Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (٨)
قلت: فيه نظر من وجهين. الأول: أنهم لم يأتوا بحديث فيه تصريح بأنه معَّ لم تركه
في الجملة. والثاني: أن حديث الأعرابي لا يتم به استدلالهم، لأن العلماء اختلفوا في
السواك، فقال بعضهم: هو من سنة الدين، وقال بعضهم: هو من سنة الوضوء، وقال آخرون:
من سنة الصلاة. وقول من قال: إنه من سنة الدين أقوى، نقل ذلك عن أبي حنيفة. وفيه
أحاديث تدل على ذلك. منها : ما رواه أحمد والترمذي من حديث أبي أيوب، رضي الله
تعالى عنه: ((أربع من سنن المرسلين: الختان والسواك والتعطر والنكاح)) ورواه ابن أبي خيثمة
وغيره من حديث فليح بن عبد الله عن أبيه عن جده نحوه، ورواه الطبراني من حديث ابن
عباس. ومنها : ما رواه مسلم من حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها: ((عشر من الفطرة ... ))
فذكر فيها السواك. ومنها : ما رواه البزار من حديث أبي هريرة: ((الطهارات أربع: قص
الشارب وحلق العانة وتقليم الأظافر والسواك))، ورواه الطبراني من حديث أبي الدرداء.
الوجه الثاني: في بيان وقت الاستياك. فعند أكثر أصحابنا وقته وقت المضمضة،
وذكر صاحب (المحيط) وغيره: إن وقته وقت الوضوء، إلا أن المنقول عن أبي حنيفة أنه من
سنن الدين، فحينئذ يستوي فيه كل الأحوال، وذكر في (كفاية المنتهى): أنه يستاك قبل
الوضوء، وعند الشافعي: هو سنة القيام إلى الصلاة وعند الوضوء وعند كل حال يتغير فيها
الفم.
الوجه الثالث: في كيفية الاستياك: قال أصحابنا يستاك عرضاً لا طولاً، عند مضمضة
الوضوء. وأخرج أبو نعيم من حديث عائشة، قالت: ((كان عَّله يستاك عرضاً لا طولاً)). وفي
(مراسيل) أبي داود ((إذا استكتم فاستاكوا عرضاً)) وأخرج الطبراني بإسناده إلى بهز، قال: ((كان
النبي عَّه يستاك عرضاً». وعن إمام الحرمين أنه يمر السواك على طول الأسنان وعرضها، فإن
اقتصر على أحدهما فالعرض أولى. وقال غيره من أصحاب الشافعي: يستاك عرضاً لا طولاً،
ويأخذ السواك باليمنى، والمستحب فيه ثلاث بثلاث مياه.
الوجه الرابع: في أنه لا تقدير في السواك، بل يستاك إلى أن يطمئن قلبه بزوال النكهة
واصفرار السن، ويقول عند الاستياك، اللهم طهر فمي ونور قلبي وطهر بدني وحرم جسدي
على النار وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين. وفي (المحيط): العلك للمرأة يقوم مقام
السواك لأن أسنانها ضعيفة يخاف منها السقوط، وهو ينقي الأسنان ويشد اللثة كالسواك.
الوجه الخامس: فيمن لا يجد السواك يعالج بالأصبع، لما روى البيهقي في (سننه)
من حديث أنس، رضي الله تعالى عنه، أن النبي عَّه قال: ((يجزىء من السواك الأصابع)،
وضعفه. وروى الطبراني في (الأوسط) من حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها، قالت:
(«قلت: يا رسول الله! الرجل يدهن فوه أيستاك؟ قال: نعم. قلت: كيف يصنع؟ قال: يدخل
إصبعه في فيه)).
الوجه السادس: فيما يستاك به وما لا يستاك به: المستحب أن يستاك بعود من أراك،

٢٦٢
١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (٨)
وروى البخاري في (تاريخه) وغيره من حديث أبي خيرة الصباحي: «كنت في الوفد فزودنا
رسول الله عَّالله بالأراك، وقال: استاكوا بهذا)). وروى الطبراني في (الأوسط) من حديث معاذ
ابن جبل، رضي الله تعالى عنه، قال: ((سمعت رسول الله، عَ لّه، يقول: ((نعم السواك الزيتون
من شجرة مباركة يطيب الفم ويذهب بالخفر وهو سواكي وسواك الأنبياء قبلي)». وروى
الحارث في (مسنده) عن ضمرة بن حبيب، قال: ((نهى رسول الله، عَ لّم عن السواك بعود
الريحان، وقال: إنه يحرك الجذام)).
الوجه السابع: في الحكمة في الاستياك: قال ابن دقيق العيد: الحكمة في اسحباب
الاستياك عند القيام إلى الصلاة كونها حال تقرب إلى الله تعالى، فاقتضى أن تكون حال
كمال ونظافة إظهاراً لشرف العبادة. وقد ورد من حديث علي، رضي الله تعالى عنه، عند
البزار ما يدل على أنه لأمر يتعلق بالملك الذي يستمع القرآن من المصلي فلا يزال يدنو منه
حتى يضع فاه على فيه، وروى أبو نعيم من حديث جابر برواة ثقاة: ((إذا قام أحدكم من الليل
يصلي فليستك، فإنه إذا قام يصلي أتاه ملك فيضع فاه على فيه فلا يخرج شيء من فيه إلاّ
وقع في الملك)). وروى القشيري بلا إسناد عن أبي الدرداء، رضي الله تعالى عنه، قال:
((عليكم بالسواك فإن في السواك أربعاً وعشرين خصلة أفضلها أن يرضى الرحمن، وتضاعف
صلاته سبعاً وسبعين ضعفاً، ويورث السعة والغنى ويطيب النكهة ويشد اللثة ويسكن الصداع
ويذهب وجع الضرس وتصافحه الملائكة لنور وجهه وبرق أسنانه)).
الوجه الثامن: في فضيلة السواك. منها : ما رواه أحمد وابن حبان من حديث عائشة،
رضي الله تعالى عنها، قالت: قال رسول الله عَ ل: ((السواك مطهرة للفم مرضاة للرب)).
ومنها : ما رواه ابن حبان من حديث أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، ولفظه: ((عليكم
بالسواك فإنه مطهرة للفم مرضاة للرب)). ومنها : ما رواه أحمد وابن خزيمة والحاكم
والدارقطني وابن عدي والبيهقي في (الشعب) وأبو نعيم من حديث عروة عن عائشة عن
النبي عَّ ◌ُله: ((فضل الصلاة التي يستاك لها على الصلاة التي لا يستاك لها سبعون ضعفاً)).
وقال أبو عمر: فضل السواك مجمع عليه لا اختلاف فيه، والصلاة عند الجميع به أفضل منها
بغيره، حتى قال الأوزاعي: هو شطر الوضوء، ويتأكد طلبه عند إرادة الصلاة وعند الوضوء
وقراءة القرآن والاستيقاظ من النوم وعند تغير الفم، ويستحب بين كل ركعتين من صلاة الليل
ويوم الجمعة وقبل النوم وبعد الوتر وعند الأكل في السحر.
الوجه التاسع: في حديث الباب بيان ما كان النبي عَ ◌ّه عليه من الشفقة على أمته
لأنه لم يأمر بالسواك على سبيل الوجوب مخافة المشقة عليهم.
الوجه العاشر: فيه: جواز الاجتهاد منه عَّ ◌ُلّم فيما لم ينزل عليه فيه نص، لكونه جعل
المشقة سبباً لعدم أمره، فلو كان الحكم متوقفاً على النص لكان سبب انتفاء الوجوب عدم
ورود النص لا وجود المشقة، فيكون معنى قوله: ((لأمرتهم)) أي: عن الله بأنه واجب. قلت:
هذا احتمال بعيد، والظاهر أنه ترك الأمر به لخوف المشقة، والأمر منه عَ لَّم أمر من الله في

٢٦٣
١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (٨)
الحقيقة لأنه لا ينطق عن الهوى.
الحادي عشر: استدل به النسائي على استحباب السواك للصائم بعد الزوال لعموم قوله
عَ له: ((عند كل صلاة)).
الثاني عشر: استدل بهذه اللفظة على استحباب السواك للفرائض والنوافل وصلاة
العيد والاستسقاء والكسوف والخسوف لاقتضاء العموم ذلك.
الثالث عشر: قال المهلب فيه: إن السنن والفضائل ترتفع عن الناس إذا خشي منها
الحرج على الناس، وإنما أكد في السواك لمناجاة الرب وتلقي الملائكة، فلزم تطهير النكهة
وتطييب الفم.
الرابع عشر فيه: إباحة السواك في المسجد لأن: عند، تقتضي الظرفية حقيقة
فتقتضي استحبابه في كل صلاة، وعند بعض المالكية كراهته في المسجد لاستقذاره،
والمسجد ینزه عنه.
٨٨٨/١٣ - حدَّثنا أبُو مَعْمَرٍ قال حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ قَالَ حدَّثنا شُعَيْبُ بنُ الحَبْحَابِ قال
حدَّثنا أنَسَّ قال قال رسولُ اللهِ عَ لِ أَكْتَرْتُ عَلَيْكُمْ فِي السَّوَاكِ.
مطابقته للترجمة من حيث إن الإكثار في السواك الذي هو المبالغة في الحث عليه
يتناول فعلها عند سائر الصلوات المكتوبة، والجمعة أقواها لأنها يوم ازدحام، فكما أن
الاغتسال مستحب فيه لتنظيف البدن وإزالة الرائحة الكريهة رفعاً لأذاها عن الناس، فكذلك
تطهير النكهة، بل هو أقوى على ما لا يخفى، ولقد أبعد ابن رشيد في توجيه المطابقة بين
الحديث وبين الترجمة، واستحسنه بعضهم حتى نقله في كتابه، فمن نظر فيه عرف وجه
الاستبعاد فيه.
ذكر رجاله: وهم أربعة: الأول: أبو معمر، بفتح الميمين: عبد الله بن عمرو بن أبي
الحجاج، واسمه ميسرة التميمي البصري. الثاني: عبد الوارث بن سعيد وهو راويه. الثالث:
شعيب بن الحبحاب، بفتح الحاءين المهملتين بينهما باء موحدة ساكنة وبعد الألف باء
أخرى: أبو صالح البصري. الرابع: أنس بن مالك، رضي الله تعالى عنه.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في كل الإسناد. وفيه : القول في
خمسة مواضع. وفيه : أن رواته كلهم بصريون. وفيه : أنه في أفراده، قاله صاحب (التوضيح)
وليس كذلك، فإن النسائي أخرجه أيضاً في الطهارة عن حميد بن مسعدة وعمران بن موسى
عن عبد الوارث.
ذكر معناه: قوله: ((أكثرت عليكم)) أي: بالغت معكم في أمر السواك. وقال الكرماني:
ويروى بصيغة المجهول من الماضي، أي: بولغت من عند الله. قال الجوهري، يقال: فلان
مكثور عليه إذا نفذ ما عنده، وفي (التوضيح): معناه حقيق أن أفعل وحقيق أن تسمعوا
وتطيعوا. قوله: ((في السواك)) أي: في استعمال السواك، هذا إذا كان المراد من السواك الآلة،

٢٦٤
١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (٩)
وإذا كان المراد منه الفعل فلا حاجة إلى التقدير. فافهم.
٨٨٩/١٤ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ قَالَ أخبرنا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ وَحُصَيْنِ عَنْ أَبِي
وَائِلِ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ كَانَ النّبِيُّ عَّ ◌ُلّهِ إِذَا قامَ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فاهُ. [انظر الحديث ٢٤٥
وطرفه].
مطابقته للترجمة من حيث إن قيامه عَّ له في الليل يحتمل أن يكون للصلاة، وهو
الظاهر من حاله، عَِّ، وكان يشوص فاه لأجل التنظيف، وقد علم من زيادة اهتمامه بالجمعة
في تنظيفها، وكانت له مزية فضيلة، وكان السواك مستحباً لكل صلاة فكانت الجمعة أولى
بذلك، خصوصاً لأنه يوم ازدحام من الناس وحضور من الملائكة، فدلالته على مطابقته
للترجمة من هذه الحيثية، وإن لم يكن صريحاً، لأن الأمور الاعتبارية تراعى في مثل هذه
المواضع.
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: محمد بن كثير - ضد القليل - مر في: باب الغضب
في الموعظة. الثاني: سفيان الثوري. الثالث: منصور بن المعتمر. الرابع: حصين، بضم
الحاء المهملة وفتح الصاد المهملة: ابن عبد الرحمن مر في: باب الأذان بعد الوقت.
الخامس: أبو وائل شقيق بن سلمة الكوفي. السادس: حذيفة بن اليمان، رضي الله تعالى
عنه.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، والإخبار كذلك
في موضع واحد. وفيه : العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه : القول في موضع واحد. وفيه :
رواية واحد عن اثنين. وفيه : شيخ البخاري بصري والبقية كوفيون، وفيه : ثلاثة غير منسوبین
وواحد مكي.
١
والحديث أخرجه البخاري في آخر كتاب الوضوء في: باب السواك، عن عثمان بن
أبي شيبة عن جرير عن منصور عن أبي وائل عن حذيفة .. إلى آخره نحوه، وفي آخره
بالسواك، وقد تكلمنا هناك على جميع ما يتعلق به من الأشياء.
قوله: ((يشوص فاه)) أي: يدلك أسنانه وينقيها. وقيل: هو أن يستاك من سفل إلى علو،
وأصل الشوص الغسل، قاله ابن الأثير. ومنهم من فسر الشوص بأن يستاك طولاً، وهو غير
مرضي، والوجه ما ذكرناه.
٩ - بابُ مَنْ تَسَوَّكَ بِسِوَاكِ غَيْرِهِ
أي: هذا باب في بيان من تسوك بسواك غيره فكأنه يشير بحديث هذا الباب إلى جواز
ذلك وإلى طهارة ريق بني آدم.
٨٩٠/١٥ - حدّثنا إسْمَاعِيلُ قال حدَّثني سُلَيْمَانُ بنُ بِلاَلٍ قال قال هِشَامُ بنُّ عُزْوَةً
أخبرني أبي عن عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ دَخَلَ عَبْدُ الرَّحمنِ بنُ أَبِي بَكْرٍ ومَعَهُ

٢٦٥
١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (٩)
سِوَاٌ يَسْتَنُّ بِهِ فَتَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ عَ لَّهِ فَقُلْتُ لَهُ أَعْطِنِي لهذَا السّوَاكَ يا عَبْدَ الرَّحْمنِ
فأعْطَانِيهِ فَقَصَمْتُهُ ثُمَّ مَضَغْتُهُ فَأَعْطَيْتُهُ رسولَ اللهِ عَُّلِّ فَاسْتَنَّ بِهِ وَهْوَ مُسْتَسْنِدٌ إلَى صَدْرِي.
[الحديث ٨٩٠ - أطرافه في: ١٣٨٩، ٣١٠٠، ٣٧٧٤، ٤٤٣٨، ٤٤٤٦، ٤٤٤٩،
٤٤٥٠، ٤٤٥١، ٥٢١٧، ٦٥١٠].
مطابقته للترجمة ظاهرة، فإنه عَ لّم تسوك بسواك عبد الرحمن، رضي الله تعالى عنه.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: إسماعيل بن أبي أويس. الثاني: سليمان بن بلال.
الثالث: هشام بن عروة. الرابع: أبوه عروة بن الزبير بن العوام. الخامس: عائشة أم المؤمنين،
رضي الله تعالى عنها.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع وبصيغة الإفراد في
موضع. وفيه : الإخبار بصيغة الإفراد في موضع. وفيه : العنعنة في موضع واحد. وفيه :
القول في ثلاثة مواضع. وفيه: أن رواته كلهم مدنيون. وفيه : أن رواية إسماعيل عن
إسماعيل بهذا الإسناد لم تعرف في غير طريق البخاري عنه، وإسماعيل يروي عنه أيضاً كثيراً
بواسطة.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في فضائل أبي بكر. وفي
الجنائز بالإسناد المذكور عن إسماعيل، وأخرجه أيضاً في الخمس والمغازي ومرضه عَ له.
وفضل عائشة، رضي الله تعالى عنها، وأخرجه مسلم في فضل عائشة، رضي الله تعالى عنها.
ذكر معناه: قوله: ((دخل))، أي: دخل عبد الرحمن حجرة عائشة، رضي الله تعالى
عنها، في مرض رسول الله عَّهِ. قوله: ((ومعه سواك))، جملة إسمية وقعت حالاً، وكذلك
قوله: ((يستن به))، جملة فعلية حالية. أي: يستاك به من الاستنان، وقد مر عن قريب. قوله:
((إليه)) أي: إلى عبد الرحمن. قوله: ((فقلت له)) أي: قالت عائشة: فقلت لعبد الرحمن. قوله:
((فقصمته)) في هذه اللفظة ثلاث روايات. الأولى: بالقاف والصاد المهملة، وهي رواية
الأكثرين أي: كسرته، فأبنت منه الموضع الذي كان عبد الله يستن منه، وأصل: القصم، الدق
والكسر. ويقال لما يكسر من رأس السواك إذا قصم: القصامة، يقال: والله لو سألني قصامة
سواك ما أعطيته، و: القصمة بالكسر: الكسرة. وفي الحديث: ((استغنوا ولو من قصمة
السواك)). الرواية الثانية: بالفاء والصاد المهملة، فإنه كسر بإبانة. وقال ابن التين: هو في
الكتب بصاد غير معجمة وقاف، وضبطه بعضهم بالفاء، والمعنى صحيح. الرواية الثالثة:
بالقاف والضاد المعجمة، وهي رواية كريمة وابن السكن والمستملي والحموي، وهو من:
القضم، بالقاف والضاد المعجمة، وهو الأكل بأطراف الأسنان، وقال ابن الجوزي: وهو
الأصح. وكانت عائشة أخذته بأطراف أسنانها. وقال ثعلب: قضمت الدابة شعيرها، بكسر
ثانيه، تقضم. وحكى الفتح في الماضي. قوله: ((وهو مستند))، جملة إسمية وقعت حالاً،
ويروى: ((وهو مستسند)) فالأول من الاستناد من باب الافتعال، والثاني: من الاستسناد من باب

٢٦٦
١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (١٠)
الاستفعال.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: دليل على طهارة ريق بني آدم، وعن النخعي نجاسة
البصاق. وفيه : دليل على جواز الدخول في بيت المحارم. وفيه : إصلاح السواك وتهيئته.
وفيه : الاستياك بسواك غيره. وفيه : العمل بما يفهم عند الإشارة والحركات. وفيه : الدليل
على تأكد أمر السواك في استعماله.
١٠ - بابُ ما يُقْرَأُ فِي صَلاَةِ الفَجْرِ يَوْمَ الجُمُّعَةِ
أي: هذا باب في بيان ما يقرأ في صلاة الفجر في صبح يوم الجمعة. وقوله: ((يقرأ))
على صيغة المجهول، ويجوز أن يكون على صيغة المعلوم، أي: يقرأ المصلي، وكلمة: ما،
موصولة، ومنع بعضهم أن تكون استفهامية، ولا مانع مع ذلك على ما لا يخفى.
٨٩١/١٦ - حدّثنا أبو نُعَيْم قال حدَّثنا سُفْيَانُ عَنْ سَعْدِ بنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ هُوَ
ابنُ هُؤْمُزِ الأَعْرَجُ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال كانَ النبيُّ عَّ ◌َهِ يَقْرَأَ في الجُمُعَةِ
فِي صَلاةِ الفَجْرِ ﴿الم تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةَ وَ﴿هَلْ أَتَّى عَلى الإنْسَانِ﴾ [الحديث ٨٩١ - طرفه
في: ١٠٦٨].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم كلهم قد ذكروا غير مرة، وأبو نعيم، بضم النون: الفضل بن دكين،
وسفيان هو الثوري، وسعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه : العنعنة في
ثلاثة مواضع. وفيه : القول في موضعين وفي بعض النسخ: حدثنا محمد بن يوسف عن
سفيان، وهي رواية كريمة، ومحمد بن يوسف هو الفريابي، وفي بعضها: حدثنا محمد بن
يوسف أبو نعيم، كلاهما عن سفيان. وفيه : رواية التابعي عن التابعي وهما: سعد والأعرج.
وفيه : الأولان من الرواة كوفيان والثالث والرابع مدنيان. فإن قلت: طعن سعد بن إبراهيم في
روايته لهذا الحديث، ولهذا امتنع مالك عن الرواية عنه، والناس تركوا العمل به لا سيما أهل
المدينة. قلت: لم ينفرد سعد به مطلقاً، فقد أخرجه مسلم من طريق سعيد بن جبير عن ابن
عباس مثله، وكذا ابن ماجه من حديث سعد بن أبي وقاص: ((كان رسول الله عَ ◌ّةٍ يقرأ في
صلاة الفجر يوم الجمعة الم تنزيل، وهل أتى)). وعن علي، رضي الله تعالى عنه، مرفوعاً مثله،
رواه الطبراني، وعن ابن مسعود مثله أخرجه ابن ماجه والطبراني. وامتناع مالك من الرواية عنه
ليس لأجل هذا الحديث، بل لكونه طعن في نسب مالك، وقولهم: إن الناس تركوا العمل به،
غير صحيح، لأن ابن المنذر قال: أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين قالوا به.
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في الصلاة عن زهير بن حرب عن وكيع عن
سفيان به وعن أبي الطاهر ابن السرح عن ابن وهب عن إبراهيم بن سعد عن أبيه به. وأخرجه
النسائي فيه عن محمد بن بشار عن يحيى عن إبراهيم وعن عمرو بن علي عن ابن مهدي،

٢٦٧
١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (١٠)
كلاهما عن سفيان به، وأخرجه ابن ماجه فيه عن حرملة بن يحيى عن ابن وهب به.
ذكر معناه: قوله: ((كان النبي عَّلَّه))، قال الكرماني: قالوا مثل هذا التركيب يفيد
الاستمرار. انتهى. قلت: أكثر العلماء على أن: كان، لا يقتضي المداومة، والدليل على ذلك
ما رواه مسلم من حديث النعمان بن بشير، قال: ((كان رسول الله عَّلم يقرأ في العيدين وفي
الجمعة: بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ [الأعلى: ١]. و﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ [الغاشية:
١]. الحديث، وروى أيضاً من حديث الضحاك بن قيس أنه سأل عن النعمان بن بشير: ((ما
كان النبي عَّلِ يقرأ به يوم الجمعة؟. قال: سورة الجمعة، و﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾
[الغاشية: ١]. وروى الطحاوي من حديث أبي هريرة عن النبي عَّل أنه: ((كان يقرأ في
الجمعة بسورة الجمعة و ﴿إِذا جاءك المنافقون﴾ [المنافقون: ١] فهذه الأحاديث فيها لفظة:
كان، ولم تدل على المداومة، بل كان عَِّ قرأ بهذا مرة وبهذا مرة، فحكى عنه كل فريق ما
حضره، ففيه دليل على أن لا توقيت للقراءة في ذلك، وأن للإمام أن يقرأ في ذلك مع فاتحة
الكتاب أي القرآن شاء. قوله: ((في الفجر يوم الجمعة))، وفي رواية كريمة والأصيلي: ((في
الجمعة في صلاة الفجر)). قوله: (((آلم تنزيل الكتاب)))، بضم الَّلام على الحكاية، وفي
رواية كريمة: السجدة، وهو بالنصب على أنه عطف بيان. قوله: ﴿وهل أتى على
الإنسان﴾، وفي رواية الأصيلي زيادة: ((﴿حين من الدهر)))، ومعناه: يقرأ في الركعة الأولى:
﴿الم تنزيل﴾، وفي الثانية: ﴿هل أتى على الإنسان﴾ [الإنسان: ١] وأوضح ذلك في رواية
مسلم من طريق إبراهيم بن سعد بن إبراهيم عن أبيه بلفظ: ((الم تنزيل في الركعة الأولى،
وفي الثانية ﴿هل أتى على الإنسان﴾.
ذكر ما يستفاد منه: قال ابن بطال: ذهب أكثر العلماء إلى القول بهذا الحديث، روي
ذلك عن علي وابن عباس، واستحبه النخعي وابن سيرين، وهو قول الكوفيين والشافعي
وأحمد وإسحاق. وقالوا: هو سنة، واختلف قول مالك في ذلك، فروى ابن وهب عنه أنه لا
بأس أن يقرأ الإمام بالسجدة في الفريضة، وروى عنه أشهب: أنه كره للإمام إلاّ أن يكون من
خلفه قليل لا يخاف أن يخلط عليهم. قلت: الكوفيون مذهبهم كراهة قراءة شيء من القرآن
مؤقتة لشيء من الصلوات أن يقرأ سورة ﴿السجدة﴾ و﴿هل أتى﴾ في الفجر كل جمعة.
وقال الطحاوي، رحمه الله تعالى: معناه إذ رآه حتماً واجباً لا يجزىء غيره، أو رأى القراءة
بغيرها مكروهة، أما لو قرأها في تلك الصلاة تبركاً أو تأسياً بالنبي، عَ لَه، أو لأجل التيسير فلا
كراهة. وفي (المحيط): بشرط إن يقرأ غير ذلك أحياناً لئلا يظن الجاهل أنه لا يجوز غيره.
وقال المهلب: القراءة في الصلاة محمولة على قوله تعالى: ﴿فاقرؤوا ما تيسر منه﴾ [المزمل:
٢٠]. وقال أبو عمر في (التمهيد): قال مالك: يقرأ في صلاة العيدين بـ (سبح اسم ربك
الأعلى﴾ [الأعلى: ١] و﴿الشمس وضحاها﴾ [الشمس: ١] ونحوهما، وفي (المغني) لابن
قدامة: ويستحب أن يقرأ في الأولى من العيد ﴿بسبح﴾ وفي الثانية ﴿بالغاشية﴾ نص عليه
أحمد. وقال الشافعي: فقرأ بقاف، واقتربت، لحديث أبي واقد الليثي، قال: ((سألني عمر،

٢٦٨
١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (١١)
رضي الله تعالى عنه، بما قرأ رسول الله عٍَّ في العيدين؟ قلت: قاف، و﴿اقتربت الساعة،
وانشق القمر﴾ [القمر: ١]. رواه الطحاوي ومسلم، وأخرجه الأربعة مرسلاً، واسم أبي واقد:
الحارث بن مالك، وقيل: الحارث بن عوف، وقيل: عوف بن الحارث، وقال ابن حزم في
(المحلى): واختيارنا هو اختيار الشافعي وأبي سليمان، وأما صلاة الجمعة فقد قال أبو عمر:
اختلف الفقهاء فيما يقرأ به في صلاة الجمعة، فقال مالك: أحب إلي أن يقرأ الإمام في
الجمعة ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ [الغاشية: ١] مع سورة الجمعة. وقال مرة أخرى: أما
الذي جاء به الحديث ﴿فهل أتاك حديث الغاشية﴾ مع سورة الجمعة، والذي أدركت عليه
الناس ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ [الأعلى: ١]. قال أبو عمر: محصل مذهب مالك أن كلتي
السورتين قراءتهما مستحبة مع سورة الجمعة، فإن فعل وقرأ بغيرهما فقد أساء، وبئس ما صنع،
ولا تفسد عليه بذلك صلاته، وقال الشافعي، وأبو ثور: يقرأ في الركعة الأولى بسورة الجمعة،
وفي الثانية ﴿إذا جاءك المنافقون﴾ [المنافقون: ١] واستحب مالك والشافعي وأبو ثور وداود
ابن علي أن لا يترك سورة الجمعة على كل حال. فإن قلت: قد ثبتت قراءة النبي عَّه في
صلاة الفجر يوم الجمعة بسورة السجدة، فهل ورد أنه سجد فيها أم لا؟ قلت: ذكر ابن أبي
داود في (كتاب الشريعة) من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس، غدوت على النبي عَ لَه
يوم الجمعة في صلاة الفجر فقرأ سورة فيها سجدة فسجد. وروى الطبراني في (الصغير) من
حديث علي أن النبي عَّه سجد في صلاة الصبح في ﴿تنزيل﴾ السجدة، والله أعلم. وفي
إسناد الأول أبان، ولا يدرى من هو. والثاني ضعيف. فإن قلت: ما الحكمة في اختصاص يوم
الجمعة بقراءة هذه السورة بعينها حتى إذا لم يقرأها يستحب أن يقرأ سورة فيها سجدة، وفي
إضافة ﴿هل أتى﴾ [الإنسان: ١] إليها؟ قلت: الحكمة في ذلك الإشارة إلى ما في هاتين
السورتين من ذكر خلق آدم وأحوال يوم القيامة، وأنها تقع يوم الجمعة.
١١ - بابُ الجُمُعَةِ فِي القُرَى وَالمُدْنِ
أي: هذا باب في بيان حكم صلاة الجمعة في القرى والمدن، والقرى جمع قرية على
غير قياس، قال الجوهري: لأن ما كان على فعلة، بفتح الفاء من المعتل، فجمعه ممدود
مثل: ركوة وركاء، وظبية وظباء، فجاء القرى مخالفاً لبابه لا يقاس عليه. ويقال القرية لغة
يمانية، ولعلها جمعت على ذلك مثل لحية ولحى، والنسبة إليها: قروي. وقال ابن الأثير:
القرية من المساكن والأبنية والضياع، وقد تطلق على المدن. وقال صاحب (المطالع): القرية
المدينة وكل مدينة قرية لاجتماع الناس فيها، من: قريت الماء في الحوض أي: جمعته،
والمدن، بضم الميم وسكون الدال: جمع مدينة، وتجمع أيضاً على مدائن بالهمزة، وقد تضم
الدال. واشتقاقها من: مدن بالمكان إذا أقام به، ويقال: وزنها فعيلة إذا كانت من مدن إذا
أقام، ومفعلة إذا كانت من: دنت، أي: ملكت، وفلان مدَّن المدائن كما يقال مصَّر الأمصار.
وسئل أبو علي الفسوي عن همز مدائن، فقال: إن كانت من: مدن، تهمز، وإن كانت من:
دين، أي: ملك، لا تهمز، وإذا نسبت إلى مدينة الرسول قلت: مدني، والي مدينة منصور:

٢٦٩
١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (١١)
مديني، وإلى مدائن كسرى، قلت: مدائنى، للفرق بين النسب لئلا يختلط.
٨٩٢/١٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قالَ حدَّثَنَا أَبُو عَامرِ العَقَدِيُّ قالَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ
طَهْمَانَ عنْ أَبِي جَمْرَةَ الضُّبَعِي عنِ ابنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ إِنَّ أوَّلَ جُمُعَةٍ مُجُمِّعَتْ بَعْدَ جُمُعَةٍ فِي
مَسْجِدٍ رسولِ اللهِ عَّ ◌َّه فِي مَسْجِدٍ عَبْدِ القَيْسِ بِجُوَاثَى مِنَ الْبَحْرَيْنِ. [الحديث ٨٩٢ - طرفه
في: ٤٣٧١].
مطابقته للجزء الأول من الترجمة إنما تتجه إذا كان المراد من: جواثى، أنها تكون قرية
من قرى البحرين، وأما إذا كان: جواثى، اسم مدينة فالتطابق يكون للجزء الثاني من الترجمة،
وسنحقق الكلام فيما يتعلق بجواثى.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: محمد بن المثنى، بلفظ المفعول من التثنية بالثاء
المثلثة، وقد مر في: باب حلاوة الإيمان. الثاني: أبو عامر العقدي واسمه: عبد الملك بن
عمرو، والعقدي، بفتح العين المهملة وفتح القاف: نسبة إلى العقد، قوم من قيس وهم صنف
من الأزد، مر في: باب أمور الإيمان. الثالث: إبراهيم بن طهمان، بفتح الطاء المهملة، مر في:
باب القسمة وتعليق القنو في المسجد. الرابع: أبو جمرة، بفتح الجيم، واسمه: نصر بن
عمران، والضبعي، بضم الضاد المعجمة وفتح الباء الموحدة وبالعين المهملة: نسبة إلى
ضبيعة، أبو حي من بكر بن وائل. الخامس: عبد الله بن عباس.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه : العنعنة
في موضعين. وفيه : القول في ثلاثة مواضع. وفيه : أن الأولين من الرواة بصريان والثالث
هروي والرابع بصري. وفيه : عن ابن عباس، هكذا رواه الحفاظ من أصحاب إبراهيم بن
طهمان عنه، وخالفهم المعافي بن عمران فقال: عن ابن طهمان عن محمد بن زياد عن أبي
هريرة، أخرجه النسائي: قالوا: إنه خطأ من المعافي، على أنه يحتمل أن يكون لإبراهيم فيه
إسنادان.
والحديث من أفراد البخاري، وأخرج أبو داود، وقال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة
ومحمد بن عبد الله المخرمي لفظه، قالا: حدثنا وكيع عن إبراهيم بن طهمان عن أبي جمرة
((عن ابن عباس قال: إن أول جمعة جمعت في الإسلام بعد جمعة جمعت في مسجد رسول
الله عَ لٍ بالمدينة لجمعة جمعت بجواثى))، قرية من قرى البحرين. قال عثمان: قرية من قرى
عبد القيس.
ذكر معناه: قوله: ((جمعت))، بضم الجيم وتشديد الميم، ويقال: جمع القوم تجميعاً
أي: شهدوا الجمعة وقضوا الصلاة فيها. وفي رواية أبي داود: ((جمعت في الإسلام))، كما
ذكرنا الآن. قوله: ((بعد جمعة)) رفي رواية للبخاري في أواخر المغازي: ((بعد جمعة جمعت)).
قوله: ((في مسجد رسول الله عَّهِ))، وفي رواية وكيع: بالمدينة، ووقع في رواية المعافي:
بمكة، وهو خطأ بلا نزاع. قوله: ((في مسجد عبد القيس))، هو علم لقبيلة كانوا ينزلون

٢٧٠
١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (١١)
بالبحرين، وهو موضع قريب من بحر عمان بقرب القطيف والأحساء. قوله: ((بجواثى))، بضم
الجيم وتخفيف الواو وبالثاء المثلثة وبالقصر، ومنهم من يهمزها، وهي قرية من قرى البحرين،
وهكذا وقع في رواية وكيع كما ذكرناه عن أبي داود، وفي رواية عثمان شيخ أبي داود: قرية
من قرى عبد القيس، وكذا وقع في رواية الإسماعيلي من رواية محمد بن أبي حفصة عن
ابن طهمان، وحكى ابن التين عن الشيخ أبي الحسن: أنها مدينة. وفي (الصحاح) للجوهري
و(البلدان) للزمخشري: جواثى: حصن بالبحرين. وقال أبو عبيد البكري: وهي مدينة بالبحرين
لعبد القيس، قال امرؤ القيس:
نعالى النعاج بين عدل ومحقب
ورحنا كأنا من جواثى عشية
يريد كأنا من تجار جواثى، لكثرة ما معهم من الصيد، وأراد كثرة أمتعة تجار جواثى.
قلت: كثرة الأمتعة تدل غالباً على كثرة التجار، وكثرة التجار تدل على أن جواثى مدينة
قطعاً، لأن القرية لا يكون فيها تجار كثيرون غالباً عادة. فإن قلت: قد يطلق على المدينة
اسم قرية، كما في قوله تعالى. ﴿لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم﴾
[الزخرف: ٣١]. يعني: مكة والطائف، قلت: إطلاق لفظ: القرية، على المدينة باعتبار
المعنى اللغوي، ولا يخرج ذلك عن كونه مدينة فلا يتم استدلال من يجيز الجمعة في القرى
بهذا الوجه، كما سنذكره مستوفى عن قريب إن شاء الله تعالى.
ذكر ما يستفاد منه: استدلت الشافعية بهذا الحديث على أن الجمعة تقام في القرية
إذا كان فيها أربعون رجلاً أحراراً مقيمين، حتى قال البيهقي: باب العدد الذين إذا حضروا في
قرية وجبت عليهم، ثم ذكر فيه إقامة الجمعة بجواثى. قلنا: لا نسلم أنها قرية، بل هي مدينة
كما حكينا عن البكري وغيره، حتى قيل: كان يسكن فيها فوق أربعة آلاف نفس، والقرية لا
تكون كذلك، وإطلاق القرية عليها من الوجه الذي ذكرناه. ولئن سلمنا أنها قرية فليس في
الحديث أنه عَّلَّهِ اطلع على ذلك وأقرهم عليه، واختلف العلماء في الموضع الذي تقام فيه
الجمعة، فقال مالك: كل قرية فيها مسجد أو سوق فالجمعة واجبة على أهلها، ولا يجب
على أهل العمود وإن كثروا لأنهم في حكم المسافرين. وقال الشافعي وأحمد: كل قرية فيها
أربعون رجلاً أحراراً بالغين عقلاء مقيمين بها لا يظعنون عنها صيفاً ولا شتاءً إلاّ ظعن حاجة،
فالجمعة واجبة عليهم، وسواء كان البناء من حجر أو خشب أو طين أو قصب أو غيرها،
بشرط أن تكون الأبنية مجتمعة، فإن كانت متفرقة لم تصح، وأما أهل الخيام فإن كانوا
ينتقلون من موضعهم شتاءً أو صيفاً لم تصح الجمعة بلا خلاف، وإن كانوا دائمين فيها شتاءً
وصيفاً وهي مجتمعة بعضها إلى بعض ففيه قولان:
أصحهما: لا تجب عليهم الجمعة ولا تصح منهم، وبه قال مالك.
والثاني: تجب عليهم وتصح منهم، وبه قال أحمد وداود: ومذهب أبي حنيفة، رضي
الله تعالى عنه: لا تصح الجمعة إلّ في مصر جامع أو في مصلى المصر، ولا تجوز في

٢٧١
١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (١١)
القرى، وتجوز في منى إذا كان الأمير أمير الحاج، أو كان الخليفة مسافراً. وقال محمد: لا
جمعة بمنى ولا تصح بعرفات في قولهم جميعاً. وقال أبو بكر الرازي في كتابه (الأحكام):
اتفق فقهاء الأمصار على أن الجمعة مخصوصة بموضع لا يجوز فعلها في غيره لأنهم
مجتمعون على أنها لا تجوز في البوادي، ومناهل الأعراب، وذكر ابن المنذر عن ابن عمر أنه
كان يرى على أهل المناهل والمياه أنهم يجمعون.
ثم اختلف أصحابنا في المصر الذي تجوز فيه الجمعة، فعن أبي يوسف: هو كل
موضع يكون فيه كل محترف، ويوجد فيه جميع ما يحتاج إليه الناس من معايشهم عادة، وبه
قاض يقيم الحدود. وقيل: إذا بلغ سكانه عشرة آلاف، وقيل: عشرة آلاف مقاتل، وقيل:
بحيث أن لو قصدهم عدو لأمكنهم دفعه، وقيل: كل موضع فيه أمير وقاض يقيم الحدود،
وقيل: أن لو اجتمعوا إلى أكبر مساجدهم لم يسعهم، وقيل: أن يكون بحال يعيش كل
محترف بحرفته من سنة إلى سنة من غير أن يشتغل بحرفة أخرى، وعن محمد: موضع مصرة
الإمام فهو مصر حتى إنه لو بعث إلى قرية نائباً لإقامة الحدود والقصاص تصير مصراً، فإذا
عزله ودعاه يلحق بالقرى، ثم استدل أبو حنيفة على أنها لا تجوز في القرى بما رواه عبد
الرزاق في (مصنفه)؛ أخبرنا معمر عن أبي إسحاق عن الحارث ((عن علي، رضي الله تعالى
عنه، قال: لا جمعة ولا تشريق إلاّ في مصر جامع))، ورواه ابن أبي شيبة في (مصنفه): حدثنا
عباد ابن العوام عن حجاج عن أبي إسحاق عن الحارث، ((عن علي، رضي الله تعالى عنه،
قال: لا جمعة ولا تشريق ولا صلاة فطر ولا أضحى إلاّ في مصر جامع أو مدينة عظيمة»،
وروى أيضاً بسند صحيح: حدثنا جرير عن منصور عن طلحة عن سعد بن عبيدة عن أبي
عبد الرحمن أنه قال: قال علي، رضي الله تعالى عنه: ((لا جمعة ولا تشريق إلّ في مصر
جامع)). فإن قلت: قال النووي: حديث علي ضعيف متفق على ضعفه، وهو موقوف عليه
بسند ضعيف منقطع؟ قلت: كأنه لم يطلع إلّ على الأثر الذي فيه الحجاج بن أرطاة، ولم
يطلع على طريق جرير عن منصور، فإنه سند صحيح، ولو اطلع لم يقل بما قاله، وأما قوله:
متفق على ضعفه، فزيادة من عنده، ولا يدري من سلفه في ذلك، على أن أبا زيد زعم في
(الأسرار): أن محمد بن الحسن قال: رواه مرفوعاً معاذ وسراقة بن مالك، رضي الله تعالى
عنهما.
فإن قلت: في (سنن سعيد بن منصور): عن أبي هريرة أنهم كتبوا إلى عمر بن
الخطاب، رضي الله تبارك وتعالى عنه، من البحرين يسألونه عن الجمعة، فكتب إليهم:
إجمعوا حيث ما كنتم. وذكره ابن أبي شيبة بسند صحيح بلفظ: جمعوا، وفي (المعرفة) أن
أبا هريرة هو السائل، وحسن سنده، وروى الدارقطني عن الزهري، عن أم عبد الله الدوسية،
قالت: قال رسول الله عَّالله: ((الجمعة واجبة على أهل كل قرية فيها إمام وإن لم يكونوا
إلا أربعة)). وزاد أبو أحمد الجرجاني: حتى ذكر النبي عَّهِ ثلاثة، وفي (المصنف): ((عن
مالك: كان أصحاب النبي، عَِّ، في هذه المياه بين مكة والمدينة يجمعون)). وروى أبو

٢٧٢
١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (١١)
داود: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ابن إدريس عن محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي أمامة
ابن سهل عن أبيه عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، وكان قائد أبيه بعدما ذهب بصره،
عن أبيه عن كعب بن مالك أنه: كان إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحم لأُسعد بن زرارة،
فقلت له: إذا سمعت النداء ترحمت لأسعد بن زرارة؟ قال: لأن أول من جمع بنا في هزم
النبيت من حرة بني بياضة في نقيع يقال له: نقيع الخضمات، قلت: كم أنتم يومئذ؟ قال:
أربعون)). وأخرجه أيضاً ابن ماجه وابن خزيمة والبيهقي، وزاد: قبل مقدم النبي عَ ◌ّه. وفي
(المعرفة): قال الزهري: لما بعث النبي عَّه مصعب بن عمير إلى المدينة ليقرئهم القرآن
جمع بهم وهم اثنا عشر رجلاً، فكان مصعب أول من جمع الجمعة بالمدينة بالمسلمين قبل
أن يقدمها رسول الله عَّهِ. قال البيهقي: يريد الاثنا عشر النقباء الذين خرجوا به إلى المدينة
وكانوا له ظهيراً. وفي حديث كعب: جمع بهم أسعد وهم أربعون، وهو يريد جميع من صلى
معه ممن أسلم من أهل المدينة مع النقباء، وعن جعفر بن برقان، قال: كتب عمر بن عبد
العزيز، رضي الله تعالى عنه، إلى عدي بن عدي. وأما أهل قرية ليسوا بأهل عمود فأمّر عليهم
أميراً يجمع بهم. رواه البيهقي.
قلت: الجواب عن الأول معناه: اجمعوا حيث ما كنتم من الأمصار، ألا ترى أنها لا
تجوز في البراري؟ وعن الثاني: أن رواته كلهم عن الزهري متروكون، ولا يصح سماع
الزهري من الدوسية. وعن الثالث: أنه ليس فيه دليل على وجوب الجمعة على أهل القرى.
وعن الرابع: أن فيه محمد بن إسحاق، فقال البيهقي: الحفاظ يتوقون ما ينفرد به ابن
إسحاق، وهنا قد تفرد به، والعجب منه تصحيحه هذا الحديث، والحال أنه كان يتكلم في
ابن إسحاق بأنواع الكلام. فإن قلت: قال الحاكم: إنه على شرط مسلم. قلت: ليس كما
قال، لأن مداره على ابن إسحاق، ولم يخرج له مسلم إلّ متابعة. وعن الخامس: أن النبي
عَّلِ لم يأمرهم بذلك ولا أقرهم عليه. وعن السادس: أنه: رأى عمر بن عبد العزيز ليس
بحجة، ولئن سلمنا فليس فيه ذكر عدد، وقال عبد الحق في أحكامه: لا يصح في عدد
الجمعة شيء. فإن قلت: قال ابن حزم، في معرض الاستدلال لمذهبه: ومن أعظم البرهان أن
النبي عَّ أتى المدينة، وإنما هي قرى صغار متفرقة، فبنى مسجده في بني مالك بن النجار
وجمع فيه في قرية ليست بالكبيرة ولا مصر هناك. قلت: هذا ليس بشيء من وجوه:
الأول: قد صحح قول علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه الذي هو أعلم الناس بأمر
المدينة: لا جمعة ولا تشريق إلاّ في مصر جامع. الثاني: أن الإمام أي موضع حل جمع.
الثالث: التمصير للإمام، فأي موضع مصَّر مُصِّر.
وأما معنى حديث أبي داود فقوله: ((في هزم النبيت))، بفتح الهاء وسكون الزاي بعدها
ميم: موضع بالمدية، و: النبيت، بفتح النون وكسر الباء الموحدة بعدها ياء آخر الحروف
وفي آخره تاء مثناة من فوق: وهي حي من اليمن. قوله: ((من حرة بني بياضة))، الحرة،
بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء قرية على ميل من المدينة، وبنو بياضة بطن من الأنصار،

٢٧٣
١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (١١)
منهم: سلمة بن صخر البياضي له صحبة، قوله: ((في نقيع))، بفتح النون وكسر القاف
وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره عين مهملة: بطن من الأرض يستنقع فيه الماء مدة،
فإذا نضب الماء أنبت الكلأ، ومنه حديث عمر، رضي الله تعالى عنه: أنه حمى النقيع لخيل
المسلمين، وقد يصحفه بعض الناس فيرويه بالباء الموحدة، و: البقيع، بالباء: موضع القبور،
وهو بقيع الغرقد، قوله: ((يقال له: نقيع الخضمات)) بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين، قال
ابن الأثير: نقيع الخضمات موضع بنواحي المدينة.
٨٩٣/١٨ - حدّثنا بِشْرُ بنُ مُحَمَّدِ المَرُوزِيُّ قال أخبرنا عَبْدُ الله قال أخبرنا يُونُسُ عنِ
الزُّهْرِيِّ قال أخبرنا سالِمُ بنُ عَبْدِ اللهِ عنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما قال سمِعتُ رسولَ
الله عَلِ يَقُولُ كُلُّكُمْ رَاعٍ. وزَادَ اللَّيْثُ قال يُونُسُ كَتَبَ رُزَيْقُ بنُ محُكَيْمِ إلى ابنِ شِهَابٍ وَأَنَا
مَعَهُ يَوْمَئِذٍ بِوَادِي القُرَي هَلْ تَرَى أنْ أُجَمِّعَ وَرُزَيْقُ عامِلٌ علَى أَرْضِ يَعْمَلُهَا وفِيهَا جَمَاعَةٌ مِنَ
السُودَانِ وغَيْرِهِمْ ورُزَيْقٌ يَوْمَئِذٍ عَلَى أَيْلَةَ فَكَتَبَ ابْنُ شِهَابٍ وَأَنَا أَسْمَعُ يَأْمُرُهُ أنْ يُجَمِّعَ يُخْبِرُهُ
أنَّ سالِماً حَدَّثَهُ أنَّ عَبْدَ اللهِ بنَ عُمَرَ يَقُولُ سَمِعْتُ رسولَ اللهِ عَ لَّهِ يَقُولُ وكُلُّكُمْ رَاعٍ وكُلُّكُمْ
مَسْؤُولٌ عِنْ رَعِيَّتِهِ الإِمَامُ رَاعٍ ومَسؤولٌ عنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهْوَ مَشْؤُولٌ عَنْ
رَعِيَّتِهِ وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤولَةٌ عِنْ رَعِيَّتِهَا وَالخَادِمُ راعٍ في مالِ سيِّدِهِ
وَمسِؤُولٌ عِنْ رَعِيَّتِهِ قالَ وَحَسِبْتُ أَنْ قالَ والرَّجُلُ رَاعٍ فِي مالٍ أَبِيهِ وَمَسْؤُولَ عنْ رَعِيَّتِهِ
وكُلُّكُمْ رَاعِ وَمَسؤُلٌ عنْ رَعِيَّتِهِ. [الحديث ٨٩٣ - أطرافه في: ٢٤٠٩، ٢٥٥٤، ٢٥٥٨،
٢٧٥١، ٥١٨٨، ٥٢٠٠، ٧١٣٨].
مطابقته للترجمة من حيث إن رزيق بن حكيم، لما كان عاملاً على طائفة، كان عليه
أن يراعي حقوقهم ومن جملتها إقامة الجمعة، فيجب عليه إقامتها وإن كانت في قرية، هكذا
قرره الكرماني قلت: إنما تتجه المطابقة للجزء الثاني للترجمة، لأن القرية إذا كان فيها نائب
من جهة الإمام يقيم الحدود يكون حكمها حكم الأمصار والمدن، كما ذكرناه عن قريب،
عن محمد بن الحسن. وإن كان مراد الكرماني: أن هذا الحديث يدل على جواز إقامة
الجمعة في القرى فلا يتم به استدلاله، والظاهر أن مراد البخاري هذا وليس كذلك، لأنه ليس
في هذا الحديث ولا في الحديث الذي قبله مطابقة إلاّ للجزء الثاني من الترجمة على الوجه
الذي قررناه، وإنما مطابقتها للجزء الأول وليس فيه خلاف، وكان مقصود البخاري أن يشير
إلى الخلاف فلم يتم. فافهم.
ذكر رجاله: وهم سبعة: الأول: بشر، بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة:
ابن محمد أبو محمد السجستاني المروزي، مات سنة أربع وعشرين ومائتين. الثاني: عبد
الله بن المبارك. الثالث: ابن يونس بن يزيد الأيلي. الرابع: محمد بن مسلم بن شهاب
الزهري. الخامس: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب. السادس: أبوه عبد الله بن عمر.
السابع: رزيق، بضم الراء وفتح الزاي: ابن حكيم، بضم الحاء وفتح الكاف: الفزاري مولى
بني فزارة الأيلي: والي أيلة لعمر بن عبد العزيز، وقيل: زريق بتقديم الزاي على الراء،
عمدة القاري / ج٦ / ١٨٢

٢٧٤
١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (١١)
والمشهور الأول. وقال ابن الحذاء: وكان حاكماً بالمدينة. وقال ابن ماكولا: كان عبداً
صالحاً. وقال النسائي: ثقة، وقال علي بن المديني: حدثنا سفيان مرة: رزيق بن حكيم أو
حكيم، وكثيراً ما كان يقول: ابن حكيم بالفتح، والصواب الضم.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد. وفيه : الإخبار
كذلك في موضعين وبصيغة الإفراد في موضع. وفيه : العنعنة في موضعين. وفيه : القول في
خمسة مواضع. وفيه : السماع. وفيه : الكتابة. وفيه : أن شيخ البخاري من أفراده. وفيه : أن
الاثنين الأولين من الرواة مروزيان والثالث أيلي، وكان مرجئاً، وكذا السابع، والرابع والخامس
مدنيان. وفيه : قوله: وزاد الليث، إشارة إلى أن رواية الليث متفقة مع ابن المبارك، إلاّ في
القصة، فإنها مختصة برواية الليث، ورواية الليث معلقة، وقد وصلها الذهلي عن أبي صالح
کاتب الليث عنه.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الوصايا عن بشر بن
محمد أيضاً. وأخرجه مسلم في المغازي عن حرملة عن ابن وهب، وأخرج مسلم والترمذي
أيضاً حديث: ((كلكم راع)) بغير هذه القصة عن نافع عن ابن عمر. ورواه البخاري أيضاً في
النكاح، وقد رواه عن ابن عمر غير نافع أيضاً، ورواه أيضاً شعبة عن الزهري.
ذكر معناه: قوله: ((كلكم راع)) أصل: راع راعي فأُعل، إعلال قاضٍ، من رعى رعاية،
وهو حفظ الشيء وحسن التعهد له، والراعي: هو الحافظ المؤتمن الملتزم صلاح ما قام عليه
وما هو تحت نظره، فكل من كان تحت نظره شيء فهو مطلوب بالعدل فيه والقيام بمصالحه
في دينه ودنياه ومتعلقاته، فإن وفى ما عليه من الرعاية حصل له الحظ الأوفر والجزاء الأكبر،
وإن كان غير ذلك طالبه كل أحد من رعيته بحقه. قوله: ((وزاد الليث)) إلى قوله: ((يخبره))،
تعليق أي: زاد الليث بن سعد في روايته على رواية عبد الله بن المبارك، وقد وصله الذهلي
كما ذكرنا. قوله: ((وأنا معه)) جملة إسمية وقعت حالاً. قوله: ((بوادي القرى))، هو من أعمال
المدينة. وقال ابن السمعاني: وادي القرى مدينة بالحجاز مما يلي الشام، وفتحها النبي عَّ.
في جمادي الآخرة سنة سبع من الهجرة لما انصرف من خيبر، بعد أن امتنع أهلها وقاتلوا
وذكر بعضهم أنه عَّ له قاتل فيها، ولما فتحها عنوة قسم أموالها وترك الأرض والنخل في
أيدي اليهود، وعاملهم على نحو ما عامل عليه أهل خيبر، وأقام عليها أربع ليالي. قوله: ((أن
أجمع)) أي: أصلي بمن معي الجمعة. قوله: ((على أرض يعملها))، أي: يزرع فيها. قوله؛ (من
السودان)).
قوله: ((على أيلة))، بفتح الهمزة وسكون الياء آخر الحروف وفتح اللام، قال أبو عبيد:
هي مدينة على شاطىء البحر في منتصف ما بين مصر ومكة وتبوك، ورد صاحب أيلة على
رسول الله عَ ليه وأعطاه الجزية. وقال البكري: سميت بأيلة بنت مدين بن إبراهيم، عليه
الصلاة والسلام، وقد روي أن أيلة هي القرية التي كانت حاضرة البحر. وقال اليعقوبي: أيلة
مدينة جليلة على ساحل البحر الملح، وبها يجتمع حاج الشام ومصر والمغرب، وبها التجارة

٢٧٥
١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (١١)
الكثيرة، ومن القلزم إلى أيلة ست مراحل في برية صحراء يتزود الناس من القلزم إلى أيلة لهذه
المراحل. قلت: هي الآن خراب ينزل بها الحاج المصري والمغربي والغزي، وبعض آثار
المدينة ظاهر. قوله: ((فكتب ابن شهاب وأنا أسمع قول يونس المذكور فيه)) أي: كتب
محمد بن مسلم بن الشهاب الزهري، والحال أنا أسمع، والمكتوب هو الحديث، والمسموع
المأمور به، قاله الكرماني، والظاهر أن الذي كتب هو ابن شهاب، لأن الأصل في الإسناد
الحقيقة، ويجوز أن يكون كاتبه كتبه بإملائه عليه فسموه يونس منه، ففي الوجه الأول فيه
تقدير، وهو: كتب ابن شهاب وقرأه وأنا أسمعه. قوله: ((يأمره)) جملة حالية أي: يأمر ابن
شهاب رزيق بن حكيم في كتابه إليه أن يجمع، أي: بأن يجمع أي: بأن يصلي بالناس
الجمعة، ثم استدل ابن شهاب على أمره إياه بالتجميع بحديث سالم عن أبيه عن النبي،
عَّ له، أنه قال: ((كلكم راع ... )) إلى آخره. وجه الاستدلال به أن رزيقاً كان أميراً على الطائفة
المذكورة، فكل من كان أميراً كان عليه أن يراعي حقوق رعيته، ومن جملة حقوقهم إقامة
الجمعة. قوله: ((يخبره)) أي: يخبر ابن شهاب رزيقاً في كتابه الذي كتب إليه أن سالماً
حدثه .. إلى آخره.
فإن قلت: ما محل: يخبره، من الإعراب؟ قلت: هي جملة وقعت حالاً من الضمير
المرفوع الذي في: يأمره، من الأحوال المتداخلة، كما أن قوله: ((اسمع)). وقوله: ((يأمره)) من
الأحوال المترادفة. قوله: ((يقول: سمعت) محل: يقول، من الإعراب الرفع لأنه خبر إن
ومحل: يقول، الثاني على الحال أي: سمعت رسول الله عَّلِ حال كونه يقول: ((كلكم
راع))، وهذه جملة إسمية، وإفراد الخبر بالنظر إلى لفظة: كل، وقد اشترك الإمام والرجل
والمرأة والخادم في هذه التسمية، ولكن المعاني مختلفة: فرعاية الإمام إقامة الحدود
والأحكام فيهم على سنن الشرع، ورعاية الرجل أهله سياسته لأمرهم وتوفية حقهم في النفقة
والكسوة والعشرة، ورعاية المرأة حسن التدبير في بيت زوجها والنصح له والأمانة في ماله
وفي نفسها، ورعاية الخادم لسيده حفظ ما في يده من ماله والقيام بما يستحق من خدمته،
والرجل ليس له بإمام ولا له أهل ولا خادم يراعي أصحابه وأصدقاءه بحسن المعاشرة على
منهج الصواب. فإن قيل: إذا كان كل من هؤلاء راعياًد فمن المرعي؟ أجيب : هو أعضاء
نفسه وجوارحه وقواه وحواسه، أو الراعي يكون مرعياً باعتبار أمر آخر، ككون الشخص مرعياً
للإمام راعياً لأهله، أو الخطاب خاص بأصحاب التصرفات ومن تحت نظره ما عليه إصلاح
حاله. قوله: ((قال: وحسبت)) فاعل قال يونس بن يزيد المذكور فيه، كذا قاله الكرماني جزماً،
والظاهر أن فاعله: سالم بن عبد الله الراوي، وكلمة: أن مخففة من المثقلة، والتقدير:
وحسبت أنه، أي: أن النبي، عَّلّه، قد قال: ((والرجل راع في مال أبيه .. )) إلى آخره، ثم في
هذا الموضع من النكتة أنه: عمم أولاً ثم خصص ثانياً، وقسم الخصوصية إلى أقسام من جهة
الرجل ومن جهة المرأة ومن جهة الخادم ومن جهة النسب، ثم عمم ثانياً وهو قوله: ((وكلكم
راع .. )) إلى آخره تأكيداً، ورداً للعجز إلى الصدر بياناً لعموم الحكم أولاً وآخراً.

٢٧٦
١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (١١)
ذكر ما يستفاد منه: وهو على وجوه: الأول: قال صاحب (التوضيح): إيراد البخاري
هذا الحديث لأجل أن أيلة إما مدينة أو قرية، وقد ترجم لهما. قلت: المشهور عند الجمهور
أنها مدينة كما ذكرناه، ولا وجه للتردد فيها، وقد ذكر البخاري الباب بترجمتين، بقوله: في
القرى والمدن، وذكر فيه حديثين: الأول: منهما مطابق للترجمة الأولى على زعمه، والثاني:
مطابق للترجمة الثانية، وكلام صاحب (التوضيح) لا طائل تحته.
الثاني: قال بعضهم: في هذه القصة - يعني القصة المذكورة في الحديث - إيماء إلى
أن الجمعة تنعقد بغير إذن من السلطان إذا كان في القوم من يقوم بمصالحهم. قلت: الذي
يقوم بمصالح القوم هو المولى عليهم من جهة السلطان، ومن كان مولى من جهة السلطان
كان مأذوناً بإقامة الجمعة لأنها من أكبر مصالحهم، والعجب من هذا القائل أنه يستدل على
عدم إذن السلطان لإقامة الجمعة بالإيماء، ويترك ما دل على ذلك حديث جابر أخرجه ابن
ماجه وفيه: ((من تركها في حياتي أو بعدي وله إمام عادل أو جائر استخفافاً بها وجحوداً لها
فلا جمع الله شمله، ولا بارك له في أمر، ألا ولا صلاة له ولا زكاة له ولا حج له ولا صوم له
ولا بر له)). الحديث، ورواه البزار أيضاً ورواه الطبراني في (الأوسط): عن ابن عمر مثله، فإن
قلت: في سند ابن ماجه: عبد الله بن محمد العدوي، وفي سند البزار: علي بن زيد بن
جدعان، وكلاهما متكلم فيه؟ قلت: إذا روي الحديث من طرق ووجوه مختلفة تحصل له
قوة، فلا يمنع من الاحتجاج به، ولا سيما اعتضد بحديث ابن عمر، والقائل المذكور أشار
بقوله إلى قول الشافعي، فإن عنده إذن السلطان ليس بشرط لصحة الجمعة، ولكن السنة أن
لا تقام إلا بإذن السلطان، وبه قال مالك وأحمد في رواية، وعن أحمد أنه شرط كمذهبنا،
واحتجوا بما روي أن عثمان، رضي الله تعالى عنه لما كان محصوراً بالمدينة صلى علي،
رضي الله تعالى عنه، الجمعة بالناس، ولم يرو أنه صلى بأمر عثمان، وكان الأمر بيده. قلنا
هذا الاحتجاج ساقط لأنه يحتمل أن علياً فعل ذلك بأمره، أو كان لم يتوصل إلى إذن
عثمان، ونحن أيضاً نقول: إذا لم يتوصل إلى إذن الإمام فللناس أن يجتمعوا ويقدموا من
يصلي بهم، فمن أين علم أن علياً فعل ذلك بلا إذن عثمان، وهو بحيث يتوصل إلى إذنه؟
وقال ابن المنذر: مضت السنة بأن الذي يقيم الجمعة السلطان أو من قام بها بأمره، فإذا لم
يكن ذلك صلوا الظهر. وقال الحسن البصري: أربع إلى السلطان، فذكر منها الجمعة. وقال
حبيب بن أبي ثابت: لا تكون الجمعة إلّ بأمير وخطبة، وهو قول الأوزاعي ومحمد بن
مسلمة ويحيى بن عمر المالكي(١) وعن مالك: إذا تقدم رجل بغير إذن الإمام لم يجزهم،
وذكر صاحب (البيان) قولاً قديماً للشافعي: أنها لا تصح إلاّ خلف السلطان أو من أذن له.
وعن أبي يوسف: إن لصاحب الشرطة أن يصلي بهم دون القاضي، وقيل: يصلي القاضي.
الثالث: قال بعضهم: فى الحديث إقامة الجمعة فى القرى خلافاً لمن شرط لها
المدن؟ قلت: لا دليل على ذلك أصلاً لأنه إن كان يدعى بذلك بنفس الحديث المتصل
فلا يقوم به حجة، ولا يتم. وإن كان يدعي بكتاب ابن شهاب يأمر فيه لرزيق بن حكيم بأن

٢٧٧
١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (١٢)
يجمع فلا تتم به حجته أيضاً، لأنه من أين علم أنه أمر بذلك؟ سواء كان في قرية أو مدينة؟
فإن قال: رزيق كان عاملاً على أرض يعملها، وكان فيها جماعة من السودان وغيرهم، وليس
هذا إلاّ قرية، فلا يتم به استدلاله أيضاً، لأن الموضع المذكور صار حكمه حكم المدينة
بوجود المتولي عليهم من جهة الإمام، وقد قلنا فيما مضى: إن الإمام إذا بعث إلى قرية نائباً
لإقامة الأحكام تصير مصراً، على أن إمامه لا يرى قول الصحابي حجة، فكيف بقول التابعي؟
الرابع: قال الخطابي: فيه دليل على أن الرجلين إذا حكما رجلاً بينهما نفذ حكمه إذا
أصاب.
الخامس: قال الحافظ المنذري عن بعضهم: إنه استدل به على سقوط القطع عن
المرأة إذا سرقت من مال زوجها، وعن العبد إذا سرق من مال سيده إلا فيما حجبهما عنه،
ولم يكن لهما فيه تصرف. والله أعلم.
١٢ - بابٌ هَلْ عَلَى مَنْ لَمْ يَشْهَدِ الجُمُعَةَ غُسْلٌ مِنَ النِّسَاءِ والصِّبْيَانِ وغَيْرِهِمْ
أي: هذا باب ترجمته: هل على من .. إلى آخره، وإنما اقتصر على الاستفهام ولم يجزم
بالحكم لوقوع الإطلاق والتقييد في أحاديث هذا الباب، منها : حديث أبي هريرة، رضي الله
تعالى عنه: ((حق على كل مسلم أن يغتسل))، فإنه مطلق يتناول الجميع. ومنها : حديث ابن
عمر، رضي الله تعالى عنهما: ((إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل))، فإنه مقيد بالمجيء،
ويخرج من ذلك من لم يجيء. ومنها : حديث أبي سعيد الخدري: ((غسل يوم الجمعة
واجب على كل محتلم)»، فإنه مقيد بالاحتلام، فيخرج الصبيان. ومنها : حديث النهي عن
منع النساء عن المساجد إلاّ بالليل، فإنه يخرج الجمعة، وقد مضى الكلام مستوفى، في هذه
الأحاديث.
قوله: ((وغيرهم))، أي: وغير النساء والصبيان، مثل المسافرين والعبيد وأهل السجن
والمرضى والعميان ومن بهم زمانه.
وقالَ ابنُ عُمَرَ إِنَّمَا الغُسْلُ عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الجُمُعَةُ
مطابقة هذا الأثر للترجمة من حيث إنه نبه به على أن الغسل يوم الجمعة لا يشرع إلاّ
على من تجب عليه الجمعة، وأن مراده بالاستفهام في الترجمة الحكم بعدم الوجوب على
من لم يشهد الجمعة، وهذا التعليق وصله البيهقي بإسناد صحيح عن ابن عمر.
٨٩٤/١٩ - حدّثنا أبو اليَمَانِ قالَ أخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال حدَّثني سالِمُ بنُ عَبْدِ
اللهِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بنَ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما يَقُولُ سَمِعْتُ رسولَ اللهِ عَ لَّهِ يَقُولُ مَنْ
جَاءَ مِنْكُمُ الجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ. [انظر الحديث ٨٧٧ وطرفه].
مطابقته للترجمة من حيث المفهوم، لأن منطوقه عدم وجوب الغسل على من لم
يجيء الجمعة، ومن لم يجىء لم يشهدها، ونبه به أيضاً على أن مراده بالاستفهام الحكم

٢٧٨
١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (١٢)
بعدم الوجوب على من لم يشهد، وقد أخرج البخاري هذا في: باب فضل الغسل يوم الجمعة
عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله عَ لَه قال: ((إذا
جاء أحدكم الجمعة فليغتسل))، وقد مر الكلام فيه مستوفىّ هناك، وأبو اليمان الحكم بن
نافع والزهري هو محمد بن مسلم بن شهاب.
٨٩٥/٢٠ - حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكِ عنْ صَفْوَانَ بنِ سُلَيْمٍ عَنْ عَطَاءِ بنِ
يَسَارٍ عنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله تعالى عنه أَنَّ رسولَ اللهِ عَهِ قَال غُسْلُ يَوْمٍ
الجُمُعَةِ واجِبٌ عَلَى كُلِّ مُخْتَلِمٍ. [انظر الحديث ٨٥٨ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث المفهوم، لأن مفهومه عدم وجوب الغسل على كل من لم
يحتلم، ومن لم يحتلم ممن لا يشهد الجمعة، والحديث أخرجه البخاري في: باب وضوء
الصبيان عن علي بن عبد الله عن سفيان عن صفوان عن عطاء عن أبي سعيد. وأخرجه أيضاً
في: باب فضل الغسل يوم الجمعة عن عبد الله بن يوسف عن مالك، وههنا عن عبد الله بن
مسلمة القعنبي عن مالك، وقد ذكرنا في: باب وضوء الصبيان جميع ما يتعلق به.
٨٩٦/٢١ - حدّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ قال حدَّثنا وُهَيْبٌ قال حدَّثنا ابنُ طاؤُسٍ عنْ أَبِيهِ عَنْ
أبي هُرَيْرَةً قال قال رسولُ الله عَ لِّ نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ
قبْلِنَا وَأَوْتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ فَهذَا الْيَوْمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فيهِ فَهَدَانَا اللَّه فَغَداً لِلْيَهُودِ وبَعْدَ غَدٍ
لِلنَّصَارَى فَسَكَتَ. [انظر الحديث ٢٣٨ وأطرافه].
٨٩٧/٢٢ - ثُمَّ قالَ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةٍ أَيَّامٍ يَوْماً يَغْسِلُ فِيهِ
رَأْسَهُ وجَسَدَهُ. [الحديث ٨٩٧ - طرفاه في: ٨٩٨، ٣٤٨٧].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((كل مسلم)»، لأن المراد من: كل مسلم، هو
المسلم المحتلم، لأن الأحاديث الواردة في هذا الباب يفسر بعضها بعضاً، وقد مر في
الحديث السابق: على كل محتلم وليس المراد من لفظ: محتلم، أي محتلم كان، بل
المراد: كل محتلم مسلم، وهذا معلوم بالضرورة، فإذا كان المراد المسلم المحتلم يخرج
عنه المسلم غير المحتلم، وهو يدخل في قوله: ((من لم يشهد الجمعة)) وأيضاً المراد من:
المسلم، هو المسلم الذي يجيء إلى الجمعة، يدل عليه حديث ابن عمر المذكور في أول
الباب، والمسلم الذي لا يجيء يخرج منه، وبهذا التقرير يخرج الجواب عما قاله الكرماني:
التحقيق أن الحديث الأول، أعني: حديث ابن عمر، دل على أن الغسل لمن جاء إلى
الجمعة خاصة، وهذا الحديث أعني: حديث أبي هريرة، عام للمجمع وغيره، فلا يحتاج إلى
الجواب بقوله: لا منافاة بين ذكر الخاص والعام، لأن المنافاة حاصلة بحسب الظاهر لاتحاد
المحل، والتحقيق ما ذكرناه.
ذكر رجاله: وهم خمسة: مسلم بن إبراهيم الأزدي القصاب البصري، ووهيب بن
خالد البصري صاحب الكرابيس، وابن طاوس عبد الله، وأبوه طاوس بن كيسان وأبو هريرة.

٢٧٩
١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (١٣)
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين وبصيغة الإفراد في
موضع. وفيه : العنعنة في موضعين. وفيه : القول في أربعة مواضع. وفيه : أن الاثنين الأولين
من الرواة بصريان والاثنين الآخرين يمانيان. وفيه : رواية الابن عن الأب.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في ذكر بني إسرائيل عن
موسى بن إسماعيل عن وهيب. وأخرجه مسلم في الجمعة عن ابن أبي عمر عن سفيان عن
ابن طاوس به دون ذكر الغسل، وعن محمد بن حاتم عن بهز بن أسد عن وهيب بذكر الغسل
فقط. وأخرجه النسائي فيه عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي عن سفيان مثل حديث ابن
أبي عمر، وأول الحديث وهو من قوله: ((نحن الآخرون السابقون بعد غد)) أخرجه البخاري
في: باب فرض الجمعة، عن أبي اليمان عن شعيب عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة،
وقد تكلمنا على جميع ما يتعلق به هناك.
قوله: ((فغداً لليهود))، ظرف متعلق إما بالخبر وإما بالمبتدأ. تقديره: الاجتماع لليهود
في غد، وللنصارى من بعد غد، ويروى: فغد، بالرفع على أنه مبتدأ في حكم المضاف، فلا
يضر كونه في الصورة نكرة تقديره: فغد الجمعة لليهود، وغد بعد غد للنصارى. قوله:
((فسكت))، أي: النبي عَّ له. قوله: ((فحق))، الفاء فيه يجوز أن تكون جواب شرط محذوف
تقديره: إذا كان الأمر كذلك فحق على كل مسلم أن يغتسل، وكلمة: أن، مصدرية. قوله:
((يوماً) مبهم هنا، وقد عينه جابر في حديث عند النسائي بلفظ: ((الغسل واجب على كل
مسلم في كل أسبوع يوماً وهو يوم الجمعة)). وصححه ابن خزيمة، وروى سعيد بن منصور
وابن أبي شيبة من حديث البراء بن عازب مرفوعاً، نحوه، ولفظه: ((من الحق على المسلم أن
يغتسل يوم الجمعة))، أي: ويغسل جسده أيضاً، وإنما ذكر الرأس، وإن كان ذكر الجسد
يشمله، للاهتمام به من حيث إنه قوام البدن والعمدة فيه.
... /٨٩٨ - رواه أبانُ بنُ صَالِحِ عَنْ مُجَاهِدٍ عنْ طَاؤُسٍ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قال قال النبيُّ
عَ لَّهِ اللهِ تَعَالَى عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ حَقٌ أنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْماً. [انظر الحديث
٨٩٧ وأطرافه].
أي: روى الحديث المذكور أبان بن صالح، بفتح الهمزة وتخفيف الباء الموحدة،
وهذا التعليق وصله البيهقي من طريق سعيد بن أبي هلال عن أبان عن مجاهد بن جبر.
وأخرجه الطحاوي من وجه آخر عن طاوس وصرح فيه بسماعه له من أبي هريرة، رضي الله
تعالی عنه.
١٣ - بابٌ
٨٩٩/٢٢ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدٍ قال حدَّثنا شَبَابَةُ قال حدَّثْنا وَرْقَاءُ عَنْ عَمْرِو بنِ
دِينَارٍ عَنْ مُجَاهِد عنِ ابنِ عُمَرَ عنِ النَّبِيِّ عَّ ◌ُلّهِ قالَ اْذِنُوا لِلنِّسَاءِ بِاللَّيْلِ إلَى المَسَاجِدِ.
[انظر الحديث ٨٦٥ وأطرافه].

٢٨٠
١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (١٣)
مطابقته للترجمة من حيث إنه يخرج الجمعة في حقهن فلا يلزمهن شهودها، ومن لم
يشهدها فليس عليه غسل، وقال الكرماني: فإن قلت: ما وجه تعلقه بالترجمة؟ قلت: عادة
البخاري أنه إذا عقد ترجمة للباب وذكر ما يتعلق بها يذكر أيضاً ما يناسبها، فجاء بهذا
الحديث والذي بعده ليبين إن النساء لهن شهود الجمعة. انتهى. قلت: الإذن مقيد بالليل،
فكيف يكون لهن الخروج إلى الجمعة وهي نهارية؟ قلت: قال الكرماني، فيما قبل كلامه
هذا فإن قلت: لفظ بالليل مفهومه أن لا يؤذن في الخروج بالنهار؟ قلت: إذا جاز خروجهن
بالليل الذي هو محل الوقوع في الفتن، فجواز الخروج بالنهار بالطريق الأولى. انتهى. قلت:
الذي قاله مخالف لما قاله العلماء، فإنهم قالوا: يخرجن بالليل لوقوع الأمن من الفساد من
جهة الفساق، لأنهم بالليل إما مشغولون بفسقهم أو نائمون، ولا يخرجن بالنهار لعدم الأمن
لانتشار الفساق.
ذكر رجاله: وهم ستة: عبد الله بن محمد البخاري المسندي، وقد مر غير مرة،
وشبابة، بفتح الشين المعجمة وتخفيف الباء الموحدة وبعد الألف باء موحدة أخرى: ابن
سوار الفزاري أبو عمرو المدايني، وقد مر في: باب الصلاة على النفساء، وورقاء بن عمرو
المدائني مر في: باب وضع الماء عند الخلاء، وعمرو بن دينار تكرر ذكره، ومجاهد بن جبر
مر في أول كتاب الإيمان. قالوا، قد رأى هاروت وماروت وكاد يتلف.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه : العنعنة
في أربعة مواضع. وفيه : أن شيخ البخاري من أفراده. وفيه : أن رواته ما بين بخاري ومدائني
ومكيين وهما: عمرو ومجاهد.
وقد أخرج البخاري هذا الحديث في: باب خروج النساء إلى المساجد بالليل، عن
عبد الله بن عمر بغير هذا الإسناد وغير هذا اللفظ، أما إسناده: فعن عبيد الله بن موسى عن
حنظلة عن سالم بن عبد الله عن ابن عمر، وأما لفظه: ((إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى
المسجد فأذنوا لهن)). وقال هناك: تابعه شعبة عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عمر وقد
أوضحناه هناك.
٩٠٠/٢٣ - حدثنا يُوسُفُ بنُ مُوسى قال حدَّثنا أبُو أسامَةً قال حدَّثنا عُبَيْدُ اللهِ بنُ عُمَرَ
عنْ نافِعِ عنِ ابْنِ عُمَرَ قال كانَتِ امْرَأَةٌ لِعُمَرَ تَشْهَدُ صَلاَةَ الصُّبْحِ والعِشَاءِ فِي الجمَاعَةِ فِي
المَسْجِدِ فَقِيلَ لَّهَا لِمَ لاَ تَخْرُچِينَ وقَدْ تَعْلَمِينَ أنَّ عُمَرَ بَكْرَهُ ذُلَِّكَ وَيَغَارُ قَالَتْ وما يَمْنَعُهُ أنْ
يَنْهَانِي قَالَ يَمْنَعُهُ قَوْلُ رسولِ اللهِ عَ لَِّ لاَ تَمْتَعُوا إماءَ اللهِ مَسَاجِدَ الله. [انظر الحديث ٨٦٥
وأطرافه].
هذا الحديث مطلق، والذي قبله مقيد، فكأن البخاري حمل هذا المطلق على ذاك
المقيد، فإذا كان كذلك يكون المعنى: لا تمنعوا إماء الله مساجد الله بالليل، والجمعة تخرج
عنه لأنها نهارية، فحينئذ لا تشهدها، ومن لا يشهدها ليس عليه غسل، فحصلت المطابقة