Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ ١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (٣٦) لكثرة الدواعي وغلبة الشهوات، وقوة البواعث على اتباع الهوى. قوله: ((ورجل قلبه)) أي: الثالث: رجل قلبه معلق في المساجد، بفتح اللام. وقال الكرماني: أي: بالمساجد، وحروف الجر بعضها يقوم مقام بعض، ومعناه: شديد الحب لها والملازمة للجماعة فيها. قلت: رواية أحمد: ((معلق بالمساجد)) وفي رواية المستملي: (متعلق))، بزيادة التاء المثناة من فوق بعد الميم، ومعناه: شدة تعلق قلبه بالمساجد، وإن كان خارجاً عنه، وتعلق قلبه بالمساجد كناية عن انتظاره أوقات الصلوات فلا يصلي صلاة ويخرج منه إلاَّ وهو منتظر وقت صلاة أخرى حتى يصلي فيه، وهذا يستلزم صلاته أيضاً بالجماعة. قوله: ((ورجلان تحابا)) أي: الرابع: رجلان تحابا، بتشديد الباء الموحدة، وأصله تحاببا، فلما اجتمع الحرفان المتماثلان أسكن الأول منهما وأدرج في الثاني وهو حد الإدغام، وهو من باب: التفاعل، وقال الكرماني فإن قلت: التفاعل هو الإظهار إذ أصل الفعل حاصل له وهو منتف ولا يريد حصوله نحو تجاهلت؟ قلت: قد يجيء لغير ذلك نحو: باعدته فتباعد. انتهى. قلت: التحقيق في هذا أن: تفاعل، لمشاركة أمرين أو أكثر في أصله يعني في مصدر فعله الثلاثي صريحاً، نحو: تضارب زيد وعمرو، فلذلك نقص مفعولاً عن فاعل، وحاصله أن وضع فاعل لنسبة الفعل إلى الفاعل متعلقاً بغيره، مع أن الغير فعل مثل ذلك ووضع: تفاعل، لنسبته إلى المشتركين في شيء من غير قصد إلى تعلق له، فلذلك جاء الأول زائداً على الثاني بمفعول أبداً، فإذا كان الأمر كذلك كان المقام يقتضي أن يقال: ورجلان تحابيا، من باب: المفاعلة، لا من باب: التفاعل، ليدل على أن الغير فعل مثل ما فعل هو، والجواب: عنه أن تفاعل، قد يجيء للمطاوعة وهي كونها دالة على معنى حصل عن تعلق فعل آخر متعذ كقولك: باعدته فتباعد، فقولك: تباعد، عبارة عن معنى حصل عن تعلق فعل متعد، وههنا كذلك، فإن تحابا عبارة عن معنى حصل عن تعلق حابب، والجواب الذي قاله الكرماني غير مستقيم، لأن معنى ذلك هو الدلالة على أن الفاعل أظهر أن المعنى الذي اشتق منه: تفاعل، حصل له، مع أنه ليس في الحقيقة كذلك. فمعنى: تجاهل زيد أنه أظهر الجهل من نفسه، وليس عليه في الحقيقة، وليس المعنى ههنا أنه أظهر المحبة من نفسه، وليس عليه في الحقيقة. فافهم، فإنه موضع دقيق. فإن قلت: قال: رجلان، فيكون المذكور ثمانية لا سبعة؟ قلت: معناه: ورجل يحب غيره في الله، والمحبة أمر نسبي فلا بد لها من المنتسبين، فلذلك قال: رجلان. قوله: ((في الله)) أي: لأجل الله لا لغرض دنياوي، وكلمة: في، قد تجيء للسببية، كما في قوله، عَّه: ((في النفس المؤمنة مائة إبل))، أي: بسبب قتل النفس المؤمنة، ووقع في رواية حماد بن زيد: ((ورجلان قال كل منهما للآخر: إني أحبك في الله، فصدرا على ذلك)). قوله: ((اجتمعا على ذلك)) أي: على الحب في الله، وفي رواية الكشميهني: ((اجتمعا عليه)) أي: على الحب المذكور، وكذلك الضمير في عليه، يعني: كان سبب اجتماعهما حب الله والاستمرار عليه حتى تفرقا من مجلسهما، كذا قاله الكرماني، ولا يحتاج إلى قوله: حتى ٢٦٢ ١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (٣٦) تفرقا من مجلسهما، بل المعنى: أنهما داما على المحبة الدينية ولم يقطعاها بعارض دنيوي، سواء اجتمعا حقيقة أو لا، حتى فرق بينهما الموت. قوله: ((ورجل طلبته)) أي: والخامس: رجل طلبته امرأة، وفي رواية أحمد عن يحيى القطان: ((دعته امرأة))، وكذا في رواية كريمة، ولمسلم وللبخاري أيضاً في الحدود: عن ابن المبارك، وزاد ابن المبارك: ((إلى نفسها))، وفي رواية البيهقي في (شعب الإيمان)، من طريق أبي صالح: عن أبي هريرة: ((فعرضت نفسها عليه))، وظاهر الكلام أنها دعته إلى الفاحشة، وبه جزم القرطبي. وقيل: يحتمل أن تكون طلبته إلى التزويج بها فخاف أن يشتغل عن العبادة بالافتتان بها، أو خاف أن لا يقوم بحقها لشغله بالعبادة عن التكسب بما يليق بها، والأول أظهر لوجود قرائن عليه. قوله: ((ذات منصب)) المنصب، بكسر الصاد: الحسب والنسب الشريف. قال الجوهري: المنصب الأصل، وكذلك النصاب، وإنما خصصها بالذكر لكثرة الرغبة فيها وعسر حصولها، وهي طالبة لذلك وقد أغنت عن مراودته. قوله: ((فقال: إني أخاف الله))، زاد في رواية كريمة: ((رب العالمين))، وقال القاضي عياض: يحتمل أن يقول ذلك بلسانه زجراً لها عن الفاحشة، ويحتمل أن يقول بقلبه لزجر نفسه. قال القرطبي: إنما يصدر ذلك عن شدة الخوف من الله والصبر عنها لخوف الله من أكمل المراتب وأعظم الطاعات. قوله: ((ورجل تصدق)) أي: والسادس: رجل تصدق أخفى، بلفظ الماضي، وهو جملة وقعت حالاً بتقدير: قد، ومفعول: أخفى، محذوف أي: أخفى الصدقة، ووقع في رواية أحمد: ((تصدق فأخفى))، وكذا في رواية البخاري في الزكاة: عن مسدد عن يحيى ((تصدق بصدقة فأخفاها))، ومثله لمالك في (الموطأ). ووقع في رواية الأصيلي: ((تصدق إخفاء))، بكسر الهمزة ممدوداً على أنه مصدر منصوب، على أنه حال بمعنى مخفياً. قوله: ((حتى لا تعلم))، بضم الميم وفتحها، نحو: مرض حتى لا يرجونه، وسر حتى تغيب الشمس. قوله: ((شماله))، مرفوع لأنه فاعل لقوله: ((لا تعلم)). قوله: ((ما تنفق يمينه))، جملة في محل النصب على أنها مفعول، وإنما ذكر اليمين والشمال للمبالغة في الإخفاء والإسرار بالصدقة، وضرب المثل بهما لقرب اليمين من الشمال ولملازمتهما، ومعناه: لو قدرت الشمال رجلاً متيقظاً لما علم صدقة اليمين لمبالغته في الإخفاء. وقيل: المراد مَنْ على شماله من الناس. ثم اعلم أن أكثر الروايات في هذا الحديث في البخاري وغيره: ((حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه))، ووقع في (صحيح مسلم) مقلوباً، وهو: حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله. وقال عياض: هكذا في جميع النسخ التي وصلت إلينا من (صحيح مسلم) مقلوباً، والصواب الأول قلت: لأن أهل السُّنَّة المعهودة إعطاء الصدقة باليمين، وقد ترجم عليه البخاري في الزكاة: باب الصدقة باليمين، قال: ويشبه أن يكون الوهم فيه ممن دون مسلم، وقال بعضهم: ليس الوهم فيه ممن دون مسلم ولا منه، بل هو من شيخه أو شيخ شيخه: يحيى القطان، وقد طول الكلام فيه، ولا ينكر الوهم من مسلم ولا ممن هو دونه أو فوقه، ويمكن أن يكون هذا القلب من الكاتب واستمرت الرواة عليه. ٢٦٣ ١٠ - كِتَابُ الأذانِ / باب (٣٦) قوله: ((ورجل)) أي: والسابع: رجل ذكر الله خالياً، أي: من الخلق، لأنه حينئذ يكون أبعد من الرياء، وقيل: خالياً من الالتفات إلى غيره تعالى، ولو كان في الملأ، ويؤيده رواية البيهقي ((ذكر الله بين يديه))، ويؤيد الأول رواية ابن المبارك وحماد بن زيد: ((ذكر الله في خلاء))، أي: في موضع خال، وقال بعضهم: ((ذكر الله)) أي: بقلبه من التذكر أو بلسانه من الذكر قلت: ليس كذلك، لأن الذكر بالقلب من: الذكر، بضم الذال، وباللسان من: الذكر، بكسر الذال، وأيضاً لفظ: ذكر بلا قيد، ولا يكون مشتقاً من التذكر، فمن له يد في علم التصريف يفهم هذا. قوله: ((ففاضت عيناه))، وإنما أسند الفيض إلى العين مع أن العين لا تفيض، لأن الفائض هو الدمع، مبالغة كأنها هي الفائض، وذلك كقوله: ﴿وترى أعينهم تفيض من الدمع﴾ [المائدة: ٨٣]. وقال القرطبي: وفيض العين بحسب حال الذاكر وبحسب ما ينكشف له، ففي حال أوصاف الجلال يكون البكاء من خشية الله، وفي حال أوصاف الجمال كون البكاء من الشوق إليه، ويشهد للأول ما رواه الجوزقي من رواية حماد بن زيد: ((ففاضت عيناه من خشية الله)). ذكر ما يستفاد منه فيه: فضيلة الإمام العادل، وقد روى مسلم من حديث عبد الله بن عمر رفعه: ((إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا))، وقال ابن عباس: ما أخفر قوم العهد إلاّ سلط الله عليهم العذاب، وما نقص قوم الميكال إلاَّ منعوا القطر، ولا كثر الربا في قوم إلاّ سلط الله عليهم الوباء، وما حكم قوم بغير حق إلاّ سلط عليهم إمام جائر)). فالإمام العادل يصلح الله به. وفيه: فضيلة الشاب الذي نشأ في عبادة ربه، وفي الحديث: ((تعجب ربك من شاب ليست له صبوة)). وفيه: فضل من سلم من الذنوب واشتغل بطاعة ربه طول عمره، وقد يحتج به من قال: إن الملك أفضل من البشر لأنهم: ﴿يسبحون الليل والنهار لا يفترون﴾ [الأنبياء: ٢٠]. وقيل لابن عباس: رجل كثير الصلاة كثير القيام يقارف بعض الأشياء، ورجل يصلي المكتوبة ويصوم مع السلامة. قال: لا أعدل بالسلامة شيئاً، قال تعالى: ﴿والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلاَّ اللمم﴾ [النجم: ٢٣]. وفيه: فضيلة من يلازم المسجد للصلاة مع الجماعة، لأن المسجد بيت الله وبيت كل تقي، وحقيق على المزور إكرام الزائر، فكيف بإكرام الكرماء؟ وفيه: فضيلة التحاب في الله تعالى، فإن الحب في الله والبغض في الله من الإيمان، وعند مالك من الفرائض، وروى ابن مسعود والبراء بن عازب مرفوعاً: إن ذلك من أوثق عرى الإيمان، وروى ثابت عن أنس رفعه: «ما تحاب رجلان في الله إلاَّ كان أفضلهما أشدهما حباً لصاحبه))، وروى أبو رزين، قال: ((قال لي النبي عَّم: يا أبا رزين إذا خلوت حرك لسانك بذكر الله، وحب في الله وأبغض في الله، فإن المسلم إذا زار في الله شيعه سبعون ألف ملك يقولون: أللهم وصله فيك فصله ومن فضل المتحابين في الله أن كل واحد منهما إذا دعا لأخيه بظهر الغيب أمن الملك على دعائه)). رواه أبو داود مرفوعاً. وفيه: فضيلة من يخاف الله قال الله تعالى: ﴿وأما من ٢٦٤ ١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٣٦) خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى﴾ [النازعات: ٤٠، ٤١]. وقال: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ [الرحمن: ٤٦]. وروى أبو معمر عن سلمة بن نبيط عن عبيد بن أبي الجعد عن كعب الأحبار، قال: إن في الجنة، لداراً، درة فوق درة، ولؤلؤة فوق لؤلؤة، فيها سبعون ألف قصر، في كل قصر سبعون ألف دار، في كل دار سبعون ألف بيت، لا ينزلها إلاَّ نبي أو صديق أو شهيد أو محكم في نفسه أو إمام عادل. قال سلمة: فسألت عبيداً عن: المحكم في نفسه: قال: هو الرجل يطلب الحرام من النساء أو من المال فيتعرض له، فإذا ظفر به تركه مخافة الله تعالى، فذلك المحكم في نفسه. وفيه: فضيلة المخفي صدقته ومصداق هذا الحديث في قوله تعالى: ﴿وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾ [البقرة: ٢٧١]. وقال العلماء: هذا في صدقة التطوع، فالسر فيها أفضل لأنه أقرب إلى الإخلاص، وأبعد من الرياء. وأما الواجبة فإعلانها أفضل ليقتدى به في ذلك. ويظهر دعائم الإسلام، وهكذا حكم الصوم فإعلان فرائضها أفضل. واختلف في السنن: كالوتر وركعتي الفجر، هل إعلانهما أفضل أم كتمانهما؟ حكاه ابن التين، وقال القرطبي: وقد سمعنا من بعض المشايخ: إن ذلك الإخفاء أن يتصدق على الضعيف في صورة المشترى منه، فيدفع له مثلاً درهماً في شيء يساوي نصف درهم، فالصورة مبايعة والحقيقة صدقة، وهو اعتبار حسن قيل: إن أراد أن المراد في هذا الحديث هذه الصورة خاصة، ففيه نظر. وإن أراد أن هذا أيضاً من صورة الصدقة المخفية فمسلم، وفي (مسند أحمد) رحمه الله، من حديث أنس، رضي الله تعالى عنه، بإسناد حسن مرفوعاً: ((إن الملائكة قالت: يا رب! هل من خلقك شيء أشد من الجبال؟ قال: نعم، الحديد. قالت: فهل أشد من الحديد؟ قال: نعم، النار، قالت: فهل أشد من النار؟ قال: نعم، الماء. قالت: فهل أشد من الماء؟ قال: نعم، الريح. قالت: فهل أشد من الريح؟ قال: نعم، ابن آدم، يتصدق بيمينه فیخفیها عن شماله)). وفيه: فضيلة ذكر الله في الخلوات مع فيضان الدمع من عينيه، وروى أبو هريرة مرفوعاً: ((لا يلج النار أحد بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع)). وروى أبو عمران: ((عن أبي الخلد، قال: قرأت في مساءلة داود، عليه الصلاة والسلام، ربه تعالى: إلهي ما جزاء من بكى من خشيتك حتى تسيل دموعه على وجهه؟ قال: أسلم وجهه من لفح النار)). وروى الحاكم من حديث أنس مرفوعاً: ((من ذكر الله ففاضت عيناه من خشية الله حتى يصيب الأرض من دموعه لم يعذب يوم القيامة)). ٦٦١/٥٣ - حدّثنا قُتَيِّبَةُ قال حدّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ عَنْ حُمَيْدٍ قال سُئِلَ أنَسْ هِلِ اتَّخَذَ رسولُ اللهِ عَّلِ خَاتَمَاً فقال نَعَمْ أَخَّرَ لَيْلَةٌ صَلاةَ العِشَاءِ إلَى شَطْرِ اللَّيْلِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ بَعْدَ ما صَلَّى فقالَ صَلَّى النَّاسُ وَرَقَدُوا وَلَمْ تَزَالُوا فِي صَلاَةٍ مُنْذُ انْتَظَرْتُوهَا قال فَكَأَّنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ خاتَمِهِ. [انظر الحديث ٥٧٢ وأطرافه]. ٢٦٥ ١٠ - كِتَابُ الأذان/ باب (٣٧) مطابقته للجزء الأول من الترجمة، وهو قوله: ((من جلس في المسجد ينتظر الصلاة))، وفي الحديث هو قوله: ((ولم تزالوا في صلاة منذ انتظرتموها)). ورجاله: قتيبة بن سعيد، وإسماعيل بن جعفر أبو إبراهيم الأنصاري المدني، وحميد هو الطويل. وهذا الحديث قد مضى في: باب وقت العشاء إلى نصف الليل، عن عبد الرحيم المحاربي عن زائدة عن حميد الطويل عن أنس قال: ((أخر النبي عَ لّ صلاة العشاء إلى نصف الليل ثم صلى، ثم قال: قد صلوا الناس وناموا، أما إنكم في صلاة ما انتظر تموها)). وقد مضى الكلام فيه مستوفی. قوله: ((إلى شطر الليل)) أي: نصفه، على ما صرح به في الحديث المذكور. قوله: ((وبيص خاتمه))، بفتح الواو وكسر الباء الموحدة وبالصاد المهملة، وهو: بريق الخاتم ولمعانه. ٣٧ - بابُ فَضْلِ مِنْ غَدَا إلى المَسْجِدِ ومِنْ راحَ أي: هذا باب في بيان فضل من يخرج إلى المسجد، وفي رواية أبي ذر: ((من خرج))، بلفظ الماضي، وفي رواية الأكثرين: باب فضل من غدا إلى المسجد، موافقاً للفظ الحديث. وقال ابن سيده: الغدوة: البكرة علم للوقت، والغداة كالغدوه وجمعها غدوات. وقال ابن الأعرابي: غدية لغة في غدوة، كضحية لغة في ضحوة. والغد وجمع غداة نادرة، وغدا عليه غدواً وغدواً، واغتدى: بكر، وغاداه: باكره. وفي (الجامع) للقزاز: الغدوة إسم سمي به الوقت فجعل معرفة لذلك وصار إسماً لشيء بعينه. وقال الخليل: الغدو الجمع مثل الغدوات، وجمع غدوة غداو، وفي (الصحاح): الغدوة ما بين صلاة الغداة وبين طلوع الشمس، والغدو نقيض الرواح، وزعم ابن قرقول أنه قد استعمل الغدوة والرواح في جميع النهار. وفي (المحكم): الرواح: العشي. وقيل: من لدن زوال الشمس إلى الليل، ورحنا رواحاً وتروَّحنا: سرنا في ذلك الوقت، أو: عملنا. وفي (الصحاح): الرواح نقيض الصباح، وهو اسم للوقت. ويقال: الغدو: السير في أول النهار إلى زوال الشمس، والرواح من الزوال إلى آخر النهار، ويقال: غدا: خرج مبكراً، وراح: رجع. وقد يستعملان في الخروج والرجوع مطلقاً توسعاً. ٦٦٢/٥٤ - حدّثنا عليُّ بنُ عَبْدِ اللهِ قال حدّثنا يَزِيدُ بنُ هارُونَ قال أخبرنا مُحَمَّدُ بنُ مُطَرِّفٍ عنْ زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ عِنْ عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ عِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ عَ لَّه قال مِنْ غَدَا إلى المَسْجِدِ ورَاحَ أَعَدَّ اللّه لَهُ نُزُلاً مِنَ الجَنَّةِ كُلَّمَا غَدَا أو راحَ. مطابقته للترجمة ظاهرة. ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: علي بن عبد الله بن جعفر أبو الحسن، يقال له: ابن المديني البصري، وقد تقدم. الثاني: يزيد بن هارون بن زاذان الواسطي، تقدم. الثالث: محمد بن المطرف، بضم الميم وفتح الطاء وكسر الراء وبالفاء: أبو غسان الليثي المدني. الرابع: زيد بن أسلم، بلفظ الماضي، مولى عمر بن الخطاب المدني. الخامس: عطاء بن يسار، ضد اليمين. أبو محمد الهلالي، مولى ميمونة بنت الحارث زوج النبي، عَ ليه، مات ٢٦٦ ١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٣٨) سنة ثلاث ومائة. السادس: أبو هريرة، رضي الله تعالى عنه. ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والإخبار كذلك في موضع. وفيه: العنعنة في أربعة مواضع. وفيه: القول في موضعين. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي. وفيه: أن رواته ما بين بصري وواسطي ومدني. والحديث أخرجه مسلم أيضاً عن أبي بكر بن أبي شيبة. قوله: ((أعد)) من الإعداد وهو التهيئة. قوله: ((نزلا))، بضم النون وسكون الزاي وضمها وهي: ما يهيأ من الأشياء للقادم، ونزلا بالتنكير رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: نزله، بالإضافة إلى الضمير، وفي رواية مسلم وابن خزيمة وأحمد مثل رواية الكشميهني. قوله: ((كلما غدا أو راح)) أي: بكل غدوة وروحة، وقال الكرماني: في بعض الروايات: وراح، بواو العطف، والفرق بين الروايتين أنه على: الواو، لا بد له من الأمرين حتى يعد له النزل، وعلى كلمة: أو، يكفي أحدهما في الإعداد. وقال بعضهم: الغدو والرواح في الحديث كالبكرة والعشي. في قوله تعالى: ﴿ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا﴾ [مريم: ٦٢]. يراد بها: الديمومة، لا الوقتان المعينان. والله تعالى أعلم. ٣٨ _ بابٌ إِذَا أُقِيمَتِ الصلاةُ فَلاَ صَلاَةَ إِلاَّ المَكْتُوبَةُ أي: هذا باب ترجمته: إذا أقيمت ... إلى آخره، وهذه الترجمة بعينها لفظ حديث أخرجه مسلم في: كتاب الصلاة، من طرق كثيرة عن عمرو بن دينار المكي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة. وأخرجه أبو داود عن أحمد بن حنبل، وأخرجه الترمذي عن أحمد بن منيع. وأخرجه النسائي عن أحمد بن عبد الله بن الحكم. وأخرجه ابن ماجه عن أبي بشر بن خلف. فإن قلت: ما كان المانع للبخاري جعل هذا ترجمة ولم يخرجه؟ قلت: اختلف هذا على عمرو بن دينار في رفعه ووقفه، فلذلك لم يخرجه، ولكن الحديث الذي ذكره في الباب يغني عن ذلك، كما نذكره إن شاء الله تعالى. ٦٦٣/٥٥ _ حدّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عبدِ اللهِ قال حدّثنا إبْرِاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عنْ أَبِيهِ عنْ حَفْصٍ ابنِ عاصِمٍ عنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مالِكِ بنِ بُحَيْنَةَ قال مَرَّ النبيُّ عَ لّه بِرَجُلٍ قال وحدَّثني عَبْدُ الرحمنِ قَال حدّثنا بَهْزُ بنُ أَسَدٍ قال حدّثنا شُعْبَةُ قال أخبرني سَعْدُ بنُ إبراهِيمَ قال سَمِعْتُ خَفْصَ بنَ عَاصِم قال سَمِعْتُ رَجُلاً مِنَ الأَزْدِ يُقَالُ لَهُ مالِكٌ بِنُ بُحَيْنَةً أن رسولَ الله عَ ليه رَأَى رَجُلاً وَقَدْ أَقِيمَتِ الصَّلاَةُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فَلَمَّا انْصَرَفَ رسولُ اللهِ عَّ ◌ُلِّلاَثَ بِهِ النَّاسُ فقال لَهُ رسولُ اللهِ عَ لِّ الصُّبْحَ أَزْبَعاً الصُّبْحَ أَرْبَعاً. مطابقته للترجمة في قوله: ((آلصبح أربعاً؟)) حيث أنكر، عَِّ، على الرجل الذي كان يصلي ركعتين بعد أن أقيمت صلاة الصبح. فقال: ((الصبح أربعاً؟)) أي: الصبح تصلى أربعاً؟ لأنه إذا صلى ركعتين بعد أن أقيمت الصلاة ثم يصلي مع الإمام ركعتين صلاة الصبح، فيكون في معنى من صلى الصبح أربعاً، فدل هذا على أن لا صلاة بعد الإقامة إلا الصلاة ٢٦٧ ١٠ - كِتَابُ الأذانِ / باب (٣٨) المكتوبة. فإن قلت: حديث الترجمة أعم لأنه يشمل سائر الصلوات، وحديث الباب في صلاة الصبح؟ قلت: كلاهما في المعنى واحد، لأن الحكم في الإنكار فيه أن يتفرغ المصلي للفريضة من أولها حتى لا تفوته فضيلة الإحرام مع الإمام، فهذا يعم الكل في الحقيقة. وقال بعضهم: يحتمل أن تكون اللام - في حديث الترجمة - عهدية فيتفقان. قلت: لا حاجة إلى ذكر الاحتمال، لأن الأصل في اللام أن تكون للعهد في الأصل، فحين قال عَ اله: ((إذا أقيمت الصلاة)) لا نزاع أنه كان ذلك في وقت صلاة من الصلوات. ذكر رجاله: وهم تسعة: الأول: عبد العزيز بن عبد الله بن يحيى، أبو القاسم القرشي العامري الأوسي المدني. الثاني: إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أبو إسحاق الزهري المدني. الثالث: أبوه سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف. الرابع: حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب. الخامس: عبد الله بن مالك بن بحينة، وبحينة بضم الباء الموحدة وفتح الحاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفتح النون وفي آخره هاء: وهي بنت الحارث بن المطلب بن عبد مناف، وهو اسم أم عبد الله. وقال أبو نعيم الأصبهاني: بحينة أم أبيه مالك بن القشب، بكسر القاف وسكون الشين المعجمة وفي آخره باء موحدة: وهو لقب، واسمه جندب بن نضلة بن عبد الله بن رافع الأزدي. وقال ابن سعد: بحينة عبدة بنت الحارث، لها صحبة، وقال: قدم مالك بن القشب مكة في الجاهلية فحالف بني المطلب بن عبد مناف، وتزوج بحينة بنت الحارث بن المطلب، وأدركت بحينه الإسلام فأسلمت وصحبت، وأسلم ابنها عبد الله قديماً، وحكى ابن عبد البر، خلالفاً لبحينة، هل هي أم عبد الله أو أم مالك؟ والصواب: أنها أم عبد الله، كما قلنا. السادس: عبد الرحمن بن بشر ابن الحكم بن محمد النيسابوري، مات في سنة ستين ومائتين .. السابع: بهز، بفتح الباء الموحدة وسكون الهاء وفي آخره زاي ابن أسد العمي أبو الأسود البصري. الثامن: شعبة بن الحجاج. التاسع: مالك بن بحينة، قال ابن الأثير: له صحبة. وقال الذهبي في (تجريد الصحابة): مالك بن بحينة والد عبد الله، ورد عنه حديث وصوابه: لعبد الله، وقال ابن عساكر في ترجمته: مالك بن بحينة عن النبي عَ لم أنها وهم، وقال ابن معين: عبد الله هو الذي روى عن النبي ◌َّ له وليس يروي أبوه عن النبي عَّ له شيئاً، نقله عن الغساني. ذكر لطائف إسناده: هنا إسنادان: الأول: عن عبد العزيز عن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن حفص بن عاصم عن عبد الله بن مالك. الإسناد الثاني: عن عبد الرحمن عن بهز عن شعبة عن سعد عن حفص عن مالك بن بحينة، هكذا يقول شعبة في هذا الصحابي، وتابعه على ذلك: أبو عوانة وحماد بن سلمة وحكم الحفاظ يحيى بن معين وأحمد ومسلم والنسائي والإسماعيلي والدارقطني وأبو مسعود وآخرون عليهم بالوهم في موضعين: أحدهما: أن بحينة والدة عبد الله لا والدة مالك. والآخر: أن الصحبة والرواية لعبد الله لا لمالك، وجنح الداودي إلى أن مالكاً له صحبة، حيث قال: وهذا الاختلاف لا يضر فأي الرجلين كان فهو صاحب. فإن قلت: لِمَ لَمْ يسق البخاري لفظ رواية إبراهيم بن سعد وتحول إلى رواية شعبة؟ ٢٦٨ ١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (٣٨) قلت: كأنه أوهم أنهما متوافقتان، وليس كذلك، وقد ساق مسلم رواية إبراهيم بن سعد بالسند المذكور، ولفظه: ((مر برجل يصلي وقد أقيمت صلاة الصبح، فكلمه بشيء لا ندري ما هو، فلما انصرفنا أحطنا نقول: ماذا قال رسول الله عَّه؟ قال: قال لي: يوشك أحدكم أن يصلي الصبح أربعاً!)). ففي هذا السياق مخالفة لسياق شعبة في كونه عَّ كلم الرجل وهو يصلي، ورواية شعبة تقتضي أنه كلمه بعدما فرغ. قلت: يمكن الجمع بينهما أنه كلمه أولاً سراً، ولهذا احتاجوا أن يسألوه، ثم كلمه ثانياً جهراً فسمعوه، وفائدة التكرار تقرير الإنكار. وفيه: التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع وبصيغة الإفراد في موضعين وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: السماع في موضعين. وفيه: القول في سبعة مواضع. وفيه: أن رواته ما بين نيسابوري وبصري ومدني وواسطي. وفيه: أن شيخه عبد العزيز من أفراده. وفيه: اثنان من الصحابة على قول من يقول: مالك بن بحينة من الصحابة. وفيه: اثنان من التابعين أحدهما: سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، كان من أجلة التابعين، والآخر: حفص بن عاصم. ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في الصلاة عن القعنبي عن إبراهيم بن سعد عن أبيه، وعن قتيبة عن أبي عوانة عن سعد بن إبراهيم عن حفص بن عاصم عن ابن بحينة به، قال: وقوله: عن أبيه، خطأ، بحينة هي: أم عبد الله، قال أبو مسعود: وهذا يخطىء فيه القعنبي بقوله: عن أبيه، وأسقط مسلم من أوله عن أبيه، ثم قال في عقبة: وقال القعنبي: عن أبيه، وأهل العراق منهم شعبة وحماد بن سلمة وأبو عوانة يقولون: عن سعد عن حفص عن مالك ابن بحينة، وأهل الحجاز قالوا: في نسبة عبد الله بن مالك: ابن بحينة، وهو الأصح. وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة به، وعن محمود بن غيلان عن وهب بن جرير عن شعبة بإسناد نحوه، وقال: هذا خطأ، والصواب: عبد الله بن بحينة، وأخرجه ابن ماجة فيه عن أبي مروان محمد ابن عثمان العثماني عن إبراهيم بن سعد به. ذكر معناه: قوله: ((من الأزد))، بسكون الزاي، ويقال له: الأسد، أيضاً، وهم: أزد شنوءة، وبالسين رواية الأصيلي. قوله: ((رأى رجلاً)) هو: عبد الله الراوي، كما رواه أحمد من طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عنه. ((أن النبي عَّ له مر به وهو يصلي))، وفي رواية: ((خرج وابن القشب يصلي)). وأخرج ابن خزيمة وابن حبان والبزار والحاكم وغيرهم: عن أبن عباس، رضي الله تعالى عنهما، قال: ((كنت أصلي وأخذ المؤذن في الإقامة، فجذبني النبي عَّالله وقال: أتصلي الصبح أربعاً؟)) فإن قلت: يحتمل أن يكون الرجل هو ابن عباس؟ قلت: لا، بل هما قضيتان. قوله: ((وقد أقيمت))، هو ملتقى الإسنادين والقدر المشترك بين الطريقين، إذ تقديره: مر النبي عَّ برجل وقد أقيمت ... ومعناه: وقد نودي للصلاة بالألفاظ المخصوصة. قوله: ((فلما انصرف)) أي: من الصلاة، قوله: ((لاث به الناس))، بالثاء المثلثة الخفيفة، أي: دار وأحاط. وقال ابن قتيبة: أصل اللوث الطي، ويقال لاث عمامته أي أدارها، ويقال فلان يلوث بي، أي: يلوذ بي، والمقصود أن الناس أحاطوا به والتفوا حوله. والضمير في: به، يرجع إلى النبي عَّه، ولكن طريق إبراهيم بن سعد المتقدمة تقتضي أنه يرجع إلى الرجل، قوله: ٢٦٩ ١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٣٨) ((الصبح أربعاً؟» بهمزة ممدودة في أوله، ويجوز قصرها، وهو استفهام للإنكار التوبيخي. والصبح منصوب بإضمار فعل مقدر تقديره: أصلي الصبح؟ وقال الكرماني: ويجوز الصبح بالرفع أي: الصبح تصلي أربعاً؟ قلت: يكون الصبح على هذا التقدير مبتدأ، وقوله: تصلي أربعاً جملة وقعت خبراً، والضمير محذوف لأن تقديره: تصليه أربعاً؟ والضمير الذي يقع مفعولاً حذفه شائع ذائع، وانتصاب: أربعاً، على الحال قاله ابن مالك. وقال الكرماني: على البداية قلت: يكون بدل الكل من الكل، لأن الصبح صار في معنى الأربع، ويجوز أن يكون بدل الكل من البعض، لأن الأربع ضعف صلاة الصبح، ويجوز أن يكون بدل الاشتمال، لأن الذي صلاها الرجل أربع ركعات في المعنى. ذكر ما يستنبط منه: وهو على وجوه: الأول: اختلف العلماء فيمن دخل المسجد لصلاة الصبح فأقيمت الصلاة، هل يصلي ركعتي الفجر أم لا؟ فكرهت طائفة أن يركع ركعتي الفجر في المسجد والإمام في صلاة الفجر محتجين بهذا الحديث، وروي ذلك عن ابن عمر وأبي هريرة وسعيد بن جبير وعروة وابن سيرين وإبراهيم وعطاء والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور. وقالت طائفة: لا بأس أن يصليهما خارج المسجد إذا تيقن أنه يدرك الركعة الأخيرة مع الإمام، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والأوزاعي، إلاَّ أن الأوزاعي أجاز أن يركعهما في المسجد. وقال الثوري: إن خشي فوت ركعة دخل معه ولم يصلهما، وإلاّ صلاهما في المسجد. وقال صاحب (الهداية): ومن انتهى إلى الإمام في صلاة الفجر وهو لم يصل ركعتي الفجر، إن خشي أن تفوته ركعة - يعني من الفجر - لاشتغاله بالسنة، ويدرك الركعة الأخرى، وهي الثانية، يصلي ركعتي الفجر عند باب المسجد، لأنه لو صلاهما في المسجد كان متنفلاً فيه مع اشتغال الإمام بالفرض، وإنه مكروه لقوله: ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة))، وخصت سنة الفجر بقوله عَّ له: ((لا تدعوهما وإن طردتكم الخيل))، رواه أبو داود عن أبي هريرة، هذا إذا كان عند باب المسجد موضع لذلك، وإن لم يكن يصليهما في المسجد خلف سارية من سواريه، خلف الصفوف. وذكر فخر الإسلام: وأشدها كراهة أن يصلي مخالطاً للصف مخالفاً للجماعة، والذي يلي ذلك خلف الصف من غير حائل بينه وبين الصف. وفي (الذخيرة): السنة في سنة الفجر - أن يأتي بهما في بيته، فإن لم يفعل فعند باب المسجد - إذا كان الإمام يصلي فيه، فإن لم يمكنه ففي المسجد الخارج إذا كان الإمام في المسجد الداخل، وفي الداخل إذا كان الإمام في الخارج. وفي (المحيط): وقيل: يكره ذلك كله، لأن ذلك بمنزلة مسجد واحد. وعند الظاهرية: إنه يقطع الصلاة إذا أقيمت الصلاة، وفي (الجلاب): يصليهما وإن فاتته الصلاة مع الإمام إذا كان الوقت واسعاً. واستدل من كره صلاتهما بحديث الباب، وبما في مسلم من حديث عبد الله بن سرجس: ((جاء رجل والنبي، عَّهِ، يصلي الصبح، فصلى ركعتين ثم دخل مع النبي عَ له في الصلاة، فلما انصرف قال له: يا فلان! أيتهما صلاتك التي صليتها وحدك أم التي صليت معنا؟)) وبما ذكره ابن خزيمة في (صحيحه) من حديث ابن عباس، رضي الله تعالى عنه 1 ٢٧٠ ١٠ - كِتَابُ الأذانِ / باب (٣٨) قال: ((كنت أصلي ... ))، وقد ذكرناه عن قريب، وعند ابن خزيمة عن أنس: ((خرج النبي عَ ◌ّه. حين أقيمت الصلاة، فرأى ناساً يصلون ركعتين بالعجلة، فقال: صلاتان معاً؟ فنهى أن تصليا في المسجد إذا أقيمت الصلاة. فإن قلت: قد روى ابن عباس أن النبي عَّه كان يصلي عند الإقامة في بيت ميمونة؟ قلت: هذا الحديث وهاه ابن القطان وغيره. وفي (كتاب الصلاة) للدكيني: عن سويد بن غفلة: كان عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، يضرب على الصلاة قبل الإقامة، ورأى ابن جبير رجلاً يصلي حين أقيمت الصلاة، فقال: ليست هذه ساعة صلاة. وعن صفوان بن موهب أنه سمع مسلم بن عقيل يقول للناس وهم يصلون وقد أقيمت الصلاة: ويلكم إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة. وعند البيهقي: رأى ابن عمر رجلاً يصلي الركعتين والمؤذن يقيم، فحصبه وقال: أتصلي الصبح أربعاً؟ وذكر أبو أمية محمد بن إبراهيم الطرسوسي في كتابه (مسند ابن عمر) رفعه من حديث قدامة بن موسى: عن رجل من بني حنظلة عن أبي علقمة عن يسار بن نمير مولى ابن عمر، قال: ((رآني ابن عمر وأنا أصلي الفجر، فقال: يا يسار! إن النبي عَّه خرج علينا ونحن نصلي هذه الصلاة فتغيظ علينا، وقال: ليبلغ شاهدكم غائبكم، لا صلاة بعد الفجر إلاَّ ركعتين)). وذكر ابن حزم نحوه عن ابن سيرين وإبراهيم، وعند أبي نعيم الفضل عن طاوس: ((إذا أقيمت الصلاة وأنت في الصلاة فدعها)). وعند عبد الرزاق قال سعيد بن جبير: ((إقطع صلاتك عند الإقامة)). وعند ابن أبي شيبة، وقال سفيان: كان قيس بن أبي حازم يؤمنا، فأقام المؤذن الصلاة وقد صلى ركعة فتركها، ثم تقدم فصلى بنا، وكذا قاله الشعبي. واستدل من أجاز بقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ [محمد: ٣٣]، وبما رواه البيهقي من طريق حجاج بن نصير عن عباد بن كثير عن ليث عن عطاء عن أبي هريرة، أن رسول الله عَّله قال: ((إذا أُقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة إلاَّ ركعتي الفجر)). قال البيهقي: هذه الزيادة لا أصل لها، وحجاج وعباد ضعيفان. قلت: قال يعقوب بن شيبة: سألت ابن معين عن حجاج بن نصير الفساطيطي البصري، فقال: صدوق، وذكره ابن حبان في الثقات، وعباد بن كثير كان من الصالحين، وعن ابن مسعود: أنه دخل المسجد وقد أقيمت صلاة الصبح، فركع ركعتي الفجر إلى أسطوانة بمحضر حذيفة وأبي موسى. قال ابن بطال: وروي مثله عن عمر بن الخطاب وأبي الدرداء وابن عباس، رضي الله تعالى عنهم، وعن ابن عمر أنه أتى المسجد لصلاة الصبح فوجد الإمام يصلي، فدخل بيت حفصة فصلى ركعتين، ثم دخل في صلاة الإمام. وعند ابن أبي شيبة: عن إبراهيم كان يقول: إن بقي من صلاتك شيء فأتممه، وعنه إذا افتتحت الصلاة تطوعاً، وأقيمت الصلاة فأتم. الثاني: من الوجوه: في حكمة إنكار النبي عَِّ الصلاة عند إقامة الفرض، فقال عياض: لئلا يتطاول الزمان فيظن وجوبها، ويؤيده قوله عَّ له، فيما رواه مسلم من حديث إبراهيم بن سعد: ((ويوشك أحدكم أن يصلي الصبح أربعاً)، وقد ذكرناه عن قريب، وعلى هذا إذا حصل الأمن لا يكره ذلك. وقال بعضهم: وهو متعقب بعموم حديث الترجمة. قلت: قوله تعالى: ﴿ولا ٢٧١ ١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (٣٨) تبطلوا أعمالكم﴾ [محمد: ٣٣] يخص هذا العام، مع ما روي عن هؤلاء الصحابة المذكورين آنفاً. وقال هذا القائل أيضاً: وقيل: لئلا تلتبس صلاة الفرض بالنفل، وإلى هذا جنح الطحاوي واحتج له، ومقتضاه أنه: لو كان خارج المسجد، أو في زاوية منه، لم يكره، وهو متعقب أيضاً بما ذكر. انتهى. قلت: دعواه التعقب متعقبة لأن الأصل في النصوص التعليل، وهو وجه الحكمة، فالعلة في حديث الترجمة هو كونه جامعاً بين الفرض والنفل، في مكان واحد، فإذا صلى خارج المسجد أو في زاوية منه لا يلزم ذلك وهذا كنهيه عَّ من صلى الجمعة أن يصلي بعدها تطوعاً في مكان واحد، كما نهى من صلى الجمعة أن يتكلم أو يتقدم. وقال هذا القائل أيضاً: وذهب بعضهم إلى أن سبب الإنكار عدم الفصل بين الفرض والنفل، لئلا يلتبسا، وإلى هذا جنح الطحاوي، واحتج له بالأحاديث الواردة بالأمر بذلك، ومقتضاه أنه: لو كان في زاوية من المسجد لم يكره، وهو متعقب بما ذكره. إذ لو كان المراد مجرد الفصل بين الفرض والنفل لم يحصل إنكار أصلاً، لأن ابن بحينة سلم من صلاته قطعاً ثم دخل في الفرض. انتهى. قلت: ذكر شيئاً لا يجدي لرده ما قاله الطحاوي، فلو نقل ما رواه الطحاوي أيضاً لكان علم أن رده ليس بشيء. وهو أنه روى بسنده: ((أن رسول الله عٍَّ مر بابن بحينة وهو يصلي بين يدي نداء الصبح، فقال: لا تجعلوا هذه الصلاة كصلاة الظهر، واجعلوا بينهما فصلاً)، فبان بهذا أن الذي كرهه النبي عَّ لابن بحينة وصله إياها بالفريضة في مكان واحد دون أن يفصل بينهما بشيء يسير. قلت: فعلم بذلك أنه ما اعتبر الفصل اليسير والسلام منه، وكان سبب الكراهة الوصل بين الفرض والنفل في مكان واحد، ولا اعتبار بالفصل بالسلام، فمقتضى ذلك أن لا يكره خارج المسجد ولا في زاوية منه، وهذا هو التحقيق في استنباط الأحكام من النصوص، وليس ذلك بالتحسيس من الخارج. وقال النووي: الحكمة في الإنكار المذكور أن يتفرغ للفضيلة من أولها فيشرع فيها عقيب شروع الإمام والمحافظة على مكملات الفريضة أولى من التشاغل بالنافلة، قلت: الاشتغال بسنة الفجر الذي ورد فيه التأكيد بالمحافظة عليها مع العلم بإدراكه الفريضة أولى. فإن قلت: في حديث الترجمة منع عن التنفل بعد الشروع في إقامة الصلاة، وسواء كان من الرواتب أو لا، لما روى مسلم بن خالد عن عمرو بن دينار في هذا الحديث، ((قيل: يا رسول الله، ولا ركعتي الفجر؟)). أخرجه ابن عدي في ترجمة يحيى بن نصر بن حاجب، قلت: روى البخاري ومسلم وأبو داود من حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها، قالت: (إن رسول الله عَّ له لم يكن على شيء من النوافل أشد تعاهداً منه على ركعتين قبل الصبح)). وروى أبو داود من حديث أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله عَ له: ((لا تدعوهما وإن طردتكم الخيل)). أي: لا تتركوهما وإن طردتكم الفرسان، فهذا كناية عن المبالغة، وحث عظيم على مواظبتهما. وعن هذا أصحابنا ذهبوا فيه إلى ما ذكرنا عنهم، على أن فيه الجمع بين الأمرين فافهم. ٢٧٢ ١٠ - كِتَابُ الأذانِ / باب (٣٩) الوجه الثالث: إن قوله في الترجمة: إلا المكتوبة، أي: المفروضة، يشمل الحاضرة والفائتة، ولكن المراد: بالحاضرة، وصرح بذلك أحمد والطحاوي من طريق أخرى عن أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ: ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلاَّ التي أقيمت)). وقد مر وجه الإنكار فيه مستقصىّ. تابَعَهُ غُنْدَرٌ وَمُعَاذْ عِنْ شُعْبَةَ عِنْ مَالِكٍ أي: تابع بهذا غندر، وهو محمد بن جعفر أبو عبد الله بن امرأة شعبة، وغندر، بضم الغين المعجمة وسكون النون وفتح الدال المهملة، وقد تقدم غير مرة، وقد وصل أحمد طريق غندر عنه كذلك. قوله: ((ومعاذ)) أي: وتابعه معاذ أيضاً، وهو معاذ بن معاذ أبو المثنى البصري قاضيها، ووصل طريقه الإسماعيلي من رواية عبيد الله بن معاذ عن أبيه. قوله: ((في مالك)) أي: في الرواية عن مالك بن بحينة. ويروى: ((عن مالك)) وهي أوضح، وهي رواية الکشمیھني. وقال ابنُ إِسْحَاقَ عَنْ سَعْدٍ عنْ حَفْصٍ عنْ عَبْدِ الله بنٍ بِحَيْئَةَ ابن إسحاق هو محمد بن إسحاق صاحب المغازي عن سعد بن إبراهيم عن حفص ابن عاصم، وهذه الرواية موافقة لرواية إبراهيم بن سعد عن أبيه، وهي الراجحة. وقال أبو مسعود: أهل المدينة يقولون: عبد الله بن بحينة، وأهل العراق يقولون: مالك بن بحينة، والأول هو الصواب. ورواه القعنبي عن إبراهيم بن سعد عن عبد الله بن مالك بن بحينة عن أبيه، قال مسلم في (صحيحه): قوله: عن أبيه، خطأ، وأسقط مسلم في كتابه من هذا الإسناد قوله: عن أبيه، من رواية القعنبي ولم يذكره، لكنه نبه عليه. وقال يحيى بن معين: ذكر أبيه خطأ ليس يروي أبوه عن النبي عَ لَّه شيئاً. وقالَ حَمَّدٌ أُخبرنا سَعْدٌ عنْ حَفْصِ عنْ مالِكِ حماد هو ابن سلمة، جزم به المزي وجماعة آخرون، وكذا أخرجه الطحاوي وابن منده موصولاً من طريقه. وقال الكرماني: حماد أي: ابن زيد، وهو وهم منه، والمراد أن حماد ابن سلمة وافق شعبة في قوله: عن مالك بن بحينة. فافهم. ٣٩ - بابُ حَدِّ المَرِيضِ أَنْ يَشْهَدَ الجَمَاعَةَ أي: هذا باب في بيان حد المريض، لأن يشهد الجماعة، وكلمة: أن، مصدرية، والتقدير: لشهود الجماعة، وحاصل المعنى: باب في بيان ما يحد للمريض أن يشهد الجماعة، حتى إذا جاوز ذلك الحد لم يستحب له شهودها، وإليه أشار ابن رشيد، وقد تكلف الشراح فيه بالتصرف العسف منهم ابن بطال، فقال: معنى الحد هنا: الحدة، كما قال عمر، رضي الله تعالى عنه، في أبي بكر، رضي الله تعالى عنه: كنت أداري منه بعض الحد، ٢٧٣ ١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (٣٩) أي: الحدة. وتبعه على ذلك ابن التين، والمعنى على هذا: الحض على شهود الجماعة، وقال ابن التين أيضاً: ويصح أن يقال أيضاً: في باب جد المريض، بالجيم المكسورة، بمعنى: باب اجتهاد المريض لشهود الجماعة. ثم قال: لكن لم أسمع أحداً رواه بالجيم. قلت: روى ابن قرقول رواية الجيم وعزاها للقابسي. ٦٦٤/٥٦ _ حِدّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصِ بنِ غِيَاثٍ قال حدَّثني أبي قال حدّثنا الأغْمَشُ عنْ إِبْرَاهِيمَ قال الأُسْوَدُ كُنَّا عِنْدَ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها فَذَكَرْنَا المُوَاظَبَةَ عَلى الصَّلاَةِ والتَّعْظِيمَ لَهَا قالَتْ لمَّا مَرِضَ رسولُ اللهِ عَ لّه مَرَضَهُ الَّذِي ماتَ فِيهِ فَحَضَرَتِ الصَّلاَةٌ فأذَّنَ فقال مُرُوا أبا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ فَقِيلَ لَهُ إِنَّ أبا بَكْرٍ رَجُلٌ أسِيفٌ إِذَا قامَ في مَقَامِكَ لَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ وَأَعَادَ فَأْعَادُوا لَهُ فَأْعَادَ الثَّالِئَةَ فَقَالَ إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ فَصَلَّى فَوَجَدَ النبيُّ عَ لَِّمِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً فَخَرَجَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلُّيْنِ كَائِّي أَنْظُرُ رِجْلَيْهِ تَخُطَّانِ الأَرْضَ مِنَ الوَجَعِ فَأرَادَ أَبُو بَكْرٍ أنْ يَتأخّرَ فَأَوْمَأْ إِلَيْهِ النبيُّ ◌َ ◌ّله أنْ مَكَانَكَ ثُمَّ أَتِيَ بِهِ حَتَّى جَلَسَ إلَى جَنْبِهِ قِيَلَ لِلأَعْمَشِ وكَانَ النَّبِيُّ عَّه يُصَلِّي وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلاَتِهِ والنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلاةِ أبِي بَكْرٍ فقال بِرَأْسِهِ نَعَمْ. [انظر الحديث: ١٩٨ وأطرافه]. مناسبته للترجمة من حيث إنه عَّ خرج إلى الجماعة وهو مريض يهادي بين اثنين، فكان هذا المقدار هو الحد لحضور الجماعة، حتى لو زاد على ذلك أو لم يجد من يحمله إليها لا يستحب له الحضور، فلما تحامل النبي عَّهم ذلك وخرج بين اثنين دل على تعظيم أمر الجماعة، ودل على فضل الشدة على الرخصة، وفيه ترغيب لأمته في شهود الجماعة لما لهم فيه من عظيم الأجر، ولئلا يعذر أحد منهم نفسه في التخلف عن الجماعة ما أمكنه وقدر علیھا. ذكر رجاله: وهم خمسة كلهم قد ذكروا غير مرة، والأعمش هو سليمان، والأسود بن يزيد النخعي. ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث في ثلاثة مواضع بصيغة الجمع. وفيه: العنعنة في موضع واحد. وفيه: القول في أربعة مواضع. وفيه: أن رواته كوفيون. وفيه: رواية الابن عن الأب. وفيه: التصريح باسم الجد. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الصلاة عن قتيبة عن أبي معاوية وعن مسدد عن عبد الله بن داود. وأخرجه مسلم فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة وعن يحيى بن يحيى وعن منجاب بن الحارث وعن إسحاق بن إبراهيم. وأخرجه النسائي فيه عن أبي كريب عن أبي معاوية. وأخرجه ابن ماجة فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة وعن علي ابن محمد. ذكر اختلاف الروايات في هذه القصة: عند مسلم في لفظ: ((أول ما اشتكى، عَّهِ، عمدة القاري / ج٥ / م١٨ : ٢٧٤ ١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٣٩) في بيت ميمونة، رضي الله تعالى عنها، واستأذن أزواجه أن يمرض في بيتي فأذنَّ له. قالت: فخرج ويده على الفضل بن عباس، رضي الله تعالى عنهما، والأخرى على رجل آخر، وهو يخط برجليه في الأرض. قالت: فلما اشتد به وجعه قال: أهريقوا علي من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن لعلي أعهد إلى الناس، فأجلسناه في مخضب لحفصة، ثم طفقنا نصب عليه من تلك القرب حتى طفق يشير إلينا أن قد فعلتن. ثم خرج إلى الناس فصلى بهم وخطبهم ... )) ((قالت عائشة: إن أبا بكر إذا قام مقامك لم يُسمع الناس من البكاء، فمر عمر فليصلٌ بالناس. ففعلت حفصة، فقال: مه، إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصلٌ بالناس. فقالت لعائشة: ما كنت لأصيب منك خيراً). وفي (فضائل الصحابة) لأسد بن موسى: حدّثنا أبو معاوية عن عبد الرحمن بن أبي بكر عن ابن أبي مليكة عن عائشة في حديث طويل في مرض النبي عَّلّهِ: ((ورأى رسول الله عَّ لٍّ من نفسه خفة، فانطلق يهادي بين رجلين، فذهب أبو بكر يستأخر فأشار إليه النبي عَ لّه بيده: مكانك، فاستفتح النبي عَ لِّ من حيث انتهى أبو بكر من القراءة ... ))، وفي حديثه عن المبارك بن فضالة عن الحسن مرسلاً: ((فلما دخل المسجد ذهب أبو بكر يجلس، فأومأ إليه، أن: كما كنت، فصلى النبي عَّه. خلف أبي بكر ليريهم أنه صاحب صلاتهم من بعده، وتوفي رسول الله عَ لّه من يومه ذلك يوم الإثنين)). وعند ابن حبان: ((فأجلسناه في مخضب لحفصة من نحاس، ثم خرج فحمد الله تعالى وأثنى عليه واستغفر للشهداء الذين قتلوا يوم أحد))، وعنها: ((رجع عَّم من جنازة بالبقيع وأنا) أجد صداعاً في رأسي، وأنا أقول: وا رأساه، فقال: بل أنا يا عائشة وارأساه. ثم قال: وما ضرك لو مت قبلي فغسلتك وكفنتك وصليت عليك ثم دفنتك؟ فقلت: لكأني بك لو فعلت ذلك رجعت إلى بيتي فأعرست فيه ببعض نسائك، فتبسم رسول الله عَّةٍ، ثم بدا في وجعه الذي مات فيه)). وعنها: ((أغمي عليه ورأسه في حجري، فجعلت أمسحه وأدعو له بالشفاء، فلما أفاق قال: لا، بل أسأل الله الرفيق الأعلى مع جبريل وميكائيل وإسرافيل عليهم السلام)). وفي لفظ: ((سمعته، وأنا مسندته إلى صدري يقول: اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى)). وفي لفظ: ((إن أبا بكر صلى بالناس ورسول الله عَّ له في الصف خلفه)). ولفظه: عند الترمذي: ((صلى خلف أبي بكر في مرضه الذي مات فيه قاعداً). وقال: حسن صحيح غريب، وعنده من حديث أنس: ((صلى في مرضه خلف أبي بكر قاعداً في ثوب متوشحاً به)). وقال: حسن صحيح. زاد النسائي: وهي آخر صلاة صلاها مع القوم. قال ابن حبان: خالف شعبة زائدة بن قدامة في متن هذا الخبر عن موسى، فجعل شعبة النبي عَّهِ مأموماً حيث صلى قاعداً، والقوم قيام، وجعله زائدة إماماً حيث صلى قاعداً والقوم قيام، وهما متفقان حافظان وليس بين حديثيهما تضاد ولا تهاتر ولا ناسخ ولا منسوخ، بل مجمل مفسر. وإذا ضم بعضها إلى بعض بطل التضاد بينهما، واستعمل كل خبر في موضعه. بيان ذلك أنه عَّه صلى في علته صلاتين في المسجد جماعة لا صلاة واحدة، في إحداهما: كان إماماً، 1 ٢٧٥ ١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (٣٩) وفي الأخرى كان مأموماً، والدليل على أن ذلك في خبر عبد الله بن جريج: بين رجلين أحدهما العباس والآخر علي، رضي الله تعالى عنه. وفي خبر مسروق: خرج بين بريرة ونوبة، فهذا يدلك على أنها كانت صلاتين لا صلاة واحدة، وكذلك التوفيق بين كلام نعيم بن أبي هند، وبين كلام عاصم بن أبي النجود في متن خبر أبي وائل، فإن فيه: ((وجيء بنبي الله عَّه فوضع بحذاء أبي بكر في الصف)) قال أبو حاتم: في هذه الصلاة كان النبي عَّلَّهِ مأموماً وصلى قاعداً خلف أبي بكر، فإن عاصماً جعل أبا بكر مأموماً وجعل نعيم أبا بكر إماماً، وهما ثقتان حافظان متقنان. وذكر أبو حاتم أنه عَ لَّه خرج بين الجاريتين إلى الباب، ومن الباب أخذه العباس وعلي، رضي الله تعالى عنهما، حتى دخلا به المسجد، وذكر الدارقطني في (سننه): ((خرج رسول الله عَّهِ يهادي بين الرجلين: أسامة والفضل، حتى صلى خلف أبي بكر))، فيما ذكره السهيلي، وزعم بعض الناس أن طريق الجمع أنهم كانوا يتناوبون الأخذ بيده عَّ له، وكان العباس ألزمهم بيده، وأولئك يتناوبونها، فذكرت عائشة أكثرهم ملازمة ليده وهو: العباس، وعبرت عن أحد المتناوبين برجل آخر. فإن قلت: ليس بين المسجد وبيته عَ ليه مسافة تقتضي التناوب. قلت: يحتمل أن يكون ذلك لزيادة في إكرامه عَّةٍ، أو الالتماس البركة من يده، وفي حديث حماد بن سلمة عن هشام عن أبيه عن عائشة، رضي الله تعالى عنها (إن رسول الله عٍَّ كان وجعاً، فأمر أبا بكر يصلي بالناس، فوجد رسول الله عَ لِ خفة فجاء فقعد إلى جنب أبي بكر، فأم رسول الله عَ ليه أبا بكر وهو قاعد، وأم أبو بكر الناس وهو قائم)). وفي حديث قيس عن عبد الله ابن أبي السفر عن الأرقم بن شرحبيل عن ابن عباس عن العباس بن عبد المطلب: ((أن النبي عَِّ قال في مرضه: مروا أبا بكر فليصلِ بالناس، ووجد النبي، عَّهِ، في نفسه خفة، فخرج يهادي بين رجلين، فتأخر أبو بكر فجلس إلى جنب أبي بكر، فقرأ من المكان الذي انتهى إليه أبو بكر من السورة))، وفي حديث ابن خزيمة أخرجه عن سالم بن عبيد قال: ((مرض رسول الله عَ ليه فأغمي عليه، ثم أفاق فقال: أحضرت الصلاة؟ قلن: نعم. قال: مروا بلالاً فليؤذن، ومروا أبا بكر فليصلِّ بالناس، ثم أغمي عليه)). فذكر الحديث. وفيه: ((أقيمت الصلاة؟)) قلن: نعم. قال: جيئوني بإنسان فأعتمد عليه، فجاؤوا ببريرة ورجل آخر فاعتمد عليهما. ثم خرج إلى الصلاة، فأجلس إلى جنب أبي بكر فذهب أبو بكر يتنحى، فأمسكه حتى فرغ من الصلاة)). وفي كتاب عبد الرزاق: أخبرني ابن جريج، أخبرني عطاء قال: ((اشتكى رسول الله عَّ له فأمر أبا بكر يصلي بالناس، فصلى النبي عَّ له للناس يوماً قاعداً وجعل أبا بكر وراءه بينه وبين الناس، قال: فصلى الناس وراءه قياماً، فقال النبي عٍَّ لو استقبلت من امري ما استدبرت ما صليتم إلا قعوداً فصلوا صلاة إمامكم ما كان إن صلى قائماً فصلوا قياماً وإن صلى قاعداً فصلوا قعوداً)). وعند أبي داود من حديث عبد الله بن زمعة، لما قال عَ لِّ: ((مروا أبا بكر يصلي بالناس))، خرج عبد الله بن زمعة، فإذا عمر في الناس، وكان أبو بكر غائباً، فقال: قم يا عمر فصلٌ بالناس، فتقدم، فلما سمع رسول ٢٧٦ ١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٣٩) الله عَ لّه صوته قال: أين أبو بكر؟ يأبى الله ذلك والمسلمون. فبعث إلى أبي بكر فجاء بعد أن صلى عمر تلك الصلاة، فصلى أبو بكر بالناس. ذكر معناه: قوله: ((والتعظيم لها))، بالنصب عطفاً على: المواظبة، قوله: ((مرضه الذي مات فيه))، قد بيَّن الزهري في روايته كما في الحديث الثاني من هذا الباب، أن ذلك كان بعد أن اشتد به المرض واستقر في بيت عائشة. قوله: ((فأذن))، على صيغة المجهول، من: التأذين. وفي رواية الأصيلي: وأذن بالواو، وقال بعضهم: وهو أوجه قلت: لم يبين ما وجه الأوجهية، بل الفاء أوجه على ما لا يخفى. قوله: ((وأذن)) أي: بالصلاة كما في رواية أخرى جاء كذلك، وفي أخرى: وجاء بلال يؤذنه بالصلاة، وفي أخرى: إن هذه الصلاة صلاة الظهر. وفي مسلم: خرج لصلاة العصر. قوله: ((مروا)) أصله: أؤمروا، لأنه من: أمر، فحذفت الهمزة للاستثقال، واستغني عن الألف فحذفت، فبقي: مروا، على وزن: علو، لأن المحذوف فاء الفعل. وقال الكرماني: وهذا أمر من رسول الله عَّه لأبي بكر، ولفظ: مروا، يدل على أنهم الآمرون لا رسول الله عَّ بله، ثم أجاب بقوله: الأصح عند الأصولي أن المأمور بالأمر بالشيء ليس أمراً به، سيما وقد صرح النبي بقوله ههنا بلفظ الأمر، حيث قال: فليصل. انتهى. هذه مسألة معروفة في الأصول، وفيها خلاف. قال بعضهم: إن الأمر بالأمر بالشيء يكون أمراً به، ومنهم من منع ذلك، وقالوا: معناه: بلغوا فلاناً أني أمرته. قوله: ((فليصل بالناس)) الفاء فيه للعطف، تقديره: فقولوا له قولي: فليصل. قوله: ((فقيل له))، قائل ذلك عائشة، كما جاء في بعض الروايات. قوله: ((أسيف)) على وزن: فعيل، بمعنى: فاعل، من الأسف وهو شدة الحزن، والمراد: أنه رقيق القلب سريع البكاء ولا يستطيع لغلبة البكاء وشدة الحزن، والأسف عند العرب شدة الحزن والندم. يقال منه: أسف فلان على كذا يأسف، إذا اشتد حزنه، وهو رجل أسيف وأسوف، ومنه قول يعقوب، عليه الصلاة والسلام: ﴿يا أسفي على يوسف﴾ [يوسف: ٨٤] يعني: واحزناه واجزعاه تأسفاً وتوجعاً لفقده. وقيل: الأسيف: الضعيف من الرجال في بطشه. وأما الأسف فهو: الغضبان المتلهف. قال تعالى: ﴿فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً﴾ [الأعراف: ١٥٠]. وسيأتي بعد ستة أبواب من حديث ابن عمر في هذه القصة، ((فقالت له عائشة: إنه رجل رقيق القلب إذا قرأ غلبه البكاء)). ومن رواية مالك عن هشام عن أبيه عنها، بلفظ، قالت عائشة: ((قلت: إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمر عمر، رضي الله تعالى عنه))، كما ذكرناه عن قريب. قوله: ((وأعاد)) أي: رسول الله عَّله، مقالته في أبي بكر بالصلاة. قوله: ((فأعادوا له)) أي: من كان في البيت، يعني: الحاضرون له مقالتهم في كون أبي بكر أسيفاً. فإن قلت: الخطاب لعائشة كما ترى، فما وجه الجمع؟ قلت: جمع لأنهم كانوا في مقام الموافقين لها على ذلك، ووقع في حديث أبي موسى بالإفراد، ولفظه: فعادت، وفي رواية ابن عمر: فعاودته. قوله: ((فأعاد الثالثة))، أي: فأعاد، عَّ له، المرة الثالثة في مقالته تلك. وفي رواية أخرى: ((فراجعته مرتين أو ثلاثاً)). ٢٧٧ ١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٣٩) وفي اجتهاد عائشة في أن لا يتقدم والدها وجهان: أحدهما: ما هو مذكور في بعض طرقه. ((قالت)) ((وما حملني على كثرة مراجعته إلاّ أنه لم يقع في قلبي أن يحب الناس من بعده رجلاً قام مقامه أبداً، وكنت أرى أنه لن يقوم أحد مقامه إلاَّ تشاءم الناس به، فأردت أن يعدل ذلك رسول الله عَّ لِ عن أبي بكر)). الوجه الثاني: أنها علمت أن الناس علموا أن أباها يصلح للخلافة، فإذا رأوه استشعروا بموت رسول الله عَ لّه بخلاف غيره. قوله: ((إنكن صواحب يوسف)) أي: مثل صواحبه في التظاهر على ما يردن من كثرة الإلحاح فيما يمكن إليه، وذلك لأن عائشة وحفصة بالغتا في المعاودة إليه في كونه أسيفاً لا يستطيع ذلك. والصواحب جمع: صاحبة، على خلاف القياس، وهو شاذ. وقيل: يراد بها امرأة العزيز وحدها، وإنما جمعها كما يقال: فلان يميل إلى النساء وإن كان مال إلى واحدة، وعن هذا قيل: إن المراد بهذا الخطاب عائشة وحدها، كما أن المراد زليخا وحدها في قصة يوسف. قوله: ((فليصل بالناس))، وفي رواية الكشميهني: ((للناس)). قوله: ((فخرج أبو بكر يصلي)) فإن قلت: كيف تتصور الصلاة وقت الخروج؟ قلت: لفط: يصلي، وقع حالاً من الأحوال المنتظرة. وفي رواية: فصلى، بفاء العطف، وهي رواية المستملي والسرخسي، ورواية غيرهما: يصلي، بالياء آخر الحروف. وظاهره أنه شرع في الصلاة، ويحتمل أنه تهيأ لها، ويؤيده رواية الأكثرين لأنه حال، ففي حالة الخروج كان متهيئاً للصلاة ولم يكن مصلياً. فإن قلت: في رواية أبي معاوية عن الأعمش: فلما دخل في الصلاة. قلت: يحتمل أن يكون المعنى: فلما أراد الدخول في الصلاة، أو: فلما دخل في مكان الصلاة، وفي رواية موسى بن أبي عائشة: فأتاه الرسول، أي: بلال لأنه هو الذي أعلم بحضور الصلاة. وفي رواية: فقال له: إن رسول الله عَ لَّه يأمرك أن تصلي بالناس. فقال أبو بكر، وكان رجلاً رقيقاً، يا عمر! صل بالناس. فقال له عمر: أنت أحق بذلك)). وقول أبي بكر هذا لم يرد به ما أرادت عائشة. قال النووي: تأوله بعضهم على أنه قاله تواضعاً وليس كذلك، بل قاله للعذر المذكور، وهو أنه رقيق القلب كثير البكاء، فخشي أن لا يسمع الناس. وقيل: يحتمل أن يكون، رضي الله تعالى عنه، فهم من الإمامة الصغرى الإمامة الكبرى، وعلم ما في تحملها من الخطر، وعلم قوة عمر، رضي الله تعالى عنه، على ذلك فاختاره. ويؤيده أنه عند البيعة أشار عليهم أن يبايعوه أو يبايعوا أبا عبيدة بن الجراح. قوله: ((فوجد النبي عَّ من نفسه خفة)) ظاهره: أنه عَِّ وجدها في تلك الصلاة بعينها، ويحتمل أن يكون ذلك بعدها. وفي رواية موسى بن أبي عائشة: فصلى أبو بكر تلك الأيام، ثم إن رسول الله عَ لّ وجد من نفسه خفة، فعلى هذا يتعين أن تكون الصلاة المذكورة هي العشاء، قوله: ((يهادى بين رجلين))، بلفظ: المجهول من المفاعلة، يقال: جاء فلان يهادى بين اثنين، إذا كان يمشي بينهما معتمداً عليهما من ضعفه، متمايلاً، إليهما في مشيه من شدة الضعف، والرجلان هما: العباس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنهما، على ما يأتي في الحديث الثاني من حديثي الباب، وقد مر في بيان اختلاف الروايات: فخرج بين بريرة ونوبة، بضم النون وفتح الباء ٢٧٨ ١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (٣٩) الموحدة؛ وكان عبداً أسود، ويدل عليه حديث سالم بن عبيد في صحيح ابن خزيمة بلفظ: فخرج بين بريرة ورجل آخر، وقال بعضهم: وذكره بعضهم في النساء الصحابيات، وهو وهم، قلت: أراد بالبعض الذهبي، فإنه ذكر: نوبة، في باب النون في الصحابيات، وقال: خرج رسول الله عَّه، في مرضه بين بريرة ونوبة، وإسناده جيد، وقد علمت أن الذهبي من جهابذة المتأخرين لا يجارى في فنه. قوله: ((يخطان الأرض)) أي: لم يكن يقدر على رفعهما من الأرض. قوله: ((أن مكانك))، كلمة: أن، بفتح الهمزة وسكون النون، ومكانك، منصوب على معنى: إلزم مكانك، وفي رواية عاصم: أن اثبت مكانك، وفي رواية موسى بن أبي عائشة: فأومأ إليه بأن لا يتأخر. قوله: ((ثم أتي به)) بضم الهمزة أي: أتي برسول الله عَّ حتى جلس إلى جنبه، وبين ذلك في رواية الأعمش: حتى جلس عن يسار أبي بكر، على ما سيأتي في: باب مكان الجلوس. وقال القرطبي في (شرح مسلم): لم يقع في الصحيح بيان جلوسه عَّلله هل كان عن يمين أبي بكر أو عن يساره؟ قلت: هذا غفلة منه، وقد بيّ ذلك في (الصحيح) كما ذكرناه الآن. قوله: ((فقيل للأعمش))، هو سليمان، ويروى: قيل، بدون الفاء، وظاهر هذا أنه منقطع لأن الأعمش لم يسنده، لكن في رواية أبي معاوية عنه ذكر ذلك متصلاً بالحديث، وكذا في رواية موسى بن أبي عائشة. ذكر ما يستفاد من هذه القصة: وهو على وجوه: الأول: فيه الإشارة إلى تعظيم الصلاة بالجماعة. الثاني: فيه تقديم أبي بكر وترجيحه على جميع الصحابة. الثالث: فيه فضيلة عمر بن الخطاب بعده. الرابع: فيه جواز الثناء في الوجه لمن أمن عليه الإعجاب. الخامس: فيه ملاطفة النبي عَّم لأزواجه وخصوصاً لعائشة. السادس: في هذه القصة وجوب القسم على النبي عَّ حيث قال فيها: فأذِنِّ له، أي: فأذنت له نساؤه عَّه بالتمريض في بيت عائشة، على ما سيأتي. السابع: فيه جواز مراجعة الصغير للكبير. الثامن: فيه المشاورة في الأمر العام. التاسع: فيه الأدب مع الكبير حيث أراد أبو بكر التأخر عن الصف. العاشر: البكاء في الصلاة لا يبطلها وإن كثر، وذلك لأنه عَّ علم حال أبي بكر في رقة القلب وكثرة البكاء ولم يعدل عنه، ولا نهاه عن البكاء. وأما في هذا الزمان فقد قال أصحابنا: إذا بكى في الصلاة فارتفع بكاؤه، فإن كان من ذكر الجنة أو النار لم يقطع صلاته، وإن كان من وجع في بدنه أو مصيبة في ماله أو أهله قطعها، وبه قال مالك وأحمد وقال الشافعي: البكاء والأنين والتأوه يبطل الصلاة إذا كانت حرفين، سواء بكى للدنيا أو للآخرة. الحادي عشر: أن الإيماء يقوم مقام النطق، لكن يحتمل أن اقتصار النبي عَّم على الإشارة أن يكون لضعف صوته، ويحتمل أن يكون للإعلام، بأن مخاطبة من يكون في الصلاة بالإيماء أولى من النطق. الثاني عشر: فيه تأكيد أمر الجماعة والأخذ فيها بالأشد، وإن كان المرض يرخص في تركها، ويحتمل أن يكون فعل ذلك لبيان جواز الأخذ بالأمثل، وإن كانت الرخصة أولى. الثالث عشر: استدل به الشعبي على جواز ائتمام بعض المأمومين ببعض، وهو مختار الطبري ٢٧٩ ١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٣٩) أيضاً، وأشار إليه البخاري كما يأتي إن شاء الله تعالى، ورد بأن أبا بكر، رضي الله تعالى عنه، كان مبلغاً، وعلى هذا فمعنى الاقتداء اقتداؤه بصوته، والدليل عليه أنه معَّةٍ كان جالساً، وأبو بكر كان قائماً، فكانت بعض أفعاله تخفى على بعض المأمومين، فلأجل ذلك كان أبو بكر كالإمام في حقهم. الرابع عشر: استدل به البعض على جواز استخلاف الإمام لغير ضرورة، لصنيع أبي بكر، رضي الله تعالى عنه. الخامس عشر: استدل به البعض على جواز مخالفة موقف الإمام للضرورة، كمن قصد أن يبلغ عنه، ويلتحق به من زحم عن الصف. السادس عشر: فيه إتباع صوت المكبر وصحة صلاة المستمع والسامع، ومنهم من شرط في صحته تقدم إذن الإمام. السابع عشر: استدل به الطبري على أن للإمام أن يقطع الاقتداء به، ويقتدي هو بغيره من غير أن يقطع الصلاة. الثامن عشر: فيه جواز إنشاء القدوة في أثناء الصلاة. التاسع عشر: استدل به البعض على جواز تقدم إحرام المأموم على الإمام، بناء على أن أبا بكر كان دخل في الصلاة ثم قطع القدوة وائتم برسول الله عَ ليه، والدليل عليه ما رواه أرقم بن شرحبيل عن ابن عباس: فابتدأ النبي معَّ القراءة من حيث انتهى أبو بكر، كما قدمناه. العشرون: استدل به على صحة صلاة القادر على القيام قائماً خلف القاعد، خلافاً للمالكية وأحمد حيث أوجب القعود على من يصلي خلف القاعد. قلت: يصلي القائم خلف القاعد عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وبه قال الشافعي ومالك في رواية. وقال أحمد والأوزاعي: يصلون خلفه قعوداً، وبه قال حماد بن زيد وإسحاق وابن المنذر، وهو المروي عن أربعة من الصحابة وهم: جابر بن عبد الله، وأبو هريرة، وأسيد بن حضير، وقيس ابن فهد حتى لو صلوا قياماً لا يجزيهم، وعند محمد بن الحسن: لا تجوز صلاة القائم خلف القاعد، وبه قال مالك في رواية ابن القاسم عنه وزفر. الحادي والعشرون: استدل له ابن المسيب على أن مقام المأموم يكون عن يسار الإمام، لأنه عَّ جلس على يسار أبي بكر، والجماعة على خلافه، ويتمشى قوله على أن الإمام هو أبو بكر، وأما من قال: الإمام هو النبي عَّ له فلا يتمشى. قوله: قلت: اختلفت الروايات: هل كان النبي عَّ له الإمام أو أبو بكر الصديق؟ فجماعة قالوا: الذي رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة صريح في أن النبي معَّه كان الإمام إذ جلس عن يسار أبي بكر، ولقوله: ((فكان رسول الله عَّه يصلي بالناس جالساً وأبو بكر قائماً يقتدي به))، وكان أبو بكر مبلغاً لأنه لا يجوز أن يكون للناس إمامان. وجماعة قالوا: كان أبو بكر هو الإمام، لما رواه شعبة عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة: (أن النبي ◌َ ◌ّه صلى خلف أبي بكر)) وفي رواية مسروق عنها: ((أنه عَ لَّه صلى خلف أبي بكر جالساً في مرضه الذي توفي فيه، وروي حديث عائشة بطرق كثيرة في الصحيحين وغيرهما، وفيه اضطراب غير قادح. وقال البيهقي: لا تعارض في أحاديثها، فإن الصلاة التي كان فيها النبي عَّ له إماماً هي صلاة الظهر يوم السبت أو يوم الأحد، والنبي كان فيها مأموماً هي صلاة الصبح من يوم الإثنين. وهي آخر صلاة صلاها عَّ له حتى خرج من الدنيا. وقال نعيم بن أبي ٢٨٠ ١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٣٩) هند: الأخبار التي وردت في هذه القصة كلها صحيحة، وليس فيها تعارض، فإن النبي عَّ}. صلى في مرضه الذي مات فيه صلاتين في المسجد، في إحداهما كان إماماً، وفي الأخرى كان مأموماً. وقال الضياء المقدسي وابن ناصر: صح وثبت أنه عَّه صلى خلفه مقتدياً به في مرضه الذي توفي فيه ثلاث مرات، ولا ينكر ذلك إلاّ جاهل لا علم له بالرواية. وقيل: إن ذلك كان مرتين جمعاً بين الأحاديث، وبه جزم ابن حبان. وقال ابن عبد البر: الآثار الصحاح على أن النبي عَّم هو الإمام. الثاني والعشرون: فيه تقديم الأفقه الأقرأ، وقد جمع الصديق، رضي الله تعالى عنه، بين الفقه والقرآن في حياة النبي عَ له، كما ذكره أبو بكر بن الطيب وأبو عمرو الدواني. الثالث والعشرون: فيه جواز تشبيه أحد بأحد في وصف مشهور بين الناس. الرابع والعشرون: فيه أن للمستخلف أن يستخلف في الصلاة ولا يتوقف على إذن خاص له بذلك. رواهُ أَبُو داؤُدَ عنْ شُعْبَةَ عنِ الأَعْمَشِ بَعْضَهُ أي: روى الحديث المذكور أبو داود وسليمان الطيالسي. قوله: ((بعضه))، بالنصب بدل: من الضمير الذي في: رواه، وروايته هذه وصلها البزار، قال: حدّثنا أبو موسى محمد بن المثنى حدّثنا أبو داود به. ولفظه: ((كان رسول الله عَِّ المقدم بين يدي أبي بكر)»، هكذا رواه مختصراً، يعني: يوم صلى بالناس وأبو بكر إلى جنبه. : وَزَادَ أَبُو مُعَاوِيَةَ جَلَسَ عِنْ يَسَارِ أَبِي بَكرٍ فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي قائماً يعني: زاد أبو معاوية محمد بن حازم الضرير في روايته عن الأعمش بإسناده، وهذه الزيادة أسندها البخاري في: باب الرجل يأتم بالإمام ويأثم الناس بالمأموم، عن قتيبة عنه، على ما يأتي إن شاء الله تعالى. ورواه ابن حبان عن الحسن بن شعبان عن ابن نمير عنه، بلفظ: ((فكان النبي عَِّ يصلي بالناس قاعداً وأبو بكر قائماً)). ٦٦٥/٥٧ - حدّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى قال أخبرنا هِشَامُ بنُ يُوسُفَ عنْ مَعْمَرٍ عنِ الزُّهْرِيِّ قال أخبرني عُبَيْدُ الله بنُ عَبْدِ اللهِ قال قالَتْ عَائِشَةُ لَمَّا ثَقُلَ النبيُّ عَ لَّهِ وَاشْتَدَّ وَجَعُهُ اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ أنْ يُمَّضَ في بَيْتِي فَأَذِنَّ لَهُ فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ تَخُطُّ رِجْلاَهُ الأَرْضَ وكَانَ بَيْنَ العَبَّاسِ ورَجلٍ آخَرَ. قال عُبَيْدُ اللهِ بنُ عبدِ الله فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لابنِ عَبَّاسٍ ما قَالَتْ عَائِشَةُ فقالَ لِي وهَلْ تَذْرِي مَنِ الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ تُسَمِّ عَائِشَةُ قُلْتُ لاَ قالَ هُوَ عَلِيُّ بنُ أبي طالِبٍ. [انظر الحديث ١٩٨ وأطرافه]. مناسبته للترجمة ظاهرة. ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: إبراهيم بن موسى بن يزيد بن زاذان التميمي الفراء، أبو إسحاق الرازي، يعرف بالصغير، روى عنه مسلم أيضاً. الثاني: هشام بن يوسف أبو عبد الرحمن الصنعاني اليماني قاضيها، مات سنة سبع وتسعين ومائة. الثالث: معمر، بفتح الميمين