Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ ١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (٩) المذكورة سبباً لاستحقاق الشفاعة،أو غيرها يقوم مقامها؟ قلت: روى الطحاوي من حديث عبد الله بن مسعود، رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله عَّ له، قال: ((ما من مسلم يقول، إذا سمع النداء، فیکبر المنادي فیکبر، ثم یشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً رسول الله، فيشهد على ذلك ثم يقول: اللهم أعط محمداً الوسيلة واجعله في الأعلين درجته، وفي المصطفين محبته، وفي المقربين ذكره إلاّ وجبت له شفاعتي يوم القيامة)). وأخرجه الطبراني أيضاً. قوله: ((واجعله)) أي: واجعل له درجة في الأعلين، وهو جمع أعلى، وهو صفة من يعقل ههنا لأن المراد منهم الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، فلذلك جمع بالواو والنون، فإعرابه بالواو حالة الرفع وبالياء حالتي النصب والجر، وهذا مقصور، والضمة والكسرة فيه مقدرتان في حالتي النصب والجر. قوله: ((المصطفين))، بفتح الفاء جمع: مصطفى، وهو أيضاً كذلك بالواو وبالياء حالتي النصب والجر، والمصطفى: المختار من الصفوة، وأصله مصتفى، بالتاء، فقلبت طاء كما عرف في موضعه. وروى الطحاوي أيضاً من حديث أم سلمة، رضي الله تعالى عنها، أنها قالت: ((علمني رسول الله عَّ له، وقال: يا أم سلمة إذا كان عند أذان المغرب فقولي: اللهم عند استقبال ليلك، وإدبار نهارك، وأصوات دعائك، وحضور صلواتك، اغفر لي ... )) وأخرجه أبو داود، ولفظه: ((اللهم هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعائك فاغفر لي)). وأخرجه الطبراني في (الكبير) وفي آخره: وكانت إذا تعارت من الليل تقول: رب إغفر وارحم، واهد السبيل الأقوم، وروى أبو الشيخ من حديث ابن عباس يرفعه: ((من سمع النداء فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، أبلغه الدرجة والوسيلة عندك، واجعلنا في شفاعته يوم القيامة، إلاَّ وجبت له الشفاعة)) وفيه: إثبات الشفاعة للأمة صالحاً وطالحاً لزيادة الثواب أو إسقاط العقاب، لأن لفظة: من، عامة، فهو حجة على المعتزلة حيث خصصوها بالمطيع لزيادة درجاته فقط. ٩ - بابُ الاستِهَام في الأَذَانِ أي: هذا باب في بيان حكم الاستهام أي: الاقتراع في الأذان. قال الخطابي: وإنما قيل له: لأنهم كانوا يكتبون أسماءهم على سهام إذا اختلفوا في الشيء، فمن خرج سهمه غلب، والقرعة أصل من أصول الشريعة في حال من استوت دعواهم في الشيء لترجيح أحدهم، وفيها تطييب القلوب. وَيُذْكَرُ أَنَّ أَقْوَاماً اخْتَلَفُوا فِي الآذَانِ فَأَفْرَعَ بَيْنَهُمْ سَعْدٌ ويروى: ((أن قوماً)). قوله: ((الأذان)) أي: في منصب التأذين، يعني: اختلافهم لم يكن في نفس الأذان، وإنما كان في التأذين، والأذان يأتي بمعنى: التأذين، وسعد هو سعد بن أبي وقاص، أحد العشرة المبشرة، وكان ذلك عند فتح القادسية في خلافة عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، في سنة خمس عشرة، وكان سعد يومئذ أميراً على الناس. وذكره ١٨٢ ١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٩) البخاري هكذا معلقاً، وأخرجه سعيد بن منصور، والبيهقي من طريق أبي عبيد، كلاهما عن هشيم عن عبد الله بن شبرمة قال: تشاح الناس في الأذان بالقادسية فاختصموا إلى سعد بن أبي وقاص، فأقرع بينهم، وهذا منقطع، وقد وصله سيف بن عمر في (الفتوح) والطبري من طريقه: عنه عن عبد الله بن شبرمة عن شقيق - وهو أبو وائل - قال: افتتحنا القادسية صدر النهار، فتراجعنا وقد أصيب المؤذن، فذكره وزاد: فخرجت القرعة لرجل منهم، فأذن. وقال الصغاني: القادسية قرية على طريق الحاج على مرحلة من الكوفة. وقيل: مر إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، بالقادسية فوجد هناك عجوزاً، فغسلت رأسه فقال: قدست من أرض، فسميت: القادسية. وقيل: سميت بها لنزول أهل قادس بها، وقادس قرية بمروالروذ. ١٢/ ٦١٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنْ سُمَيّ مَوْلَى أبِي بَكْرٍ عِنْ أبي صَالِحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ الله عَّلِ قَال لَوْ يَعْلمُ النَّاسُ ما فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلاَّ أَنْ يَسْتَهِمُوا عليهِ ولَوْ يَعْلَمُونَ ما فِي النَّهْجِيرِ لاَسْتَبَقُوا إِلَيْهِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ ما في العَتَمَةِ وَالصُّبْحَ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْواً. [الحديث ٦١٥ - أطرافه في: ٦٥٤، ٧٢١، ٢٦٨٩]. مطابقته للترجمة في قوله: ((لو يعلم الناس ما في النداء)) وهو الأذان. ذكر رجاله وهم خمسة: عبد الله التنيسي، ومالك بن أنس، وسمي، بضم السين المهملة وفتح الميم وتشديد الياء آخر الحروف؛ مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ابن هشام القرشي المدني، قتله الحرورية بقديد سنة ثلاثين ومائة، وأبو صالح ذكوان الزيات. ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، وبصيغة الإخبار كذلك في موضع، وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: أن رواته مدنيون ما خلا شيخ البخاري. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الشهادات عن إسماعيل. وأخرجه مسلم في الصلاة عن يحيى بن يحيى. وأخرجه الترمذي فيه عن إسحاق ابن موسى عن معن بن عيسى. وأخرجه النسائي فيه عن عتبة بن عبد الله وقتيبة فرقهما وعن الحارث بن مسكين عن عبد الرحمن بن القاسم، سبعتهم عن مالك به. ذكر معناه: قوله: ((لو يعلم الناس)) قال الطيبي: وضع المضارع موضع الماضي ليفيد استمرار العلم. قوله: ((ما في النداء)) أي: الأذان، وهي رواية بشر بن عمر عن مالك عند السراج. فإن قلت: ما الفرق بين النداء والأذان؟ قلت: لفظة الأذان والتأذين أخص من لفظ النداء لغة وشرعاً. والفرق بين الأذان والتأذين أن التأذين يتناول جميع ما يصدر من المؤذن من قول وفعل وهيئة ونية، وأما الأذان فهو حقيقة تعقل بدون ذلك. قوله: ((والصف الأول» زاد أبو الشيخ في رواية له من طريق الأعرج عن أبي هريرة: ((من الخير والبركة))، والتقدير: لو يعلم الناس ما في الصف الأول؟ وقال الطيبي: أطلق مفعول: يعلم، وهو كلمة: ما، ولم يبين ١٨٣ ١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٩) الفضيلة ما هي ليفيد ضرباً من المبالغة، وأنه مما لا يدخل تحت الوصف. قوله: ((ثم لا يجدون))، هذه رواية المستملي والحموي، وفي رواية غيرهما: ((لم يجدوا)). وقال الكرماني: وفي بعض الروايات: ((لا يجدوا))، ثم قال: جوز بعضهم حذف النون بدون الناصب والجازم، قال ابن مالك: حذف نون الرفع في موضع الرفع لمجرد التخفيف ثابت في اللغة في الكلام الفصيح نظمه ونثره. قوله: ((إلا أن يستهموا عليه)) من الاستهام وهو الاقتراع، يقال: استهموا فسهمهم فلان سهماً إذا أقرعهم، وقال صاحب (العين): القرعة مثال الظلمة، والاقتراع، وقد اقترعوا وتقارعوا وقارعته فقرعته أي: أصابتني القرعة دونه، وأقرعت بينهم: إذا أمرتهم أن يقترعوا، وقارعت بينهم أيضاً، والأول أصوب، ذكره ابن التياني في (الموعب) وفي (التهذيب) لأبي منصور عن ابن الأعرابي: القرع والسبق والندب: الخطر الذي يستبق عليه. وقال النووي: معناه أنهم لو علموا فضيلة الأذان وعظيم جزائه، ثم لم يجدوا طريقاً يحصلونه به لضيق الوقت أو لكونه لا يؤذن للمسجد إلاَّ واحد لاقترعوا في تحصيله. وقال الطيبي: المعنى: لو علموا ما في النداء والصف الأول من الفضيلة، ثم حاولوا الاستباق، لوجب عليهم ذلك، وأتى: بثم، المؤذن بتراخي رتبة الاستباق من العلم، وقدم ذكر الأذان دلالة على تهييء المقدمة الموصلة إلى المقصود الذي هو المثول بين يدي رب العزة. قوله: ((عليه)) أي: على كل واحد من الأذان والصف الأول، وقد نازع ابن عبد البر والقرطبي في مرجع الضمير، فقال ابن عبد البر: يرجع إلى الصف الأول لأنه أقرب المذكورين. وقال القرطبي: يلزم منه أن يبقى النداء ضائعاً لا فائدة له، بل الضمير يعود على معنى الكلام المتقدم، مثل قوله تعالى: ﴿ومن يفعل ذلك يلق أثاماً﴾ [الفرقان: ٦٨]. أي: جميع ما ذكر. قلت: الصواب مع القرطبي، ويؤيده ما رواه عبد الرزاق عن مالك بلفظ: (لاستهموا عليهما))، فدل ذلك على صحة التقدير الذي قدرناه. قوله: (ما في التهجير)) أي: التكبير إلى الصلوات. قاله الهروي: وقال غيره: المراد التبكير بصلاة الظهر، يعني الإتيان إلى صلاة الظهر في أول الوقت، لأن التهجير مشتق من الهاجرة وهي شدة الحر نصف النهار، وهو أول وقت الظهر. قلت: الصواب مع الهروي، لأن اللفظ مطلق وتخصيصه بالاشتقاق لا وجه له. ثم المراد من التبكير إلى الصلوات التهييء والاستعداد لها، ولا يلزم من ذلك إقامتها في أول أوقاتها، وكيف وقد أمر الشارع بالإبراد في الظهر، والإسفار في الفجر؟ وأيضاً الهاجرة تطلق على وقت الظهر إلى أن يقرب العصر، فإذا أبرد يصدق عليه أنه هجر على ما لا يخفى. قوله: («لاستبقوا إليه)) أي: إلى التهجير. وقال ابن أبي حمزة: المراد من الاستباق التبكير، بأن يسبق غيره في الحضور إلى الصلاة. قوله: ((ما في العتمة))، وهي صلاة العشاء، يعني: لو يعلمون ما في ثواب أدائها وأداء ((الصبح لأتوهما ولو حبواً) أي: ولو كانوا حابين، من: حبى الصبي إذا مشى على أربع. قاله صاحب (المجمل). ويقال: إذا مشى على يديه أو ر کیتیه أو إسته. ذكر ما يستفاد منه فيه: فضيلة الأذان وقد ذكرنا فيما مضى من ذلك. وفيه: فضيلة . ١٨٤ ١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (١٠) الصف الأول لاستماع القرآن إذا جهر الإمام، والتأمين عند فراغه من الفاتحة، والتكبير عقيب تكبير الإمام، وأيضاً يحتمل أن يحتاج الإمام إلى استخلاف عند الحدث فيكون هو خليفته، فحصل له بذلك أجر عظيم، أو يضبط صفة الصلاة وينقلها ويعلمها الناس، وروى مسلم: ((خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها)). وفي (الأوسط) للطبراني: ((استغفر عَُّلِّ للصف الأول ثلاث مرات، والثاني مرتين، والثالث مرة)). وعن جابر بن سمرة من حديث مسلم: ((ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها، يتمون الصف الأول؟)) وعند ابن ماجه عن عائشة، رضي الله تعالى عنها: ((لا يزال قوم يتأخرون عن الصف الأول حتى يؤخرهم الله إلى النار)). وعن عبد الرحمن بن عوف: ((إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول)). وعند ابن حبان عن البراء عن عازب: ((إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول)). وقال القرطبي اختلف في الصف الأول: هل هو الذي يلي الإمام أو المبكر؟ والصحيح: أنه الذي يلي الإمام، فإن كان بين الإمام وبين الناس حائل، كما أحدث الناس المقاصير، فالصف الأول الذي على المقصورة. وفي (التوضيح): الصف الأول ما يلي الإمام، ولو وقع فيه حائل، خلافاً لمالك. وأبعد من قال: إنه المبكر، ولو جاء رجل ورأى الصف الأول مسدوداً لا ينبغي له أن يزاحمهم، وقد روي عن ابن عباس يرفعه: ((من ترك الصف الأول مخافة أن يؤذي مسلماً أضعف الله له الأجر)). وفيه: فضيلة التبكبير إلى الصلاة. وفيه: حث عظيم على حضور صلاتي العتمة والصبح، والفضل الكثير في ذلك لما فيهما من المشقة على النفس من تنقيص أول النوم وآخره. وفيه: تسمية العشاء بالعتمة. فإن قلت: قد ثبت النهي عنه. قلت: هذه التسمية لبيان الجواز وإن النهي ليس للتحريم وأيضاً استعمال العتمة ههنا لمصلحة، لأن العرب كانت تستعمل العشاء في المغرب، فلو قال: ما في العشاء لحملوها على المغرب، ففسد المعنى، وفات المطلوب، فاستعمل العتمة التي لا يشكون فيها، فقواعد الشرع متظاهرة على احتمال أخف المفسدتين لدفع أعظمهما. وفيه: أن الصف الثاني أفضل من الثالث، والثالث أفضل من الرابع وهلم جرا. وفيه: دلالة لمشروعية القرعة. وفيه: ما استدل به بعضهم لمن قال بالاقتصار على مؤذن واحد، وهذا ليس بظاهر لصحة استهام أكثر من واحد في مقابلة أكثر من واحد، وزعم بعض من شرح الحديث المذكور أن المراد بالاستهام ههنا الترامي بالسهام، وأنه أخرج مخرج المبالغة، واستأنس لذلك بحديث: (لتجالدوا عليه بالسيوف). قلت: الذي قصده البخاري، وذهب إليه هو، الأوجه والأولى، ولذلك استشهد بقضية سعد، رضي الله تعالى عنه. ١٠ - بابُ الكَلاَمِ فِي الأَذَانِ أي: هذا باب في بيان حكم الكلام في أثناء الأذان بغير ألفاظه، ولكنه ما صرح بالحكم كيف هو أجائز أم غير جائز؟ لكن إيراده الأثرين المذكورين فيه، وإيراده حديث ابن عباس يشير إلى أنه اختار الجواز، كما ذهبت إليه طائفة، على ما نذكره عن قريب إن شاء الله تعالی. : ١٨٥ ١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (١٠) وَتَكَلّمَ سُلَيْمَانُ بنُ صُرَدٍ فِي أَذَانِهِ مطابقته للترجمة ظاهرة، وصرد، بضم الصاد المهملة وفتح الراء وفي آخره دال مهملة: وهو سليمان بن صرد بن أبي الجون الخزاعي الصحابي، وكان اسمه في الجاهلية: يساراً فسماه النبي، عَّلَّهِ، سليمان، وكنيته أبو الطرف، وكان خيراً عابداً، نزل الكوفة، وقال ابن سعد: قتل بالجزيرة بعين الوردة في شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين، وكان أميراً على البوابين، أربعة آلاف يطلبون بدم الحسين بن علي، رضي الله تعالى عنهم، وعلق البخاري ما روى عنه، وأخرجه ابن أبي شيبة من حديث موسى بن عبد الله بن یزید بن سليمان بن صرد، وكانت له صحبة، كان يؤذن في العسكر وكان يأمر غلامه بالحاجة في أذانه، ووصله أبو نعيم شيخ البخاري في كتاب الصلاة له، وأخرجه البخاري عنه في (التاريخ) بإسناد صحيح، ولفظه مثل لفظ ابن أبي شيبة. وقال الحَسَنُ لا بَأسَ أن يَضْحَكَ وَهْوَ يُؤَذِّنُ أَوْ يُقِيمُ الحسن هو البصري، وهذا الأثر المعلق غير مطابق للترجمة لأنها في الكلام في الأذان، والضحك ليس بكلام، لأنه صوت يسمعه نفس الضاحك، ولا يسمع غيره، ولو علق عنه ما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: حدّثنا ابن علية، قال: سألت يونس عن الكلام في الأذان والإقامة، فقال: حدثني عبيد الله بن غلاب عن الحسن أنه لم يكن يرى بذلك بأساً، لكان أولى وأوفق للمطابقة. ٦١٦/١٣ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قال حدّثنا حَمَادٌ عنْ أَيُّوبَ وعَبْدِ الحَمِيدِ صاحِبِ الزِّیادِي وعَاصِمِ الأخوَلِ عنْ عَبْد الله بنِ الحارِثِ قال خَطَبَنا ابنُ عَبَّاسٍ فِي يَوْمِ رَدْغْ فَلَمَّا بَلَغَ المُؤَذِّنُ حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ فَأمَرَهُ أَنْ يُنَادِيَ الصَّلاَةَ فِي الرَّحَالِ فَنَظَرَ القَوْمُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فقال فَعَلَ هَذا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ وَإِنَّهَا عَزْمَةٌ. [الحديث ٦١٦ - طرفاه في: ٦٦٨، ٩٠١]. هذا الحديث غير مطابق للترجمة على ما زعمه الداودي، فإنه قال: لا حجة فيه على جواز الكلام في الأذان، بل القول المذكور مشروع من جملة الأذان في ذلك المحل. قلت: سلمنا أنه مشروع في مثل هذا الموضع، ولكننا لا نسلم أنه من جملة ألفاظ الأذان المعهودة، بل يحتمل أن يكون هذا حجة لمن يجوز الكلام في الأذان من السامع عند ظهور مصلحة، وإن كانت الإجابة واجبة فعلى هذا أمر ابن عباس للمؤذن بهذا الكلام يدل على أنه لم ير بأساً بالكلام في الأذان، فمن هذا الوجه يحصل التطابق بين الترجمة والحديث. فافهم. ذكر رجاله: وهم سبعة: الأول: مسدد بن مسرهد. الثاني: حماد هو ابن زيد. الثالث: أيوب السختياني. الرابع: عبد الحميد هو ابن دينار صاحب الزيادي. الخامس: عاصم بن سليمان الأحول. السادس: عبد الله بن الحارث ابن عم محمد بن سيرين وزوج ابنته. السابع: عبد الله بن عباس. ١٨٦ ١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (١٠) ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في موضعين ورجال الإسناد كلهم بصريون. وفيه: رواية أيوب عن ثلاثة أنفس. وفيه: عبد الله بن الحارث تابعي صغير، ورواية الثلاثة عنه من رواية الأقران، لأن الثلاثة من صغار التابعين، فيكون فيه أربعة أنفس من التابعين، وهم أيوب فإنه رأى أنس بن مالك، وعبد الحميد. سمع أنس بن مالك، وكذلك عاصم بن سليمان سمع أنس بن مالك. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الصلاة عن عبد الله ابن عبد الوهاب الحجبي، فرقهما، كلاهما عن حماد بن زيد عن أيوب، وفي الجمعة عن مسدد عن إسماعيل بن علية عن عبد الحميد به. وأخرجه مسلم في الصلاة عن علي بن حجر عن إسماعيل به، وأخرجه عن أبي كامل الجحدري عن أبي الربيع الزهراني عن حماد وعن إسحاق بن منصور عن النضر بن شميل عن شعبة عن عبد الحميد به، وعن عبد بن حميد عن سعيد بن عامر عن شعبة، وعن عبد بن حميد عن أحمد بن إسحاق الحضرمي عن وهب عن أيوب، وأخرجه أبو داود فيه عن مسدد عن إسماعيل به. وأخرجه ابن ماجة عن أحمد بن عبدة الضبي عن عباد بن عباد المهلبي عن عاصم به. ذكر معناه: قوله: ((في يوم ردغ))، بفتح الراء وسكون الدال المهملة وبالغين المعجمة: وهذه رواية ابن السكن والكشميهني وأبي الوقت. وفي رواية الأكثرين: ((رزغ))، بالزاي موضع الدال. وقال القرطبي: والأول أشهر. وقال أيضاً: والصواب الفتح، يعني فتح الدال، فإنه اسم، وبالسكون مصدر. وقال صاحب (التلويح): الردغ، بدال مهملة ساكنة وغين معجمة، رواه العذري، وبعض رواة مسلم، وكذا لابن السكن والقابسي إلاَّ أنهما فتحا الدال: وهي روايتنا من طريق أبي الوقت، ورواية الأصيلي والسمرقندي: رزغ، بزاي مفتوحة بعدها غين معجمة. وقال السفاقسي: رويناه بفتح الزاي وهو في اللغة بسكونها. قال الداودي: الرزغ: الغيم البارد وفي (المحكم): الرزغ الماء القليل في الثماد، والرزغة أقل من الردغة، والرزغة بالفتح: الطين الرقيق. وفي (الصحاح): الرزغة، بالتحريك: الوحل، وكذلك: الردغة بالتحريك، وفي كتاب أبي موسى: الردغة، بسكون الدال وفتحها: طين ووحل كثير، ووحل كثير، والجمع: رداغ، وقد يقال: ارتدع، بالعين المهملة تلطخ، والصحيح الأول. وقوله: ((في يوم ردغ)) بالإضافة، وفي رواية: ((في يوم ذي ردغ))، وفي رواية ابن علية: ((في يوم مطير))، وقال الكرماني: فإن قلت: اليوم أهو بالإضافة إلى الردغ أو بالتنوين على أنه موصوف؟ قلت: الإضافة ظاهرة، ويحتمل الوصف بأن يكون أصله يوم ذي ردغ، قلت: لم يقف على الرواية التي ذكرناها حتى تصرف بذلك. قوله: ((فأمره)) أي: أمر ابن عباس المؤذن، وهذا عطف على مقدر، وهو جواب لما تقديره: لما بلغ المؤذن إلى أن يقول: حي على الصلاة، أراد أن يقولها فأمره ابن عباس ((ينادي: الصلاة في الرحال)) ويوضح ذلك في رواية ابن علية: ((إذا قلت: أشهد أن محمداً رسول الله، فلا تقل: حي على الصلاة))، وابن علية هو إسماعيل، روى أبو داود عن مسدد عن إسماعيل أخبرني عبد الحميد ١٨٧ ١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (١٠) صاحب الزيادي، حدّثنا عبد الله بن الحارث ابن عم محمد بن سيرين: ((أن ابن عباس قال لمؤذنه في يوم مطير: إذا قلت: أشهد أن محمداً رسول الله، فلا تقل: حي على الصلاة، قل: صلوا في بيوتكم، قال: فكأن الناس استنكروا ذلك، فقال: قد فعل ذا من هو خير مني، إن الجمعة عزمة، وإني كرهت أن أحرجكم فتمشون في الطين والمطر)). وقوله: ((الصلاة))، منصوب بعامل محذوف تقديره: صلوا الصلاة وأدوها في الرحال، وهو جمع: رحل، وهو مسكن الرجل وما يستصحبه من الإناث. أي: صلوها في منازلكم. قوله: ((فنظر القوم)) أي: نظر إنكار على تغيير وضع الأذان وتبديل الحيلة بذلك، وفي رواية الحجي: كأنهم أنكروا ذلك، وفي رواية أبي داود: ((استنكروا ذلك))، على ما ذكرناها آنفاً. قوله: ((فقال)) أي: ابن عباس، فعل هذا أشار به إلى ما أمر المؤذن أن يقول: الصلاة في الرحال، موضع: حي على الصلاة. قوله: ((من هو خير منه)) كلمة: من، في محل الرفع لأنه فاعل قوله: ((فعل))، والضمير في: منه، يرجع إلى ابن عباس، ومعناه: أمر به من هو خير من ابن عباس. وفي رواية الكشميهني: منهم، ووجهه أن يرجع الضمير فيه إلى المؤذن والقوم جميعاً. وقال بعضهم: وأما رواية الكشميهني ففيها نظر، ولعل من أذن كانوا جماعة، أو أراد جنس المؤذنين. قلت: في نظره نظر، وتأويله بالوجهين غير صحيح. أما الأول: فلم يثبت أن من أذن كانوا جماعة، وهذا احتمال بعيد، لأن الأذان بالجماعة محدث. وأما الثاني، فلأن الألف واللام في: المؤذن، للعهد، فكيف يجوز أن يراد الجنس وفي رواية الحجبي: ((من هو خير مني))، وكذا وقع في رواية مسلم وأبي داود. قوله: ((وإنها عزمة)) أي: إن الجمعة عزمة، بسكون الزاي، أي: واجبة متحتمة، وجاء في بعض طرقه: إن الجمعة عزمة. فإن قلت: لَمْ يسبق ذكر الجمعة فكيف يعيده إليها؟ قلت: قوله: ((خطبنا))، يدل على أنهم كانوا في الجمعة، وقد صرح بذلك في رواية أبي داود، حيث قال: ((إن الجمعة عزمة))، قوله في رواية أبي داود: ((أن أحرجكم))، بالحاء المهملة أي: كرهت أن أشق عليكم بإلزامكم السعي إلى الجمعة في الطين والمطر، ويروى: ((أن أخرجكم)) بالخاء المعجمة من الإخراج، ويروى: ((كرهت أن أؤثمكم)) أي: أكون سبباً لاكتسابكم الإثم عند ضيق صدور كم. ذكر ما يستفاد منه: قال التيمي: رخص الكلام في الأذان جماعة مستدلين بهذا الحديث منهم: أحمد بن حنبل. وحكى ابن المنذر الجواز مطلقاً عن عروة وعطاء والحسن وقتادة، وعن النخعي وابن سيرين والأوزاعي الكراهة، وعن الثوري المنع، وعن أبي حنيفة وصاحبيه خلاف الأولى، وعليه يدل كلام الشافعي ومالك. وعن إسحاق بن راهويه: يكره إلاَّ أن كان يتعلق بالصلاة، واختاره ابن المنذر وفيه: دلالة على فرضية الجمعة، وأبعد بعض المالكية حيث قال: إن الجمعة ليست بفرض، وإنما الفرض الظهر أو ما ينوب منابه، والجماعة على خلافه، وقال ابن التين: وحكى ابن أبي صفرة عن (موطأ ابن وهب) عن مالك: إن الجمعة سنة. قال: ولعله يريد في السفر، ولا يحتج به. وفيه: تخفيف أمر الجماعة في المطر ونحوه من الأعذار وإنها متأكدة إذا لم يكن عذر، وقال الكرماني: وفيه: أن يقال: هذه : ١٨٨ ١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (١١) الكلمة يعني: الصلاة في الرحال. في نفس الأذان. قلت: أخذه من كلام النووي، فإنه قال: هذه الكلمة تقال في نفس الأذان، ويرد عليه حديث ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، الآتي في باب الأذان للمسافر: إنها تقال بعده، ونص الشافعي على أن الأمرين جائزان، ولكن بعده أحسن لئلا ينخرم نظم الأذان. وقال النووي: ومن أصحابنا من قال: لا يقول إلاَّ بعد الفراغ. قال: وهو ضعيف مخالف لصريح حديث ابن عباس. قلت: الأمران جائزان، وبعد الفراغ أحسن كما ذكرنا، وكلام النووي يدل على أنها تزاد مطلقاً إما في أثنائه وإما بعده، لا أنها بدل من الحيعلة. قلت: حديث ابن عباس لم يسلك مسلك الأذان، ألا ترى أنه قال: فلا تقل: حي على الصلاة، قل: صلوا في بيوتكم، وإنما أراد إشعار الناس بالتخفيف عنهم للعذر، كما فعل في التثويب للأمراء وأصحاب الولايات، وذلك لأنه ورد في حديث ابن عمر: أخرجه البخاري، وحديث أبي هريرة أخرجه ابن عدي في (الكامل) أنه إنما يقال بعد فراغ الأذان. ١١ - بابُ أَذانِ الأعْمَى إذَا كانَ لهُ مَنْ يُخْبِرُهُ أي: هذا باب في بيان أذان الأعمى، إذا كان عنده من يخبره بدخول الوقت، يعني يجوز أذانه حينئذ، وما رواه ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن مسعود وابن الزبير وغيرهما أنهم كرهوا أن يكون المؤذن أعمى، محمول على ما إذا لم يكن عنده من يخبره بدخول الوقت، ونقل النووي عن أبي حنيفة: أن أذان الأعمى لا يصح قلت: هذا غلط لم يقل به أبو حنيفة، وإنما ذكر أصحابنا أنه يكره ذكره في (المحيط) وفي (الذخيرة) و (البدائع): غيره أحب، فكأن وجه الكراهة لأجل عدم قدرته على مشاهدة دخول الوقت، وهو في الأصل مبني على المشاهدة. ١٤ / ٦١٧ - حدثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكِ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ سالِمِ بنِ عَبْدِ الله عن أبِيهِ أَنَّ رَسُولَ الله عَ لَِّ قال إنَّ بِلاَلاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ثُمَّ قال وكان رجلاً أعْمَى لاَ يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ أُصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ. [الحديث ٦١٧ - أطرافه في: ٦٢٠، ٦٢٣، ١٩١٨، ٢٦٥٦، ٧٢٤٨]. مطابقته للترجمة في قوله: ((لا ينادي ... )) إلى آخره. ورجاله قد ذكروا غير مرة، ومسلمة، بفتح الميم، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري، وعبد الله هو ابن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنهم. وهذا الحديث أخرجه الطحاوي من تسع طرق صحاح: ثمانية مرفوعة، وواحدة موقوفة. الأول: عن يزيد بن سنان عن عبد الله بن مسلمة عن مالك إلى آخره، نحو رواية البخاري. الثاني: عن يزيد بن سنان عن عبد الله بن صالح عن الليث عن ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر عن النبي ◌َّم مثله. الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود عن أبي اليمان عن شعيب بن أبي حمزة عن الزهري، قال: قال سالم بن عبد الله: سمعت عبد الله يقول: إن ١٨٩ ١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (١١) النبي عَّه قال: ((إن بلالاً ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم)). الرابع: عن يزيد بن سنان عن أبي داود الطيالسي عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة عن الزهري، فذكر مثله. الخامس: عن الحسن بن عبد الله بن منصور البالسي عن محمد بن كثير عن الأوزاعي عن الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي عَّه مثله. السادس: عن إبراهيم بن مرزوق عن وهب بن جرير عن شعبة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي عَّ ◌ُلِّ بإسناده، مثله. السابع: عن يونس عن ابن وهب أن مالكاً حدثه عن عبد الله بن دينار، فذكر بإسناده مثله. الثامن: عن علي بن شيبة عن روح بن عبادة عن مالك وشعبة عن عبد الله بن دينار، فذكره بإسناده مثله، غير أنه قال: ((حتى ينادي بلال أو ابن أم مكتوم))، شك شعبة. التاسع: هو الموقوف عن يونس عن ابن وهب أن مالكاً حدثه عن الزهري عن سالم عن النبي عَ لّم مثله، ولم يذكر ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما. وقال أبو عمر بن عبد البر: هكذا رواه يحيى عن مالك مرسلاً عن سالم، لم يقل فيه: عن أبيه، وتابعه على ذلك أكثر رواة (الموطأ)، وممن تابعه على ذلك: ابن القاسم والشافعي وابن بكير وأبو المصعب وعبد الله بن يوسف التنيسي، ومصعب الزبيري ومحمد بن الحسن ومحمد بن المبارك الصوري وسعيد بن عفير ومعن بن عيسى، ووصله جماعة عن مالك فقالوا فيه: عن سالم عن أبيه عن النبي عَّهِ، وممن رواه مسنداً هكذا: القعنبي وعبد الرزاق وأبو قرة موسى بن طارق وروح بن عبادة وعبد الله بن نافع ومطرف وابن أبي أويس وعبد الرحمن ابن مهدي وإسحاق بن إبراهيم الخبيبي ومحمد بن عمر الواقدي وأبو قتادة الحراني ومحمد بن حرب الأبرش وزهير ابن عباد وكامل بن طلحة وابن وهب في رواية أحمد بن صالح عنه. وأما أصحاب ابن شهاب فرووه متصلاً مسنداً عن ابن شهاب. ذكر معناه: قوله: ((إن بلالاً يؤذن بليل))، وفي رواية الطحاوي: ((إن بلالاً ينادي بليل))، ومعناهما واحد، لأن معنى قوله: ينادي يؤذن، والباء في: بليل، للظرفية. قوله: ((حتى ينادي)) أي: حتى يؤذن ابن أم مكتوم، واسمه: عبد الله، ويقال: عمرو وهو الأكثر، ويقال: كان اسمه الحصين فسماه النبي عَّ عبد الله بن قيس بن زائدة القرشي العامري، واسم أم مكتوم: عاتكة بنت عبد الله بن عنكشة بن عامر بن مخزوم، وهو ابن خال خديجة بنت خويلد، رضي الله تعالى عنها. وابن أم مكتوم هاجر الى المدينة قبل مقدم النبي عَ لَّه واستخلفه النبي عَُّ على المدينة ثلاث عشرة مرة، وشهد فتح القادسية، وقتل شهيداً، وكان معه اللواء يومئذ. وقيل: رجع إلى المدينة ومات بها، وهو الأعمى المذكور في سورة: عبس، ومكتوم من: الكتم، سمي به لكتمان نور عينيه. قوله: ((ثم قال وكان رجلاً أعمى)). قيل: إن هذا القائل هو ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، وبذلك جزم الشيخ الموفق في (المغني) قلت: في رواية الطحاوي: قال ابن شهاب؛ وكان رجلاً أعمى، وكذا في رواية الإسماعيلي عن أبي خليفة. فإن قلت: فعلى هذا في رواية البخاري إدراج. قلت: لا نسلم ذلك لأنه لا يمنع كون ابن شهاب قاله أن يكون شيخه قاله، وكذا شيخ شيخه، والدليل عليه ما في رواية ! ١٩٠ ١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (١١) البيهقي: عن الربيع بن سليمان ... الحديث المذكور، وفيه: قال سالم: وكان رجلاً ضرير البصر. قوله: ((أصبحت))، أي: قاربت الصباح، لأن قرب الشيء قد يعبر عنه كما في قوله تعالى: ﴿فإذا بلغن أجلهن﴾ [البقرة: ٢٣٤، والطلاق: ٢]. أي: قاربن لأن العدة إذا تمت فلا رجعة، و: كان فيه تامة، فلا تحتاج إلى خبر، فهذا التفسير يدفع إشكال من يقول إنه جعل أذانه غاية للأكل فلو لم يؤذن حتى يدخل الصباح للزم منه جواز الأكل بعد طلوع الفجر، والإجماع على خلافه إلاّ ما روي عن سليمان الأعم جوازه بعد طلوع الفجر ولا يعتد به. فإن قيل: يشكل على هذا ما رواه البيهقي من حديث الربيع بن سليمان عن ابن وهب عن يونس، والليث جميعاً عن ابن شهاب. وفيه: ((ولم يكن يؤذن حتى يقول الناس حين ينظرون إلى بزوغ الفجر: أذن)). وكذا رواية البخاري في الصيام: ((حتى يؤذن ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر)). وأيضاً، فإن قوله: ((إن بلالاً يؤذن بليل)) يشعر أن ابن أم مكتوم بخلافه، ولأنه لو كان قبل الصبح لم يكن بينه وبين بلال فرق لصدق أن كلاً منهما أذن قبل الوقت، وأجيب بأن المراد بالبزوغ ابتداء طلوع الفجر، فيكون أذانه علامة لتحريم الأكل، والظاهر أنه كان يراعي له الوقت، والدليل عليه ما رواه أبو قرة من وجه آخر عن ابن عمر حديثا فيه، وكان ابن أم مكتوم يتوخى الفجر فلا يخطئه، ولا يكون توخي الأعمى في مثل هذا إلاَّ من كان له من يراعي الوقت. وأجاب بعضهم بأنه لا يلزم من كون المراد بقولهم: أصبحت، أي: قاربت الصباح، وقوع أذانه قبل الفجر، لاحتمال أن يكون قولهم ذلك وقع في آخر جزء من الليل، وأذانه يقع في أول جزء من طلوع الفجر. انتهى. قلت: هذا بعيد جداً. والمؤقت الحاذق في علمه يعجز عن تحرير ذلك. ذكر ما يستفاد منه: احتج به الأوزاعي وعبد الله بن المبارك ومالك والشافعي وأحمد وأسحاق وداود وابن جرير الطبري فقالوا: يجوز أن يؤذن للفجر قبل دخول وقته، وممن ذهب إليه: يوسف، واحتجوا أيضاً بما رواه البخاري عن عائشة عن النبي، عَّ له، أنه قال: ((إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم)). على ما يجيء، ورواه مسلم والنسائي أيضاً ولفظه: ((إذا أذن بلال فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم))، فإن قلت: روى ابن خزيمة في (صحيحه) من حديث أنيسة بنت خبيب، قالت: قال رسول الله عَّ له: ((إذا أذن ابن أم مكتوم فكلوا واشربوا وإذا أذن بلال فلا تأكلوا ولا تشربوا. وإن كانت المرأة منا ليبقى عليها شيء من سحورها فتقول لبلال: أمهل حتى أفرغ من سحوري)). وروى الدارمي من حديث الأسود: ((عن عائشة قالت: كان لرسول الله ثلاثة مؤذنين: بلال وأبو محذورة وعمرو ابن أم مكتوم، فقال رسول الله عَّ له: إذا أذن عمرو فإنه ضرير البصر فلا يغرنكم، وإذا أذن بلال فلا يطعمن أحد)). وروى النسائي أيضاً: عن يعقوب عن هشيم عن منصور عن خبيب ابن عبد الرحمن عن عمته أنيسة نحو حديث ابن خزيمة. قلت: يجوز أن يكون النبي عَ لّه قد جعل الأذان بالليل نوباً بين بلال وعمرو، فأمر في بعض الليالي بلالاً أن يؤذن أولاً بالليل، فإذا ١٩١ ١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (١١) نزل بلال صعد عمرو فأذن بعده بالنهار، فإذا جاءت نوبة عمرو بدی فأذن بليل فإذا نزل صعد بلال فأذن بعده بالنهار، وكانت مقالة النبي عَ لّه: إن بلالاً يؤذن بليل في الوقت الذي كانت النوبة لبلال في الأذان بالليل، وكانت مقالته عَّ له: إن ابن مكتوم يؤذن بليل في الوقت الذي كانت النوبة في الأذان بالليل نوبة ابن أم مكتوم، فكان عَّ يعلم الناس في كلا الوقتين أن الأذان الأول منهما هو أذان بليل لا بنهار، وأنه لا يمنع من أراد الصوم طعاماً ولا شراباً، وإن الأذان الثاني إنما يمنع المطعم والمشرب، إذ هو بنهار لا بليل. وقال الثوري وأبو حنيفة ومحمد وزفر بن الهذيل: لا يجوز أن يؤذن للفجر أيضاً إلاَّ بعد دخول وقتها، كما لا يجوز لسائر الصلوات إلاَّ بعد دخول وقتها، لأنه للإعلام به، وقبل دخوله تجهيل وليس بإعلام، فلا يجوز. وأما الجواب عن أذان بلال الذي كان يؤذن بالليل قبل دخول الوقت فلم يكن ذلك لأجل الصلاة، بل إنما كان ذلك لينتبه النائم وليتسحر الصائم، وليرجع الغائب، بين ذلك ما رواه البخاري من حديث ابن مسعود عن النبي عَّ له قال: ((لا يمنعن أحدكم - أو واحداً منكم - أذان بلال من سحوره، فإنه يؤذن - أو ينادي - بليل ليرجع غائبكم ولينتبه نائمكم ... )) الحديث على ما يأتي عن قريب إن شاء الله تعالى، وأخرجه مسلم أيضاً. وأخرجه الطحاوي من ثلاث طرق، ولفظه: ((لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره، فإنه ينادي - أو يؤذن - ليرجع غائبكم ولينتبه نائمكم)). الحديث، ومعنى: (ليرجع غائبكم)): ليرد غائبكم من الغيبة، ورجع يتعدى بنفسه ولا يتعدى، والرواية المشهورة: ((ليرجع قائمكم)) من: القيام، ومعناه: ليكمل ويستعجل بقية ورده، ويأتي بوتره قبل الفجر. وقال عياض ما ملخصه: ما قاله الحنفية بعيد إذ لم يختص هذا بشهر رمضان، وإنما أخبر عن عادته في أذانه، ولأنه العمل المنقول في سائر الحول بالمدينة، وإليه رجع أبو يوسف حين تحققه، ولأنه لو كان للسحور لم يختص بصورة الأذان للصلاة. قلت: هذا الذي قاله بعيد لأنهم لم يقولوا بأنه مختص بشهر رمضان، والصوم غير مخصوص به، فكما أن الصائم في رمضان يحتاج إلى الإيقاظ لأجل السحور، فكذلك الصائم في غيره، بل هذا أشد لأن من يحيي ليالي رمضان أكثر ممن يحيي ليالي غيره، فعلى قوله: إذا كان أذان بلال للصلاة كان ينبغي أن يجوز أداء صلاة الفجر به، بل هم يقولون أيضاً بعدم جوازه، فعلم أن أذانه إنما كان لأجل إيقاظ النائم، ولإرجاع القائم. ومن أقوى الدلائل على أن أذان بلال لم يكن لأجل الصلاة ما رواه الطحاوي من حديث حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع: ((عن ابن عمر، رضي الله تعالى عنهم: أن بلالاً أذن قبل طلوع الفجر، فأمره النبي عَ لّه، أن يرجع فينادي: ألا إن العبد نام، فرجع فنادى: ألا إن العبد نام)). وأخرجه أبو داود أيضاً، فهذا ابن عمر روى هذا، والحال أنه روى عن النبي عَّ له أنه قال: ((إن بلالاً ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم))، فثبت بذلك أن ما كان من ندائه قبل طلوع الفجر لم يكن للصلاة. فإن قلت: قال الترمذي: حديث حماد بن سلمة غير محفوظ، والصحيح هو حديثه ١٩٢ ١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (١١) الذي فيه: ((إن بلالاً ينادي بليل ... )) إلى آخره؟ قلت: ما قاله: لا يكون محفوظاً، صحيحاً، لأنه لا مخالفة بين حديثيه، لأنا قد ذكرنا أن حديثه الذي رواه غير حماد إنما كان لأجل إيقاظ النائم وإرجاع القائم، فلم يكن للصلاة. وأما حديث حماد فإنه كان لأجل الصلاة فلذلك أمره بأن يعود وينادي: ((ألا إن العبد نام))، ومما يقوي حديث حماد ما رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس، رضي الله تعالى عنه: ((أن بلالاً أذن قبل الفجر فأمره النبي عَّه أن يصعد فينادي: إن العبد نام)). رواه الدارقطني ثم قال: تفرد به أبو يوسف عن سعيد، وغيره يرسله، والمرسل أصح. قلت: أبو يوسف ثقة، وهم وثقوه، والرفع من الثقة زيادة مقبولة، ومما يقويه حديث حفصة بنت عمر، رضي الله تعالى عنهما: ((أن رسول الله عٍَّ كان إذا أذن المؤذن بالفجر قام فصلى ركعتي الفجر، ثم خرج إلى المسجد وحرم الطعام، وكان لا يؤذن حتى يصبح)). رواه الطحاوي والبيهقي: فهذه حفصة تخبر أنهم كانوا لا يؤذنون للصلاة إلاَّ بعد طلوع الفجر. فإن قلت: قال البيهقي: هذا محمول - إن صح - على الأذان الثاني، وقال الأثرم: رواه الناس عن نافع عن ابن عمر عن حفصة، ولم يذكروا فيه ما ذكره عبد الكريم عن نافع. قلت: كلام البيهقي يدل على صحة الحديث عنده، ولكنه لما لم يجد مجالاً لتضعيفه ذهب إلى تأويله، وعبد الكريم الجزري ثقة، أخرج له الجماعة وغيرهم، فمن كان بهذه المثابة لا ينكر عليه إذا ذكر ما لم يذكره غيره. وقال الطحاوي: يحتمل أن يكون بلال كان يؤذن في وقت يرى أن الفجر قد طلع فيه، ولا يتحقق لضعف في بصره، والدليل على ذلك ما رواه أنس قال: قال رسول الله عَ له: ((لا يغرنكم أذان بلال، فإن في بصره شيئاً). وقد ذكرناه فيما مضى، وأخرج الطحاوي أيضاً تأكيداً لذلك عن أبي ذر، رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله عَ لَّه لبلال: ((إنك تؤذن إذا كان الفجر ساطعاً وليس ذلك الصبح، إنما الصبح هكذا معترضاً)) والمعنى: أن بلالاً كان يؤذن عند طلوع الفجر الكاذب الذي لا يخرج به حكم الليل، ولا تحل به صلاة الصبح، ومما يدل حديث الباب على استحباب أذان واحد بعد واحد. وأما أذان اثنين معاً فمنع منه قوم، وقالوا: أول من أحدثه بنو أمية. وقال الشافعية: لا يكره إلاّ إن حصل منه تهويش. وقال ابن دقيق العيد: وأما الزيادة على الإثنين فليس في الحديث تعرض إليه. ونص الشافعي على جوازه، ولفظه: ولا يضيق إن أذن أكثر من اثنين. وفيه: جواز تقليد الأعمى للبصير في دخول الوقت، وصحح النووي في كتبه: أن الأعمى والبصير اعتماد المؤذن الثقة. وفيه: الاعتماد على صوت المؤذن والاعتماد عليه أيضاً في الرواية إذا كان عارفاً به، وإن لم يشاهد الراوي. وفيه: استحباب السحور وتأخيره. وفيه: جواز العمل بخبر الواحد. وفيه: أن ما بعد الفجر في حكم النهار. وفيه جواز ذكر الرجل بما فيه من العاهة إذا كان لقصد التعريف. وفيه جواز نسبة الرجل إلى أمه إذا اشتهر بذلك. وفيه: جواز التكنية للمرأة. ١٩٣ ١٠ - كِتَابُ الأَذَّانِ / باب (١٢) ١٢ - بابُ الأَذَانِ بَعْدَ الفَجْرِ أي: هذا باب في الأذان المعتبر الواقع بعد طلوع الفجر، وقدم هذا الباب على الباب الذي يليه لكونه أصلاً، لأن الأذان المعتبر هو الذي يكون بعد دخول الوقت، ولأن الأذان الواقع بعد طلوع الفجر لا خلاف فيه، بخلاف الأذان الذي قبله. ٦١٨/١٥ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنْ نافِع عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ قالَ أَخْبَرَتْنِي حَفْصَةُ أنَّ رسولَ الله عَ لِّ كَانَ إِذَا اعْتَكَفَ المُؤَذِّنُ لِلصَّبْحِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ أنْ تُقَامَ الصَّلاَةُ. [الحديث ٦١٨ - طرفاه في: ١١٧٣، ١١٨١]. وجه مطابقة هذا الحديث للترجمة لا يستقيم إلاَّ على ما رواه الجماعة عن مالك: ((كان إذا سكت المؤذن صلى ركعتين خفيفتين)). لأنه يدل على أن ركوعه كان متصلاً بأذانه، ولا يجوز أن يكون ركوعه إلا بعد الفجر، فلذلك كان الأذان بعد الفجر، وعلى هذا المعنى حمله البخاري وترجم عليه: باب الأذان بعد الفجر. ذكر رجاله: وهم خمسة، تكرر ذكرهم. وفي الإسناد: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، والإخبار كذلك في موضع، وبصيغة الإفراد من الفعل المؤنث في موضع وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في موضعين، والرواة مدنيون ما خلا عبد الله. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الصلاة عن سليمان ابن حرب وعن مسدد عن يحيى. وأخرجه مسلم فيه عن يحيى بن يحيى عن مالك به. وعن قتيبة ومحمد بن رمح وعن زهير بن حرب وعبيد الله بن سعيد وعن زهير عن إسماعيل بن علية وعن أحمد بن منيع وعن قتيبة عن مروان. وأخرجه النسائي فيه عن أحمد بن عبد الله ابن الحكم وعن إسحاق بن منصور وعن شعيب وعن هشام بن عمار وعن يحيى بن محمد وعن محمد بن عبد الله وعن محمد بن سلمة وعن إسماعيل بن مسعود وعن إسحاق بن إبراهيم عن عبد الرزاق. وأخرجه ابن ماجه عن محمد بن رمح به. ذكر معناه: قوله: ((كان إذا اعتكف المؤذن للصبح))، هكذا رواه عبد الله بن يوسف عن مالك، وهكذا هو عند جمهور الرواة من البخاري، وخالف عبد الله سائر الرواة عن مالك، فروره: ((كان إذا سكت المؤذن من الأذان لصلاة الصبح))، وهكذا رواه مسلم وغيره، وهو الصواب: وقال ابن قرقول: رواية الأصيلي والقابسي وأبي ذر: ((كان النبي عَّلَّ إذا اعتكف المؤذن للصبح وبدا الصبح ركع ركعتين)). وقال القابسي: معنى اعتكف هنا: انتصب قائماً للأذان، كأنه من ملازمة مراقبة الفجر، وفي رواية الهمداني: ((كان إذا أذن المؤذن)). وعند النسفي: ((كان إذا اعتكف أذن المؤذن للصبح))، وقال بعضهم: وقد أطلق جماعة من الحفاظ القول: بأن الوهم فيه من عبد الله بن يوسف شيخ البخاري. انتهى. قلت: الحاصل ههنا خمس روايات، ولكلها وجه فلا يحتاج إلى نسبة الوهم إلى أحد منهم. الرواية الأولى: رواية عبد الله بن يوسف كان إذا اعتكف المؤذن للصبح، ومعنى اعتكف قد مر الآن. والثانية: إذا عمدة القاري / ج ٥ / م١٣ ١٩٤ ١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (١٢) سكت المؤذن، وهي ظاهرة لا نزاع فيها. والثالثة: كان إذا أذن المؤذن، وهي أيضاً ظاهرة كذلك. والرابعة: كان إذا اعتكف أذن المؤذن، يعني إذا اعتكف النبي عَّهِ، وجواب: إذا هو قوله: ((صلى ركعتين))، وقوله: ((أذن المؤذن))، جملة وقعت حالاً بتقدير: قد، كما في قوله تعالى: ﴿أوجاؤوكم حصرت صدورهم﴾ [النساء: ٩٠]، أي: قد حصرت. الخامسة: ((كان إذا اعتكف وأذن المؤذن)). وكذلك الضمير في: اعتكف، ههنا يرجع إلى النبي عَّهِ. وقوله: ((وأذن)) عطف عليه. فإن قلت: على هذا يلزم أن يكون هذا مختصاً بحال اعتكافه عٍَّ، وليس كذلك؟ قلت: الملازمة ممنوعة لأنه يحتمل أن حفصة راوية الحديث المذكور قد شاهدت النبي عَ ◌ّم في ذلك الوقت، وهو في الاعتكاف، ولا يلزم من ذلك أن يكون عَّه في كل هذا الوقت في الاعتكاف. فافهم. قوله: ((وبدا الصبح))، بالباء الموحدة، فعل ماض من: البدو، وهو الظهور، أَسند إلى الصبح وهو فاعله، و:الواو، فيه واو الحال لا واو العطف، وقال الكرماني: وفي بعض الروايات: ونداء الصبح، بالنون من المناداة. قال: وهو الأصح. وقال بعضهم: ظن أنه معطوف على قوله: ((للصبح))، فيكون التقدير: لنداء الصبح، وليس كذلك، فإن الحديث في جميع النسخ من (الموطأ) والبخاري ومسلم وغيرها: بالباء الموحدة. قلت: لكلام الكرماني وجه من جهة التركيب والإعراب، وأما من جهة الرواية فيحتاج إلى البيان، ومع هذا كونه بالباء الموحدة في جميع النسخ من (الموطأ) والبخاري ومسلم لا يستلزم نفيها بالنون عند غيرها، قوله: ((قبل أن تقام)) كلمة: أن، مصدرية أي: قبل قيام الصلاة، وهي الفرض. ومما يستفاد منه: أن سنة الصبح ركعتان وأنهما خفيفتان، وأن وقت صلاة الفجر بعد طلوع الفجر، ولو صلى الفرض قبله لم يجز، وعلى هذا ترجم البخاري، رحمه الله. ٦١٩/١٦ - حدّثنا أَبُو نُعَيْمِ قال حدّثنا شَيْبَانُ عَنْ يَحيى عنْ أبي سَلمَةَ عنْ عَائِشَةً كانَ النَّبِيُّ عََّهِ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ بَيْنَ النِّدَاءِ والإِقَامَةِ مِنْ صَلاَةِ الصُّبْحِ. [الحديث ٦١٩ - طرفه في: ١١٥٩]. وجه مطابقة الحديث للترجمة بطريق الإشارة، وهو أن صلاته معَّ لّم، بهاتين الركعتين بين الأذان والإقامة يدل على أنه صلاهما بعد طلوع الفجر، وأن النداء أيضاً بعد طلوع الفجر، وهو الأذان بعد الفجر، فطابق الترجمة. ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: أبو نعيم، بضم النون، وهو الفضل بن دكين. الثاني: شيبان بن عبد الرحمن التيمي. الثالث: يحيى بن أبي كثير. الرابع: أبو سلمة، بفتح اللام: بن عبد الرحمن بن عوف، رضي الله تعالى عنه. الخامس: عائشة أم المؤمنين. والحديث أخرجه مسلم أيضاً عن محمد بن المثنى. قوله: ((بين النداء)) أي: الأذان. ١٧/ ٦٢٠ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قالَ أَخْبَرَنا مالِكٌ عَنْ عَبْدِ الله بنِ دِينَارٍ عنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ الله عَ لَّهِ قال إنَّ بِلالاً يُنَادِي بِلَيْلٍ فَكُلُوا واشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِي ١٩٥ ١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (١٣) ابنُ أمِّ مَكْتُومٍ [انظر الحديث ٦١٧ وأطرافه]. قد مر هذا الحديث قبل هذا الباب. أخرجه البخاري: عن عبد الله بن مسلمة عن مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه، الحديث. وقد استوفينا الكلام فيه هناك، وقال ابن عبد البر: هذا الإسناد لم يختلف عن مالك فيه، ووجه مطابقته للترجمة بطريق الإشارة أيضاً، لأن قوله: ((حتى ينادي ابن أم مكتوم))، يقتضي أن نداءه حين يطلع الفجر، لأنه لو كان قبله لم يكن فرق بين أذانه وأذان بلال. قوله: ((ينادي))، أي: يؤذن، والباء في: بليل، للظرفية. ١٣ - بابُ الأُذَانِ قَبْلَ الفَجْرِ أي: هذا باب في بيان حكم الأذان قبل طلوع الفجر، هل هو مشروع أم لا؟ وإذا شرع، هل يكتفي به عن إعادة الأذان بعد الفجر أم لا؟ وميل البخاري إلى الإعادة بدليل إيراده الأحاديث في هذا الباب الدالة على الإعادة، وقد بينا المذاهب فيه منفصلة فيما مضى. ٦٢١/١٨ - حدّثنا أحمَدُ بنُ يُونُسَ قال حدّثنا زُهَيْرٌ قال حدّثنا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ عنِ أبي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عنْ عَبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ عن النبيِّ عَ لَّهِ قال لا يَمْتَعَنَّ أَحَدَكُمْ أو أُحَداً مِنْكُمْ أَذَانُ بِلالٍ مِنْ سَحُورِهٍ فإِنَّهُ يُؤَذِّنُ أوْ يُنَادِي بِلَيْلٍ لِيَرْجِعَ قائِمَكُمْ ولِهِنَّهَ نائِمَكُمْ وَلَيْسَ أن يَقُولَ الفَجْرُ أو الصُّبْحُ وقال بِأَصابِعِهِ وَرَفَعَهَا إلَى فَوْقُ وطَأْطَأْ إلى أَسْفَلُ حَتَّى يَقولَ هكذَا وقال زُهَيْرٌ بِسَبَّابَتَيْهِ إِحْدَاهُمَا فَوْقَ الأخْرَى ثُمَّ مَدَّهُمَا عَنْ يَمِنِهِ وعنْ شِمَالِهِ. [الحديث ٦٢١ - طرفاه في: ٥٢٩٨، ٧٢٤٧]. مطابقته للترجمة ظاهرة، وهي أن أذان بلال كان قبل الفجر، لأنه أخبر أنه كان يؤذن بليل، يعني: قبل طلوع الفجر. ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: أحمد بن يونس المعروف بشيخ الإسلام. الثاني: زهير بن معاوية الجعفي. الثالث: سليمان بن طرخان التيمي البصري. الرابع: أبو عثمان عبد الرحمن بن مل النهدي، بفتح النون، وقد مر الكلام فيه: في: باب الصلاة كفارة. الخامس: عبد الله بن مسعود. ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: القول في موضعين. وفيه: أحد الرواة من المخضرمين وهو أبو عثمان. وفيه: رواية التابعي عن التابعي وهما: سليمان وأبو عثمان. وفيه: أن شيخ البخاري منسوب إلى جده، وهو أحمد بن عبد الله بن يونس التميمي اليربوعي. وفيه: أن الاثنين الأولين. من الرواة كوفيان والإثنان الآخران بصريان. وفيه: عن أبي عثمان بالعنعنة، وفي رواية ابن خزيمة من طريق معتمر بن سليمان عن أبيه حدّثنا أبو عثمان. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الطلاق عن القعنبي ١٩٦ ١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (١٣) عن يزيد بن زريع، وفي خبر الواحد عن مسدد عن يحيى القطان. وأخرجه مسلم في الصوم عن زهير بن حرب وعن محمد بن نمير وعن أبي بكر بن أبي شيبة، وعن إسحاق بن إبراهيم. وأخرجه أبو داود فيه عن أحمد بن يونس به، وعن مسدد به، وأخرجه النسائي فيه عن عمرو ابن علي عن يحيى به، وفي الصلاة عن إسحاق بن إبراهيم. وأخرجه ابن ماجه في الصلاة عن یحیی بن حکیم. ذكر معناه: قوله: ((لا يمنعن أحدكم)) بنصب: أحدكم، وفاعله هو قوله: ((أذان بلال)). قوله: ((أو: أحداً منكم))، شك من الراوي، وقال صاحب (التلويح) يحتمل أن يكون هذا الشك من زهير، فإن جماعة رووه عن سليمان التيمي فقالوا: لا يمنعن أحدكم أذان بلال. وقال الكرماني: أو واحداً منكم، ثم قال: هل فرق بين أحدكم أو واحداً منكم؟ قلت: كلاهما عام، لكن الأول من جهة أنه اسم جنس مضاف، والثاني: لأنه نكرة في سياق النفي. انتهى. قلت: الفرق بين أحد وواحد من جهة المعنى: أن أحداً يرجع إلى الذات، وواحداً يرجع إلى الصفات. قوله: ((من سَحوره))، بفتح السين، وهو ما يتسحر به، وبضمها التسحر كالوضوء والوضوء، وفي بعض النسخ: من، سحره، ولم أعلم صحته. قوله: ((فإنه)) أي: فإن بلالاً يؤذن بليل أو ينادي، شك من الراوي ومعناهما واحد. قوله: ((بليل)) أي في ليل. قوله: ((ليرجع))، بفتح الياء وكسر الجيم المخففة، يستعمل هذا لازماً ومتعدياً. تقول: رجع زيد ورجعت زيداً، وههنا متعدٍ وفاعله: بلال. قوله: ((قائمكم))، بالنصب مفعوله، ومعناه: يرد القائم أي المتهجد إلى راحته ليقوم إلى صلاة الصبح نشيطاً، أو يكون له حاجة إلى الصيام فيتسحر. وقال الكرماني: ليرجع، إما من الرجوع وإما من الرجع. وقائمكم، مرفوع أو منصوب؟ قلت: فهم منه أنه جوز الوجهين ههنا: أحدهما كون ليرجع لازماً، ويكون قائمكم فاعله مرفوعاً، والآخر: يكون متعدياً، ويكون قائمكم منصوباً على أنه مفعول له. قوله: ((ولينبه)) من التنبيه أي: وليوقظ نائمكم. وقال الكرماني: ولينبه من التنبيه وهو الإنباه، وفي بعضها: ولينتبه من الانتباه. قلت: جوز الوجهين فيه أيضاً، ثم قال: معناه أنه إنما يؤذن بالليل ليعلمكم أن الصبح قريب، فيرد القائم المتهجد إلى راحته لينام لحظة ليصبح نشيطاً ويوقظ نائمكم ليتأهب للصبح بفعل ما أراده من تهجد قليل أو تسحر أو اغتسال. قلت: أو الإيتار إن كان نام عن الوتر، وهذا كما ترى جوز الكرماني الوجهين في كل واحد من قوله: ((ليرجع)) و((لينبه)) ولم يبين أنهما رواية أم لا، والظاهر أنه تصرف من جهة المعنى. وقال بعضهم: من روى ليرجع قائمكم، من الترجيع يعني: بضم الياء وتشديد الجيم فقد أخطأ. قلت: إن كان خطؤه من جهة الرواية فيمكن، وإلا فمن جهة المعنى فليس بخطأ، وتعليل هذا القائل الخطأ بقوله فإنه يصير من الترجيع، وهو الترديد وليس بمراد هنا فيه نظر، لأن الذي روى من الترجيع له أن يقول: ما أردت به الترديد، وإنما أردت به التعدية، فإن رجع الذي هو لازم يجوز تعديته بالتضعيف كما في سائر الألفاظ اللازمة. قوله: ((وليس أن يقول)) بالياء آخر الحروف، وهذا من كلام الرسول عَ له أي: قال عَ له: ليس الفجر أو الصبح على ١٩٧ ١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (١٣) الشك من الراوي، أن يقول الشخص هكذا، وأشار بإصبعيه ورفعهما إلى فوق وطأطأ إلى أسفل، وأشار به النبي عَّ له إلى الفجر الكاذب، وهو الضوء المستطيل من العلو إلى السفل، وهو من الليل، ولا يدخل به وقت الصبح، ويجوز فيه التسحر ونحوه. قوله: ((حتى يقول)»، هكذا إلى آخره إشارة إلى الصبح الصادق، وقد فسر زهير الراوي الصادق بقوله بسبابتيه إلى آخره. واعلم أن قوله: ((الفجر)) اسم: ليس، وخبره هو قوله: ((أن يقول)) ومعنى القول بالأصابع: الإشارة بها، قوله: ((بأصابعه)) بلفظ الجمع رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني: ((بإصبعيه))، وقال الكرماني: ويروى: ((بإصبعه))، بلفظ المفرد، ولم يذكره غيره. وفي الأصبع عشر لغات: فتح الهمزة، وضمها، وكسرها، وكذلك الباء فهذه تسع لغات، والعاشر الأصبوع، والسبابة من الأصابع التي تلي الإبهام، وسميت بذلك لأن الناس يشيرون بها عند الشتم. قوله: ((إلى فوق)) روي مبنياً على الضم على نية الإضافة، ومنوناً بالجر على عدم نيتها، وهكذا حكم الأسفل لكنه غير منصرف فجره بالفتح، وكذا سائر الظروف التي تقطع عن الإضافة، وقرىء بهما في قوله تعالى: ﴿لله الأمر من قبل ومن بعد﴾ [الروم: ٤]. قوله: ((وطأطأ) على وزن: دحرج، أي: خفض إصبعيه إلى أسفل، وهذا هو الإشارة إلى كيفية الصبح الصادق، وفي رواية الإسماعيلي من طريق عيسى بن يونس عن سليمان قال: الفجر ليس هكذا، ولكن الفجر هكذا واختلفت ألفاظ الرواة في هذا فقال بعضهم وأخصر ما وقع فيها رواية جرير عن سلمان عند مسلم ((ليس الفجر المعترض ولكن المستطيل)). قلت: رواية مسلم: ((لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال، ولا بياض الأفق المستطيل، هكذا، حتى يستطير هكذا)). وحكاه حماد بن زيد، وقال: يعني معترضاً. وفي رواية أبي الشيخ من طريق شعبة عن سوادة: سمعت سمرة يخطب، قال رسول الله عَّ له: ((لا يغرنكم أذان بلال، ولا هذا البياض حتى يبرق الفجر أو ينفجر الفجر)). ذكر ما يستفاد منه فيه: أن الأذان الذي كان يؤذن به بلال، رضي الله تعالى عنه، كان لرجع القائم وإيقاظ النائم، وبه قال أبو حنيفة. قال: ولا بد من أذان آخر، كما فعل ابن أم مكتوم، وهو قول النووي أيضاً، وقد ذكرنا اختلاف العلماء فيه فيما مضى، وقال أبو الفتح القشيري: الذين قالوا بجواز الأذان للصبح قبل دخول الوقت اختلفوا في وقته، فذكر بعض الشافعية أنه يكون في وقت السحر بين الفجر الصادق والكاذب، ويكره التقديم على ذلك الوقت، وعند البعض: يؤذن عند انقضاء صلاة العتمة من نصف الليل، وقيل: عند ثلث الليل، وقيل: عند سدسه الآخر. وقال أبو يوسف وأحمد ومالك في قول الجواز: من نصف الليل، وهو الأصح من أقوال أصحاب الشافعي، رضي الله تعالى عنه. والقول الثاني: عند طلوع الفجر في السحر، وقال النووي: وبه قطع البغوي وصححه القاضي حسين والمتولي. والثالث: يؤذن لها في الشتاء لسبع يبقى من الليل، وفي الصيف لنصف سبع يبقى. والرابع: من ثلث الليل آخر ١٩٨ ١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (١٣) الوقت المختار. والخامس: جميع الليل وقت لأذان الصبح، حكاه إمام الحرمين، وقال: لولا حكاية أبي علي له، وأنه لم ينقل إلاّ ما صح عنده لما استجزت نقله، وكيف يحسن الدعاء لصلاة الصبح في وقت الصبح في وقت الدعاء للمغرب؟ والسرف في كل شيء مطروح، وأما السبع ونصف السبع فحديث باطل عند أهل الحديث، وإنما رواه الشافعي عن بعض أصحابه عن الأعرج عن إبراهيم بن محمد عن عمارة عن أبيه عن جده عن سعيد القرظي، وهو مخالف لمذهبه فإنه قال: كان أذاننا في الشتاء لسبع ونصف السبع يبقى من الليل، وفي الصيف لسبع يبقى منه، وقال ابن الأثير في (شرح المسند)، وتقديم الأذان على الفجر مستحب، وبه قال مالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود وأبو يوسف. وقال بعضهم: ادعى بعض الحنفية كما حكاه السروجي عنهم أن النداء قبل الفجر لم يكن بألفاظ الأذان، وإنما كان تذكيراً أو تسخيراً، كما يقع للناس اليوم، وهذا مردود لأن الذي يصنعه الناس اليوم محدث قطعاً، وقد تظافرت الطرق على التعبير بلفظ الأذان فحمله على معناه الشرعي مقدم. قلت: لفظ الأذان يتناول معناه اللغوي والشرعي، وقد قام دليل من الشارع أن المراد من أذان بلال ليس معناه الشرعي، وهو أذان ابن أم مكتوم، إذ لو لم يكن كذلك لم يوجد الفرق بين أذانيهما، والحال أن الشارع فرق بينهما، وقد قال: أن أذان بلال لإيقاظ النائم ولرجع القائم، وقال لهم: لا يغرنكم أذان بلال. وجعل أذان ابن أم مكتوم هو الأصل كما قررناه فيما مضى، وتظافر الطرق لا يصادم ما ذكرناه. وفيه: بيان الفجر الكاذب والصادق. وفيه: زيادة الإيضاح بالإشارة تأكيداً للتعليم، وقال المهلب يؤخذ منه أن الإشارة تكون أقوى من الكلام. ١٩ /٦٢٢ - ٦٢٣ - حدثنا إسحاقُ قال أخبرنا أَبُو أُسامةَ قال عُبَيْدُ الله حدّثنا عَنِ الفَاسِمِ بنِ مُحَمَّدٍ عن عائِشَةَ وعن نافع عن ابنِ عُمَرَ أَنَّ رسولَ الله عَ لَّه قال ح وحدَّثني يُوسُفُ بنُ عِيسَى المَرُوزِيُّ قال حدّثنا الْفَضْلُ قال حدّثنا عُبَيْدُ اللهِ بنُ عُمَرَ عنِ القَّاسِمِ بنِ مُحَمَّدٍ عِن عَائِشَةَ عنِ النَّبِيِّ عَ لّهِ أَنَّهُ قال إنَّ بِلاَلاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابنُ أُمّ مَكْتُومٍ. [الحديث ٦٢٢ - طرفه في: ١٩١٩] [انظر الحديث ٦١٧ وأطرافه]. مطابقته للترجمة ظاهرة، وهو أذان بلال في الليل قبل دخول وقت الفجر. ذكر رجاله: وهم تسعة: الأول: إسحاق غير منسوب، وزعم الجياني أن إسحاق عن أبي أسامة يحتمل أن يكون إسحاق بن إبراهيم الحنظلي أو إسحاق بن منصور الكوسج، أو إسحاق بن نصر السعدي وزعم الحافظ أبو الحجاج الدمشقي في (أطرافه): أنه إسحاق بن إبراهيم، ووجد بخط الحافظ الدمياطي على حاشيته الصحيح: أن إسحاق هذا هو ابن شاهين الواسطي. وقال بعضهم أما ما وقع بخط الدمياطي بأنه ابن شاهين، فليس بصواب، لأنه لا ١٩٩ ١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (١٣) يعرف له عن أبي أسامة شيء. قلت: عدم معرفته بعدم رواية ابن شاهين عن أبي أسامة لا يستلزم العدم مطلقاً، وجهل الشخص بشيء لا يستلزم جهل غيره به. قلت: هذا الالتباس قدح في الأسناد؟ قلت: لا، لأن أياً كان منهم فهو عدل ضابط بشرط البخاري. الثاني: أبو أسامة، وهو حماد بن أسامة وقد تقدم. الثالث: عبيد الله، بتصغير العبد، وهو: عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب المدني العمري العدوي القريشي، وقد تقدم. الرابع: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه، وقد تقدم. الخامس: نافع مولى ابن عمر. السادس: يوسف بن عيسى أبو يعقوب المروزي، وقد تقدم. السابع: الفضل ابن موسى السيناني، وسينان بكسر السين المهملة، قرية من قرى مرو. الثامن: عائشة أم المؤمنين. التاسع: عبد الله بن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنهما. ذكر لطائف إسناده منها: أنه أخرج هذا الحديث عن عبيد الله بن عمر من وجهين ذكر له في أحدهما إسنادين: نافع عن ابن عمر، والقاسم عن عائشة. والوجه الثاني: اقتصر فيه على القاسم عن عائشة. ومنها أن فيه: التحديث بصيغة الإفراد عن إسحاق وعن يوسف، ويروى بصيغة الجمع أيضاً في ثلاثة مواضع: عبيد الله عن القاسم، والفضل عن عبيد الله، ويوسف عن الفضل. ومنها أن فيه: الإخبار بصيغة الجمع إسحاق عن أبي أسامة. ومنها أن فيه: العنعنة في سبعة مواضع، وهو ظاهر لا يخفى. وفيه: القول في أربعة مواضع بعد إسحاق وبعد أبي أسامة وبعد يوسف وبعد الفضل. قوله: ((قال عبيد الله: حدّثنا عن القاسم)) فاعل: قال، هو أبو أسامة، وعبيد الله هو القائل بقوله: حدّثنا. وفيه: تقديم وتأخير، وأصل التركيب: قال أبو أسامة: حدّثنا عبيد عن القاسم، وكأنه راعى لفظ شيخه ولم يذكره على الأصل. قوله: ((وعن نافع))، عطف على القاسم أي: قال عبيد الله عن نافع أيضاً، ومنها أن فيه كلمة: (ح) في أكثر النسخ، وهي إشارة إلى التحويل من إسناد إلى إسناد آخر قبل ذكر متن الحديث، أو إشارة إلى الحائل أو إلى الحديث، وقد مر في الكتاب مثل هذا في غير موضع. قوله: ((حتى يؤذن)) وفي رواية الكشميهني: ((حتى ينادي))، وقد أورده البخاري في الصيام بلفظ: ((يؤذن))، وفي آخره: ((فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر)). قال القاسم: لم يكن بين أذانهما إلاَّ أن يرقى هذا وينزل هذا. فإن قلت: هذا مرسل. لأن القاسم تابعي فلم يدرك القصة المذكورة. قلت: ثبت عند الطحاوي من رواية يحيى القطان، وعند النسائي من رواية حفص بن غياث، كلاهما عن عبيد الله بن عمر عن القاسم عن عائشة، فذكر الحديث، ((قالت: فلم يكن بينهما إلاَّ أن ينزل هذا ويصعد هذا)). وعلى هذا فمعنى قوله: في رواية البخاري، قال القاسم، أي: في روايته عن عائشة، رضي الله تعالى عنها. ذكر بقية الكلام قد مر عن قريب: قال الكرماني: قالت الحنفية: لا يسن الأذان قبل وقت الصبح. قال الطحاوي: إن ذلك النداء من بلال لينبه النائم ويرجع القائم لا للصلاة، وقال غيره: إنه كان نداء لا أذاناً، كما جاء في بعض الروايات أنه كان ينادي. أقول للشافعية: ٢٠٠ ١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (١٤) أن يقولوا: المقصود بيان أن وقوع الأذان قبل الصبح، وتقرير الرسول عَّه له، وأما أنه للصلاة أو لغرض آخر، فذلك بحث آخر. وأما رواية: ((كان ينادي))، فمعارض برواية: ((كان يؤذن)) والترجيح معنا لأن كل أذان نداء بدون العكس، فالعمل برواية: ((يؤذن)) عمل بالروايتين، وجمع بين الدليلين، والعكس ليس كذلك. قلت: أراد الكرماني أن ينتصر لمذهبه لكن لم يأت بشيء عليه قبول، فقوله: قال الطحاوي: إن ذلك النداء من بلال لينبه النائم ويرجع القائم، هو من كلام الشارع، فإن أراد بذلك الاعتراض عليه فهو باطل. وقوله: لا للصلاة، مسلم عندهم أيضاً، حتى لو صلى بذلك الأذان صلاة الفجر لا يجوز. وقوله: المقصود بيان أن وقوع الأذان قبل الصبح، فهذا لا ننازعهم فيه، ونحن أيضاً نقول: إنه وقع قبل الصبح، ولكن لا يعتد به في حق الصلاة. وقوله: وتقرير الرسول عَّ ◌ُلّم له، يرده قوله عَِّ لبلال: أن يرجع فينادي: ((ألا إن العبد نام، فرجع فنادى: ألا إن العبد نام)). رواه الطحاوي والترمذي من حديث حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما. فإن قلت: قال الترمذي: هذا حديث غير محفوظ، والصحيح ما روى عبيد الله بن عمر وغيره عن نافع عن ابن عمر: أن النبي عَُّلَّ قال: ((إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم)). قلت: ما لحماد بن سلمة، وهو ثقة؟. وليس حديثه يخالف حديث عبيد الله بن عمر، لأن حديثه لإيقاظ النائم ورجع القائم، ولم يكن لأجل الصلاة، فلذلك لم يأمره عَ لّه بأن يرجع وينادي: ((ألا إن العبد نام)). وأما حديث حماد بن سلمة فقد كان لأجل غفلة بلال عن الوقت، وعلى كلا التقديرين: أذان بلال لم يكن معتداً للصلاة. وقوله: وأما رواية ((كان ينادي ... )) إلى آخره، فليس كذلك، لأن كلاً من الأذان والنداء في الحقيقة يرجع إلى معنى واحد، وهو الإعلام، ولا إعلام قبل الوقت. ثم قال الكرماني: بأن الأذان للإعلام بوقت الصلاة بالألفاظ التي عينها الشارع، وهو لا يصدق عليه، لأنه ليس إعلاماً بوقتها. فأجاب بأن الإعلام بالوقت أعم من أن يكون إعلاماً بأن الوقت دخل، أو قرب أن يدخل. انتهى. قلت: فعلى ما ذكره إذا أذن عند قرب وقت صلاة - أي صلاة كانت - ينبغي أن يكتفى به ولا يعاد، ويصلى به. ولم يقل به أحد في كل الصلاة. وقال بعضهم: واحتج الطحاوي بعدم مشروعية الأذان قبل الفجر، بقوله: ((لما كان بين أذانيهما من القرب))، ما ذكر في حديث عائشة ثبت أنهما كانا يقصدان وقتاً واحداً وهو طلوع الفجر، فيخطئه بلال ويصيبه ابن أم مكتوم، وتعقب بأنه لو كان كذلك لما أقره النبي عَِّ مؤذناً، واعتمد عليه، ولو كان كما ادعى لكان وقوع ذلك منه نادراً. قلت: لو اعتمد عليه في أذان الفجر لكان لم يقل: ((لا يغرنكم أذان بلال))، وتقريره عَ لّه إياه على ذلك لم يكن إلّ لمعنى بينه في الحديث، وهو: تنبيه النائم ورجع القائم، لمعان مقصودة في ذلك. ١٤ - بابٌ كَمْ بَيْنَ الأَذَانِ والإِقَامَةِ وَمَنْ يَنْتَظِرُ إِقَامَةَ الصَّلاَةِ أي: هذا باب يذكر فيه كم بين الأذان والإقامة، فحينئذ يكون باب منوناً مرفوعاً على