Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
١٠ - كتاب الأذان / باب (٩٥)
الثقات لم تتابع معمراً في قوله: فصاعداً؟ قلت: هذا سفيان بن عيينة قد تابع معمراً في هذه
اللفظة، وكذلك تابعه فيها صالح والأوزاعي وعبد الرحمن بن إسحاق وغيرهم كلهم عن
الزهري.
فإن قلت: أخرج أبو داود عن القعنبي عن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن أنه سمع أبا
السائب مولى هشام بن زهرة يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله، عَ له: ((من
صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن ... )) الحديث، وقد ذكرناه عن قريب، وفيه: ((فقلت: يا
أبا هريرة إني أكون أحيانا وراء الإمام، قال: فغمز ذراعي وقال: إقرأ بها في نفسك يا
فارسي ... )) الحديث، والخطاب لأبي السائب. وقال النووي: وهذا يؤيد وجوب قراءة الفاتحة
على المأموم، ومعناه: إقرأها سراً بحيث تسمع نفسك. قلت: هذا لا يدل على الوجوب،
لأن المأموم مأمور بالإنصات لقوله تعالى: ﴿وأنصتوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. والإنصات:
الإصغاء، والقراءة سراً بحيث يسمع نفسه تخل بالإنصات، فحينئذ يحمل ذلك على أن
المراد تدبر ذلك، وتفكره، ولئن سلمنا أن المراد هو القراءة حقيقة فلا نسلم أنه يدل على
الوجوب، على أن بعض أصحابنا استحسنوا ذلك على سبيل الاحتياط في جميع الصلوات،
ومنهم من استحسنها في غير الجهرية، ومنهم من رأى ذلك إذا كان الإمام لحاناً، ومما يؤيد
ما ذهب إليه أصحابنا ما أخرجه أبو داود من حديث أبي صالح عن أبي هريرة، قال: قال
رسول الله عَّهِ: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به))، بهذا الخبر، وزاد: ((وإذا قرأ فأنصتوا))، رواه
النسائي وابن ماجه والطحاوي، وهذا حجة صريحة في أن المقتدي لا يجب عليه أن يقرأ
خلف الإمام أصلاً على الشافعي في جميع الصلوات، وعلى مالك في الظهر والعصر.
فإن قلت: قد قال أبو داود عقيب إخراجه هذا الحديث: وهذه الزيادة يعني: ((إذا قرأ
فأنصتوا)) ليست بمحفوظة الوهم من أبي خالد أحد رواته، واسمه: سليمان بن حيان، بفتح
الحاء وتشديد الياء آخر الحروف: وهو من رجال الجماعة. وقال البيهقي في (المعرفة):
أجمع الحفاظ على خطأ هذه اللفظة، وأسند عن ابن معين في (سننه الكبير) قال: في حديث
ابن عجلان وزاد: ((وإذا قرأ فأنصتوا))، ليس بشيء، وكذا قال الدارقطني في حديث أبي
موسى الأشعري: ((وإذا قرأ الإمام فأنصتوا))، وقد رواه أصحاب قتادة الحفاظ عنه منهم: هشام
الدستوائي وسعيد وشعبة وهمام وأبو عوانة وأبان وعدي بن أبي عمارة ولم يقل واحد منهم:
(وإذا قرأ فأنصتوا)) قال: وإجماعهم يدل على وهمه، وعن أبي حاتم: ليست هذه الكلمة
بمحفوظة، إنما هي من تخاليط ابن عجلان. قلت: في هذا كله نظر، أما ابن عجلان فإنه
وثقه العجلي، وفي (الكمال): ثقة كثير الحديث، وقال الدارقطني: إن مسلماً أخرج له
في(صحيحه).
قلت: أخرج له الجماعة البخاري مستشهداً وهو محمد بن عجلان المدني، فهذا
زيادة ثقة فتقبل، وقد تابعه عليهما خارجة بن مصعب ويحيى بن العلاء، كما ذكره البيهقي
في (سننه الكبير) وأما أبو خالد فقد أخرج له الجماعة كما ذكرنا، وقال إسحاق ابن إبراهيم:

٢٢
١٠ - كتاب الأذان / باب (٩٥)
سألت وكيعاً عنه فقال: أبو خالد ممن يُسأل عنه؟ وقال أبو هشام الرافعي: حدثنا أبو خالد
الأحمر الثقة الأمين، ومع هذا لم ينفرد بهذه الزيادة، وقد أخرج النسائي كما ذكرنا هذا
الحديث بهذه الزيادة من طريق محمد بن سعد الأنصاري ومحمد بن سعد ثقة، وثقه يحيى
ابن معين، وقد تابع ابن سعد هذا أبا خالد، وتابعه أيضاً إسماعيل بن أبان، كما أخرجه
البيهقي في (سننه) وقد صحح مسلم هذه الزيادة من حديث أبي موسى الأشعري، ومن
حديث أبي هريرة، وقال أبو بكر: لمسلم حديث أبي هريرة، يعني: (إذا قرأ فأنصتوا)) قال: هو
عندي صحيح، فقال: لِمَ لا تضعه ههنا؟ قال: ليس كل شيء عني صحيح وضعته ههنا، وإنما
وضعت ههنا ما أجمعوا عليه، وتوجد هذه الزيادة أيضاً في بعض نسخ مسلم عقيب الحديث
المذكور، وفي (التمهيد) بسنده عن ابن حنبل أنه صحح الحديثين، يعني: حديث أبي موسى
وحديث أبي هريرة، والعجب من أبي داود أنه نسب الوهم إلى أبي خالد وهو ثقة بلا شك،
ولم ينسب إلى ابن عجلان وفيه كلام، ومع هذا أيضاً فابن خزيمة صحح حديث ابن عجلان.
٧٥٧/١٤٥ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قال حدَّثنا يَحْيَى عنْ عُبَيْدِ اللهِ قال حدَّثني سَعِيدُ
ابْنُ أَبِي سَعِيدٍ عنْ أبِيهِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رسولَ الله عَ لَهِ دَخلَ المَسْجِدَ فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى
فَسَلَّمَ عَلَى النّبِيّ عَّهِ فَرَدَّ وقال ارْجَعْ فَصَلٌّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ فَرَجَعَ فَصَلَّى كَمَا صَلَّى ثُمَّ
جاءَ فَسَلَّم عَلَى النِبِيّ عَّ ◌ُلِّ فقال إِزْجَعْ فَصَلِّ فإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ ثَلاثَاً فَعَالِ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ
ما أُحْسِنُ غَيْرَهُ فَعَلِّمْنِي فقال إذَا قُمْتَ إلَى الصَّلاَةِ فَكَبّرْ ثُمَّ اقْرأ ما تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرآنِ
ثُمَّ ارْكَغْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعاً ثُمَّ ارْفَغْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قائِماً ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ ساجِداً ثُمَّ
ازْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جالِساً وافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلاتِكَ كُلِّها. [الحديث ٧٥٧ - وأطرافه في:
٧٩٣، ٦٢٥١، ٦٢٥٢، ٦٦٦٧].
مطابقته للترجمة تأتي بالاستئناس في الجزء السادس من الترجمة، وهو قوله: وما
يخافت، لأنه عَّ له أمر الرجل المذكور في هذا الحديث بالقراءة في صلاته وكانت صلاته
نهارية، لأن أصل صلاة النهار على الإسرار إلاّ ما خرج بدليل كالجمعة والعيدين، وأصل
صلاة الليل على الجهر، فإن خالف فعليه سجود السهو عندنا خلافاً للشافعي، وقد مر الكلام
فيه مستقصىّ. وقال ابن بطال: ومن لم يوجب السجود في ذلك أشبه بدليل حديث أبي
قتادة الآتي فيما بعد، وكان يسمعنا الآية أحياناً وهو دال على القصد إليه والمداومة عليه،
فإنه لما كان الجهر والإسرار من سنن الصلاة، وكان عٍَّ قد جهر في بعض صلاة السر ولم
يسجد لذلك، كان كذلك حكم الصلاة إذا جهر فيها لأنه لو اختلف الحكم في ذلك
لبينه، ولا وجه لمذهب الكوفيين، إذ لا حجة لهم فيه من كتاب ولا سنة ولا نظر.
قلت: جهره عَّهِ بالقراءة في حديث أبي قتادة إنما كان لبيان جواز الجهر في القراءة
السرية، فإن الإسرار ليس بشرط لصحة الصلاة، بل هو سنة، ويحتمل أن الجهر بالآية كان
بسبق اللسان للاستغراق في التدبر. قوله: ولا وجه لمذهب الكوفيين .. إلى آخره، كلام واه
لأن حجة الكوفيين في هذا الباب مواظبته عَ ◌ّه في صلاة النهار على الإسرار وعلى الجهر

٢٣
١٠ - كتاب الأذان / باب (٩٥)
في صلاة الليل في الفرائض، وفي حديث إمامة جبريل، عليه الصلاة والسلام، روى أنس أنه
أسر في الظهر والعصر والثالثة من المغرب والأخريين من العشاء، وأصل الحديث في سنن
الدارقطني من حديث قتادة: عن أنس، رضي الله تعالى عنه، وروى أبو داود في (مراسيله) عن
الحسن في صلاة النبي عَّ خلف جبريل، عليه السلام: أنه أسر في الظهر والعصر والثالثة
من المغرب والأخريين من العشاء ونحو ذلك. وقال بعضهم موضع الحاجة من حديث أبي
هريرة هنا.
قوله: ((ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن))، وكأنه أشار بإيراده عقيب حديث عبادة أن
الفاتحة إنما تتحتم على من يحسنها وأن من لا يحسنها يقرأ ما تيسر عليه أو أن الإجمال
الذي في حديث أبي هريرة يبينه تعين الفاتحة في حديث عبادة. انتهى. قلت: هذا كلام
بعيد عن المقصود جداً تمجه الأسماع، فالبخاري وضع هذا الباب مترجماً بترجمة لها ستة
أجزاء، وأورد حديث أبي هريرة هذا لأجل الجزء السادس كما ذكرنا، فالوجه الأول الذي
ذكره هذا القائل لا يناسب شيئاً من الترجمة أصلاً وهو كلام أجنبي. الوجه الثاني أبعد منه
لأنه ذكر أن في حديث أبي هريرة في قوله: ((ثم اقرأ ما تيسر معك)» إجمالاً، فليت شعري
من قال: إن حد الإجمال يصدق على هذا؟ والمجمل هو ما خفي المراد منه لنفس اللفظ
خفاه لا يدرك إلاّ ببيان من المجمل، سواء كان ذلك لتزاحم المعاني المتساوية الأقدام
كالمشترك، أو لغرابة اللفظ كالهلوع، أو لانتقاله من معناه الظاهر إلى ما هو غير معلوم،
كالصلاة والزكاة والربا، فانظر أيها المنصف النازح عن طريق الاعتساف هل يصدق ما قاله
من دعوى الإجمال هنا؟ وهل ينطبق ما ذكره الأصوليون في حد المجمل على ما ذكره؟
فنسأل الله العصمة عن دعوى الأباطيل والوقوع في مهمة التضاليل.
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: محمد بن بشار، بفتح الباء الموحدة وتشديد الشين
المعجمة، وقد تكرر ذكره. الثاني: يحيى بن سعيد القطان. الثالث: عبيد الله بن عمر
العمري. الرابع: سعيد المقبري. الخامس: أبوه أبو سعيد، واسمه كيسان الليثي الجندعي.
السادس: أبو هريرة.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه : العنعنة في
أربعة مواضع. وفيه : القول في موضع واحد. وفيه : سعيد عن أبيه. قال الدارقطني: خالف
يحيى فيه جميع أصحاب عبيد الله لأن كلهم رووه عن عبيد الله عن سعيد عن أبي هريرة،
ولم يذكروا أباه، وقال الترمذي: وروى ابن نمير هذا الحديث عن عبيد الله عن سعيد المقبري
عن أبي هريرة، ولم يذكر فيه: عن أبيه عن أبي هريرة، وقال أبو داود: حدثنا القعنبي أخبرنا
أنس يعني ابن عياض، وأخبرنا ابن المثنى قال: حدثني يحيى بن سعيد عن عبيد الله، وهذا
لفظ ابن المثنى، قال: حدثني سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة، فذكر الحديث، ثم
قال: قال القعنبي: عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة، وقال الدارقطني: يحيى
حافظ يعتمد ما رواه فالحديث صحيح.

٢٤
١٠ - كتاب الاذان / باب (٩٥)
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الصلاة عن مسدد
وفيه وفي الاستئذان عن محمد بن بشار. وأخرجه مسلم وأبو داود جميعاً في الصلاة عن أبي
موسى. وأخرجه الترمذي عن محمد بن بشار به. وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن المثنى
به، وقال: خولف يحبى، فقيل: سعيد عن أبي هريرة، وأما رواية سعيد عن أبي هريرة فأخرجها
البخاري عن إسحاق بن منصور عن عبيد الله بن نمير في الاستئذان، وأبي أسامة في الأيمان
والنذور. وأخرجه مسلم في الصلاة عن محمد بن نمير عن أبيه به، وعن أبي بكر بن أبي شيبة
عن أبي أسامة وعبد الله بن نمير به. وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي عن أنس بن عياض به.
وأخرجه الترمذي فيه عن إسحاق بن منصور عن عبد الله بن نمير به. وأخرجه ابن ماجه فيه
بتمامه. وفي الأدب ببعضه عن أبي بكر ابن أبي شيبة عن أبي أسامة، وللحديث المذكور
طريق أخرى من غير رواية أبي هريرة أخرجها أبو داود والنسائي من رواية إسحاق بن أبي
طلحة ومحمد بن إسحاق ومحمد بن عمرو ومحمد بن عجلان وداود بن قيس، كلهم عن
علي بن أبي يحيى بن خلاد بن رافع الزرقي عن أبيه عن عمه رفاعة بن رافع، ومنهم من لم
يسم رفاعة، قال: عن عم له بدري، ومنهم من لم يقل: عن أبيه، ورواه النسائي والترمذي عن
طريق يحيى بن علي بن يحيى عن أبيه عن جده عن رفاعة، لكن لم يقل الترمذي: وفيه
اختلاف آخر.
ذكر معناه: قوله: ((فدخل رجل))، هو خلاد بن رافع، جد علي بن يحيى أحد الرواة
في حديث رفاعة بن رافع المذكور آنفاً، وفي رواية ابن نمير: ((فدخل رجل ورسول الله عَ لّه،
جالس في ناحية المسجد)). وفي رواية من رواية إسحاق بن أبي طلحة: ((بينما رسول الله
عَّ ◌َله، جالس ونحن حوله ... ) ووقع في رواية الترمذي والنسائي: ((إذ جاء رجل كالبدوي
فصلى فأخف صلاته))، وهذا لا يمنع تفسيره بخلاد، لأن رفاعة شبهه بالبدوي. قوله:
((فصلى))، قال الكرماني: أي الصلاة وليس المراد: فصلى على النبي عَّ ◌ُله قلت: وقع في
رواية النسائي من رواية داود بن قيس: ركعتين، ولو اطلع الكرماني على هذا لم يقل: وليس
المراد فصلى على النبي عَ لآه، والأحاديث يفسر بعضها بعضاً. قوله: ((فسلم على النبي،
عَ ◌ّله))، وفي رواية له، على ما يجيء: ((ثم جاء فسلم))، قوله: ((فرد))، أي: فرد النبي عَ له
السلام، وفي رواية ابن نمير في الاستئذان، فقال: وعليك السلام. قوله: ((فقال: ارجع))،
ويروى: وقال، بالواو، وفي رواية ابن عجلان: ((فقال: أعد صلاتك)). قوله: ((فرجع فصلى))،
بالفاء، ويروى: فرجع يصلي، بياء المضارع، على أن الجملة حال منتظرة مقدرة. قوله:
((ثلاثاً) أي: ثلاث مرات، وفي رواية ابن نمير: ((فقال في الثالثة)) وفي رواية أبي أسامة: ((فقال
في الثانية أو الثالثة))، والرواية التي بلا ترديد أولى. قوله: ((فقال: والذي بعثك)) ويروى: ((قال:
والذي بعثك))، بدون الفاء. قوله: ((فعلمني)) وفي رواية يحيى بن علي: ((فقال الرجل فأرني
وعلمني فإنما أنا بشر أصيب وأخطىء. فقال: أجل)) قوله: ((فقال: إذا))، ويروى: قال، بدون
الفاء. قوله: ((إذا قمت إلى الصلاة فكبر))، وفي رواية ابن نمير: ((إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ

٢٥
١٠ - كتاب الأذان / باب (٩٥)
الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر)). وفي رواية يحيى بن علي: ((فتوضأ كما أمرك الله تعالى ثم
تشهد وأقم)). وفي رواية إسحاق بن أبي طلحة عند النسائي: ((إنها لم تتم صلاة أحدكم حتى
يسبغ الوضوء كما أمره الله فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح برأسه ورجليه إلى
الكعبين ثم يكبر الله ويحمده ويمجده)). وفي رواية أبي داود: ((ويثني عليه))، بدل: ((ويمجده).
قوله: ((ثم اقرأ ما تيسر معك))، ويروى: ((بما معك))، بزيادة الباء الموحدة، ولم يختلف
في هذا عن أبي هريرة. وأما في حديث رفاعة ففي رواية إسحاق التي ذكرناها الآن: ((ويقرأ
ما تيسر من القرآن مما علمه الله))، وفي رواية يحيى بن علي: ((فإن كان معك قرآن فاقرأ وإلاّ
فاحمد الله وكبره وهلله)). وفي رواية محمد بن عمرو عند أبي داود: ((ثم اقرأ بأم القرآن أو بما
شاء الله)). وفي رواية أحمد وابن حبان: ((ثم اقرأ بأم القرآن ثم اقرأ بما شئت)). قوله: ((ثم اركع
حتى تطمئن راكعاً) أي: حال كونك راكعاً. قوله: ((حتى تعتدل))، وفي رواية ابن ماجه:
((حتى تطمئن قائماً)). قوله: ((وافعل ذلك)) أي: المذكور من كل واحد من التكبير وقراءة ما
تيسر والركوع والسجود والجلوس، وفي محمد بن عمر: ((ثم اصنع ذلك في كل ركعة
وسجدة)). قوله: ((في صلاتك كلها)) يعني: من الفرض والنفل.
ذكر ما يستنبط منه: وهو على وجوه: الأول: أن في قوله: ((فرد))، دليلاً على وجوب
رد السلام على المسلم. وفيه : رد على ابن المنير حيث قال فيه: إن الموعظة في وقت
الحاجة أهم من رد السلام، ولعله لم يرد عليه تأديباً على جهله، فيؤخذ منه التأديب بالهجر
وترك رد السلام. قلت: الحامل له على ذلك عدم وقوفه على لفظه: فرد، لأن هذه اللفظة
موجودة في الصحيحين في هذا الموضع، أو كأنه اعتمد على النسخة التي اعتمد عليها
صاحب (العمدة)، فإنه ساق هذا الحديث بلفظ هذا الباب وليس فيه لفظة: فرد.
الثاني: قال عياض في قوله: ((إرجع فصل فإنك لم تصل))، أن أفعال الجاهل في
العبادة على غير علم لا تجزىء، قلت: هذا الذي قاله إنما يمشي إذا كان المراد بالنفي نفي
الإجزاء وليس كذلك، بل المراد منه نفي الكمال، لأنه عَّم قال في آخر الحديث، وفي
رواية القعنبي عن سعيد المقبري عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه: ((إذا فعلت هذا فقد
تمت صلاتك، وما انتقصت من هذا فإنما انتقصت من صلاتك)). وقد سمى عَّالله صلاته:
صلاة، فدل على أن المراد من النفي نفي الكمال، وقال بعضهم: ومن حمله على نفي
الكمال تمسك بأنه عَ لّم لم يأمره بعد التعليم بالإعادة، فدل على إجزائها. والإلزام تأخير
البيان، ثم قال: وفيه نظر، لأنه عَ لَّه قد أمره في المرة الأخيرة بالإعادة فسأله التعليم فعلمه،
فكأنه قال له: أعد صلاتك على هذه الكيفية. انتهى.
قلت: إنما أمره بالإعادة على الكيفية الكاملة ولا يستلزم ذلك نفي ذات الصلاة،
فالنفي راجع إلى الصفة لا إلى الذات، والدليل عليه أن صلاته لو كانت فاسدة لكان
الاشتغال بذلك عبثاً، والنبي عَ لّم لا يقرر أحداً على الاشتغال بالعبث، وهذا هو الذي ذكره
المتأخرون من أصحابنا نصرة لأبي حنيفة ومحمد في ذهابهما إلى أن الطمأنينة في الركوع

٢٦
١٠ - كتاب الاذان / باب (٩٥)
والسجود واجبة وليست بفرض، حتى قال في (الخلاصة): إنها سنة عندهما، وقالوا: لأن
الركوع هو الانحناء، والسجود هو الانخفاض لغة، فتتعلق الركنية بالأدنى منهما. وقالوا أيضاً
قوله تعالى: ﴿اركعوا واسجدوا﴾ [الحج: ٧٧]. أمر بالركوع والسجود، وهما لفظان خاصان
يراد بهما الانحناء والانخفاض، فيتأدى ذلك بأدنى ما ينطلق عليه من ذلك، وافتراض
الطمأنينة فيهما بخبر الواحد زيادة على مطلق النص، وهو نسخ، وذا لا يجوز.
وأما الطحاوي الذي هو العمدة في بيان اختلاف العلماء في الفقه، فإنه لم ينصب
الخلاف بين أصحابنا الثلاثة على هذا الوجه، فإنه قال في (شرح معاني الآثار): باب مقدار
الركوع والسجود الذي لا يجزىء أقل منه، ثم روى حديث ابن مسعود، رضي الله تعالى عنه،
عن النبي عَّهِ أنه قال: ((إذا قال أحدكم في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاثاً، فقد تم
ركوعه. وذلك أدناه، وإذا قال في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاثاً، فقد تم سجوده، وذلك
أدناه)). وأخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه، ثم قال: فذهب قوم إلى هذا، وأراد به إسحاق
وداود وأحمد في رواية مشهورة، وسائر الظاهرية، فإنهم قالوا: مقدار الركوع والسجود الذي
لا يجزىء أقل منه هو المقدار الذي يقول فيه: سبحان ربي العظيم سبحان ربي الأعلى، كل
واحد ثلاث مرات، وخالفهم في ذلك آخرون، وأراد بهم: الثوري والأوزاعي وأبا حنيفة وأبا
يوسف ومحمداً ومالكاً والشافعي وعبد الله بن وهب وأحمد في رواية، فإنهم قالوا: مقدار
الركوع والسجود أن يركع حتى يستوي راكعاً، ومقدار السجود أن يسجد حتى يطمئن
ساجداً، وهذا المقدار الذي لا بد منه ولا تتم الصلاة إلاّ به، ثم روى حديث رفاعة بن رافع
في احتجاجهم فيما ذهبوا إليه، ثم في آخر الباب قال: وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف
ومحمد، ولم ينصب الخلاف بينهم مثل ما نصبه صاحب (الهداية) و(المبسوط) و(المحيط)
وغيرهم :.
فإن القول ما قالت حذام
إذا قالت حذام فصدقوها
وعن هذا أجيب عما قاله شراح (الهداية) في هذا الموضع، في شرحنا له: فمن أراد
ذلك فليرجع إليه.
الثالث: إن قوله: ((فيكبر))، يدل على أن الشروع في الصلاة لا يكون إلا بالتكبير، وهو
فرض بلا خلاف.
الرابع: إن قوله: ((ثم اقرأ))، يدل على أن القراءة فرض في الصلاة.
الخامس: قوله: ((ما تيسر))، يدل على أن الغرض مطلق القراءة، وهو حجة لأصحابنا
على عدم فرضية قراءة الفاتحة، إذ لو كانت فرضاً لأمره عَّ له، لأن المقام مقام التعليم. وقال
الخطابي قوله: ((ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن))، ظاهره الإطلاق والتخيير، والمراد منه
فاتحة الكتاب لمن أحسنها لا يجزيه غيرها، بدليل قوله: ((لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب))، وهذا
في الإطلاق كقوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة:

٢٧
١٠ - كتاب الأذان / باب (٩٥)
١٩٦]. ثم قال: أقل ما يجزىء من الهدي معيناً معلوم المقدار ببيان السنة وهو: الشاة. قلت:
يريد الخطابي أن يتخذ لمذهبه دليلاً على حسب اختياره بكلام ينقض أوله آخره، وحيث
اعترف أولاً أن ظاهر هذا الكلام الإطلاق والتخيير، وحكم المطلق أن يجري على إطلاقه،
وكيف يكون المراد منه فاتحة الكتاب وليس فيه إجمال؟ وقوله: وهذا في الإطلاق كقوله
تعالى ... إلى آخره، ظاهر الفساد، لأن الهدي اسم لما يهدى إلى الحرم، وهو يتناول الإبل
والبقر والغنم، وفيه إجمال، وأقل ما يجزىء: شاة، فيكون مراداً بالسنة بخلاف قوله: ((ما
تيسر معك من القرآن)»، فإنه ليس كذلك، لأنه يتناول كل ما يطلق عليه القرآن، فيتناول
الفاتحة وغيرها وليس فيه إجمال، وتخصيصه بفاتحة الكتاب من غير مخصص ترجيح بلا
مرجح، وهو باطل، ولا يجوزُ أن يكون قوله: ((لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب)) مخصصاً، لأنه
ينافي معنى التيسر، فينقلب إلى تعسر، وهذا باطل، ولا يجوز أم يكون مفسراً لأنه ليس فيه
إبهام. ومن قال: إنه مجمل كالتيمي وغيره، وحديث عبادة مفسر، والمفسر قاضٍ على
المجمل فقد أبعد جداً لأنه لا يصدق عليه حد الإجمال كما ذكرنا عن قريب، وقال النووي:
أما حديث: ((اقرأ ما تيسر))، فمحمول على الفاتحة فإنها متيسرة، أو على ما زاد على الفاتحة
بعدها، أو على من عجز عن الفاتحة، قلت: هذا تمشية لمذهبه بالتحكم، وكل هذا خارج
عن معنى كلام الشارع. أما قوله: فالفاتحة متيسرة، فلا يدل عليه تركيب الكلام أصلاً، لأن
ظاهره يتناول الفاتحة وغيرها مما ينطلق عليه اسم القرآن، وسورة الإخلاص أكثر تيسراً من
الفاتحة، فما معنى تعيين الفاتحة في التيسر؟ وهذا تحكم بلا دليل. وأما قوله: أو على ما زاد
على الفاتحة، فمن أين يدل ظاهر الحديث على الفاتحة حتى يكون قوله: ((ما تيسر)) دالاً
على ما زاد على الفاتحة؟ ومع هذا إذا كان مأموراً بما زاد على الفاتحة يجب أن تكون تلك
الزيادة أيضاً فرضاً، مثل قراءة الفاتحة، ولم يقل به الشافعي. وأما قوله: أو على من عجز عن
الفاتحة، فحمله عليه غير صحيح، لأنه ما في الحديث شيء يدل عليه. وفي حديث رفاعة
ابن رافع: ((ثم اقرأ إن كان معك قرآن، فإن لم يكن معك قرآن فاحمد الله وكبر وهلل)). كذا
في رواية الطحاوي، وفي رواية الترمذي: ((فإن كان معك قرآن، فإقرأ وإلّ فاحمد الله وكبره
وهلله)). وكيف يحمل قوله: ((إقرأ ما تيسر)) على من عجز عن الفاتحة وقد بين عَ لّ حكم
العاجز عن القراءة مستقلا برأسه؟
السادس: في قوله: حتى تطمئن)) في الموضعين، يدل على وجوب الطمأنينة في
الركوع والسجود.
السابع: قال الخطابي في قوله: ((وافعل ذلك في صلاتك كلها)) دليل على أن عليه
أن يقرأ في كل ركعة، كما كان عليه أن يركع ويسجد في كل ركعة، وقال أصحاب الرأي:
إن شاء أن يقرأ في الركعتين الأخريين قرأ، وإن شاء أن يسبح سبح، وإن لم يقرأ فيهما شيئاً
أجزأته، ورووا فيه عن علي بن أبي طالب أنه قال: يقرأ في الأوليين ويسبح في الأخريين من
طريق الحارث عنه، وقد تكلم الناس في الحارث قديماً، وطعن فيه الشعبي، ورماه بالكذب،

٢٨
١٠ - كتاب الأذان / باب (٩٥)
وتركه أصحاب (الصحيح): ولو صح ذلك عن علي لم يكن حجة، لأن جماعة من الصحابة
قد خالفوه في ذلك منهم: أبو بكر وعمر وابن مسعود وعائشة وغيرهم، رضي الله تعالى
عنهم، وسنة رسول الله عَّ أولى ما اتبع فيه، بل قد ثبت عن علي من طريق عبيد الله بن
أبي رافع أنه كان يأمر أن يقرأ في الأوليين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة، وفي
الأخریین بفاتحة الكتاب. انتهى.
قلت: إن سلمنا أن قوله ذلك دل على أن يقرأ في كل ركعة، فقد دل غيره أن القراءة
في الأوليين قراءة في الأخريين، بدليل ما روي عن جابر بن سمرة قال: شكا أهل الكوفة
سعداً .. الحديث، وفيه: ((وأحذف في الأخريين))، أي: أحذف القراءة في الأخريين، وقد مر
الكلام فيه مستوفيّ في هذا الباب، وتفسيرهم بقولهم: أقصر القراءة ولا أحذفها، خلاف
الظاهر، وإن طعنوا في الرواية عن علي من طريق الحارث فقد روى عبد الرزاق في (مصنفه):
عن معمر عن الزهري عن عبيد الله بن أبي رافع، قال: كان علي يقرأ في الأوليين من الظهر
والعصر بأم القرآن وسورة، ولا يقرأ في الأخريين، وهذا إسناد صحيح، وهذا ينافي قول
الخطابي، بل قد ثبت عن علي، رضي الله تعالى عنه، من طريق عبيد الله .. الخ، وقوله: لأن
جماعة من الصحابة قد خالفوه، غير مسلم، لأنه روي عن ابن مسعود مثله، على ما روى ابن
أبي شيبة، قال: حدثنا شريك عن أبي إسحاق عن علي وعبد الله أنهما قالا: قرأ في الأوليين
وسبح في الأخريين، وكذا روي عن عائشة، وكذا روي عن إبراهيم وابن الأسود. وفي
(التهذيب) لابن جرير الطبري: وقال حماد عن إبراهيم عن ابن مسعود، إنه كان لا يقرأ في
الركعتين الأخريين من الظهر والعصر شيئاً. وقال هلال بن سنان: صليت إلى جنب عبد الله
ابن يزيد فسمعته يسبح، وروى منصور عن جرير عن إبراهيم قال: ليس في الركعتين الأخريين
من المكتوبة قراءة، سبح الله واذكر الله. وقال سفيان الثوري: إقرأ في الركعتين الأوليين
بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب أو سبح فيهما بقدر الفاتحة، أي: ذلك
فعلت أجزأك، وإن سبح في الأخريين أحب إلي.
فإن قلت: لم يبين في هذا الحديث بعض الواجبات: كالنية والقعدة الأخيرة وترتيب
الأركان، وكذا بعض الأفعال المختلف في وجوبها كالتشهد في الأخير، والصلاة على النبي
عَّهِ، وإصابة لفظة السلام. قلت: قيل في جوابه: لعل هذه الأشياء كانت معلومة عند هذا
الرجل، فلذلك لم يبينها، قيل: يجوز أن يكون الراوي اختصر ذكر هذه الأشياء لأن المقام
مقام التعليم، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولهذا قال الرجل في حديث رفاعة،
فيما رواه الترمذي: ((فأرني وعلمني فإنما أنا بشر أصيب وأخطىء)). وقوله: ((علمني))، يتناول
جميع ما يتعلق بالصلاة من الواجبات القولية والفعلية.
قلت: فيه تأمل، وقال ابن دقيق العيد: تكرر من الفقهاء الاستدلال بهذا الحديث على
وجوب ما ذكر فيه، وعلى عدم وجوب ما لم يذكر، أما الوجوب فلتعلق الأمر به، وأما عدمه
فليس لمجرد كون الأصل عدم الوجوب، بل لكون الباب موضع تعليم وبيان للجاهل، وذلك

٢٩
١٠ - كتاب الأذان / باب (٩٥)
يقتضي انحصار الواجبات فيما ذكر. انتهى. قلت: إنما يقتضي انحصار الواجبات فيما ذكر
أن لو لم يذكر النبي عَّه جميع الواجبات التي في الصلاة والذي لم يذكره ظاهراً، إما
اعتماداً على العلم بوجوبه قبل ذلك أو هو اختصار من الراوي: كما قيل، وقد ذكرناه. على
أنا نقول: إذا جاءت صيغة الأمر في حديث آخر بشيء لم يذكر في هذا الحديث تقدم،
ويعمل بها.
الثامن: فيه وجوب الإعادة على من يخل بشيء من الأركان، واستحباب الإعادة على
من يخل بشيء من الواجبات للاحتياط في باب العبادات.
التاسع: فيه أن الشروع في النافلة ملزم، لأن الظاهر أن صلاة ذلك الرجل كانت نافلة.
العاشر: فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الحاي عشر: فيه حسن التعليم بالرفق دون التغليظ والتعنيف.
الثاني عشر: فيه إيضاح المسألة وتلخيص المقاصد.
الثالث عشر: فيه جلوس الإمام في المسجد وجلوس أصحابه معه.
الرابع عشر: فيه التسليم للعالم والانقياد له.
الخامس عشر: فيه الاعتراف بالتقصير، والتصريح بحكم البشرية في جواز الخطأ.
السادس عشر: فيه حسن خلقه عَّه ولطف معاشرته مع أصحابه.
السابع عشر: قال عياض: فيه حجة على من أجاز القراءة بالفارسية، لكون ما ليس
بلسان العرب لا يسمى قرآناً. قلت: هذا الخلاف مبني على أن القرآن اسم للمعنى فقط، أو
للنظم والمعنى جميعاً، فمن ذهب إلى أنه اسم للمعنى احتج بقوله تعالى: ﴿وإنه لفي زبر
الأولين﴾ [الشعراء: ١٩٦]. ولم يكن القرآن في زبر الأولين بلسان العرب، وقوله: لكون ما
ليس بلسان العرب لا يسمى قرآناً فيه نظر، لأن التوراة الذي أنزله الله تعالى على موسى، عليه
الصلاة والسلام، يطلق على أنه قرآن وهو ليس بلسان العرب، وكذلك الإنجيل والزبور، لأن
القرآن كلام الله تعالى قائم بذاته لا يتجزأ ولا ينفصل عنه، غير أنه إذا نزل بلسان العرب سمي
قرآناً، ولما نزل على موسى، عليه السلام، سمي توراة، ولما نزل على عيسى، عليه الصلاة
والسلام، سمي إنجيلاً، ولما نزل على داود سمي زبوراً. واختلاف العبارات باختلاف
الاعتبارات.
الثامن عشر: فيه أن المفتي إذا سئل عن شيء وكان هناك شيء آخر يحتاج إليه
السائل يستحب له أن يذكره له، وإن لم يسأله عنه، ويكون ذلك منه نصيحة له وزيادة خير.
التاسع عشر: فيه استحباب صبر الآمر بالمعروف والنهي عن المنكر على من ينكر
فعله أو يأمره بفعله، لاحتمال نسيان فيه أو تعقله فيتذكره، وليس ذلك من باب التقرير على
الخطأ.

٣٠
١٠ - كتاب الأذان / باب (٩٦)
العشرون: السؤال الوارد فيه وهو أنه معَّه كيف سكت عن تعليمه أولا؟ فقال
التوربشتي: إنما سكت عن تعليمه أولاً لأنه لما رجع لم يستكشف الحال من مورد الوحي،
وكأنه اغتر بما عنده من العلم فسكت عن تعليمه زجراً له وتأديباً وإرشاداً إلى استكشاف ما
استبهم عليه، فلما طلب كشف الحال من مورده أرشده إليه، وقال النووي: إنما لم يعلمه أولاً
ليكون أبلغ في تعريفه وتعريف غيره بصفة الصلاة المجزئة، وقال ابن الجوزي: يحتمل أن
يكون ترديده لتفخيم الأمر وتعظيمه عليه، ورأى أن الوقت لم يفته فأراد إيقاظ الفطنة
للمتروك، وقال ابن دقيق العيد: ليس التقرير بدليل على الجواز مطلقاً، بل لا بد من انتفاء
الموانع، ولا شك أن في زيادة قبول التعلم لما يلقى إليه بعد تكرار فعله واستجماع نفسه
وتوجه سؤاله مصلحة مانعة من وجوب المبادرة إلى التعلم، لا سيما مع عدم خوف الفوات،
إما بناء على ظاهر الحال أو بوحي خاص.
٩٦ - بابُ القِرَاءَةِ في الظهرْ
أي: هذا باب في بيان حكم القراءة في صلاة الظهر. قال الكرماني: الظاهر أن المراد
بها بيان قراءة غير الفاتحة، قلت: العجب منه كيف يقول ذلك؟ وأين الظاهر الذي يدل على
ما قاله؟ بل مراده الرد على من لا يوجب القراءة في الظهر، وقد ذكرنا أن قوماً، منهم: سويد
ابن غفلة والحسن بن صالح وإبراهيم بن علية ومالك في رواية قالوا: لا قراءة في الظهر
والعصر.
٧٥٨/١٤٦ - حدَّثنا أَبُو النُّعْمَانِ قال حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ عنْ عَبْدِ المَلِكِ بنِ عُمَيْرٍ عَنْ جابِرِ
ابنِ سَمُرَةَ قال قالٍ سَعدٌ كُنْتُ أُصَلِّي بِهِمْ صَلاَةَ رَسُولِ اللهِ عَ ◌ّهِ صَلاَتَيْ الْعَشِيِّ لَا أَخْرِمُ عَنْهَا
كُنْتُ أَرْكُدُ فِي الأَولَتَيْنِ وأخِفُ فِي الأَخْرَيَيْنِ فقالَ عُمَرُ رضي الله تعالى عنه ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ.
[انظر الحديث ٧٥٥ وطرفه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((كنت أركد في الأوليين))، لأن ركوده فيهما كان
للقراءة. وقوله: ((صلاة العشي)) هي صلاة الظهر والعصر وقد مر هذا الحديث في الباب
السابق بتمامه، أخرجه عن موسى بن إسماعيل عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، وههنا: عن
أبي النعمان محمد بن الفضل السدوسي البصري عن أبي عوانة، وقد مر الكلام فيه مستقصى
في الباب السابق.
قوله: ((فأخف))، بضم الهمزة، ويروى: فأخفف، ويروى: ((فأحذف)).
٧٥٩/١٤٧ - حدَّثنا أبو نُعَيْم قال حدَّثنا شَيْبَانُ عنْ يَحْيِى عِنْ عَبْدِ اللهِ بنِ أبي قَتَادَةَ عنْ
أَبِيهِ قال كانَ النَّبيُّ عَ لَّهِ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنْ صَلاَةِ الظُّهْرِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ وسورَتَينِ
يُطَوِّلُ فِي الأَولِى وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ وَيُسْمِعُ الآيَةَ أُحْيَاناً وكانَ يَقْرَأْ فِي العَصْرِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ
وَسُورَتَيْنِ وكانَ يُطَوِّلُ فِي الأَولَى وكان يُطَوِّلِ فِي الرَّكْعَةِ الأَولَى مِنْ صَلاَةِ الصُّبْحِ وَيُقَصِّرُ
فِي الثَّانِيَةِ. [الحديث ٧٥٩ - أطرافه في: ٧٦٦٢، ٧٧٦، ٧٧٨، ٧٧٩].

٣١
١٠ - كتاب الأذان / باب (٩٦)
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: أبو نعيم، بضم النون: الفضل بن دكين. الثاني:
شيبان بن عبد الرحمن. الثالث: يحيى بن أبي كثير. الرابع: عبد الله بن أبي قتادة.
الخامس: أبوه أبو قتادة الحارث بن ربعي، وهو المشهور.
ذكر لطائف إسناده: وفيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه : عن عبد الله
ابن أبي قتادة عن أبيه، وفي رواية الجوزقي، من طريق عبيد الله بن موسى: عن شيبان
التصريح بالإخبار ليحيى من عبد الله، ولعبد الله من أبيه، وكذا للنسائي من رواية الأوزاعي
عن يحيى، لكن بلفظ التحديث فيهما، وكذا له من رواية أبي إبراهيم القتاد عن يحيى:
حدثني عبد الله، فأمن بذلك تدليس يحيى.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الصلاة عن مكي بن
إبراهيم عن هشام الدستوائي وعن أبي نعيم عن هشام ولم يذكر القراءة، وعن موسى بن
إسماعيل عن همام، وعن محمد بن يوسف عن الأوزاعي، أربعتهم عن يحيى بن أبي كثير به.
وأخرجه مسلم فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة وعن محمد بن المثنى. وأخرجه أبو داود فيه
عن محمد بن المثنى به، وعن الحسن بن علي، وعن مسدد عن يحيى وأخرجه النسائي فيه
عن قتيبة، وعن يحيى بن درست وعن عمران بن يزيد وعن محمد بن المثنى، وأخرجه ابن
ماجه فيه عن بشر بن هلال الصواف.
ذكر معناه: قوله: ((الأوليين)) تثنية الأولى. قوله: ((وسورتين)) أي: في كل ركعة
سورة. قوله: ((يطول)) من التطويل. قوله: ((في الثانية)) أي: في الركعة الثانية. قوله: ((ويسمع
الآية))، وفي رواية: ((ويسمعنا))، من الإسماع، وكذا أخرجه الإسماعيلي من رواية الشيبان،
وللنسائي من حديث البراء: ((كنا نصلي خلف النبي معدِّ الظهر فنسمع منه الآية بعد الآية من
سورة لقمان والذاريات))، ولابن خزيمة من حديث أنس نحوه، ولكن قال: سبح إسم ربك
الأعلى﴾ [الأعلى: ١]، وؤهل أتاك حديث الغاشية﴾ [الغاشية: ١]. قوله: ((أحياناً)) أي: في
أحيان، جمع حین، وهو يدل على تكرر ذلك منه.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: دليل على وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة من الأوليين
من ذوات الأربع والثلاث، وكذلك ضم السورة إلى الفاتحة. وفيه : استحباب قراءة سورة
قصيرة بكمالها، وأنها أفضل من قراءة بقدرها من الطويلة، وفي (شرح الهداية): إن قرأ بعض
سورة في ركعة وبعضها في الثانية، الصحيح أنه لا يكره، وقيل: يكره ولا ينبغي أن يقرأ في
الركعتين من وسط السورة، ومن آخرها، ولو فعل لا بأس به. وفي النسائي: «قرأ رسول الله
عَّ لِ من سورة المؤمنين إلى ذكر موسى وهارون، ثم أخذته سعلة ركع)). وفي (المغني): لا
تكره قراءة آخر السورة وأوسطها في إحدى الروايتين عن أحمد، وفي الرواية الثانية مكروهة.
وفيه : أن الإسرار ليس بشرط لصحة الصلاة بل هو سنة. وفيه : في قوله: ((وكان يطول

٣٢
١٠ - كتاب الأذان / باب (٩٧)
الركعة الأولى من الظهر ويقصر في الثانية)) ما يستدل به محمد على تطويل الأولى على
الثانية في جميع الصلوات، وبه قال بعض الشافعية، وعن أبي حنيفة وأبي يوسف: يسوي بين
الركعتين إلاّ في الفجر، فإنه يطول الأولى على الثانية، وبه قال بعض الشافعية، وجوابهما عن
الحديث: أن تطويل الأولى كان بدعاء الاستفتاح والتعوذ لا في القراءة، ويطول الأولى في
صلاة الصبح بلا خلاف لأنه وقت نوم وغفلة. وفيه : دليل على جواز الاكتفاء بظاهر الحال
في الإخبار دون التوقف على اليقين، لأن الطريق إلى العلم بقراءة السورة في السرية لا يكون
إلاّ بسماع كلها، وإنما يفيد يقين ذلك لو كان في الجهرية، وكأنه مأخوذ من سماع بعضها
مع قيام القرينة على قراءة باقيها، قاله ابن دقيق العيد.
وقيل: يحتمل أن يكون الرسول عَ لّه كان يخبرهم عقيب الصلاة دائماً أو غالباً بقراءة
السورتين. قلت: هذا بعيد جداً. وفيه : ما استدل به بعض الشافعية على جواز تطويل الإمام
في الركوع لأجل الداخل. وقال القرطبي: ولا حجة فيه لأن الحكمة لا يعلل بها لخفائها أو
لعدم انضباطها، ولأنه لم يكن يدخل في الصلاة يريد تقصير تلك الركعة، ثم يطيلها لأجل
الآتي، وإنما كان يدخل فيها ليأتي بالصلاة على سنتها من تطويل الأولى، فافترق الأصل
والفرع، فامتنع الإلحاق. وفيه : ما استدل فيه أصحابنا الحنفية بإسقاط القراءة في الأخريين،
لأن ذكر القراءة فيهما لم يقع، والله أعلم.
٧٦٠/١٤٨ - حدَّثنا عُمَّرُ بنُ حَفْصٍ قال حدَّثنا أبي قال حدَّثنا الأعْمَشُ قال حدَّثني
عُمَارَةُ عنْ أَبِي مَعْمَرٍ قال سَألْنَا حَتَاباً أَكَان النبيُّ عَلَّهِ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ والعَصْرِ قال نَعَمْ قُلْنَا
بِأَيِّ شيءٍ كُنْتُمْ تَعْرِفُونَ قال بِاضْطِرابٍ لِخيِّهِ. [انظر الحديث ٧٤٦ وطرفيه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وعمر هو ابن حفص وأبوه حفص بن غياث، والأعمش هو
سليمان، وعمارة، بضم العين: هو ابن عمير، وأبو معمر، بفتح الميمين: عبد الله بن سخبرة
الأزدي الكوفي. وقد أخرج البخاري هذا في: باب رفع البصر إلى الإمام، عن موسى عن عبد
الواحد عن الأعمش إلى آخره، وقد مر الكلام فيه مستوفىّ هناك.
وفيه : الحكم بالدليل، لأنهم حكموا باضطراب لحيته المباركة على قراءته، لكن لا
بد من قرينة تعيين القراءة دون الذكر، والدعاء مثلاً، لأن اضطراب لحيته يحصل بكل منهما،
وكأنهم نظروه بالصلوات الجهرية لأن ذلك المحل منها هو محل القراءة لا الذكر والدعاء،
وإذا انضم إلى ذلك قول أبي قتادة: كان يسمعنا الآية أحياناً، قوي الاستدلال.
٩٧ - بابُ القِرَاءَةِ في العَصْرِ
أي: هذا باب في بيان حكم القراءة في صلاة العصر.
٧٦١/١٤٩ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قال حدَّثنا سُفْيَانُ عنِ الأعْمَشِ عنْ عُمَارَةَ بنِ
عُمَيْرٍ عنْ أَبِي مَعْمَرٍ قال قُلْتُ لِخَبَّابٍ بنِ الأَرَتِّ أكانَ النبيُّ عَّلِ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ والعَصّرِ قال
نَعَمْ قال قُلْتُ بِأيِّ شَيءٍ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ قِرَاءَتَهُ قال بِاضْطِرابٍ لِحْيَتِهِ. [انظر الحديث ٧٤٦

٣٣
١٠ - كتاب الأذان / باب (٩٨)
وطرفیه].
ذكر في هذا الباب حديثين: أحدهما: حديث خباب، والآخر: حديث أبي قتادة
مختصراً، وقد ذكرهما في الباب الذي قبله، وقد مر الكلام فيهما. قوله: ((قلت))، ویروی:
((قلنا)). قوله: ((أكان؟)) الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار.
٧٦٢/١٥٠ - حدّثنا المَكَّيُّ بنُ إِبْراهِيمَ عَنْ هِشَامٍ عنْ يَخْبَى بنِ أبِي كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ الله
بنِ أبِي قَتَادَةَ عنْ أَبِيهِ قال كانَ النبيُّ عَّهِ يَقْرَأْ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِنَ الظَّهْرِ وَالعَصْرِ بِفَاتِحَةٍ
الكِتَابِ وَسُورَةٍ سُورَةٍ وَيُشْمِعُنَا الْآيَةَ أحياناً. [انظر الحديث ٧٥٩ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، ومكي بن إبراهيم بن بشير بن فرقد التميمي الحنظلي البلخي،
ولد سنة ست وعشرين ومائة، وقال البخاري: مات سنة أربع عشرة أو خمس عشرة ومائتين،
وهشام الدستوائي. قوله: ((سورة سورة)) كرر لفظ: السورة، ليفيد التوزيع على الركعات،
يعني: يقرأ في كل ركعة من ركعتيهما سورة.
٩٨ - بابُ القِرَاءَةِ فِي المَغْرِبِ
أي: هذا باب فى بيان حكم القراءة في صلاة المغرب، والمراد تقدير القراءة لا إثباتها
لكونها جهرية، بخلاف ما تقدم في: باب القراءة في العصر والقراءة في الظهر.
٧٦٣/١٥١ - حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عُبَيْدِ اللهِ
ابنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عُثْبَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما أنه قال إنَّ أَمِ الفَضْلِ سَمِعَتْهُ وهو
يَقْرَأَ ﴿وَالمُرْسَلاتِ عُرْفَ﴾ [المرسلات: ١] فقالَتْ يا بُنَيَّ واللهِ لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِرَاءَتِكَ هذه
السُّورَةَ إِنَّهَا لَآخِرُ ما سَمِعتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ عَّ ◌َلَّهِ يَقْرَأُ بها في المَغْرِبِ. [الحديث ٧٦٣ -
طرفه في: ٤٤٢٩].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ورجاله قد ذكروا غير مرة، وابن شهاب هو: محمد بن مسلم الزهري.
وأخرجه البخاري أيضاً في المغازي عن يحيى بن بكير. وأخرجه مسلم في الصلاة عن
يحيى بن يحيى عن مالك وعن أبي بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد وعن حرملة بن يحيى وعن
إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد، كلاهما عن عبد الرزاق. وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي
عن مالك. وأخرجه الترمذي فيه عن هناد. وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة عن سفيان به
مختصراً، وفي التفسير عن محمد بن سلمة والحارث بن مسكين. وأخرجه ابن ماجه فيه عن
أبي بكر بن أبي شيبة وهشام بن عمار، كلاهما عن سفيان به.
قوله: ((إن أم الفضل))، هي: والدة ابن عباس الراوي عنها، وبذلك صرح الترمذي في
روايته فقال: عن أمه - أم الفضل - واسمها: لبابة بنت الحارث زوجة العباس، وهي أخت
ميمونة بنت الحارث زوج النبي عَِّ. قوله: ((سمعته))، أي: سمعت ابن عباس، وفيه التفات
عمدة القاري / ج٦ / م٣

٣٤
١٠ - كتاب الأذان / باب (٩٨)
من الحاضر إلى الغائب، لأن القياس يقتضي أن يقال: سمعتني، وإنما لم يقل: إن أمي،
لشهرتها بذلك. قوله: ((وهو يقرأ))، جملة إسمية وقعت حالاً، والضمير يرجع إلى ابن عباس،
وفيه التفات أيضاً من الحاضر إلى الغائب، لأن القياس يقتضي: وأنا أقرأ. وقال الكرماني:
ويقرأ إما حال وإما استئناف، وعلى الحال يحتمل سماعها منه عَّمِ القرآن بعد ذلك، وعلى
الاستئناف لا يحتمل. قوله: ((لقد ذكرتني)) بالتشديد، أي: ذكرتني شيئاً نسيته. قال
الكرماني: ويروى بالتخفيف، ويروى أيضاً بقرآنك على وزن الفعلان، أراد به: بضم القاف
وسكون الراء وبعد الألف نون. قوله: «هذه السورة))، منصوب بقوله: ((بقراءتك))، على مختار
البصريين، وبقوله: ((ذكرتني))، على مختار الكوفيين. قوله: ((إنها)) أي: إن هذه السورة ((لآخر
ما سمعت)) ويروى: ((ما سمعته)) بزيادة ضمير المنصوب.
فإن قلت: صرح عقيل في روايته عن ابن شهاب أنها آخر صلوات النبي عَ لِّ، ذكره
البخاري في باب الوفاة، ولفظه: ((ثم ما صلى لنا بعدها حتى قبضه الله))، وذكر في: باب إنما
جعل الإمام ليؤتم به، من حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها، إن الصلاة التي صلاها النبي،
عَّله، بأصحابه في مرض موته كانت الظهر قلت: التوفيق بينهما أن الصلاة التي حكتها
عائشة كانت في مسجد النبي عَِّ، والصلاة التي حكتها أم الفضل كانت في بيته، كما
رواه النسائي: ((صلى بنا في بيته المغرب فقرأ المرسلات، وما صلى بعدها صلاة حتى قبض
عَ لّه). فإن قلت: روى الترمذي: حدثنا هناد قال: أخبرنا عبدة عن محمد بن إسحاق عن
الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن أمه - أم الفضل - قالت: خرج إلينا
رسول الله عَّله وهو عاصب رأسه في مرضه، فصلى المغرب فقرأ بالمرسلات، فما صلاها
بعد حتى لقي الله. وقال: حديث أم الفضل حديث حسن صحيح. قلت: يحمل قولها:
خرج إلينا، على أنه خرج من مكانه الذي كان راقداً فيه إلى الحاضرين في البيت، فصلى
بهم، فيحصل الالتئام بذلك في الروايات. وقال الترمذي: روي عن النبي عَِّ أنه قرأ في
المغرب بالطور، وقد ذكره البخاري مسنداً على ما يجيء عن قريب.
٧٦٤/١٥٢ - حدَّثنا أبُو عاصِمٍ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ عن ابنٍ أَبِي مُلَئِكَةَ عنْ غُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ عنْ
مَرْوَانَ بنِ الحَكَمِ قالٍ قال لِي زَيْدُ بنُ ثَابِتٍ مَا لَكَ تَقْرَأْ في المَغْرِبِ بِقِصَارِ المُفَصَّلِ وقَدْ
سَمِعْتُ النبيَّ عَلَّهِ يَقْرَأُ بِطُولَى الطُّوَلَيَيْنِ.
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: أبو عاصم الضحاك بن مخلد، بفتح الميم: النبيل
البصري. الثاني: عبد الملك بن جريج. الثالث: عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، بضم
الميم، واسمه زهير بن عبد الله المكي الأحول، الرابع: عروة بن الزبير بن العوام. الخامس:
مروان بن الحكم بن العاص، أبو الحكم المدني. قال الذهبي: ولم ير النبي عَّ لأنه خرج
إلى الطائف مع أبيه وهو طفل. السادس: زيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري.

٣٥
١٠ - كتاب الأذان / باب (٩٨)
ذكر لطائف إسناده: وفيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد. وفيه : العنعنة
في أربعة مواضع. وفيه : القول مكرراً. وفيه : أن رواته ما بين بصري ومكي ومدني. وفيه :
عن ابن أبي مليكة، وفي رواية عبد الرزاق: عن ابن جريج حدثني ابن أبي مليكة، ومن طريقه
أخرجه أبو داود وغيره. وفيه: عن عروة. وفي رواية الإسماعيلي من طريق حجاج بن محمد
عن ابن جريج: سمعت ابن أبي مليكة أخبرني عروة أن مروان أخبره.
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه أبو داود أيضاً في الصلاة عن أبي عاصم بن علي عن
عبد الرزاق. وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن عبد الأعلى عن خالد بن الحارث عن ابن
جريج.
ذكر معناه: قوله: ((قال لي زيد بن ثابت ... )) إلى آخره، قال: ذلك حين كان مروان
أميراً على المدينة من قِبَل معاوية. قوله: ((ما لك؟)) استفهام على سبيل الإنكار. قوله: ((بقصار
المفصل)»، هكذا هو في رواية الكشميهني وفي رواية الأكثرين، بقصار، بالتنوين لقطعه عن
الإضافة، ولكن التنوين فيه بدل عن المضاف إليه، أي بقصار المفصل. ووقع في رواية
النسائي: بقصار السور، والمفصل السبع السابع، سمي به لكثرة فصوله، وهو من سورة محمد
عَّهِ، وقيل: من الفتح، وقيل: من قاف إلى آخر القرآن. وقصار المفصل من ﴿لم يكن﴾
[البينة: ١]. إلى آخر القرآن، وأوساطه من ﴿والسماء ذات البروج﴾ [البروج: ١]. إلى ﴿لم
يكن﴾ [البينة: ١]. وطواله من سورة محمد أو من الفتح إلى ﴿والسماء ذات البروج﴾
[البروج: ١]. قوله ((بطولى الطوليين)) طولى، بضم الطاء على وزن: فعلى، تأنيث أطول،
ككبرى تأنيث أكبر، ومعناه أطول السورتين الطويلتين. وقال التيمي: يريد أطول السورتين.
وقوله: الطوليين، بضم الطاء تثنية طولى، وهكذا هو رواية الأكثرين. وفي رواية كريمة: ((بطول
الطوليين))، بضم الطاء وسكون الواو وباللام فقط، وقال الكرماني: المراد بطول الطوليين طول
الطويلتين إطلاقاً للمصدر، وإرادة للوصف، أي: كان يقرأ بقدر السورتين، وليس هذا بمراد،
ووقع في رواية أبي الأسود عن عروة: بأطول الطوليين: آلمص، وفي رواية أبي داود قال:
قلت: ما طول الطوليين؟ قال: الأعراف. قال: وسألت أنا ابن أبي مليكة فقال لي، من قبل
نفسه: المائدة والأعراف. وبين النسائي في رواية له: أن التفسير من عروة، وفي رواية
الجوزقي من طريق عبد الرحمن بن بشر عن عبد الرزاق مثل رواية أبي داود إلاّ أنه قال:
الأنعام بدل المائدة. وعند أبي مسلم الكجي: عن أبي عاصم: يونس بدل الأنعام. أخرجه
الطبراني وأبو نعيم في (المستخرج) فمن هذا عرفت أنهم اتفقوا على تفسير الطولى
بالأعراف.
:
ووقع الاختلاف في الأخرى على ثلاثة أقوال، والمحفوظ منها الأنعام، وقال ابن
بطال: البقرة أطول السبع الطوال، فلو أرادها لقال طول الطوال، فلما لم يردها دل على أنه
أراد الأعراف لأنها أطول السور بعد البقرة، ورد عليه بأن النساء أطول من الأعراف. قلت:
ليس للرد وجه، لأن الأعراف أطول السور بعد، لأن البقرة: مائتان وثمانون وست آيات، وهي

٣٦
١٠ - کتاب الأذان / باب (٩٨).
ستة آلاف ومائة وإحدى وعشرون كلمة، وخمسة وعشرون ألف حرف وخمسمائة حرف.
وسورة آل عمران: مائتا آية، وثلاثة آلاف وأربعمائة وإحدى وثمانون كلمة، وأربعة عشر ألفاً
وخمسمائة وخمسة وعشرون حرفاً. وسورة النساء: مائة وخمس وسبعون آية، وثلاث آلاف
وسبعمائة وخمس وأربعون كلمة، وستة عشر ألفاً وثلاثون حرفاً. وسورة المائدة: مائة واثنتان
وعشرون آية، وألف وثمانمائة كلمة وأربع كلمات، وأحد عشر ألفاً وسبع مائة وثلاثة وثمانون
حرفاً. وسورة الأنعام: مائة وست وستون آية، وثلاثة آلاف واثنتان وخمسون كلمة، واثنا عشر
ألف حرف وأربع مائة واثنان وعشرون حرفاً. وسورة الأعراف، مائتان وخمس آيات عند أهل
البصرة وست عند أهل الكوفة، وثلاث آلاف وثلاثمائة وخمس وعشرون كلمة، وأربعة عشر
ألف حرف وعشرة أحرف. وقال الكرماني: فإن قيل: البقرة أطول السبع الطوال أجيب بأنه:
لو أراد البقرة لقال: بطولى الطوال، فلما لم يقل ذلك دل على أنه أراد الأعراف، وهي أطول
السور بعد البقرة، ثم قال الكرماني: أقول: فيه نظر، لأن النساء هي الأطول بعدها. قلت: هذا
غفلة منه وعدم تأمل، والجواب المذكور موجه، وقد عرفت التفاوت بين هذه السور الست
فيما ذكرناه الآن.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: حجة على الشافعي في ذهابه ألى أن وقت المغرب قدر ما
يصلي فيه ثلاث ركعات، وهو قوله الجديد، وإذا قرأ النبي عَّ له الأعراف يدخل وقت العشاء
قبل الفراغ منها، فتفوت صلاة المغرب، قاله الخطابي، ثم قال: وتأويله أنه عَّ قرأ في
الركعة الأولى بقدر ما أدرك ركعة من الوقت، ثم قرأ باقيها في الثانية، ولا بأس بوقوعها
خارج الوقت، قلت: هذا تأويل فاسد، لأنه لم ينقل عن النبي عَّلَّم أنه صلى على هذا
الوجه، وقال الكرماني: يحتمل أن يراد بالسورة بعضها، قلت: وإلى هذا الوجه مال الطحاوي
حيث قال: يدل على صحة هذا التأويل أن محمد بن خزيمة قد حدثنا، قال: حدثنا حجاج بن
منهال، قال: حدثنا حماد عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنهم: كانوا يصلون
المغرب ثم ينتضلون، وروى أيضاً من حديث أنس قال: ((كنا نصلي المغرب مع النبي عَّة
ثم يرمي أحدنا فيرى موقع نبله)). وروى أيضاً من حديث علي بن بلال: قال: ((صليت مع نفر
من أصحاب النبي عَّه من الأنصار فحدثوني أنهم كانوا يصلون مع النبي عَ لّه المغرب ثم
ينطلقون فيرتمون لا يخفى عليهم موقع سهامهم، حتى يأتوا ديارهم)). وهو أقصى المدينة في
بني سلمة، ثم قال: لما كان هذا وقت انصراف النبي عَ لّمه من صلاة المغرب استحال أن
يكون ذلك قد قرأ فيها الأعراف، ولا نصفها. وقد أنكر على معاذ حين صلى العشاء بالبقرة
مع سعة وقتها فالمغرب أولى بذلك، فينبغي على هذا أن يقرأ في المغرب بقصار المفصل،
وهو قول أصحابنا ومالك والشافعي وجمهور العلماء، انتهى.
قلت: قيل: قراءة سيدنا رسول الله عَ ليه ليست كقراءة غيره، ألا تسمع قول
الصحابي: ما صليت خلف أحد أخف صلاة من النبي عَّ له، وكان يقرأ بالستين إلى المائة ..
وقد قال عَ لّه: ((إن داود، عليه الصلاة والسلام، كان يأمر بدوابه أن تسرج فيقرأ الزبور قبل

٣٧
١٠ - كتاب الأذان / باب (٩٨)
إسراجها)). فإذا كان داود، عليه السلام، بهذه المثابة فسيدنا محمد، عَ لَّه، أحرى بذلك
وأولى، وأما إنكاره على معاذ فظاهر لأنه غيره. فإن قلت: قيل: لعل السورة لم يكمل إنزالها
فقراءته إنما كانت لبعضها، قلت: جماعة من المفسرين نقلوا الإجماع على نزول الأنعام
والأعراف بمكة، شرفها الله تعالى، ومنهم من استثنى في الأنعام ست آيات نزلن بالمدينة.
وفيه : حجة لمن يرى باستحباب القراءة في صلاة المغرب بطولى الطوليين، وهم
حميد وعروة بن الزبير وابن هشام والظاهرية، وقالوا: الأحسن أن يقرأ المصلي في المغرب
بالسورة التي قرأها النبي، عَِّ، نحو الأعراف والطور والمرسلات، ونحوها. وقال الترمذي:
ذكره عن مالك أنه كره أن يقرأ في صلاة المغرب بالسور الطوال نحو: الطور والمرسلات،
وقال الشافعي: لا أكره بل أستحب أن يقرأ بهذه السور في صلاة المغرب، وقال ابن حزم في
(المحلى): ولو أنه قرأ في المغرب الأعراف أو المائدة أو الطور أو المرسلات فحسن. قلت:
فعلى هذا عند مالك: إذا كره قراءة نحو المرسلات والطور في المغرب، فإذا قرأ نحو
الأعراف فالكراهة بالطريق الأولى، وإذا استحب الشافعي قراءة هذه السور في المغرب، فيدل
ذلك على أن وقت المغرب ممتد عنده، وعن هذا قال الخطابي: إن للمغرب وقتين. وقال
الطحاوي: المستحب أن يقرأ في صلاة المغرب من قصار المفصل. وقال الترمذي: والعمل
على هذا عند أهل العلم، قلت: هو مذهب الثوري والنخعي وعبد الله بن المبارك وأبي
حنيفة وأبي يوسف ومحمد وأحمد ومالك وإسحاق. وروى الطحاوي من حديث عبد الله بن
عمر: ((أن رسول الله عَّ له قرأ في المغرب بالتين والزيتون)). وأخرجه ابن أبي شيبة أيضاً، وفي
سنده مقال، ولكن روى ابن ماجه بسند صحيح: ((عن ابن عمر: كان رسول الله عَ لّه يقرأ في
المغرب ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و﴿قل هو الله أحد﴾ وروى أبو بكر أحمد بن موسى بن
مردويه في كتابه (أولاد المحدثين) من حديث جابر بن سمرة، قال: ((كان النبي عَّه يقرأ
في صلاة المغرب ليلة الجمعة: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و﴿قل هو الله أحد))) وروى البزار
في (مسنده) بسند صحيح عن بريدة: ((كان النبي عَِّ يقرأ في المغرب والعشاء ﴿والليل إذا
يغشى﴾، ﴿والضحى﴾، وكان يقرأ في الظهر والعصر بـ (سبح اسم ربك الأعلى﴾، و﴿هل
أتاك﴾، وروي في هذا الباب عن عمر بن الخطاب وابن مسعود وابن عباس وعمران بن
الحصين وأبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنهم، فأثر عمر أخرجه الطحاوي عن زرارة بن
أبي أوفى، قال: أقرأني أبو موسى في كتاب عمر، رضي الله تعالى عنه، إليه: إقرأ في المغرب
آخر المفصل، وآخر المفصل من ﴿لم يكن﴾ [البينة: ١]. إلى آخر القرآن، وأثر ابن عباس
أخرجه ابن أبي شيبة في (مصنفه) عن أبي عثمان النهدي، قال: ((صلى بنا ابن مسعود
المغرب فقرأ: ﴿قل هو الله أحد﴾، فوددت أنه قرأ سورة البقرة من حسن صوته))، وأخرجه أبو
داود والبيهقي أيضاً. وأثر ابن عباس أخرجه ابن أبي شيبة أيضاً حدثنا وكيع عن شعبة عن أبي
نوفل ابن أبي عقرب عن ابن عباس، قال: سمعته يقرأ في المغرب ﴿إذا جاء نصر الله
والفتح﴾. وأثر عمران بن الحصين أخرجه ابن أبي شيبة أيضاً عن الحسن، قال: كان عمران

٣٨
١٠ - كتاب الأذان / باب (٩٩)
ابن الحصين يقرأ في المغرب: ﴿إِذا زلزلت﴾، ﴿العاديات﴾. وأثر أبي بكر الصديق، رضي
الله تعالى عنه، أخرجه عبد الرزاق في (مصنفه) عن أبي عبد الله الصنابحي أنه: صلى وراء
أبي بكر المغرب، وقرأ في الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورتين من قصار المفصل، ثم قرأ
في الثالثة، قال: فدنوت منه حتى أن ثيابي لتكاد أن تمس ثيابه، فسمعته قرأ بأم القرآن وهذه
الآية ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا﴾ حتى ﴿الوهاب﴾ [آل عمران: ٨].
وعن مكحول: أن قراءة هذه الآية في الركعة الثالثة كانت على سبيل الدعاء، وروي
أيضاً نحو ذلك عن التابعين، فقال ابن أبي شيبة في (مصنفه): أخبرنا وكيع عن إسماعيل بن
عبد الملك قال: سمعت سعيد بن جبير يقرأ في المغربب مرة ﴿تنبىء أخبارها﴾ ومرة
﴿تحدث أخبارها﴾ [الزلزلة: ٤]. حدثنا وكيع عن ربيع، قال: كان الحسن يقرأ في المغرب:
﴿إذا زلزلت﴾، و﴿العاديات﴾، لا يدعهما. أخبرنا زيد بن الخباب عن الضحاك بن عثمان،
قال: رأيت عمر بن عبد العزيز، رضي الله تعالى عنه، يقرأ في المغرب بقصار المفصل، أخبرنا
وكيع عن محل، قال: سمعت إبراهيم يقرأ في الركعة الأولى من المغرب: ﴿لإيلاف قريش﴾
[قريش: ١]. وأخرج البيهقي في (سننه) من حديث هشام بن عروة أن أباه كان يقرأ في
المغرب بنحو مما يقرأون: ﴿والعاديات﴾، ونحوها من السور فإن قلت: ما وجه الروايات
المختلفة في هذا الباب عن النبي عَ ليه؟ قلت: كان هذا بحسب الأحوال، فكان النبي عَ لّ.
يعلم من حال المؤتمين في وقت أنهم يؤثرون التطويل فيطول، وفي وقت لا يؤثرون لعذر
ونحوه، فيخفف، وبحسب الزمان والوقت.
٩٩ - بابُ الجَهْرِ في المَغْرِبِ
أي: هذا باب في بيان حكم جهر القراءة في صلاة المغرب، واعتراض ابن المنير على
هذه الترجمة والتي بعدها: بأن الجهر فيهما لا خلاف فيه ساقط، لأن البخاري وضع كتابه
لبيان الأحكام من حيث هي مطلقاً، ولم يقصره على بيان الخلافيات.
٧٦٥/١٥٣ - حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ مُحَمَّدِ بنِ
مُجُبَيْرِ ابنِ مُطْعِمٍ عنْ أبِيهِ قال سَمِعْتُ رسولَ اللهِ عَلَّهِ قَرَأْ في المَغْرِبِ بالطُّورِ. [الحديث
٧٦٥ - أطرافه في: ٣٠٥٠، ٤٠٢٣، ٤٨٥٤].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم خمسة: عبد الله بن يوسف التنيسي المصري، ومالك بن أنس،
ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري، ومحمد بن جبير، بضم الجيم: ابن مطعم، بضم الميم
وكسر العين، وأبوه جبير بن مطعم بن عدي قد مر في: باب من أفاض في كتاب الغسل.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع، وبصيغة الإخبار كذلك
في موضع وفيه : العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه : القول في موضعين. وفيه : السماع. وفيه :
أن رواته ما بين مصري ومدني. وفيه : عن محمد بن جبير، وفي رواية ابن خزيمة من طريق

٣٩
١٠ - كتاب الأذان / باب (٩٩)
سفيان: عن الزهري حدثني محمد بن جبير.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الجهاد عن محمود،
وفي التفسير عن إسحاق بن منصور، وعن الحميدي عن ابن عيينة. وأخرجه مسلم في
الصلاة عن يحيى بن يحيى عن مالك، وعن أبي بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب، وعن
حرملة وعن إسحاق بن إبراهيم وعن عبد بن حميد. وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي عن
مالك. وأخرجه النسائي فيه وفي التفسير عن قتيبة وعن الحارث بن مسكين. وأخرجه ابن
ماجه محمد بن الصباح.
ذكر معناه: قوله: ((قرأ)) وفي رواية ابن عساكر: ((يقرأ)، بلفظ المضارع، وكذا هو في
(الموطأ). قوله: ((في المغرب)) أي: في صلاة المغرب. قوله: ((بالطور)) أي: بسورة الطور.
قال الطحاوي: يجوز أن يريد بقوله: ((والطور)) قرأ ببعضها، وذلك جائز في اللغة، يقال: فلان
قرأ القرآن إذا قرأ بعضه، ويحتمل قرأ بالطور قرأ بكلها، فنظرنا في ذلك: هل يروى فيه شيء
يدل على أحد التأويلين؟ فإذا صالح بن عبد الرحمن وابن أبي داود قد حدثانا قالا: نا سعيد
ابن منصور، قال: حدثنا هشيم عن الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه، قال:
((قدمت المدينة على عهد النبي عَّ لأكلمه في أسارى بدر، فانتهيت إليه وهو يصلي في
أصحابه صلاة المغرب فسمعته يقول: ﴿إن عذاب ربك لواقع﴾ [الطور: ٧]. فكأنما صدع
قلبي، فلما فرغ كلمته فيهم فقال شيخ: لو كان أتاني لشفعته فيهم)). يعني: أباه مطعم بن
عدي، فهذا هشيم قد روى هذا الحديث عن الزهري، فبين القصة على وجهها، وأخبر أن
الذي سمعه من النبي عَّ هو قوله عز وجل: ﴿إن عذاب ربك لواقع﴾ [الطور: ٧]. فبين
هذا أن قوله في الحديث الأول: ((قرأ بالطور)) إنما هو سمعه يقرؤه منها، وليس لفظ جبير إلاّ
ما روى هشيم، لأنه ساق القصة على وجهها، فصار ما حكى فيها عن النبي عَّ هو قراءته:
﴿إن عذاب ربك لواقع﴾ [الطور: ٧]. خاصة. انتهى.
وقال صاحب (التلويح): فيه نظر في مواضع: الأول: لما رواه ابن ماجه: ((فلما سمعته يقرأ
﴿أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون﴾ [الطور: ٣٥]. إلى قوله: ﴿فليأت مستمعهم
بسلطان مبين﴾ [الطور: ٣٨]. كاد قلبي يطير)). ولما رواه السراج في كتابه بسند صحيح:
((سمعته يقرأ في المغرب ﴿بالطور وكتاب مسطور في رق منشور﴾ [الطور: ١و٣]. الثاني:
قوله: ((رواه هشيم عن الزهري))، وخالفه الطبراني في (معجمه الصغير)، وإنما رواه عن إبراهيم
ابن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن جده، وقال: لم يروه عن إبراهيم إلاّ هشيم، تفرد به
عروة بن سعيد الربعي وهو ثقة، الثالث: قوله: ((قال جبير: فانتهيت إليه وهو يصلي ... )) فيه
نظر، لما ذكره محمد بن سعد من حديث نافع ابنه عنه، قال: ((قدمت في فداء أسارى بدر،
فاضطجعت في المسجد بعد العصر، وقد أصابني الكرى، فنمت، فأقيمت صلاة المغرب
فقمت فزعاً بقراءة رسول الله، عَ ◌ّه، في المغرب: ﴿بالطور وكتاب مسطور﴾ [الطور: ١ و٣].
فاستمعت قراءته حتى خرجت من المسجد، وكان يومئذ أول ما دخل الإسلام قلبي)) انتهى.

٤٠
١٠ - كتاب الآذان / باب (١٠٠)
قلت: رواية البخاري أصح من غيره، وفي (الاستيعاب) روى جماعة من أصحاب ابن شهاب
عنه: عن محمد بن جبير عن أبيه: المغرب والعشاء، وزعم الدارقطني أن رواية من روى عن
ابن شهاب عن نافع بن جبير وهم.
وأما الطور فعن ابن عباس: الطور الجبل الذي كلم الله، عز وجل، موسى، عليه الصلاة
والسلام، عليه لغة سريانية. وفي (المحكم): الطور الجبل، وقد غلب طور سيناء، على جبل
بالشام، وهو بالسريانية: طورى، والنسبة إليه: طوري وطوراني، وزعم أبو عبيد البكري: أنه
جبل ببيت المقدس ممتد ما بين مصر وأيلة سمي بطور إسماعيل بن إبراهيم عليهما الصلاة
والسلام، وهو طور سيناء وطور سينين، وفي (المتفق وضعاً والمختلف صنفاً) اختلفوا فيه،
فقال قوم: هو جبل بقرب أيلة: وقيل: هو جبل بالشام، وأما طور زيتا، بالقصر، فجبل بقرب
رأس عين، وببيت المقدس أيضاً جبل يعرف: بطور زيتا، وهو الذي جاء فيه الحديث: ((مات
بطور زيتا سبعون ألف نبي كلهم قتلهم الجوع)). وهو شرقي وادي سلوان، وعلى مدينة
طبرية يقال له: الطور، مطل عليها، وبأرض مصر جبل يقال له: الطور بين مصر وفاران،
يشتمل على عدة قرى، وطور عبدين: اسم بليدة بنواحي نصيبين، وفي قبلي البيت المقدس
جبل عال يقال له: الطور، فيه فيما يقال قبر هارون، عليه الصلاة والسلام.
ذكر ما يستنبط منه: فيه: أن القراءة في صلاة المغرب جهرية، ولذلك وضع البخاري
الباب، فإن أسر فيها إن كان عمداً يكون تاركاً للسنة، وإن كان سهواً يجب عليه سجدتا
السهو. وقد ذكرناه. وفيه: أنه عَ لّهِ قرأ في المغرب، وقد ذكرنا أن قراءته عّ لّم ليست
كقراءة غيره، وله أحوال في ذلك كما ذكرناه. منها : أن قراءته في المغرب بالطور ونحوها
يجوز أن تكون لبيان الجواز. ومنها : أن تكون لعلمه بعدم المشقة، ألا ترى كيف أنكر على
معاذ، رضي الله تعالى عنه، لما طول الصلاة بافتتاحه بسورة البقرة، فقال له: ((أفتان أنت يا
معاذ؟ قالها مرتين، لو قرأت بٍ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾، ﴿والشمس وضحاها﴾، فإنه يصلي
خلفك ذو الحاجة والضعيف والصغير والكبير))، رواه الطحاوي بهذا اللفظ، ورواه البخاري
ومسلم أيضاً كما ذكرناه في موضعه. وفيه : احتجاج من ذهب إلى أن المستحب قراءة
السور التي قرأها النبي عَ ◌ّه، وقد استقصينا الكلام فيه في الباب السابق.
١٠٠ - بابُ الجَهْرِ في العِشاءِ
أي: هذا باب في بيان حكم جهر القراءة في صلاة العشاء، وقال بعضهم: قدم ترجمة
الجهر على ترجمة القراءة عكس ما وضع في المغرب، ثم في الصبح، والذي في المغرب
أولى، ولعله من النساخ. قلت: المقصود الأعظم بيان الحكم لا الترتيب في الأبواب، وأيضاً
راعى المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله لأنه في الجهر، ورعاية المناسبة مطلوبة.
٧٦٦/١٥٤ - حدَّثنا أبو النُّغْمانِ قال حدَّثنا مُعْتَمِرٌ عَنْ أَبِيهِ عنْ بَكْرٍ عنْ أَبِي رافِعٍ قال
صَلَّيْتُ مَعَ أبي هُرَيْرَةَ العَتَمَةَ فقَرَأَ ﴿إذا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١] فَسَجَدَ فَقُلْتُ لَهُ قال