Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٦١)
السنة بعضها أفضل من بعض، فجاز أن يكون الغسل من تلك السنن. فإن قلت: ما ذكرنا
مقتضٍ وما ذكرتم نافٍ فالأول راجح. قلت: قوله: ((فبها ونعمت))، نص على السنة، وما
ذكرتم يحتمل أن يكون أمر إباحة فالعمل بما ذكرنا أولى.
٨٥٩/٢٤٠ - حدّثنا علِيُّ بنُ عَبْدِ الله قال أخبرنا سُفْيَانُ عنْ عَمْرٍو قال أخبرني كرَيْبٌ
عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قال بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ لَيْلَةً فَنَامَ النِبِيُّ عَ لَِّ فَلَمَّا
كانَ في بَعْضِ اللَّيْلِ قامَ رسولُ اللهِ عَ لَّهِ فَتَوَضَّأُ مِنْ شنّ مُعَلَّق وُضُوءاً خَفِيفاً يُخَفِّفُهُ عَمْرٌو
وَيُقَلِّلُهُ جِدَّاً ثُمَّ قام يُصَلِّي فَقُمْتُ فَتَوَضَّأْتُ نَخْواً مِمَّا تَوَضَّأْ ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ
فَحَوَّلَنِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ ثُمَّ صَلَّى ما شاءَ اللَّهُ ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى نَفَخَ فَأَتَاهُ المُنَادِي يَأْذِنُهُ
بِالصَّلاَةِ فَقَامَ مَعَهُ إِلَى الصَّلاَةِ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ قُلْنَا إِنَّ ناساً يَقُولُونَ إِنَّ النَّبِيَّ عَ لّهِ تَنَامُ عَيْثُ
ولاَ يَنامُ قَلْبُهُ قال عَمْرُو سَمِعْتُ عُبَيْدَ بنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ إِنَّ رُؤيَا الأَنْبِيَاءِ وَخِيّ ثُمَّ قَرَأَ ﴿إِنِّي أَرَى
فِي المَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾. [انظر الحديث ١١٧ وأطرافه].
مطابقته للجزء الأول للترجمة، فإن فيه وضوء ابن عباس، رضي الله تعالى عنه، وهو
قوله: ((فتوضأت نحواً مما توضأ)). وكان إذ ذاك صغيراً، وهذا الحديث بعينه بالإسناد
المذكور مضى في أول: باب التخفيف على الوضوء، وعلي بن عبد الله المديني، وسفيان
هو ابن عيينة، وعمرو هو ابن دينار، وقد ذكرنا هناك جميع ما يتعلق بهذا الحديث.
٨٦٠/٢٤١ - حدّثنا إسْمَاعِيلُ قال حدَّثني مالِكٌ عنْ إِسْحَاقَ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ أبِي طَلْحَةً
عَنْ أنَسِ ابنِ مالِكِ أنَّ جدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللهِ عَ لَّهِ لِطَعَامِ صَنَعَتْهُ لَهُ فَأَكَلَ مِنْهُ فقال
قُومُوا فَلَاَصَلَيَ بِكُمْ فَقُمْتُ إلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولٍ ما لُبِسَ فَتَضَحْتُهُ بِمَاءٍ فَقَامَ رسولُ
اللهِ عَ لَّه واليَّتِيمُ مَعِي والعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ. [انظر الحديث ٣٨٠ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((واليتيم معي))، لأن اليتيم دال على الصبي، إذ لا يتم بعد
الاحتلام، وقد مضى هذا الحديث في: باب الصلاة على الحصير، أخرجه هناك: عن عبد الله
ابن يوسف عن مالك بن أنس، رضي الله تعالى عنه، وههنا أخرجه: عن إسماعيل بن أبي
أويس عن مالك، وقد بينا هناك جميع ما يتعلق به، ومليكة، بضم الميم، وقد مر الكلام فيه
هناك مستقصىّ.
٨٦١/٢٤٢ - حدَّثْنا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مَالِكِ عنِ ابنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْد اللهِ بنِ عَبْدِ
الله بنِ عُثْبَةَ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما أنَّهُ قال أقْبَلَتُ رَاكِباً عَلى حِمَارٍ أتانٍ وأنا
يَوْمَئِذٍ قَدْ ناهِزْتُ الإِخْتِلاَمَ ورَسولُ اللهِ عِ لِّ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنَىّ إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ فَمَرَرْتُ بَيْن
يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ فنزَلْتُ وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ ودَخَلْتُ فِي الصَّفِّ فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ
أحَدٌ. [انظر الحديث ٧٦ وأطرافه].
مطابقته للجزء الثالث والسادس للترجمة، والثالث في حضور الصبيان الجماعة،
والسادس في قوله: ((وصفوفهم))، وقد مر الكلام فيه مستقصىّ في: باب متى يصح سماع

٢٢٢
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٦١)
الصغير، فإنه أخرجه هناك: عن إسماعيل بن أبي أويس عن مالك، وههنا: عن عبد الله بن
مسلمة القعنبي.
٨٦٢/٢٤٣ - حدَّثْنَا أَبُو اليَمَانِ قال أخبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال أخبرني غُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ
أَنَّ عائِشَةَ قالَتْ أَعْتَمَ النبيُّ عَّهِ. وقال عََاشّ حدَّثنا عَبْدُ الأَعلَى قال حدَّثنا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ
عِنْ عُرْوَةَ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ أَعْتَمَ رسولُ الله عَ لِ فِي الْعِشَاءِ حَتَّى نادَاهُ
عُمَرُ قَدْ نامَ النِّسَاءُ والصِّبْيَانُ فَخَرَجَ رسولُ اللهِ عَ لَّهِ فِقال إنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأرْضِ
يُصَلِّي هَذِهِ الصَّلاَةَ غَيْرُكُمْ وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَوْمَئِذٍ يُصَلِّي غَيْرَ أهْلِ المَدِينَةِ. [انظر الحديث
٥٦٦ وطرفيه].
مطابقته للترجمة فيما قاله الكرماني في لفظ الصبيان، لأن المراد منهم إما الحاضرون
منهم في المسجد لصلاة الجماعة، وإما الغائبون، وعلى التقديرين فالمقصود حاصل. انتهى.
قلت: على تقدير كونهم غائبين لا يحصل المقصود، وقال ابن رشيد، وليس الحديث
صريحاً في ذلك، يعني في كونهم حاضرين في المسجد، إذ يحتمل أنهم ناموا في البيوت.
انتهى. الظاهر من كلام عمر، رضي الله تعالى عنه، أنه شاهد النساء اللاتي حضرن في مسجد
رسول الله عَ ليه قد نمن وصبيانهن معهن، وكونهن في بيوتهن وصبيانهن معهن احتمال بعيد،
ولولا فهم البخاري أنهن مع صبيانهن كن حضوراً في المسجد لما ذكر هذا الحديث في
هذا الباب الذي من أجزاء ترجمته: ((وحضورهم))، أي: وحضور الصبيان، كما ذكرنا. وهذا
الحديث قد مضى في: باب فضل العشاء، أخرجه هناك: عن يحيى بن بكير عن الليث عن
عقيل عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة، رضي الله تعالى عنها، وأبو اليمان الحكم بن نافع
وشعيب ابن أبي حمزة والزهري هو محمد بن مسلم بن شهاب، وقد مضى الكلام هناك فيما
يتعلق به. قوله: ((أعتم))، أي: أخر حتى اشتدت ظلمة الليل، وهي عتمته. قوله: ((غيركم))
بالرفع والنصب.
٨٦٣/٢٤٤ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ علِي قال حدَّثنا يَخْبَى قال حدَّثنا سُفْيَانُ قال حذَّثني عَبْدُ
الرَّحمنِ بنِ عابِسٍ سَمِعْتُ ابنَ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قال لَهُ رَجَلٌ شَهِدْتَ الخُرُوجَ
مَعَ رسولِ اللهِ عَّ له قال نَعَمْ ولَوْلاَ مَكَانِي مِنْهُ ما شَهِدْتُهُ يَعْنِي مِنْ صِغَرِهِ أَتَّى العلَمَ الذِي عِنْدَ
دَارٍ كَثِيرِ بنِ الصَّلْتِ ثُمَّ خَطَبَ ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ وذَكَّرَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَتَصَدَّقْنَ
فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تَهْوِي بِيَدِهَا إِلَى حَلَقِهَا تُلْقِي فِي ثَوْبٍ بِلاَلٍ ثُمَّ أَتَى هُوَ وِبِلاَّلٌ الْبَيْتَ. [انظر
الحديث ٩٨ وأطرافه].
مطابقته للجزء الأول للترجمة في قوله: ((ما شهدته)) يعني من صغره.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: عمرو بن علي بن بحر أبو حفص البصري الصيرفي.
الثاني: يحيى القطان. الثالث: سفيان الثوري. الرابع: عبد الرحمن بن عابس، بالعين المهملة
وبعد الألف باء موحدة وفي آخره سين مهملة: ابن ربيعة النخعي الكوفي، مات سنة عشر

٢٢٣
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٦٢)
ومائة. الخامس: عبد الله بن عباس.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع وبصيغة الإفراد
من الماضي في موضع واحد. وفيه : السماع. وفيه : القول في أربعة مواضع. وفيه : أن
رواته ما بين بصري وكوفي.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في العيدين عن مسدد،
وفيه عن عمرو بن العاص وعن أحمد بن محمد وفي الاعتصام عن محمد بن كثير. وأخرجه
أبو داود في الصلاة عن محمد بن كثير به. وأخرجه النسائي فيه عن عمرو بن علي به.
ذكر معناه: قوله: ((شهدت)) أي: حضرت الخروج إلى مصلى العيد مع النبي عَ لَّه
قال: نعم، أي: شهدته. قوله: ((ولولا مكاني منه)) أي: من النبي عَ لّه، يعني: لولا قربي
ومنزلتي منه عَ لّه ما شهدته. قوله: ((يعني من صغره)) من كلام الراوي، وكلمة: من، للتعليل،
وقال بعضهم: الضمير في: منه، يرجع إلى غير مذكور، وهو الصغر. قلت: هذا تعسف غير مؤد
للمراد على ما لا يخفى، قال ابن بطال: يريد به أنه شهد معه النساء، ولولا صغره لم يشهدن
معه. قال الكرماني: الأولى أن يقال: معناه لولا تمكني من الصغر وغلبتي عليه ما شهدته،
يعني: كان قربه من البلوغ سبباً لشهوده، وزاد على الجواب بتفصيل حكاية ما جرى إشعاراً
بأنه كان مراهقاً ضابطاً، أو: لولا منزلتي عنده ومقداري لديه لما شهدت لصغري. قوله: ((أتى
العلم))، بفتح العين واللام: وهو المنار والجبل والراية والعلامة، ((وكثير بن الصلت))، هو أبو
عبد الله، ولد في عهد رسول الله عَّ وله دار كبيرة بالمدينة قبلة المصلى للعيدين، وكان
اسمه: قليلاً، فسماه عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه: كثيراً، وكان يعد في أهل
الحجاز. وقال الذهبي: كثير بن الصلت ابن معدي الكندي، أخو زيد، روى عبيد الله عن
نافع عن ابن عمر: أن كثير بن الصلت كان اسمه: قليلاً، فسماه النبي عَّ: كثيراً، الأصح
أن الذي سماه كثيراً عمر بن الخطاب. قوله: ((وذكرهن))، بتشديد الكاف من التذكير. قوله:
((تهوي بيدها إلى حلقها)) أي: تمدها نحوه وتميلها إليه، يقال: أهوى يده وبيده إلى الشيء
ليأخذه. قوله: ((إلى حلقها))، بفتح اللام جمع: حلقة، وهي الخاتم لا فص له. قوله: ((تلقي))
من الإلقاء وهو الرمي، وفي رواية أبي داود: ((فجعلن النساء يشرن إلى آذانهن وحلوقهن)).
ذكر ما يستفاد منه: فيه: أن الصبي إذا ملك نفسه وضبطها عن اللعب وعقل الصلاة
وشرع له حضور العيد وغيره. وفيه : المستحب للإمام أن يعظ النساء ويذكرهن إذا حضرن
مصلى العيد، ويأمرهن بالصدقة. وفيه : الخطبة في صلاة العيد بعدها، وفي رواية أبي داود:
((فصلى ثم خطب))، ولم يذكر أذانا ولا إقامة. قال: ثم أمر بالصدقة. وفيه : المستحب أن
يصلى في الصحراء.
١٦٢ - بابُ خُرُوج النِّسَاءِ إلى المسَاجِدِ بِاللَّيْلِ والغَلَسِ
أي: هذا باب في بيان حكم خروج النساء إلى المساجد لأجل الصلاة. قوله:

٢٢٤
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٦٢)
((بالليل)) يتعلق بالخروج. قوله: ((والغلس))، بفتح الغين المعجمة واللام: بقية ظلمة الليل. فإن
قلت: لم يبين حكم هذا الخروج: هل هو جائز أو غير جائز؟ وهل هو لكل النساء أو لنساء
مخصوصة؟ قلت: لما كان في هذا الباب خلاف بين الأئمة لم يجزم بنفي ولا إثبات،
وسنذكر الخلاف فيه، إن شاء الله تعالى.
٨٦٤/٢٤٥ - حدّثنا أبو اليَمَانِ قال أخبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِ قال أخبرني ◌ُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ
عنْ عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ أَعْتَمَ رسولُ اللهِ عَِّ بِالعَتَمَةِ حَتَّىِ نادَاهُ عُمَرُ نامَ
النِّسَاءُ والصِّبْيَانُ فَخَرَجَ النبيُّ عََِّّ فَقالَ مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ غيْرَكُمُ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ ولاَ يُصَلى
يَوْمَئِذٍ إلاَّ بِالْمَدِينَةِ وكانُوا يُصَلُّونَ العَتَمَةَ فِيما بَيْنَ أنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ الأوَّلِ.
[انظر الحديث ٥٦٦ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قولنا: ((نام النساء))، ولولا فهم البخاري أن النساء كن حضوراً في
المسجد لما وضعه في هذا الباب بهذه الترجمة. وأما الحديث بعين هذا الإسناد فقد مضى
في الباب السابق عن أبي اليمان .. إلى آخره، وبينهما بعض التفاوت في المتن.
قوله: ((أعتم رسول الله عٍَّ بالعتمة)) بفتحتين، أي: أبطأ بها وأخرها. قوله: ((الأول))،
بالجر صفة الثلث لا الليل، وقد ذكرنا ما يتعلق به من جميع الأشياء، غير أن ههنا الترجمة
في خروج النساء إلى المساجد، وقيده بالليل لينبه على أن حكم النهار خلاف الليل. فإن
قلت: بعض الأحاديث مطلق. منها : قوله عَّ لّهِ: ((لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)). قلت:
حمل المطلق في ذلك على المقيد، وبنى البخاري عليه الترجمة، وللعلماء فيه أقوال
وتفاصيل. قال صاحب (الهداية): ويكره لهن حضور الجماعات. قالت الشراح: ويعني
الشوابَّ منهن. وقوله: الجماعات، يتناول الجُمَعَ والأعياد والكسوف والاستسقاء، وعن
الشافعي: يباح لهن الخروج. قال أصحابنا: لأن في خروجهن خوف الفتنة وهو سبب للحرام،
وما يفضي إلى الحرام فهو حرام، فعلى هذا قولهم: يكره، مرادهم يحرم، لا سيما في هذا
الزمان لشيوع الفساد في أهله، قال: لا بأس وللعجوز أن تخرج في الفجر والمغرب والعشاء
لحصول الأمن، وهذا عند أبي حنيفة، وعن أبي يوسف ومحمد: يخرجن في الصلوات كلها
لأنه لا فتنة فيه لقلة الرغبة، ثم قالوا: إن حضورهن إما للصلوات أو لتكثير الجمع، فروى
الحسن عن أبي حنيفة أن خروجهن للصلاة، يقمن في آخر الصفوف فيصلين مع الرجال
لأنهن من أهل الجماعة تبعاً للرجال، وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة: أن خروجهن لتكثير
السواد يقمن في ناحية ولا يصلين لأنه قد صح أن النبي عَ لَّه أمر الحيض بذلك فإنهن لسن
من أهل الصلاة.
٨٦٥/٢٤٦ - حدَّثنا عُبَيْدُ اللهِ بنُ مُوسَى عنْ حَنْظَلَةَ عنْ سَالِمٍ بن عَبْدِ اللهِ عنِ ابنِ عُمَرَ
رضي الله تعالى عنهما عنِ النَّبِيِّ عَُّلِّ قال إذَا اسْتَأْذَنَكُمْ نِسَاؤُكُمْ بِاللَّيْلِ إلَى المَسْجِدِ
فَأَذَنُوا لَهُنَّ. [الحديث ٨٦٥ - أطرافه في: ٨٧٣، ٨٩٩، ٩٠٠، ٥٢٣٨].

٢٢٥
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٦٢)
مطابقته للترجمة من حيث تقييده بالليل، وهو ظاهر.
ذكر رجاله: وهم أربعة: الأول: عبيد الله - بتصغير العبد - ابن موسى العبسي الكوفي.
الثاني: حنظلة ابن أبي سفيان الجمحي من أهل مكة، واسم أبي سفيان: الأسود بن عبد
الرحمن، ولم يذكر أكثر الرواة عن حنظلة. الثالث: سالم بن عبد الله بن عمر. الرابع: عبد
الله بن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنهم.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد. وفيه : أن رواته
ما بين كوفي ومكي ومدني.
وأخرجه مسلم أيضاً في الصلاة عن محمد بن عبد الله بن نمير.
قوله: ((بالليل))، كذا بهذا القيد في رواية مسلم وغيره، وقد اختلف فيه الزهري عن
سالم أيضاً، فأورده البخاري في: باب استئذان المرأة زوجها بالخروج إلى المسجد، بغير
تقييد بالليل، وكذلك مسلم من رواية يونس بن يزيد، وأحمد من رواية عقيل والسراج من
رواية الأوزاعي كلهم عن الزهري بغير ذكر الليل، وقد قلنا: إن المطلق في ذلك محمول على
المقيد، وفيه أنه ينبغي أن يأذن لها ولا يمنعها مما فيه منفعتها، وذلك إذا لم يخف الفتنة
عليها ولا بها، وقد كان هو الأغلب في ذلك الزمان بخلاف زماننا هذا، فإن الفساد فيه فاشٍ
والمفسدون كثيرون. وحديث عائشة، رضي الله تعالى عنها، الذي يأتي يدل على هذا، وعن
مالك: إن هذا الحديث ونحوه محمول على العجائز. وقال النووي: ليس للمرأة خير من
بيتها وإن كانت عجوزاً. وقال ابن مسعود: المرأة عورة، وأقرب ما تكون إلى الله في قعر
بيتها، فإذا خرجت استشرفها الشيطان. وكان ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، يقوم يحصب
النساء يوم الجمعة يخرجهن من المسجد. وقال أبو عمرو الشيباني: سمعت ابن مسعود حلف
فبالغ في اليمين: ما صلت امرأة صلاة أحب إلى الله تعالى من صلاتها في بيتها إلاّ في حجة
أو عمرة، إلا امرأة قد يئست من البعولة. وقال ابن مسعود لامرأة سألته عن الصلاة في
المسجد يوم الجمعة، قال: صلاتك في مخدعك أفضل من صلاتك في بيتك، وصلاتك في
بيتك أفضل من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك أفضل من صلاتك في مسجد
قومك. وكان إبراهيم يمنع نساءه الجمعة والجماعة. وسئل الحسن البصري عن امرأة حلفت
إن خرج زوجها من السجن أن تصلي في كل مسجد تجمع فيه الصلاة بالبصرة ركعتين،
فقال الحسن: تصلي في مسجد قومها لأنها لا تطيق ذلك،، لو أدركها عمر، رضي الله تعالى
عنه، لأوجع رأسها.
وفيه إشارة إلى أن الإذن المذكور لغير الواجب، لأنه لو كان واجباً لانتفى معنى
الاستئذان، لأن ذلك إنما يتحقق إذا كان المستأذن مخيراً في الإجابة أو الرد.
تابَعَهُ شُعْبَةُ عنِ الأعْمَشِ عنْ مُجَاهِدٍ عنِ ابنِ عُمَرَ عنِ النبيِّ عَ لّ.
أي: تابع عبيد الله بن موسى شعبة بن الحجاج عن سليمان الأعمش عن مجاهد عن
عمدة القاري / ج٦ / م١٥
1

٢٢٦
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٦٣)
عبد الله بن عمر عن النبي عَُّلّه، وقد وصلها أحمد في (مسنده) قال: حدثنا محمد بن جعفر
قال: أخبرنا شعبة ... فذكره.
١٦٣ - بابُ انتظارِ الناسِ قيام الإمام العالمِ
٨٦٦/٢٤٧ - حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدٍ قال حدَّثنَا عُثْمَانُ بنُ عُمَرَ قال أخبرنا يُونُسُ عنٍ
الزُّهْرِيِّ قال حَدَّثَتْنِي مِنْدُ بِنْتُ الحَارِثِ أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النبيِّ عَِّ أَخْبَرَتْهَا أَنَّ النِّسَاءَ فِي
عَهْدِ رسولِ اللهِ عَّهِ كُنَّ إِذَا سَلَّمْنَ مِنَ المَكْتُوبَةِ قُمْنَ وثََّتَ رسولُ اللهِ عَّهِ ومَنْ صَلَّى مِنَ
الرَّجَالِ ما شَاءَ اللّه فإذا قامَ رسولُ اللهِ عَ لَّهِ قَامَ الرَّجَالُ. [انظر الحديث ٨٣٧ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إنه يدل على أن النساء كن يخرجن إلى المساجد، ودلالته
على ذلك أعم من أن يكون ذلك بالليل أو بالنهار، وعبد الله بن محمد هو المسندي الحافظ
البصري، وعثمان بن عمر بن فارس البصري، ويونس بن يزيد والزهري هو محمد بن مسلم
ابن شهاب. والحديث مضى في: باب التسليم، وقد ذكرنا هناك جميع ما يتعلق به.
قوله: ((وثبت)) عطف على قوله: ((قمن))، أي: كن إذا سلمن ثبت رسول الله عَ له في
مكانه بعد قيامهن. قوله: ((ومن صلى)) أي: ثبت أيضاً من صلى مع النبي عَّهِ من الرجال.
٨٦٧/٢٤٨ - حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكِ ح وحدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قال
أخبرنا مالِكٌ عنْ يَحيى بنِ سَعِيدٍ عنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمنِ عَنْ عَائِشَةَ قالَتْ إنْ كانَ
رسولُ اللهِ عَّهِ لَيُصَلِّي الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ ما يُعْرَفْنَ مِنَ الغَلَسِ.
[انظر الحديث ٣٧٢ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وهي خروج النساء إلى المساجد بالليل. وأخرجه من طريقين:
الأول: عن عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك عن يحيى إلى آخره، والثاني: عن عبد الله
ابن يوسف التنيسي عن مالك، وقد مر الحديث في: باب كم تصلي المرأة من الثياب،
وفي: باب وقت الفجر، وقد تكلمنا هناك بما فيه الكفاية.
قوله: ((إن كان)) إن: هذه مخففة من المثقلة أصله: أنه كان، أي: إن الشأن، واللام
في: ((ليصلي) مفتوحة، وهي لام التأكيد. قوله: ((متلفعات)) حال من النساء أي: متلحفات،
من التلفع وهو شد الدفاع وهو ما يغطي الوجه ويتلحف به، والمروط: جمع مرط، بكسر
الميم: وهو كساء من صوف أو خز يؤتزر به، والغلس، بفتح اللام: بقية ظلمة الليل.
٨٦٨/٢٤٩ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ مِشْكِينٍ قال حدَّثنا بِشْرٌ قال أخبرنا الأوزاعِيُّ قال حدَّثني
يَحْتِى بِنُ أَبِي كَثِيرٍ عنْ عَبْدِ اللهِ بن أبي قَتَادَةَ الأنْصَارِيّ قال قال رسول الله عَّهِ إِنّي لأقُومُ
إِلَى الصَّلاةِ وأنا أُرِيدُ أنْ أُطَوِّلَ فِيهَا فَأَسْمَعُ بِكاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلاَتِي كَرَاهِيَّةً أَنْ
أَشُقَّ عَلى أُمِّهِ. [انظر الحديث ٧٠٧].
مطابقته للترجمة تفهم من قوله: ((كراهية أن أشق على أمه))، لأنه يدل على حضور

٢٢٧
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٦٣)
النساء إلى المساجد مع النبي عَّ له، وهو أيضاً أعم من أن يكون بالليل أو بالنهار، وقد مضى
هذا الحديث في: باب من أخف الصلاة عند بكاء الصبي، أخرجه هناك: عن إبراهيم بن
موسى عن الوليد عن الأوزاعي ... إلى آخره، والأوزاعي هو عبد الرحمن بن عمر.
قوله: ((فأتجوز))، أي: أخفف. قوله: ((كراهية))، نصب على التعليل، أي: لأجل
كراهية أن أشق، ويروى مخافة أن أشق، وكلمة: أن، مصدرية، وقد مضى الكلام فيه هناك
مستوفى.
٨٦٩/٢٥٠ - حدّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ. قال أخبرنا مالِكٌ عنْ يَحْتَى بنِ سَعِيدٍ عِنْ عَمْرَةً
بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ لَوْ أَدْرَكَ رسولُ اللهِ عَلَّهِ مَا أَحْدَثَ
النّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ كَمَ مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِيُ إِسْرَائِيلَ قُلْتُ لِعَمْرَةَ أُوَمُنِعْنَ قالَتْ نَعَمْ.
مطابقته للترجمة ظاهرة. ورجاله قد تكرر ذكرهم.
وأخرجه مسلم في الصلاة أيضاً عن القعنبي عن سليمان بن بلال وعن محمد بن
المثنى عن عبد الوهاب الثقفي وعن عمرو الناقد عن سفيان بن عيينة وعن أبي بكر ابن أبي
شيبة عن أبي خالد الأحمر وعن إسحاق بن إبراهيم عن عيسى بن يونس. وأخرجه أبو داود
فيه القعنبي عن مالك، ستتهم، عن يحيى بن سعيد به.
ذكر معناه: قوله: ((ما أحدث النساء))، في محل النصب على أنه مفعول: أدرك، أي:
ما أحدثت من الزينة والطيب وحسن الثياب ونحوها.
قلت: لو شاهدت عائشة، رضي الله تعالى عنها، ما أحدث نساء هذا الزمان من أنواع
البدع والمنكرات لكانت أشد إنكاراً، ولا سيما نساء مصر، فإن فيهم بدعاً لا توصف
ومنكرات لا تمنع. منها : ثيابهن من أنواع الحرير المنسوجة أطرافها من الذهب، والمرصعة
باللآلىء وأنواع الجواهر، وما على رؤوسهن من الأقراص المذهبة المرصعة باللآلىء والجواهر
الثمينة، والمناديل الحرير المنسوج بالذهب والفضة الممدودة، وقمصانهن من أنواع الحرير
الواسعة الأكمام جداً، السابلة أذيالها على الأرض مقدار أذرع كثيرة بحيث يمكن أن يجعل
من قميص واحد ثلاثة قمصان أو أكثر. ومنها : مشيهن في الأسواق في ثياب فاخرة وهن
متبخرات متعطرات مائلات متبخترات متزاحمات مع الرجال مكشوفات الوجوه في غالب
الأوقات. ومنها : ركوبهن على الحمير الغرة وأكمامهن سابلة من الجانبين في أزر رفيعة
جداً. ومنها : ركوبهن على مراكب في نيل مصر وخلجانها مختلطات بالرجال، وبعضهم
يغنين بأصوات عالية مطربة والأقداح تدور بينهن. ومنها : غلبتهن على الرجال وقهرهن إياهم
وحكمهن عليهم بأمور شديدة. ومنهن : نساء يبعن المنكرات بالإجهار، ويخالطن الرجال
فيها. ومنهن قوادات يفسدن الرجال والنساء ويمشين بينهن بما لم يرضَ به الشرع. ومنهن :
صنف بغايا قاعدات مترصدات للفساد. ومنهن : صنف دائرات على أرجلهن يصطدن
الرجال. ومنهن : صنف سوارق من الدور والحمامات. ومنهن : صنف سواحر يسحرن

٢٢٨
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٦٤)
وينفثن في العقد. ومنهن: بياعات في الأسواق يتعاطين بالرجال. ومنهن : دلالات نصابات
على النساء. ومنهن : صنف نوائح ودفافات يرتكبن هذه الأمور القبيحة بالأجرة. ومنهن :
مغنيات يغنين بأنواع الملاهي بالأجرة للرجال والنساء. ومنهن : صنف خطابات يخطبن
للرجال نساء لها أزواج بفتن يوقعنها بينهم، وغير ذلك من الأصناف الكثيرة الخارجة عن
قواعد الشريعة. فانظر إلى ما قالت الصديقة، رضي الله تعالى عنها، من قولها: لو أدرك رسول
الله عَّ ما أحدثت النساء، وليس بين هذا القول وبين وفاة النبي عٍَّ إلاّ مدة يسيرة، على
أن نساء ذلك الزمان ما أحدثن جزءاً من ألف جزء مما أحدثت نساء هذا الزمان.
قوله: ((كما منعت نساء بني إسرائيل)) يحتمل أن تكون شريعتهم المنع، ويحتمل أن
يكون منعهن بعد الإباحة، ويحتمل غير ذلك، مما لا طريق لنا إلى معرفته إلاّ بالخبر. قوله:
((قلت لعمرة))، القائل: يحيى بن سعيد. قوله: ((أوَمنعهن؟))، بهمزة الاستفهام. وواو العطف
وفعل المجهول، والضمير الذي فيه يعود إلى نساء بني إسرائيل. قال الكرماني. فإن قلت: من
أين علمت عائشة، رضي الله تعالى عنها، هذه الملازمة. والحكم بالمنع وعدمه ليس إلا الله
تعالى؟ قلت: مما شاهدت من القواعد الدينية المقتضية لحسم مواد الفساد، والأولى في
هذا الباب أن ينظر إلى ما يخشى منه الفساد فيجتنب لإشارته عَّه إلى ذلك بمنع الطيب
والتزين، لما روى مسلم من حديث زينب امرأة ابن مسعود: ((إذا شهدت إحداكن المسجد
فلا تمس طيباً)). وروى أبو داود من حديث أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، قال: ((لا تمنعوا
إماء الله مساجد الله، ولكن ليخرجن وهن تفلات))، وكذلك قيد ذلك في بعض المواضع
بالليل، ليتحقق الأمن فيه من الفتنة والفساد، وبهذا يمنع استدلال بعضهم في المنع مطلقاً في
قول عائشة، لأنها علقته على شرط لم يوجد، فقالت: لو رأى لمنع، فيقال عليه: لم ير ولم
يمنع، على أن عائشة، رضي الله تعالى عنها، لم تصرح بالمنع وإن كان ظاهر كلامها يقتضي
أنها ترى المنع. وأيضاً فالإحداث لم يقع من الكل، بل من بعضهن. فإن تعين المنع فيكون
في حق من أحدثت لا في حق الكل.
وقال التيمي: فيه دليل على أنه: لا ينبغي للنساء أن يخرجن إلى المساجد إذا حدث
في النساء الفساد انتهى. قلت: الذي يعول عليه ما قلناه، ولم يحدث الفساد في الكل.
قوله: ((تفلات)) جمع: تفلة، بفتح التاء المثناة من فوق وكسر الفاء، من التفل، وهو سوء
الرائحة، يقال: امرأة تفلة إذا لم تطيب. ويقال: رجل تغل وامرأة تفلة ومتفال، فإن قلت: لِمَ
قال: ((لا تمنعوا إماء الله؟)) ولم يقل: لا تمنعوا نساءكم؟ قلت: لأنه لما قال: مساجد الله راعى
المناسبة، فقال: ((إماء الله))، وهو أوقع في النفس من لفظ النساء.
١٦٤ - بابُ صَلاَةِ النِّسَاءِ خَلْفَ الرّجَالِ
أي: هذا باب في بيان أن صلاة النساء خلف صفوف الرجال، لأن مبنى أمرهن على
الستر وتأخرهن عن الرجال أستر لهن.

٢٢٩
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٦٥)
٨٧٠/٢٥١ - حدّثنا يَحْيَى بِنُ قَزَعَةً قال حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بن سَعْدٍ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ هِنْدٍ
بِنْتِ الحَارِثِ عنْ أمِّ سَلَمَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ كانَ رسولُ اللهِ عَ لَّهِ إِذَا سَلَّمَ قَامَ
النِّسَاءُ حِينَ يَقْضِي تَسْلِيمَهُ وَمْكُثُ هُوَ فِي مَقَامِهِ يَسِيراً قَبْلَ أنْ يَقُومَ. قال نَرَي والله أعْلَمُ أنَّ
ذَلِكَ كانَ لِكَيْ يَنْصَرِفَ النِّسَاءُ قَبْلَ أنْ يُدْرِكَهُنَّ مِنَ الرِّجَالِ. [انظر الحديث ٨٣٧ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إن صف النساء لو كان أمام الرجال أو بعضهم للزم من
انصرافهن قبل أن يتخطينهم، وذلك منهي عنه. قلت: هذا على مذهبهم، وأما على مذهب
الحنفية إذا تقدم صف من النساء على صف من الرجال يفسد ذلك صلاة هؤلاء الصف
بتمامه، كما علم من مذهبهم في حكم المحاذاة، وهذا الحديث بعينه مضى في: باب
التسليم، أخرجه هناك: عن موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، وههنا: عن
يحيى بن قزعة، بالقاف والزاي والعين المهملة المفتوحات، وقد تسكن الزاي: المكي المؤذن
عن إبراهيم بن سعد. قوله: ((قال نرى)) أي: قال الزهري، وهذا إدراج منه. قوله: ((قبل أن
يدركهن من الرجال))، ويروى: ((قبل أن يدركهن أحد من الرجال)).
٨٧١/٢٥٢ - ٨٧٢ - حدَّثْنا أَبُو نُعَيْم قالِ حدَّثنا ابنُ عُيَيْنَةَ عنْ إِسْحَاقَ عنْ أَنَسٍ رضي
الله تعالى عنهُ قالَ صَلَّى النبيُّ عَّهِ فِي بَيْتِ أُمَّ سُلَيْمٍ فَقُمْتُ وَيَتِيمٌ خَلْفَهُ وَأُمُ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا.
[انظر الحديث ٣٨٨٠ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((وأم سليم خلفنا))، فإنها صلت خلف الرجال وهم: أنس
ومن معه، والحديث مضى في: باب المرأة تكون وحدها صفاً، فإنه أخرجه هناك: عن عبد
الله بن محمد عن سفيان عن إسحاق عن أنس، وههنا: عن أبي نعيم الفضل ابن دكين عن
سفيان ... إلى آخره. نحوه. قوله: ((فقمت))، القائل: أنس. قوله: ((ويتيم)) عطف عليه.
وفيه : شاهد لمذهب الكوفيين في إجازة العطف على المرفوع المتصل بدون
التأكيد، وعلى مذهب البصريين يجب نصب المعطوف على أنه مفعول معه، واليتيم
المذكور اسمه: ضميرة، بضم الضاد المعجمة، وقد مر في: باب الصلاة على الحصير.
١٦٥ _ بابُ سُرْعَةِ انْصِرَافِ النِّسَاءِ مِنَ الصُّبْحِ وَقِلَّةِ مَقَامِهِنَّ فِي المَسْجِدِ
أي: هذا باب في سرعة انصراف النساء من صلاة الصبح، وإنما قيدة بالصبح لأنه طول
التأخير فيه يفضي إلى الإسفار، فالمناسب هو الإسراع، بخلاف العشاء فإنه يفضي إلى زيادة
الظلمة، فلا يضر المكث. قوله: ((مقامهن))، بفتح الميم بمعنى: قيامهن، وقلة توقفهن في
المسجد خوفاً من أن ينتشر الضياء ويعرفن حينئذ.
٨٧٣/٢٥٣ - ٨٧٤ - حدَّثنا يَخْيَى بنُ موسى قال حدَّثنا سَعِيدُ بنُ مَنْصُور قالَ حدَّثنا
فُلَيْخِ عنْ عَبْدِ الرَّحْلمن بنِ القاسِمِ عنْ أَبِيهِ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها أنَّ رسولَ الله
عََّلِ كَانَ يُصَلِّي الصُّبْحَ بِغَلَسٍ فَيَنْصَرِفْنَ نِسَاءُ المُؤْمِنِينَ لا يُعْرَفْنَ مِنَ الغلس أوْ لاَ يَغْرِفُ
بَعْضُهُنَّ بَعْضاً. [انظر الحديث ٣٧٢ وأطرافه].
:

٢٣٠
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٦٦)
مطابقته للترجمة ظاهرة، وقد مضى الحديث، وأخرجه ههنا: عن يحيى بن موسى
البلخي، يقال له: خت، بفتح الخاء المعجمة وتشديد التاء المثناة من فوق. ويقال له:
الختي، مات سنة أربعین ومائتين، وسعید بن منصور من شیوخ البخاري، وقد روى عنه ههنا
بالواسطة. قوله: ((فينصرفن نساء المؤمنين))، هو على لغة: أكلوني البراغيث، وهي لغة بني
الحارث. وكذا قوله: ((لا يعرفن بعضهن بعضاً))، وهذا في رواية الحموي والكشميهني، وفي
رواية غيرهما: ((لا يعرف))، بالإفراد على الأصل. قوله: ((المؤمنين)) ذكر الكرماني أن في
بعض النسخ: نساء المؤمنات، ثم قال: تأويله نساء الأنفس المؤمنات، أو الإضافة بيانية نحو:
شجر الأراك. وقيل: إن النساء بمعنى الفاضلات، أي فاضلات المؤمنات.
قال: وفيه دليل على وجوب قطع الذرائع الداعية إلى الفتنة وطلب إخلاص الفكر،
الاشتغال النفس بما جبلت عليه من أمور النساء، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.
١٦٦ - بابُ اسْتِذَانِ المَرأةِ زَوْجَهَا بالخُرُوجِ إلَى المَسْجِدِ
أي: هذا باب في بيان طلب المرأة الإذن من زوجها لأجل الخروج إلى المسجد
للصلاة فيه.
٨٧٥/٢٥٤ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَئِعِ عنْ مَعْمَرٍ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ سَالِمِ ابنِ
عَبْدِ اللهِ عنْ أَبِيهِ عنِ النبيِّ عَّ ◌َلِ قَالَ إذَا اسْتَأْذَنَتِ امْرَأَةُ أَحَدِكُمْ فَلاَ يَمْتَغْهَا. [انظر الحديث
٨٦٥ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. فإن قلت: الترجمة مقيدة بالخروج الى المسجد، والحديث
مطلق؟ قلت: قال الكرماني: إما أن تقيد بالحديث السابق قريباً، أو أنه لما كان جائزاً على
الإطلاق فالخروج إلى موضع العبادة بالطريق االأولى. قلت: الحديث السابق هو المذكور
في: باب خروج النساء إلى المساجد بالليل، فالبخاري أخرجه هناك: عن عبيد الله بن موسى
عن حنظلة عن سالم بن عبد الله عن ابن عمر عن النبي عَ لّه، قال: ((إذا استأذنكم نساؤكم
بالليل إلى المسجد فاذنوا لهن)). وههنا: أخرجه عن مسدد .. إلى آخره، على وجه الإطلاق،
وهذا معناه العموم، وفي معنى هذا الإذن للخروج إلى العيد وزيارة قبر ميت لها، وإذا كان
حق عليهن أن يأذنوا فيما هو مطلق لهن الخروج فيه، فالإذن لهن فيما هو فرض عليهن أو
يندب الخروج إليه أولى، كخروجهن لأداء شهادة له منهن، ولأداء فرض الحج وشبهه من
الفرائض، أو لزيارة آبائهن وأمهاتهن وذوي محارمهن، والله أعلم بحقيقة الحال، وإليه المرجع
والمآل.
i

٢٣١
١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ
بسم الله الرحمن الرحيم
١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ
هذا كتاب في بيان أحكام الجمعة، وقد ذكرنا فيما مضى: أن الكتاب يجمع
الأبواب، والأبواب تجمع الفصول، وهذه الترجمة ثبتت في رواية الأكثرين، ولكن منهم من
قدمها على البسلمة، والأصل تقديم البسملة، وليست هذه الترجمة موجودة في رواية كريمة
وأبي ذر عن الحموي، وهي، بضم الميم على المشهور، وحكى الواحدي إسكان الميم
وفتحها، وقرىء بها في الشواذ، قاله الزمخشري. وقال الزجاج: قرىء بكسرها أيضاً وقال
الفراء: خففها الأعمش وثقلها عاصم وأهل الحجاز، وقال الأزهري: من ثقل اتبع الضمة، ومن
خفف فعلى الأصل، والقراء قرؤوها بالتثقيل. وفي (الموعب) لابن التياني: من قال بالتسكين
قال في جمعه جمع، ومن قال بالتثقيل قال في جمعه جمعات.
ثم اختلفوا في تسمية هذا اليوم بالجمعة، فروي عن ابن عباس، رضي الله تعالى
عنهما، أنه قال: إنما سمي يوم الجمعة لأن الله تعالى جمع فيه خلق آدم، عليه الصلاة
والسلام، وروى ابن خزيمة عن سلمان، رضي الله تعالى عنه، مرفوعاً: ((يا سلمان ما تدري يوم
الجمعة؟ قلت: الله أعلم ورسوله أعلم. قال: به جمع أبوك - أو أبوكم -)) وفي (الأمالي)
الثعلب: إنما سمي يوم الجمعة لأن قريشاً كانت تجتمع إلى قصي في دار الندوة. وقيل: لأن
كعب بن لؤي كان يجمع فيه قومه فيذكرهم ويأمرهم بتعظيم الحرم، ويخبرهم بأنه سيبعث
منه نبي. وروى ذلك الزبير في (كتاب النسب) عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن مقطوعاً. وفي
كتاب (الداودي): سمي يوم الجمعة يوم القيامة لأن القيامة تقوم فيه الناس. وقال ابن حزم:
وهو اسم إسلامي. ولم يكن في الجاهلية، إنما كانت تسمى في الجاهلية: العروبة، فسميت
في الإسلام: الجمعة، لأنه يجتمع فيه للصلاة، إسماً مأخوذاً من الجمع، وفي تفسير عبد بن
حميد: أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال: جمع أهل المدينة قبل أن
يقدم رسول الله عَّ المدينة، وقبل أن تنزل الجمعة، وهم الذين سموها: الجمعة. وذلك أن
الأنصار قالوا لليهود يوم يجتمعون فيه كل سبعة أيام، وكذا للنصارى، فهلم فلنجعل يوماً
نجتمع فيه، ونذكر الله ونصلي ونشكره، فاجعلوه يوم العروبة، وكانوا يسمون يوم الجمعة:
يوم العروبة، فاجتمعوا إلى أسعد فصلى بهم ركعتين وذكرهم فسموا: الجمعة، حين اجتمعوا
إليه، وذبح لهم أسعد شاة فتغدوا وتعشوا من شاة، وذلك لقلتهم، فأنزل الله في ذلك بعد:
﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ... ﴾ [الجمعة: ٩]. الآية. انتهى.
وقال الزجاج والفراء وأبو عبيد وأبو عمرو: كانت العرب العاربة تقول ليوم السبت:
شبار، وليوم الأحد: أول، وليوم الاثنين: أهون، وليوم الثلاثاء: جبار، وللأربعاء: دبار،
وللخميس: مونس، وليوم الجمعة: العروبة، وأول من نقل العروبة إلى يوم الجمعة: كعب بن
لؤي، ثم لفظ الجمعة بسكون الميم، بمعنى المفعول أي: اليوم المجموع فيه، وبفتحها بمعنى

-
٢٣٢
١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (١)
الفاعل، أي: اليوم الجامع للناس. قال الكرماني: فإن قلت: لِمَ أنَّث الجمعة وهو صفة اليوم؟
قلت: ليست التاء للتأنيث، بل للمبالغة كما يقال: رجل علامة، أو: هي صفة للساعة.
١ - بابُ فَرْضِ الجُمُعَةِ
أي: هذا باب في بيان فرض الجمعة، واستدل على ذلك بقوله:
لِقَوْلِ اللهِ تعالَى ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللهِ وذَرُوا
البَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنَّ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
قد قلنا إنه استدل على فرضية صلاة الجمعة بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا
نودي للصلاة من يوم الجمعة﴾ [الجمعة: ٩]. الآية، ووقع ذكر الآية عند الأكثرين إلى قوله:
﴿وذروا البيع﴾ [الجمعة: ٩]. وفي رواية كريمة وأبي ذر، ساق جميع الآية. قوله: ((﴿إذا
نودي للصلاة﴾)) [الجمعة: ٩]. أراد بهذا النداء الأذان عند قعود الإمام على المنبر للخطبة،
يدل على ذلك ما روى الزهري عن السائب بن يزيد: ((كان لرسول الله عَّ مؤذن واحد لم
يكن له مؤذن غيره، وكان إذا جلس رسول الله عَّ لله على المنبر أذن على المسجد، فإذا نزل
أقام الصلاة، ثم كان أبو بكر، رضي الله تعالى عنه، كذلك وعمر، رضي الله تعالى عنه،
كذلك حتى إذا كان عثمان، رضي الله تعالى عنه، وكثر الناس وتباعدت المنازل زاد أذاناً،
فأمر بالتأذين الأول على دار له بالسوق، يقال له: الزوراء، فكان يؤذن له عليها، فإذا جلس
عثمان، رضي الله تعالى عنه، على المنبر أذن مؤذنه الأول، فإذا نزل أقام الصلاة فلم يعب
ذلك عليه)). قوله: ((من يوم))، بيان: لإذا، وتفسير له. وقيل: من يوم الجمعة أي: في يوم
الجمعة، كقوله تعالى: ﴿أروني ماذا خلقوا من الأرض﴾ [فاطر: ٢٤٠ والأحقاف: ٤٠]. أي:
في الأرض قوله: ((﴿إلى ذكر الله﴾)) أي: إلى الصلاة، وعن سعيد بن المسيب: فاسعوا إلى
ذكر الله إلى موعظة الإمام، وقيل إلى ذكر الله، إلى الخطبة والصلاة. قوله: ((وذروا البيع))
أي: اتركوا البيع والشراء، لأن البيع يتناول المعنيين جميعاً، وإنما يحرم البيع عند الأذان
الثاني، وقال الزهري: عند خروج الإمام. وقال الضحاك: إذا زالت الشمس حرم البيع والشراء،
وقيل: أراد الأمر بترك ما يذهل عن ذكر الله من شواغل الدنيا، وإنما خص البيع من بينها لأن
يوم الجمعة يوم يهبط الناس فيه من قراهم وبواديهم وينصبون إلى المصر من كل أوب،
ووقت هبوطهم واجتماعهم واغتصاص الأسواق بهم إذا انفتح النهار وتعالى الضحى، ودنا
وقت الظهيرة، وحينئذ تحر التجارة ويتكاثر البيع والشراء، فلما كان ذلك الوقت مظنة الذهول
بالبيع عن ذكر الله، والمضي إلى المسجد، قيل لهم: بادروا تجارة الآخرة، واتركوا تجارة
الدنيا، واسعوا إلى ذكر الله الذي لا شيء أنفع منه وأربح، وذروا البيع الذي نفعه يسير وربحه
متقارب. قوله: ((ذلكم)) الكاف فيه حرف الخطاب، كالتاء في: أنت، وذلك للدلالة على
أحوال المخاطبين وعددهم، فإذا أشرت إلى واحد مذكر وخاطبت مثله قلت: ذلك، وإذا
خاطبت اثنين قلت: ذلكما، وإذا خاطبت جمعاً قلت: ذلكم، وإذا خاطبت إناثاً قلت: ذلكن.

٢٣٣
١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (١)
قوله: ((فاسعوا فامضوا))، هذه في رواية أبي ذر الحموي وحده، وهو تفسير منه للمراد بالسعي
هنا، بخلاف قوله في الحديث الآخر: ((فلا تأتوها تسعون))، فإن المراد به الجري وفي تفسير
النسفي: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾ [الجمعة: ٩]. فامضوا إليه واعملوا له، وعن ابن عمر، رضي
الله تعالى عنه: سمعت عمر، رضي الله تعالى عنه. يقرأ: فامضوا إلى ذكر الله، وعنه: ما
سمعت عمر يقرؤها قط إلا: فامضوا إلى ذكر الله. وروى الأعمش عن إبراهيم: كان عبد الله
يقرؤها: فامضوا إلى ذكر الله، ويقول: لو قرأتها: فاسعوا لسعيت حتى يسقط ردائي، وهي
قراءة أبي العالية، وعن الحسن: ليس السعي على الأقدام ولقد نهوا أن يأتوا المسجد إلاّ
وعليهم السكينة والوقار، ولكن بالقلوب والنية والخشوع. وعن قتادة: أنه كان يقول في هذه
الآية: ﴿فاسعوا﴾: أن: تسعى بقلبك وعملك، وهي المشي إليها. وقال الشافعي: السعي في
هذا الموضع هو العمل، فإن الله يقول: ﴿إِن سعيكم لشتى﴾ [الليل: ٤]. وقال تعالى: ﴿وأن
ليس للإنسان إلاّ ما سعى﴾ [النجم: ٣٩]. وقال تعالى: ﴿وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد
فيها﴾. [البقرة: ٢٠٥].
ثم فرضية الجمعة: بالكتاب والسنة والإجماع ونوع من المعنى: أما الكتاب: فالآية
المذكورة، والمراد من الذكر فيها الخطبة باتفاق المفسرين، والأمر للوجوب، فإذا فرض
السعي إلى الخطبة التي هي شرط جواز الصلاة فإلى أصل الصلاة كان أوجب، ثم أكد
الوجوب بقوله: ((وذروا البيع)) فحرم البيع بعد النداء، وتحريم المباح لا يكون إلاّ من أجل
واجب .. وأما السنة: فحديث جابر وأبي سعيد قالا: ((خطبنا رسول الله عَّهِ .. )). الحديث،
وفيه: ((واعلموا أن الله فرض عليكم صلاة الجمعة .. )) الحديث. رواه البيهقي. وروى أبو داود
من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي عَ ل أنه قال: ((الجمعة على من سمع
النداء))، وعن حفصة، رضي الله تعالى عنها، أنه عَ ◌ّه قال: ((رواح الجمعة واجب على كل
محتلم))، رواه النسائي بإسناد صحيح على شرط مسلم، قاله النووي. وأما الإجماع: فإن
الأمة قد أجمعت من لدن رسول الله عَ ليه: إلى يومنا هذا على فرضيتها من غير إنكار، لكن
اختلفوا في أصل الفرض في هذا الوقت، فقال الشافعي: في الجديد، وزفر ومالك وأحمد
ومحمد في رواية: فرض الوقت الجمعة، والظهر بدل عنها. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف
الشافعي، في القديم: الفرض هو الظهر، وإنما أمر غير المعذور بإسقاطه بأداء الجمعة. وقال
محمد، في رواية: فرضه أحدهما غير عين، والتعيين إليه. وفائدة الخلاف تظهر في حر مقيم
أدى الظهر في أول وقته يجوز مطلقاً، حتى لو خرج بعد أداء الظهر إليها أو لم يخرج لم
يبطل فرضه، لكن عند أبي حنيفة ببطل بمجرد السعي مطلقاً، وعندهما: لا يبطل إلاّ إذا أدرك،
وعند الشافعي ومن معه: لا يجوز ظهره، سواء أدرك الجمعة أو لا، خرج إليها أو لا. وأما
المعنى فلأنا أمرنا بترك الظهر لإقامة الجمعة، والظهر فريضة ولا يجوز ترك الفرض إلاّ لفرض
هو آكد منه وأولى، فدل على أن الجمعة آكد من الظهر في الفرضية، فصارت الجمعة فرض
عين. وقال الخطابي أكثر الفقهاء على أنها من فروض الكفاية. قال: هذا غلط، وحكى أبو

٢٣٤
١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (١)
الطيب عن بعض أصحاب الشافعي: غلط من قال إنها فرض كفاية. قلت: ابن كج يقول:
إنها فرض كفاية، وهو غلط ذكره في (الحلية) و(شرح الوجيز) وفي (الدراية): صلاة الجمعة :.
فريضة محكمة جاحدها كافر بالإجماع.
٨٧٦/١ - حدّثنا أبو اليَمَانِ قال أخبرنا شُعَيْبٌ قال حدَّثنا أَبُو الزِّنادِ أن عبْدَ الرَّحْمنِ بنَ
هُزْمُزَ الأَعْرَجَ مَوْلَى رَبِيعَةَ بنِ الحَارِثِ حَدَّثَّهُ أَنَّهُ سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه أَنَّهُ سَمِعَ
رَسُولَ اللهِ عَّلِ يَقُولُ نَحْنُ الآخِرُون السَّابِقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا
ثُمَّ هِذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي فَرِضَ الله عَلَيْهِمْ فاخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدَانَا اللّه لَهُ فالناسُ لَنَا فِيهِ تَبَعّ الَّهُودُ
غَداً والتَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ. [انظر الحديث ٢٣٨ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((هذا يومهم الذي فرض الله عليهم)). إلى آخره.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: أبو اليمان الحكم بن نافع. الثاني: شعيب بن أبي
حمزة. الثالث: أبو الزناد، بكسر الزاي وبالنون: عبد الله بن ذكوان. الرابع: الأعرج.
الخامس: أبو هريرة.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والإخبار كذلك في
موضع، والتحديث أيضاً بصيغة الإفراد في موضع. وفيه : السماع في موضعين. وفيه : القول
في ثلاثة مواضع، وفيه : أن رواته ما بين حمصيين وهما: أبو اليمان وشعيب، ومدنيين وهما:
أبو الزناد والأعرج.
وأخرجه مسلم عن عمرو الناقد وابن أبي عمر فرقهما، وأخرجه النسائي عن سعيد بن
عبد الرحمن.
ذكر معناه وإعرابه: قوله: ((نحن الآخرون السابقون)) في رواية ابن عيينة عن أبي
الزناد عند مسلم: ((نحن الآخرون ونحن السابقون)). ومعناه: نحن الآخرون زماناً والسابقون،
يعني الأولون منزلة. ويقال: معناه نحن الآخرون لأجل إيتاء الكتاب لهم قبلنا، ونحن السابقون
لهداية الله تعالى لنا لذلك، ويقال: نحن الآخرون الذين جاؤوا آخر الأمم والسابقون الناس يوم
القيامة إلى الموقف، والسابقون في دخول الجنة. ويوضح ذلك ما رواه مسلم عن حذيفة،
قال رسول الله عَ له: ((أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان
للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا الله تعالى ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت
والأحد: كذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة
المقضي لهم قبل الخلائق)). وقيل: المراد بالسبق إحراز فضيلة اليوم السابق بالفضل، وهو
الجمعة. وقيل: المراد بالسبق: السبق إلى القبول والطاعة التي حرمها أهل الكتاب، فقالوا:
سمعنا وعصينا. قوله: ((بيد))، بفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف، وهو مثل: غير،
وزناً ومعنىّ وإعراباً. ويقال: ميد، بالميم وهو اسم ملازم للإضافة إلى: أن وصلتها، وله معنيان:
أحدهما: غير، إلاّ أنه لا يقع مرفوعاً ولا مجروراً، بل منصوباً، ولا يقع صفة ولا استثناء
-

٢٣٥
١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (١)
متصلاً، وإنما يستثنى به في الانقطاع خاصة. وقال ابن هشام، ومنه الحديث: ((نحن الآخرون
السابقون بيد أنهم أوتوا الكتاب قبلنا))، وفي (مسند الشافعي) بأيد أنهم، وفي (مجمع
الغرائب): بعض المحدثين يرويه: بأيدإنا أوتينا، أي: بقوة، إنا أعطينا. قال أبو عبيدة: وهو
غلط ليس له معنى يعرف، وزعم الداودي أنها بمعنى: على، أو: مع. قال القرطبي: إن كانت
بمعنى: غير، فينصب على الاستثناء، وإذا كانت بمعنى: مع، فينصب على الظرف، وروى ابن
أبي حاتم في (مناقب الشافعي): عن الربيع عنه: أن معنى: بيد، من أجل، وكذا ذكره ابن
حبان والبغوي عن المزني عن الشافعي، وقال عياض: هو بعيد، وقال بعضهم: ولا بعد فيه،
بل معناه: إنا سبقنا بالفضل إذ هدينا للجمعة مع تأخرنا في الزمان بسبب أنهم ضلوا عنها مع
تقدمهم. انتھی.
قلت: استبعاد عياض موجه، ونفي هذا القائل البعد بعيد لفساد المعنى، لأن بيد، إذا
كان بمعنى: من أجل، يكون المعنى: نحن السابقون لأجل أنهم أوتوا الكتاب، وهذا ظاهر
الفساد على ما لا يخفى، ثم أكد هذا القائل كلامه بقوله: ويشهد له ما وقع في (فوائد ابن
المقري) في طريق أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ: ((نحن الآخرون في الدنيا ونحن أول من
يدخل الجنة لأنهم أوتوا الكتاب من قبلنا)) قلت: هذا لا يصلح أن يكون شاهداً لما ادعاه،
لأن قوله: لأنهم أوتوا الكتاب،من قبلنا، تعليل لقوله: نحن الآخرون في الدنيا. قوله: ((أوتوا
الكتاب)). أي: أعطوه والمراد من الكتاب: التوراة والإنجيل، فتكون الألف واللام فيه للعهد.
وقال بعضهم: اللام للجنس، وهو غير صحيح. قوله: ((ثم هذا)) إشارة إلى يوم الجمعة. قوله:
((الذي فرض الله عليهم)) هو هكذا في رواية الحموي، وفي رواية الأكثرين: ((الذي فرض
عليهم)) وقال ابن بطال: ليس المراد أن يوم الجمعة فرض عليهم بعينه فتركوه، لأنه لا يجوز
لأحد أن يترك ما فرض الله عليه، وهو مؤمن، وإنما بدل. والله أعلم، أنه فرض عليهم يوم
الجمعة، ووكل إلى اختيارهم ليقيموا فيه شريعتهم فاختلفوا في أي الأيام هو، ولم يهتدوا
ليوم الجمعة. وجنح القاضي عياض إلى هذا ورشحه بقوله: لو كان فرض عليهم بعينه لقيل:
فخالفوا، بدل: فاختلفوا. وقال النووي: يمكن أن يكونوا أمروا به صريحاً، فاختلفوا: هل يلزم
تعيينه أم يسوغ إبداله بيوم آخر؟ فاجتهدوا في ذلك فأخطأوا. وقال بعضهم: ويشهد له ما رواه
الطبراني بإسناد صحيح عن مجاهد في قوله: ﴿إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه﴾
[النحل: ١٢٤]. قال: أرادوا الجمعة فأخطأوا وأخذوا السبت مكانه.
قلت: كيف يشهد له هذا وهم أخذوا السبت لأنه جعل عليهم؟ وإن كان أخذهم بعد
اختلافهم فيه فخطؤهم في إرادتهم الجمعة، ومع هذا استقروا على السبت الذي جعل عليهم.
وقيل: يحتمل أن يكون فرض عليهم يوم الجمعة بعينه فأبوا، ويدل عليه ما رواه ابن أبي حاتم
من طريق أسباط بن نصر عن السدي التصريح بذلك، ولفظه: ((إن الله فرض على اليهود
الجمعة فأبوا، وقالوا: يا موسى إن الله لم يخلق يوم السبت شيئاً فاجعله لنا، فجعله عليهم)).
ولم يكن هذا ببعيد منهم، لأنهم هم القائلون: سمعنا وعصينا. قوله: ((فهدانا الله له)) ويحتمل

٢٣٦
١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (٢)
وجهين: أحدهما: أن يكون الله قد نص لنا عليه. والثاني: أن تكون الهداية إليه بالاجتهاد،
ويدل عليه ما رواه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن محمد عن ابن سيرين، وقد ذكرناه في
كتاب الجمعة، فإن فيه أن أهل المدينة قد جمعوا قبل أن يقدمها رسول الله عَّله،. فإن قلت:
هذا مرسل. قلت: وله شاهد بإسناد حسن أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث
كعب بن مالك، قال: ((كان أول من صلى بنا الجمعة، قبل مقدم رسول الله عَّلِ المدينة،
أسعد بن زرارة)). قوله: ((تبع))، بفتح التاء المثناة والباء الموحدة: جمع تابع، كالخدم جمع
خادم. قوله: ((اليهود غداً) فيه حذف تقديره: يعظم اليهود غداً، أو اليهود يعظمون غداً فعلى
الأول: ارتفاع اليهود بالفاعلية، وعلى الثاني: بالابتداء، ولا بد من هذا التقدير، لأن ظرف
الزمان لا يكون خبراً عن الجثة، فحينئذ انتصاب: غداً، على الظرفية، وكذلك الكلام في
قوله: ((والنصارى بعد غد))، والمراد من قوله: ((غداً)) السبت، ومن قوله: ((بعد غد)»: الأحد،
وإنما اختار اليهود السبت لأنهم زعموا أنه يوم قد فرغ الله منه عن خلق الخلق، فقالوا: نحن
نستريح فيه عن العمل ونشتغل فيه بالعبادة والشكر لله تعالى، واختار النصارى يوم الأحد
لأنهم قالوا: أول يوم بدأ الله فيه بخلق الخليقة، فهو أولى بالتعظيم، فهدانا الله لليوم الذي
فرضه، وهو يوم الجمعة.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: دليل على فرضية الجمعة، وهو قوله: ((فرض الله عليهم
فاختلفوا فيه، فهدانا الله له)) لأن التقدير: فرض الله عليهم وعلينا، فضلوا وهدينا، ووقع في
رواية مسلم عن أبي الزناد، بلفظ: ((كتب علينا)). وفيه : أن الهداية والإضلال من الله تعالى،
كما هو قول أهل السنة. وفيه : أن سلامة الإجماع من الخطأ مخصوص بهذه الأمة، وفيه :
دليل قوي على زيادة فضل هذه الأمة على الأمم السالفة. وفيه : سقوط القياس مع وجود
النص، وذلك أن كلاً منهما قال بالقياس مع وجود النص على قول التعيين فضلاً. وفيه :
التفويض وترك الاختيار، لأنهما اختارا فضلاً، ونحن علقنا الاختيار على من هو بيده، فهدى
و کفی.
٢ - بابُ فَضْل الغُسْلِ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَهَلْ عَلَى الصَّبِيِّ شُهُودُ يَوْمَ الجُمُعَةِ أَوْ عَلى
النِّسَاءِ
أي: هذا باب في بيان فضل الغسل يوم الجمعة، ولهذه الترجمة ثلاثة أجزاء: الأول:
فضل الغسل يوم الجمعة. الثاني: هل على الصبي شهود يوم الجمعة؟ أي: حضوره. الثالث:
هل على النساء شهود يوم الجمعة؟ ثم إنه اقتصر على ذكر حكم الجزء الأول، وهو: الفضل،
لأن معناه الترغيب فيه، والأدلة متفقة فيه، ولم يجزم بالحكم في الجزأين الأخيرين بل ذكره
بالاستفهام. أما في حق الصبي فللإحتمال في دخولهم في عموم قوله: ((إذا جاء أحدكم))،
ولكنه خرج بقوله: ((على كل محتلم))، وأما في حق النساء فلاحتمال دخولهن في العموم
المذكور بطريق التبعية، ولكن عموم النهي في منعهن من حضور المساجد إلّ بالليل يخرج
حضورهن الجمعة، واعترض أبو عبد الملك على البخاري في الجزأين الأخيرين من الترجمة،

=
٢٣٧
١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (٢)
لأنه ترجم بهما ثم أورد: ((إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل))، وليس فيه ذكر شهود ولا غيره.
وأجاب ابن التين عنه: بأنه أراد سقوط الواجب عنهم، لأنه قال: وهل عليهم؟ فأبان بحديث:
((غسل الجمعة واجب على كل محتلم))، أنها غير واجبة على الصبيان، ولم يجب عن
سقوط الواجب عن النساء، ويجاب عن هذا بما ذكرنا.
٨٧٧/٢ - حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنْ نافَعِ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ
رضي الله تعالى عنهما أنَّ رسولَ الله عَِّ قال إذَا جاءَ أحَدُكُمْ الجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ.
[الحديث ٨٧٧ - طرفاه في: ٨٩٤، ٩١٩].
مطابقته للجزأين الأخيرين من الترجمة تفهم من الجواب عن اعتراض أبي عبد الملك.
ورجاله قد تكرر ذكرهم على هذا النسق.
وهذا الحديث أخرجه مسلم وغيره. ولفظ مسلم: ((إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة
فليغتسل)). وفي رواية له: ((من جاء منكم الجمعة فليغتسل)). وأخرجه الترمذي ولفظه: ((من
أتى الجمعة فليغتسل)). وأخرجه النسائي عن قتيبة عن مالك نحو رواية البخاري سنداً ومتناً،
وفي لفظ مثل رواية مسلم الثانية، وفي لفظ نحو البخاري، وفي لفظ: ((إذا أتى أحدكم
الجمعة فليغتسل)). وأخرجه ابن ماجه ولفظه: عن ابن عمر، قال: ((سمعت النبي عَّ ◌َّمه يقول
على المنبر: من أتى الجمعة فليغتسل)). وفي رواية لابن حبان في (صحيحه) وأبي عوانة
في (مستخرجه): ((من أتى الجمعة من الرجال والنساء فليغتسل)). ورواه ابن خزيمة بزيادة:
((ومن لم يأتها فليس عليه غسل من الرجال والنساء)). وأخرجه البزار من حديث عائشة، أن
النبي عَ بْلِه قال: ((من أتى الجمعة فليغتسل)). وروى البزار أيضاً من حديث عبد الله بن بريدة
عن أبيه عن النبي عَ لّه قال: ((من أتى الجمعة فليغتسل))، وروى ابن ماجه أيضاً من حديث
ابن عباس قال: قال رسول الله عَّهِ: ((إن هذا يوم عيد جعله الله للناس، فمن جاء إلى
الجمعة فليغتسل)). وروى الطبراني من حديث أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله
عَ طله: ((من جاء منكم الجمعة فليغتسل)). الحديث.
ذكر معناه: قوله: ((إذا جاء أحدكم الجمعة))، ظاهره أن يكون الغسل عقيب
المجيء، لأن الفاء للتعقيب، ولكن ليس ذلك المراد، وإنما المعنى: إذا أراد أحدكم الجمعة
فليغتسل، وقد جاء مصرحاً به في رواية الليث عن نافع، ولفظه: ((إذا أراد أحدكم أن يأتي
الجمعة فليغتسل))، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله﴾ [النحل: ٩٨].
تقديره: إذا أردت أن تقرأ القرآن فاستعذ، والظاهرية قالوا بظاهره في القراءة، وههنا لم يقولوا به
لظاهر رواية الليث المذكورة، وقال الكرماني: ((إذا جاء أحدكم)) علم منه أن الغسل إنما هو
للمجموع، وهذا عام للصبي وللنساء أيضاً. فإن قلت: من أين يستفاد العموم؟ قلت: من
لفظ: الأحد، المضاف.
فإن قلت: ما وجه دلالته على شهودهما، وهذه شرطية، فلا يدل على وقوع المجيء؟

٢٣٨
١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (٢)
قلت: لفظة: إذا، لا تدخل إلا فيما كان وقوعه مجزوماً به. انتهى. قلت: هذا الذي قاله بناء
على أنه فهم من الاستفهام في الترجمة الجزم بالحكم، وليس كذلك على ما قررناه. قوله:
((إذا جاء)) المراد: بالمجيء هو: أن يحضر إلى الصلاة أو إلى المكان الذي تقام فيه الجمعة،
وذكر المجيء باعتبار الغالب وإلاّ فالحكم شامل لمن كان مجاوراً للجامع أو مقيماً به.
ذكر ما يستفاد منه: احتجت به الظاهرية على أن أول الأمر فيه للوجوب، وليس
كذلك، لأن الأمر بالغسل ورد على سبب وقد زال السبب، فزال الحكم بزوال علته، لما رواه
البخاري من حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها، قالت: ((كان الناس مهنة أنفسهم، وكانوا
إذا راحوا إلى الجمعة راحوا في مهنتهم، فقيل لهم: لو اغتسلتم .. )) وسيأتي هذا في: باب
وقت الجمعة إذا زالت الشمس، وبعض أصحابنا قالوا: إن الحديث المذكور منسوخ بقوله
عَ لِ: ((من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فهو أفضل)). واعترض بأنه ضعيف،
فكيف يحكم أن الصحيح منسوخ به؟.
قلت: هذا الحديث روي من سبعة أنفس من الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، وهم:
سمرة بن جندب أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي عن قتادة عن الحسن عن سمرة، فذكره.
وأنس عند ابن ماجه والطحاوي والبزار والطبارني، وأبو سعيد الخدري عند البيهقي والبزار،
وأبو هريرة عند البزار، وابن عدي، وجابر عند ابن عدي في (الكامل)، وعبد الرحمن بن سمرة
عند الطبراني، وابن عباس عند البيهقي في (سننه)، وقال الترمذي: حديث حسن. واختلف
في سماع الحسن عن سمرة، فعن ابن المديني إمام هذا الفن: أنه سمع منه مطلقاً. ولئن
سلمنا ما قاله المعترض فالأحاديث الضعيفة إذا ضم بعضها إلى بعض أخذت قوة فيما
اجتمعت فيه من الحكم، كذا قاله البيهقي وغيره، وقال المحققون من أصحابنا: إن حديث
الكتاب خبر الواحد فلا يخالف الكتاب لأنه يوجب غسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس عند
القيام إلى الصلاة مع وجود الحدث، فلو وجب الغسل لكان زيادة على الكتاب بخبر الواحد،
وهذا لا يجوز لأنه يصير کالنسخ.
فافهم قلت: إذا حملنا الأمر فيه على الاستحباب توفیقاً بین الحديثین لا يحتاج حينئذ
إلى شيء آخر. وقال الشافعي، رضي الله تعالى عنه: ومما يدل على أن أمر النبي عَ ◌ّه بالغسل
يوم الجمعة فضيلة على الاختيار لا على الوجوب، حديث عمر حيث قال لعثمان: والوضوء
أيضاً؟ وقد علمت أن رسول الله عَّ لله أمر بالغسل يوم الجمعة؟ فلو علما أن أمره على
الوجوب لم يترك عمر عثمان حتى يرده ويقول له: إرجع فاغتسل. وقال ابن دقيق العيد: في
الحديث دليل على تعليق الأمر بالغسل بالمجيء إلى الجمعة، واستدل به لمالك في أنه يعتبر
أن يكون الغسل متصلاً بالذهاب، ووافقه الأوزاعي والليث والجمهور، قالوا: يجزىء من بعد
الفجر. انتهى. قلت: قال صاحب (الهداية): ثم هذا الغسل، أي غسل يوم الجمعة، للصلاة
عند أبي يوسف، يعني: لا يصل له الثواب إلاّ إذا صلى صلاة الجمعة بهذا الغسل، حتى لو
اغتسل بعد الجمعة أو أول اليوم وانتقض ثم توضأ وصلى لا يكون مدركاً كالثواب والغسل،

٢٣٩
١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (٢)
وهو الصحيح، واحترز به عن قول الحسن بن زياد، فإنه قال: لليوم إظهاراً لفضيلته، وبقوله
قال داود، وفي (المبسوط): وهو قول محمد، وفي (المحيط): وهو رواية عن أبي يوسف،
فعلى هذا عن أبي يوسف روايتان، وقيل: تظهر الفائدة أيضاً في هذا الخلاف فيمن اغتسل
بعد الصلاة قبل الغروب، إن كان مسافراً، أو عبداً أو امرأة، أو ممن لا يجب عليه الجمعة،
وهذا بعيد، لأن المقصود منه إزالة الرائحة الكريهة كيلا يتأذى الحاضرون بها، وذلك لا يتأتى
بعدها، ولو اتفق يوم الجمعة ويوم العيد أو يوم عرفة وجامع ثم اغتسل ينوب عن الكل، وفي
صلاة الجلابي: لو اغتسل يوم الخميس أو ليلة الجمعة استن بالسنة لحصول المقصود، وهو
قطع الرائحة الكريهة.
٨٧٨/٣ - حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ أسْمَاءَ قال أخبرنا جُوَيْرِيَّةُ عنْ مالِكِ عنِ الزُّهْرِيِّ
عنْ سَالِمٍ بِنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ عنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ
بَيْنَمَا هُوَ قائِمٌ في الخُطْبَةِ يَوْمَ الجُمْعَةِ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ مِنْ أصْحَابِ
النبيِّ عَ ◌ّهِ فَنَاداهُ عُمَرُ أَيَّةَ سَاعَةٍ لهذِهِ قال إنِّي شُغِلْتُ فَلَمْ أَنْقَلِبْ إلَى أَهْلِي حَتَّى سَمِعْتُ
التَّأَذِينَ فَلَمْ أَزِدْ أَنْ تَوَضَّأْتُ فقال والوضُوءُ أيضاً وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ رسولَ اللهِ عَّ ◌ُلِ كَانَ يَأْمُرُ
بالغُسْلِ [الحديث ٨٧٨ - طرفه في: ٨٨٢].
مطابقته للترجمة تفهم من قوله: ((والوضوء أيضاً)) لأن معناه: تركت فضيلة الغسل
واقتصرت على الوضوء أيضاً.
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: عبد الله بن محمد بن أسماء، بفتح الهمزة وبالمد:
الضبعي، بضم الضاد المعجمة وفتح الباء الموحدة: البصري ابن أخي جويرية بن أسماء، مات
سنة إحدى وثلاثين ومائتين. الثاني: جويرية بن أسماء بن عبيد الضبعي البصري، مات سنة
ثلاث أو أربع وتسعين ومائة. الثالث: مالك بن أنس. الرابع: محمد بن مسلم بن شهاب
الزهري. الخامس: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب. السادس: أبوه عبد الله بن عمر
ابن الخطاب، رضي الله تعالى عنهم.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه : العنعنة في
أربعة مواضع. وفيه : رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي. وفيه : رواية الرجل عن ابن
أخيه. وفيه : رواية الإبن عن الأب. وفيه : أن الاثنين الأولين من الرواة والبقية مدنيون.
وأخرجه الترمذي في الصلاة: عن محمد بن أبان حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن
الزهري (ح)، وحدثنا عبد الله بن عبد الرحمن أخبرنا عبد الله بن صالح حدثني الليث عن
يونس عن الزهري بهذا الحديث، وروى مالك هذا الحديث عن سالم قال: ((بينما عمر
يخطب يوم الجمعة))، فذكر الحديث. قال أبو عيسى: سألت محمداً عن هذا فقال: الصحيح
حديث الزهري عن سالم عن أبيه، قال محمد: وقد روي عن مالك أيضاً عن الزهري عن
سالم عن أبيه نحو هذا الحديث. انتهى.
٠

٢٤٠
١١ - كِتَابُ الجُمُعَةِ / باب (٢)
قلت: البخاري أورد الحديث المذكور من رواية جويرية بن أسماء عن مالك، وهو
عند رواة (الموطأ): عن مالك ليس فيه ذكر ابن عمر، وحكى الإسماعيلي عن البغوي، بعد
أن أخرجه من طريق روح بن عبادة عن مالك، أنه لم يذكر في هذا الحديث أحد عن مالك
عبد الله بن عمر غير روح بن عبادة وجويرية، وقد تابعهما أيضاً عبد الرحمن بن مهدي،
أخرجه أحمد بن حنبل عنه بذکر: ابن عمر.
ذكر معناه: قوله: ((بينا)» أصله: بين، فأشبعت فتحة النون فصار: بينا، وربما يدخلها:
ما، فيقال: بينما، وهما ظرفا زمان بمعنى المفاجأة، ويضافان إلى جملة من فعل وفاعل ومبتدأ
وخبر، ويحتاجان إلى جواب يتم به المعنى، وجواب: بينا، هنا قوله: ((إذا دخل رجل))،
والأفصح أن يكون فيه: إذ وإذا، وفي رواية يونس ههنا: بينما، بالميم، وفي رواية المستملي
والأصيلي وكريمة: ((إذ دخل رجل))، وفي رواية غيرهم: ((إذ جاء رجل))، والرجل هو: عثمان
ابن عفان، رضي الله تعالى عنه، وقد سماه به ابن وهب وابن القاسم في روايتهما عن مالك
في (الموطأ)، وكذلك سماه معمر في روايته عن الزهري، وكذا وقع في رواية ابن وهب عن
أسامة بن زيد عن نافع عن ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما. وقال أبو عمر: لا أعلم فيه
خلافاً غير ذلك.
قوله: ((من المهاجرين الأولين)) قال الشعبي: هم من أدرك بيعة الرضوان، وسأل قتادة
عن سعيد بن المسيب فقال: هم من صلى إلى القبلتين. قال في (الكشاف): هم الذين
شهدوا بدراً. قوله: ((فناداه عمر))، أي: قال له: يا فلان. قوله: ((أية ساعة هذه)) أية، بتشديد
الياء آخر الحروف، وهي كلمة يستفهم بها، وأنث: أية، لأجل: ساعة. فإن قلت: قد ذكرت
في قوله تعالى: ﴿وما تدري نفس بأي أرض تموت﴾ [لقمان: ٣٤]. قلت: الأمران جائزان،
يقال: أي امرأة جاءتك، وأية امرأة جاءتك. قال الزمخشري: قرىء: بأية أرض تموت، وشبه
سيبويه تأنيث: أي، بتأنيث: كل، في قولهم: كلهن، والساعة اسم لجزء من الزمان
مخصوص، ويطلق على جزء من أربعة وعشرين جزءاً هي مجموع اليوم والليلة، ويطلق أيضاً
على جزء ما غير مقدر من الزمان، ولا يتحقق. وعلى الوقت الحاضر والهندسي بقسم اليوم
على اثني عشر قسماً، وكذا الليلة طالا أم قصرا، فيسمونه: ساعة. فإن قلت: ما هذا
الاستفهام؟ قلت: استفهام توبيخ وإنكار، فكأنه يقول: لم تأخرت إلى هذه الساعة؟ وقد ورد
التصريح بالإنكار في رواية أبي هريرة، فقال عمر: ((لم تحتبسون عن الصلاة؟)) وفي رواية
مسلم: ((فعرض به عمر، فقال: ما بال رجال يتأخرون بعد النداء؟)).
فإن قلت: هل صدر هذا كله عن عمر، رضي الله تعالى عنه؟ قلت: الظاهر ذلك،
ولكن حفظ بعض الرواة ما لم يحفظ الآخر. فإن قلت: ما كان مراد عمر من هذه المقالة؟
قلت: التنبيه إلى ساعات التبكير التي وقع فيها الترغيب، لأنها إذا انقضت طوت الملائكة
الصحف، كما ورد في الحديث. فإن قلت: هل فهم عثمان، رضي الله تعالى عنه، هذا من
عمر، رضي الله تعالى عنه؟ قلت: نعم، فلذلك بادر إلى الاعتذار عن التأخير بقوله: ((إني