Indexed OCR Text

Pages 301-320

:
٣٠١
١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٤٦)
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: يحيى بن سليمان بن يحيى أبو سعيد الجعفي الكوفي،
سكن مصر ومات بها سنة ثمان، ويقال: سبع وثلاثين ومائتين. الثاني: عبد الله بن وهب
المصري. الثالث: يونس بن يزيد الأيلي. الرابع: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري.
الخامس: حمزة بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، أبو عمارة أخو
سالم. السادس: أبوه عبد الله بن عمر.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع وبصيغة الإفراد في
موضعين. وفيه: الإخبار بصيغة الإفراد في موضع. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: القول
في ثلاثة مواضع. وفيه: أن شيخ البخاري من أفراده. وفيه: أن رواته ما بين كوفي وأيلي
ومصري ومدني.
والحديث أخرجه النسائي أيضاً في: عشرة النساء، عن صفوان بن عمرو عن بشر بن
شعيب عن أبيه عن الزهري.
قوله: ((في الصلاة)) أي: في شأن الصلاة وتعيين الإمام. قوله: ((فليصل)) ويروى:
((فليصلي)) بالياء. قوله: ((فعاودته))، بفتح الدال وسكون التاء أي: فعاودته عائشة، ويروى:
((فعاودنه))، بسكون الدال بعدها نون الجمع، وهي: عائشة ومن معها من النساء. قوله: ((فقال))
ويروى: ((قال))، بدون الفاء. قوله: ((فليصل))، ويروى ((فليصلي)) بالياء.
تابَعَهُ الزُّبَيْدِيُّ
أي: تابع يونس بن يزيد الزبيدي، بضم الزاي وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر
الحروف وبالدال المهملة: وهو محمد بن الوليد الحمصي أبو الهذيل. قال: أقمت مع
الزهري عشر سنين بالرصافة، مات بالشام سنة ثمان وأربعين ومائة، ووصل الطبراني هذه
المتابعة في مسند الشاميين من طريق عبد الله بن سالم الحمصي عنه موصولاً مرفوعاً.
أ
وابْنُ أخِي الزُّهْرِيّ
أي: تابع يونس أيضاً ابن أخي الزهري، وهو: محمد بن عبد الله بن مسلم، قتله
غلمانه بأمر ولده في خلافة أبي جعفر، وقال الواقدي: وكان ولده سفيهاً شاطراً، قتله
للميراث، فوثب غلمانه بعد سنتين فقتلوه. ووصل متابعته ابن أخي الزهري ابن عدي من رواية
الدراوردي عنه.
وإِسْحَاقُ بنُ يَحْبَى الكَلْبِيُّ
أي: تابع يونس أيضاً إسحاق بن يحيى الكلبي الحمصي، ووصل متابعته هذه أبو بكر
ابن شاذان البغدادي.

٣٠٢
١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٤٧)
عنِ الزُّهْرِيّ
يتعلق بالثلاثة المذكورين، وقال الكرماني: الفرق بين المتابعتين أن الثانية كاملة من
حيث رفع إلى النبي عَّ ◌ُلّه، والأولى ناقصة حيث صار موقوفاً على الزهري، ويحتمل أن يفرق
بينهما، بأن الأولى: هي المتابعة فقط، والثانية: مقاولة لا متابعة، وفيها إرسال أيضاً. قلت:
الثانية مرسلة لا غير.
صَلى الله
وقال عُقَيْلٌ وَمَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيّ عَنْ حَمْزَةَ عنِ الثَّبِيّ
أشار بهذا إلى أن عقيلاً ومعمراً خالفا يونس ومن تابعه فأرسلا الحديث، وعقيل، بضم
العين: ابن خالد الأيلي، ومعمر، بفتح الميمين: ابن راشد، وقد تكرر ذكرهما، وقد وصل
الذهلي رواية عقيل في الزهريات، وأما معمر فاختلف عليه، فرواه عبد الله بن المبارك عنه
مرسلاً كذلك أخرجه ابن سعد وأبو يعلى من طريقه، ورواه عبد الرزاق عن معمر موصولاً،
لكن قال: عن عائشة، بدل قوله: عن أبيه، كذلك أخرجه مسلم.
٤٧ - بابُ منْ قَامَ إِلَى جَنْبِ الإمَامِ لِعِلَّةٍ
أي: هذا باب في بيان حكم من قام من المصلين إلى جنب الإمام لأجل علة، وإنما
قال هذا لأن الأصل أن يتقدم الإمام على المأموم، ولكن للمأموم أن يقف بجنب الإمام عند
وجود أسباب تقتضي ذلك: أحدها: هو العلة التي ذكرها. والثاني: ضيق الموضع، فلا يقدر
الإمام على التقدم فيكون مع القوم في الصف. والثالث: جماعة العراة فإن إمامهم يقف معهم
في الصف. والرابع: أن يكون مع الإمام واحد فقط يقف عن يمينه، كما فعل النبي، عَّ له،
بابن عباس إذ أداره من خلفه إلى يمينه، وبهذا يرد على التميمي حيث حصر الجواز المذكور
على صورتين، فقال: لا يجوز أن يكون أحد مع الإمام في صف إلاّ في موضعين: أحدهما:
مثل ما في الحديث من ضيق الموضع وعدم القدرة على التقدم. والثاني: أن يكون رجل
واحد مع الإمام، كما فعل النبي، عَّه، بابن عباس حيث أداره من خلفه إلى يمينه.
٧٤ / ٦٨٣ - حدثنا زَكَرِيَّاءُ بنُ يَخْتَى قال حدّثنا ابنُ ثُمَيْرٍ قال أخبرنا هِشَامُ بنُ عُرْوَةَ عنْ أَبِيهِ
عِنْ عائِشَةَ قالَتْ أَمَرَ رسولُ اللهِ عَِّ أبا بَكْرٍ أَنْ يُصلِّي بِالنَّاسِ فِي مَرَضِهِ فَكَانَ يُصَلِّي بِهِمْ،
قال عُرْوَةُ فَوجَدَ رسولُ الله عَ لَّهِ فِي نفسِهِ خِفَّةً فَخْرَجَ فَإذَا أَبُو بَكْرٍ يَؤُمُّ النَّاسَ فَلَمَّا رَآهُ أَبْوِ
بِكْرٍ اسْتَأْخَرَ فَأَشَارَ إِلَيْهِ كمَا أنْتَ فَجلَسَ رسولُ الله عَ لَّهِ حِذَاءَ أَبِي بَكْرٍ إِلَى جَنْبِهِ فكانَ أبو
بِكْرٍ يُصلِّي بِصلاةِ رسولِ الله عَّهِ والناسُ يُصَلُّونَ بِصَلاةِ أَبِي بَكْرٍ. [انظر الحديث ١٩٨
وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ورجاله قد ذكروا غير مرة، وابن نمير هو عبد الله بن نمير.
وفيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين والإخبار كذلك في موضع، والعنعنة في

٣٠٣
١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٤٧)
موضعين. وفيه: القول في ثلاثة مواضع.
وأخرجه مسلم في الصلاة أيضاً عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب ومحمد بن
عبد الله بن نمير به. وأخرجه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة به.
قوله: ((قال عروة ... )) إلى آخره، قال الكرماني: من ههنا إلى آخره موقوف عليه، وهو
من مراسيل التابعين ومن تعليقات البخاري، ويحتمل دخوله تحت الإسناد الأول. وقال
بعضهم: هو بالإسناد المذكور، ووهم من جعله معلقاً، قلت: أشار بهذا إلى قول الكرماني،
ومع هذا إن الكرماني ما جزم بأنه مرسل، بل قال: يحتمل دخوله تحت الإسناد الأول.
وأخرجه ابن ماجه بهذا الإسناد متصلاً بما قبله، قال: حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدّثنا عبد
الله بن نمير عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قال: ((أمر رسول الله عَ ل أبا بكر أن يصلي
بالناس في مرضه فكان يصلي بهم، فوجد رسول الله عَّلِ خفة فخرج، فإذا أبو بكر يؤم
الناس، فلما رآه أبو بكر استأخر فأشار إليه رسول الله عَّ الله أن: كما أنت، فجلس رسول الله
عَّ حذاء أبي بكر إلى جنبه، فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله عَّه والناس يصلون
بصلاة أبي بكر))، فإن قلت: إذا كان الحديث متصلاً فَلِمَ قطعه عروة عن القدر الأول الذي
أخذه عن عائشة؟ قلت: لاحتمال أن يكون عروة أخذه عن غير عائشة، فقطع الثاني عن القدر
الأول لذلك. قوله: ((استأخر)) أي: تأخر. قوله: ((أن: كما أنت)) كلمة: ما، موصولة. وأنت،
مبتدأ وخبره محذوف، أي: كما أنت عليه أو فيه، و: الكاف، للتشبيه. أي: كن مشابهاً لما
أنت عليه، أي: يكون حالك في المستقبل مشابهاً بحالك في الماضي. ويجوز أن تكون
الكاف زائدة، أي: التزم الذي أنت عليه، وهو الإمامة. قوله: ((حذاء أبي بكر)) أي: محاذياً
من جهة الجنب لا من جهة القدام والخلف، ولا منافاة بين قوله في الترجمة: قام إلى جنب
الإمام، وهنا قال: جلس إلى جنبه، لأن القيام إلى جنب الإمام قد يكون انتهاؤه بالجلوس في
جنبه، ولا شك أنه كان قائماً في الابتداء ثم صار جالساً، أو قاس القيام على الجلوس في
جواز كونه في الجنب، أو المراد: قيام أبي بكر لا قيام رسول الله عَِّ، والمعنى: قام أبو
بكر بجنب رسول الله عَّ محاذياً له لا متخلفاً عنه، لغرض مشاهدة أحوال رسول الله عَ ليه.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: جواز الإشارة المفهمة عند الحاجة، وجواز جلوس المأموم
بجنب الإمام عند الضرورة أو الحاجة، وفي قوله: استأخر، دليل واضح أنه لم يكن عنده
مستنكراً أن يتقدم الرجل عن مقامه الذي قام فيه في صلاته ويتأخر، وذلك عمل في الصلاة
من غيرها، فكل ما كان نظير ذلك وفعله فاعل في صلاته لأمر دعاه إليه فذلك جائز. قيل:
في الحديث إشعار بصحة صلاة المأموم وإن لم يتقدم الإمام عليه، كما هو مذهب المالكية.
وأجيب: بأنه قد يكون بينهما المحاذاة مع تقدم العقب على عقب المأموم، أو جاز محاذاة
العقبين لا سيما عند الضرورة أو الحاجة. وفيه: دلالة أن الأئمة إذا كانوا بحيث لا يراهم من
يأتم بهم جاز أن يركع المأموم بركوع المكبر. وفيه: أن العمل القليل لا يفسد الصلاة.
-

٣٠٤
١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٤٨)
٤٨ _ بابُ مَنْ دَخَلَ لِيَؤُمَّ الناسَ فَجَاءَ الإِمامُ الأوَّلُ فَتَأْخَّرَ الأوَّلُ أُوْ لَمْ يَتَأْخَّرْ
جازَتْ صَلاَتُهُ
أي: هذا باب ترجمته من دخل ... إلى آخره. قوله: ((الإمام)) الأول أي: الإمام الراتب.
قوله: ((فتأخر الأول)) أي: الذي أراد أن ينوب عن الراتب، والمعرفة إذا أعيدت إنما تكون عين
الأول عند عدم القرينة الدالة على المغايرة، ويروى: ((فتأخر الآخر))، والمراد منه: الداخل.
و کل منھما أُول باعتبار.
فِيهِ عِنْ عَائِشَةَ عنِ السَّبِيِّ عَِّ
أي: في المذكور من قوله: ((فجاء الإمام الاول فتأخر الأول ... )) إلى آخره، روي عن
عائشة، وأشار به إلى حديثها الذي روى عنها عروة المذكور في الباب السابق، وهو قوله:
((فلما رآه أبو بكر استأخر))، أي: فلما رأى النبي، عَ لَّه، أبو بكر فالنبي عَُّلِّ، هو الأول لأنه
الإمام الراتب، وأبو بكر هو الداخل ويطلق عليه الأول باعتبار أنه تقدم أولاً، ويطلق عليه الآخر
لأنه بالنسبة إلى الأول آخر. فافهم.
٧٥ /٦٨٤ - حدّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنْ أبي حازِمٍ بنِ دِينَارٍ عنْ سَهْلٍ
ابنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ أنَّ رَسُولَ الله عَ لِّ ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَمْرِو بِنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ فَحَانَتِ
الصَّلاَةُ فَجَاءَ المُؤَذِّنُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فقالِ أَتُصَلِّي لِلنَّاسِ فَأَقِيمَ قَال نَعَمْ فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ فَجَاءَ
رسولُ اللهِ عَّهِ وَالنَّاسُ فِي الصَّلاةِ فَتَخَلَّصَ حَتَّى وقَفَ في الصَّفِّ فَصَفَّقَ النَّاسُ وكانَ أَبُو
بَكْرٍ لاَ يَلْتَفِتُ فِي صَلاَئِهِ فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ الْتَفَتَ فَرَأْى رسولَ الله عَ لَِّ فَأَشَارَ إِلَيْهِ
رسولُ اللهِ عَ لَّهِ أَنِ امْكُثْ مَكَانَكَ فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله تعالى عنه يَدَيْهِ فَحَمِدَ اللَّه عَلَى مَا
أمَرَهُ بِهِ رسولُ الله عَلَّهِ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ اسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى اسْتَوى فِي الصَّفِّ وَتَقَدَّمَ رسولُ
الله عَِّ فَصَلَّى فَلَمَّا انْصرَفَ قال يا أبا بَكْرٍ ما مَنَعَكَ أنْ تَثْبُتَ إِذْ أُمَرْتُكَ فقال أَبُو بَكْرٍ ما
كانَ لابنِ أبي قحَافَةً أنْ يصلّي بَيْنَ يَدَيْ رَسولِ اللهِ عَ لَه فقال رسولُ اللهِ عَ لَِّ مَا لِي رَأيْتُكُمْ
أكْثَرْتُمُ التَّصفِيقَ مِنْ رَابَهُ شَيءٌ في صَلاَتِهِ فَلْيُسَبِّخِ فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ التفت إلَيْهِ وإنَّما التضْفِيقُ
لَلنَّساءِ. [الحديث ٦٨٤ - أطرافه في: ١٢٠١، ١٢٠٤، ١٢١٨، ١٢٣٤، ٢٦٩٠، ٢٦٩٣،
٧١٩٠].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ثم استأخر أبو بكر حتى استوى في الصف وتقدم
رسول الله عَ لَّهِ فصلى)).
ذكر رجاله: وهم أربعة: الأول: عبد الله بن يوسف التنيسي. القاني: مالك بن أنس.
الثالث: أبو حازم، بالحاء المهملة والزاي: واسمه سلمة بن دينار وقد تقدم. الرابع: سهل بن
سعد الساعدي الأنصاري.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد. وفيه: الإخبار

٣٠٥
١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (٤٨)
بصيغة الإفراد. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في موضع واحد. وفيه: عن سهل،
وفي رواية النسائي من طريق سفيان: عن أبي حازم، سمعت سهلاً. وفيه: أن رواته ما بين
تنيسي ومدني.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري في سبعة مواضع هنا، وفي
الصلاة فيما يجوز من التسبيح والحمد للرجال، ورفع الأيدي فيها لأمر ينزل به، والإشارة
فيها، والسهو، والصلح والأحكام. وأخرجه مسلم في الصلاة عن قتيبة وعن محمد بن عبد
الله بن بزيع وعن يحيى بن يحيى. وأخرجه أبو دواد عن القعنبي وعن عمرو بن عوف.
وأخرجه النسائي عن محمد بن عبد الله وعن أحمد بن عبدة.
ذكر معناه: قوله: ((إلى بني عمرو بن عوف)) هم: من ولد مالك بن الأوس، وكانوا
بقباء، والأوس أحد قبيلتي الأنصار، وهما: الأوس والخزرج، وبنو عمرو بن عوف بطن كثير
من الأوس فيه عدة أحياء منهم: بنو أمية بن زيد، وبنو ضبيعة بن زيد، وبنو ثعلبة بن عمرو بن
عوف، والسبب في ذهابه عَّه إليهم ما رواه البخاري في الصلح من طريق محمد بن جعفر
عن أبي حازم: ((أن أهل قباء اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة، فأخبر رسول الله عَّهِ بذلك، فقال
إذهبوا بنا نصلح بينهم)). وروي في الأحكام من طريق حماد بن زيد: أن توجهه كان بعد أن
صلى الظهر، وروى الطبراني من طريق عمرو بن علي عن أبي حازم: أن الخبر جاء بذلك،
وقد أذن بلال لصلاة الظهر. قوله: ((فحانت الصلاة))، أي: صلاة العصر، وصرح به في
الأحكام. ولفظه: ((فلما حضرت صلاة العصر أذن بلال ثم أقام ثم أمر أبا بكر فتقدم)). ولم
يبين فاعل ذلك، وقد بين ذلك أبو داود في (سننه) بسند صحيح، ولفظه: ((كان قتال بين بني
عمرو بن عوف فبلغ ذلك النبي عَّ له فأتاهم ليصلح بينهم بعد الظهر، فقال لبلال، رضي الله
تعالى عنه، إن حضرت صلاة العصر ولم آتك فمر أبا بكر فليصل بالناس، فلما حضرت صلاة
العصر أذن بلال ثم أقام ثم أمر أبا بكر فتقدم)). وعلم من ذلك أن المراد من قوله: ((فجاء
المؤذن)) هو: بلال. قوله: ((فقال))، أي: المؤذن الذي هو بلال. قوله: ((أتصلي للناس؟))
الهمزة فيها للاستفهام على سبيل التقرير، وبهذا يندفع إشكال من يقول: هذا يخالف ما ذكر
في رواية أبي داود من قوله: ((ثم أمر أبا بكر فتقدم))، ويروى: ((أتصلي بالناس؟)) بالباء الموحدة
عوض عن اللام. قوله: ((فأقيم))، قال الكرماني: بالرفع والنصب، وسكت على ذلك. قلت:
وجه الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: فأنا أقيم، ووجه النصب على أنه جواب
الاستفهام، والتقدير: فإن أقيم. قوله: ((قال نعم)) أي: قال أبو بكر: نعم أقم الصلاة، وزاد في
رواية عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه لفظة: ((إن شئت)). وأخرج البخاري هذه الزيادة في:
باب رفع الأيدي، ووجه هذا التفويض إليه لاحتمال أن يكون عنده زيادة علم من النبي عَّ
في ذلك.
قوله: ((فصلى أبو بكر))، ليس على حقيقته، بل معناه: دخل في الصلاة، ويدل عليه
رواية عبد العزيز: ((وتقدم أبو بكر فكبر)) ورواية المسعودي عن أبي حازم: ((فاستفتح أبو بكر
عمدة القاري / ج٥ / م٢٠
:

٣٠٦
١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٤٨)
الصلاة))، وهي رواية الطبراني أيضاً. قوله: ((والناس في الصلاة)) جملة حالية يعني: شرعوا
فيها مع شروع أبي بكر، رضي الله تعالى عنه. قوله: ((فتخلص))، قال الكرماني: أي: صار
خالصاً من الاشغال، قلت: ليس المراد هذا المعنى ههنا، بل معناه: فتخلص من شق
الصفوف حتى وصل إلى الصف الأول، وهو معنى قوله: ((حتى وقف في الصف)) أي: في
الصف الأول، والدليل على ما قلنا رواية عبد العزيز، عند مسلم: ((فجاء النبي، عَِّ، فخرق
الصفوف حتى قام عند الصف المقدم)). قوله: ((فصفق الناس))، بتشديد الفاء، من: التصفيق.
قال الكرماني: التصفيق الضرب الذي يسمع له صوت، والتصفيق باليد التصويت بها. انتهى.
التصفيق: هو التصفيح بالحاء، سواء صفق بيده أو صفح. وقيل: هو بالحاء: الضرب بظاهر
اليد إحداهما على صفحة الأخرى، وهو الإنذار والتنبيه. وبالقاف: ضرب إحدى الصفحتين
على الأخرى، وهو اللهو واللعب. وقال أبو داود: قال عيسى بن أيوب: التصفيح للنساء ضرب
يإصبعين من يمينها على كفها اليسرى. وقال الداودي: في بعض الروايات: ((فصفح القوم، وإنما
التصفيح للنساء)). فيحمل أنهم ضربوا أكفهم على أفخاذهم قلت: رواية عبد العزيز: ((فأخذ
الناس في التصفيح، قال سهل: أتدرون ما التصفيح؟ هو التصفيق)). قوله: ((كان أبو بكر لا
يلتفت في صلاته)) وذلك لعلمه بالنهي عن ذلك، وفي (صحيح ابن خزيمة): سألت عائشة
النبي عَّهِ عن التفات الرجل في الصلاة، فقال: هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة
الرجل. قوله: ((فلما أكثر الناس التصفيق))، وفي رواية حماد بن زيد: ((فلما رأى التصفيح لا
يمسك عنه التفت))، قوله؟ ((أن امكث مكانك)). كلمة: أن، مصدرية، والمعنى: فأشار إليه
النبي عَّه بالمكث في مكانه. وفي رواية عبد العزيز: ((فأشار إليه يأمره بأن يصلي))، وفي
رواية عمرو بن علي: ((فدفع في صدره ليتقدم فأبى)). قوله: ((فرفع أبو بكر يديه فحمد الله))
ظاهره أنه حمد الله تعالى بلفظه صريحاً، لكن في رواية الحميدي عن سفيان: ((فرفع أبو بكر
رأسه إلى السماء شكراً لله ورجع القهقرى))، وادعى ابن الجوزي أنه أشار إلى الشكر والحمد
بيده ولم يتكلم، وليس في رواية الحميدي ما يمنع أن يكون بلفظه، ويقوي ذلك ما رواه
أحمد من رواية عبد العزيز بن الماجشون عن أبي حازم: ((يا أبا بكر لم رفعت يديك؟ وما
منعك أن تثبت حين أشرت إليك؟ قال: رفعت يدي لأني حمدت الله على ما رأيت منك)).
وزاد المسعودي: ((فلما تنحى تقدم النبي، عَّةٍ ... )) ونحوه في رواية حماد بن زيد.
قوله: ((ثم استأخر)) أي: تأخر. قوله: ((فلما انصرف)) أي: رسول الله عَّله من الصلاة،
قوله: (إذا أمرتك)) أي: حين أمرتك. قوله: ((لابن أبي قحافة)) بضم القاف وتخفيف الحاء
المهملة وبعد الألف فاء: واسمه عثمان بن عامر القرشي، أسلم عام الفتح، وعاش إلى خلافة
عمر، رضي الله تعالى عنه، ومات سنة أربع عشرة، وإنما لم يقل أبو بكر: ما لي، أو: ما لأبي
بكر، تحقيراً لنفسه واستصغاراً لمرتبته عند رسول الله عَّةٍ. قوله: ((بين يدي رسول الله
عَّة)) والمراد من بين يدي: القدام. وقال الكرماني: أو لفظ يدي مقحم؟ قلت: إذا كان
لفظ: يدي مقحماً لا ينتظم المعنى على ما لا يخفى. قوله: ((ما لي رأيتكم)) تعريض،

٣٠٧
١٠ - كِتَابُ الأذانِ / باب (٤٨)
والغرض: ما لكم. قوله: ((من نابه)) أي: من أصابه. قوله: ((فليسبح))، أي: فليقل: سبحان
الله، وكذا هو في رواية يعقوب بن عبد الرحمن عن أبي حازم، ((فليقل: سبحان الله)). قوله:
((التفت إليه)) على صيغة المجهول، قوله: ((وإنما التصفيق للنساء))، وفي رواية عبد العزيز:
((وإنما التصفيح للنساء)). ووقع في رواية حماد بن زيد بصيغة الأمر، ولفظه: ((إذا نابكم أمر
فليسبح الرجال وليصفح النساء)).
ذكر ما يستفاد منه من الأحكام: وهو على وجوه: الأول: فيه فضل الإصلاح بين
الناس وحسم مادة الفتنة بينهم وجمعهم على كلمة واحدة.
الثاني: فيه توجه الإمام بنفسه إلى بعض رعيته للإصلاح، وتقديم ذلك على مصلحة
الإمامة بنفسه، لأن في ذلك دفع المفسدة وهو أولى من الإمامة بنفسه، ويلتحق بذلك توجه
الحاكم لسماع دعوى بعض الخصوم إذا علم أن فيه مصلحة.
الثالث: قيل فيه جواز الصلاة الواحدة بإمامين: أحدهما بعد الآخر، وأن الإمام الراتب
إذا غاب يستخلف غيره، وإنه إذا حضر بعد أن دخل نائبه في الصلاة يتخير بين أن يأتم به أو
يؤم هو ويصير النائب مأموماً من غير أن يقطع الصلاة، ولا يبطل شيء من ذلك صلاة أحد
المأمومين. انتهى. قلت: جواز الصلاة الواحدة بإمامين: أحدهما بعد الآخر مسلم، لأن الإمام
إذا أحدث واستخلف خليفة، فأتم الخليفة صلاته صح ذلك ويطلق عليه أنه صلاة واحدة
بإمامين، وقوله أيضاً: إن الإمام الراتب إذا غاب يستخلف غيره مسلم أيضاً. وقوله: وإنه إذا
حضر ... إلى آخره، غير مسلم. واحتجاج من يذهب إلى هذا بهذا الحديث غير صحيح، لأن
ذلك من خصائص النبي، عٍَّ، ذكر ذلك ابن عبد البر، وادعى الإجماع على عدم جواز
ذلك لغيره. قلت: لأنه لا يجوز التقدم بين يدي النبي، عَّه، وليس لسائر الناس اليوم من
الفضل من يجب أن يتأخر له، وكان جائزاً لأبي بكر أن لا يتأخر لإشارة النبي، عَّله: ((أن
امكث مكانك)): وقال بعض المالكية أيضاً: تأخر أبي بكر وتقدمه، عَ له من خواصه عَ له ولا
يفعل ذلك بعد النبي عَّ له وقال بعضهم: ونوقض - يعني: دعوى ابن عبد البر - الإجماع
المذكور، بأن الخلاف ثابت، فالصحيح المشهور عند الشافعية الجواز. انتهى. قلت: هذا
خرق للإجماع السابق قبل هؤلاء الشافعية، وخرق الإجماع باطل.
الرابع: قيل فيه جواز إحرام المأموم قبل الإمام، وأن المرء قد يكون في بعض صلاته
إماماً وفي بعضها مأموماً انتهى. قلت: قوله: فيه جواز إحرام المأموم قبل الإمام، قول غير
صحيح يرده قوله عَّله: ((إذا كبر الإمام فكبرو)). ولفظ البخاري: ((فإذا كبر فكبروا))، وقد رتب
تكبير المأموم على تكبير الإمام فلا يصح أن يسبقه. وقال ابن بطال: لا أعلم من يقول: إن
من كبر قبل إمامه فصلاته تامة إلّ الشافعي بناء على مذهبه، وهو أن صلاة المأموم غير مرتبطة
بصلاة الإمام، وسائر الفقهاء لا يجيزون ذلك.
الخامس: استنبط الطبري منه، وقال: في هذا الخبر دليل على خطأ من زعم أنه لا

٣٠٨
١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٤٨)
يجوز لمن أحرم بفريضة وصلى بعضها ثم أقيمت عليه تلك الصلاة أنه لا يجوز له أن يدخل
مع الجماعة في بقية صلاته حتى يخرج منها ويسلم، ثم يدخل معهم، فإن دخل معهم دون
سلام فسدت صلاته ولزمه قضاؤها. انتهى. قلت: الحديث يبين خطأه هو، وذلك أنه معَّهِ،
ابتدأ صلاة كان أبو بكر صلى بعضها وائتم به أصحابه فيها، فكان النبي، عَّ له، مبتدئاً والقوم
متممين.
السادس: فيه فضل أبي بكر على جميع الصحابة.
السابع: فيه أن إقامة الصلاة واستدعاء الإمام من وظيفة المؤذن، وأن المؤذن هو الذي
يقيم وهذا هو السنة، فإن أقام غيره كان خلاف السنة. قيل: يعتد بإذنه عند الجمهور. قلت:
وبغير إذنه أيضاً يعتد، وإذا أقام غير المؤذن أيضاً يعتد عندنا، لقوله عَّ للم لعبد الله بن زيد حين
رأى الأذان: ((ألقها على بلال فإنه أمد صوتاً منك، وأقم أنت)). وقوله، عَّله: ((من أذن فهو
يقيم))، كان في حق زياد بن الحارث الصدائي، وكان حديث العهد بالإسلام، وأمره به كيلا
تدخله الوحشة.
الثامن: فيه جواز التسبيح والحمد في الصلاة لأنه من ذكر الله تعالى، وأما إذا قال:
الحمد لله، وأراد به الجواب اختلف المشايخ في فساد صلاته. وفي (المحيط): لو حمد الله
العاطس في نفسه ولا يحرك لسانه، عن أبي حنيفة، لا تفسد ولو حرك تفسد. وفي (فتاوى
العتابي): لو قال السامع: الحمد على رجاء الثواب من غير إرادة الجواب لا تفسد، وإذا فتح
على إمامه لا تفسد، وعلى غيره تفسد. وقال ابن قدامة: قال أبو حنيفة: إن فتح على الإمام
بطلت صلاته، قلت: هذا غير صحيح. وقال السفاقسي: احتج بالحديث جماعة من الحذاق
على أبي حنيفة في قوله: إن فتح الرجل لغير إمامه لم تجز صلاته. قلت: ليس في الحديث
دلالة على هذا، والذي ليس في صلاته لا يدخل تحت قوله: ((من نابه شيء في صلاته))،
ولأنه يكون تعليماً وتلقيناً. وقال السفاقسي: قال مالك: من أخبر في صلاته بسرور فحمد الله
تعالى لا تضر صلاته. وقال ابن القاسم: من أخبر بمصيبة فاسترجع، أو أخبر بشيء فقال:
الحمد لله على كل حال، أو قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، لا يعجبني،
وصلاته مجزية. وقال أشهب: إلاّ أن يريد بذلك قطع الصلاة. ومذهب مالك والشافعي: إذا
سبح الأعمى خوف أن يقع في بئر أو دابة أو في حية إنه جائز.
التاسع: فيه جواز الالتفات للحاجة، قاله ابن عبد البر، وجمهور الفقهاء على أن الالتفات لا
يفسد الصلاة إذا كان يسيراً، قلت: هذا إذا كان لحاجة، لما روى سهل بن الحنظلية من
حديث فيه: ((فجعل رسول الله عَّلم يصلي وهو يلتفت إلى الشعب)). وقال أبو داود: كان
أرسل فارساً إلى الشعب يحرس، وقال الحاكم: سنده صحيح، وأما إذا كان لا لحاجة فإنه
يكره، لما روي عن أبي ذر قال: قال رسول الله، عَ ليهِ: ((لا يزال الله تعالى مقبلاً على العبد
وهو في صلاته ما لم يلتفت، فإذا التفت انصرف عنه)). وعند ابن خزيمة عن ابن عباس:

٣٠٩
١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (٤٩)
((كان، عَُّلِّ يلتفت يميناً وشمالاً ولا يلوي عنقه خلف ظهره)). وعند الترمذي، واستغربه:
((يلحظني يميناً وشمالاً)). وقال ابن القطان: صحيح، وعند ابن خزيمة عن علي بن شيبان،
وكان أحد الوفد قال: ((صليت خلف النبي عَّ فلمح بمؤخر عينيه إلى رجل لا يقيم صلبه
في الركوع والسجود)). وعن جابر رضي الله عنه، وهو شاك، فصليناه وراءه قعوداً فالتفت إلينا
فإن قلت: روى أبو داود: لا صلاة لملتفت قلت: ضعفه ابن القطان وغيره.
العاشر: فيه دليل على جواز استخلاف الإمام إذا أصابه ما يوجب ذلك، وهو قول أبي
حنيفة ومالك وأحد قولي الشافعي، وهو قول عمر وعلي والحسن وعلقمة وعطاء والنخعي
والثوري، وعن الشافعي وأهل الظاهر: لا يستخلف الإمام.
الحادي عشر: فيه جواز شق الصفوف والمشي بين المصلين لقصد الوصول إلى
الصف الأول، لكن هذا في حق الإمام ويكره في حق غيره.
الثاني عشر: فيه جواز إمامة المفضول للفاضل.
الثالث عشر: فيه سؤال الرئيس عن سبب مخالفة أمره قبل الزجر عن ذلك.
الرابع عشر: فيه إكرام الكبير بمخاطبته بالكنية.
الخامس عشر: فيه أن العمل القليل في الصلاة لا يفسدها، لتأخر أبي بكر عن مقامه
إلى الصف الذي يليه.
السادس عشر: فيه تقديم الأصلح والأفضل.
السابع عشر: فيه تقديم غير الإمام إذا تأخر، ولم يخف فتنة ولا إنكار من الإمام.
الثامن عشر: قيل فيه تفضيل الصلاة في أول الوقت. قلت: إنما صلوا في أول الوقت
ظناً منهم أنه عَّالَّله، لا يأتيهم في الوقت والجماعة كانوا حاضرين، وفي تأخيرهم كان
تشويش لهم من جهة أن فيهم من كان ذا حاجة وذا ضعف ونحو ذلك.
التاسع عشر: فيه أن رفع اليد في الصلاة لا يفسدها.
العشرون: فيه أن المصلي إذا نابه شيء فليسبح، أي فليقل: سبحان الله. وعن مالك:
المرأة تسبح كالرجل لأن كلمة: من، في الحديث تقع على الذكور والإناث. قال: و:
التصفيق منسوخ بقوله: ((من نابه شيء في صلاته فليسبح))، وأنكره بعضهم، وقال: لأنه لا
يختلف أن أول الحديث لا ينسخ آخره، ومذهب الشافعي والأوزاعي تخصيص النساء
بالتصفيق، وهو ظاهر الحديث، وفي (سنن أبي داود): ((إذا نابكم شيء في صلاة فليسبح
الرجال وليصفق النساء)).
الحادي والعشرون: فيه شكر الله على الوجاهة في الدين. والله أعلم بحقيقة الحال.
٤٩ - بابٌ إِذَا اسْتَوَوْا فِي القِرَاءَةِ فَلْيَؤُمَّهُمْ أَكْبَرُهُمْ
أي: هذا باب ترجمته: إذا استووا ... إلى آخره، يعني إذا استوى الحاضرون للصلاة في

٣١٠
١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٤٩)
القراءة فليؤمهم من كان أكبر السن منهم.
٦٨٥/٧٦ - حدّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قال حدّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ
عنْ مالِكِ بنِ الحُوَيْرِث قال قدِمْنا عَلَى النَّبِيِّ عَّهِ ونَحْنُ شَبَبَة فَلَبِثْنَا عِنْدَهُ نَخْواً مِنْ عِشْرِينَ
لَيْلَةٍ وكانَ النَّبِيُّ عَِّ رَحِيماً فقال لَوْ رَجَعْتُمْ إِلَى بِلاَدِكُمْ فَعَلَّمْتُمُوهُمْ مُرُوهُمْ فَلْيُصَلُّوا
صَلاَةَ كَذَا فِي حِينٍ كَذَا وَصَلاَةَ كَذَا فِي حِينٍ كَذَا وإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ
أحَدُكُمْ وَلْيُمَّكِّمْ أَكْبَرُكُمْ. [انظر الحديث ٦٢٨ وأطرافه].
مطابقته للترجمة - وإن لم تذكر في الحديث صريحاً - استواؤهم في القراءة من حيث
اقتضاء القصة هذا القيد، لأنهم أسلموا وهاجروا معاً، وصحبوا رسول الله عَ ليه ولازموه
عشرين ليلة واستووا في الأخذ عنه، فلم يبق مما يقدم به إلّ السن. وقال بعضهم: هذه
الترجمة منتزعة من حديث أخرجه مسلم من رواية أبي مسعود الأنصاري مرفوعاً: ((يؤم القوم
أقرؤهم لكتاب الله تعالى، فإن كانت قراءتهم سواء فليؤمهم أقدمهم هجرة، فإن كانوا في
الهجرة سواء فليؤمهم أكبرهم سناً)). انتهى. قلت: ما أبعد هذا الوجه لبيان التطابق بين
الحديث والترجمة، فكيف يضع ترجمة لحديث أخرجه غيره، والمطلوب من التطابق أن
يكون بين الترجمة وحديث الباب؟
ذكر رجاله: وهم خمسة، مضى ذكرهم غير مرة، وأيوب هو السختياني، وأبو قلابة هو
عبد الله بن زيد الجرمي، وقد مضى حديث مالك بن الحويرث هذا في: باب من قال ليؤذن
في السفر مؤذن واحد، أخرجه عن معلى بن أسد عن وهيب عن أيوب عن أبي قلابة عن
مالك بن الحويرث، قال: ((أتيت النبي ◌َّهِ في نفر من قومي ... )) الحديث، وقد ذكرنا هناك
جميع متعلقات الحديث مستوفئ.
قوله: ((ونحن شببة))، جملة إسمية وقعت حالاً، و: الشببة، بفتح الشين المعجمة
والباءين الموحدتين: جمع شاب وفي رواية في الأدب: ((شببة متقاربون))، أي: في السن.
قوله: ((نحواً من عشرين)، وفي رواية هناك: ((عشرين ليلة))، بتعيين العشرين جزماً، والمراد
بأيامها، كما وقع التصريح به في خبر الواحد من طريق عبد الوهاب: عن أيوب. قوله:
(رحيما))، وفي رواية ابن علية وعبد الوهاب: ((رحيماً رقيقاً). قوله: ((لو رجعتم))، جواب: لو.
قوله: ((مروهم)، وقوله: ((فعلمتوهم))، عطف على قوله: (رجعتم))، ويجوز أن يكون جواب:
لو، محذوفاً تقديره: لو رجعتم لكان خيراً لكم إنما قال، عَّ، ذلك لأنه علم منهم أنهم
اشتاقوا إلى أهليهم وأولادهم، والدليل على هذا رواية عبد الوهاب: ((فظن أنا اشتقنا إلى
أهلينا ... )) الحديث. فقال ذلك على طريق الإيناس، لأن في الأمر بالرجوع بغير هذا الوجه
تنفيراً، والنبي عٍَّ يتحاشى عن ذلك، ثم على تقدير أن يكون جواب: لو، محذوفاً يكون
قوله: ((مروهم)) استئنافاً، كأن سائلاً سأل: ماذا نعلمهم؟ فقال: مروهم بالطاعات كذا وكذا،
والأمر بها مستلزم للتعليم. قوله: ((وليؤمكم أكبر كم»، يعني: بالسن عند التساوي في شروط

٣١١
١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (٥٠)
الإمامة، وإلاّ فالأسن إذا وجد وكان منهم من هو أصغر منه ولكنه أقرأ قدم الأقرأ، كما في
حديث عمرو بن سلمة، وكان قد أم قومه في مسجد عشيرته وهو صغير وفيهم الشيوخ
والكهول، ولكن قالوا: إنما كان تقديم الأقرأ في ذلك الزمان لأنه كان في أول الإسلام حين
كان الحفاظ قليلاً، وتقديم عمرو كان لذلك، أو نقول: لا يكاد يوجد قارىء، إذ ذاك إلاّ وهو
فقيه، وقد بسطنا الكلام فيه في: باب أهل العلم والفضل أحق بالإمامة.
٥٠ _ بابٌ إِذا زَارَ الإِمامُ قَوْماً فَأْمَّهُمْ
أي: هذا باب ترجمته: إذا زار الإمام أي: الإمام الأعظم، أو من يجري مجراه، إذا زار
قوماً فأمهم في الصلاة، ولم يبين حكمه في الترجمة: هل للإمام ذلك أم يحتج إلى إذن
القوم؟ فاكتفى بما ذكر في حديث الباب فإنه يشعر بالاستئذان كما سنذكره، إن شاء الله
تعالی.
٦٨٦/٧٧ - حدّثنا مُعَاذُ بنُ أَسَدٍ قال أخْبَرَنَا عَبْدُ الله قال أخبرنا مَعْمَرٌ عن الزُّهْرِيِّ قال
أخبرني محمُودُ بنُ الرَّبِيع قال سَمِعْتُ عِثْبَانَ بنَ مالِكِ الأنْصَارِيَّ قال اسْتَأْذَنَ النبيُّ عَ لَه
فَأَذِنْتُ لَهُ فقال أيْنَ تُحِثَّ أنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى المَكَانِ الَّذِي أُحِبُّ فقامَ
وَصَفَفْنَا خَلْفَهُ ثُمَّ سَلَّمَ وَسَلمْنا. [أنظر الحديث ٤٢٤ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فقال: أين تحب أن أصلي ... )) إلى آخره، فإنه يتضمن
أمرين: أحدهما: قصداً، وهو تعيين المكان من صاحب المنزل. والآخر: ضمناً، وهو
الاستئذان بالإِمامة، فإن قلت: الإمام الأعظم سلطان على المالك فلا يحتاج إلى الاستئذان؟
قلت: في الاستئذان رعاية الجانبين، مع أنه ورد في حديث أبي مسعود: ((لا يؤم الرجل
الرجل في سلطانه ولا يجلس على تكرمته إلاّ بإذنه))، فإن مالك الشيء سلطان عليه، وقد نقل
بعضهم هنا وجهين في ذكر الترجمة، وفيهما عسف وبعد، والوجه ما ذكرته.
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: معاذ بن أسد أبو عبد الله المروزي نزيل البصرة، وليس
هو أخاً لمعلى بن أسد أحد شيوخ البخاري أيضاً، وكان معاذ المذكور كاتباً لعبد الله بن
المبارك وهو شيخه في هذا الإسناد، وحكى عنه البخاري أنه قال في سنة إحدى وعشرين
ومائتين: أنا ابن إحدى وسبعين سنة، كأنه ولد سنة خمسين ومائة. الثاني: عبد الله بن
المبارك. الثالث: معمر بفتح الميمين: ابن راشد. الرابع: محمد بن مسلم بن شهاب
الزهري. الخامس: محمود بن الربيع، بفتح الراء: أبو محمد الأنصاري. وقال أبو نعيم، عقل
مجة مجها رسول الله عَ ليه في وجهه من دلو في دارهم، ذكره الذهبي في كتاب (تجريد
الصحابة) منهم، وقد تقدم في باب المساجد في البيوت. السادس: عتبان بن مالك
الأنصاري.
ذكر لطائف إسناده: وفيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع. وفيه: الإخبار كذلك
في موضعين وبصيغة الإفراد في موضع. وفيه: القول في خمسة مواضع. وفيه: السماع. وفيه:

٣١٢
١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٥١)
رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي والصحابي عن الصحابي. وفيه: أن شيخه من أفراده.
وفيه: أن رواته ما بين مروزيين والبصري والمدني.
وقد ذكرنا تعدد موضعه، ومن أخرجه غيره في: باب إذا دخل بيتاً يصلي حيث يشاء،
وبقية ما يتعلق به في: باب المساجد في البيوت.
قوله: ((وصففنا خلفه))، بفتح الفاء الأولى وسكون الثانية: جمع المتكلم، ويروى:
((وصفنا))، بتشديد الفاء أي: صفنا رسول الله عَ لّه، خلفه.
٥١ - بابٌ إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ
أي: هذا باب ترجمته: إنما جعل الإمام ليؤتم أي: ليقتدى به، وهذه الترجمة قطعة من
حديث مالك من أحاديث الباب على ما يأتي إن شاء الله تعالى.
وصَلَّى النبيُّ عَِّ فِي مَرَضِهِ الذِي تُؤُفِّيَ فِيهِ بِالنَّاسِ وَهْوَ جَالِس
هذا التعليق تقدم مسنداً من حديث عائشة، فإن قلت: هذا لا دخل له في الترجمة،
فما فائدة ذكره؟ قلت: إنه يشير به إلى أن الترجمة التي هي قطعة من الحديث عام يقتضي
متابعة المأموم الإمام مطلقاً، وقد لحقه دليل الخصوص، وهو حديث عائشة: ((فإن النبي عَ له
صلى في مرضه الذي توفي فيه وهو جالس والناس خلفه قيام، ولم يأمرهم بالجلوس))، فدل
على دخول التخصيص في عموم قوله: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به)).
وقال ابنُ مَسْعُودٍ إِذَا رَفَعَ قَبَلَ الإِمَامِ يَعُودُ فَيَمْكُثُ بِقَدْرِ مَا رَفَعَ ثُمَّ يَتْبَعُ الإِمَامِ
مطابقته للترجمة تؤخذ من لفظ الترجمة على ما لا يخفى، وهذا التعليق وصله ابن أبي
شيبة بسند صحيح: عن هشيم أخبرنا حصين عن هلال بن يسار عن أبي حيان الأشجعي،
وكان من أصحاب عبد الله، قال: قال رسول الله عَُّله: ((لا تبادروا أئمتكم بالركوع ولا
بالسجود، وإذا رفع أحدكم رأسه والإمام ساجد فليسجد ثم ليمكث قدر ما سبقه به
الإمام)). وروى عبد الرزاق عن عمر نحو قول ابن مسعود بإسناد صحيح، ولفظه: ((أيما رجل
رفع رأسه قبل الإمام في ركوع أو سجود فليضع رأسه بقدر رفعه إياه))، ورواه البيهقي من
طريق ابن لهيعة، وقال البيهقي: رويناه عن إبراهيم والشعبي أنه يعود فيسجد، وحكى ابن
سحنون عن أبيه نحوه، ومذهب مالك أن من خفض أو رفع قبل إمامه أنه يرجع فيفعل ما دام
إمامه لم يرفع من ذلك، وبه قال أحمد وإسحاق والحسن والنخعي، وروي نحوه عن عمر،
رضي الله تعالى عنه، وقال ابنه: من ركع أو سجد قبل إمامه لا صلاة له، وهو قول أهل
الظاهر. وقال الشافعي وأبو ثور: إذا ركع أو سجد قبله فإن أدركه الإمام فيهما أساء، ويجزيه
حكاه ابن بطال، ولو أدرك الإمام في الركوع فكبر مقتدياً به ووقف حتى رفع الإمام رأسه
فركع، لا يجزيه عندنا، خلافاً لزفر.

٣١٣
١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (٥١)
وقالَ الحَسنُ فيمَنْ يَرْكَعُ معَ الإِمَامِ رَكْعَتَيْنِ ولاَ يَقْدِرُ عَلَى السُّجُودِ يَسْجُدُ لِلرَّكْعَةِ الآخِرَةِ
سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ يَقْضِي الزَّكْعَةَ الأَولَّى بِسُجُودِهَا وفِيمَنْ نَسِيَ سَجْدَةٌ حَتَّى قَامَ يَسْجُدُ
أي: الحسن البصري، والذي قاله مسألتان: الأولى: قوله: ((فيمن يركع)) إلى قوله:
(بسجودها))، ووصلها سعيد بن منصور عن هشيم عن يونس عن الحسن، ولفظه: ((في الرجل
يركع يوم الجمعة فيزحمه الناس فلا يقدر على السجود، قال: إذا فرغوا من صلاتهم سجد
سجدتين لركعته الأولى، ثم يقوم فيصلي ركعة وسجدتين)). قوله: ((ولا يقدر على السجود))
أي: لزحام ونحوه على السجود بين الركعتين، وقد فسره فيما رواه سعيد بن منصور بقوله:
((في الرجل يركع يوم الجمعة فيزاحمه الناس فلا يقدر على السجود))، وإنما ذكر يوم الجمعة
في هذا، وإن كان الحكم عاماً، لأن الغالب في يوم الجمعة ازدحام الناس. قوله: ((الآخرة))،
ويروى: ((الأخيرة))، وإنما قال: الركعة الأولى دون الثانية لاتصال الركوع الثاني به.
المسألة الثانية: قوله: ((وفيمن نسي سجدة)) أي: قال الحسن فيمن نسي سجدة من
أول صلاته. قوله: ((يسجد)) يعني: يطرح القيام الذي فعله على غير نظم الصلاة ويجعل
وجوده كالعدم، ووصلها ابن أبي شيبة بأتم منه، ولفظه: ((في رجل نسي سجدة من أول صلاته
فلم يذكرها حتى كان آخر ركعة من صلاته، قال: يسجد ثلاث سجدات، فإن ذكرها قبل
السلام يسجد سجدة واحدة، وإن ذكرها بعد انقضاء الصلاة يستأنف الصلاة))، فإن قلت: ما
مطابقة المروي عن الحسن للترجمة؟ قلت: مطابقته لها من حيث إن فيه متابعة الإمام بوجود
بعض المخالفة فيه، وقال مالك في مسألة الزحام: لا يسجد على ظهر أحد، فإن خالف يعيد،
وقال أصحابنا والشافعي وأبو ثور: يسجد ولا إعادة عليه.
٧٨ / ٦٨٧ - حدثنا أَحْمَدُ بنُ يُونُسَ قال حدّثنا زَائِدَةُ عنْ مُوسَى بنٍ أَبِي عَائِشَةَ عنْ عُبَيْدِ
الله بنِ عَبْدِ الله بنِ عُثْبَةَ قال دخَلْتُ عَلى عَائِشَةَ فَقُلْتُ أَلاَ تُحَدِّثِينِي عَنْ مَرَضِ رَسول الله
عَّهِ قَالَتْ بَلَى ثَقُلَ النبيُّ عَ لَّهِ فقال أَصَلَّى النَّاسُ قُلْنَا لاَ هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ قال ضَعُوا لِي ماءً
فِي المِخْضَبِ قالَتْ فَفَعَلْنَا فاغْتَسَلَ فَذَهَبَ لِيَثُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ أفاقَ فقال ◌ََّّلِ أَصَلَّى
النَّاسُ قُلْنَا لاَ هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يا رسولَ الله قال ضَعُوا لِي ماءً في المِخْضَبِ قالَتْ فَقَعَدَ
فاغْتَسَلَ ثمَ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأَعْمِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ أفاقَ فقالَ أَصَلَّى النَّاسُ فَقُلْنَا لاَ وهُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يا
رسولَ الله فقال ضَعُوا لِي ماءً في المِخْضَبِ فَقَعَدَ فاغْتَسَلَ ثمَّ ذَهَبَ لِيَثُوءَ فأغْمِيَ عَليهْ ثُمَّ
أفاقَ فقال أصَلَّى النَّاسُ فَقُلْنا لاَ هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يا رسولَ الله والناسُ ◌ُكُوفٌ في المَسْجِدِ
يَنْتَظِرُونَ النِيَّ عَ لّهِ لِصَلاَةِ العِشَاءِ الْآخِرَةِ فَأرْسَلَ النبيِ عَلَّهِ إلى أبي بَكْرٍ بِأنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ
فَأْتَاهُ الرَّسول فقال إنَّ رسولَ الله عََِّّ يَأمْرُكَ أنْ تُصَلِّيَ بِالنَّاسِ فقال أَبُو بَكْرٍ وكانَ رَجُلاً
رَقِيقاً يا عُمَرُ صَلّ بِالنَّاسِ فقالَ لَهُ عُمَرُ أَنْتَ أَحَقُّ بِذَلِكَ فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ تِلْكَ الأَيَامَ ثُمَّ إِنَّ
النَّبِيَّ عَّهِ وَجَدَ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً فَخَرَجَ بَيْنَ رَجَلَيْنِ أحَدُهُما العَبَّاسُ لِصَلَةِ الظُّهْرِ وَأَبُو بَكْرٍ
يُصَلِّي بِالنَّاسِ فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ ذَهَبَ لِيَتَأََّ فَأَوْماً إِلَيْهِ النبيُّ عَ لَّهِ بِأَن لا يَتَأْخَّرَ قال أجْلِسَانِي

٣١٤
١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٥١)
إلَى جَتْبِهِ فَأَجْلَساهُ إلَى جَتْبِ أبِي بَكْرٍ قال فَجعَلَ أبو بَكْرٍ يُصَلِّي وَهْوَ يَأْتُمُ بِصَلاةِ النّبِيّ ◌َِ له
والنَّاسُ بِصَلاَةِ أبِي بَكْرٍ والنبيُّ عَِّ قَاعِدٌ قال عُبَيْدُ اللهِ فَدَخَلْتُ عَلى عَبْدِ الله بنِ عَبَّاسٍ
فقُلْتُ لَهُ أَلاَ أَعْرِضُ عَلَيْكَ ما حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ عنْ مَرَضِ النّبِيّ معَِّ قال هاتٍ فَعَرَضْتُ عليهِ
حَدِيثَها فَمَا أَنْكَرَ مِنْهُ شَيئاً غَيْرَ أَنَّهُ قال أسَمَّتْ لَكَ الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ مَعَ العَبَّاسِ قُلْتُ لاَ قَال
هُوَ عَلِيٌّ. [أنظر الحديث ١٩٨ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فجعل أبو بكر يصلي وهو يأتم بصلاة النبى، عليه)،
صلىالله
و کون الإمام جعل ليؤتم به ظاهر ههنا.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: أحمد بن يونس هو: أحمد بن عبد الله التميمي
اليربوعي الكوفي. الثاني: زائدة بن قدامة البكري الكوفي. الثالث: موسى بن أبي عائشة
الهمداني أبو بكر الكوفي. الرابع: عبيد الله - بتصغير العبد - ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود
أبو عبد الله الهذلي، أحد الفقهاء السبعة، مات سنة ثمان وتسعين. الخامس: أم المؤمنين
عائشة.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في موضعين.
وفيه: القول في ثلاثة مواضع. وفيه: أن الثلاثة الأول من الرواة كوفيون، وفيه: شيخ البخاري
مذ کور باسم جده.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أما البخاري فإنه أخرج هذا الحديث مقطعاً
ومطولاً ومختصراً في مواضع عدة قد ذكرنا أكثرها، وأخرجه هنا عن أحمد بن يونس، ووافقه
في ذلك مسلم، وأخرجه عن زائدة عن موسى بن أبي عائشة به. وأخرجه النسائي في الصلاة
عن ابن عباس العنبري عن ابن مهدي عن زائدة به، وفي الوفاة عن سويد بن نصر عن ابن
المبارك عن زائدة.
ذكر معناه: قوله: ((ألا))، للعرض والاستفتاح. قوله: ((بلى)). بمعنى: نعم أحدثك. قوله:
((لما ثقل))، بضم القاف، يعني: لما اشتد مرضه، وقد استقصينا الكلام فيه في: باب الغسل
والوضوء في المخضب، وفي: حد المريض أن يشهد الجماعة وغيرهما، ونذكر ههنا بعض
شيء مما يحتاج إليه لسرعة الوقوف عليه. قوله: ((أصلى الناس؟)) الهمزة فيه للاستفهام
والاستخبار. قوله: ((فقلنا: لا))، ويروى: ((قلنا)) بدون الفاء. قوله: ((وهم ينتظرونك)) الواو فيه
للحال. قوله ((ضعوا لي ماء))، باللام، وفي رواية المستملي والسرخسي: ((ضعوني))، بالنون،
والكرماني ذهل عن رواية الجمهور التي هي باللام، وسأل على رواية النون، فقال: القياس
باللام لا بالنون، لأن الماء مفعول وهو لا يتعدى إلى مفعولين، ثم أجاب بأن الوضع ضمن
معنى الإيتاء أو لفظ الماء تمييز عن المخضب مقدم عليه إن جوزنا التقديم، أو هو منصوب
بنزع الخافض. قلت: كل هذا تعسف إلاّ معنى التضمين فله وجه. قوله: ((في المخضب))،
بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الضاد المعجمة وفي آخره باء موحدة: وهو

٣١٥
١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٥١)
المركن: أي الإجانة. قوله: ((ففعلنا فاغتسل))، ويروى: ((ففعلنا فقعد فاغتسل)). قوله:
((فذهب))، بالفاء. وفي رواية الكشميهني: ((ثم ذهب)). قوله: ((لينوء))، بضم النون بعدها
همزة: أي لينهض بجهد. وقال الكرماني: وينوء كيقوم لفظاً ومعنى.
قوله: ((فأغمي عليه))، فيه أن الإغماء جائز على الأنبياء لأنه شبيه بالنوم، وقال النووي:
لأنه مرض من الأمراض بخلاف الجنون، فإنه لم يجز عليهم لأنه نقص. قلت: العقل في
الإغماء يكون مغلوباً، وفي المجنون يكون مسلوباً. قوله: ((قلنا: لا))، يعني: لم يصلوا. قوله:
((وهم ينتظرونك))، جملة إسمية وقعت حالاً بلا: واو، وهو جائز، وقد وقع في القرآن نحو
قوله تعالى: ﴿قلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو﴾ [البقرة: ٣٦]. وكذلك: هم ينتظرونك.
الثاني: قوله: ((لصلاة العشاء))، كذا باللام في رواية الأكثرين، وفي رواية المستملي
والكشميهني: ((الصلاة العشاء الآخرة)). قوله: ((عكوف)) بضم العين جمع: العاكف، أي:
مجتمعون وأصل العكف اللبث، ومنه الاعتكاف لأنه لبث في المسجد. قوله: ((تلك الأيام))
أي: التي كان رسول الله عَ ليه فيها مريضاً غير قادر على الخروج. قوله: لصلاة الظهر))، هو
صريح في أن الصلاة المذكورة كانت صلاة الظهر، وزعم بعضهم أنها الصبح. قوله:
((أجلساني)) من الإجلاس، قوله: ((وهو يأتم بصلاة النبي، عليه الصلاة والسلام))، هذه رواية
المستملي والسرخسي، ورواية الأكثرين: ((فجعل أبو بكر يصلي وهو قائم)) من القيام. قوله:
(بصلاة النبي عَّه))، ويروى: "((بصلاة رسول الله عَ ليه))، وقد قال الشافعي: بأنه عليه الصلاة
والسلام لم يصل بالناس في مرض موته في المسجد إلّ مرة واحدة، وهي هذه التي صلى
فيها قاعداً وكان أبو بكر فيها إماماً، ثم صار مأموماً يسمع الناس التكبير. قوله: ((ألا أعرض؟))
الهمزة للاستفهام و: لا، للنفي وليس حرف التنبيه ولا حرف التحضيض، بل هو استفهام
للعرض.
ذكر ما يستفاد منه: وقد ذكرنا أكثر فوائد هذا الحديث في باب حد المريض أن
يشهد الجماعة ونذكر أيضاً ما لم نذكره هناك. فيه: دليل على أن استخلاف الإمام الراتب
إذا اشتكى أولى من صلاته بالقوم قاعداً، لأنه عَّ استخلف أبا بكر ولم يصل بهم قاعداً غير
مرة واحدة. وفيه: صحة إمامة المعذور لمثله. وفيه: دليل على صحة إمامة القاعد للقائم أيضاً
خلافاً لما روي عن مالك في المشهور عنه ولمحمد بن الحسن، وقالا في ذلك: إن الذي
نقل عنه عَّلَِّ كان خاصاً به، واحتج محمد أيضاً بحديث جابر عن الشعبي مرفوعاً: ((لا يؤمّنَّ
أحد بعدي جالساً). أخرجه الدارقطني ثم البيهقي، وقال الدار قطني: لم يروه عن الشعبي غير
جابر الجعفي، وهو متروك. والحديث مرسل لا تقوم به حجة. وقال ابن بزيزة: لو صح لم
يكن فيه حجة لأنه يحتمل أن يكون المراد منه الصلاة بالجالس. قلت: يعني يجعل: جالساً،
مفعولاً لا حال، وهذا خلاف ظاهر التركيب في زعم المحتج به، وزعم عياض - ناقلاً عن
بعض المالكية - إن الحديث المذكور يدل على نسخ الأمر المتقدم لهم بالجلوس لما صلوا
خلفه قياماً، ورد بأن ذلك على تقدير صحته يحتاج إلى تاريخ.

٣١٦
١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٥١)
ثم اعلم أن جواز صلاة القائم خلف القاعد هو مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف
والشافعي ومالك في رواية، والأوزاعي، واحتجوا في ذلك بحديث عائشة المذكور، فإن
قلت: روى البخاري ومسلم والأربعة عن أنس، قال: ((سقط رسول الله عَّم عن فرس ... ))
الحديث، وفيه: ((إذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً)، وروى البخاري أيضاً ومسلم عن عائشة
قالت: ((اشتكى رسول الله عَّ فدخل عليه ناس من أصحابه ... )) الحديث، وفيه: ((إذا صلى
جالساً فصلوا جلوساً؟)). قلت: هؤلاء يجعلون هذين الحديثين منسوخين بحديث عائشة
المتقدم: أنه صلى آخر صلاته قاعداً والناس خلفه قيام، وأيضاً أن تلك الصلاة كانت تطوعاً،
والتطوعات يحتمل فيها ما لا يحتمل في الفرائض، وقد صرح بذلك في بعض طرقه، كما
أخرجه أبو داود في (سننه) عن أبي سفيان عن جابر، قال: ((ركب رسول الله عَُّلَّه فرساً له
في المدينة، فصرعه على جذع نخلة فانفكت قدمه، فأتيناه نعوده فوجدناه في مشربة لعائشة
يسبح جالساً، قال: فقمنا خلفه فسكت عنا، ثم أتينا مرة أخرى نعوده فصلى المكتوبة جالساً
فقمنا خلفه، فأشار إلينا فقعدنا. قال: فلما قضى الصلاة قال: إذا صلى الإمام جالساً فصلوا
جلوساً، فإذا صلى قائماً فصلوا قياماً ولا تفعلوا كما يفعل أهل الفارس بعظمائها)). ورواه ابن
حبان في صحيحه كذلك، ثم قال: وفي هذا الخبر دليل على أن ما في حديث حميد عن
أنس أنه: صلى بهم قاعداً وهم قيام أنه إنما كانت الصلاة سبحة، فلما حضرت الفريضة أمرهم
بالجلوس فجلسوا، فكان أمر فريضة لا فضيلة. قلت: ومما يدل على أن التطوعات يحتمل
فيها ما لا يحتمل في الفرائض، ما أخرجه الترمذي: عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب
عن أنس، قال: ((قال لي رسول الله عَّ: إياك والالتفات في الصلاة فإنه هلكة، فإن كان لا
بد ففي التطوع لا في الفريضة))، وقال: حديث حسن.
٧٩/ ٦٨٨ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنْ هِشَام بنِ عُزْوَةَ عنْ أَبِيهِ عِنْ
عَائِشَةً أمّ المُؤْمِنِينَ أَنَّها قالَتْ صلَّى رسولُ الله عَ لِّ فِي بَيْتِهِ وَهْوَ شَاكٍ فَصَلَّى جَالِساً وصَلَّى
وَرَاءهُ قَوْمٌ قِياماً فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أنْ اْلِسُوا فَلَمَّا انْصَرَفَ قال إنّمَا جُعِلَ الإِمامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فإذَا رَكَعَ
فازِكَعُوا وإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا وإِذَا قال سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ وإِذَا
صَلَّى جَالِساً فَصَلُّوا مُجُلُوساً أجْمَعُونَ. [الحديث ٦٨٨ - أطرافه في: ١١١٣، ١٢٣٦،
٥٦٥٨].
مطابقته للترجمة ظاهرة لأن الترجمة هي بعينها. قوله: عَّ له: ((إنما جعل الإمام ليؤتم
به)).
ورجاله قد ذكروا غير مرة. وأخرجه البخاري أيضاً في التفسير عن قتيبة، وفي السهو
عن إسماعيل. وأخرجه أبو داود في الصلاة عن القعنبي عن مالك به.
ذكر معناه: قوله: ((في بيته)) أي: في المشربة التي في حجرة عائشة، كما بينه أبو
سفيان عن جابر، وهذا يدل على أن تلك الصلاة لم تكن في المسجد، وكأنه عَ ◌ّم عجز عن

٣١٧
١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٥١)
الصلاة بالناس في المسجد، وكان يصلي في بيته بمن حضر، لكنه لم ينقل أنه استخلف،
ومن ثمة قال عياض: إنه الظاهر أنه صلى في حجرة عائشة وأم به من حضر عنده، ومن كان
في المسجد. وهذا الذي قاله يحتمل، ويحتمل أيضاً أن يكون استخلف، وإن لم ينقل. لكن
يلزم على الأول أن تكون صلاة الإمام أعلى من صلاة المأمومين، ومذهب عياض خلافه.
قلت: له أن يقول: إنما يمنع كون الإمام أعلى من المأموم، إذا لم يكن معه أحد، وكان معه
هنا بعض الصحابة. قوله: ((وهو شاك))، بتخفيف الكاف وأصله: شاكي. نحو: قاضٍ، وأصله
قاضي، استثقلت الضمة على الياء فحذفت فصارت: شاك، وهو: من الشكاية وهي: المرض،
والمعنى هنا: شاك عن مزاجه لانحرافه عن الصحة. وقال ابن الأثير: الشكو والشكوى
والشكاة والشكاية: المرض.
قوله: ((فصلى جالساً) أي: حال كونه جالساً. وقال عياض: يحتمل أن يكون أصابه
من السقطة رض في الأعضاء منعه من القيام، ورد هذا بأنه ليس كذلك، وإنما كانت قدمه
منفكة، كما في رواية بشر بن المفضل: عن حميد عن أنس عند الإسماعيلي، وكذا لأبي
داود وابن خزيمة من رواية أبي سفيان عن جابر قال: ((ركب رسول الله عَ لَّ فرساً بالمدينة
فصرعه على جذع نخلة فانفكت قدمه، فأتيناه نعوده فوجدناه في مشربة لعائشة .. )) الحديث،
وقد ذكرناه عن قريب. وفي رواية يزيد بن حميد: ((جحش ساقه أو كتفه))، وفي رواية الزهري
عن أنس: ((جحش شقه الأيمن))، والحاصل هنا أن عائشة أبهمت الشكوى، وبين جابر وأنس
السبب وهو: السقوط عن الفرس، وعين جابر العلة في الصلاة قاعداً وهي انفكاك القدم فإن
قلت: وقعت المخالفة بين هذه الروايات فما التوفيق بينها؟ قلت: يحتمل وقوع هذا كله قوله:
((فأشار عليهم))، كذا وقع في رواية الحموي بلفظ: عليهم، وفي رواية الأكثرين: ((فأشار
إليهم))، وروى أيوب عن هشام بلفظ: ((فأومأ إليهم))، وروى عبد الرزاق عن معمر عن هشام
بلفظ: ((فأخلف بيده يومي بها إليهم)). قوله: ((فلما انصرف))، أي: رسول الله عَ لّه من
الصلاة. قوله: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به)) أي: ليقتدى به ويتبع، ومن شأن التابع أن لا يسبق
متبوعه ولا يتقدم عليه في موقفه ويراقب أحواله. قوله: ((فإذا ركع)) أي: الإمام ((فاركعوا))،
الفاء فيه وفي قوله: ((فاسجدوا))، للتعقيب، ويدل على أن المقتدي لا يسبق الإمام بالركوع
والسجود حتى إذا سبق الإمام فيهما ولم يلحق الإمام فسدت صلاته، والدليل على أن الغاء
للتعقيب ما رواه مسلم من رواية الأعمش عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه: ((لا تبادروا
الإمام إذا كبر فكبروا))، وفي رواية أبي داود، من رواية مصعب بن محمد عن أبي صالح: ((لا
تركعوا حتى يركع ولا تسجدوا حتى يسجد». قوله: ((إذا رفع)) أي: الإمام رأسه «فارفعوا))
رؤوسكم. فإن قلت: الفاء التي للتعقيب هي الفاء العاطفة، والفاء التي هنا للربط فقط لأنها
وقعت جواباً للشرط، فعلى هذا لا تقتضي تأخر أفعال المأموم عن الإمام؟ قلت: وظيفة الشرط
التقدم على الجزاء، مع أن رواية أبي داود تصرح بانتفاء التقدم والمقارنة، ولا اعتبار لقول من
يقول: إن الجزاء يكون مع الشرط.

٣١٨
١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٥١)
قوله: ((فإذا قال: سمع الله لمن حمده)). قوله: سمع الله، مجاز عن الإجابة، والإجابة
مجاز عن القبول، فصار هذا مجاز المجاز، والهاء في: حمده، هاء السكتة والاستراحة لا
للكناية. قوله: ((ربنا ولك الحمد))، جميع الروايات في حديث عائشة بإثبات الواو، وكذا في
حديث أبي هريرة وأنس إلّ في رواية الليث عن الزهري في باب إيجاب التكبير،
والكشميهني بحذف الواو، ومنهم من رجح إثبات الواو لأن فيها معنى زائداً لكونها عاطفة
على محذوف تقديره: يا ربنا استجب، أو: يا ربنا أطعناك ولك الحمد، فيشتمل على الدعاء
والثناء معاً. ومنهم من رجح حذفها لأن الأصل عدم التقدير فتصير عاطفة على كلام غير تام.
وقال ابن دقيق العيد: والأول أوجه، وقال النووي: ثبتت الراوية بإثبات الواو وحذفها،
والوجهان جائزان بغير ترجيح. قوله: ((وإذا صلى جالساً)) أي: حال كونه جالساً. قوله:
((فصلوا جلوساً)) أي: جالسين، وهو أيضاً حال. قوله: ((أجمعون))، تأكيد للضمير الذي في:
صلوا، كذا وقع بالواو في جميع الطرق في (الصحيحين) إلّ أن الرواة اختلفوا في رواية همام
عن أبي هريرة فقال بعضهم: أجمعين، بالياء فوجهه أن يكون منصوباً على الحال، أي: جلوساً
مجتمعين، أو يكون تأكيداً له، وقال بعضهم: يكون نصباً على التأكيد لضمير مقدر منصوب،
كأنه قال: أعنيكم أجمعين. قلت: هذا تعسف جداً، ليس في الكلام ما يصحح هذا التقدير.
ذكر ما يستفاد منه: وهو على وجوه: الأول: فيه جواز صلاة القائمين وراء الجالس،
وقد مر الكلام فيه مستوفّى عن قريب. الثاني: فيه وجوب متابعة المأموم حتى في الصحة
والفساد، وقال الشافعي: يتبع في الموافقة لا في الصحة والفساد، وقال النووي: متابعة الإمام
واجبة في الأفعال الظاهرة بخلاف النية؛ وقال بعضهم: يمكن أن يستدل من هذا الحديث
على عدم دخولها، لأنه يقتضي الحصر في الاقتداء به في أفعاله لا في جميع أحواله، كما لو
كان محدثاً أو حامل نجاسة، فإن الصلاة خلفه تصح لمن لم يعلم حاله على الصحيح. قلت:
لا دلالة فيه على الحصر، بل يدل الحديث على وجوب المتابعة مطلقاً، ثم قال هذا القائل:
ثم مع وجود المتابعة ليس شيء منها شرطاً في صحة القدوة إلاَّ تكبيرة الإحرام، واختلف في
السلام، والمشهور عند المالكية اشتراطه مع الإحرام والقيام من التشهد الأول. انتهى. ((قلنا)):
تكفي المقارنة، لأن معنى الائتمام: الامتثال، ومن فعل مثل ما فعل إمامه صار ممتثلاً. الثالث:
استدل أبو حنيفة بقوله: ((وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد)) على
أن وظيفة الإمام: التسميع ووظيفة المأموم: التحميد، لأنه عَّم قسم، والقسمة تنافي الشركة،
وبه قال مالك وأحمد في رواية، وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي وأحمد في رواية يأتي
الإمام بهما، والحديث حجة عليهم وأما المؤتم فلا يقول إلّ: ربنا ولك الحمد، ليس إلاّ
عندنا، وقال الشافعي ومالك: يجمع بينهما.
٦٨٩/٨٠ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بنِ مالك
أنَّ رسولَ الله عَِّ رِكِبَ فَرَساً فَصُرِعَ عَنْهُ فَيُحِشَ شِقُّهُ الأَيْمَنُ فَصَلَّى صَلاَةً مِنَ الصَّلَوَاتِ
وَهْوَ قاعِدٌ فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُوداً فَلَمَّا انْصَرَفَ قال إنَّما جُعِلَ الإِمامُ لِيُؤْتَّ بِهِ فإذَا صَلى قائِماً

٣١٩
١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٥١)
فَصَلُّوا قِيَاماً فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعْوا وإِذَا رَفَعَ فَازْفَعُوا وإِذَا قال سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا رَبَّنَا
ولَكَ الحَمْدُ وإِذَا صَلَّى قائِماً فَصَلُّوا قِياماً وإِذَا صَلى جالِساً فَصَلُّوا جُلُوساً أجْمَعُونَ.
[أنظر الحديث ٨٧٣ وأطرافه].
مطابقته للترجمة مثل ما ذكرنا فى الحديث الذي قبله، وابن شهاب هو: محمد بن
مسلم الزهري، وهو أنه مثل الحديث الأول غير أن ذاك عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه
عن عائشة، وهذا عن مالك عن الزهري عن أنس، واعتبر الاختلاف في المتن من حيث
الزيادة والنقصان. قوله: ((عن أنس))، وفي رواية شعيب عن الزهري: أخبرني أنس. قوله:
((فصلى صلاة من الصلوات))، وفي رواية سفيان عن الزهري: ((فحضرت الصلاة))، وكذا في
رواية حميد عن أنس عند الإسماعيلي. وقال القرطبي: اللام للعهد ظاهراً، والمراد الفرض لأن
المعهود من عادتهم اجتماعهم للفرض بخلاف النافلة، وحكى عياض عن ابن القاسم: أن هذه
الصلاة كانت نفلاً. وقال بعضهم: وتعقب: بأن في رواية جابر عند ابن خزيمة وأبي داود
الجزم بأنها فرض، لكني لم أقف على تعيينها إلاّ في حديث أنس: ((فصلى بنا يومئذ))،
والظاهر أنها الظهر أو العصر انتهى. قلت: لا ظاهر هنا يدل على ما دعاه ولما لا يجوز أن
تكون التي صلى بهم يومئذ نفلاً. قوله: ((فجحش))، بجيم مضمومة ثم حاء مهملة مكسورة
أي: خدش، وهو أن يتقشر جلد العضو. قوله: ((فصلينا وراءه قعوداً)) أي: حال كوننا
قاعدین.
فإن قلت: هذا يخالف حديث عائشة لأن فيه: ((فصلى جالساً وصلى وراءه قوم قياماً)).
قلت: أجيب عن ذلك بوجوه: الأول: أن في رواية أنس اختصاراً وكأنه اقتصر على ما آل إليه
الحال بعد أمره لهم بالجلوس. الثاني: ما قاله القرطبي وهو أنه: يحتمل أن يكون بعضهم
قعد من أول الحال، وهو الذي حكاه أنس، وبعضهم قام حتى أشار إليه بالجلوس، وهو الذي
حكته عائشة. الثالث: ما قاله قوم وهو احتمال تعدد الواقعة، وقال بعضهم: وفيه بعد، قلت:
البعد في الوجهين الأولين، والوجه الثالث هو القريب، ويدل عليه ما وقع في رواية أبي داود
عن جابر، رضي الله تعالى عنه، أنهم دخلوا يعودونه مرتين، فصلى بهما فيهما، وبين أن
الأولى كانت نافلة وأقرهم على القيام وهو جالس، والثانية كانت فريضة وابتدأوا قياماً فأشار
إليهم بالجلوس. وفي رواية بشر عن حميد عن أنس نحوه عند الإسماعيلي. قوله: ((وإذا
صلى جالساً فصلوا جلوساً)) قيل: إن المراد بالأمر أن يقتدي به في جلوسه في التشهد وبين
السجدتين لأنه ذكر ذلك عقيب ذكر الركوع والرفع منه، والسجود فيحمل على أنه لما
جلس بين السجدتين قاموا تعظيماً له فأمرهم بالجلوس تواضعاً، وقد نبه على ذلك بقوله في
حديث جابر: ((إن كدتم آنفاً تفعلون فعل فارس والروم، يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا
تفعلوا)). وقال ابن دقيق العيد: هذا بعيد لأن سياق طرق الحديث يأباه ولأنه لو كان المراد
بالجلوس في الركن لقال: وإذا جلس فاجلسوا ليناسب قوله: ((فإذا سجدوا)) فلما عدل عن
ذلك إلى قوله: ((وإذا صلى جالساً)) كان كقوله: ((وإذا صلى قائماً)).

٣٢٠
١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٥١)
ومما يستفاد منه: غير ما ذكرنا في الحديث السابق، مشروعية ركوب الخيل
والتدرب على أخلاقها، واستحباب التأسي إذا حصل منها سقوط أو عثرة أو غير ذلك بما اتفق
للنبي عَّه في هذه الواقعة، وبه الأسوة الحسنة، ومن ذلك أنه يجوز على النبي عَ لّه ما يجوز
على البشر من الأسقام ونحوها من غير نقص في مقداره بذلك، بل ليزداد قدره رفعة ومنصبه
جلالة.
قال أبُو عَبْدِ الله قال الحُمَيْدِيُّ قَوْلهُ إِذَا صَلَّى جالِساً فَصَلُّوا جُلُوساً هُوَ في مَرَضِهِ
القَدِيمِ ثم صلّى بَعْدَ ذَلِكَ النبيُّ عَِّ جالِساً وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِياماً لَمْ يَأْمُرْهُمْ بَالقُعودِ
وإِنْمَا يُؤْخَذُ بِالآخِرِ فَالآخِرِ مِنْ فِعْلِ النبيِّ ◌َِه
أبو عبد الله هو: البخاري نفسه، والحميدي هو شيخ البخاري وتلميذ الشافعي،
واسمه: عبد الله بن الزبير بن عيسى بن عبيد الله بن الزبير بن عبيد الله بن حميد القرشي
الأسدي المكي، ويكنى أبا بكر، وهو من أفراد البخاري، مات سنة تسع عشرة ومائتين،
ويفهم من هذا الكلام أن ميل البخاري إلى ما قاله الحميدي، وهو الذي ذهب إليه أبو حنيفة
والشافعي والثوري وأبو ثور وجمهور السلف أن القادر على القيام لا يصلي وراء القاعد إلاَّ
قائماً. وقال المرغيناني: الفرض والنفل سواء. وقوله: ((إنما يؤخذ ... )) إلى آخره، إشارة إلى أن
الذي يجب به العمل هو ما استقر عليه آخر الأمر من النبي عَِّ، ولما كان آخر الأمرين منه
عَّ اله صلاته قاعداً والناس وراءه قيام، دل على أن ما كان قبله من ذلك مرفوع الحكم. فإن
قلت: ابن حبان لم ير النسخ، فإنه قال، بعد أن روى حديث عائشة المذكور: وفي هذا الخبر
بيان واضح أن الإمام إذا صلى قاعداً كان على المأمومين أن يصلوا قعوداً، وأفتى به من
الصحابة جابر بن عبد الله وأبو هريرة وأسيد بن حضير وقيس بن فهد، ولم يرو عن غيرهم من
الصحابة خلاف هذا بإسناد متصل ولا منقطع، فكان إجماعاً والإجماع عندنا إجماع
الصحابة. وقد أفتى به أيضاً من التابعين. وأول من أبطل ذلك من الأمة المغيرة بن مقسم،
وأخذ عنه حماد بن أبي سليمان ثم أخذه عنه أبو حنيفة ثم عنه أصحابه وأعلى حديث
احتجوا به حديث رواه جابر الجعفي عن الشعبي، وهو قوله عَ لِّ: ((لا يؤمَّنَّ أحد بعدي
جالساً))، وهذا لو صح إسناده لكان مرسلاً، والمرسل عندنا وما لم يرو سيان، لأنا لو قبلنا
إرسال تابعي وأن كان ثقة للزمنا قبول مثله عن إتباع التابعين، وإذ قبلنا لزمنا قبوله من أتباع
التابعين، ويؤدي ذلك إلى أن نقبل من كل أحد إذا قال: قال رسول الله عٍَّ. وفي هذا نقض
الشريعة، والعجب أن أبا حنيفة يخرج عن جابر الجعفي ويكذبه، ثم لما اضطره الأمر جعل
يحتج بحديثه، وذلك كما أخبرنا به الحسين بن عبد الله بن يزيد القطان بالرقة: حدّثنا أحمد
بن أبي الحوراء سمعت أبا يحيى الجمان سمعت أبا حنيفة يقول: ما رأيت فيمن لقيت
أفضل من عطاء، ولا لقيت فيمن لقيت أكذب من جابر الجعفي، ما أثبته بشيء من رأيي إلاّ
جاءني فیه بحدیث.