وقول مالك وأحمد كظاهر الرواية
المذكورة.
٢٠ - بابٌ إِذَا صَلَّى قاعِداً ثُمَّ صَحْ أوْ وَجَدَ خِفَّةٌ لَّمَ ما بَقِيَ
أي: هذا باب يذكر فيه إذا صلى شخص قاعداً لأجل عجزه عن القيام ثم صح في
أثناء صلاته بأن حصلت له عافية أو وجد خفة في مرضه بحيث إنه قدر على القيام، تمم
صلاته ولا يستأنف في الوجهين، وهذه الترجمة بهذين الوجهين أعم، من أن تكون في
الفريضة أو النفل، لا كما قاله البعض: إن قوله: ثم صح، يتعلق بالفريضة، وقوله: أو وجد خفة
يتعلق بالنافلة، لأن هذه دعوى بلا برهان، لأن الذي حمله على هذا لا يخلو إما أن يكون
لبيان أن حكم الفرض في هذا خلاف حكم النفل، وإما لأجل المطابقة بين الترجمة وبين

٢٣٥
١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (٢٠)
حديثي الباب، فإن كان الوجه الأول فليس فيه خلاف عند الجمهور، منهم: أبو حنيفة
ومالك والشافعي وأبو يوسف أن المريض إذا صلى قاعداً ثم صح أو وجد قوة مقدار ما يقوم
بها على القيام فإنه يتم صلاته قائماً، خلافاً لمحمد بن الحسن فإنه قال: يستأنف صلاته. فإن
قلت: أليس هذا بناء القوي على الضعيف؟ قلت: لا، لأن تحريمته لم تنعقد للقيام لعدم القدرة
عليه وقت الشروع في الصلاة، وإن كان الوجه الثاني فلا يحتاج فيه إلى التفرقة لبيان وجه
المطابقة بأن يقال: إن الشق الثاني من الترجمة يطابق حديث الباب، لأنه في النفل، ويؤخذ
ما يتعلق بالشق الأول بالقياس عليه، وهذا كله تعسف، وما أوقع الشراح في هذه التعسفات
إلاّ قول ابن بطال: إن هذه الترجمة تتعلق بالفريضة، وحديث عائشة يتعلق بالنافلة، وتقييد ابن
بطال المطلق بلا دليل تحكم، بل الترجمة على عمومها، وإن كان حديث الباب في النفل،
لأنا قد ذكرنا غير مرة أن أدنى شيء يلائم بين الترجمة والحديث كاف، بيان ذلك أن القيام
في حق المتنفل غير متأكد، وله أن يتركه من غير عذر، والدليل عليه ما روته عائشة، رضي
الله تعالى عنها: ((أنه، عَ لَّه، كان يصلي ليلاً طويلاً قائماً وليلة طويلة قاعداً)، رواه مسلم
والأربعة، وفي حق المريض العاجز عن القيام يكون كذلك لأن تحريمته لا تنعقد لذلك، كما
ذكرنا، فيكون المتنفل والمفترض العاجز سواء في ذلك، فتتناولهما الترجمة من هذه الحيثية.
وقال الحسَنُ إنْ شاءَ المَرِيضُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ قاعِداً وَرَكْعَتَيْنِ قائِماً
الحسن هو البصري، قال بعضهم: وهذا الأثر وصله ابن أبي شيبة بمعناه، قلت: الذي
ذكره ابن أبي شيبة ليس بمعناه ولا قريباً منه لأنه قال: حدثنا هشيم عن مغيرة وعن يونس عن
الحسن ((أنهما قالا: يصلي المريض على الحالة التي هو عليها)) انتهى. ومعناه: إن كان عاجزاً
عن القيام يصلي قاعداً، وإن كان عاجزاً عن القعود يصلي على جنبه، كما في الحديث الذي
روي عن عمران، وحالته لا تخلو عن ذلك، والذي ذكره البخاري عنه هو، أن: يصلي
المريض إن شاء ركعتين قاعداً وركعتين قائماً، فالذي يظهر منه أنه إذا صلى ركعتين قاعداً
لعجزه عن القيام، ثم قدر على القيام يصلي الركعتين اللتين بقيتا قائماً، ولا يستأنف صلاته.
فحينئذ تظهر المطابقة بين الترجمة وبين هذا الأثر. وقال صاحب (التلويح): هذا التعليق، يعني
الذي ذكره عن الحسن، رواه الترمذي في (جامعه): عن محمد بن بشار حدثنا ابن أبي عدي
عن أشعث بن عبد الملك عن الحسن: إن شاء الرجل صلى صلاة التطوع قائماً وجالساً
ومضطجعاً. انتهى. قلت: هذا أيضاً غير قريب مما ذكره البخاري، ولا يخفى ذلك على
المتأمل.
١١١٨/١٤٩ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنْ هِشَامِ بنِ عُزْوَةَ
عَنْ أَبِيهِ عنْ عائِشَةَ أمُّ المُؤْمِنِينَ رضي الله تعالى عنها أنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا لَمْ تَرَ رَسُولَ اللهِ عَه
يُصَلِّي صَلاَةَ اللَّيْلِ قاعِداً قَط حَتَّى أَسَنَّ فَكَانَ يَقْرأ قاعِداً حَتَّى إِذَا أَرَادَ أنْ يَرْكَعَ قامَ فَقَرَأَ
نَحْواً مِنْ ثَلاَئِينَ آيَةً أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً ثُمَّ رَكَعَ. [الحديث ١١١٨ - أطرافه في: ١١١٩، ١١٤٨،
١١٦١، ١١٦٨، ٤٨٣٧].

٢٣٦
١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (٢٠)
وجه المطابقة بین الترجمة والحدیث قد ذ کرناه، والحديث أخرجه أبو داود: حدثنا
أحمد بن عبد الله بن يونس حدثنا زهير حدثنا هشام بن عروة عن عروة عن عائشة قالت: ما
رأيت رسول الله، عَّه، يقرأ في شيء من صلاة الليل جالساً قط، حتى دخل في السن،
فكان يجلس فيقرأ حتى إذا بقي أربعون أو ثلاثون آية قام فقرأها ثم سجد». وقد روي عن
عائشة: صلاة النبي عَِّ جالساً في التطوع جماعة آخرون من التابعين. منهم: الأسود بن
يزيد، أخرج حديثه النسائي من رواية عمر بن أبي زائدة عن أبي إسحاق عن الأسود ((عن
عائشة، قالت: ما كان النبي عَّ له يمتنع من وجهي وهو صائم، وما مات حتى كان أكثر
صلاته قاعداً). وروى مسلم من رواية عبد الله بن عروة عن أبيه ((عن عائشة قالت: لما بدن
رسول الله عَّ الله وثقل كان أكثر صلاته جالساً)). ومنهم: علقمة بن وقاص، أخرج حديثه مسلم
بلفظ: قلت لعائشة: كيف كان رسول الله عَّه يصنع في الركعتين وهو جالس؟ قالت: كان
يقرأ فيهما، فإذا أراد أن يركع قام فركع)). ومنهم: عمرة، أخرج حديثها مسلم والنسائي وابن
ماجه من رواية أبي بكر بن محمد عن عمر ((عن عائشة قالت: كان رسول الله عَّ له يقرأ وهو
قاعد، فإذا أراد أن يركع قام قدر ما يقرأ الإنسان أربعين آية)). قوله: ((صلاة الليل))، قيدت
عائشة لها لتخرج الفريضة. قوله: ((حتى أسن)) أي: حتى دخل في السن، وقال ابن التين: إنما
قيدت بقولها: ((حتى أسن)) ليعلم إنه إنما فعل ذلك إبقاءً على نفسه ليستديم الصلاة، وأفادت
أنه كان يديم القيام، وأنه كان لا يجلس عما يطيقه من ذلك. قوله: ((أو أربعين)) يحتمل أن
يكون هذا شكاً من الراوي، وأن عائشة قالت أحد الأمرين: ويحتمل أن عائشة، رضي الله
تعالى عنها، ذكرت الأمرين معاً من الثلاثين والأربعين بحسب وقوع ذلك منه، مرة كذا ومرة
كذا، أو بحسب طول الآيات وقصرها.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز الركعة الواحدة بعضها من قيام وبعضها من قعود،
وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وعامة العلماء، وسواء في ذلك: قام ثم قعد أو قعد
ثم قام، ومنعه بعض السلف وهو غلط، ولو نوى القيام ثم أراد أن يجلس جاز عند الجمهور،
وجوزه من المالكية: ابن القاسم، ومنعه أشهب. ومنها: تطويل القراءة في صلاة الليل،
والأصح عند الشافعية أن تطويل القيام أفضل من تكثير الركوع والسجود مع تقصير القراءة،
وكذا عندنا: تطويل القراءة أفضل من كثرة الركوع والسجود، وقال أبو يوسف: إن كان له
ورد من الليل فالأفضل أن يكثر عدد الركعات، وإلاّ فطول القيام أفضل، وقال محمد: كثرة
الركوع والسجود أفضل لقوله عَّ: ((عليك بكثرة السجود)). ومنها: جواز صلاة النافلة قاعداً
مع القدرة على القيام، وهو مجمع عليه.
١١١٩/١٤٩ - حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنْ عَبْدِ الله بنِ یَزِيدَ
وَأَبِي النضْرِ مَوْلَى عُمرَ بنِ عُبَيْدِ اللهِ عنْ أَبِي سَلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرُخْمنِ عنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ
رضي الله تعالى عنها أنَّ رسُولَ اللهِ عَّ ◌َلَّه كانَ يُصَلِّي جالساً فَيَقْرَأْ وَهْوَ جالِسٌ فَإِذَا بَقِيَ مِنْ
قِرَاءَتِهِ نَحْوٌ مِنْ ثَلاَئِينَ أُوْ أَرْبَعِينَ آيَةً قَامَ فَقَرَأْهَا وَهْوَ قائِمٌ ثُمَّ رَكَعَ ثُمَّ سَجَدَ يَفْعَلُ فِي الرَّكْعَةِ

٢٣٧
١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (٢٠)
النَّانِيَةِ مِثْلَ ذُلِكَ فإذَا قضَى صَلاَتَهُ نَظَرَ فإنْ كُنْتُ يَقْظَى تَحَدَّثَ مَعِي وَإِنْ كُنْتُ نائِمةً
اضْطَجَعَ. [أنظر الحديث ١١١٨ وأطرافه].
هذا طريق آخر من حديث عائشة وعبد الله بن يزيد - من الزيادة - المخزومي المدني
الأعور، وأبو النضر، بفتح النون وسكون الضاد المعجمة: اسمه سالم بن أبي أمية القرشي
التيمي المدني، مولى عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي، مر في باب المسح على الخفين.
والحديث أخرجه مسلم في الصلاة عن يحيى بن يحيى. وأخرجه أبو داود فيه عن
القعنبي، كلاهما عن مالك، وأخرجه الترمذي فيه عن إسحاق بن موسى الأنصاري عن معن
عن مالك عن أبي النضر وحده به، وقال: حسن صحيح، وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن
سلمة المرادي المصري عن عبد الرحمن بن القاسم عن مالك به. وقال الترمذي: عن أحمد
وإسحاق من أن حديثي عائشة معمول بهما، وهو قول الجمهور وبقية الأئمة الأربعة وغيرهم
خلافاً لمن منع الانتقال من القيام إلى القعود عند عدم الضرورة لذلك، وهو غلط، كما تقدم
وروى الترمذي أيضاً وقال: حدثنا أحمد بن منيع أخبرنا خالد وهو الحذاء عن عبد الله بن
شقيق ((عن عائشة، رضي الله تعالى عنها، قال: سألتها عن صلاة النبي عَلَّه عن تطوعه؟
قالت: كان يصلي ليلاً طويلاً قائماً وليلاً طويلاً قاعداً، فإذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو
قائم، وإذا قرأ وهو جالس ركع وسجد وهو جالس)). قال: هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه
بقية الستة خلا البخاري، فرواه مسلم عن يحيى بن يحيى وأبو داود عن أحمد بن حنبل، وفي
بعض النسخ عن أحمد بن منيع كلاهما عن هشيم، ورواه أبو داود عن مسدد والنسائي عن
أبي الأشعث، كلاهما عن يزيد بن زريع عن خالد الحذاء، ورواه ابن ماجه من رواية حميد
الطويل، وروى الترمذي أيضاً من حديث حفصة، رضي الله تعالى عنها، قال: حدثنا الأنصاري
حدثنا معن حدثنا مالك بن أنس عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد عن المطلب بن أبي
وداعة السهمي ((عن حفصة زوج النبي عَّلّ أنها قالت: ما رأيت رسول الله عَ لّه صلى في
سبحته قاعداً حتى كان قبل وفاته بعام، فإنه كان يصلي في سبحته قاعداً ويقرأ بالسورة
ويرتلها حتى تكون أطول من أطول منها)). وقال: حديث حسن صحيح.
فإن قلت: بين حديثي حفصة وعائشة منافاة ظاهراً؟ قلت: لا، لأن قول عائشة: كان
يصلي جالساً، لا يلزم منه أن يكون صلى جالساً قبل وفاته بأكثر من عام، فإن كان لا يقتضي
الدوام بل ولا التكرار على أحد قولي الأصوليين، وعلى تقدير أن يكون صلى في تطوعه
جالساً قبل وفاته بأكثر من عام فلا ينافي حديث حفصة، لأنها إنما نفت رؤيتها، لا وقوع ذلك
جملة وفي الباب عن أم سلمة، رضي الله تعالى عنها، أخرج حديثها النسائي وابن ماجه من
رواية أبي إسحاق السبيعي ((عن أبي سلمة عن أم سلمة قالت: والذي نفسي بيده، ما مات
رسول الله عَّ لِ حتى كان أكثر صلاته قاعداً إلاّ المكتوبة)). وعن أنس أخرج حديثه أبو يعلى
قال: حدثنا محمد بن بكار حدثنا حفص بن عمر قاضي حلب حدثنا مختار بن فلفل ((عن
أنس بن مالك، أن رسول الله عَّله صلى على الأرض في المكتوبة قاعداً، وقعد في التسبيح

٢٣٨
١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (٢٠)
في الأرض فأومأ إيماءً)) وحفص ابن عمر ضعيف، وعن جابر بن سمرة أخرج حديثه مسلم من
رواية حسن بن صالح عن سماك بن حرب ((عن جابر بن سمرة: أن النبي عَِّ لم يمت حتى
صلى قاعداً). قال شيخنا زين الدين: هكذا أدخله غير واحد من المصنفين في: باب الرخصة
في صلاة التطوع جالساً، وليس صريحاً في ذلك، فلعل جابراً أخبر عن صلاته وهو قاعد
للمرض، وعن عبد الله بن الشخير أخرج حديثه الطبراني في (الكبير) من رواية زيد بن
الحباب عن شداد بن سعيد عن غيلان بن جرير ((عن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه
قال: أتيت النبي عَّله وهو يصلي قائماً وقاعداً وهو يقرأ ﴿ألهاكم التكاثر﴾ [التكاثر: ١] حتى
ختمها.

٠
بسم الله الرحمن الرحيم
ليست البسملة مذكورة في رواية أبي ذر.
١٩ - كتابُ التَّهَجُّدِ
١ - بابُ التَّهَجَّدِ بِاللَّيْلِ
أي: هذا باب في بيان التهجد بالليل، وفي رواية الكشميهني من الليل وهو أوفق للفظ
القرآن، وفي بعض النسخ: كتاب التهجد بالليل.
وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩]
وقوله: بالجر عطف على ما قبله، داخل في الترجمة، وزاد أبو ذر في رواية: اسهر به،
وحكاه الطبري كذلك، وفي كتاب (المجاز) لأبي عبيدة ﴿فتهجد به﴾ [الإسراء: ٧٩]. أي:
اسهر بصلاة، يقال: تهجدت أي سهرت، وهجدت أي: نمت وفي (الموعب) لابن التياني
عن صاحب (العين): هجد القوم هجوداً: ناموا، وتهجدوا أي: استيقظوا للصلاة أو لأمر، قال
تعالى: ﴿فتهجد به﴾ [الإسراء: ٧٩]. أي: انتبه بعد النوم، واقرأ القرآن، وقال قطرب: التهجد،
القيام، وقال كراع: التهجد صلاة الليل خاصة، وعن الأصمعي: هجد يهجد هجوداً: نام،
وبات متهجداً، أي: ساهراً. وفي (معاني القرآن) للزجاج: هجدته إذا نومته، وفي (المحكم):
هجد يهجد هجوداً وأهجد نام والهاجد والهجود المصلي بالليل، والجمع: هجود وهجد،
وفي (الجامع): الهاجد النائم وقد يكون الساهر من الأضداد، فأما التهجد فأكثر ما يكون
يستعمل في السهر، وأكثر الناس على أن هجد: نام. قوله: ﴿نافلة لك﴾ [الإسراء: ٧٩].
النافلة الزيادة، وذكر ابن بطال عن البعض: إنما خص سيدنا رسول الله عَ ليه لأنها كانت فريضة
عليه، ولغيره تطوع، ومنهم من قال: بأن صلاة الليل كانت واجبة، ثم نسخت فصارت نافلة،
أي: تطوعاً. وذكر في كونها نافلة أن الله تعالى غفر له من ذنوبه ما تقدم وما تأخر، فكل
طاعة يأتي بها سوى المكتوبة تكون زيادة في كثرة الثواب فلهذا سمي نافلة بخلاف الأمة
فإن لهم ذنوباً محتاجة إلى الكفارات، فثبت أن هذه الطاعات إنما تكون زوائد ونوافل في حق
سيدنا رسول الله عَّللم لا في حق غيره، وأما الذين قالوا: إن صلاة الليل كانت واجبة عليه
قالوا: معنى كونها نافلة على التخصيص أي: أنها فريضة لك زائدة على الصلوات الخمس،
خصصت بها من بين أمتك وذكر بعض السلف أنه يجب على الأمة قيام الليل ما يقع عليه
الاسم، ولو قدر حلب شاة، وقال النووي: وهذا غلط ومردود، وقيام الليل أمر مندوب إليه
وسنة متأكدة. قال أبو هريرة في (صحيح مسلم): ((أفضل الصلاة بعد المكتوبة صلاة الليل،
فإن قسمت الليل نصفين فالنصف الآخر أفضل. وإن قسمته أثلاثاً. فالأوسط أفضلها)). وأفضل
منه صلاة السدس الرابع والخامس لحديث ابن عمرو في صلاة داود عَّهِ، ويكره أن يقوم
كل الليل لقوله عَ لّ لعبد الله بن عمر، رضي الله تعالى عنهما: ((بلغني أنك تقوم الليل؟ قلت:
نعم، قال: لكني أصلي وأنام، فمن رغب عن سنتي فليس مني)). فإن قيل: ما الفرق بينه وبين
٢٣٩

٢٤٠
١٩ - كتابُ التَّهَجَدِ / باب (١)
صوم الدهر غير أيام النهي فإنه لا يكره عند الشافعية؟ قيل له: صلاة كل الليل تضر بالعين
وسائر البدن بخلاف الصوم فإنه يستوفي في الليل ما فاته من أكل النهار، ولا يمكنه نوم النهار
إذا صلى الليل كله لما فيه من تفويت مصالح دنياه وعياله، وأما بعض الليالي فلا يكره
إحياؤها مثل العشر الأواخر من رمضان وليلتي العيد.
١١٢٠/١٥٠ - حدثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللهِ قال حدَّثنا سُفْيَانُ قال حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ
أبِي مُسْلِمٍ عنْ طَاؤُسٍ سَمِعَ ابنَ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قال كانَ النبيُّ عَ لَّهِ إِذَا قَامَ
مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ قالَ اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمُواتِ والأرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ وَلَكَ
الحَمْدُ لَّكَ مُلْكُ السَّمُواتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ وَلَكَ الحَمْدُ نُورُ السَّمْوَاتِ وَالأَرضِ وَلَكَ
الحَمْدُ وَوَعْدُكَ الحَقُّ وَلِقَاؤُكَ حَقِّ ومحمَّدٌ عَ لِّ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ حَقِّ اللَّهُمَّ لَكَ أَسَلَمْتُ
وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ وبِكَ خَاصَمْتُ وإِلَيْكَ حاكَمْتُ فَاغْفِرْ لِي ما
قَدَّمْتُ وما أخَّرْتُ وما أُسْرَزْتُ وما أعْلَنْتُ أنْتَ المُقَدِّمُ وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ أَوْ لاَ
إِلَّهَ غَيْرَكَ. [الحديث ١١٢٠ - أطرافه في: ٦٣١٧، ٧٣٨٥، ٧٤٤٢، ٧٤٩٩].
مطابقته للترجمة ظاهرة لأنه من جملة التهجد بالليل.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: علي بن عبد الله المعروف بابن المديني. الثاني:
سفيان بن عيينة. الثالث: سليمان بن أبي مسلم المكي الأحول عبد الله خال ابن أبي نجيح،
وأبو مسلم يقال اسمه: عبد الله. الرابع: طاوس بن كيسان اليماني. الخامس: عبد الله بن
عباس.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في
موضع واحد. وفيه: السماع. وفيه: القول في ثلاثة مواضع، وفيه: أن شيخه بصري وسفيان
وسليمان مكیان وطاوس يماني.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الدعوات عن عبد الله
ابن محمد، وفي التوحيد عن ثابت بن محمد مرتين وعن قبيصة بن عقبة كلاهما عن سفيان
الثوري وعن محمود عن عبد الرزاق، كلاهما عن ابن جريج عنه به. وأخرجه مسلم في
الصلاة عن عمرو الناقد ومحمد بن عبد الله بن نمير وابن أبي عمر ثلاثتهم عن ابن عيينة به
وعن محمد بن رافع عن عبد الرزاق به. وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة وفي (النعوت) عن
محمد بن منصور كلاهما عن ابن عيينة به، وفي (النعوت) أيضاً عن محمود بن غيلان وعبد
الأعلى بن واصل بن عبد الأعلى، كلاهما عن يحيى بن آدم عن الثوري به. وأخرجه ابن
ماجه في الصلاة عن هشام بن عمار وأبي بكر بن خلاف فرقهما، كلاهما عن ابن عيينة به.
ذكر معناه: قوله: ((إذا قام من الليل يتهجد))، وفي رواية مالك عن أبي الزبير عن
طاوس: ((إذا قام إلى الصلاة من جوف الليل يتهجد))، وظاهر الكلام أنه كان يدعو بهذا الدعاء
أول ما يقول إلى الصلاة، ويخلص الثناء على الله تعالى بما هو أهله والإقرار بوعده ووعيده،