Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (٧)
على الأرض، ولا يشترط استقباله في السلام على الأصح. ومما يستنبط من قوله: ((على
الراحلة)): أن راكب السفينة ليس كراكب الدابة لتمكنه من الاستقبال، وسواء كانت السفينة
واقفة أو سائرة. وقال الرافعي: وقيل: يجوز للملاح، وحكاه عن صاحب (العدة) وزاد النووي
في (زيادات الروضة) وفي (شرح المهذب) حكايته عن الماوردي وغيره، وفي (التحقيق)
للنووي: الجواز للملاح في حال تسييرها. وقال شيخنا زين الدين، رحمه الله: المعتبر توجه
الراكب. إلى جهة مقصده لا توجه الدابة حتى لو كانت الدابة متوجهة إلى جهة مقصده
وركبها هو معترضاً أو مقلوباً، فإنه لا يصح إلا أن يكون ما استقبله هو جهة القبلة، فيصح
على الصحيح. وقيل: لا يصح لأن قبلته جهة مقصده.
١٠٩٤/١٢٨ - حدَّثنا أَبُو نُعَيْم قال حدَّثنا شَيْبَانُ عنْ يَحْيى عنْ محَمَّدَ بنِ عَبْدِ
الرَّحْمنِ أنَّ جَابِرَ بنَ عَبْدِ اللهِ أُخْبَرَه أنَّ النَّبِيَّ عَلَِّ كانَ يُصَلِّي النَّطَوَّعَ وَهْوَ رَاكِبٌ فِي غَيْرِ
القِبْلَةِ. [انظر الحديث ٤٠٠ وطرفيه].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: أبو نعيم الفضل بن دكين. الثاني: شيبان بن عبد
الرحمن النحوي. الثالث: يحيى بن أبي كثير، وقد مر غير مرة. الرابع: محمد بن عبد
الرحمن بن ثوبان، بفتح الثاء المثلثة: العامري المدني. الخامس: جابر بن عبد الله.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: الإخبار بصيغة
الإفراد في موضع. وفيه: العنعنة في موضعين، وفيه: القول في موضع واحد. وفيه: أن شيبان
كوفي سكن البصرة ويحيى يماني. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي.
وأخرجه البخاري أيضاً في الصلاة عن مسلم بن إبراهيم، وفي تقصير الصلاة عن معاذ
ابن فضالة.
قوله: ((وهو راكب)) وفي الرواية الآتية: ((على راحلته نحو المشرق))، وزاد ((وإذا أراد
أن يصلي المكتوبة نزل فاستقبل القبلة))، وبين في المغازي من طريق عثمان بن عبد الله بن
سراقة عن جابر، أن ذلك كان في غزوة أنمار، وكانت أرضهم قبل المشرق لمن يخرج من
المدينة، فتكون القبلة على سائر المقاصد إليهم. وروى الترمذي عن محمود بن غيلان:
حدثنا وكيع ويحيى بن آدم، قال: حدثنا سفيان عن أبي الزبير ((عن جابر: قال: بعثني النبي
عَّله في حاجة فجئت وهو يصلي على راحلته نحو المشرق، السجود أخفض من الركوع».
وروى أحمد في (مسنده) من رواية ابن أبي ليلى عن عطاء أو عطية ((عن أبي سعيد: أن النبي
عَّرِ كان يصلي على راحلته في التطوع حيث ما توجهت به يومىء إيماءً يجعل السجود
أخفض من الركوع)».
١٠٩٥/١٢٩ - حدّثنا عَبْدُ الأعلى بنُ حَمَّادٍ قال حدَّثنا وُهَيْبٍ قال حدَّثنا مُوسى
ابن عُقْبَةَ عنْ نافَعٍ قال وكانَ ابنُ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما يُصَلِّي عَلَى راحِلَتِهِ وَيُوتِرُ عَلَيْهَا
:

٢٠٢
١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (٧)
وَيُخْبِرُ أَنَّ النَّبِيَّ عَ لِ كَانَ يَفْعَلُهُ. [أنظر الحديث ٩٩٩ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((يصلي على راحلته))، وقد ذكرنا أن لفظ. الدابة، في
الترجمة يتناول الراحلة وغيرها، وعبد الأعلى بن حماد مر في الغسل في: باب الجنب يخرج
من المغتسل، ووهيب، بضم الواو: ابن خالد البصري وقد مر في كتاب العلم، وموسى بن
عقبة مر في إسباغ الوضوء.
قوله: (يصلي على راحلته)) يعني، في السفر، وصرح به في الحديث الذي يأتي في
الباب الذي بعده. قوله: ((ويوتر على راحلته))، وقد احتج عطاء بن أبي رباح والحسن
البصري وسالم بن عبد الله ونافع مولى ابن عمر بهذا الحديث وأمثاله على أن المسافر يجوز
له أن يصلي الوتر على راحلته، وبه قال مالك والشافعي وإسحاق، ويروى ذلك عن علي وابن
عباس، رضي الله تعالى عنهم، وكان مالك يقول: لا يصلي على الراحلة إلاّ في سفر تقصر
فيه الصلاة. وقال الأوزاعي والشافعي: قصير السفر وطويله سواء في ذلك، يصلي على
راحلته. وقال ابن حزم: يوتر المرء قائماً وقاعداً لغير عذر إن شاء وعلى دابته، وقال أصحابنا:
لا يجوز الوتر على الراحلة، ولا يجوز إلّ على الأرض كما في الفرائض، وبه قال محمد بن
سيرين وعروة بن الزبير وإبراهيم النخعي، ويروى ذلك عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله في
رواية، واحتجوا في ذلك بما رواه الطحاوي: حدثنا يزيد بن سنان، قال: حدثنا أبو عاصم:
قال: حدثنا حنظلة بن أبي سفيان عن نافع ((عن ابن عمر: أنه كان يصلي على راحلته ويوتر
بالأرض، ويزعم أن رسول الله عَّ كذلك كان يفعل)) وإسناده صحيح، ويزيد بن سنان شيخ
النسائي أيضاً، وأبو عاصم النبيل شيخ البخاري، وحنظلة روى له الجماعة، فهذا يعارض
حديث الباب وأمثاله، ويؤيد هذا ما روي عن ابن عمر من غير هذا الوجه من فعله، رواه
الطحاوي: حدثنا عثمان بن عمر وبكر بن بكار، قالا: حدثنا عمر بن ذر ((عن مجاهد: أن ابن
عمر كان يصلي في السفر على بعيره أينما توجه به، فإذا كان في السحر نزل فأوتر))، وإسناده
صحيح. وأخرجه أحمد أيضاً في (مسند) من حديث سعيد بن جبير: ((ان ابن عمر كان
يصلي على راحلته تطوعاً، فإذا أراد أن يوتر نزل فأوتر على الأرض .. ))، فإذا كان الأمر كذلك
لا يبقى لأهل المقالة الأولى حجة، ولا سيما الراوي، إذا فعل بخلاف ما روى، فإنه يدل
على سقوط ما روى. فإن قلت: صلاة ابن عمر الوتر على الأرض لا تستلزم عدم جوازه عنده
على الراحلة. لأنه يجوز له أن يفعل ذلك، وله أن يوتر على الراحلة.
قلت: يجوز أن يكون ما رواه ابن عمر عن النبي عَ لّه من وتره على الراحلة قبل أن
يحكم أمر الوتر ويغلظ شأنه، لأنه كان أولاً كسائر التطوعات، ثم أكد بعد ذلك فنسخ. قال
الطحاوي: فمن هذه الجهة ثبت نسخ الوتر على الراحلة، وكان ما فعله ابن عمر من وتره
على الراحلة قبل علمه بالنسخ، ثم لما علمه رجع إليه وترك الوتر على الراحلة، ويجوز أن
يكون الوتر عنده كالتطوع، فله أن يصلي على الراحلة وعلى الأرض. فإن قلت: ما وجه هذا
النسخ؟ قلت: بدلالة التاريخ، وهو أن يكون أحد النصين معارضاً للآخر بأن يكون أحدهما

٢٠٣
١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (٨)
موجباً للحظر والآخر للإباحة، وينتفي هذا التعارض بالمصير إلى دلالة التاريخ، وهو أن النص
الموجب للحظر يكون متأخراً عن الموجب للإباحة، فكان الأخذ به أولى وأحق. وقال
الكرماني: فإن قيل: فمذهبكم أنه واجب على النبي عَّه، يعني: الوتر؟ قلنا: وإن كان واجباً
عليه، فقد صح فعله على الراحلة، ولو كان واجباً على العموم لم يصح على الراحلة كالظهر.
فإن قالوا: الظهر فرض والوتر واجب، وبينهما فرق؟ قلنا: هذا الفرق اصطلاح لكم لا يسلمه
الجمهور ولا يقتضيه الشرع ولا اللغة، ولو سلم لم يحصل غرضكم ههنا. انتهى.
قلت: الحديث رواه ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، أنه قال: سمعت رسول الله
عَ لٍ يقول: ((ثلاث هن عليَّ فرائض وهن لكم تطوع: الوتر والنحر وركعتا الفجر))، رواه أحمد
في (مسنده) والحاكم في (مستدركه) والدارقطني والطبراني والبيهقي، ولفظ البيهقي:
((ركعتا الضحى)) بدل: ((ركعتي الفجر)) وفي إسناده أبو جناب الكلبي، واسمه: يحيى بن أبي
حية، وهو ضعيف. ولما رواه الحاكم سكت عليه، ولئن سلمنا صحته وخصوصية النبي عند له
بوجوبه فالواجب لا يؤدى على الراحلة، ويحتمل أن يكون فعله على الراحلة من باب
الخصوصية أيضاً، وقوله: لا يسلمه الجمهور، وهو كلام لا طائل تحته، لأن الاصطلاح لا
ينازع فيه، وقوله: ولا يقتضيه الشرع، أبعد من ذلك، لأنه لم يبين ما المراد من اقتضاء
الشرع، وعدم اقتضائه. وقوله: ولا اللغة، كلام واهٍ، لأن اللغة فرقت بين الفرض والواجب،
ففي أي كتاب من كتب اللغة المعتبرة نص على أن الفرض والواجب واحد، وهذه مكابرة
وعناد. وقوله: ولو سلم لم يحصل غرضكم ههنا، فنقول لو اطلع هذا على ما ورد من
الأحاديث الدالة على وجوب الوتر وما ورد من الصحابة لما حصل له غرضه من هذه
المناقشة بلا وجه.
٨ - بابُ الإِيمَاءِ عَلَى الدَّابَّةِ
أي: هذا باب في بيان حكم الصلاة بالإيماء على الدابة، مراده: أن من لم يتمكن من
الركوع والسجود يومىء بهما.
١٠٩٦/١٣٠ - حدثنا مُوسى قال حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ مُسْلِمٍ قال حدَّثنا عَبْدُ الله
ابن دِينَارٍ قال كانَ عَبْدُ اللهِ بنُ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما يُصَلِّ فِيّ السَّفَرِ عَلَى راحِلَتِهِ
أَيْنَما تَوَجَّهَتْ يُومِىءُ. وذَكَرَ عَبْدُ اللهِ أنَّ النَّبِيَّ عَ لَِّ كَانَ يَفْعَلُهُ. [أنظر الحديث ٩٩٩
وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وقد مضى هذا الحديث فى أبواب الوتر في: باب الوتر في
السفر، فإنه أخرجه هناك: عن موسى بن إسماعيل عن جويرية بن أسماء عن نافع ((عن ابن
عمر، قال: كان النبي عَّةٍ يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به يومىء إيماء صلاة
الليل إلاّ الفرائض، ويوتر على راحلته)). فانظر التفاوت بينهما في الإسناد والمتن، وكان
لموسى بن إسماعيل المذكور شيخان هناك: جويرية، وههنا: عبد العزيز بن مسلم أبو زيد

٢٠٤
١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (٩)
القسملي المروزي: سكن البصرة، مات سنة سبع وستين ومائة. قوله: ((كان يفعله)) أي: كان
يفعل الإيماء الذي يدل عليه قوله: ((یومیء)).
٩ - بابٌ يَنْزِلُ لِلْمَكْتُوبِةِ
أي: هذا باب يذكر فيه أن راكب الداية ينزل عنها لأجل صلاة الفرض.
١٠٩٧/١٣١ - حدثنا يحيى بنُ بُكَثِرٍ قال حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلِ عنِ ابنِ شِهَابٍ
عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عامِرٍ بنِ رَبِيعَةً أَنَّ عامِرَ بنَ رَبِيعَةَ أَخْبَرَةُ قَالَ رَأيْتُ رسولَ اللهِ عَ لّه وَهْوَ عَلَى
الرَّاحِلَةِ يُومِىءُ بِرَأْسِهِ قِبَلَ أيَّ وَجْهٍ تَوَّهَ ولَمْ يَكُنْ رسولُ اللهِ عَّهِ يَصْنَعُ ذُلِكَ فِي الصَّلاَةِ
المَكْتُوبَةِ. [أنظر الحديث ١٠٩٣ وطرفه].
١٠٩٨ _ وقَالَ اللَّيْثُ حدَّثني يُونُسُ عنِ ابنِ شِهَابٍ قال قال سَالِمٌ كَانَ عَبْدُ اللهِ
يُصَلِّي عَلَى دَابَّتِهِ مِنَ اللَّيْلِ وَهْوَ مُسَافِرٌ ما يُبَالِي حَيْثُ كانَ وَجْهُهِ. قال ابنُ عُمَرٍ وَكانَ
رسولُ اللهِ عَ لَّه يُسَبِّحُ عَلَى الرَّاحِلَةِ قِبَلَ أيَّ وَجْهٍ تَوَبَّهَ وَيُوتِرُ عَلَيْهَا غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يُصَلِّي عَلَيْهَا
المَكْتُوبَةَ. [أنظر الحديث ٩٩٩ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ولم يكن رسول الله عَّة يصنع ذلك في الصلاة
المكتوبة))، وفي قوله: ((غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة)) وهذا الحديث قد تقدم قبل
بابين في: باب يصلي المغرب ثلاثاً في السفر، فانظر التفاوت بينهما في السند والمتن.
وعقيل، بضم العين: هو ابن خالد الأيلي، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري،
ویونس هو ابن یزید الأيلي.
قوله: ((وهو على الراحلة)) جملة حالية وكذلك، قوله: ((يسبح))، حال من النبي عَ له
ومعناه: يصلي صلاة النفل. وقال بعضهم: التسبيح حقيقة في قوله: سبحان الله، فإذا أطلق
على الصلاة فهو من باب إطلاق اسم البعض على الكل. قلت: ليس الأمر كذلك وإنما
التسبيح في الحقيقة التنزيه من النقائص، ثم يطلق على غيره من أنواع الذكر مجازاً:
كالتحميد والتمجيد، وغيرهما، وقد يطلق على صلاة التطوع فيقال: سبحة، وهو من أنواع
المجاز من قبيل إطلاق الجزء على الكل، وقال هذا القائل أيضاً: أو لأن المصلي منزه لله
سبحانه وتعالى بإخلاص العبادة، والتسبيح التنزيه، فيكون من باب الملازمة. قلت: ليت
شعري ما مراده من الملازمة، فإن كانت اصطلاحية فهي تستدعي اللازم والملزوم، فما اللازم
هنا وما الملزوم؟ وإن أراد غير ذلك فعليه بيانه، وهذا الوجه أيضاً يقتضي أن لا يختص
بالنافلة، والحال أن إطلاق هذا مخصوص بالنافلة حيث قال: وأما اختصاص ذلك بالنافلة فهو
عرف شرعي، وتحرير ذلك ما قاله ابن الأثير: وإنما خصت النافلة بالسبحة وإن شاركتها
الفريضة في معنى التسبيح، لأن التسبيحات في الفرائض نوافل، فقيل لصلاة النافلة: سبحة
لأنها نافلة كالتسبيحات والأذكار في أنها غير واجبة. قوله: ((قبل)) أي: وجه، بكسر القاف
وفتح الباء الموحدة أي: مقابل أي جهة. قوله: ((وقال الليث)) قد ذكرنا في باب يصلي في

٢٠٥
١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (١٠)
السفر، أن الإسماعيلي وصله.
١٠٩٩/١٣٢ - حدّثنا مُعَاذُ بنُ فَضَالَةَ قال حدَّثنا هِشَامٌ عنْ يَحْيى عنْ مُحَمَّدِ بنِ
عَبْدِ الرَّحْمنِ ابنِ ثَوْبَانَ قال حدَّثني جائِرُ بنُ عَبْدِ اللهِ أنَّ النبيَّ عَ لَّهِ كانَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ
نَحْوَ المَشْرِقِ فإذَا أَرَادَ أنْ يُصَلِّيَ المَكْتُوبَةَ نَزَلَ فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ. [أنظر الحديث ٤٠٠
وطرفیه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، والحديث تقدم في: باب صلاة التطوع على الدابة، عن قريب
فإنه أخرجه هناك: عن أبي نعيم عن شيبان عن يحيى إلى آخره. وههنا: عن معاذ، بضم
الميم: ابن فضالة أبو زيد الزهراني، وهو من أفراد البخاري عن هشام الدستوائي عن يحيى بن
أبي كثير .. إلى آخره.
قوله: ((نحو المشرق)) وفي رواية جابر السالفة: ((وهو راكب في غير القبلة))، وبهذا
أخذ جماهير العلماء، فهذا ونحوه من الأحاديث يخصص قوله تعالى: ﴿وحيث ما كنتم فولوا
وجوهكم شطره﴾ [البقرة: ١٤٤ و١٥٠]. ويبين أن قوله تعالى: ﴿فأينما تُولوا فثم وجه الله﴾
[البقرة: ١١٥]. في النافلة لأن الله تعالى من لطفه وكرمه جعل باب النفل أوسع، وقد ذكرنا
فيما مضى أقاويل العلماء في هذا الباب، وقال بعضهم: واستدل به على أن الوتر غير واجب
عليه عَّ الله لإيقاعه إياه على الراحلة. قلت: قد ذكر عن قريب ((عن ابن عباس أنه قال: سمعت
رسول الله عَ لّم يقول: ثلاث هن علي فرائض وهن لكم تطوع: الوتر والنحر وركعتا الفجر)).
وقد ذكرنا أن للنبي عَّلِ أن يصلي ما هو فرض على الراحلة إذا شاء.
١٠ - بابُ صَلاَةِ التَطُوُعِ عَلَى الحِمارِ
أي: هذا باب في بيان حكم صلاة التطوع على حمار، إنما أفرد هذا الباب بالذكر،
وإن كان داخلاً في: باب صلاة التطوع على الدابة، وفي: باب الإيماء على الدابة، إشارة أنه
لا يشترط أن تكون الدابة طاهرة الفضلات، لكن يشترط أن لا يماس الراكب ما كان غير
طاهر منها، وتنبيهاً على طهارة عرق الحمار، وكان الأصل أن يكون عرقه كلحمه لأنه متولد
منه، ولكن خص بطهارته لركوب النبي عَّةٍ إياه، وعن هذا قال أصحابنا: كان ينبغي أن
يكون عرق الحمار مشكوكاً لأن عرق كل شيء يعتبر بسؤره، لكن لما ركبه النبي عَ ◌ّه
معرورياً، والحرحر الحجاز، والثقل ثقل النبوة حكم بطهارته.
١١٠٠/١٣٣ - حدّثنا أحمَدُ بنُ سَعِيدٍ قال حدَّثنَا حَبَّانُ قال حدَّثنا هَمَّامٌ قال
حدَّثنا أَنَسُ بنُ سِيرِينَ. قال اسْتَقْبَلْنَا أَنَساً حِينَ قَدِمَ مِنَ الشَّامِ فَلَقِينَاهُ بِعَيْنِ الثَّعْرِ فَرَأيْتُهُ يُصَلِّي
عَلَى حِمَارٍ وَوَجْهُهُ مِنْ ذَا الجَانِبِ يَعْنِي عِنْ يَسَارِ القِبْلَةِ فَقَلْتُ رَأيْتُكَ تُصَلِّي لِغَيْرِ القِبْلَةِ فقالَ
لَوْلاَ أَنِّي رَأيْتُ رسول اللهِ عَّ فَعَلَهُ لَمْ أَفْعَلُهُ.
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: أحمد بن سعيد بن صخر بن سليمان بن سعيد بن
:

٢٠٦
١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (١٠)
قيس بن عبد الله أبو جعفر الدارمي المروزي مات بنيسابور سنة ثلاث وأربعين ومائتين، وروى
عنه مسلم أيضاً، وفي شرح الكرماني: أحمد بن يوسف أبو حفص الدارمي، وهذا غلط،
والظاهر أنه من الناسخ وليس في مشايخ البخاري في هذا الكتاب أحمد بن يوسف. الثاني:
حبان، بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة وبالنون: أبو حبيب - ضد العدو - ابن
هلال الباهلي، مر في: باب فضل صلاة الفجر. الثالث: همام، على وزن فعال بالتشديد: ابن
يحيى العوادي، بفتح العين المهملة، وقد تقدم. الرابع: أنس بن سيرين أخو محمد بن سيرين.
الخامس: أنس بن مالك، رضي الله تعالى عنه.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع. وفيه: القول في
خمسة مواضع. وفيه: أن شيخه مروزي والبقية بصريون.
والحديث أخرجه مسلمُ، قال: حدثني محمد بن حاتم، قال: حدثنا عفان بن مسلم،
قال: حدثنا همام قال: ((حدثنا أنس بن سيرين، قال: تلقينا أنس بن مالك حين قدم من الشام
فتلقيناه بعين التمر، فرأيته يصلي على حمار ووجهه ذلك الجانب، وأومأُ همام عن يسار
القبلة، فقلت له: تصلي لغير القبلة، قال: لولا أني رأيت رسول الله عَ ليه يفعله لم أفعله)).
ذكر معناه: قوله: ((استقبلنا))، بسكون اللام، وهي جملة من الفعل والفاعل. وقوله:
((أنس بن مالك)) بالنصب مفعوله. قوله: ((حين قدم من الشام)) وكان أنس سافر إلى الشام
يشكو من الحجاج الثقفي إلى عبد الملك بن مروان، قيل: وقع في رواية مسلم: حين قدم
الشام، وغلطوه لأن أنس بن سيرين إنما تلقاه لما رجع من الشام، فخرج ابن سيرين من البصرة
ليلقاه. قلت: وجدت في نسخ صحيحة لمسلم، من الشام، فعلى هذا نقلته آنفاً، ولئن سلمنا
أنه وقع حين قدم الشام بدون ذكر كلمة: من، فلا نسلم أنه غلط، لأن معناه: تلقيناه في
رجوعه حين قدم الشام، وهكذا قاله النووي. قوله: ((بعين التمر)) بالتاء المثناة من فوق، قال
البكري في (معجم ما استعجم): عين التمر على لفظ جمع تمرة، موضع مذكور في تحديد
العراق، وبكنيسة عين التمر وجد خالد بن الوليد، رضي الله تعالى عنه، الغلمة من العرب
الذين كانوا رهناً في يد كسرى، وهم متفرقون بالشام والعراق، منهم: حد الكلبي العالم
النسابة، وجد أبي إسحاق الحضرمي النحوي، وجد محمد بن إسحاق صاحب (المغازي)
ومن سبي عين التمر: الحسن بن أبي الحسن البصري ومحمد بن سيرين موليا جميلة بنت
أبي قطبة الأنصارية. انتهى. قال بعضهم: كانت بعين التمر وقعة مشهورة في أول خلافة عمر
ابن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، بين خالد بن الوليد والأعاجم. قلت: هذا غلط، لأن وقعة
عين التمر كانت في السنة الثانية عشر من الهجرة في خلافة أبي بكر الصديق. وكانت خلافة
عمر، رضي الله تعالى عنه، يوم مات أبو بكر، رضي الله تعالى عنه، واختلف في وقت وفاته،
فقيل: يوم الجمعة، وقيل: ليلة الجمعة، وقيل: ليلة الثلاثاء بين المغرب والعشاء الآخرة لثمان
ليال بقين من جمادي الآخرة من سنة ثلاث عشرة من الهجرة، ولما فرغ خالد، رضي الله
تعالى عنه، من وقعة اليمامة أرسله أبو بكر إلى العراق ففتح في العراق فتوحات منها: الحيرة

:
٢٠٧
١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (١٠)
والأيلة والأنبار وغيرها، ولما انتقل خالد بالأنبار استناب عليها الزبرقان بن بدر وقصد هو عين
التمر، وبها يومئذ مهران بن بهرام في جمع عظيم من العرب، وعليهم عفة بن أبي عفة، فتلقى
خالداً فكسره خالد وانهزم جيش عفة من غير قتال، ولما بلغ ذلك مهران نزل من الحصن
وهرب وتركه، ورجعت قلال نصارى الأعراب إلى الحصن فدخلوه واحتموا به، فجاءهم
خالد فأحاط بهم وحاصرهم أشد الحصار، فآخر الأمر سألوا الصلح فأبى خالد إلاَّ أن ينزلوا
على حكمه، فنزلوا على حكمه فجعلهم في السلاسل وتسلم الحصن، فضرب عنق عفة ومن
كان أسر معه والذين نزلوا على حكمه أيضاً أجمعين، وغنم جميع ما كان في الحصن، ووجد
في الكنيسة التي به أربعين غلاماً يتعلمون الإنجيل وعليهم باب مغلق، فكسره خالد وفرقهم
في الأمراء فكان فيهم: حمران، صار إلى عثمان بن عفان، رضي الله تعالى عنه، ومنهم:
سيرين والد محمد بن سيرين أخذه أنس بن مالك وجماعة آخرون من الموالي إلى آخرين من
المشاهير أراد الله بهم وبذراريهم خيراً.
قوله: ((ووجهه من ذا الجانب)) أي: من هذا الجانب، ولم يبين في هذه الرواية كيفية
صلاة أنس، وذكره في (الموطأ) ((عن يحيى بن سعيد قال: رأيت أنساً وهو يصلي على حمار
وهو متوجه إلى غير القبلة يركع ويسجد إيماءً من غير أن يضع جبهته على شيء». قوله:
((رأيتك تصلي لغير القبلة؟)) فيه أنه لم ينكر على أنس صلاته على الحمار ولا غير ذلك من
هيئة أنس، وإنما أنكر عليه تركه استقبال القبلة فقط، وأجاب عنه أنس بقوله: ((لولا أني رأيت
رسول الله عَّلِ يفعله لم أفعله)). قوله: ((يفعله)) جملة حالية، أي: حال كونه يفعل من صلاته
على الحمار ووجهه من يسار القبلة. قوله: ((لم أفعله)) أي: لم أفعل ما فعلته من ترك استقبال
القبلة، وقال الإسماعيلي خبر أنس إنما هو في صلاة النبي عَ لّه راكباً تطوعاً لغير القبلة، فأفرد
البخاري الترجمة في الحمار من جهة السنة لا وجه له عندي. قلت: ليس هذا من محل
المناقشة، بل لا وجه لما قاله، لأن أنساً يقول: ((لولا أني رأيت رسول الله عٍَّ يفعله لم
أفعله))، وكانت رؤيته إياه عَّ ◌ُلِّ حين كان يفعله راكباً على حمار، يشهد بذلك كون أنس في
هذه الصلاة على حمار، ويؤيد ذلك ما رواه السراج من طريق يحيى بن سعيد عن أنس أنه
رأى النبي عَّهِ يصلي على حمار وهو ذاهب إلى خيبر، وإسناده حسن، ويشهد لهذا ما رواه
مسلم من طريق عمرو بن يحيى المازني عن سعيد بن يسار ((عن ابن عمر: رأيت رسول الله
عَّهِ يصلي على حمار وهو متوجه إلى خيبر))، وقال ابن بطال: لا فرق بين التنفل في السفر
على الحمار والبغل وغيرهما، ويجوز له إمساك عنانها وتحريك رجليه، إلاّ أنه لا يتكلم ولا
يلتفت ولا يسجد على قربوس سرجه، بل يكون السجود أخفض من الركوع، وهذا رحمة من
الله تعالى على عباده ورفق بهم.
رَوَاهُ ابنُ طَهْمَانَ عنْ حَجَّاجٍ عنْ أَنَسٍ بنِ سِيرِينَ عَنْ أَنَسٍ رضي الله تعالى عنهُ عنِ
صَّ اله
النَّبِيِّ عَلِّ
أي: روى الحديث المذكور إبراهيم بن طهمان الهروي أبو سعيد عن حجاج بن

٢٠٨
١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (١١)
حجاج الباهلي البصري الأحول الأسود الملقب بزق العسل، مات سنة إحدى وثلاثين ومائة.
وفي هذا الباب عن جماعة من الصحابة منهم: أبو سعيد، أخرج حديثه أحمد من رواية ابن
أبي ليلى ((عن عطاء أو عطية عنه: أن النبي عَّه كان يصلي على راحلته في التطوع حيث
ما توجهت به يومىء إيماءً يجعل السجود أخفض من الركوع)). ومنهم: سعد بن أبي وقاص،
رضي الله تعالى عنه، أخرج حديثه البزار من رواية ضرار بن صرد أنه قال: ((رأيت النبي عَ لّم.
يصلي السبحة على راحلته حيث ما توجهت به، ولا يفعل ذلك في المكتوبة، وضرار
ضعيف. ومنهم: شقران، مولى رسول الله عَِّ أخرج حديثه أحمد من طريق مسلم بن خالد
أنه قال: ((رأيت - يعني النبي عَّ له - متوجهاً إلى خيبر على حمار يصلي عليه))، ومسلم بن
خالد شيخ الشافعي ضعفه غير واحد. ومنهم: الهرماس بن زياد أخرج حديثه أحمد أيضاً، قال:
حدثنا عبد الله بن واقد مختلف فيه. ومنهم: أبو موسى أخرج حديثه أحمد أيضاً قال: حدثنا
أبو عاصم حدثني يونس بن الحارث حدثني أبو بردة عن أبي موسى عن النبي، عَ لّهِ، الصلاة
على ظهر الدابة في السفر، هكذا وهكذا وهكذا، ويونس بن الحارث وثقه ابن معين، وضعفه
أحمد وغيره.
١١ - بابُ مَنْ لَمْ يَتَطَوَّعْ فِي السَّفَرِ دُبُرَ الصَّلاَةِ وَقَبْلَهَا
أي: هذا باب في بيان حكم من لم يتطوع في السفر عقيب الصلوات، والدبر،
بضمتين وبإسكان الباء أيضاً، وفي رواية الحموي: ((دبر الصلوات وقبلها))، ويروى: ((دبر
الصلاة)) بصيغة الإفراد.
١١٠١/١٣٤ - حدَّثنا يَحْيِى بنُ سُلَيْمَانَ قال حدَّثني ابنُ وَهَبٍ قال حدَّثني عُمَرُ
ابن مُحَمَّدٍ أَنَّ حَفْصَ بنَ عاصِمٍ حَدَّثَهُ قال سافَرَ ابنُ عُمَّرَ رضي الله تعالى عنهما فقال
صَحِبْتُ النبيَّ عَّهِ فَلَمْ أَرَهُ يُسَبِّحُ فِي السَّفَرِ. وقال الله جَلَّ ذِكْرُهُ لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ
اللهِ أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ. [الحديث ١١٠١ - طرفه في: ١١٠٢].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: يحيى بن سليمان بن يحيى أبو سعيد الجعفي
الكوفي، سكن مصر ومات بها سنة ثمان، ويقال: سنة سبع وثلاثين ومائتين، وقد مر ذكره
في كتاب العلم. الثاني: عبد الله بن وهب، وقد مر غير مرة. الثالث: عمر بن محمد بن زيد
ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب العسقلاني، كان ثقة جليلاً مرابطاً من أطول الرجال، مات
بعد سنة خمس وأربعين ومائة. الرابع: حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، مر في: باب
الصلاة بعد الفجر. الخامس: عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهم.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبصيغة الإفراد في
موضعين. وفيه: السؤال. وفيه: القول في أربعة مواضع. وفيه: أن شيخه من أفراده وهو كوفي
وابن وهب مصري وعمر بن محمد مدني نزل عسقلان، وحفص بن عاصم أيضاً مدني،

٢٠٩
١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (١١)
رحمه الله.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً عن مسدد عن يحيى بن
سعيد. وأخرجه مسلم في الصلاة عن القعنبي عن عيسى بن حفص وعن قتيبة عن يزيد بن
زريع عن عمر بن محمد به. وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي به، وأخرجه النسائي فيه عن
نوح بن حبيب عن يحيى بن سعيد به. وأخرجه ابن ماجه عن أبي بكر بن خلاد عن أبي عامر
العقدي عن عيسى به، يزيد بعضهم على بعض.
ذكر معناه وما يستنبط منه: قوله: ((فلم أره يسبح)) أي: لم أر النبي عَّ حال كونه
يسبح، أي يتنفل بالنوافل الرواتب التي قبل الفرائض وبعدها، وقال الترمذي: اختلف أهل العلم
بعد النبي عَّ له، فرأى بعض أصحاب النبي عَّ الله أن يتطوع الرجل في السفر، وبه يقول أحمد
وإسحاق، ولم تر طائفة من أهل العلم أن يصلي قبلها ولا بعدها، ومعنى: من لم يتطوع في
السفر، قبول الرخصة، ومن تطوع فله في ذلك فضل كثير، وقول أكثر أهل العلم يختارون
التطوع في السفر. وقال السرخسي في (المبسوط) والمرغيناني: لا قصر في السنن، وتكلموا
في الأفضل، قيل: الترك ترخصاً، وقيل: الفعل تقرباً، وقال الهندواني: الفعل أفضل في حال
النزول والترك في حال السير، قال هشام: رأيت محمداً كثيراً لا يتطوع في السفر قبل الظهر
ولا بعدها ولا يدع ركعتي الفجر والمغرب، وما رأيته يتطوع قبل العصر ولا قبل العشاء
ويصلي العشاء ثم يوتر.
١١٠٢/١٣٥ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا يَحْيَى عَنْ عِيسى بنِ حَفْصٍ بنِ عاصِمٍ
قال حدَّثني أبي أنَّهُ سَمعَ ابنَ عُمَرَ يَقُولُ صَحِبْتُ رسولَ اللهِ عَ لَلِ فَكَانَ لاَ يَزِيدُ فِي السَّفَرِ
عَلَى رَكْعَتَيْنِ وأَبَا بَكْرٍ وعُمَرَ وَعُثْمَانَ كَذْلِكَ رضي الله تعالى عنهم. [أنظر الحديث ١١٠١].
مطابقته للترجمة ظاهرة، ويحيى شيخ مسدد هو القطان، وعيسى بن حفص بن عاصم
ابن عمر بن الخطاب مات سنة خمس أو سبع وخمسين ومائة.
قوله: ((وأبا بكر)) عطف على قوله: ((رسول الله عَّلَه)) أي: وصحبت أبا بكر وصحبت
عمر وصحبت عثمان كذلك، أي: كما صحبت النبي عَّ في السفر صحبتهم، وكانوا لا
يزيدون في السفر على ركعتين. فإن قلت: كان عثمان، رضي الله تعالى عنه، في آخر أمره
يتم الصلاة فكيف قال ابن عمر: إن عثمان لا يزيد في السفر على ركعتين؟ قلت: يحمل قوله
على الغالب، أو كان عثمان لا يتنفل في أول أمره ولا في آخره وإن كان يتم. فإن قلت: قال
الترمذي: حدثنا علي بن حجر حدثنا حفص بن غياث عن الحجاج عن عطية ((عن ابن عمر،
قال: صليت مع النبي عَّهِ الظهر في السفر ركعتين وبعده ركعتين))، وقال: هذا حديث
حسن، وقال: حدثنا محمد بن عبيد المحاربي أبو يعلى الكوفي حدثنا علي بن هاشم عن
ابن أبي ليلى عن عطية وعن نافع. ((عن ابن عمر، قال: صليت مع النبي عَّه في الحضر
والسفر، فصليت معه في الحضر الظهر أربعاً وبعدها ركعتين، وصليت معه الظهر في السفر
عمدة القاري / ج٧ / ١٤٣

٢١٠
١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (١٢)
ركعتين وبعدها ركعتين، والعصر ركعتين ولم يصل بعدها شيئاً، والمغرب في الحضر والسفر
سواء ثلاث ركعات لا تنقص في الحضر ولا في السفر، وهي وتر النهار، وبعدها ركعتين)).
قال أبو عيسى: ذا حديث حسن، سمعت محمداً يقول: ما روى ابن أبي ليلى، حديثاً أعجب
إلي من هذا، فما التوفيق بين هذا وبين حديث الباب؟
قلت: هذان الحديثان تفرد بإخراجهما الترمذي، أما وجه التوفيق فقد قال شيخنا زين
الدين، رحمه الله: الجواب أن النفل المطلق وصلاة الليل لم يمنعهما ابن عمر ولا غيره، فأما
السنن الرواتب فيحمل حديثه المتقدم، يعني حديث الباب، على الغالب من أحواله في أنه لا
يصلي الرواتب، وحديثه في هذا الباب أي: الذي رواه الترمذي، على أنه فعله في بعض
الأوقات لبيان استحبابها في السفر، وإن لم يتأكد فعلها فيه كتأكده في الحضر، أو أنه كان
نازلاً في وقت الصلاة ولا شغل له يشتغل به عن ذلك، أو سائراً وهو على راحلته، ولفظه في
الحديث المتقدم: يعني حديث الباب، هو بلفظ: كان، وهي لا تقتضي الدوام بل ولا التكرار
على الصحيح، فلا تعارض بين حديثيه. فإن قيل: الذهاب إلى ترجيح تعارضهما. قلنا:
الترجيح بحديث الباب أصح لكونه في الصحيح. فإن قلت: روى الترمذي أيضاً: حدثنا قتيبة
حدثنا الليث بن سعد عن صفوان بن سليم عن أبي بشر الغفاري ((عن البراء بن عازب، قال:
صحبت رسول الله عَّلله ثمانية عشر سفراً فما رأيته ترك الركعتين إذا زاغت الشمس قبل
الظهر)) ورواه أبو داود أيضاً عن قتيبة. قلت: هذا لا يعارض حديث ابن عمر الذي روي عنه
في هذا الباب، لأنه لا يلزم من كون البراء ما رآه ترك أن لا يكون ابن عمر، رضي الله تعالى
عنه، أيضاً كذلك ما ترك، وجواب آخر: لا نسلم أن هاتين الركعتين من السنن الرواتب، وإنما
هي سنة الزوال الواردة في حديث أبي أيوب الأنصاري، رضي الله تعالى عنه.
:
١٢ - بابُ مَنْ تَطَوَّعَ فِي السَّفَرِ فِي غَيْرِ دُبُرِ الصَّلَوَاتِ وَقَبْلهَا
أي: هذا باب في بيان حكم من تطوع في السفر في غير عقيب الصلوات والفرق بين
هذا الباب والباب الذي قبله أن هذا أعم من الذي قبله، لأن ذاك مقيد بالدبر.
:
ورَكَعَ النبيُّ عَِّ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ فِي السَّفَرِ
مطابقته للترجمة ظاهرة، لأن صلاة النبي عَ ◌ّ ركعتي الفجر صلاة في غير دبر صلاة،
وهذا في (صحيح مسلم): من حديث أبي قتادة في قصة النوم عن صلاة الصبح، ففيه:
((صلى ركعتين قبل الصبح ثم صلى الصبح كما كان يصلي))، وعند أبي داود ((فصلوا ركعتي
الفجر ثم صلوا الفجر)).
١١٠٣/١٣٦ - حدّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ قال حذَّثنا شُعْبَةُ عنْ عَمْرٍو عنِ ابنِ أبِي
لَيْلَى. قال ما أنْبَأَ أحَدٌ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ عَ لَّهِ صَلَّى الضُّحَى غَيْرُ أُمَّ هانِىٍ ذَكَرَتْ أَنَّ النَّبِيِّ عَلَّه
يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ أَغْتَسَلَ فِي بَيْتِهَا فَصَلَّى ثَمَانَ رَكَعَاتٍ فَمَا رَأَيْتُهُ صَلَّى صَلاَةً أَخَفَّ مِنْهَا غَيْرَ أَنَّهُ
يُمُّ الُكُوعَ والسُّجُودَ. [الحديث ١١٠٣ - طرفاه في: ١١٧٦، ٤٢٩٢].

٢١١
١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (١٢)
مطابقته للترجمة من حيث إن صلاة النبي عَّ صلاة الضحى كانت نافلة في السفر،
وأنه صلاها على الأرض ولم يكن في دبر صلاة من الصلوات فافهم.
ورجاله قد ذكروا، وعمرو بن مرة، بضم الميم وتشديد الراء، قد مر في: باب تسوية
الصفوف، وعبد الرحمن بن أبي ليلى قد مر في: باب حد إتمام الركوع، وأم هانىء، بالنون
ثم الهمزة، قد مر ذكرها في: باب التستر في الغسل، واسمها: فاختة. وقيل: هند بنت أبي
طالب، أخت علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنهما.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً عن آدم، وأخرجه في
المغازي عن أبي الوليد، وأخرجه مسلم في الصلاة عن محمد بن المثنى ومحمد بن بشار،
كلاهما عن غندر عن شعبة، وأخرجه أبو داود فيه عن حفص بن عمر به. وأخرجه الترمذي
فيه عن محمد بن المثنى به، وأخرجه النسائي فيه عن عمرو بن يزيد عن بهز عن شعبة به
وعن إبراهيم بن محمد التيمي عن يحيى عن سفيان عن زبيد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى
نحوه.
ذكر معناه: قوله: ((ما أخبرنا أحد .. )) إلى آخره. قال ابن بطال: لا حجة في قول ابن
أبي ليلى هذا، ويرد عليه ما روي أن النبي عَّ لّه صلى الضحى وأمر بصلاتها من طرق جمة.
منها: حديث أبي هريرة الآتي في: باب صلاة الضحى في الحضر، قال: ((أوصاني خليلي
عَّه بثلاث لا أدعهن حتى أموت: صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، ونوم على
وتر)). ومنها: حديث أبي ذر عند مسلم أيضاً عنه ((عن النبي، عَّله، قال: يصبح على كل
سلامي من أحدكم صدقة، بكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة وكل تهليلة صدقة، وكل
تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزىء من ذلك ركعتان
يركعهما من الضحى)). ومنها: حديث ابن عمر عند البخاري: ((أن النبي عَّه كان لا يصلي
من الضحى إلاّ يومين: يوم يقدم مكة) وسيأتي. ومنها: حديث ابن أبي أوفى عند الحاكم:
((أن رسول الله عَِّ صلى الضحى ركعتين حين بشر برأس أبي جهل، وبالفتح)). ومنها:
حديث أنس، رضي الله تعالى عنه، عند الترمذي من حديث ثمامة بن أنس بن مالك عنه.
قال: قال رسول الله عَ له: ((من صلى الضحى ثنتي عشرة ركعة بنى الله له قصراً من ذهب
في الجنة)). وأخرجه ابن ماجه أيضاً. ومنها: حديث عقبة بن عامر عند أحمد وأبي يعلى ((أن
رسول الله عَّلِ قال: إن الله، عز وجل، يقول: يا ابن آدم: اكفني أول النهار بأربع ركعات
أكفك من آخر يومك)). هذا لفظ أحمد، ولفظ أبي يعلى: ((أتعجز ابن آدم أن تصلي أربع
ركعات من أول النهار أكفك آخر يومك؟)) وفي (التلويح): ((وعن عقبة بن عامر: أمرنا رسول
الله عَ لّ أن نصلي ركعتي الضحى بسورتيهما بالشمس وضحاها، والضحى)). ومنها: حديث
عائشة عند الحاكم: ((سئلت: كم كان رسول الله عٍَّ يصلي الضحى؟ قالت: أربعاً ويزيد ما
شاء الله))، وأخرجه مسلم والنسائي في (الكبرى) وابن ماجه والترمذي في (الشمائل) من رواية
معاذة العدوية، قالت: ((قلت لعائشة: أكان رسول الله، عَّه، يصلي الضحى؟ قالت: نعم أربعاً
:

٢١٢
١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (١٢)
ويزيد ما شاء الله)). وعند أحمد من حديث أم ذرة: ((قالت: رأيت عائشة تصلي الضحى
وتقول: ما رأيت النبي عَّه يصلي إلاّ أربع ركعات)). ومنها: حديث نعيم بن همار عند أبي
داود من رواية كثير بن مرة عنه، قال: ((سمعت رسول الله عَ لّم يقول: قال الله، عز وجل: يا
ابن آدم لا تعجزني من أربع ركعات في أول النهار أكفك آخره» وهمار، بفتح الهاء وتشديد
الميم وفي آخره راء، ويقال: ابن هبار، بالباء الموحدة موضع الميم. ويقال: ابن هدار، بالدال
المهملة، ويقال: ابن همام، بميمين، ويقال: ابن خمار، بالخاء المعجمة، ويقال: ابن حمار،
بكسر الحاء المهملة وفي آخره راء: الغطفاني الشامي.
قوله: ((لا تعجزني)) بضم التاء، وهذا مجاز كناية عن تسويف العبد عمله لله تعالى،
والمعنى: لا تسوف صلاة أربع ركعات لي من أول نهارك أكفك آخر النهار من كل شيء من
الهموم والبلايا ونحوهما. قوله: ((أكفك))، مجزوم لأنه جواب النهي. ومنها: حديث أبي أمامة
عند الطبراني في (الكبير) من رواية القاسم عنه، قال: قال رسول الله عَ ليه: ((إن الله يقول: يا
ابن آدم اركع لي أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره)). والقاسم بن عبد الرحمن وثقه
الجمهور وضعفه بعضهم. ومنها: حديث بريدة عند ابن خزيمة في (صحيحه): سمعت رسول
الله عَّ يقول في الإنسان ستون وثلاثمائة مفصل، فعليه أن يتصدق عن كل مفصل منه
بصدقة)). فذكر حديثاً فيه: (فإن لم تجد فركعتا الضحى تكفيك)). ومنها: حديث جابر،
رضي الله تعالى عنه، عند الطبراني في (الأوسط) قال: ((أتيت النبي عَُّلَّهِ أعرض عليه بعيراً
لي فرأيته صلى الضحى ست ركعات)). ومنها: حديث ابن عباس عند الطبراني في (الأوسط)
من رواية قيس بن سعد عن طاوس عن ابن عباس، رفع الحديث إلى النبي عَ له قال: ((على
كل سلامي من بني آدم في كل يوم صدقة، ويجزىء من ذلك كله ركعتا الضحى)). ومنها:
حديث علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، عند النسائي في (سننه الكبرى) وعند أحمد
وأبي يعلى من رواية أبي إسحاق: سمع عاصم بن ضمرة، ((عن علي: أن رسول الله عَ لَّه كان
يصلي من الضحى)) وإسناده جيد. ومنها: حديث زيد بن أرقم عند مسلم: ((أن رسول الله
عٍَّ كان يصلي من الضحى)) وإسناده جيد. ومنها: حديث زيد بن أرقم عند مسلم: ((أن
رسول الله عَ لّم خرج على أهل قباء وهم يصلون الضحى بعدما أشرقت الشمس. فقال: إن
صلاة الأوابين كانت إذا رمضت الفصال)). ومنها: حديث أم سلمة عند الحاكم، قالت:
((كان رسول الله عَّل يصلي صلاة الضحى ثنتي عشرة ركعة))، وفي (شرح المهذب): هو
حديث ضعيف. ومنها: حديث أبي سعيد الخدري عند الترمذي قال: ((كان النبي عَّه يصلي
الضحى حتى نقول: إنه لا يدعها، ويدعها حتى نقول: إنه لا يصليها)). قال أبو عيسى: هذا
حديث حسن غريب. قلت: تفرد به الترمذي. ومنها: حديث عتبة بن عبد عند الطبراني في
(الكبير) من رواية الأحوص بن حكيم عن عبد الله بن غابر أن أبا أمامة وعتبة بن عبد حدثناه
عن رسول الله عَّلةٍ: ((من صلى صلاة الصبح في جماعة، ثم ثبت حتى يسبح الله سبحة
الضحى كان له أجر حاج ومعتمر))، ورواه ابن زنجويه في (كتاب الفضائل) عن عتبة بن عبد

٢١٣
١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (١٢)
عن أبي أمامة، وقال: عتبة صحابي. ومنها: حديث معاذ بن أنس عند أبي داود، أن رسول الله
عَ لِّ قال: ((من قعد في مصلاه حين ينصرف من صلاة الصبح حتى يسبح ركعتي الضحى لا
يقول إلاّ خيراً غفرت له خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر)). قال صاحب (التلويح) في سنده
كلام. وقال شيخنا زين الدين: إسناده ضعيف قلت: لأن في إسناده زبان بن فائد، ضعفه ابن
معين، وقال أحمد: أحاديثه مناكير، ولكن أبو داود لما رواه سكت عليه، وسكوته دليل رضاه
به. وقال أبو حاتم: زبان صالح. ومنها: حديث حذيفة عن ابن أبي شيبة بإسناده عنه قال:
((خرجت مع رسول الله عَّه إلى حرة بني معاوية، فصلى الضحى ثمان ركعات طول فيهن)).
ومنها: حديث أبي مرة الطائفي عند أحمد من رواية مكحول عنه قال: ((سمعت رسول الله
عدّ له يقول: ابن آدم لا تعجزني من أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره))، قال شيخنا زين
الدين، رحمه الله هكذا وقع في (المسند)، فإما أن يكون سقط بعد: أبي مرة، ذكر الصحابي
وإما أن يكون مكحول لم يسمع من أبي مرة، فإنه يقال: إنه لم يسمع من أحد من الصحابة
إلاّ من أبي أمامة فأما أبو مرة فذكره ابن عبد البر في (الاستيعاب) وقال: قيل إنه ولد على
عهد رسول الله عٍَّ لا صحبة له، وأبوه عروة بن مسعود الثقفي من كبار الصحابة، وقد وقع
في المسند: سمعت رسول الله، عَّهِ، كما تقدم. والله أعلم.
ومنها: حديث أبي موسى عند الطبراني في (الأوسط) من رواية عبد الله بن عياش عن
أبي بردة عن أبي موسى، قال: قال رسول الله عَ ليه: ((من صلى الضحى أربعاً وقبل الأولى
أربعاً بني له بيت في الجنة))، وعياش، بتشديد الياء آخر الحروف وفي آخره شين معجمة.
ومنها: حديث عتبان بن مالك عند أحمد من رواية محمود بن ربيع ((عن عتبان بن مالك: أن
النبي، عَّله، صلى في بيته سبحة الضحى))، وقصة عتبان بن مالك في صلاة النبي، عَّل،
في بيته في (الصحيح) لكن ليس فيها ذكر سبحة الضحى، وإنما ذكره البخاري في الترجمة
تعليقاً، فقال: باب صلاة الضحى في الحضر، قاله عتبان عن النبي عَّهِ. ومنها: حديث
النواس بن سمعان عند الطبراني في (الكبير) من رواية أبي إدريس الخولاني قال: سمعت
النواس بن سمعان: ((سمعت رسول الله، عٍَّ، يقول: قال الله، عز وجل: ابن آدم لا تعجزني
من أربع ركعات في أول النهار أكفك آخره)) وإسناده صحيح. ومنها: حديث عبد الله بن
عمرو عند أحمد من رواية أبي عبد الرحمن الحبلي عنه قال: ((بعث رسول الله، عَ له: سرية
فغنموا واسرعوا الرجعة فتحدث الناس بقرب مغزاهم وكثرة غنيمتهم وسرعة رجعتهم فقال
رسول الله عَ لقل ألا أدلكم على أقرب منه مغزى وأكثر غنيمة وأوشك رجعة من توضأ ثم خرج
إلى المسجد لسبحة الضحى، فهو أقرب منهم مغزىّ وأكثر غنيمة وأوشك رجعة)). رواه
الطبراني أيضاً في (الكبير) وفيه: ((ثم صلى بنا رسول الله عَِّ الضحى))، لفظ أحمد، وقال
الطبراني: ((ثم صلى بهم صلاة الضحى)). ومنها: حديث أبي بكرة عند ابن عدي في
(الكامل) من رواية عمرو بن عبيد عن الحسن ((عن أبي بكرة قال: كان رسول الله عَ لَّه
يصلي الضحى فجاء الحسن وهو غلام، فلما سجد ركب ظهره)). الحديث وعمرو بن عبيد

٢١٤
١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (١٢)
متروك.
ومنها: حديث جبير بن مطعم عند الطبراني في (الكبير) من رواية عثمان بن عاصم،
قال: ((حدثني نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه أنه رأى النبي عَّهِ يصلي الضحى)) وفي إسناده
يحيى الحماني تكلم فيه. ومنها: حديث أم حبيبة عند مسلم، قالت: قال رسول الله عَ ليه((ما
من عبد مسلم يصلي في كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعاً من غير فريضة إلّ بنى الله له بيتاً
في الجنة))، ذكر ضياء الدين المقدسي صلاة الضحى بإثنتي عشرة ركعة، ثم ذكر هذا
الحديث، وقد وردت أحاديث ظاهرها يعارض هذه الأخبار وسنتكلم فيها في: باب صلاة
الضحى في السفر، إن شاء الله تعالى. قوله: ((غير أم هانىء)) برفع: غير، لأنه بدل من قوله:
((أحد)). قوله: ((يوم فتح مكة)). قوله: ((فصلى ثمان ركعات)) هو في الأصل منسوب إلى
الثمن لأنه الجزء الذي صير السبعة ثمانية فهو ثمنها، وفتحوا أوله لأنهم يغيرون في النسب،
وحذفوا منها إحدى يائي النسبة وعوضوا عنها الألف، وقد تحذف منه الياء ويكتفى بكسرة
النون، أو تفتح تخفيفاً. قوله: ((أخف منها)) أي: من هذه الثمان قوله ((غير أنه)) أي: غير أن
النبي عَّهِ ((يتم الركوع والسجود)) وهذا لدفع وهم من يظن أن إطلاق لفظ: أخف، ربما
يقتضي التنقيص في الركوع والسجود، فدفعت أم هانىء ذلك بقولها: ((يتم الركوع
والسجود)).
١١٠٤ - وقال اللَّيْثُ حدَّثنِي يُونُسُ عنِ ابنِ شِهَابٍ قال حدَّثني عَبْدُ اللهِ بنُ عَامِرٍ
أنَّ أَبَاهُ أُخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ عَّهِ صَلَّى السُّبْحَةَ بِاللَّيْلِ فِي السَّفَرِ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ حَيْثُ
تَوَجَّهَتْ بِهِ. [انظر الحديث ١٩٣ وطرفه].
أي: قال الليث بن سعيد: حدثني يونس أي: ابن أبي يزيد الأيلي عن ابن شهاب، هو
محمد بن مسلم الزهري، حدثني عبد الله بن عامر بن ربيعة أن أباه هو عامر بن ربيعة
العنزي، وهذا تقدم موصولاً في أول: باب يُنزل للمكتوبة، حيث قال: حدثنا يحيى بن بكير،
قال: حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب، غير أن الليث روى هناك: عن عقيل عن ابن
شهاب، وههنا روى: عن يونس عن ابن شهاب، ورواية يونس هذه وصلها الذهلي
في (الزهريات) عن أبي صالح عنه.
١١٠٥/١٣٧ - حدَّثنا أبو اليَمَانِ قال أخبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال أخبرني سالِمُ
ابن عَبْدِ اللهِ عنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما أنَّ رَسُولَ اللهِ عَّلِ كانَ يُسَبِّحُ عَلَى ظَهْرٍ
رَاحِلَتِهِ حَيْثُ كانَ وجْهُهُ يُومِىءُ بِرَأْسِهِ وكانَ ابنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ. [أنظر الحديث ٩٩٩ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إنه عَّ لِ كان يصلي على دابته بالإيماء وليس فيه أنه في دبر
صلاة من الصلوات، وأبو اليمان الحكم بن نافع وشعيب بن حمزة وكلهم قد ذكروا غير مرة،
ورواية الزهري هذه عن سالم عن ابن عمر ذكرها في: باب الإيماء على الدابة، عن عبد الله
ابن دينار عنا بن عمر موقوفاً، ثم ذكر عقيبة مرفوعاً، وههنا ذكره مرفوعاً ثم ذكر عقيبه موقوفاً،

٢١٥
١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (١٣)
وهو قوله: ((وكان ابن عمر يفعله))، فكأنه أشار بذلك إلى أن العمل به مستمر لم يلحقه
معارض ولا ناسخ ولا راجح.
قوله: ((كان يسبح))، أي: يتنفل على ظهر راحلته بالإيماء. فإن قلت: ذكر في: باب من
لم يتطوع في السفر، عن ابن عمر أنه قال: صحبت النبي عَّ فلم أره يسبح في السفر،
وههنا قال: كان يسبح؟ قلت: معنى: لم أره يسبح في السفر، يعني: على الأرض، وههنا
معناه: كان يسبح راكباً، ويكون تركه عَّ ليه التنفل في السفر على الأرض تحرياً منه إعلام أمته
أنهم في أسفارهم بالخيار في التنفل. وقال ابن بطال: وليس قول ابن عمر: لم أره يسبح،
حجة على من رآه، لأن من نفى شيئاً فليس بشاهد. قوله: ((يومىء برأسه)) جملة حالية
وتفسير لقوله: ((يسبح))، لأن السبحة على ظهر الدابة هو الذي يكون بالإيماء للركوع
والسجود.
وقال الكرماني: وفيه: دليل على جواز التنفل على الأرض، لأنه لما جاز له التنفل على
الراحلة كان في الأرض أجوز. قلت: هذا كلام عجيب، لأن الحكم هنا بالقياس لا يحتاج
إليه، والأرض مسجد لسائر الصلوات كما في النص.
١٣ - بابُ الجَمْعِ فِي السَّفَرِ بَينَ المَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ
أي: هذا باب في بيان حكم الجمع في السفر بين صلاتي المغرب والعشاء، وإنما ذكر
لفظ: الجمع، مطلقاً ليتناول جميع أقسامه، لأن في الباب ثلاثة أحاديث عن ابن عمر وابن
عباس وأنس، رضي الله تعالى عنهم، فحديث ابن عمر وابن عباس بصورة التقييد، وحديث
أنس بصورة الإطلاق، ولا يخفى ذلك على المتأمل.
١١٠٦/١٣٨ - حدثنا عَليُّ بنُ عَبْدِ اللهِ قال حدَّثنا سُفْيَانُ قال سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ
عنْ سَالِمٍ عنْ أَبِيهِ قال كانَ النبيُّ عَّ ◌ُلِ يَجْمَعُ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ. [أنظر
الحديثَ ١٠٩١ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وقد ذكرنا وجه إطلاق الترجمة مع كون الحديث مقيداً.
ورجاله قد ذكروا غير مرة، وعلي هو ابن المديني وسفيان هو ابن عيينة والزهري هو
محمد بن مسلم وسالم هو ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب.
والحديث أخرجه مسلم في الصلاة عن يحيى بن يحيى وقتيبة وأبي بكر بن أبي شيبة
وعمر و الناقد. وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن منصور، والخمسة عن سفيان به.
قوله: ((إذا جد به السير)) أي: اشتد، قال في (المحكم) وقال ابن الأثير: أي إذا اهتم
به وأسرع فيه، يقال: جد يجد ويجد، بالضم والكسر، وجد به الأمر وأجد وجد فيه: إذا
اجتهد، والكلام في هذا الباب على نوعين.
الأول: فيمن روى الجمع بين الصلاتين من الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

٢١٦
١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (١٣)
منهم: علي بن أبي طالب، أخرج حديثه أبو داود بسند لا بأس به، ((كان إذا سافر بعدما
تغرب الشمس حتى تكاد أن تظلم، ثم ينزل فيصلي المغرب، ثم يتعشى ثم يصلي العشاء
ويقول: هكذا رأيت رسول الله عَّيِ يصنع)). وروى ابن أبي شيبة في (المصنف): عن أبي
أسامة عن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي عن أبيه عن جده ((أن علياً، رضي الله تعالى
عنه، كان يصلي المغرب في السفر ثم يتعشى ثم يصلي العشاء على إثرها ثم يقول: هكذا
رأيت رسول الله عَّلم يصنع))، وطريق آخر رواه الدارقطني، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن
سعيد حدثنا المنذر بن محمد حدثنا أبي حدثنا محمد بن الحسين بن علي بن الحسين
حدثني أبي عن أبيه عن جده ((عن علي: قال: كان النبي عَِّ إذا ارتحل حين تزول الشمس
جمع الظهر والعصر، فإذا جد له السير أخر العصر وعجل الظهر ثم جمع بينهما))، ولا يصح
إسناده، شيخ الدارقطني هو ابن العباس بن عقدة أحد الحفاظ لكنه شيعي، وقد تكلم فيه
الدارقطني وحمزة السهمي وغيرهما، وشيخه المنذر بن محمد بن المنذر ليس بالقوي أيضاً،
قاله الدارقطني أيضاً، وأبوه وجده يحتاج إلى معرفتهما.
ومنهم: أنس بن مالك، أخرج حديثه البخاري وسيأتي، إن شاء الله تعالى. ومنهم: عبد
الله بن عمرو، أخرج حديثه ابن أبي شيبة في (مصنفه) وأحمد في (مسنده) من رواية حجاج
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: ((جمع رسول الله عَ لّه بين الصلاتين في غزوة
بني المصطلق))، وقال أحمد: يوم غزا بني المصطلق، وفي رواية: ((جمع بين الصلاتين في
السفر))، وفي إسناده الحجاج بن أرطأة مختلف في الاحتجاج به. ومنهم: عائشة، رضي الله
تعالى عنها، أخرج حديثها ابن أبي شيبة في (المصنف) وأحمد في (مسنده) كلاهما عن
وكيع: حدثنا مغيرة بن زياد عن عطاء ((عن عائشة: أن النبي عٍَّ كان يؤخر الظهر ويعجل
العصر، ويؤخر المغرب ويعجل العشاء في السفر»، ومغيرة بن زياد ضعفه الجمهور ووثقه ابن
معين وأبو زرعة. ومنهم: ابن عباس أخرج حديثه مسلم من رواية أبي الزبير، قال: حدثنا سعيد
ابن جبير، قال: ((حدثنا ابن عباس أن رسول الله عَ لِه جمع بين الصلاتين في سفرة سافرها في
غزوة تبوك، فجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء جميعاً، قال سعيد: فقلت لابن عباس:
ما حمله على ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته)). وقد روى مسلم أيضاً بهذا الإسناد قال:
(صلى رسول الله عَّ للر الظهر والعصر جميعاً والمغرب والعشاء في غير خوف ولا سفر))، وفي
رواية له: ((صلى الظهر والعصر جميعاً بالمدينة من غير خوف ولا سفر)). ومنهم: أسامة بن
زيد، أخرج حديثه الترمذي في (كتاب العلل) قال: حدثنا أبو السائب عن الجريري عن أبي
عثمان ((عن أسامة بن زيد قال: كان رسول الله عَّةٍ إذا جد به السير جمع بين الظهر والعصر
والمغرب والعشاء)، ثم قال: سألت محمداً عن هذا الحديث فقال: الصحيح هو موقوف عن
أسامة بن زيد، ولأسامة حديث آخر في جمعه بعرفة ومزدلفة، أخرجه البخاري، وسيأتي إن
شاء الله تعالى. ومنهم: جابر، أخرج حديثه أبو داود والنسائي من طريق مالك عن أبي الزبير
((عن جابر: أن النبي صٍَّ غابت له الشمس بمكة فجمع بينهما بسرف))، وروى أحمد في

٢١٧
١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (١٣)
(مسنده) من رواية ابن لهيعة ((عن أبي الزبير، قال: سألت جابراً: هل جمع رسول الله عَليه
بين المغرب والعشاء؟ قال: نعم، عام غزونا بني المصطلق)). وروى مسلم وأبو داود وابن
ماجه في حديث جابر الطويل في صفة حجه عَّه من رواية محمد بن علي بن الحسين ((عن
جابر، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة))، وفيه: ((ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى
العصر ولم يصل بينهما شيئاً).
وفيه: ((حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح
بينهما شيئاً)). ومنهم: خزيمة بن ثابت، أخرج حديثه الطبراني عن عدي بن ثابت عن عبد الله
ابن يزيد ((عن خزيمة بن ثابت قال: صلى النبي عَ لم يجمع المغرب والعشاء ثلاثاً واثنتين بإقامة
واحدة)). ومنهم: ابن مسعود، أخرج حديثه ابن أبي شيبة في (مصنفه) من رواية ابن أبي ليلى
عن هذيل ((عن عبد الله بن مسعود: أن النبي عَّه جمع بين الصلاتين في السفر)) ورواه
الطبراني في (الكبير) بلفظ: ((كان يجمع بين المغرب والعشاء يؤخر هذه في آخر وقتها
ويعجل هذه في أول وقتها)). ومنهم: أبو أيوب، أخرج حديثه البخاري، وسيأتي إن شاء الله
تعالى. ومنهم: أبو سعيد الخدري، أخرج حديثه الطبراني في (الأوسط) عن أبي نضرة عنه:
((أن النبي عَ لِ كان يجمع بين الصلاتين في السفر)). ومنهم: أبو هريرة، أخرج حديثه البزار
عن عطاء بن يسار عنه: ((عن النبي عَّ كان يجمع بين الصلاتين في السفر)).
النوع الثاني: في بيان مذاهب الأئمة في هذا الباب، فذهب قوم إلى ظاهر هذه
الأحاديث وأجازوا الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء في السفر في وقت
أحدهما، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق. وقال ابن بطال: قال الجمهور: المسافر يجوز له
الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء مطلقاً. وقال شيخنا زين الدين. وفي المسألة
ستة أقوال: أحدها: جواز الجمع مثل ما قاله ابن بطال، وروى ذلك عن جماعة من الصحابة
منهم: علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وأسامة بن زيد ومعاذ بن جبل
وأبو موسى وابن عمر وابن عباس، وبه قال جماعة من التابعين، منهم: عطاء بن أبي رباح
وطاوس ومجاهد وعكرمة وجابر بن زيد وربيعة الرأي وأبو الزناد ومحمد بن المنكدر
وصفوان بن سليم، وبه قال جماعة من الأئمة منهم: سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق
وأبو ثور وابن المنذر، ومن المالكية: أشهب، وحكاه ابن قدامة عن مالك أيضاً، والمشهور
عن مالك: تخصيص الجمع بجد السير. والقول الثاني: إنما يجوز الجمع إذا جد به السير،
روي ذلك عن أسامة بن زيد وابن عمر وهو قول مالك في المشهور عنه. القول الثالث: أنه
يجوز إذا أراد قطع الطريق، وهو قول ابن حبيب من المالكية، وقال ابن العربي: وأما قول ابن
حبيب فهو قول الشافعي، لأن السفر نفسه إنما هو لقطع الطريق. والقول الرابع: أن الجمع
مكروه، وقال ابن العربي: إنها رواية المصريين عن مالك. والقول الخامس: أنه يجوز جمع
التأخير لا جمع التقديم، وهو اختيار ابن حزم. القول السادس: أنه لا يجوز مطلقاً بسبب
السفر، وإنما يجوز بعرفة والمزدلفة، وهو قول الحسن وابن سيرين وإبراهيم النخعي والأسود

٢١٨
١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (١٣)
وأبي حنيفة وأصحابه، وهو رواية ابن القاسم عن مالك، واختاره في (التلويح): وذهب أبو
حنيفة وأصحابه إلى منع الجمع في غير هذين المكانين، وهو قول ابن مسعود وسعد بن أبي
وقاص فيما ذكره ابن شداد في كتابه (دلائل الأحكام) وابن عمر في رواية أبي داود وابن
سيرين وجابر بن زيد ومكحول وعمرو بن دينار والثوري والأسود وأصحابه وعمر بن عبد
العزيز وسالم والليث بن سعد، وقال ابن أبي شيبة في (مصنفه): حدثنا وكيع حدثنا أبو هلال
عن حنظلة السدوسي عن أبي موسى أنه قال: الجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر،
قال صاحب (التلويح): وأما قول النووي: إن أبا يوسف ومحمداً خالفا شيخهما، وإن قولهما
كقول الشافعي وأحمد، فقد رده عليه صاحب (الغاية في شرح الهداية) بأن هذا لا أصل له
عنهما.
قلت: الأمر كما قاله، وأصحابنا أعلم بحال أئمتنا الثلاثة، رحمهم الله. واستدل
أصحابنا بما رواه البخاري ومسلم ((عن عبد الله بن مسعود، رضي الله تعالى عنه، قال: ما
رأيت رسول الله عَ لَّه صلى صلاة لغير وقتها إلاّ بجمع فإنه جمع بين المغرب والعشاء بجمع،
وصلى صلاة الصبح في الغد قبل وقتها))، وبما رواه مسلم عن أبي قتادة أن النبي عَ لّه قال:
(ليس في النوم تفريط، إنما التفريط في اليقظة أن يؤخر صلاة حتى يدخل وقت صلاة
أخرى».
والجواب عن هذه الأحاديث التي فيها الجمع في غير عرفة، وجمع، ما قاله الطحاوي
في (شرح معاني الآثار): أنه صلى الأولى في آخر وقتها، والثانية في أول وقتها،، لا أنه
صلاهما في وقت واحد، ويؤيد هذا المعنى حديث ابن عباس، رضي الله تعالى عنه قال:
((صلى رسول الله عَّ الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً في غير خوف ولا
سفر)). قيل لابن عباس: ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته. قال: ولم يقل أحد منا
ولا منهم بجواز الجمع في الحضر، فدل على أن معنى الجمع ما ذكرناه من تأخير الأولى
إلى آخر وقتها وتقديم الثانية في أول وقتها. فإن قلت: لفظ مسلم في حديث الباب: ((أن ابن
عمر كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء بعد أن يغيب الشفق، ويقول: إن رسول
الله عَّه كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء)). وهذا صريح في الجمع في وقت
إحدى الصلاتين. وقال النووي: وفيه إبطال تأويل الحنفية في قولهم: إن المراد بالجمع تأخير
الأولى إلى آخر وقتها وتقديم الثانية في أول وقتها؟
قلت: الشفق نوعان: أحمر وأبيض، كما اختلف فيه الصحابة والعلماء، فيحتمل أنه
: جمع بينهما بعد غيار الأحمر فتكون المغرب في وقتها على قول من يقول: الشفق هو
: الأبيض، وكذلك العشاء تكون في وقتها على قول من يقول: الشفق هو الأحمر، ويطلق عليه
: أنه جمع بينهما بعد غياب الشفق، والحال أن كل واحدة منهما وقعت في وقتها على
: اختلاف القولين في الشفق، فهذا يسمى جمعاً: صورة لا وقتاً. فإن قلت: لفظ النسائي في
حديث ابن عمر: ((جمع بين الظهر والعصر حين كان بين الصلاتين، وبين المغرب والعشاء

٢١٩
١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (١٣)
حين اشتبكت النجوم)). قلت: أول وقت العصر مختلف فيه، وهو إما بصيرورة ظل كل شيء
مثله أو مثليه فيحتمل أنه أخر الظهر إلى أن صار ظل كل شيء مثله، ثم صلاها وصلى عقبها
العصر، فيكون قد صلى الظهر في وقتها على قول من يرى أن آخر وقت الظهر بصيرورة ظل
كل شيء مثله، ويكون قد صلى العصر في وقتها على قول من يرى: إن أول وقتها بصيرورة
ظل كل شيء مثليه، ويصدق على من فعل هذا أنه جمع بينهما والنجوم تشتبك بعد غياب
الحمرة، وهو وقت المغرب على قول من يقول: الشفق هو البياض.
فإن قلت: قد ذكر البيهقي في: باب الجمع بين الصلاتين في السفر، عن حماد بن
زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أنه: سار حتى غاب الشفق. إلى آخره، ثم قال: ورواه
معمر عن أيوب وموسى بن عقبة عن نافع، وقال في الحديث: ((أخر المغرب بعد ذهاب
الشفق حتى ذهب هوي من الليل، ثم نزل فصلى المغرب والعشاء) قلت: لم يذكر سنده
لينظر فيه، وقد أخرجه النسائي بخلاف هذا، قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عبد الرزاق
حدثنا معمر عن موسى بن عقبة ((عن نافع عن ابن عمر: كان النبي عَّ إذا جد به أمر أو جد
به السير جمع بين المغرب والعشاء)). فإن قلت: قد قال البيهقي: ورواه يزيد بن هارون عن
يحيى بن سعيد الأنصاري عن نافع، فذكر أنه سار قريباً من ربع الليل ثم نزل فصلى قلت: أنه
أسنده في (الخلافيات) من حديث يزيد بن هارون بسنده المذكور، ولفظه: ((فسرنا أميالاً ثم
نزل فصلى))، فلفظه مضطرب كما ترى على وجهين، فاقتصر البيهقي في (السنن) على ما
يوافق مقصوده.
فإن قلت: روى الترمذي فقال: حدثنا هناد حدثنا عبدة بن سليمان عن عبيد الله بن
عمر عن نافع ((عن ابن عمر أنه استغيث على بعض أهله فجد به السير وأخر المغرب حتى
غاب الشفق، ثم نزل فجمع بينهما، ثم أخبرهم أن رسول الله، عَّهِ، كان يفعل ذلك إذا جد
به السير)). وقال: هذا حديث حسن صحيح، وعند أبي داود: ((حتى غربت الشمس وبدت
النجوم))، وفي حديث سفيان بن سعيد عن يحيى بن سعيد: ((أخرها إلى ربع الليل))،، وفي
لفظ: ((حتى إذا كان في آخر الشفق نزل فصلى المغرب ثم أقام العشاء وقد توارى الشفق))،
وفي لفظ: ((حتى إذا كان قبل غيوب الشفق نزل فصلى المغرب، ثم انتظر حتى غاب الشفق
وصلى العشاء)). وفي لفظ: ((عند ذهاب الشفق نزل فجمع بينهما))، وعند ابن خزيمة: ((فسرنا
حتى كان نصف الليل أو قريباً من نصفه، نزل فصلى)) قلت: الكلام في الشفق قد مر، وأما
رواية ابن خزيمة ففيها مخالفة للحفاظ من أصحاب نافع فلا يمكن الجمع بينهما فيترك ما فيها
لمخالفته للحفاظ، ويؤخذ برواية الحفاظ، وروى أبو داود عن قتيبة، حدثنا عبد الله بن نافع
عن أبي داود عن سليمان بن أبي يحيى عن ابن عمر قال: ((ما جمع رسول الله، عَّ له، بين
المغرب والعشاء قط في سفر إلاّ مرة)). وقال أبو داود هذا يروى عن أيوب عن نافع موقوفاً
على ابن عمر أنه: لم ير ابن عمر جمع بينهما قط إلّ تلك الليلة، يعني ليلة استصرخ على
صفية، وروى من حديث مكحول عن نافع أنه رأى ابن عمر فعل ذلك مرة أو مرتين. فإن

٢٢٠
١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (١٣)
قلت: روى أبو داود: حدثنا يزيد بن خالد بن يزيد بن عبد الله الرملي الهمداني حدثنا
المفضل بن فضالة والليث بن سعد عن هشام بن سعد عن أبي الزبير عن أبي الطفيل ((عن
معاذ بن جبل، رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله عَّه كان في غزوة تبوك إذا زاغت
الشمس قبل أن يرتحل جمع بين الظهر والعصر، وإن ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر
حتى ينزل للعصر، وفي المغرب مثل ذلك إن غاب الشفق قبل أن يرتحل جمع بين المغرب
والعشاء، وإن ارتحل قبل أن يغيب الشفق أخر المغرب حتى ينزل للعشاء ثم جمع بينهما)).
قال أبو داود: رواه هشام بن عروة عن حسين بن عبد الله عن كريب عن ابن عباس عن النبي
عَّالِ نحو حديث المفضل والليث قلت: حكي عن أبي داود أنه أنكر هذا الحديث، وحكي
عنه أيضاً أنه قال: ليس في تقديم الوقت حديث قائم، وحسين بن عبد الله هذا لا يحتج
بحديثه، قال ابن المديني: تركت حديثه. وقال أبو جعفر العقيلي: وله غير حديث لا يتابع
عليه، وقال أحمد بن حنبل: له أشياء منكرة، وقال ابن معين: ضعيف. وقال أبو حاتم: ضعيف
يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال ابن حبان: يقلب الأسانيد
ويرفع المسانيد.
وقال الخطابي في الرد على تأويل أصحابنا: إن الجمع رخصة، فلو كان على ما
ذكروه لكان أعظم ضيقاً من الإتيان بكل صلاة في وقتها، لأن أوائل الأوقات وأواخرها مما
لا يدركه أكثر الخاصة فضلا عن العامة، وقال ابن قدامة: إن حمل الجمع بين الصلاتين على
الجمع الصوري فاسد لوجهين: أحدهما: أنه جاء الخبر صريحاً في أنه كان يجمعهما في
وقت إحداهما، والثاني: أن الجمع رخصة، فلو كان على ما ذكروه لكان أشد ضيقاً وأعظم
حرجاً من الإتيان بكل صلاة في وقتها، قال: ولو كان الجمع هكذا لجاز الجمع بين العصر
والمغرب، وبين العشاء والصبح. قال: ولا خلاف بين الأمة في تحريم ذلك. قال: والعمل
بالخبر على الوجه السابق منه إلى الفهم أولى من هذا التكلف الذي يصان كلام رسول الله،
الآے، من حمله علیه.
قلت: سلمنا أن الجمع رخصة، ولكن حملناه على الجمع الصوري حتى لا يعارض
الخبر الواحد الآية القطعية، وهو قوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات﴾ [البقرة: ٢٣٨]. أي:
أدوها في أوقاتها، وقال الله تعالى: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً﴾ [النساء:
١٠٣]. أي: فرضاً موقوتاً، وما قلناه هو العمل بالآية والخبر، وما قالوه يؤدي إلى ترك العمل
بالآية ويلزمهم على ما قالوا من الجمع المعنوي رخصة أن يجمعوا لعذر المطر أو الخوف في
الحضر، ومع هذا لم يجوزوا ذلك، وأولوا حديث ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما: ((جمع
رسول الله عَّ الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر))، الحديث،
بتأويلات مردودة، وفيما ذهبنا إليه العمل بالكتاب، وبكل حديث جاء في هذا الباب من غير
حاجة إلى تأويلات، وأما قول الخطابي: لأن أوائل الأوقات .. إلى آخره، غير مسلم، لأن
الصلاة من أعظم أمور الدين فالمسلم الكامل كيف يخفى عليه أمور ما يتعلق بأعظم أمور