Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ ١٧ - كتابُ سُجُودِ القُرْآن / باب (٣) ٣ - بابُ سَجْدَةٍ ص أي: هذا باب في بيان سجدة سورة ص. ١٠٦٩/١٠٤ - حدّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ وَأَبُو النُّعْمَانِ قالا حدَّثنا حَمَّادٌ عِنْ أَيُّوبَ عِنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قال ص لَيْسَ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودٍ وَقَدْ رَأيْتُ النبيَّ عَ لِ يَسْجُدُ فِيهَا. [الحديث ١٠٦٩ - طرفه في: ٣٤٢٢]. مطابقته للترجمة ظاهرة تؤخذ من قوله: ((وقد رأيت النبي عَّ يسجد فيها)). ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: سليمان بن حرب، بفتح الحاء المهملة وسكون الراء وفي آخره باء موحدة، وقد تقدم. الثاني: أبو النعمان، بضم النون: محمد بن الفضل السدوسي، وقد تقدم. الثالث: حماد بن زيد، وقد تقدم غير مرة. الرابع: أيوب السختياني. الخامس: عكرمة مولى ابن عباس. السادس: عبد الله بن عباس. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: القول في موضعين. وفيه: أخبار الصحابي بالرؤية. وفيه: رواية البخاري عن اثنين من مشايخه. وفيه: أحدهما مذكور بكنيته. وفيه: أحد الرواة مفسر بنسبته. وفيه: اثنان بلا نسبة. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في أحاديث الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، عن موسى بن إسماعيل عن وهيب. وأخرجه أبو داود في الصلاة عن موسى بن إسماعيل به، وأخرجه الترمذي فيه عن ابن أبي عمر عن سفيان، وقال: حسن صحيح. وأخرجه النسائي في التفسير عن عتبة بن عبد الله عن سفيان بمعناه: رأيت النبي عَّه. يسجد في ص ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ [الأنعام: ٩٠]. ذكر معناه: قوله: ((ليس من عزائم السجود))، العزائم جمع عزيمة، وهي التي أكدت على فعلها مثل صيغة الأمر، مثلاً قاله بعضهم، ولكن التمثيل بصيغة الأمر على الإطلاق لا يصح لأن الأمر في نفسه يختلف، فتارة يدل على الوجوب وتارة على الاستحباب، وغير ذلك كما عرف في موضعه، بل معناه: ليس حق من حقوق السجود ولا واجب من واجباته، وقال الكرماني: عزائم السجود ليس من السجدات المأمور بها، والعزيمة في الأصل عقد القلب على الشيء، ثم استعمل لكل أمر محتوم، وفي الاصطلاح ضد الرخصة التي هي ما ثبت على خلاف الدليل لعذر. قلت: لا يقال في الاصطلاح ضد الرخصة بل إنما يقال ذلك في اللغة. ذكر ما يستنبط منه: لا خلاف بين الحنفية والشافعية في أن ص فيها سجدة تفعل وهو أيضاً مذهب سفيان وابن المبارك وأحمد وإسحاق غير أن الخلاف في كونها من العزائم أم لا، فعند الشافعي ليست من العزائم وإنما هي سجدة شكر تستحب في غير الصلاة، وتحرم ١٤٢ ١٧ - كتابُ سُجُودِ القُرْآن / باب (٤) فيها في الأصح، وهذا هو المنصوص عنده، وبه قطع جمهور الشافعية، وعند أبي حنيفة وأصحابه هي من العزائم، وبه قال ابن شريح وأبو إسحاق المروزي، وهو قول مالك أيضاً. وعن أحمد كالمذهبين والمشهور منهما كقول الشافعي، ومثله قال أبو داود عن ابن مسعود لا سجود فيها، وقال: هي توبة نبي، وروى مثله عن عطاء وعلقمة، واحتج الشافعي ومن معه بحديث ابن عباس، هذا ولابن عباس حديث آخر في سجوده في ص أخرجه النسائي من رواية عمر بن أبي ذر عن أبي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ((أن النبي عَّ لله سجد في ص فقال: سجدها داود عليه السلام توبة، ونسجدها شكراً). وله حديث آخر أخرجه البخاري على ما يأتي، والنسائي أيضاً في (الكبير) في التفسير عن عتبة بن عبد الله عن سفيان ولفظه: ((رأيت النبي عَّهُ يسجد في ص ﴿أولئك الذين هدى الله فيهداهم اقتده﴾ [الأنعام: ٩٠]. قلنا: هذا كله حجة لنا والعمل بفعل النبي عَّ له أولى من العمل بقول ابن عباس، وكونها توبة لا ينافي كونها عزيمة، وسجدها داود توبة، ونحن نسجدها شكراً لما أنعم الله على داود، عليه السلام بالغفران والوعد بالزلفى وحسن مآبد، ولهذا لا يسجد عندنا عقيب قوله: ﴿وأناب﴾ [ص: ٢٤]. بل عقيب قوله: ﴿وحسن مآب﴾ [ص: ٤٠] وهذه نعمة عظيمة في حقنا، فكانت سجدة تلاوة لأن سجدة التلاوة ما كان سبب وجوبها إلاّ التلاوة، وسبب وجوب هذه السجدة تلاوة هذه الآية التي فيها الإخبار عن هذه النعم على داود، عليه السلام، وإطماعنا في نيل مثله، وروى أبو داود من حديث ابن سعيد قال: ((قرأ رسول الله عَّ وهو على المنبر ص، فلما بلغ السجدة نزل فسجد)». وروى الطبراني في (الأوسط) من حديث أبي هريرة ((أن النبي عَّهُ سجد في ص)) وروى الدارقطني أيضاً كذلك، وفي (المصنف) قال ابن عمر: في ص سجدة، وقال الزهري: كنت لا أسجد في ص حتى حدثني السائب أن عثمان سجد فيها، وعن سعيد بن جبير أن عمر، رضي الله تعالى عنه، كان يسجد في ص، وكان طاوس يسجد في ص، وسجد فيها الحسن والنعمان بن بشير، ومسروق وأبو عبد الرحمن السلمي والضحاك بن قيس ((وعن أبي الدرداء قال: سجدت مع النبي عَّ له في ص)) وعن عقبة بن عامر فيها السجود. ٤ - بابُ سَجِدَةِ النَّجْمِ أي: هذا باب في بيان السجدة التي في سورة النجم. قالَهُ ابنُّ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما عَنِ النَّبِيِّ عَلَّهِ أي: رواه أو حكاه عبد الله بن عباس عن النبي عَّ ل أن في سورة النجم سجدة، وتذكير الضمير المنصوب باعتبار السجود، وحديث ابن عباس يأتي في الباب الذي عقيب هذا الباب. ١٠٧٠/١٠٥ - حدّثنا حَفصُ بنُ عُمَرَ قال حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ أبِي إِسْحَاقَ عنِ الأسْوَدِ عَنْ عَبْدِ اللهِ رضي الله تعالى عنهُ أَنَّ النَّبيَّ عَ ◌ّهِ قَرَأْ سُورَةَ النَّجْمَ بِهَا فَمَا بَقِيَ أُحَدٌ ١٤٣ ١٧ - كتابُ سُجُودِ القُرْآن / باب (٥) مِنَ القَوْمِ إِلاَّ سَجَدَ فأخَذَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ كَفّاً مِنْ حَصِيٌّ أُوْ تُرَابٍ فَرَفَعَهُ إِلَى وَجْهِهِ وقالَ يَكْفِينِي هَذا فَلَقَدْ رَأْتُهُ بَعْدُ قُتِلَ كافِراً. [أَنَظر الحديث ١٨٧ وأطرافه]. مطابقته للترجمة ظاهرة والحديث مر في أول أبواب سجود القرآن رواه هناك عن محمد بن بشار عن غندر عن شعبة إلى آخره، وههنا رواه عن حفص بن عمر عن شعبة إلى آخره، وهناك عن أبي إسحاق قال: سمعت الأسود، وهنا: عن الأسود، وإسناد الذي هناك سداسي لأن فيه غندراً، وهو محمد بن جعفر بين ابن بشار وشعبة، وإسناد هذا خماسي وهناك: قرأ النبي عَّلِ النجم بمكة، وهنا لم يذكر بمكة، وهنا زاد ((فما بقي أحد من القوم إلّ سجد)) أي: من القوم الحاضرين وسجوده عّ لّه في قراءة النجم كان بمكة، كما بينه البخاري مفسراً في حديث ابن مسعود، وفي حديث مخرمة بن نوفل قال: ((لما أظهر رسول الله عَلَّم الإسلام أسلم أهل مكة كلهم، وذلك قبل أن تفرض الصلاة حتى إن كان ليقرأ السجدة فيسجدون، حتى ما يستطيع بعضهم أن يسجد من الزحام، حتى قدم رؤساء من قريش، الوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام وغيرهما وكانوا بالطائف في أرضهم فقالوا: تدعون دين آبائكم؟)) هكذا رواه الطبراني في (المعجم الكبير): قال شيخنا زين الدين: ولا يصح ففي إسناده عبد الله بن لهيعة. ٥ - بابُ سُجُودِ المُسْلِمِينَ مَعَ المُشْرِكِينَ وَالمُشْرِكُ نَجِسٌ لَيْسَ لَهُ وُضُوءٌ أي: هذا باب في بيان سجود المسلمين مع المشركين. قوله: ((والمشرك نجس))، أي: والحال أن المشرك نجس. بكسر الجيم وفتحها، وقال ابن التين: ضبطناه بالفتح، وقال: القزاز إذا قالوه مع الرجس أتبعوه إياه، قالوا: رجس نجس، بكسر النون وسكون الجيم، والنجس، في اللغة: كل مستقذر وكانَ ابنُ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما يَسْجُدُ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ هكذا وقع في رواية الأكثرين، وفي رواية الأصيلي، بحذف: غير، وهذا هو اللائق بحاله لأنه لم يوافق ابن عمر أحد على جواز السجود بغير وضوء إلاّ الشعبي، ولكن الأصح: على غير وضوء، لما روى ابن أبي شيبة من طريق عبيد بن الحسن عن رجل زعم أنه كنفسه عن سعيد بن جبير، قال: ((كان ابن عمر ينزل عن راحلته فيهريق الماء ثم يركب فيقرأ السجدة فيسجد وما يتوضأ)، وذكر ابن أبي شيبة عن وكيع عن زكريا ((عن الشعبي في الرجل يقرأ السجدة وهو على غير وضوء، فكان يسجد)). وروى أيضاً: حدثنا أبو خالد الأحمر عن الأعمش عن عطاء ((عن أبي عبد الرحمن، قال: كان يقرأ السجدة وهو على غير وضوء، وهو على غير القبلة، وهو يمشي فيومىء برأسه إيماءً ثم يسلم)). فإن قلت: روى البيهقي بإسناد صحيح عن الليث عن نافع ((عن ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، قال: لا يسجد الرجل إلاّ وهو طاهر)). قلت: وفق بينهما بأن حمل قوله: ((طاهر))، على الطهارة الكبرى، أو يكون هذا على حالة الاختيار، وذلك على حالة الضرورة، وقال ابن بطال معترضاً على البخاري في هذه ١٤٤ ١٧ - كتابُ سُجُودِ القُرْآن / باب (٥) الترجمة: إن أراد الاحتجاج على قول ابن عمر بسجود المشركين فلا حجة فيه، لأن سجودهم لم يكن على وجه العبادة لله تعالى، وإنما كان لما ألقى الشيطان على لسانه معَ ه: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهم ترتجى، بعد قوله تعالى: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾ [النجم: ١٩ و٢٠]. فسجدوا لما سمعوا من تعظيم آلهتهم، فلما علم عَّة. ما ألقي على لسانه حزن له فأنزل الله تسلية عما عرض له ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته﴾ أي إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته، فلا يستنبط من سجودهم جواز السجود على غير الوضوء، لأن المشرك نجس لا يصح له الوضوء ولا السجود إلاّ بعد عقد الإسلام، وإن أراد الرد على ابن عمر. بقوله: ((والمشرك نجس))، ليس له وضوء فهو أشبه بالصواب، وأجاب ابن رشيد بأن مقصود البخاري تأكيد مشروعية السجود بأن المشرك قد أقر على السجود، وسمى الصحابي فعله سجوداً مع عدم أهليته، فالمتأهل لذلك أحرى بأن يسجد على كل حال ويؤيده ما في حديث ابن مسعود أن الذي ما سجد عوقب بأن قتل كافراً، فلعل جميع من وفق للسجود يومئذ ختم له بالحسنى، فأسلم ببركة السجود. انتھی. قلت: فیه بحث من وجوه: الأول: أن تقريرهم على السجود لم يكن لاعتبار سجودهم، وإنما كان طمعاً لإسلامهم. الثاني: أن تسمية الصحابي فعلهم سجوداً بالنظر إلى الصورة مع علمه بأن سجودهم كلا سجود، لأن السجود طاعة والطاعة موقوفة على الإيمان. الثالث: أن قوله: ولعل جمیع من وفق إلى آخره ظن وتخمین، فلا یبتنی علیه حکم، ثم الذي قاله ابن بطال: إنما كان لما ألقى الشيطان على لسانه عَّهِ .. إلى آخره، موجود في كثير من التفاسير، ذكروا أنه لما قرأ سورة النجم، ووقع في السورة ذكر آلهتهم في قوله تعالى: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾ [النجم: ١٩ و٢٠]. وسمعوا ذكر آلهتهم في القرآن فربما ظنوه - أو بعضهم - أن ذلك مدح لها، وقيل: إنهم سمعوا بعد ذكر آلهتهم: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتها لترتجى، فقيل: إن بعضهم هو القائل لها، أي: بعض المشركين، لما ذكر آلهتهم خشوا أن يذمها، فبدر بعضهم فقال ذلك، سمعه من سمعه وظنوا أو بعضهم أن ذلك من قراءة النبي عَّةٍ، وقيل: إن إبليس أجرى ذلك على لسانه عَّللم، وهذا باطل قطعاً. وما كان الله ليسلطه على نبيه وقد عصمه منه ومن غيره، وكذلك كون إبليس قالها وشبه صوته بصوت النبي عَّله باطل أيضاً، وإذا كان لا يستطيع أن يتشبه به في النوم كما أخبر النبي عَّهِ بذلك في الحديث الصحيح، وهو قوله: ((من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتشبه بي ولا يتمثل بي)). فإذا كان لا يقدر على التشبه به في المنام من الرائي له، والنائم ليس في محل التكليف والضبط، فكيف يتشبه به في حالة استيقاظ من يسمع قراءته؟ هذا من المحال الذي لا يقبله قلب مؤمن، وهذا الحديث الذي ذكر فيه ذكر ١٤٥ ١٧ - كتابُ سُجُودِ القُرْآن / باب (٥) ذلك أكثر طرقه منقطعة معلولة، ولم يوجد لها إسناد صحيح ولا متصل إلاّ من ثلاثة طرق: أحدها: ما رواه البزار في مسنده قال: حدثنا يوسف بن حماد حدثنا أمية بن خالد حدثنا شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس - فيما أحسب، أشك في الحديث - أن النبي عَ ليه، كان بمكة فقرأ سورة النجم حتى انتهى إلى ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾ [النجم: ١٩ و٢٠]. فجرى على لسانه: تلك الغرانيق العلى الشفاعة منهم ترتجى، قال: فسمع ذلك مشركو أهل مكة فسروا بذلك، فاشتد على رسول الله عَّةٍ: فأنزل الله تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلاّ إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته﴾ [الحج: ٥٢]. ثم قال البزار: ولا نعلمه يروى بإسناد متصل يجوز ذكره، ولم يسنده عن شعبة إلاّ أمية بن خالد، وغيره يرسله عن سعيد بن جبير، قال: وإنما يعرف هذا من حديث الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وفي تفسير أبي بكر بن مردويه عن سعيد بن جبير: لا أعلمه إلّ عن ابن عباس أن النبي، عَّله، قرأ النجم فلما بلغ: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾ [النجم: ١٩ و٢٠]. ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى وشفاعتها ترتجى، فلما بلغ آخرها سجد وسجد معه المسلمون والمشركون، فأنزل الله تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلاّ إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته﴾ [الحج: ٥٢]. إلى قوله: ﴿عذاب يوم عقيم﴾ [الحج: ٥٥]. قال يوم بدر. والطريق الثاني رواية محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. والطريق الثالث: ما رواه ابن مردويه في (تفسیرہ) قال: حدثنا أحمد بن کامل حدثنا محمد بن سعيد حدثني أبي حدثنا عمي حدثنا أبي عن أبيه ((عن ابن عباس قوله: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾ [النجم: ١٩ و٢٠]. قال: بينما رسول الله عَ ◌ّه يصلي أنزلت عليه آلهة العرب، فسمع المشركون يتلوها، وقالوا إنه يذكر آلهتنا بخير، فدنوا فبينما هو يتلوها ألقى الشيطان: تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى، فعلق يتلوها، فنزل جبريل، عليه السلام، فنسخها ثم قال: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي .. ﴾ [الحج: ٥٢] الآية، وظاهر هذه الرواية الثالثة أن الآية أنزلت عليه في الصلاة، وأنه تلا ما أنزل عليه، وأن الشيطان ألقى عليه هذه الزيادة، وأن النبي عَّ له علق يتلوها يظن أنها أنزلت وأنه اشتبه عليه ما ألقاه الشيطان بوحي الملك إليه، وهذا أيضاً ممتنع في حقه أن يدخل عليه فيما حقه البلاغ، وكيف يشتبه عليه مزج الذم بالمدح، فآخر الكلام وهو قوله: ﴿ألكم الذكر وله الأنثى﴾ [النجم: ٢١]. الآيات رد لما ألقاه الشيطان على زعمهم، وجميع هذه المسانيد الثلاثة لا يحتج بشيء منها: أما الإسناد الأول: وإن كان رجاله ثقات فإن الراوي شك فيه كما أخبر عن نفسه، فإما شك في رفعه، فيكون موقوفاً، أو في وصله فيكون مرسلاً، وكلاهما ليس بحجة خصوصاً فيما فيه قدح في حق الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، بل لو جزم الثقة برفعه ووصله حملناه على الغلط والوهم، وأما الإسناد الثاني: فإن محمد بن السائب الكلبي ضعيف عمدة القاري / ج٧ / ١٠٢ ١٤٦ ١٧ - كتابُ سُجُودِ القُرْآن / باب (٥) بالاتفاق، منسوب إلى الكذب، وقد فسر الكلبي في روايته الغرانقة العلى: بالملائكة، لا بآلهة المشركين، كما يقولون: إن الملائكة بنات الله، وكذبوا على الله فرد الله ذلك عليهم بقوله: ﴿ألكم الذكر وله الأنثى﴾ [النجم: ٢١]. فعلى هذا فلعله كان قرآناً ثم نسخ لتوهم المشركين بذلك مدح آلهتهم. وأما الإسناد الثالث: فإن محمد بن سعد هو العوفي، وهو ابن سعد بن محمد بن الحسن بن عطية العوفي، تكلم فيه الخطيب، فقال: كان ليناً في الحديث، وأبوه سعد بن محمد بن الحسن بن عطية، قال فيه أحمد: لم يكن ممن يستأهل أن يكتب عنه، ولا كان موضعاً لذلك، وعم أبيه: هو الحسين بن الحسن بن عطية، ضعفه ابن معين والنسائي وابن حبان وغيرهم، والحسن بن عطية ضعفه البخاري وأبو حاتم، وهذه سلسلة ضعفاء، ولعل عطية العوفي سمعه من الكلبي فإنه كان يروي عنه ويكنيه بأبي سعيد لضعفه، ويوهم أنه: أبو سعيد الخدري. وقال عياض: هذا حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة. ولا رواه ثقة بسند سليم متصل، وإنما أولع به وبمثله المفسرون، والمؤرخون المولعون بكل قريب، المتلقنون من الصحف كل صحيح وسقيم. قلت: الأمر كذلك، فإن غالب هؤلاء مثل الطرقية والقصاص وليس عندهم تمييز، يخبطون خبط عشواء، ويمشون في ظلمة ظلماء، وكيف يقال مثل هذا والإجماع منعقد على عصمة النبي عَ لّه ونزاهته عن مثل هذه الرذيلة؟ ولو وقعت هذه القصة لوجدت قريش على المسلمين بها الصولة، ولأقامت عليهم اليهود بها الحجة، كما علم من عادة المنافقين وعناد المشركين، كما وقع في قصة الإسراء حتى كانت في ذلك لبعض الضعفاء ردة. ١٠٧١/١٠٦ - حدَّثْنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ قال حدَّثنا أَيُّوبُ عنْ عِكْرِمَة عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما أنَّ النبيَّ عَ لَّه سَجَدَ بِالنَّجْم وسَجَدَ مَعَهُ المُسْلِمُونَ وَالمُشْرِكُونَ وَالجِنُّ والإنْسُ. [الحديث ١٠٧١ - طرفه في: ٤٨٦٢]. مطابقته للترجمة ظاهرة، ورجاله قد تقدموا غير مرة، وعبد الوارث بن سعيد وأيوب السختياني. وأخرجه البخاري أيضاً في التفسير عن أبي معمر، وأخرجه الترمذي في الصلاة عن هارون بن عبد الله بن البزار عن عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه به، وقال: حسن صحیح. قوله: ((سجد بالنجم)) زاد الطبراني في (الأوسط) من هذا الوجه: بمكة، ويستفاد من ذلك أن قصة ابن عباس وابن مسعود متحدة. قوله: ((وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس)) قال النووي: إنه محمول على من كان حاضراً. قلت: يعكر عليه أن الألف واللام في المسلمين والمشركين أبطلت الجمعية، صارت لاستغراق الجنس وكذلك الألف واللام في: الجن والإنس، للاستغراق، فيشمل الحاضر والغائب، حتى روى البزار: ((عن أبي هريرة أن النبي عٍَّ كتبت عنده سورة النجم، فلما بلغ السجدة سجد وسجدنا معه، وسجدت الدواة والقلم»، وإسناده صحيح. وروى الدارقطني من حديث أبي هريرة: ((سجد ١٤٧ ١٧ - كتابُ سُجُودِ القُرْآن / باب (٥) النبي عَّمِ بآخر النجم والجن والإنس والشجر)). فإن قلت: من أين علم الراوي أن الجن سجدوا؟ قلت: قال الكرماني: إما بإخبار النبي عَّالله له، وإما بإزالة الله تعالى الحجاب. قلت: قال شيخنا زين الدين: الظاهر أن الحديث من مراسيل ابن عباس عن الصحابة، فإنه لم يشهد تلك القصة، خصوصاً إن كانت قبل فرض الصلاة، كما تقدم في حديث مخرمة، ومراسيل الصحابة مقبولة على الصحيح، والظاهر أن ابن عباس سمعه من النبي عَّ يحدث به، وقال الكرماني: لفظ الإنس مكرر، بل لفظ الجن أيضاً لأنه إجمال بعد تفصيل نحو: ﴿تلك عشرة كاملة﴾ [البقرة: ١٩٦]. وقال أيضاً: فإن قلت: لِمَ سجد المشركون وهم لا يعتقدون القرآن قلت قيل لأنهم سمعوا أسماء أصنامهم حيث قال أفرأيتم اللات والعزى قال القاضي عياض كان سبب سجودهم فيما قال ابن مسعود، أنها أول سجدة نزلت قلت: استشكل هذا بأن: إقرأ باسم ربك، أول السور نزولاً، وفيها أيضاً سجدة، فهي سابقة على النجم. وأجيب: بأن السابق من إقرأ أولها، وأما بقيتها فنزلت بعد ذلك، بدليل قصة أبي جهل في نهيه للنبي عَّه عن الصلاة، أو المراد: أول سورة استعلن بها رسول الله عَ ◌ّهِ والنجم، وهكذا رواه ابن مردويه في تفسيره. ذكر ما يستنبط منه: احتج بهذا الحديث أبو حنيفة والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وعبد الله بن وهب وابن حبيب المالكي على أن سورة النجم فيها سجدة، وقال سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب والحسن البصري وعكرمة وطاوس ومالك: ليس في سورة النجم سجدة، واحتجوا بحديث زيد بن ثابت، رضي الله تعالى عنه، الآتي في الباب الذي يلي هذا الباب، وسنذكر الجواب عند ذكره، وروي في هذا الباب عن جماعة من الصحابة. منهم: أبو هريرة رواه عنه أحمد وقال: ((سجد النبي عَّه والمسلمون في النجم إلاّ رجلين من قريش أرادا بذلك الشهرة). ورجال إسناده ثقات. ومنهم: أبو الدرداء أخرج حديثه الترمذي من رواية أم الدرداء عنه. قال: سجدت مع النبي ◌َّ إحدى عشرة سجدة، منها التي في النجم. ومنهم: عبد الله بن عمر، أخرجه الطبراني في (الكبير) من رواية مصعب بن ثابت عن نافع ((عن ابن عمر أن النبي عَ ل قرأ: والنجم، بمكة فسجد وسجد الناس معه حتى إن الرجل ليرفع إلى جبينه شيئاً من الأرض فيسجد عليه، وحتى يسجد على الرجل))، ومصعب بن ثابت مختلف فيه، ضعفه أحمد وابن معين ووثقه ابن أبي حبان، وقال أبو حاتم: صدوق كثير الغلط. ومنهم: المطلب بن أبي وداعة، أخرج النسائي حديثه بإسناد صحيح من رواية ابنه جعفر بن المطلب عنه، قال: ((قرأ رسول الله عَ ليه بمكة سورة النجم فسجد وسجد من معه، فرفعت رأسي وأبيت أن أسجد))، ولم يكن يومئذ أسلم المطلب. ومنهم: عمرو بن العاص، أخرج حديثه أبو داود وابن ماجه من رواية عبد الله بن نمير عنه ((أن النبي عَّ أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن، منها ثلاث في المفصل)). ومنهم: عائشة، رضي الله تعالى عنها: أخرج حديثها الطبراني في (الأوسط) من رواية عبد الرحمن بن بشير عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن عروة ((عن عائشة قالت: قرأ رسول الله عَّ له بالنجم، فلما بلغ السجدة ١٤٨ ١٧ - كتابُ سُجُودِ القُرْآن / باب (٦) سجد)). وعبد الرحمن بن بشير منكر الحديث. ومنهم: عمرو الجني، أخرج حديثه الطبراني أيضاً من رواية عثمان بن صالح، قال: حدثني عمرو الجني قال: ((كنت عند النبي عَّلَّه فقراً سورة النجم فسجد فيها)). قال شيخنا زين الدين: وعثمان بن أبي صالح شيخ البخاري لم يدرك أحداً من الصحابة، فإنه توفي سنة تسع عشرة ومائتين، إلاّ أنه ذكر أن عمراً هذا من الجن، وقد نسبه أبو موسى في (ذيله): من الصحابة عمرو بن طلق، وقال الذهبي: عمرو الجني، قيل: هو ابن طلق، أورده أبو موسى، وقال: والعجب أنهم يذكرون الجن من الصحابة ولا يذكرون جبريل وميكائيل؟ قلت: لأن الجن آمنوا برسول الله عَّ ◌ُلّه وهو مرسل إليهم، والملائكة ينزلون بالرسالة إلى الرسول، عَ له. ومما يستنبط منه: أن رؤية الإنس للجن لا تنكر، وأنكرت المعتزلة رؤية الإنس للجن، واستدل بعضهم بقوله تعالى: ﴿إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم﴾ [الأعراف: ٢٧]. مع قوله: ﴿إِلاّ إبليس كان من الجن﴾ [فصلت: ٥٠]. وأجاب أهل السنة بأن هذا خرج مخرج الغالب في عدم رؤية الإنس الجن أو الشياطين، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة رؤية النبي عَِّ الشيطان الذي أراد أن يقطع عليه صلاته، وأنه خنقه حتى وجد برد لسانه، وأنه قال: ((لولا دعوة سليمان لربطته إلى سارية من سواري المسجد ... )) الحديث، وثبت في الصحيح رؤية أبي هريرة له لما دخل ليسرق تمر الصدقة، وقول النبي عَّهِ لأبي هريرة: ((تدري من تخاطب منذ ثلاث؟)) وقال فيه: ((صدقك وهو كذوب))، لكن أبا هريرة رآه في صورة مسكين على هيئة الإنس، وهو دال على أن الشياطين والجن يتشكلون في غير صورهم، كما تتشكل الملائكة في هيئة الآدميين، وقد نص الله في كتابه على عمل الجن لسليمان، عليه الصلاة والسلام، ومخاطبتهم له في قوله تعالى: ﴿قال عفريت من الجن: أنا آتيك به.﴾ [النمل: ٣٩]. الآية، ومثل هذا لا ينكر مع تصريح القرآن بذلك وثبوت الأحاديث الصحيحة. وَرَوَاهُ ابنُ طُهْمَانَ عِنْ أَيُّوبَ أي: روى هذا الحديث إبراهيم بن طهمان، بفتح الطاء وسكون الهاء وبالنون، وقد مر في: باب تعليق القنديل في المسجد، رواه عن أيوب السختياني، وأخرج الإسماعيلي متابعته من حديث حفص عنه. ٦ - بابُ منْ قَرَأ السّجْدَةَ ولَمْ يَسْجُدْ أي: هذا باب في بيان من قرأ السجدة، أي: آية السجدة، والحال أنه لم يسجد. فإن قلت: ما الألف واللام في السجدة؟ قلت: لا يجوز أن تكون للجنس، لأنه عَ لله سجد في كثير من آيات السجدة على ما ورد، والظاهر أنها للعهد، يرجع إلى السجدة التي في النجم. يعني: قرأ سجدة النجم ولم يسجد، والحديث فيه، فافهم. ١٠٧٢/١٠٧ - حدّثنا سُلَيْمَانُ بنُّ دَاوُدَ أَبُو الرَّبيعِ قال حدَّثنا إِسْمَاعِيلُ بنُ جَعْفَرَ ١٤٩ ١٧ - كتابُ سُجُودِ القُرْآن / باب (٦) قال أخبرنا يَزِيدُ بنُ خُصَيْفَةَ عنِ ابنِ قُسَيْطٍ عنْ عَطَاءِ بنِ يَسَارِ أنَّهُ أُخبرَهُ أَنَّهُ سألَ زَيْدَ بنَ ثَابِتٍ رضي الله تعالى عنهُ فَزَعَمَ أَنَّهُ قَرَأَ عَلى النبيِّ عَلَّهِ وَالنَّجْمِ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا. [الحديث ١٠٧٢ - طرفه في: ١٠٧٣]. مطابقته للترجمة ظاهرة. ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: أبو الربيع سليمان بن داود الزهراني البصري، وقد تقدم في: باب علامات المنافق. الثاني: إسماعيل بن جعفر أبو إبراهيم الأنصاري المدني. الثالث: يزيد - من الزيادة - ابن عبد الله بن خصيفة، بضم الخاء المعجمة وفتح الصاد المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الفاء، مر في: باب رفع الصوت في المساجد. الرابع: ابن قسيط، بضم القاف وفتح السين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وبالطاء المهملة: وهو يزيد بن عبد الله بن قسيط، مات سنة اثنتين وعشرين ومائة. الخامس: عطاء بن يسار، وقد تقدم غير مرة. السادس: زيد بن ثابت، رضي الله تعالى عنه. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبصيغة الإخبار كذلك في موضع واحد، وبصيغة الإفراد في موضع واحد. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: السؤال. وفيه: أن رواته كلهم مدنيون ما خلا شيخ البخاري. وفيه: أن شيخه ذكره مكنى، وفيه: من ذكر بأنه ابن فلان. وفيه: من نسب إلى جده وهو: يزيد بن خصيفة. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في سجود القرآن عن آدم عن ابن أبي ذئب. وأخرجه مسلم في الصلاة عن يحيى بن يحيى ويحيى بن أيوب وقتيبة وعلي بن حجر. أربعتهم عن إسماعيل بن جعفر به، وأخرجه أبو داود فيه عن هناد عن وكيع عن ابن أبي ذئب به. وأخرجه الترمذي فيه عن يحيى بن موسى عن وكيع به، وقال: حسن صحيح. وأخرجه النسائي فيه عن علي بن حجر به. ذكر معناه: قوله: ((سأل ((زيد بن ثابت))، فيه المسؤول عنه محذوف، والظاهر أنه هو السجود في النجم، وأجاب بقوله: ((أنه قرأ على النبي عَّ النجم فلم يسجد فيها)). وقال بعضهم: وظاهر السياق يوهم أن المسؤول عنه السجود في النجم وليس كذلك، وقد بينه مسلم عن علي بن حجر عن إسماعيل بن جعفر بهذا الإسناد، وقال: ((سألت زيد بن ثابت عن القراءة مع الإمام، فقال: لا قراءة مع الإمام في شيء، وزعم أنه قرأ النجم .. )) الحديث فحذف المصنف الموقوف لأنه ليس من غرضه في هذا المكان، ولأنه يخالف زيد بن ثابت في ترك القراءة خلف الإمام. قلت: هذا مردود من وجوه: الأول: قوله: يوهم، ليس كذلك، بل تحقق أن المسؤول عنه السجود في النجم، وذلك لأن حسن تركيب الكلام أن يكون بعضه ملتئماً بالبعض، ورواية البخاري هكذا تقتضي ذلك. الثاني: قوله: فحذف المصنف الموقوف، لأنه ليس من غرضه في هذا المكان، كلام واهٍ لأنه يقتضي أن يكون البخاري يتصرف في متن الحديث بالزيادة والنقصان لأجل غرضه وهو بريء من ذلك وإنما البخاري ١ ١٥٠ ١٧ - كتابُ سُجُودِ القُرآن / باب (٦) روى هذا الحديث عن أبي الربيع سليمان ومسلم روى عن أربعة أنفس يحيى بن بحیی ويحيى ابن أيوب وقتيبة بن سعيد وعلي بن حجر، وهم وسليمان اتفقوا على روايتهم عن إسماعيل ابن جعفر، فسليمان روى عنه بالسياق المذكور، والأربعة رووا عنه بالزيادة المذكورة، وما الداعي للبخاري أن يحذف تلك الزيادة لأجل غرضه؟ فلا ينسب ذلك إلى البخاري وحاشاه من ذلك. الثالث: قوله: ولأنه يخالف زيد بن ثابت، كلام مردود أيضاً، لأن مخالفته لزيد بن ثابت في ترك القراءة خلف الإمام لا يستدعي حذف ما قاله زيد، لأن هذا الموضع ليس في بيان موضع قراءة المقتدي خلف الإمام، وإنما الكلام والترجمة في السجدة في سورة النجم، وليس من الأدب أن يقال: يخالف البخاري مثل زيد بن ثابت، كذا في التصريح حتى لو سئل البخاري: أنت تخالف زيد بن ثابت في قوله هذا؟ لكان يقول: زيد بن ثابت ذهب إلى شيء لما ظهر عنده، وأنا ذهبت إلى شيء لما ظهر عندي، وكان يراعي الأدب ولا يصرح بالمخالفة، وأما متن حديث مسلم فهكذا: حدثنا يحيى بن يحيى ويحيى بن أيوب وقتيبة بن سعيد وابن حجر، قال يحيى: أخبرنا، وقال الآخرون: حدثنا إسماعيل، وهو ابن جعفر عن يزيد بن خصيفة عن ابن قسيط عن عطاء بن يسار أنه أخبره أنه سأل زيد بن ثابت، رضي الله تعالى عنه، عن القراءة مع الإمام، فقال: لا قراءة مع الإمام في شيء، وزعم أنه قرأ على رسول الله عَّه ﴿والنجم إذا هوى﴾ [النجم: ١] فلم يسجد، ففي رواية مسلم أجاب زيد بن ثابت عما سأله عطاء بن يسار، وأفاد بفائدة أخرى زائدة على ما سأله، ورواية البخاري إما وقعت مختصرة أو كان سؤال عطاء ابتداء عن سجدة النجم، فأجاب عن ذلك مقتصراً عليه، وكلا الوجهين جائزان فلا يتكلف في تصرف الكلام بالعسف. قوله: ((فزعم)، هو يطلق على القول المحقق وعلى المشكوك فيه، والأول هو المراد هناك. قوله: ((فلم يسجد فيها)) أي: لم يسجد النبي عَّه في سجدة النجم. ذكر ما يستنبط منه: وهو على وجوه: الأول: احتج به مالك في المشهور عنه، والشافعي في القديم، وأبو ثور على: أنه لا يسجد للتلاوة في آخر النجم. وهو قول عطاء بن أبي رباح والحسن البصري وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب وعكرمة وطاوس، ويحكى ذلك عن ابن عباس وأبي بن كعب وزيد بن ثابت، وأجاب الطحاوي عن ذلك فقال: ليس في الحديث دليل على أن لا سجود فيها لأنه قد يحتمل أن يكون ترك النبي عَ ◌ّة السجود فيها حينئذ لأنه كان على غير وضوء فلم يسجد لذلك، ويحتمل أن يكون تركه لأنه كان وقتاً لا يحل فيه السجود، ويحتمل أن يكون تركه لأن الحكم عنده بالخيار إن شاء سجد وإن شاء ترك، ويحتمل أن يكون تركه لأنه لا سجود فيها، فلما احتمل تركه السجود هذه الاحتمالات يحتاج إلى شيء آخر من الأحاديث نلتمس فيه حكم هذه السورة، هل فيها سجود أم لا؟ فوجدنا فيها حديث عبد الله بن مسعود الذي مضى فيما قبل فيه تحقيق السجود فيها، فالأخذ بهذا أولى، كان تركه في حديث زيد لمعنى من المعاني التي ذكرنا. ١٥١ ١٧ - كتابُ سُجُودِ القُرْآن / باب (٧) وأجيب أيضاً بأنه عَ لِّ: لم يسجد على الفور، ولا يلزم منه أن لا يكون فيه سجدة، ولا فيه نفي الوجوب. الثاني: استدل به بعضهم على أن المستمع لا يسجد إلاّ إذا سجد القارىء لآية السجدة، وبه قال أحمد، وإليه ذهب القفال. وقال الشيخ أبو حامد والبغداديون: يسجد المستمع وإن لم يسجد القارىء، وبه قالت المالكية، وعند أصحابنا: يجب على القارىء والسامع جميعاً، ولا يسقط عن أحدهما بترك الآخر. الثالث: استدل به البيهقي وغيره على: أن السامع لا يسجد ما لم يكن مستمعاً، قال: وهو أصح الوجهين، واختاره إمام الحرمين، وهو قول المالكية والحنابلة. وقال الشافعي في (مختصر البويطي): لا أؤكده عليه كما أؤكده على المستمع، وإن سجد فحسن، ومذهب أبي حنيفة: وجوبه على السامع والمستمع والقارىء، وروى ابن أبي شيبة في (مصنفه) عن ابن عمر أنه قال: السجدة على من سمعها. ومن تعليقات البخاري قال عثمان: إنما السجود على من استمع. ١٠٧٣/١٠٨ - حدّثنا آدَمُ بنُ أبي إياس قال حدَّثنا ابنُ أبي ذْبٍ قال حدَّثنا يَزيدُ بنُ عَبْدِ الله بنِ قُسَيْطٍ عنْ عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ عنْ زَيْدِ بنِ ثابِتٍ قالٍ قَرَأْتُ عَلَى النبيّ صّ الله وَالنَّجْمِ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا. [أنظر الحديث ١٠٧٢]. هذا طريق آخر في حديث زيد بن ثابت فإنه رواه من طريقين: الأول: عن سليمان عن إسماعيل بن جعفر عن يزيد بن خصيفة عن ابن قسيط. الثاني: هذا: عن آدم بن أبي إياس، واسمه: عبد الرحمن من أفراد البخاري عن إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي ذئب عن يزيد ابن عبد الله بن قسيط، وبين متنيهما بعض تفاوت على ما لا يخفى. ٧ - بابُ سَجْدَةٍ إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ أي: هذا باب في بيان حكم سجدة سورة ﴿إِذا السماء انشقت﴾ [الانشقاق: ١]. ١٠٧٤/١٠٩ - حدّثنا مُسْلِمِ بنُ إِبْرَاهِيمَ وَمَعَاذُ بنُ فَضَالَةَ قالاً أخبرنا هِشَامٌ عَنْ يَخيى عنْ أبي سَلَمَة قال رَأيْتُ أَبا هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قَرَأَ ﴿إِذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١] فَسَجدَ بِهَا فَقُلْتُ يا أبا هُرَيْرَةَ أَلَمْ أَرَكَ تَسْجُدُ قال لَوْ لَمْ أَرَ النبيَّ عَ لِّ يَسْجُدُ لَمْ أَسْجُدْ. [أنظر الحديث ٧٦٦ وطرفيه]. مطابقته للترجمة من حيث إن الحديث يبين أن هذه السورة فيها السجدة، والترجمة في بيان هذه السجدة. ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: مسلم بن إبراهيم الأزدي القصاب البصري. الثاني: معاذ بن فضالة أبو زيد الزهراني البصري. الثالث: هشام بن أبي عبد الله الدستوائي. الرابع: يحيى بن أبي كثير. الخامس: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف. السادس: أبو هريرة. ١٥٢ : ١٧ - كتابُ سُجُودِ القُرْآن / باب (٧) ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في موضعين. وفيه: الرؤية. وفيه: أنه روى عن شيخين. وفيه: أن الثلاثة الأول من الرواة بصريون والرابع يمامي والخامس مدني. ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في الصلاة عن محمد بن المثني عن ابن أبي عدي عن هشام، وروي حديث أبي هريرة من طرق كثيرة، فأخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي من رواية بكر بن عبد الله المزني عن أبي رافع واسمه نفيع، قال: ((صليت مع أبي هريرة العتمة فقراً: إذا السماء انشقت، فسجد فيها. فقلت: ما هذه؟ قال: سجدت بها خلف أبي القاسم فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه)). وأخرجه مسلم والنسائي من رواية عبد الله ابن يزيد عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وأخرجه مسلم وأصحاب السنن من رواية سعيد بن مينا: ((عن أبي هريرة، قال: سجدنا مع رسول الله عَّه في ﴿إذا السماء انشقت﴾ [الانشقاق: ١] و﴿اقرأ باسم ربك﴾ [العلق: ١] وأخرج مسلم من رواية صفوان بن سليم وعبيد الله بن أبي جعفر عن عبد الرحمن الأعرج، وروى في هذا الباب عن غير أبي هريرة، فأخرج البزار وأبو يعلى في (مسنديهما) من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه: ((عبد الرحمن بن عوف، قال: رأيت النبي عَّه يسجد في ﴿إذا السماء انشقت﴾ واختلف فيه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، واختلف في سماع أبي سلمة عن أبيه، وروى الطبراني في (الكبير) من رواية ذر بن حبيش ((عن صفوان بن عسال أن النبي عَّم سجد في ﴿إذا السماء انشقت﴾)). وإسناده ضعيف. ذكر معناه: قوله: ((قرأ: ﴿إِذا السماء انشقت﴾)) أي: قرأ سورة: ﴿إذا السماء انشقت﴾. قوله: ((فسجد بها)) أي: سجد فيها، والباء للظرفية، وفي رواية الكشميهني: (فسجد فيها)). قوله: ((لم أرك تسجد)) استفهام استخبار لا استفهام إنكار، كما قاله البعض، وهو غير صحيح. ذكر ما يستنبط منه: احتج بهذا الحديث أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأحمد والقاضي عبد الوهاب المالكي على أن في سورة ﴿إذا السماء انشقت﴾ سجدة تلاوة. فإن قلت: روى أبو داود: حدثنا محمد بن رافع حدثنا أزهر بن القاسم قال محمد: رأيته بمكة، حدثنا أبو قدامة عن مطر الوراق عن عكرمة ((عن ابن عباس: أن رسول الله عَ لٍ لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة))، وذهب إليه مجاهد والحسن البصري وعطاء بن أبي رباح وبعض الشافعية. فقالوا: قد كان رسول الله عَّلم يسجد في المفصل بمكة، فلما هاجر إلى المدينة ترك ذلك، واحتجوا بهذا الحديث. قلت: قال الطحاوي: وهذا ضعيف، ولو ثبت لكان فاسداً، وذلك أن أبا هريرة قد روينا عنه، وأشار إلى الحديث المذكور في هذا الباب، وغيره مما ذكرناه عن قريب، وهو قوله: ((سجدنا مع رسول الله عَّ له في ﴿إذا السماء انشقت﴾ و﴿اقرأ باسم ربك﴾)) وإسلام أبي هريرة ولقاؤه رسول الله عَ ليه إنما كان بالمدينة قبل وفاته بثلاث سنين، فدل ذلك على فساد ما ذهب إليه أهل تلك المقالة. وقال عبد الحق ١٥٣ ١٧ - كتابُ سُجُودِ القُرْآن / باب (٨) في أحكامه: إسناد حديث ابن عباس هذا ليس بقوي، ويروى مرسلاً، والصحيح حديث أبي هريرة. وقال ابن عبد البر: هذا حديث منكر، وأبو قدامة ليس بشيء. وقال ابن القطان في كتابه: وأبو قدامة الحارث بن عبيد قال فيه ابن حنبل: مضطرب الحديث، وضعفه ابن معين، وقال الساجي: صدوق وعنده مناكير، وقال أبو حاتم: كان شيخاً صالحاً وكثر وهمه، ومطر الوراق كان سيء الحفظ حتى كان يشبه في سوء الحفظ محمد بن عبد الرحمن بن أبي لیلی، وقد عیب علی مسلم إخراج حديثه. ٨ - بابُ منْ سَجَدَ لِسُجُودِ القَارىءِ أي: هذا باب في بيان حكم من سجد للتلاوة لأجل سجود القارىء، وحكمه أنه ينبغي أن يسجد لسجود القارىء حتى قال ابن بطال: أجمعوا على أن القارىء إذا سجد لزم المستمع أن يسجد، كذا أطلق، ولكن فيه خلاف، وقد ذكرنا فيما مضى أنهم اختلفوا في السامع الذي ليس بمستمع، وهو الذي لم يقصد الاستماع، ولم يجلس له فقال الشافعي في (مختصر البويطي): لا أؤكده وإن سجد فحسن، وعند الحنيفة: يجب على القارىء والسامع والمستمع، وقد ذكرنا دلائلهم عن قريب، وقال بعضهم: في الترجمة إشارة إلى أن القارىء إذا لم يسجد لم يسجد السامع. قلت: ليس كذلك، لأن تعلق السجدة بالسامع، سواء كان من حيث الوجوب أو من حيث السنية، لا يتعلق بسجدة القارىء، بل بسماعه يجب عليه أو يسن على الخلاف، وسواء في ذلك سجود القارىء وعدمه. وقالَ ابنُ مَسْعُودٍ لِتَمِيمِ بنِ حَذْلَمٍ وَهْوَ غُلاَمٌ فَقَرأْ عَلَيْهِ سَجْدةً فقال اسْجُدْ فإِنَّكَ إِمَامُنَا فِيهَا تميم، بفتح التاء المثناة من فوق، وحذلم، بفتح الحاء المهملة وسكون الذال المعجمة وفتح اللام: أبو سلمة الضبي وهو تابعي روى عنه ابنه أبو الخير، وفي (تهذيب التهذيب): تميم بن حذلم الضبي أبو سلمة، أدرك أبا بكر وعمر وصحب ابن مسعود وروى عنه إبراهيم النخعي وسماك بن سلمة الضبي والعلاء بن بدر وآخرون، وروى له البخاري في (كتاب الأدب)، وهذا التعليق وصله سعيد بن منصور من رواية مغيرة ((عن إبراهيم قال: قال تميم بن حذلم: قرأت القرآن على عبد الله وأنا غلام فمررت بسجدة فقال عبد الله: أنت إمامنا فيها)). وروى بن أبي شيبة في (مصنفه) نحوه حدثنا ابن فضيل عن الأعمش عن أبي إسحاق ((عن سليم ابن حنظلة، قال: قرأت على عبد الله بن مسعود سورة بني إسرائيل، فلما بلغت السجدة قال عبد الله: إقرأها فإنك إمامنا فيها)). وقال البيهقي: حدثنا علي بن محمد بن بشران أخبرنا أبو جعفر الرازي حدثنا إسحاق الأزرق حدثنا سفيان عن أبي إسحاق عن سليم بن حنظلة، قال: قرأت السجدة عند ابن مسعود، فنظر إلي فقال: أنت إمامنا فاسجد نسجد معك، وفي (سنن سعيد بن منصور) من حديث إسماعيل بن عياش عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن أبي هريرة: ((قرأ رجل عند النبي عَ له سجدة فلم يسجد، فقال النبي عَّله: أنت قرأت، ولو ١٥٤ ١٧ - كتابُ سُجُودِ القُرْآن / باب (٩) سجدت سجدنا معك)). وروى البيهقي من حديث عطاء بن يسار قال: ((بلغني أن رجلاً قرأ عند النبي عَ لّه آية من القرآن فيها سجدة، فسجد الرجل وسجد النبي عَّم معه، ثم قرأ آخر آية فيها سجدة عند النبي عَّلّه، فانتظر الرجل أن يسجد النبي معَّهم فلم يسجد، فقال الرجل: يا رسول الله قرأت السجدة فلم تسجد؟ فقال عَّ له: أنت إمامنا فيها، فلو سجدت سجدنا معك)). قوله: ((وهو غلام)) جملة حالية. قوله: ((فقال)) أي: في السجدة، ومعنى قوله: ((إمامنا)) أي: متبوعناً، لتعلق السجدة بنا من جهتك اسجد أنت نسجد نحن أيضاً، وليس معناه: إن لم تسجد لا نسجد، وذلك لأن السجدة كما تتعلق بالتالي تتعلق بالسامع، فإن لم يسجد التالي لا تسقط عن السامع، وهذا مذهب أصحابنا. وقالت المالكية: يسجد المستمع من دون السامع. وقالت الحنابلة: لا يسجد المستمع إلّ إذا سجد القارىء، وقال البيهقي في (الخلافيات): إذا لم يسجد التالي فلا يسجد السامع في أصح الوجهين، فإن كان القارىء لها في الصلاة يسجد إن كان منفرداً أو إماماً ويسجد السامع له إن كان مأموماً معه وسجد إمامه، فإن لم يسجد إمامه لم يسجد بلا خلاف، فإن سجد بطلت صلاته عندهم. وعند أبي حنيفة: يسجد بعد فراغه من الصلاة بناء على أصله، فإن سجدها في الصلاة لا تبطل، ولم تجزه عن الوجوب وعليه إعادتها خارج الصلاة. وقال صاحب (الهداية): وفي (النوادر): أنه تفسد صلاته بالسجود فيها في هذه الحال. قال: وقيل: هو قول محمد بن الحسن. وقالت المالكية: يسجد المنفرد لقراءة نفسه في النافلة، وكذا إذا كان إماماً فيها دون الفريضة. ١٠٧٥/١١٠ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا يَحْيِى عنْ عُبَيْدِ الله قال حدَّثني نافَعْ عنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما قال كانَ النبيُّ عَّلَّهِ يَقْرَأْ عَلَيْنَا الشُّورَةَ فِيهَا السَّجْدَةَ فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ حَتَّى ما يَجِدُ أَحَدُنَا مَوْضِعَ جَبْهَتِهِ. [الحديث ١٠٧٥ - طرفاه في: ١٠٧٦، ١٠٧٩]. مطابقته للترجمة ظاهرة وهي سجود القوم لسجدة النبي عَّةٍ، ويحيى هو ابن سعيد القطان وعبد الله بن عمر بن حفص ابن عاصم بن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه. أخرجه البخاي أيضاً عن صدقة بن الفضل. وأخرجه مسلم في الصلاة عن زهير بن حرب وعبيد الله بن سعيد ومحمد بن المثنى، وأخرجه أبو داود فيه عن أحمد بن حنبل. قوله: ((حتى ما يجد أحدنا)) أي: بعضنا، وليس المراد منه كل واحد ولا واحداً معيناً. ويستفاد منه: أن السجدة واجبة عند قراءة آية السجدة، وسواء كان في الصلاة أو خارج الصلاة على القارىء والسامع، وقال ابن بطال: فيه: الحرص على فعل الخير والمسابقة إليه. وفيه: لزوم متابعة أفعاله عَ له. ٩ - بابُ ازْدِحَامِ النَّاسِ إِذَا قَرَأ الإمَامُ السَّجْدَةَ أي: هذا باب في بيان ازدحام الناس ... إلى آخره، وذلك لضيق المقام وكثرة الناس. ١٥٥ ١٧ - كتابُ سُجُودِ القُرْآن / باب (١٠) ١٠٧٦/١١١ - حدّثنا بِشْرُ بنُ آدَمَ قال حدَّثنا علِيُّ بنُ مُشْهرٍ قال أخبرنا عُبَيْدُ اللهِ عنْ نافعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ قال كانَ النبيُّ عَ لَّهِ يَقْرأُ السَّجْدَةَ وَنَحْنُ عِنْدَهُ فَيَسْجُدُ ونَسْجُدُ مَعَهُ فَتَزْدَحِمُ حَتَّى ما يَجِدُ أحَدُنَا لِجَبْهَتِهِ مَوْضِعاً يَسْجُدُ عَلَيْهِ. [أنظر الحديث ١٠٧٥ وأطرافه]. هذا طريق آخر في الحديث المذكور في الباب السابق ذكره لأجل هذه الترجمة، و: بشر، بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة: ابن آدم الضرير أبو عبد الله البغدادي، بصري الأصل وليس له في البخاري إلاّ هذا الموضع الواحد، وفي طبقته: بشر بن آدم بن يزيد بصري أيضاً وهو ابن بنت أزهر السمان، وفي كل منهما مقال. ومسهر، بضم الميم: من الإسهار، وعبيد الله هو ابن عمر المذكور في الباب الذي قبله. قوله: ((ونحن عنده))، جملة حالية. قوله: ((فيسجد) أي: النبي عَّله ونسجد نحن معه. قوله: ((يسجد عليه))، جملة في محل النصب لأنها وقعت صفة لقوله: ((موضعاً). وقال ابن بطال: كان عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، يقول: من لا يقدر على السجود على الأرض من الزحام في صلاة الفريضة يسجد على ظهر أخيه وبه قال الثوري والكوفيون والشعبي وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وقال نافع، مولى ابن عمر: يومىء إيماءً. وقال عطاء والزهري: يمسك عن السجود فإذا رفعوا سجد هو، وهو قول مالك وجميع أصحابه، وقال مالك: إن سجد على ظهر أخيه يعيد الصلاة، وذكر ابن شعبان في (مختصره) عن مالك قال: يعيد في الوقت وبعده. وقال أشهب: يعيد في الوقت. وقال عمر، رضي الله تعالى عنه: اسجد ولو على ظهر أخيك، فعلى قول من أجاز السجود في صلاة الفريضة من الزحام على ظهر أخيه فهو أجوز عنده في سجود القرآن، لأن السجود في الصلاة فرض بخلافه، وعلى قول عطاء والزهري ومالك: يحتمل أن تجوز عندهم سجدة التلاوة على ظهر رجل، وأما على غير الأرض فكقول الجمهور، ويحتمل خلافهم، واحتمال وفاقهم أشبه لحديث ابن عمر. ١٠ - بابُ مَنْ رأى أنَّ الله عَزَّ وجَلَّ لَمْ يُوجِبِ السُّجُودَ أي: هذا باب في بيان حكم من رأى أن الله عز وجل لم يوجب السجود، وكأن من رأى ذلك يحمل الأمر في قوله: ((اسجدوا)). وقوله: ((واسجد)) على الندب، أو على أن المراد به سجود الصلاة أو في الصلاة المكتوبة على الوجوب، وفي سجدة التلاوة على الندب؟ قلت: الأمر إذا جرد عن القرائن يدل على الوجوب لتجرده عن القرينة الصارفة عن الوجوب، وحمله على سجود الصلاة يحتاج إلى دليل، واستعماله في الصلاة المكتوبة على الوجوب وفي سجدة التلاوة على الندب استعمال لمفهومين مختلفين في حالة واحدة، وهو ممتنع. وقِيلَ لِعِمْرَانَ بنِ حُصَيْنِ الرَّجُلُ يَسْمَعُ السَّجْدَةَ وَلَمْ يَجْلسْ لَهَا قَالَ أَرَأيْتَ لَوْ قَعَدَ لَهَا كأنَّهُ لاَ يُوجِبُهُ عَلَيْهِ هذا وما بعده من أثر سليمان، ومن كلام الزهري وفعل السائب بن يزيد داخلة في ١٥٦ ١٧ - كتابُ سُجُودِ القُرْآن / باب (١٠) الترجمة، ولهذا عطفه بالواو، وأثر عمران الذي علقه وصله ابن أبي شيبة في (مصنفه) بمعناه قال: حدثنا عبد الأعلى عن الجريري عن أبي العلاء عن مطرف قال: وسألته عن الرجل يتمادى في السجدة أسمعها أو لم يسمعها؟ قال: وسمعها فماذا؟ ثم قال مطرف: سألت عمران بن حصين عن الرجل لا يدري أسمع السجدة أم لا؟ قال: وسمعها فماذا؟ قوله: ((ولم يجلس لها) أي: كأنه لا يوجبه عليه من كلام البخاري، أي: كأن عمران لا يوجب السجود على الذي قعد لها للاستماع، فإذا لم يوجب على المستمع فعدمه على السامع بالطريق الأولى. قلت: يعارض هذا أثر ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، أنه قال: السجدة على من سمعها. رواه ابن أبي شيبة، وكلمة: على للإيجاب مطلق عن قيد القصد، فتجب على كل سامع سواء كان قاصداً للسماع أو لم يكن. وقال سَلْمَانُ ما لِهذا غَدَوْنَا سلمان هذا هو الفارسي، هو قطعة من أثره علقه البخاري ووصله ابن أبي شيبة عن ابن فضيل عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن، قال: دخل سلمان الفارسي المسجد وفيه قوم يقرأون فقرأوا سجدة فسجدوا، فقال له صاحبه: يا أبا عبد الله لو أتينا هؤلاء؟ قال: ما لهذا غدونا)). وأخرجه البيهقي أيضاً. وأخرجه عبد الرزاق من طريق أبي عبد الرحمن السلمي قال: ((مر سلمان على قوم قعود فقرأوا السجدة فسجدوا، فقيل له، فقال: ليس لهذا غدونا)). قوله: ((ما لهذا غدونا)) أي: ما غدونا لأجل السماع، فكأنه أراد بيان إنا لم نسجد لأنا ما كنا قاصدين السماع. وقال عُثْمانُ رضي الله تعالى عنه إنّمَا السَّجْدَةُ عَلَى مَنِ اسْتَمَعَهَا هذا التعليق وصله عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن ابن المسيب أن عثمان مر بقاص فقرأ سجدة ليسجد معه عثمان، فقال عثمان: إنما السجود على من استمع، ثم مضى ولم يسجد. وروى ابن أبي شيبة: حدثنا وكيع عن ابن أبي عروبة عن قتادة عن ابن المسيب عن عثمان، قال: إنما السجدة على من جلس لها. قوله: ((على من استمعها)) يعني: لا على السامع. قال الكرماني: والفرق بينهما أن المستمع من كان قاصداً للسماع مصغياً إليه، والسامع من اتفق سماعه من غير قصد إليه. قلت: هذه الآثار الثلاثة لا تدل على نفي وجوب السجدة على التالي، والترجمة تدل على العموم، فلا مطابقة بينهما من هذا الوجه، ورواية ابن أبي شيبة تدل على وجوب السجدة عند عثمان على الجالس لها، سواء قصد السماع أو لم يقصده. وقَال الزُّهْرِيُّ لاَ تَسْجُدُ إلاَّ أنْ تَكُونَ طاهِراً فإذَا سَجَدْتَ وَأَنْتَ فِي حَضَرٍ فَاسْتَقْبِلٍ القِبْلَةَ فإنْ كُنْتَ رَاكِباً فَلاَ عَلَيْكَ حَيْثُ كَانَ وَجْهُكَ الزهري: هو محمد بن مسلم بن شهاب، وصل هذا عبد الله بن وهب عن يونس عنه بتمامه. قوله: ((لا تسجد إلا أن تكون طاهراً) يدل على أن الطهارة شرط لأداء سجدة ١٥٧ ١٧ - كتابُ سُجُودِ القُرْآن / باب (١٠) التلاوة، وفيه خلاف ابن عمر والشعبي، وقد ذكرناه. قال بعضهم: قيل: قوله: ((لا تسجد إلا أن تكون طاهراً)، ليس بدال على عدم الوجوب، لأن المدعي يقول: علق على شرط وهو وجود الطهارة، فحيث وجد الشرط لزم. قلت: هذا كلام واهٍ، كيف ينقله من له وجه إدراك؟ لأن أحداً هل قال: يلزم من وجوب الشرط وجود المشروط، والشرط خارج عن الماهية والوجوب، وعدم الوجوب يتعلق بالماهية لا بالشرط، وغايته أنه إذا ثبت وجوبه يشترط له الطهارة للأداء، والجواب: إن موضع الترجمة من هذا الأثر قوله: ((فإن كنت راكباً فلا عليك حيث كان وجهك))، لأن هذا دليل النفل، إذ الفرض لا يؤدى على الدابة في الأمن. قلت: كيف يطابق هذا الجواب لقول هذا القائل المذكور وبينهما بعد عظيم؟ يظهر بالتأمل على أن الحنفي لا يقول بفرضيته، حتى يقال: الفرض لا يؤدى على الدابة قوله: ((وإن كنت راکباً))، قال الكرماني: أي: في السفر بقرينة كونه قسيماً لقوله: ((في حضر))، والركوب كناية عن السفر، لأن السفر مستلزم له. قلت: لا نسلم تقييد الراكب بالسفر، لأنه أعم من أن يكون راكباً في الحضر أو السفر. وقوله: والركوب كناية، فيه عدول عن الحقيقة من غير ضرورة، وقوله: لأن السفر مستلزم له، أي: للركوب، غير صحيح، لأنه يكون بالمشي أيضاً. قوله: ((لا عليك)) أي: لا بأس عليك أن لا تستقبل القبلة عند السجود. وكانَ السَّائِبُ بنُ يَزِيدَ لاَ يَسْجُدُ لِسُجُودِ القَاصِ السائب بن يزيد - من الزيادة - ابن أخت نمر الكندي، ويقال: الليثي، ويقال الأزدي، ويقال: الهذلي أبو يزيد الصحابي المشهور، مات سنة إحدى وتسعين، وقد مر ذكره في: باب استعمال فضل وضوء الناس، والقاص، بالقاف وتشديد الصاد المهملة: الذي يقص الناس الأخبار والمواعظ. قال الكرماني: ولعل سببه أنه ليس قاصداً لقراءة القرآن قلت: لعل سببه أن لا يكون قصده السماع، أو كان سمعه ولم يكن يستمع له، أو كان لم يجلس له فلا يسجد. ١٠٧٧/١١٢ - حدّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى قال أخبرنا هِشَامُ بنُ يُوسُفَ أنَّ ابنَ مُجرَيْجِ أَخْبَرَهُمْ قال أخبرني أَبُو بَكْرِ بنُ أبِي مُلَيْكَةَ عنْ عُثْمَانَ بنِ عَبْدِ الرحمنِ التَّيْمِيِّ عنْ رَبِيعَةً بِنِ عَبْدِ اللهِ بنِ الهُدَيْرِ التَّيْمِيِّ قال أَبُو بَكْرٍ وكانَ رَبِيعَةُ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ عَمَّا حَضَرَ رَبِيعَةٌ مِنْ عُمَرَ ابنِ الخَطَّابِ رضي الله تعالى عنه قَرَأْ يَوْمَ الجُمُعَةِ عَلَى المِنْبَرِ بِشُورَةِ النَّخْلِ حَتَّى إِذَا جاءَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وسجَدَ النَّاسُ حَتَّى إِذَا كانَتِ الجُمُعَةُ القَابِلَةُ قَرَأَ بِهَا حَتَّى إِذَا جاءَ السَّجْدَةَ قال يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا نَمُّ بالشُّجُودِ فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ أَصَابَ ومَنْ لَمْ يَسْبُدْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَسْجُدْ عُمَرُ رضي الله تعالى عنهُ. مطابقته للترجمة غير تامة لأن فيه: ((نزل فسجد))، فهذا يدل على أنه كان يرى السجدة مطلقاً سواء كان على سبيل الوجوب أو السنية. وقوله أيضاً: ((وسجد الناس))، يدل على ذلك، إذ لو كان الأمر بخلاف ذلك لمنعهم. فإن قلت: قوله: ((ومن لم يسجد فلا إثم عليه))، يدل على نفي الوجوب. قلت: لا نسلم، لأنه يحتمل أنه ليس على الفور فلا يأثم ١٥٨ ١٧ - كتابُ سُجُودِ القُرْآن / باب (١٠) بتأخيره، فلا يلزم من ذلك عدم الوجوب. فإن قلت: قوله: ((ولم يسجد عمر)) يدل على خلاف ما قلت قلت: لا نسلم لاحتمال إنه لم يسجد في ذلك الوقت لعارض، مثل انتقاص الوضوء، أو يكون ذلك منه إشارة إلى أنه ليس على الفور. فإن قلت: ما ذكرت من الاحتمالات ينفي ما قلت، قلت: لا نسلم، لأنه روي عن عمر ما يؤكد ما ذهبنا إليه، وهو ما رواه الطحاوي: حدثنا أبو بكرة، قال: حدثنا أبو داود وروح، قالا: حدثنا شعبة، قال: ((أنبأني سعد بن إبراهيم قال: سمعت ابن أخت لنا، يقال له عبد الله بن ثعلبة، قال: صلى بنا عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، الصبح فيما أعلم، ثم قال سعد: صلى بنا الصبح فقرأ بالحج وسجد فيها سجدتين)). وأخرجه ابن أبي شيبة في (مصنفه): عن غندر وعن شعبة إلى آخره نحوه، ومما يؤكد ما قلنا. قوله: ((فمن سجد فقد أصاب السنة))، والسنة إذا أطلقت يراد بها سنة رسول الله عَ ليه، وقد تواترت الأخبار عن النبي عَّله بالسجدة في مواضع السجود في القرآن، فدل هذا كله أنه سنة مؤكدة، ولا فرق بينها وبين الواجب، فسقط بهذا قول من قال: وأقوى الأدلة على نفي الوجوب حديث عمر المذكور في هذا الباب. فافهم. ذكر رجال الأثر المذكور وهم سبعة: الأول: إبراهيم بن موسى بن يزيد التميمي الفراء أبو إسحاق الرازي يعرف بالصغير. الثاني: هشام بن يوسف أبو عبد الرحمن الصنعاني اليماني قاضيها، مات سنة سبع وتسعين ومائة باليمن. الثالث: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج أبو الوليد المكي. الرابع: أبو بكر بن أبي مليكة، بضم الميم وفتح اللام: واسمه عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، واسم أبي مليكة: زهير بن عبد الله أبو محمد الأحول كان قاضياً لابن الزبير ومؤذناً له، مر في: باب خوف المؤمن أن يحبط عمله. الخامس: عثمان ابن عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي القرشي. السادس: ربيعة بن عبد الله بن الهدير، بضم الهاء وفتح الدال: أبو عثمان التيمي القرشي المدني. السابع: عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع. وفيه: الإخبار بصيغة الجمع في موضع وبصيغة الإفراد في موضعين. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في ثلاثة مواضع. وفيه: توثيق أحد الرواة شيح شيخه الذي روى عنه. وفيه: أن أبا بكر بن أبي مليكة ليس له في البخاري غير هذا الحديث، ولأبيه صحبة ورواية، وكذلك ربيعة ليس له في البخاري غير هذا الحديث. وقال ابن سعد: ولد ربيعة في عهد النبي، عَِّ، وفيه: رواية ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، وهم: أبو بكر وعثمان وربيعة. وفيه: أن عثمان بن عبد الرحمن من أفراد البخاري، رضي الله تعالى عنه. ذكر معناه: قوله: ((عما حضر ربيعة من عمر، رضي الله تعالى عنه)) يتعلق بقوله: ((أخبرني)). فإن قلت: ((عن عثمان)) يتعلق به، فإذا تعلق به: عما حضر، يكون حرفا جر يتعلقان بفعل واحد، وهو لا يجوز. قلت: يتعلق الأول بمحذوف تقديره: أخبرني أبو بكر راوياً عن عثمان عن حضورة مجلس عمر، رضي الله تعالى عنه. وكلمة: ما، مصدرية، و: ربيعة، ١٥٩ ١٧ - كتابُ سُجُودِ القُرْآن / باب (١٠) بالرفع فاعل: حضر. قوله: ((قرأ)) أي: أنه قرأ يوم الجمعة. قوله: ((بها)) أي: بسورة النحل. قوله: ((إنما نمر))، رواية الكشميهني، ورواية غيره ((إنا نمر)) بدون الميم. قوله: ((السجود)) أي: بآية السجود. قوله: ((فلا إثم عليه)). قالوا: هذا دليل صريح في عدم الوجوب، وقال الكرماني: وهذا كان بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه، وكان إجماعاً سكوتيا على ذلك. قلت: هذه إشارة إلى أنه لا إثم عليه في تأخيره من ذلك الوقت. ذكر من أخرجه: هو من أفراد البخاري، ورواه أبو نعيم من حديث حجاج بن محمد عن ابن جريج من طريقين. وأخرجه سعيد بن منصور أيضاً وإسماعيل من طريق ابن جريج أخبرني أبو بكر بن أبي مليكة أن عبد الرحمن بن عثمان التيمي أخبره عن ربيعة بن عبد الله أنه حضر عمر، فذكره. وقوله: عبد الرحمن بن عثمان، مقلوب والصحيح: عثمان بن عبد الرحمن. وزاد نافِعٌ عنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما إِنَّ اللّه لَمْ يَفْرِضِ السُّجُودَ إلاَّ أنْ نَشَاءَ قال الكرماني: ((وزاد نافع))، أي: قال ابن جريج: وزاد، وهذا موقوف لا مرفوع إلى رسول الله عَّلِ. وقال الحميدي: هذا معلق، وكذا علم عليه الحافظ المزي علامة التعليق. وقال بعضهم: ((زاد نافع)) مقول ابن جريج، والخبر متصل بالإسناد الأول، وقد بين ذلك عبد الرزاق فقال في مصنفه: عن ابن جريج أخبرني ابن أبي مليكة، فذكره. وقال في آخره: قال ابن جريج: وزادني نافع عن ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، أنه قال: لم يفرض علينا السجود، إلاّ أن نشاء، وكذلك رواه الإسماعيلي والبيهقي وغيرهما من طريق حجاج بن محمد عن ابن جريج، فذكر الإسناد الأول. قال: وقال حجاج: قال ابن جريج: وزاد نافع، فذكره، ثم قال هذا القائل: وفي هذا رد على الحميدي في زعمه أن هذا معلق، ولذا علم عليه المزي علامة التعليق، وهو وهم. قلت: هذا القائل هو الذي يرد عليه، وهو الذي وهم، لأن الذي زعمه لا تقتضيه رواية عبد الرزاق لأنها تشعر بخلاف ما قاله، لأن ابن جريج يقول: زادني نافع عن ابن عمر، معناه: أنه زادني على روايتي عن أبي بكر عن عثمان عن ربيعة عن عمر بن الخطاب رواية نافع عن عبد الله بن عمر: أن الله تعالى لم يفرض عليها السجود إلّ أن نشاء، والمزيد هو قول ابن عمر، وهو قوله: إن الله، عز وجل .. إلى آخره. وهذا ينادي بصوت عال: إنه موقوف، مثل ما قال الكرماني، ومعلق مثل ما قال الحافظان الكبيران: الحميدي والمزي، فبمثل هذا التصرف يتعسف بالرد عليهما، وأبعد من ذلك وأحق بالرد عليه ما قاله عقيب هذا، قوله في رواية عبد الرزاق: أنه قال، الضمير يعود على عمر، رضي الله تعالى عنه، جزم بذلك الترمذي في (جامعه) حيث نسب ذلك إلى عمر في هذه القضية. قلت: لم يجزم الترمذي بذلك أصلاً، ولا ذكر ما زاده نافع لابن جريج، وإنما لفظ الترمذي في (جامعه) في: باب من لم يسجد ١٦٠ ١٧ - كتابُ سُجُودِ القُرآن / باب (١٠) فيه، أي: في النجم، بعد روايته حديث زيد بن ثابت، وقال بعض أهل العلم: إنما السجدة على من أراد أن يسجد فيها والتمس فضلها، واحتجوا بالحديث المرفوع، ثم قال: واحتجوا بحديث عمر، رضي الله تعالى عنه، أنه قرأ سجدة على المنبر فنزل فسجد ثم قرأها في الجمعة الثانية فتهيأ الناس للسجود فقال: إنها لم تكتب علينا إلاّ أن نشاء، فلم يسجد ولم يسجدوا، انتهى. فهذا لفظ الترمذي، فلينظر من له بصيرة وذوق من دقائق تركيب الكلام، هل تعرض الترمذي في ذلك إلى زيادة نافع عن ابن عمر؟ أو ذكر أن الضمير في قوله: قال، يعود على عمر؟ ولو قال: مثل ما روى نافع عن ابن عمر ذكر الترمذي عن عمر مثله لكان له وجه ثم قال هذا القائل: واستدل بقوله: لم يفرض علينا، على عدم وجوب سجدة التلاوة. وأجاب بعض الحنفية على قاعدتهم في التفرقة بين الفرض والواجب بأن نفي الفرض لا يستلزم نفي الوجوب، وتعقب بأنه اصطلاح لهم حادث، وما كان الصحابة يفرقون بينهما، ويغني عن هذا قول عمر: ومن لم يسجد فلا إثم عليه. قلت: أما الجواب عن قوله: لم تفرض علينا، فنحن أيضاً نقول: لم يفرض علينا، ولكنه واجب، ونفي الفرض لا يستلزم نفي الواجب، وأما قوله: وتعقب .. إلى آخره، فلا نسلم أنه اصطلاح حادث، وأهل اللغة فرقوا بين الفرض والواجب، ومنكر هذا معاند ومكابر، والأحكام الشرعية إنما تؤخذ من الألفاظ اللغوية. وأما قوله: وما كان الصحابة يفرقون بينهما، دعوى بلا برهان، والصحابة هم كانوا أهل اللغة والتصرف في الألفاظ العربية، وهذا القول فيه نسبة الصحابة إلى عدم المعرفة بلغات لسانهم. وأما قوله: ويغني عن هذا قول عمر ومن لم يسجد فلا إثم عليه، فقد أجبنا فيما مضى عن هذا بأنه: لا إثم عليه في تأخيره عن وقت السماع. فإن قلت: روى البيهقي من طريق ابن بكير: حدثنا مالك عن ((هشام بن عروة عن أبيه: أن عمر، رضي الله تعالى عنه، قرأ السجدة وهو على المنبر يوم الجمعة فنزل فسجد وسجدوا معه، ثم قرأ يوم الجمعة الأخرى فتهيأوا للسجود، فقال عمر: على رسلكم، إن الله لم يكتبها علينا إلاّ أن نشاء، وقرأها ولم يسجد ومنعهم)). قال صاحب (التوضيح): ترك عمر، رضي الله تعالى عنه، مع من حضر السجود ومنعه لهم دليل على عدم الوجوب، ولا إنكار ولا مخالف، ولا يجوز أن يكون عند بعضهم أنه واجب ويسكت عن الإنكار على غيره في قوله: ((ومن لم يسجد فلا إثم عليه)). قلت: عروة لم يدرك عمر، رضي الله تعالى عنه، قال خليفة بن خياط: وفي آخر خلافة عمر بن الخطاب، يقال في سنة ثلاث وعشرين، ولد عروة بن الزبير، وعن مصعب بن الزبير: ولد عروة لست سنين خلت من خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه، فيكون منقطعاً، وهو غير حجة. وأما ترك عمر السجود فقد ذكرنا أنه لمعنىّ من المعاني التي ذكرناها فيما مضى عن الطحاوي. وأما منعه لهم عن السجود على تقدير تسليم صحته، فيحتمل أنه كان يرى أن التالي إذا لم يسجد لا يسجد السامع أيضاً، فيكون معنى المنع: إذا ما سجدت فلا تسجدوا أنتم أيضاً. وروي عن مالك أنه قال: إن ذلك مما لم يتبع عليه عمر، ولا عمل به أحد بعده، وقال القائل المذكور أيضاً: واستدل بقوله: ((إلا أن نشاء))، . .