Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ ١٥ - كتابُ الاستسقاء / باب (٢) لم تلحقه ذكاة. قوله: ((وينظر أحدكم)، ويروى: ((أحدهم))، وهو الأوجه. قوله: ((فأتاه أبو سفيان)) يعني: صخر بن حرب، ودل هذا على أن القصة كانت قبل الهجرة. قوله: ((قال الله تعالى: فارتقب)) يعني: لما قال أبو سفيان: إن قومك قد هلكوا فادع الله لهم، قرأ النبي، عَّ هِ: ﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾ [الدخان: ١٠]. وكذا في: باب إذا استشفع المشركون بالمسلمين عند القحط، فإن البخاري أخرج حديث الباب أيضاً هناك: عن محمد بن كثير عن سفيان عن منصور عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق. قال: أتيت ابن مسعود .. الحديث. وفيه: ((فجاء أبو سفيان فقال: يا محمد تأمر بصلة الرحم وأن قومك قد هلكوا؟ فادع الله عز وجل فقرأ: ﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾ [الدخان: ١٠] .. وأخرج في تفسير سورة الدخان، حدثنا يحيى حدثنا وكيع عن الأعمش عن أبي الضحى ((عن مسروق، قال: دخلت على عبد الله، فقال: إن من العلم أن تقول لما لا تعلم: الله أعلم، إن الله قال لنبيه، عَّله: ﴿قل لا أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين﴾ [ص: ٨٦]. إن قريشاً لما غلبوا النبي، عَّه، واستعصوا عليه، قال: اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف، فأخذتهم سنة أكلوا فيها العظام والميتة من الجهد، حتى جعل أحدهم يرى ما بينه وبين السماء كهيئة الدخان من الجوع، قال: ﴿ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون﴾ [الدخان: ١٢]. فقيل له: إن كشفنا عنهم عادوا، فدعا ربه فكشف عنهم. فعادوا، فانتقم الله منهم يوم بدر، فذلك قوله تعالى: ﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان﴾ [الدخان: ١٠]. إلى قوله، جل ذكره: ﴿إنا منتقمون﴾ [الدخان: ١٦]. وأخرج مسلم ((عن مسروق قال: جاء إلى عبد الله رجل فقال: تركت في المسجد رجلاً يفسر القرآن برأيه، يفسر هذه الآية: ﴿يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾ [الدخان: ١٢]. قال: يأتي الناس دخان يوم القيامة فيأخذ بأنفاسهم حتى يأخذهم منه كهيئة الزكام، فقال عبد الله؛ من علم علماً فليقل به، ومن لا يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من فقه الرجل أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم، إنما كان هذا أن قريشاً لما استعصت على النبي عَّ دعا عليهم بسنين كسني يوسف، فأصابهم قحط وجهد حتى جعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد، حتى أكلوا العظام، فأتى النبي عَّه رجل، فقال: يا رسول الله استغفر الله لمضر فإنهم قد هلكوا. فقال لمضر: إنك لجريء، قال: فدعا الله لهم، فأنزل الله: ﴿إِنا كاشفوا العذاب قليلاً إنكم عائدون﴾ [الدخان: ١٥]. قال: فمطروا، فلما أصابهم الرفاهية، قال: عادوا إلى ما كانوا عليه، فأنزل الله تعالى: ﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين* يغشى الناس هذا عذاب أليم* يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون﴾ [الدخان: ١٠، ١١، ١٦]. يعني: يوم بدر. انتهى. وقد علمت أن الأحاديث يفسر بعضها بعضاً، وذلك أن أبا سفيان لما قال: ادع الله لهم قرأ النبي عَّلِ قوله تعالى: ﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾ [الدخان: ١٠]. كما في رواية البخاري عن محمد بن كثير الذي ذكرناه، وصرح في رواية مسلم أنه لما دعا الله لها أنزل الله تعالى: ﴿إِنا كاشفوا العذاب قليلاً إنكم عائدون﴾ [الدخان: ١٥]. فقبل الله ٤٢ ١٥ - كتابُ الاستسقاء / باب (٢) دعاءه عَّهِ، فمطروا، فلما أصابهم الرفاهية عادوا إلى ما كانوا عليه فأنزل الله تعالى: ﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾ [الدخان: ١٠]. المعنى: فانتظر يا محمد عذابهم. ومفعول ارتقب، محذوف وهو: عذابهم. قوله: ((يغشى الناس)) صفة للدخان في محل الجر يعني: يشملهم ويلبسهم. وقيل: ﴿يوم تأتي السماء﴾ [الدخان: ١٠]. مفعول ﴿فارتقب﴾ [الدخان: ١٠]. قوله: ﴿هذا عذاب أليم﴾ [الدخان: ١١]. يعني: يملأ ما بين المشرق والمغرب، يمكث أربعين يوماً وليلة، أما المؤمن فيصيبه منه كهيئة الزكام، وأما الكافر كمنزلة السكران يخرج من منخريه وأذنيه ودبره. وقوله: ﴿هذا عذاب أليم ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون﴾ [الدخان: ١١، ١٢]. كل ذلك منصوب المحل بفعل مضمر، وهو: يقولون، ويقولون منصوب على الحال، أي: قائلين ذلك. قوله: ﴿إِنا مؤمنون﴾ [الدخان: ١٢]. موعدة بالإيمان إن كشف عنهم العذاب. قال الله تعالى: ﴿أَنَّى لهم الذكرى﴾ [الدخان: ١٣]. أي: من أين لهم التذكر والاتعاظ بعد نزول البلاء وحلول العذاب؟ (و) الحال أنه: ﴿قد جاءهم رسول﴾ [الدخان: ١٣]. بما هو أعظم من ذلك وأدخل في وجوب الأذكار من كشف الدخان، وهو ما ظهر على رسول الله، عَّه، من الآيات البينات من الكتاب المعجز وغيره من المعجزات، فلم يذكروا، وتولوا عنه وبهتوه بأن عداساً، غلاماً أعجمياً لبعض ثقيف، هو الذي علمه، ونسبوه إلى الجنون، وهو معنى قوله: ﴿ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون﴾ [الدخان: ١٤]. ثم قال: ﴿إِنا كاشفوا العذاب قليلاً إنكم عائدون﴾ [الدخان: ١٥]. إلى (كفركم) ثم قال: ﴿يوم نبطش البطشة الكبرى﴾ [الدخان: ١٦]. وهو يوم بدر، كما في متن حديث الباب، وعن الحسن: البطشة الكبرى: يوم القيامة. قوله: ((فقد مضت ... )) إلى آخره من كلام ابن مسعود، رضي الله تعالى عنه، ولم يسنده إلى النبي عَ لّه، وقال ابن دحية: الذي يقتضيه النظر الصحيح حمل أمر الدخان على قضيتين: إحداهما: وقعت وكانت، والأخرى: ستقع قلت: فعلى هذا هما دخانان: أحدهما: الذي يملأ ما بين السماء والأرض ولا يجد المؤمن منه إلا كالزكمة، وهو كهيئة الدخان، وهيئة الدخان غير الدخان الحقيقي. والآخر: هو الدخان الذي يكون عند ظهور الآيات والعلامات، ويقال: هو من آثار جهنم يوم القيامة، ولا يمتنع إذا ظهرت تلك العلامات أن يقولوا: ﴿ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون﴾ [الدخان: ١٢]. قوله: ((واللزام))، اختلف فيه، فذكر ابن أبي حاتم في تفسيره: أنه القتل الذي أصابهم ببدر، روى ذلك عن ابن مسعود وأبي ابن كعب ومحمد بن كعب ومجاهد وقتادة والضحاك. قال القرطبي: فعلى هذا تكون البطشة واللزام واحداً. وعن الحسن: اللزام يوم القيامة، وعنه أنه: الموت. وقيل: يكون ذنبكم عذاباً لازماً لكم. وفي (المحكم): اللزام الحساب. وفي (الصحيح): عن مسروق عن عبد الله قال: ((خمس قد مضين: الدخان واللزام والروم والبطشة والقمر)). قوله: ((وآية الروم))، وهو أن المسلمين حين اقتتلت فارس والروم كانوا يحبون ظهور الروم على فارس، لأنهم أهل كتاب، وكل كفار قريش يحبون ظهور فارس لأنهم مجوس، وكفار قريش عبدة أوثان، فتخاطر أبو ٤٣ ١٥ - كتابُ الاستسقاء / باب (٣) بكر وأبو جهل في ذلك، أي: أخرجا شيئاً وجعلوا بينهم مدة بضع سنين، فقال عَ له: ((إن البضع قد يكون إلى تسع، أو قال: إلى سبع فزده في المدة أو في الخطار)). ففعل، فغلبت الروم فقال تعالى: ﴿آلم غلبت الروم﴾ [الروم: ١ و٢]. يعني: المدة الأولى، قبل الخطاب ثم قال: ﴿وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين﴾ [الروم: ٣ و٤]. إلى قوله: ﴿يفرح المؤمنون بنصر الله﴾ [الروم: ٤ و٥]. يعني: بغلبة الروم فارساً، وربما أخذوا من الخطار، وقال الشعبي: كان القمار في ذلك الوقت حلالاً، والله تعالى أعلم. ٣ - بابُ سُؤالِ النَّاسِ الإِمامَ الاسْتِسْقَاءَ إذَا قَحَطُوا أي: هذا باب في بيان سؤال الناس الإمام. فقوله: ((سؤال الناس))، مصدر مضاف إلى فاعله، وقوله: ((الإمام))، بالنصب مفعوله، و((الاستسقاء)) بالنصب مفعول آخر. فإن قلت: الفعل من غير أفعال القلوب لا يجيء له مفعولان صريحان، بل يجيء إذا كان أحدهما غير صريح، وكيف هو ههنا؟ قلت: الذي قلته هو الأكثر، وقد يجيء مطلقاً، أو نقول: انتصاب الاستسقاء بنزع الخافض أي: عن الاستسقاء، يقال: سألته الشيء وسألته عن الشيء. قوله: ((إذا قحطوا))، على صيغة المعلوم، بفتح القاف والحاء، وبلفظ المجهول يقال: قحط المطر قحوطاً إذا احتبس. وحكى الفراء: قحط بالكسر، وجاء: قحط القوم، على صيغة المجهول. قحطاً وقال الكرماني: ما معنى المعروف إذا المطر هو المحتبس لا الناس؟ وأجاب: بأنه من باب القلب، أو إذا كان هو محتبساً عنهم فهم محتبسون عنه. قيل: لو أدخل البخاري حديث ابن مسعود المذكور في الباب الذي قبله لكان أنسب وأوضح. وأجيب: بأن الذي سأل قد يكون مشركاً، وقد يكون مسلماً، وقد يكون من الفريقين، والسائل في حديث ابن مسعود كان مشركاً حينئذ، فناسب أن يذكر في الذي بعده من يشمل الفريقين، فلذلك ذكر في الترجمة ما يشملهما، وهو لفظ الناس. ١٠٠٨/٥١ - حدّثنا عَمْرُو بنُ عَلِيّ قال حدَّثنا أبُو قُتَيْبَةَ قال حدَّثْنا عَبْدُ الرَّحْمنِ ابنُ عَبْدِ اللهِ بنِ دِينَارٍ عنْ أبِيهِ قال سَمِعْتُ ابنَ عُمَرَ يَتَمَثَّلُ بِشِعْرِ أبي طالِبٍ: وَأَبْيَضُ يُسْتَسْقَى الغَمَامُ بِوَجْهِهِ ثِمَالُ اليَتَامَى عِضْمَةٌ لِلأَرَامِلِ [الحديث ١٠٠٨ - طرفه في: ١٠٠٩]. مناسبة هذا للترجمة تؤخذ من قوله: ((يستسقى الغمام)) لأن فاعله محذوف، لأن تقديره: يستسقى الناس بالغمام، واعترض بأنه لا يلزم من كون الناس فاعلاً ليستسقى أن يكونوا سألوا الإمام أن يستسقي لهم، فلا يطابق الترجمة، ويمكن أن يجاب عنه بأن معنى قول أبي طالب هذا في الحقيقة توسل إلى الله عز وجل بنبيه، لأنه حضر استسقاء عبد المطلب والنبي عَّ لِ معه، فيكون استسقاء الناس الغمام في ذلك الوقت بيركة وجهه الكريم، وإن لم يكن في الظاهر أن أحداً سأله، وكانوا مستشفعين به، وهو في معنى السؤال عنه. على ان ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، ما أراد مجرد ما دل عليه شعر أبي طالب، وإنما أشار إلى قصة ٤٤ ١٥ - كتابُ الاستسقاء / باب (٣) وقعت في الإسلام حضرها. قوله: ((حدثني عمرو بن علي)) وفي بعض النسخ: حدثنا، بصيغة الجمع، وعمرو بن علي بن بحر أبو حفص الباهلي البصري الصيرفي، وأبو قتيبة سلم، بفتح السين المهملة وسكون اللام: ابن قتيبة الخراساني البصري، مات بعد المائتين، وهذا البيت من قصيدة قالها أبو طالب، وهي قصيدة طنانة لامية من بحر الطويل، وهي مائة بيت وعشر أبيات، أولها قوله: بصفواء في حق ولا عند باطل خليلي ما أذني لأول عاذل وآخرها قوله: ومعليه في الدنيا ويوم التجادل ولا شك أن الله رافع أمره ووالده رؤياهم غير آفل كما قد رأى في اليوم والأمس جده يذكر فيها أشياء كثيرة من عداوة قريش إياه بسبب النبي عَِّ، ومدحه نفسه ونسبه وذكر سيادته وحمايته للنبي عَّ له، والتعرض لبني أمية، وغير ذلك، يعرفه من يقف عليها. وقد تمثل عبد الله بن عمر بالبيت المذكور، ومعنى التمثل: إنشاد شعر غيره. قوله: ((وأبيض))، بفتح الضاد وضمها، وجه الفتح أن يكون معطوفاً على قوله: ((سيداً)) في البيت الذي قبله، وهو قوله: يحوط الذمار غير ذرب مؤاكل وما ترك قوم لا أبا لك سيداً و: الذمار، بكسر الذال المعجمة: وهو ما لزمك حفظه مما وراءك، وتعلق به قوله: ((غير ذرب)) أراد به: ذرب اللسان بالشر، وأصله من: ذرب المعدة، وهو فسادها، والمؤاكل، بضم الميم: الذي يستأكل، ويجوز أن يكون مفتوحاً في موضع الجر برب المقدرة، والوجه الأول أوجه، ووجه الضم هو الرفع أن يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره: وهو أبيض. قوله: (يستسقي الغمام بوجهه)) جملة وقعت صفة لأبيض، ومحلها من الإعراب النصب أو الرفع على التقديرين. قوله: ((ثمال اليتامى)) كلام إضافي يجوز فيه الرفع والنصب على التقديرين المذكورين، والثمال، بكسر الثاء المثلثة: قال ابن الأنباري: معناه مطعم لليتامى، يقال: ثملهم يثملهم إذا كان يطعمهم وفي (مجمع الغرائب): يقال: هو ثمال قومه إذا كان يقوم بأمرهم، وفي (المحكم): فلان ثمال بني فلان، أي: عمادهم. وقال ابن التين: أي المطعم عند الشدة. قوله: ((عصمة للأرامل))، كذلك بالوجهين في الإعراب، والأرامل جمع أرمل، وهو الذي نفد زاده، وقال ابن سيده: رجل أرمل وامرأة أرملة وهي المحتاجة والأرامل والأراملة، كسروه تكسير الأسماء لغلبته، وكل جماعة من رجال ونساء أو رجال دون نساء أو نساء دون رجال أرامل بعد أن يكونوا محتاجين. وفي (الجامع): قالوا: ولا يقال رجل أرمل لأنه لا يكاد يذهب زاده بذهاب امرأته، إذ لم تكن قيّمة عليه بالمعيشة، بخلاف المرأة، وقد زعم قوم أنه يقال: رجل أرمل إذا ماتت امرأته، قال الحطيئة: فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر هذي الأرامل قد قضيت حاجتها ٤٥ ١٥ - كتابُ الاستسقاء / باب (٣) قال السهيلي، رحم الله تعالى. فإن قيل: كيف قال أبو طالب: يستسقى الغمام بوجهه، ولم يره قط استسقى، إنما كان ذاك من بعد الهجرة؟ وأجاب: بما حاصله: أن أبا طالب أشار إلى ما وقع في زمن عبد المطلب، حيث استسقى لقريش والنبي عٍَّ معه وهو غلام، قيل: يحتمل أن يكون أبو طالب مدحه بذلك لما رأى من مخائل ذلك فيه، وإن لم يشاهد وقوعه، وقال ابن التين: إن في شعر أبي طالب هذا دلالة على أنه كان يعرف نبوة النبي عَّ له قبل أن يبعث، لما أخبره به بحيراء وغيره من شأنه. قيل: فيه نظر، لأن ابن إسحاق زعم أن أبا طالب أنشأ هذا الشعر بعد البعث. قلت: في هذا النظر نظر، لأنه لما علم أنه نبي بأخبار بحيراء وغيره أنشد هذا الشعر بناء على ما علمه من ذلك قبل أن يبعث عَ لَّه. ١٠٠٩ - وقَالَ عُمَرُ بنُ حَمْزَةَ حدَّثنا سالِمٌ عنْ أَبِيهِ زَّمَا ذَكَرْتُ قَوْلَ الشَّاعِرِ وأنَا أَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ النبيِّ عَلِّ يَسْتَشْقِي فَمَا يَنْزِلُ حَتَّى يَجِيشَ كلُّ مِيزَابٍ. ثِمَالُ اليَتَامَى عِضْمَةٌ لِلأَرَامِلِ وأبْيَضَ يُسْتَسْقَى الغَمَامُ بِوَجْهِهِ وهو قولُ أبِي طالِبٍ. [أنظر الحديث ١٠٠٨]. مناسبة هذا التعليق للترجمة تؤخذ من قوله: ((يستسقى)) لأن ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، يخبر عن استسقاء النبي عَّه، وهو ينظر إلى وجهه الكريم، ولم يكن استسقاؤه في ذلك إلاّ عن سؤال عنه عَ لّه، ويوضح ذلك ما رواه البيهي في (الدلائل) قال: أخبرنا أبو زكريا ابن أبي إسحاق أخبرنا أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم حدثنا جعفر بن عنبسة حدثنا عبادة ابن زياد الأزدي عن سعيد بن خيثم عن مسلم الملائي عن أنس بن مالك، رضي الله تعالى عنه، قال: ((جاء أعرابي إلى النبي عَ لّ فقال: يا رسول الله، والله لقد أتيناك وما لنا بعير يئط، ولا صبي يغط، ثم أنشد: وقد شغلت أم الصبي عن الطفل أتيناك والعذراء يدمى لبانها من الجوع ضعفاً ما يمر وما يحلى وألقى بكفيه الصبي استكانة سوى الحنظل العاهي والعلهز الفسل ولا شيء مما يأكل الناس عندنا وأين فرار الناس إلاّ إلى الرسل؟ وليس لنا إلاّ إليك فرارنا فقام رسول الله عَّ لم يجر رداءه حتى صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: اللهم اسقنا .. )) الحديث، وفيه: ((فجاء أهل البطانة يصيحون: الغرق الغرق، فضحك رسول الله عَّلٍ حتى بدت نواجذه، ثم قال: لله در أبي طالب لو كان حاضراً لقرت عيناه، من ينشدنا شعره؟ فقال علي: يا رسول الله كأنك أردت قوله: وأبيض يستسقي الغمام بوجهه فذكر أبياتاً منها، فقال رسول الله عَ له: أجل، فقام رجل من بني كنانة فأنشد أبياتاً: سقينا بوجه النبي المطر لك الحمد والحمد ممن شكر ٤٦ ١٥ - كتابُ الاستسقاء / باب (٣) وأشخص معها إليه البصر دعا الله خالقه دعوة وأسرع حتى رأينا الدرر فلم يك إلا كالف الردا فقال رسول الله، عَّ له: إن يكن شاعر أحسن فقد أحسنت)). ثم هذا التعليق الذي أورده البخاري عن ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، رواه ابن ماجه موصولاً في (سنته): حدثنا أحمد بن الأزهر عن ابن النضر هاشم بن القاسم عن أبي عقيل، يعني عبيد الله بن عقيل الثقفي، حدثنا عمر بن حمزة حدثنا سالم عن أبيه، قال: ربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجه رسول الله، عَّ له، على المنبر، فما نزل حتى جيش كل ميزاب بالمدينة، فذكر قول الشاعر: وأبيض يستسقي الغمام بوجهه إلى آخره، وعمر بن حمزة هو ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب، ابن أخي سالم بن عبد الله بن عمر، أخرج ه البخاري في (الأدب) أيضاً، وتكلم فيه أحمد والنسائي، ووثقه ابن حبان، وقال: كان يخطىء. وقال ابن عدي: وهو ممن يكتب حديثه، وروى له مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه. فإن قلت: عمر بن حمزة هذا متكلم فيه، وكذلك عبد الرحمن ابن عبد الله بن دينار مختلف في الاحتجاج به، المذكور في الطريق الموصولة، فكيف أوردهما البخاري في (صحيحه)؟ قلت: أجيب بأن إحدى الطريقين اعتضدت بالأخرى، وهو من أمثلة أحد قسمي (الصحيح) كما تقرر في موضعه، وفيه نظر، لا يخفى. قوله: ((وأنا أنظر)) جملة إسمية وقعت حالاً. قوله: ((يستسقي))، جملة فعلية وقعت حالاً، كذلك. قوله: ((حتحى يجيش)) بالجيم والشين المعجمة، من: جاش البحر إذا هاج، وجاش القدر جيشاناً إذا غلت، وجاش الوادي إذا زهر وامتد جداً، وجاش الشيء إذا تحرك، وهو هنا كناية عن كثرة المطر، و((الميزاب)) بكسر الميم وبالزاي معروف، وهو ما يسيل منه الماء من موضع عال، ووقع في رواية الحموي: ((حتى يجيش لك))، بتقديم اللام على الكاف، وهو تصحيف. قوله: ((يئط)) أي: يحن، ويصيح، يريد: ما لنا بعير أصلاً، لأن البعير لا بد أن يئط. قوله: ((ولا صبي يغط))، من الغطيط، يقال: غط يغط غطاً وغطيطاً إذا صاح. قوله: ((والعذراء)) وهي الجارية التي لم يمسها رجل، وهي البكر. قوله: ((يدمي لبانها))، بفتح اللام، وهو الصدر، وأصل اللبان في الفرس موضع اللبن ثم استعير للناس، ومعنى: يدمي صدرها لامتهانها نفسها في الخدمة حيث لا تجد ما تعطيه من تخدمها من الجدب وشدة الزمان. وقوله: ((استكانة)) أي: خضوعاً، وذلة. قوله: ((ما يمر))، بضم الياء آخر الحروف وكسر الميم وتشديد الراء. قوله: ((ولا يحلى)، بضم الياء أيضاً. وسكون الحاء المهملة وكسر اللام، والمعنى: ما ينطق بخير ولا شر من الجوع والضعف، واشتقاق الأول: من المرارة، والثاني: من الحلاوة، فالأول كناية عن الشر، والثاني: عن الخير. قوله: ((سوى الحنظل العاهي))، الحنظل: معروف، والعاهي: فاعل من العاهة وهي: الآفة. قوله: ((والعلهز))، بكسر العين المهملة وسكون اللام ٤٧ ١٥ - كتابُ الاستسقاء / باب (٣) وكسر الهاء وفي آخره زاي: وهو شيء يتخذونه في سني المجاعة يخلطون الدم بأوبار الإبل ثم يشوونه بالنار، ويأكلونه، وقيل: كانوا يخلطون فيه القردان، ويقال: القراد الضخم العلهز، وقيل: العلهز شيء ينبت ببلاد بني سليم له أصل كأصل البرذي، قال ابن الأثير: ومنه حديث الاستسقاء، وأنشد الأبيات المذكورة. قوله: ((الفسل))، بفتح الفاء وسكون السين المهملة، وهو الشيء الرديء الرذل، يقال: فسله وأفسله. قاله ابن الأثير، ويروى بالشين المعجمة، وقال في باب الشين: الفشل والفزع والخوف والضعف، ومنه حديث الاستسقاء: سوى الحنظل العامي والعلهز الفشل أي: الضعيف يعني الفشل مدخره، وأكله فصرف الوصف إلى العلهز، وهو في الحقيقة لآكله. قوله: ((الدرر))، بكسر الدال وفتح الراء الأولى، جمع درة، بكسر الدال وتشديد الراء، يقال: للسحاب درة، أي: صب واندفاق. ١٠١٠/٥٢ - حدثنا الحَسَنُ بنُ مُحَمَّدٍ قال حدَّثْنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ الأنْصَارِيُّ قال حدَّثني أبي عَبْدُ اللهِ بنُ المُثَنَّى عنْ ثَمامَةَ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ أنَسٍ عنْ أَنَسٍ أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رضي الله تعالى عنه كانَ إذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالعَبَّاسِ بِنَ عَبْدِ المُطَّلِّبِ فقال اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَشْقِيَنَا وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيَِّا فَاسْقِنَا قال فيُسْقَوْنَ. [الحديث ١٠١٠ - طرفه في: ٣٧١]. مطابقته للترجمة فى قول عمر: ((إنا كنا نتوسل إليك بنبينا .. )) إلى آخره، بيانه أنهم كانوا إذا استسقوا كانوا يستسقون بالنبي، عَّهِ، في حياته، وبعده استسقى عمر بمن معه بالعباس عم النبي، عَ لّه، فجعلوه كالإمام الذي يسأل فيه، لأنه كان أمس الناس بالنبي، عَ له، وأقربهم إليه رحماً فأراد عمر أن يصلها ليتصل بها إلى من كان يأمر بصلة الأرحام، عَ ليهِ، وعن كعب الأحبار أن بني إسرائيل كانوا إذا قحطوا استسقوا بأهل بيت نبيهم، وزعم ابن قدامة أن ذلك كان عام الرمادة، وذكر ابن سعد وغيره أن عام الرمادة كان سنة ثماني عشرة، وكان ابتداؤه مصدر الحاج منها ودام تسعة أشهر، والرمادة، بفتح الراء وتخفيف الميم: سمي العام بها لما حصل من شدة الجدب، فاغبرت الأرض من عدم المطر، وذكر سيف في (كتاب الردة): ((عن أبي سلمة: كان أبو بكر الصديق إذا بعث جنداً إلى أهل الردة خرج ليشيعهم، وخرج بالعباس معه، قال: يا عباس استنصر وأنا أؤمن، فإني أرجو أن لا يخيب دعوتك لمكانك من نبي الله عَّةٍ، وذكر الإمام أبو القاسم ابن عساكر في (كتاب الاستسقاء) من حديث إبراهيم بن محمد عن حسين بن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس: أن العباس قال ذلك اليوم: اللهم إن عندك سحاباً وإن عندك ماءً فانشر السحاب ثم أنزل منه الماء، ثم أنزله علينا واشدد به الأصل وأطل به الفرع وأدر به الضرع، اللهم شفعنا إليك عمن لا منطق له من بهايمنا وأنعامنا. اللهم إسقنا سقيا وادعة بالغة طبقاً مجيباً، اللهم لا نرغب إلاّ إليك وحدك، لا شريك لك، اللهم إنا نشكوا إليك سغب كل ساغب وعدم كل عادم وجوع كل جائع وعري كل عار وخوف كل خائف .. )) وفي حديث أبي صالح: ((فلما صعد عمر ٤٨ ١٥ - كتابُ الاستسقاء / باب (٤) ومعه العباس المنبر، قال عمر، رضي الله تعالى عنه: اللهم إنا توجهنا إليك بعم نبيك وصنو أبيه فاسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، ثم قال: قل يا أبا الفضل، فقال العباس: اللهم لم ينزل بلاء إلاّ بذنب، ولم يكشف إلاّ بتوبة وقد توجه بي القوم إليك لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا بالتوبة، فاسقنا الغيث. قال: فأرخت السماء شآبيب مثل الجبال حتى أخصبت الأرض وعاش الناس. ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني. الثاني: محمد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري، قاضي البصرة، مات سنة خمس عشرة ومائتين. الثالث: أبوه عبد الله بن المثنى المذكور. الرابع: ثمامة، بضم الثاء المثلثة وتخفيف الميم: تقدم في: باب من أعاد .. الحديث. الخامس: أنس بن مالك، رضي الله تعالى عنه. ذكر لطائف إسناده: فيه: رواية البخاري عن شيخه بوجهين أحدهما التحديث بصيغة الجمع والآخر بصيغة الإفراد. وفيه: التحديث أيضاً بصيغة الجمع في موضع. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في موضعين. وفيه: أن محمد بن عبد الله الأنصاري شيخ البخاري أيضاً يروي عنه أيضاً كثيراً بلا واسطة، وههنا روى عنه بواسطة. وفيه: رواية الابن عن الأب وهي: رواية محمد بن عبد الله عن أبيه عبد الله بن المثنى، وينبغي أن يقرأ عبد الله بالرفع في قوله: ((حدثنا أبي عبد الله)) لأنه يشتبه بالكنية، وهو عطف بيان، ومحل تيقظ. وفيه: رواية الرجل عن عمه، وهي: رواية عبد الله بن المثنى عن عمه ثمامة بن عبد الله. وفيه: أن عبد الله ابن المثنى من أفراده. وفيه: رواية الرجل عن جده، وهي: رواية ثمامة بن عبد الله بن أنس عن أنس جده. وهذا الحديث تفرد به البخاري عن الستة. ذكر معناه: قوله: ((إذا قحطوا))، بضم القاف وكسر الحاء المهملة أي: أصابهم القحط. قوله: ((استسقى بالعباس)) أي: متوسلاً به حيث قال: ((اللهم إنا كنا .. )) إلى آخره، وصفة ما دعا به العباس قد ذكرناها عن قريب. وفيه من الفوائد: استحباب الاستشفاع بأهل الخير والصلاح وأهل بيت النبوة. وفيه: فضل العباس وفضل عمر، رضي الله تعالى عنهما، لتواضعه للعباس ومعرفته بحقه. قال ابن بطال: وفيه: أن الخروج إلى الاستسقاء والاجتماع لا يكون إلاّ بإذن الإمام لما في الخروج والاجتماع من الآفات الداخلة على السلطان، وهذه سنن الأمم السالفة قال تعالى: ﴿وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه﴾ [الأعراف: ١٦٠]. ٤ - بابُ تخوِيلِ الرِّدَاءِ فِي الاسْتِسْقَاءِ أي: هذا باب في بيان تحويل الرداء في الاستسقاء. ١٠١١/٥٣- حدَّثنا إسْحَاقُ قال حدَّثنا وَهْبٌ قال أخبرنا شُعْبَةُ عنْ مُحَمَّدِ بنِ أبِي ٤٩ ١٥ - كتابُ الاستسقاء / باب (٤) بَكْرٍ عنْ عَبَّادِ بنِ تَمِيمٍ عنْ عَبْدِ اللهِ بنِ زَيْدٍ أَنَّ النبيَّ عَ لِّ اسْتَسْقَى فَقَلَبَ رِدَاءَهُ. [انظر الحديث ١٠٠٥ وأطرافه]. مطابقته للترجمة ظاهرة، ولا يقال: الترجمة بلفظ التحويل، وفي الحديث: ((فقلب رداءه)) لأن التحويل والقلب بمعنى واحد، مع أن لفظ الحديث في الطريق الأولى. ((وحول»، على أنه في الطريق الثانية في رواية أبي ذر: ((حول))، بدل ((قلب))، وقال بعضهم: ترجم لمشروعيته خلافاً لمن نفاه، ثم ترجم بعد ذلك لكيفيته. قلت: علم مشروعيته من الحديث الذي أخرجه في أول كتاب الاستسقاء، رواه عن أبي نعيم عن سفيان عن عبد الله بن أبي بكر عن عباد بن تميم عن عمه وهو عبد الله بن زيد، وههنا أخرجه عن إسحاق عن وهب عن محمد بن أبي بكر عن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد، والحديث واحد، وفي سنده مغايرة، وإنما أعاد هذا الحديث لأمور ثلاثة: الأول: أنه ترجم له ههنا في تحويل الرداء، وهناك في خروجه عَّمِ للاستسقاء. الثاني: ليشير إلى تغاير السند وبعض الاختلاف في المتن. والثالث: صرح ههنا بعبد الله بن زيد وهناك أبهم اسمه ولم يذكره إلّ بلفظ العم، وإسحاق: هو ابن إبراهيم الحنظلي، ومحمد: ابن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وهو أخو عبد الله بن أبي بكر المذكور في السند الأول، وقد ذكرنا ما يتعلق بالحديث هناك مستوفىٍ. ١٠١٢/٥٤ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللهِ قال حدَّثنا سُفْيَانُ قال حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ أبِي بَكْرٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَبَّادَ بنَ تَمِيمٍ يُحَدِّثُ أباهُ عنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللهِ بن زَيْدٍ أَنَّ النبيَّ عَ ◌ّهِ خَرَجَ إِلَى المُصَلَّى فاسْتَسْقَى فاسْتَقْبَلُ القِبْلَةَ وقَلَبَ رِدَاءَهُ وصَلَّى رَكْعَتَيْنِ. [أنظر الحديث ١٠٠٥ وأطرافه]. هذه طريقة أخرى في الحديث المذكور قبله أخرجه عن علي بن عبد الله بن جعفر الذي يقال له: ابن المديني: عن سفيان بن عيينة عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عباد بن تميم، إلى آخره. قوله: ((عن سفيان عن عبد الله))، كذا هو في رواية الحموي والمستملي أعني: بلفظ: ((عن عبد الله)) ووقع في رواية الآخرين، قال: ((حدثنا سفيان قال عبد الله بن أبي بكر))، أي: قال: قال عبد الله، وجرت عادتهم بحذف إحداهما من الخط. قوله: ((يحدث أباه)) الضمير في قوله: ((أباه)) يعود على عبد الله بن أبي بكر، لا على: عباد، وقال الكرماني: موضع: أباه، أراه أي: أظنه، ثم قال: وفي بعضها: أباه أي: أبا عبد الله، يعني: أبا بكر وقال بعضهم: ولم أر في شيء من الروايات التي اتصلت لنا. انتهى. قلت: لا يستلزم عدم رؤيته لذلك عدم رؤية غيره، والنسخة التي اطلع عليها الكرماني أوضح وأظهر. وهذا الحديث يشتمل على أحكام: الأول: فيه خروج النبي عَ ◌ِّ إلى الصحراء للاستسقاء لأنه أبلغ في التواضع، وأوسع للناس، وذكر ابن حبان: كان خروجه عَّه إلى المصلى للاستسقاء في شهر رمضان سنة ست من الهجرة. الثاني: فيه مشروعية الاستسقاء. الثالث: فيه استقبال القبلة وتحويل الرداء، وقد ذكرنا حكمه مستقصىّ. الرابع: فيه أنه عَ له. عمدة القاري / ج٧ / م٤ ٥٠ ١٥ - كتابُ الاستسقاء / باب (٤) صلى ركعتين. ويحتاج في بيان هذا إلى أمور: الأول: فيه الدلالة على أن الخطبة فيه قبل الصلاة، وصرح يحيى بن سعيد في باب كيف يحول ظهره، ثم صلى لنا ركعتين، وهو مقتضى حديث عائشة الذي رواه أبو داود في (سننه) عنها، قالت: ((شكى الناس إلى رسول الله عَ للِ قحوط المطر، فأمر بمنبر فوضع له في المصلى، ووعد الناس يوماً يخرجون فيه، قالت عائشة: فخرج رسول الله عَِّ حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر، فكبر وحمد الله، ثم قال: إنكم شكوتم جدب دياركم واستئخار المطر عن إبان زمانه عليكم، وقد أمركم الله تعالى أن تدعوه، ووعدكم أن الله يستجيب لكم، ثم قال: الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، لا إله إلاّ الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله لا إله إلاّ أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغاً إلى حين، ثم رفع يديه فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض إبطيه، ثم حول إلى الناس ظهره وقلب - أو حول - رداءه وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس ونزل فصلى ركعتين، فأنشأ الله سحابة فرعدت وبرقت ثم أمطرت بإذن الله تعالى، فلم يأت مسجده حتى سالت السيول، فلما رأى سرعتهم إلى الكن ضحك حتى بدت نواجذه، فقال: أشهد أن الله على كل شيء قدير وإني عبد الله ورسوله)). والمفهوم من هذا الحديث أن الخطبة قبل الصلاة، ولكن وقع عند أحمد في حديث عبد الله بن زيد التصريح بأنه بدأ بالصلاة قبل الخطبة، والجمع بينهما أنه محمول على الجواز، والمستحب تقديم الصلاة لأحادیث أخر. الأمر الثاني: أن صلاة الاستسقاء ركعتان، وروى أبو داود عن ابن عباس حديثاً. وفيه: ((ولم يخطب خطبتكم هذه ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير، ثم صلى ركعتين كما يصلي في العيد)). وقال الخطابي: وفيه دلالة على أنه يكبر كما يكبر في العيدين، وإليه ذهب الشافعي، وهو قول سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز ومكحول ومحمد بن جرير الطبري، وهو رواية عن أحمد، وذهب جمهور العلماء إلى أنه يكبر فيهما كسائر الصلوات تكبيرة واحدة للافتتاح، وهو قول مالك والثوري والأوزاعي وإسحاق وأحمد في المشهور عنه وأبي ثور وأبي يوسف ومحمد وغيرهما من أصحاب أبي حنيفة وقال داود: إن شاء كبر كما يكبر في العيدين، وإن شاء كبر تكبيرة واحدة للاستفتاح كسائر الصلوات. والجواب عن حديث ابن عباس: أن المراد من قوله: ((كما يصلي في العيدين))، يعني في العدد والجهر بالقراءة، وفي كون الركعتين قبل الخطبة. فإن قلت: قد روى الحاكم في (مستدركه) والدارقطني ثم البيهقي في (السنن): عن محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه ((عن طلحة، قال: أرسلني مروان إلى ابن عباس أسأله عن سنة الاستسقاء، فقال: سنة الاستسقاء سنة الصلاة في العيدين إلاّ أن رسول الله عَ لَّه قلب رداءه فجعل يمينه على يساره ويساره على يمينه، وصلى ركعتين ٥١ ١٥ - كتابُ الاستسقاء / باب (٤) كبر في الأولى بٍ ﴿سبع تكبيرات، وقرأ بسبح اسم ربك الأعلى﴾ [الأعلى: ١]، وقرأ في الثانية: ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ [الغاشية: ١]، وكبر فيها خمس تكبيرات)). قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. قلت: أجيب عنه بوجهين: أحدهما: أنه ضعيف، فإن محمد بن عبد العزيز قال البخاري فيه: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث ليس له حديث مستقيم، وقال ابن حبان في (كتاب الضعفاء): يروي عن الثقات المعضلات، وينفرد بالطامات عن الأثبات حتى سقط الاحتجاج به، وقال ابن قطان في كتابه: هو أحد ثلاثة أخوة كلهم ضعفاء: محمد وعبد الله وعمران، بنو عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، وأبوهم عبد العزيز مجهول الحال، فاعتل الحديث بهما. والثاني: أنه معارض بحديث رواه الطبراني في (الأوسط) بإسناده ((عن أنس بن مالك أن رسول الله عَ ليه، استسقى فخطب قبل الصلاة، واستقبل القبلة وحول رداءه، ثم نزل فصلى ركعتين لم يكبر فيهما إلّ تكبيرة). الأمر الثالث: في أن وقت صلاة الاستسقاء كوقت صلاة العيدين، كما دل عليه حديث ابن عباس، وقد اختلف في ذلك. فذهب مالك والشافعي وأبو ثور: إلى أنه يخرج لها كالخروج إلى صلاة العيدين، وحكى ابن المنذر وابن عبد البر عن الشافعي هذا، ونقل ابن الصباغ في (الشامل) وصاحب (جمع الجوامع) عن نص الشافعي: أنها لا تختص بوقت، وبه قطع المتولي والماوردي وابن الصباغ، وصححه الرافعي في المحرر، ونقل النووي القطع به عن الأكثرين، وأنه صححه المحققون وأما وقتها كوقت العيد، فقال إمام الحرمين: إنه لم يرو لغير الشيخ أبي علي. قلت: لم ينفرد به الشيخ أبو علي، بل قاله أيضاً الشيخ أبو حامد والمحاملي البغوي في (التهذيب). الأمر الرابع: في أنه يقرأ في صلاة الاستسقاء بعد الفاتحة ما يقرأ في العيدين، أما سورة ق واقتربت، أو سبح اسم ربك الأعلى والغاشية، وهو قول الشافعي استدلالاً بما في حديث ابن عباس المذكور: ((فصلى ركعتين كما يصلي في العيدين)). وقال الشافعي في (الأم): ويصلي ركعتين لا يخالف صلاة العيد بشيء، ونأمره أن يقرأ فيها ما يقرأ في صلاة العيد. قال: وما قرأ به مع أم القرآن أجزأه، وإن اقتصر على أم القرآن في كل ركعة أجزأه، وصدر الرافعي كلامه بأنه يقرأ في الأولى ق، وفي الثانية: اقتربت، ثم حكى عن بعض الأصحاب أنه يقرأ في الأولى: ق، وفي الثانية: إنا أرسلنا نوحاً. وعند أصحابنا: ليس في صلاة، أي صلاة كانت، قراءة مؤقتة، وذكر في (البدائع) و(التحفة): الأفضل أن يقرأ فيهما: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ في الأولى، وفي الثانية: ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ .. الأمر الخامس: أنه يجهر بالقراءة في صلاة الاستسقاء، لما روى الترمذي من حديث ((عبد الله بن زيد أن رسول الله عَ لّه خرج بالناس يستسقي، فصلى بهم ركعتين جهر بالقراءة فيهما .. )) الحديث. وعن أبي يوسف: أحسن ما سمعنا فيه أن يصلي الإمام ركعتين جاهراً بالقراءة مستقبلاً بوجهه قائماً على الأرض دون المنبر، متكئاً على قوس يخطب بعد الصلاة ٥٢ ١٥ - كتابُ الاستسقاء / باب (٤) خطبتين، وعن أبي يوسف: خطبة واحدة، لأن المقصود منها الدعاء فلا يقطعها بالجلسة، وعند محمد: يخطب خطبتين يفصل بينهما بجلسة، وبه قال الشافعي. ثم اعلم أن أبا حنيفة قال: ليس في الاستسقاء صلاة مسنونة في جماعة، فإن صلى الناس وحداناً جاز، إنما الاستسقاء الدعاء والاستغفار، لقوله تعالى: ﴿استغفروا ربكم إنه كان غفاراً يرسل السماء عليكم مدراراً﴾ [نوح: ١٠ و١١]. علق نزول الغيث بالاستغفار لا بالصلاة، فكأن الأصل فيه الدعاء والتضرع دون الصلاة، ويشهد لذلك أحاديث: منها: الحديث المذكور، لأنه لم يذكر فيه الصلاة. ومنها: حديث أنس، على ما يأتي في الباب الآتي. ومنها: حديث كعب بن مرة، رواه ابن ماجه من رواية شرحبيل بن السمط، أنه قال لكعب: يا كعب بن مرة ((حدِّثنا عن رسول الله عَ ◌ّله واحذر! قال: جاء رجل إلى النبي عَ ◌ّه فقال: يا رسول الله، استسق الله، عز وجل، فرفع رسول الله عَّ له فقال: إسقنا غيثاً مريعاً طبقاً عاجلاً غير رائث، نافعاً غير ضار، قال: فاجتمعوا حتى أجيبوا. قال: فأتوه فشكوا إليه المطر، فقال: يا رسول الله، تهدمت البيوت، فقال رسول الله: اللهم حوالينا ولا علينا. قال: فجعل السحاب يتقطع يميناً وشمالاً). ومنها: حديث جابر، رواه أبو داود من رواية يزيد الفقير ((عن جابر بن عبد الله قال: أنت إلى النبي عَّ ◌ُلّه بواكٍ، فقال: اللهم إسقنا غيثاً مغيثاً مريئاً مريعاً نافعاً غير ضار، عاجلاً غير آجل، قال: فأطبقت عليهم السماء»، انتهى. قوله: ((بواك))، جمع باكية. وقال الخطابي: بواكي، بضم الياء آخر الحروف، قال: معناه التحامل. قوله: ((مريعاً»، بفتح الميم وكسر الراء: أي مخصباً ناجعاً من: مرع الوادي مراعة، ويروى بضم الميم من أمرع المكان إذا أخصب، ويروى بالباء الموحدة من: أربع الغيث إذا أنبت الربيع، ويروى بالتاء المثناة من فوق أي: ينبت الله فيه ما ترتع فيه المواشي. ومنها: حديث أبي أمامة، رضي الله تعالى عنه، رواه الطبراني من رواية عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم ((عن أبي أمامة قال: قام رسول الله عَّ في المسجد ضحى. فكبر ثلاث تكبيرات ثم قال: اللهم اسقنا، ثلاثاً، اللهم ارزقنا سمناً ولبناً وشحماً ولحماً، وما نرى في السماء سحاباً، فثارت ريح وغبرة ثم اجتمع سحاب فصبت السماء، فصاح أهل الأسواق وثاروا إلى سقائف المسجد وإلى بيوتهم .. )) الحديث. ومنها: حديث عبد الله بن جراد رواه البيهقي في (سننه) من رواية يعلى قال: ((حدثنا عبد الله بن جراد أن النبي عَّه كان إذا استسقى قال: اللهم غيثاً مغيثاً مريئاً توسع به لعبادك تغزر به الضرع وتحيي به الزرع)». ومنها: حديث عبد الله بن عمر رواه أبو داود من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: ((أن رسول الله عَّم كان إذا استسقى قال: اللهم اسق عبادك وبهائمك وانشر رحمتك واحيي بلدك الميت)). ومنها: حديث عمير مولى أبي اللحم رواه أبو داود من رواية ابن الهاد: عن محمد بن إبراهيم (عن عمير مولى أبي اللحم أنه رأى النبي عَّمِ يستسقي عند أحجار الزيت)). ومنها: حديث أبي الدرداء رواه البزار والطبراني عنه، قال: ((قحط المطر على عهد رسول الله عَّ له فسألنا نبي الله عَ للِ أن يستسقي لنا فاستسقى .. )) الحديث. ٥٣ ١٥ - كتابُ الاستسقاء / باب (٤) ومنها: حديث أبي لبابة رواه الطبراني في (الصغير) من رواية عبد الله بن حرملة عن سعيد بن المسيب عن أبي لبابة بن عبد المنذر قال: ((استسقى رسول الله عَ له فقال أبو لبابة ابن عبد المنذر: إن التمر في المرابد يا رسول الله، فقال: اللهم إسقنا حتى يقوم أبو لبابة عرياناً ويسد مثقب مربده بإزاره، وما نرى في السماء سحاباً فأمطرت، فاجتمعوا إلى أبي لبابة فقالوا: إنها لن تقلع حتى تقوم عرياناً وتسد مثقب مربدك بإزارك، ففعل فأصحت)). ومنها: حديث ابن عباس رواه أبو عوانة أنه قال: ((جاء أعرابي إلى النبي عَّمِ فقال: يا رسول الله لقد جئتك من عند قوم ما يتزود لهم راع ولا يخطر لهم فحل، فصعد المنبر، فحمد الله ثم قال: اللهم اسقنا .. )) الحديث. ومنها: حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه رواه أبو عوانة أيضاً: ((أن رسول الله عَُّ نزل وادياً لا ماء فيه، وسبقه المشركون إلى الماء، فقال بعض المنافقين: لو كان نبياً لاستسقى لقومه، فبلغ ذلك النبي عَّلّه، فبسط يديه وقال: أللهم جللنا سحاباً كثيفاً قصيفاً دلوتاً مخلوفاً زبرخاء تمطرنا منه رذاذاً قطقطاً سجلاً بعاقاً يا ذا الجلال والإكرام، فما رد يديه من دعائه حتى أظلتنا السحاب التي وصف)). وعنده أيضاً: عن عامر بن خارجة بن سعد عن جده ((أن قوماً شكوا إلى النبي عَّ للهِ قحط المطر، فقال: إجثوا على الركب، ثم قولوا: يا رب يا رب، قال: ففعلوا فسقوا حتى أحبوا أن ينكشف عنهم)). ومنها: حديث الشفا رواه الطبراني في (الكبير) من رواية خالد بن إلياس عن أبي بكر ابن سليمان بن أبي خيثمة عن الشفاء بنت خلف ((أن النبي عَ ل استسقى يوم الجمعة في المسجد ورفع يديه وقال: إستغفروا ربكم إنه كان غفاراً، وحول رداءه)). وخالد بن إلياس ضعيف، ومن حديث الواقدي عن مشايخه قال: ((قدم وفد بني مرة بن قيس ورسول الله عَ ليه في المسجد فشكوا إليه السنة، فقال رسول الله عَ له: اللهم اسقهم الغيث .. )) الحديث. وقال الواقدي: ولما قدم وفد سلامان سنة عشر فشكوا إليه الجدب فقال رسول الله عَ لله بيديه: اللهم إسقهم الغيث في دارهم .. )) الحديث. وفي (دلائل النبوة) للبيهقي ((عن أبي وجرة: أتى وفد فزارة بعد تبوك فشكوا إلى رسول الله عَ في السنة، فصعد المنبر ورفع يديه وكان لا يرفع يديه إلاّ في الاستسقاء قال: فوالله ما رأوا الشمس سبتاً، فقام الرجل الذي سأل الاستسقاء. فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل .. )) الحديث. وفي (سنن سعيد بن منصور) بسند جيد إلى الشعبي قال: ((خرج عمر، رضي الله تعالى عنه، يستسقي فلم يزد على الاستغفار، فقالوا: ما رأيناك استسقيت، فقال: لقد طلبت الغيث بمجاريح السماء الذي يستنزل به المطر، ثم قرأ: ﴿استغفروا ربكم ثم توبوا إليه﴾ [هود: ٣، ٥٢ و٩٠]. الآية .. وفي (مراسيل أبي داود) من حديث شريك: ((عن عطاء بن يسار أن رجلاً من نجد أتى رسول الله عَِّ فقال: يا رسول الله أجدبنا وهلكنا فادع الله، فدعا رسول الله عَّ له ... )) الحديث. فهذه الأحاديث والآثار كلها تشهد لأبي حنيفة أن الاستسقاء استغفار ودعاء، وأجيب عن الأحاديث التي فيها الصلاة أنه عَّ ◌ُلِّ فعلها مرة وتركها أخرى، وذا لا يدل على السنة، وإنما يدل على الجواز. ٥٤ ١٥ - كتابُ الاستسقاء / باب (٥) قال أبُو عَبْدِ اللهِ كانَ ابنُ عُيَيْنَةَ يَقُولُ هُوَ صاحِبُ الأَذَانِ ولَكِنَّهُ وَهَمّ لأَنَّ هُذَا عَبْدُ اللهِ ابنُ زَيْدِ بنِ عَاصِمِ المَازِنِيُّ الأنْصَارِي أبو عبد الله: هو البخاري نفسه. قوله: ((كان ابن عيينة)) أي: سفيان بن عيينة يقول هو أي: راوي حديث الاستسقاء صاحب الأذان، هذا يحتمل أن يكون تعليقاً، ويحتمل أن يكون البخاري سمع ذلك من شيخه علي بن عبد الله المذكور، وعلى كلا التقديرين وهم ابن عيينة في قوله في عبد الله بن زيد المذكور في الحديث: أنه صاحب الأذان، يعني الذي أري النداء، وهو عبد الله بن زيد بن عبد ربه بن ثعلبة بن زيد بن الحارث بن الخزرج، وراوي حديث الاستسقاء هو: عبد الله بن عاصم بن عمرو بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن، وهو معنى قوله: لأن هذا، أي: راوي حديث الاستسقاء عبد الله بن زيد بن عاصم، ولم يذكر البخاري مقابله حيث لم يقل: وذاك عبد الله بن زيد بن عبد ربه، كأنه اكتفى بالذي ذكره، وقد اتفق كلاهما في الاسم واسم الأب والنسبة إلى الأنصار، ثم الخزرج والصحبة والرواية، وافترقا في الجد والبطن الذي من الخزرج، لأن حفيد عاصم بن مازن، وحفيد عبد ربه من بلحارث بن الخزرج. قوله: ((المازني الأنصاري)» وفي بعض النسخ: عبد الله بن زيد بن عاصم مازن الأنصاري، واحترز به عن مازن تميم وغيره، والموازن كثيرة: مازن في قيس غيلان وهو مازن بن المنصور بن الحارث بن حفصة بن قيس غيلان، وفي قيس غيلان أيضاً: مازن بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن قيس غيلان، ومازن في فزارة وهو: مازن بن فزارة، ومازن في ضبة وهو: مازن بن كعب بن ربيعة بن ثعلبة ابن سعد بن ضبة. ومازن في مدحج وهو: مازن بن ربيعة بن زيد بن صعب بن سعد العشيرة ابن مذحج، ومازن في الأنصار وهو: مازن بن النجار بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج، ومازن في تميم وهو: مازن بن مالك بن عمرو بن تميم، ومازن في شيبان وهو: مازن بن ذهل بن ثعلبة بن شيبان، ومازن في هذيل وهو: مازن بن معاوية بن تميم بن سعد بن هذيل، ومازن في الأزد - وهو: مازن بن الأزد. وقال الرشاطي: مازن في القبائل كثير، وقال ابن دريد: المازن بيض النمل، ووقع في (مسند الطيالسي) وغيره مثل ما قال سفيان بن عيينة، وهو غلط. بَابُ انْتِقَامِ الرَّبِّ عزَّ وَجَلَّ منْ خَلْقِهِ بالقَخْطِ إِذَا انْتُهِكَ مَحَارِمُهُ أي: هذا باب في بيان انتقام الله، عز وجل، من عباده بإيقاع القحط فيهم إذا انتهك محارم الله، الانتهاك: للمبالغة في خرق محارم الشرع وإتيانها، وقعت هذه الترجمة هكذا في رواية الحموي وحده خالية من حديث وأثر، قيل: كأنها كانت في رقعة مفردة أهملها الباقون، والظاهر أنه وضعها ليذكر فيها أحاديث مطابقة لها، فعاقه عن ذلك عائق، والله تعالى أعلم. ٥ - بابُ الاسْتِسْقَاءِ فِي المَسْجِدِ الجَامِعِ أي: هذا باب في بيان جواز الاستسقاء في المسجد الجامع، وأشار بذلك إلى أن ٥٥ ١٥ - كتابُ الاستسقاء / باب (٥) الخروج إلى المصلى ليس بشرط في الاستسقاء، لأن المقصود في الخروج إلى الصحراء تكثير الناس، وذلك يحصل في الجوامع، وإنما كانوا يخرجون إلى الصحراء لعدم تعدد الجوامع بخلاف هذا الزمان. ١٠١٣/٥٥ - حدّثنا مُحَمَّدٌ قال أخبرنا أبُو ضَمْرَةَ أَنَسُ بنُ عِيَاضٍ قال حدَّثنا شَرِيكُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ أبِي نِرٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مالِكٍ يَذْكُرُ أنَّ رَجُلاً دَخَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ مِنْ بابٍ كانَ وِجاهَ المِنْبَرِ وَرَسُولُ اللهِ عَ له قَائِمٌ يَخْطُبُ فاسْتَقْبَلَ رسولَ الله عَ لَّه قائِماً فقال يا رسولَ اللهِ هَلَكَتِ المَوَاشِي وانْقَطَعَتِ السُّبْلُ فادعُ الله يُغِيثُنَا قال فَرَفَعَ رسولُ اللهِ عَُّلَّه يَدَيْهِ فقال اللَّهُمَّ اشقِنَا اللَّهُمَّ اسْقِنَا اللَّهُمَّ اسِقِنَا قال أَنَسْ وَلاَ واللهِ ما نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ ولاَ قَزَعَةٍ وَلاَ شَيْئاً وما بَيْنَنَا وبَيْنَ سَلْعِ مِنْ بَيْتٍ ولاَ دَارٍ قال فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلَ التَّرْسِ فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّماءَ انْتَشَرَتْ ثُمْ أَمْطَرَتْ قال واللهِ ما رأيْنَا الشَّمْسَ سِتّاً ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ فِي الجُمُعَةِ المُقْبِلَةِ وَرَسُولُ اللهِ عَلَّهِ قَائِمٌ يَخْطُبُ فاسْتَقْبَلَهُ قَائِماً فقال يا رسولَ اللهِ هَلَكَتِ الأُمْوَالُ وانْقَطَعَتِ السُّبْلُ فادعُ الله يُمْسِكْهَا قال فَرَفَعَ رسولُ اللهِ عَلِ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ حوَالَيْنَا ولاَ عَلَيْنَا اللَّهُمَّ عَلَى الآَكَامِ وَالجِبَالِ والآجَامِ والظُّرَابِ والأَوْدِيَةِ ومنَابِتَ الشَّجَرِ. قال فانْقَطَعَتْ وخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ قال شرِيكٌ فَسَأَلْتُ أَنَساً أهُوَ الرَّجُلُ الأوَّلُ قال لاَّ أَدْرِي. [أنظر الحديث ٩٣٢ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((أن رجلاً دخل يوم الجمعة من باب كان وجاه المنبر ورسول الله عَلَِّ قائم يخطب))، وفي قوله: ((فرفع رسول الله عَّ يديه فقال اللهم اسقنا)) ففي الأول: ذكر الجامع، وفي الثاني: استسقاء النبي عَّه فيه وهو على المنبر. ذكر رجاله: وهم أربعة: الأول: محمد بن سلام البخاري البيكندي. الثاني: أبو ضمرة، بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم وبالراء: وهو أنس بن عياض، بكسر العين المهملة، مر في: باب التبرز في البيوت. الثالث: شريك بن عبد الله بن أبي نمر، بفتح النون وكسر الميم، مر في: باب القراءة على المحدث. الرابع: أنس بن مالك، رضي الله تعالى عنه. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين والإخبار كذلك في موضع. وفيه: السماع. وفيه: القول في موضعين. وفيه: أن شيخه من أفراده. وفيه: أنه مذكور بغير نسبة. وفيه: من هو مذكور بكنيته وباسمه، وهو من الرباعيات. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الاستسقاء: عن إسماعيل بن جعفر وعن القعنبي وإسماعيل بن أبي أويس وعبد الله بن يوسف، فرقهم، ثلاثتهم عن مالك. وأخرجه مسلم في الاستسقاء عن يحيى بن يحيى ويحيى بن أيوب وقتيبة وعلي ابن حجر، أربعتهم عن إسماعيل بن جعفر. وأخرجه أبو داود فيه عن عيسى بن حماد عن الليث عن سعيد. وأخرجه النسائي فيه أيضاً عن عيسى بن حماد وعن علي بن حجر به وعن ٥٦ ١٥ - كتابُ الاستسقاء / باب (٥) قتيبة عن مالك به. ذكر معناه: قوله: ((أن رجلاً))، لم يدر اسمه. قيل: روى الإمام أحمد من حديث كعب بن مرة ما يمكن أن يفسر هذا المبهم بأنه: كعب، المذكور قلت: حديث كعب بن مرة رواه ابن ماجه، وقد ذكرناه عن قريب، فانظر فيه هل ترى ما قاله مما يمكن من حيث التركيب؟ فإن أراد الإمكان العقلي فلا دخل له ههنا، وقيل: إنه أبو سفيان بن حرب. قلت: هذا غير صحيح لأن قوله في الحديث: ((فقال: يا رسول الله)) يدل على أن السائل كان مسلماً، وأبو سفيان إذ ذاك لم يكن مسلماً. قوله: ((وجاء المنبر))، بكسر الواو وضمها أي: مواجهه. وقال صاحب (التلويح) ناقلاً عن ابن التين، وجاه المنبر يعني مستدبر القبلة، ثم قال: إن كان يريد بالمستدبر المنبر، فصحيح، ولكن لا معنى لذكره، وإن كان أراد الباب فلا يتجه الباب يواجه المنبر أن يستدير القبلة، ووقع في رواية اسماعيل بن جعفر: من باب كان نحو دار القضاء، وهي دار عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، وسميت: دار القضاء، لأنها بيعت في قضاء دينه فكان يقال لها: دار قضاء دين عمر، ثم لما طال ذلك قيل لها: دار القضاء، وقد صارت إلى مروان بعد ذلك وهو أمير المدينة. وقال عياض: كان أمير المؤمنين أنفق من بيت المال وكتبه على نفسه، وأوصى ابنه عبد الله أن يباع فيه ماله، فإن عجز ماله استعان بيني عدي ثم بقريش، فباع عبد الله هذه الدار لمعاوية، رضي الله تعالى عنه، وقضى دينه، وكان: ثمانية وعشرين ألفاً، انتهى. وفي قوله: ثمانية وعشرين ألفاً، غرابة، والذي في (الصحيح) وغيره من كتب المؤرخين: كان ستة وثمانين ألفاً. قوله: ((ورسول الله عَلّ قائم»، جملة إسمية وقعت حالاً. وقوله: ((يخطب))، جملة فعلية حالية أيضاً، إما حال مترادفة أو متداخلة. قوله: ((هلكت المواشي))، هكذا هو في رواية كريمة وأبي ذر جميعاً عن الكشميهني، وفي رواية غيرهم: ((هلكت الأموال))، والمراد بالأموال: المواشي أيضاً لا الصامت، وتقدم في كتاب الجمعة بلفظ: ((قام أعرابي فقال: يا رسول الله هلك المال وجاع العيال))، قيل: وقد تقدم في كتاب الجمعة بلفظ: ((هلك الكراع))، وهو بضم الكاف: يطلق على الخيل وغيرها، وفي رواية يحيى بن سعيد الآتية: ((هلكت المواشي هلك العيال هلك الناس))، وهو من قبيل ذكر العام بعد الخاص، والمراد بهلاكهم عدم وجود ما يعيشون به من الأقوات المفقودة بحبس المطر. قوله: ((وانقطعت السبل))، وفي رواية الأصيلي: ((وتقطعت))، بالتاء المثناة من فوق وتشديد الطاء، فالأول من باب الانفعال، والثاني من باب التفعل، والمراد من السبل: الطرق، وهو بضم السين والباء جمع: سبيل، واختلف في معناه فقيل: ضعفت الإبل لقلة الكلا أن يسافر بها، وقيل: إنها لا تجد في سفرها من الكلأ ما يبلغها، وقيل: إن الناس أمسكوا ما عندهم من الطعام ولم يجلبوه إلى الأسواق، وقيل: نفاد ما عندهم من الطعام أو قلته فلا يجدون ما يحملونه إلى الأسواق، ووقع في رواية قتادة الآتية عن أنس: ((قحط المطر))، أي: قل أو لم ينزل أصلاً. وفي رواية ثابت الآتية عن أنس: ((واحمرت الشجر)»، واحمرارها كناية عن يبس ورقها لعدم شربها الماء أو لانتشاره، فيصير الشجر أعواداً ٥٧ ١٥ - كتابُ الاستسقاء / باب (٥) بغير ورق، وقال أحمد في رواية قتادة: ((وانحلت الأرض)). فإن قلت: ما وجه هذا الاختلاف؟ قلت: يحتمل أن يكون السائل قال ذلك كله، ويحتمل أن يكون بعض الرواة روى شيئاً مما قاله بالمعنى، فإنها متقاربة. قوله: ((فادع الله أن يغيثنا)) هكذا هو في رواية أبي ذر وفي رواية الأكثرين ((فادع الله يغيثنا))، ووجهه أن كلمة: أن، مقدرة قبل، أي: فهو يغيثنا، وفيه بعد. وفي رواية إسماعيل بن جعفر الآتية للكشميهني: ((يغثنا))، بالجزم، وهذا هو الأوجه لأنه جواب الأمر. ثم اعلم أن لفظ: يغيثنا، بضم الياء في جميع النسخ، و: اللهم أغثنا، بالألف من باب أغاث يغيث إغاثة من مزيد الثلاثي، والمشهور في كتب اللغة أنه يقال في المطر: غاث الله الناس والأرض يغيثهم، بفتح الياء. قال عياض: قال بعضهم: هذا المذكور في الحديث من الإغاثة بمعنى المعونة وليس من طلب الغيث، وإنما يقال في طلب الغيث: اللهم أغثنا. قال أبو الفهل: ويحتمل أن يكون من طلب الغيث، أي: هب لنا غيئاً أو ارزقنا غيثاً، كما يقال: سقاه وأسقاه، أي: جعل له سقيا على لغة من فرق بينهما. وقيل: يحتمل أن يكون معنى قوله: (لهم أغثنا)) أي: فرج عنا وأدركنا، فعلى هذا يجوز ما وقع في عامة النسخ. وقال أبو المعاني في (المنتهى): يقال أغاثه الله يغيثه، والغياث ما أغاثك الله به إسم من أغاث واستغاثني فأغثته. وقال القزاز: غاثه غوثاً وأغاثه يغيثه إغاثة، فأميت: غاث، واستعمل: أغات. ويقول . الواقع في بلية: أللهم أغثني، أي: فرج عني. وقال الفراء: الغيث والغوث متقاربان في المعنى والأصل، وفي (كتاب النبات) لأبي حنيفة: وقد غيثت الأرض فهي مغيثة ومغيوثة. وقال أبو الحسن اللحياني: أرض مغيثة ومغيوثة أي مسقية ومغيرة ومغيورة، والإسم الغيرة والغيث. وقال الفراء: الغيث يغورنا ويغيرنا، وقد غارنا الله بخير: أغاثنا. قوله: ((فرفع يديه)) وفي رواية النسائي عن شريك: ((فرفع يديه حذاء وجهه))، وتقدم في الجمعة بلفظ: ((فمد يديه ودعا))، وزاد في رواية قتادة في الأدب: ((فنظر إلى السماء)). قوله: ((فقال: اللهم اسقنا ثلاث مرات))، ووقع في هذه الرواية: ((اللهم اسقنا ثلاث مرات))، ووقع في رواية ثابت الآتية عن أنس: ((اللهم اسقنا مرتين)). قوله: ((فلا والله))، بالفاء في رواية أبي ذر، وفي رواية غيره: ((لا والله)) بالواو، وفي رواية ثابت الآتية: ((وأيم الله))، والتقدير: فلا نرى والله، فحذف الفعل منه لدلالة المذكور عليه. قوله: ((من سحاب)) أي: من سحاب مجتمع ولا قزعة أي من سحاب متفرق، وهو بفتح القاف والزاي والعين المهملة. وفي (التلويح): القرعة، مثال شجرة قطعة من السحاب رقيقة كأنها ظل إذا مرت من تحت السحاب الكثير. وقال أبو حاتم: القزع: السحاب المتفرق. وقال يعقوب عن الباهلي: يقال: ما على السحاب قزعة أي: شيء من غيم، ذكره في (الموعب) وفي (تهذيب الأزهري): كل شيء متفرق فهو قزع. وفي (المحكم): أكثر ما يكون ذلك في الخريف. قوله: ((ولا شيئاً)) بالنصب تقديره أي: ولا نرى شيئاً من الكدورة التي تكون مظنة للمطر. قوله: ((وبين سلع))، بفتح السين المهملة وسكون اللام، وفي آخره عين مهملة: وهو جبل معروف بالمدينة، ووقع عند ابن ٥٨ ١٥ - كتابُ الاستسقاء / باب (٥) سهل، بفتح اللام وسكونها: وقيل: بغين معجمة، وكله خطأ. وفي (المحكم) و(الجامع): سلع موضع، وقيل: جبل. وقال البكري: هو جبل متصل بالمدينة، وزعم الهروي أن سلعاً معرفة لا يجوز إدخال اللام عليه. قلت: وفي (دلائل النبوة) للبيهقي، وكتاب أبي نعيم الأصبهاني، وأبي سعيد الواعظ و(الإكليل) للحاكم: ((فطلعت سحابة من وراء السلع)). قوله: ((من بيت ولا دار)) أي: تحجبنا عن رؤيته، وأراد بذلك أن السحاب كان مفقوداً لا مستتراً ببيت ولا غيره، ووقع في رواية ثابت في (علامات النبوة): أي: ظهرت من وزائه أي من وراء سلع. قوله: (مثل الترس))، أي: مستديرة، والتشبيه في الاستدارة لا في القدر يدل عليه ما وقع في رواية أبي عوانة: ((فنشأت سحابة مثل رجل الطائر وأنا أنظر إليها)). فهذا يشعر بأنها كانت صغيرة، وفي رواية ثابت: ((فهاجت ريح أنشأت سحاباً ثم اجتمع))، وفي رواية قتادة في الأدب: ((فنشأ السحاب بعضه إلى بعض))، وفي رواية إسحاق الآتية: ((حتى ثار السحاب أمثال الجبال)) أي: لكثرته وفيه: «ثم ينزل عن منبره حتى رأينا المطر يتحادر على لحيته))، وهذا يدل على أن السقف وكف لكونه كان من جريد النخل. قوله: ((فلما توسطت السماء)) أي: بلغت إلى وسط السماء وهي على هيئة مستديرة ثم انتشرت. قوله: ((ثم أمطرت))، قد مضى الكلام فيه في: باب الاستسقاء في الخطبة يوم الجمعة. قوله: ((ما رأينا الشمس سبتاً))، بفتح السين المهملة وسكون الباء الموحدة، وأراد به اليوم الذي بعد الجمعة، ولكن المراد به الأسبوع، وهو من تسمية الشيء باسم بعضه، كما يقال: جمعة، وهكذا وقع في رواية الأكثرين. فإن قلت: كيف عبر أنس بالسبت؟ قلت: لأنه كان من الأنصار، وكانوا قد جاوروا اليهود فأخذوا بكثير من اصطلاحهم، وإنما سموا الأسبوع سبتاً لأنه أعظم الأيام عندهم، كما أن الجمعة أعظم الأيام عند المسلمين، ووقع في رواية الداودي: ستاً، بكسر السين وتشديد التاء المثناة من فوق، وأراد به: ستة أيام، قال النووي: وهو تصحيف، ورد عليه بأن الداودي لم ينفرد به، فقد وقع في رواية الحموي والمستملي كذا، يعني: ستاً، وكذا رواه سعيد بن منصور عن الدراوردي عن شريك، ووافقه أحمد من رواية ثابت عن أنس. فإن قلت: وجه التصحيف أنه مستبعد لرواية إسماعيل بن جعفر الآتية: سبعاً. قلت: لا استبعاد في ذلك، لأن من روى سبعاً أضاف إلى السبت يوماً ملفقاً من : الجمعتين، ووقع في رواية إسحاق الآتية: ((فمطرنا يومنا ذلك ومن الغد ومن بعد الغد والذي يليه حتى الجمعة الأخرى))، ووقع في رواية مالك عن شريك: ((فمطرنا من جمعة إلى جمعة))، وفي رواية قتادة الآتية: ((فمطرنا فما كدنا نصل إلى منازلنا))، أي: من كثرة المطر، وقد تقدم في كتاب الجمعة من وجه آخر: ((فخرجنا نخوض الماء حتى أتينا منازلنا)»، ولمسلم في رواية ثابت: ((فأمطرنا حتى رأيت الرجل تهمه نفسه أن يأتي أهله))، ولابن خزيمة في رواية حميد: ((حتى أهم الشباب القريب الدار الرجوع إلى أهله))، وللبخاري في (الأدب) من طريق قتادة: ((حتى سالت مثاعب المدينة))، المثاعب: جمع مثعب، بالثاء المثلثة وفي آخره باء موحدة: مسيل الماء. ٥٩ ١٥ - كتابُ الاستسقاء / باب (٥) قوله: ((ثم دخل رجل من ذلك الباب)) الظاهر: أن هذا غير ذاك الرجل الأول، لأن النكرة إذا أعيدت نكرة تكون غيره، وفي رواية إسحاق عن أنس: ((فقام ذلك الرجل أو غيره))، وهذا يقتضي أن يكون هذا هو الرجل الأول، ولكنه شك فيه بقوله: ((أو غيره)، أي: أو غير ذلك الرجل، وسيأتي في رواية يحيى بن سعيد: ((فأتى الرجل فقال: يا رسول الله))، وهذا يقتضي أن هذا هو الأول، وفي رواية أبي عوانة من طريق حفص عن أنس بلفظ: ((فما زلنا نمطر حتى جاء ذلك الأعرابي في الجمعة الأخرى))، وهذا أيضاً كذلك. قوله: ((ورسول الله قائم))، جملة إسمية حالية، قوله: ((فاستقبله قائماً)) انتصاب: قائماً، على أنه حال من الضمير المرفوع الذي في: استقبل، لا من الضمير المنصوب. قوله: ((هلكت الأموال وانقطعت السبل))، يعني: بسبب كثرة المياه، لأنه انقطع المرعى فهلكت المواشي من عدم الرعي، أو لعدم ما يكنها من المطر، ويدل على ذلك قوله في رواية سعيد عن شريك أخرجها النسائي: ((من كثرة الماء))، وفي رواية حميد عند ابن خزيمة: ((واحتبس الركبان))، وفي رواية مالك عن شريك: ((تهدمت البيوت))، وفي رواية إسحاق الآتية: ((هدم البناء وغرق المال)). قوله: ((فادع الله أن يمسكها)) هذه رواية الكشميهني. وفي رواية غيره: ((فادع الله يمسكها))، بدون كلمة: أن، ويجوز فيه الرفع والنصب والجزم أما الرفع فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف، وأما النصب فبكلمة: أن، المقدرة، وأما الجزم فعلى أنه جواب الأمر، والضمير المنصوب فيه يرجع إلى الأمطار التي يدل عليه. قوله: ((ثم أمطرت))، أو إلى السحابة، ووقع في رواية سعيد عن شريك: ((أن يمسك عنا الماء))، وفي رواية أحمد من طريق ثابت: ((أن يرفعها عنا))، وفي رواية قتادة في الأدب: ((فادع ربك أن يحبسها عنا، فضحك)). وفي رواية ثابت: ((فتبسم))، وزاد حميد: (لسرعة ملال ابن آدم)). قوله: ((حوالينا)) وفي رواية مسلم: ((حولنا))، وكلاهما صحيح، والحول والحوال بمعنى الجانب، والذي في رواية البخاري: تثنية، حوال، وهو ظرف يتعلق بمحذوف، تقديره: اللهم أنزل - أو أمطر - حوالينا ولا تنزل علينا. فإن قلت: إذا أمطرت حول المدينة فالطريق تكون ممتنعة، وإذن لم يزل شكواهم؟ قلت: أراد بقوله: ((حوالينا)): الآكام والظراب، وشبههما كما في الحديث، فتبقى الطريق على هذا مسلوكة، كما سألوا. وأيضاً أخرج الطرق بقوله: ((ولا علينا)) وقال الطيبي في إدخال: الواو، ههنا معنى لطيف، وذلك أنه لو أسقطها لكان مستسقياً للأكام وما معها فقط، ودخول: الواو، يقتضي أن طلب المطر على المذكورات ليس مقصوداً لعينه، ولكن ليكون وقاية من أذى المطر، فليست: الواو، مخلصة للعطف، ولكنها: للتعليل. وهو كقولهم: تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها، فإن الجوع ليس مقصوداً لعينه، ولكن لكونه مانعاً من الرضاع بأجرة، إذ كانوا يكرهون ذلك. قوله: ((على الأكام))، فيه بيان المراد بقوله: ((حوالينا))، روي: ((الإكام))، بكسر الهمزة وفتحها، ممدودة وهو جمع: أكمة بفتحات، قال ابن البرقي: هو التراب المجتمع. وقال الداودي: أكبر من الكدية. وقال القزاز: هي التي من حجر واحد. وقال الخطابي: هي الهضبة الضخمة. وقيل: الجبل الصغير. وقيل: ما ارتفع من الأرض. ٦٠ ١٥ - کتابُ الاستسقاء / باب (٥) قوله: ((والظراب)) بكسر الظاء المعجمة وفي آخره باء موحدة: جمع ظرب، بسكون الراء. قاله القزاز، وقال: هو جبل منبسط على الأرض، وقيل بكسر الراء، ويقال: ظراب وظرب، كما يقال: كتاب وكتب. ويقال: ظرب، بتسكين الراء. قالوا: أصل الظراب ما كان من الحجارة أصله ثابت في جبل أو أرض حزنة، وكان أصله الثاني محدوداً، وإذا كانت خلقة الجبل كذلك سمي ظرباً. وفي (المحكم): الظرب كل ما كان نتأ من الحجارة وحد طرفه. وقيل: هو الجبل الصغير. وفي (المنتهى) للبرمكي: الظراب: الروابي الصغار دون الجبل، وفي (الغريبين): الأظراب جمع ظرب. قوله: ((والأودية)) جمع وادٍ وفي رواية مالك: ((بطون الأودية))، والمراد بها ما يتحصل فيه الماء لينتفع به، قالوا: ولم يسمع أفعلة جمع فاعل إلاّ أودية جمع واد، وزاد مالك في روايته: ((ورؤوس الجبال)). قوله: ((ومنابت الشجر)) أراد بالشجر: المرعى ومنابته التي تنبت الزرع والكلاً. قوله: ((فانقطعت)) أي: السماء، ويروى: ((فأقلعت))، ويروى: ((فانقلعت))، والكل بمعنى واحد، وفي رواية مالك: ((فانجابت عن المدينة انجياب الثوب))، أي: خرجت عنها كما يخرج الثوب عن لابسه، وفي رواية سعيد عن شريك: ((فما هو إلا أن تكلم رسول الله عَ لّه بذلك تمزق السحاب حتى ما نرى منه شيئاً)، والمراد بقوله: ((ما نرى شيئاً))، أي: في المدينة، ولمسلم من رواية حفص: ((فلقد رأيت السحاب يتمزق كأنه الملا حين يطوى))، والملا، بضم مقصور وقد يمد جمع: ملاءة، وهو ثوب معروف. وفي رواية قتادة عند البخاري: ((فلقد رأيت السحاب يتقطع يميناً وشمالاً يمطرون)) أي: أهل النواحي ولا يمطرون أهل المدينة، وله في الأدب: ((فجعل الله السحاب يتصدع عن المدينة))، وزاد فيه: ((يريهم الله كرامة نبيه وإجابة دعوته)). وله في رواية ثابت عن أنس: ((فتكشطت))، أي: تكشفت، ((فجعلت تمطر حول المدينة ولا تمطر بالمدينة قطرة، فنظرت إلى المدينة وإنها لفي مثل الإكليل)). وفي مسند أحمد من هذا الوجه: ((فتقور ما فوق رؤوسنا من السحاب حتى كأنا في إكليل))، وهو بكسر الهمزة: التاج، وفي رواية إسحاق عن أنس: ((فما يشير بيده إلى ناحية من السماء إلا تفرجت حتى صارت المدينة في مثل الجوبة))، والجوبة، بفتح الجيم وسكون الواو وفتح الباء الموحدة: هي الحفرة المستديرة الواسعة، والمراد بها ههنا الفرجة في السحاب، وقال الخطابي: الجوبة هنا الترس، وضبط بعضهم: الجونة بالنون ثم فسره: بالشمس إذا ظهرت في خلل السحاب. وقال عياض: فقد صحف من قال بالنون. وفي رواية إسحاق من الزيادة أيضاً: ((وسال الوادي - وادي قناة - شهرا)، وقد فسرنا هذا في كتاب الجمعة في: باب الاستسقاء في الخطبة في الجمعة، وأكثر ما ذكرنا هنا ذكرناه هناك، وإن كان مكرراً لزيادة الإيضاح ولسرعة وقوف الطالب للمعاني. قوله: ((فسألت أنساً أهو الرجل الأول؟ قال: لا أدري)) وفي موضع آخر: ((فأتى الرجل فقال: يا رسول الله))، وفي لفظ: ((جاء رجل فقال: ادع الله يغثنا، ثم جاء فقال:)) وفي لفظ في الأول: ((قام أعرابي))، ثم قال في آخره: ((فقام ذلك الأعرابي))، قال ابن التين: لعل أنساً تذكر بعد أو نسي بعد ذكره إن كان هذا الحديث قبل قوله: ((لا أدري أهو الأول أم لا؟)).