Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (١٦)
ذكر معناه: قوله: ((ليلة))، قال الكرماني: الظاهر أنه من باب تنازع الفعلين عليه. قلت:
الظاهر أن: ليلة، نصب على الظرفية، والتقدير: نظر إلى القمر فى ليلة من الليالي، وهذه الليلة
كانت ليلة البدر. وبه صرح في رواية مسلم، وسنذكر اختلاف الروايات فيه. قوله: ((لا
تضامون))، روي بضم التاء وبتخفيف الميم: من الضيم، وهو التعب، وبتشديدها من: الضم.
وبفتح التاء وتشديد الميم، قال الخطابي: يروى على وجهين: أحدهما: مفتوحة التاء مشددة
الميم، وأصله: تتضامنون، حذفت إحدى التائين، أي: لا يضام بعضكم بعضاً كما تفعله الناس
في طلب الشيء الخفي الذي لا يسهل دركه فيتزاحمون عنده، يريد أن كل واحد منهم
وادع مكانه لا ينازعه في رؤيته أحد. والآخر: لا تضامون من: الضيم، أي: لا يضيم بعضكم
بعضاً في رؤيته. وقال التيمي: لا تضامون، بتشديد الميم، مراده: أنكم لا تختلفون إلى بعض
فيه حتى تجتمعوا للنظر، وينضم بعضكم إلى بعض فيقول واحد: هو ذاك، ويقول الآخر:
ليس ذاك، كما تفعله الناس عند النظر إلى الهلال أول الشهر، وبتخفيفها، معناه: لا يضيم
بعضكم بعضاً بأن يدفعه عنه أو يستأثر به دونه.
وقال ابن الأنباري أي: لا يقع لكم في الرؤية ضيم وهو الذل، وأصله: تضيمون فألقيت
حركة الياء على الضاد فصارت الياء ألفاً لانفتاح ما قبلها. وقال ابن الجوزي: لا تضامون،
بضم التاء المثناة من فوق وتخفيف الميم، وعليه أكثر الرواة، والمعنى لا ينالكم ضيم،
والضيم أصله: الظلم، وهذا الضيم يلحق الرائي من وجهين: أحدهما من مزاحمة الناظرين له،
أي: لا تزدحمون في رؤيته فيراه بعضكم دون بعض، ولا يظلم بعضكم بعضاً. والثاني: من
تأخره عن مقام الناظر المحقق، فكأن المتقدمين ضاموه، ورؤية الله عز وجل يستوي فيها
الكل، فلا ضيم ولا ضرر ولا مشقة. وفي رواية: ((لا تضامون، أو لا تضاهون)). يعني: على
الشك، أي: لا يشتبه عليكم وترتابون فيعارض بعضكم بعضاً في رؤيته. وقيل: لا تشبهونه في
رؤيته بغيره من المرئيات. وروي: ((تضارون))، بالراء المشددة والتاء مفتوحة ومضمومة. وقال
الزجاج: معناهما لا تتضارون أي: لا يضار بعضكم بعضاً في رؤيته بالمخالفة. وعن ابن
الأنباري: هو تتفاعلون من الضرار، أي: لا تتنازعون وتختلفون. وروي أيضاً: لا تضارون،
بضم التاء وتخفيف الراء، أي: لا يقع للمرء في رؤيته ضير ما بالمخالفة أو المنازعة أو الخفأ.
وروي: تمارون، براء مخففة يعني: تجادلون أي: من الغلبة بالنوم والاشتغال بشيء من الأشياء
المانعة عن الصلاة قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها.
قوله: ((فافعلوا)) أي: الصلاة في هذين الوقتين، وزاد مسلم بعد قوله: ((قبل طلوع الشمس
صلاة الصبح، وقبل غروبها صلاة العصر)). وقال الكرماني: فإن قلت: ما المراد بلفظ:
إفعلوا؟ إذ لا يصح أن يراد إفعلوا الاستطاعة، أو إفعلوا عدم المغلوبية؟ قلت: عدم المغلوبية
كناية عن الإتيان بالصلاة، لأنه لازم الإتيان، فكأنه قال: فأتوا بالصلاة فاعلين لها. انتهى.
قلت: لو قدر مفعول: إفعلوا مثل ما قدرنا، لكان استغنى عن هذا السؤال والجواب. قوله: ((ثم
قرأ)) لم يبين فاعل: قرأ، من هو في جميع روايات البخاري. وقال بعضهم: الظاهر أنه النبي

٦٢
٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (١٦)
عَّ، قلت: هذا تخمين وحسبان. وقال الشيخ قطب الدين الحلبي في شرحه: لم يبين أحد
في روايته من قرأ، ثم ساق من طريق أبي نعيم في (مستخرجه) أن جريراً قرأه. قلت: وقع عند
مسلم عن زهير بن حرب عن مروان بن معاوية بإسناد هذا الحديث، ثم قرأ جرير، أي
الصحابي. وكذا أخرجه أبو عوانة في (صحيحه): من طريق يعلى بن عبيد عن إسماعيل بن
أبي خالد، فالعجب من الشيخ قطب الدين كيف ذهل عن عروة إلى مسلم. قوله: ((فسبح))
التلاوة، وسبح: بالواو، لا: بالفاء، المراد بالتسبيح: الصلاة. قوله: ((افعلوا))، أي: افعلوا هذه
الصلاة لا تفوتكم، والضمير المرفوع فيه يرجع إلى الصلاة، وهو بنون التأكيد، وهو مدرج من
کلام إسماعيل، وكذلك ثم قرأ مدرج.
ذكر الروايات: في قوله: ((إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في
رؤيته))، وفي لفظ للبخاري: ((إذا نظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: أما أنكم سترون ربكم كما
ترون هذا، لا تضامون، أو لا تضاهون في رؤيته)). وفي كتاب التوحيد: ((أنكم سترون ربكم
عيانا)). وفي التفسير: ((فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة))، وعن اللالكائي عن البخاري: ((أنكم
ستعرضون على ربكم وترونه كما ترون هذا القمر)). وعند الدارقطني: وقال زيد بن أبي
أنيسة: ((فتنظرون إليه كما تنظرون إلى هذا القمر))، وقال وكيع: ((ستعاينون))، وسيأتي عند
البخاري: عن أبي هريرة وأبي سعيد: ((هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة ليست في
سحابة؟ قالوا: لا، قال: هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس فيه سحابة؟)). قالوا: لا.
قال: والذي نفسي بيده لا تضارون في رؤيته إلا كما تضارون في رؤية أحدهما)). وعن أبي
موسى عنده بنحوه، وعن أبي رزين العقيلي: ((قلت: يا رسول الله أكلنا يرى ربه منجلياً يوم
القيامة؟. قال: نعم. قال: وما آية ذلك في خلقه؟ قال: يا أبا رزين، أليس كلكم يرى القمر
ليلة البدر منجلياً به؟ قال: فالله أعظم وأجل، وذلك آية في خلقه)). وعند ابن ماجه عن
جابر: ((بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فإذا الرب قد أشرف
عليهم، فينظر إليهم وينظرون إليه)). وعن صهيب عند مسلم، فذكر حديثاً فيه: ((فيكشف
الحجاب فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله تعالى شيئاً أحب إليهم من النظر إليه)). وفي
(سنن اللالكائي): عن أنس وأبي بن كعب وكعب بن عجرة: ((سئل رسول الله عَّلُه عن
الزيادة في كتاب الله تعالى، قال: النظر إلى وجهه)).
ذكر ما يستفاد منه: وهو على وجوه. الأول: استدل بهذه الأحاديث وبالقرآن وإجماع
الصحابة ومن بعدهم على إثبات رؤية الله في الآخرة للمؤمنين، وقد روى أحاديث الرؤية أكثر
من عشرين صحابياً، وقال أبو القاسم: روى رؤية المؤمنين لربهم عز وجل في القيامة: أبو بكر
وعلي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل وابن مسعود وأبو موسى وابن عباس وابن عمر وحذيفة
وأبو أمامة وأبو هريرة وجابر وأنس وعمار بن ياسر وزيد بن ثابت وعبادة بن الصامت وبريدة
بن حصيب وجنادة بن أبي أمية وفضالة بن عبيد ورجل له صحبة بالنبي، عَّه، ثم ذكر
أحاديثهم بأسانيد غالبها جيد، وذكر أبو نعيم الحافظ في (كتاب تثبيت النظر) أبا سعيد

٦٣
٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (١٦)
الخدري وعمارة بن رؤية وأبا رزين العقيلي وأبا برزة. وزاد الآجري في (كتاب الشريعة) وأبو
محمد عبد الله بن محمد المعروف بأبي الشيخ في (كتاب السنة الواضحة) تأليفهما: عدي
ابن حاتم الطائي بسند جيد، والرؤية مختصة بالمؤمنين ممنوعة من الكفار. وقيل: يراه منافقو
هذه الأمة، وهذا ضعيف، والصحيح أن المنافقين كالكفار باتفاق العلماء وعن ابن عمر
وحذيفة: من أهل الجنة من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية.
ومنع من ذلك المعتزلة والخوارج وبعض المرجئة، واحتجوا في ذلك بوجوه: الأول:
قوله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾ [الأنعام: ١٠٣]. وقالوا: يلزم من نفي
الإدراك بالبصر نفي الرؤية. الثاني: قوله تعالى: ﴿لن تراني﴾ [الأعراف: ١٤٣]. و: لن،
للتأبيد بدليل قوله تعالى: ﴿قل لن تتبعونا﴾ [الفتح: ١٥]. وإذا ثبت في حق موسى، عليه
الصلاة والسلام، عدم الرؤية ثبت في حق غيره، الثالث: قوله تعالى: ﴿وما كان لبشر أن
يكلمه الله إلاّ وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً﴾ [الشورى: ٥١]. فالآية دلت على
أن كل من يتكلم الله معه فإنه لا يراه، فإذا ثبت عدم الرؤية في وقت الكلام ثبت في غير
وقت الكلام ضرورة، أنه لا قائل بالفصل. الرابع: أن الله تعالى ما ذكر في طلب الرؤية في
القرآن إلاَّ وقد استعظمه وذم عليه، وذلك في آيات: منها: قوله تعالى: ﴿وإذ قلتم يا موسى لن
نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون﴾ [البقرة: ٥٥]. الخامس: لو
صحت رؤية الله تعالى لرأيناه الآن، والتالي باطل، والمقدم مثله.
ولأهل السنة ما ذكرناه من الأحاديث الصحيحة. قوله تعالى: ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى
ربها ناظرة﴾ [القيامة: ٢٢]. وقوله تعالى: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾
[المطففين: ٥٥].، بهذا يدل على أن المؤمنين لا يكونون محجوبين، والجواب عن قوله
تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ [الأنعام: ١٠٣]. أن المراد من الإدراك الإحاطة، ونحن أيضاً
نقول به، وعن قوله: ﴿لن تراني﴾ [الأعراف: ١٤٣]. أنا لا نسلم أن: لن، تدل على التأكيد،
بدليل قوله تعالى: ﴿ولن يتمنوه أبداً﴾ [البقرة: ٩٥]. مع أنهم يتمنونه في الآخرة. وعن قوله:
﴿وما كان لبشر﴾ [الشورى: ٥١]. الآية أن الوحي كلام يسمع بالسرعة، وليس فيه دلالة
على كون المتكلم محجوباً عن نظر السامع أو غير محجوب عن نظره، وعن قوله: ﴿وإذ
قلتم يا موسى﴾ [البقرة: ٥٥]. الآية أن الاستعظام لِمَ لا يجوز أن يكون لأجل طلبهم الرؤية
على سبيل التعنت والعناد؟ بدليل الاستعظام في نزول الملائكة في قوله: ﴿لولا أنزل علينا
الملائكة﴾ [الفرقان: ٢١]. ولا نزاع في جواز ذلك، والجواب عن قولهم: لو صحت رؤية
الله تعالى ... إلخ أن عدم الوقوع لا يستلزم عدم الجواز، فإن قالوا: الرؤية لا تتحقق إلا بثمانية
أشياء: سلامة الحاسة، وكون الشيء بحيث يكون جائز الرؤية، وأن يكون المرئي مقابلاً
للرائي، أو في حكم المقابل، فالأول كالجسم المحاذي للرائي والثاني كالأعراض المرئية،
فإنها ليست مقابلة للرائي إذ العرض لا يكون مقابلاً للجسم، ولكنها حالة في الجسم المقابل
للرائي فكان في حكم المقابل، وأن لا يكون المرئي في غاية القرب ولا في غاية البعد، وأن

٦٤
٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (١٦)
لا يكون في غاية الصغر ولا في غاية اللطافة، وأن لا يكون بين الرائي والمرئي حجاب. قلنا:
الشرائط الستة الأخيرة لا يمكن اعتبارها إلاَّ في رؤية الأجسام، والله تعالى ليس بجسم، فلا
يمكن اعتبار هذه الشرائط في رؤيته، ولا يعتبر في حصول الرؤية إلاَّ أمران: سلامة الحاسة،
وكونه بحيث يصح أن يرى، وهذان الشرطان حاصلان. فإن قلت: الكاف، في: كما ترون،
للتشبيه، ولا بد أن تكون مناسبة بين الرائي والمرئي؟ قلت: معنى التشبيه فيه أنكم ترونه رؤية
محققة لا شك فيها ولا مشقة ولا خفاء، كما ترون القمر كذلك فهو تشبيه للرؤية بالرؤية لا
المرئي بالمرئي.
الوجه الثاني: فيه زيادة شرف الصلاتين، وذلك لتعاقب الملائكة في وقتيهما، ولأن
وقت صلاة الصبح وقت لذة النوم كما قيل:
ألذ الكرى عند الصباح يطيب
والقيام فيه أشق على النفس من القيام في غيره، وصلاة العصر وقت الفراغ عن
الصناعات وإتمام الوظائف، والمسلم إذا حافظ عليها مع ما فيه من التثاقل والتشاغل فلأن
يحافظ على غيرها بالطريق الأولى.
الوجه الثالث: إن قوله: ((افعلوا))، يدل على أن الرؤية قد يرجى نيلها بالمحافظة على
هاتين الصلاتين.
٣٢/ ٥٥٥ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قال حدّثنا مالِكٌ عن أبي الزِّنادِ عِنِ الأعْرَجِ
عِنْ أَبِي هُرَيْرَة رضي الله تعالى عنه أنَّ رَسُولَ الله عَلِ قَالَ يَتَعَاقَبُونَ فِيَكُمْ مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِّ
ومَلاَئِكَةٌ بِالنَّهَارِ وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلاَةِ الفَجْرِ وَصَلاَةِ العَصْرِ ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بِاتُوا فِيكُمْ
فَيَسْأَلُهُمْ وهْوَ أَغْلَمُ بِهِمْ كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي فَيَقُولُونَ تَرَكْنَاهُمْ وهُمْ يُصَلُّونَ وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ
يُصَلُّونَ. [الحديث ٥٥٥ - أطرافه في: ٣٢٢٣، ٧٤٢٩، ٧٤٨٦].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر)) وقد ذكرنا أن
اقتصاره في الترجمة على العصر من باب الاكتفاء.
ذكر رجاله: وهم خمسة، وقد ذكروا غير مرة، وأبي الزناد عبد الله بن ذكوان، والأعرج
عبد الرحمن بن هرمز.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع، والإخبار كذلك في
موضع. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع، ورواته مدنيون ما خلا عبد الله بن يوسف فإنه تنيسي،
وهو من أفراد البخاري.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في التوحيد عن إسماعيل
وقتيبة. وأخرجه مسلم في الصلاة عن يحيى بن يحيى. وأخرجه النسائي فيه وفي البعوث عن
قتيبة وعن الحارث بن مسكين عن ابن القاسم، الكل عن مالك.
ذكر معناه وإعرابه: قوله: ((يتعاقبون فيكم ملائكة)) فاعل: يتعاقبون مضمر والتقدير:

٦٥
٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (١٦)
ملائكة يتعاقبون. وقوله: ((ملائكة)) بدل من الضمير الذي فيه، إو بيان كأنه قيل: من هم؟
فقيل: ملائكة. وهذا مذهب سيبويه فيه وفي نظائره، وقال الأخفش ومن تابعه: إن إظهار
ضمير الجمع والتثنية في الفعل إذا تقدم جائز، وهي لغة بني الحارث. وقالوا: هو نحو:
أكلوني البراغيث. وكقوله تعالى: ﴿وأسروا النجوى الذين ظلموا﴾ [الأنبياء: ٣]. وقال
القرطبي: هذه لغة فاشية ولها وجه في القياس صحيح، وعليها حمل الأخفش قوله تعالى:
﴿وأسروا النجوى الذين ظلموا﴾ [الأنبياء: ٣]. وقيل: هذا الطريق المذكور هنا اختصره
الراوي، وأصله: الملائكة يتعاقبون ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، وبهذا اللفظ رواه البخاري
في بدء الخلق من طريق شعيب بن أبي حمزة عن أبي الزناد: ((إن الملائكة يتعاقبون فيكم)).
فاختلف فيه عن أبي الزناد. وأخرجه النسائي أيضاً من طريق موسى بن عقبة عن أبي الزناد
بلفظ: ((إن الملائكة يتعاقبون فيكم)). فاختلف فيه على أبي الزناد فالظاهر أنه كان تارة يذكره
هكذا، وتارة هكذا، وهذا يقوي قول هذا القائل، ويؤيد ذلك أن غير الأعرج من أصحاب أبي
هريرة قد رووه تاماً، فأخرجه أحمد ومسلم من طريق همام بن منبه عن أبي هريرة مثل رواية
موسى بن عقبة، لكن بحذف: إن، من أوله. وأخرجه ابن خزيمة والسراج من طريق أبي صالح
عن أبي هريرة بلفظ: ((إن لله ملائكة يتعاقبون))، وهذه الطريقة أخرجها البزار أيضاً. وأخرجه أبو
نعيم في (الحلية) بإسناد صحيح من طريق أبي يونس عن أبي هريرة بلفظ: ((إن لله ملائكة
فيكم يتعاقبون)). ومعنى: يتعاقبون، تأتي طائفة عقيب طائفة، ومنه: تعقيب الجيوش، وهو أن
يذهب قوم ويأتي آخرون. وقال ابن عبد البر: وإنما يكون التعاقب بين طائفتين أو رجلين بأن
يأتي هذا مرة ويعقب هذا، ومنه: تعقيب الجيوش، أن يجهز الأمير بعثاً إلى مدة، ثم يأذن لهم
في الرجوع بعد أن يجهز غيرهم إلى مدة، ثم يأذن لهم في الرجوع بعد أن يجهز الأولين فإن
قلت: ما وجه تكرير تنكير ملائكة؟ قلت: ليدل على أن الثانية غير الأولى. كقوله تعالى:
﴿غدوها شهر ورواحها شهر﴾ [سبأ: ١٢]. وأما الملائكة فعند أكثر العلماء هم الحفظة،
فسؤاله لهم إنما هو سؤال عما أمرهم به من حفظهم لأعمالهم وكتبهم إياها عليهم.
وقال عياض، رحمه الله: وقيل: يحتمل أن يكونوا غير الحفظة، فسؤاله لهم إنما هو
على جهة التوبيخ لمن قال: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها﴾ [البقرة: ٣٠]. وقال القرطبي:
وهذه حكمة اجتماعهم في هاتين الصلاتين، أو يكون سؤاله لهم استدعاءً لشهادتهم لهم،
ولذلك قالوا: ((أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون)). وهذا من خفي لطفه وجميل
ستره، إذ لم يطلعهم إلاّ على حال عبادتهم، ولم يطلعهم على حالة شهواتهم وما يشبهها.
انتهى. هذا الذي قاله يعطي أنهم غير الحفظة، لأن الحفظة يطلعون على أحوالهم كلها، اللهم
إلاَّ أن تكون الحفظة غير الكاتبين، فيتجه ما قاله. والظاهر أنهم غيرهما، لأنه جاء في بعض
الأحاديث: ((إذا مات العبد جلس كاتباه عند قبره يستغفران له ويصليان عليه إلى يوم القيامة)).
يوضحه ما رواه ابن المنذر بسند له عن أبي عبيدة بن عبد الله عن أبيه أنه كان يقول:
((يتداول الحارسان من ملائكة الله تعالى: حارس الليل وحارس النهار، عند طلوع الفجر)).
عمدة القاري / ج٥ / م٥

٦٦
٩ - كتاب مواقيت الصلاة/ باب (١٦)
وعن الضحاك في قوله تعالى: ﴿وقرآن الفجر﴾ [الإسراء: ٧٨]. قال: ((تشهد ملائكة الليل
وملائكة النهار يشهدون أعمال بني آدم)). وفي تفسير ابن أبي حاتم: تشهده الملائكة والجن.
قوله: ((ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر)) اجتماعهم في هاتين الصلاتين
لطف من الله تعالى بعباده المؤمنين، إذ جعل اجتماعهم عندهم ومفارقتهم لهم في أوقات
عبادتهم، واجتماعهم على طاعة ربهم، فتكون شهادتهم لهم بما شاهدوه من الخير. وقال ابن
حبان في (صحيحه): فيه بيان أن ملائكة الليل تنزل والناس في صلاة العصر، وحينئذ تصعد
ملائكة النهار، وهذا ضد قول من زعم: أن ملائكة الليل تنزل بعد غروب الشمس. فإن قلت:
ما وجه ذكر هاتين الصلاتين عند ذكر الرؤية((؟ قلت: لما ثبت لهما من الفضل على غيرهما
من اجتماع الملائكة فيهما ورفع الأعمال وغير ذلك، ناسب أن يجازي المحافظ عليهما
بأفضل العطايا، وهو النظر إلى الله تعالى. والله أعلم. فإن قلت: التعاقب غير مغاير للاجتماع
فيكون بين قوله: ((يتعاقبون))، وبين قوله: ((يجتمعون)) منافاة؟ قلت: كل منهما في حالة، فلا
منافاة. فإن قلت: شهودهم معهم الصلاة في الجماعة أم مطلقاً؟ قلت: اللفظ يحتمل للجماعة
وغيرهم، ولكن الظاهر أن ذلك في الجماعة. قوله: ((ثم يعرج))، من: عرج يعرج عروجاً، من
باب: نصر ينصر: والعروج: الصعود، ويقال: عرج يعرج عرجاناً إذا عجز عن شيء أصابه،
وعرج يعرج عرجاً: إذا صار أعرج أو كان خلقه فيه، وعرج بالتشديد تعريجاً: إذا قام. قوله:
((الذين باتوا فيكم))، الخطاب فيه وفي قوله: ((يتعاقبون فيكم))، للمصلين. وقال بعضهم:
أي: المصلين أو مطلق المؤمنين قلت: لا يصح أن يكون مطلق المؤمنين، لأن هذه الفضيلة
للمصلين، والدليل على ذلك قوله: ((يجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر)). وقال
الكرماني: فإن قلت: ما وجه التخصيص بالذين باتوا وترك الذين ظلوا؟ قلت: إما للاكتفاء
بذكر أحدهما عن الآخر، كقوله تعالى: ﴿سرابيل تقيكم الحر﴾ [النحل: ٨١]. وإما لأن
الليل مظنة المعصية ومظنة الاستراحة، فلما لم يعصوا واشتغلوا بالطاعة فالنهار أولى بذلك،
وإما لأن حكم طرفي النهار يعلم من طرفي الليل، فذكره يكون تكراراً. انتهى.
وقيل: الحكمة في ذلك أن ملائكة الليل إذا صلوا الفجر عرجوا في الحال، وملائكة
النهار إذا صلوا العصر لبثوا إلى آخر النهار لضبط بقية عمل النهار. وقال بعضهم: وهذا
ضعيف، لأنه يقتضي أن ملائكة النهار لا يسألون، وهو خلاف ظاهر الحديث. قلت: هذا
الذي ذكره ضعيف، لأن لبث ملائكة النهار لضبط بقية عمل النهار لا يستلزم عدم السؤال.
وقيل: الحكمة في ذلك بناء على أن الملائكة هم الحفظة أنهم لا يبرحون عن ملازمة بني
آدم، وملائكة الليل هم الذين يعرجون ويتعاقبون، ويؤيدها ما رواه أبو نعيم في (كتاب الصلاة)
له، من طريق الأسود بن يزيد النخعي، قال: ((يلتقي الحارسان))، أي: ملائكة الليل وملائكة
النهار، ((عند صلاة الصبح فيسلم بعضهم على بعض فتصعد ملائكة الليل وتلبث ملائكة
النهار)). وقيل: يحتمل أن يكون العروج إنما يقع عند صلاة الفجر خاصة، وأما النزول فيقع في
الصلاتين معاً، وفيه التعاقب، وصورته أن تنزل طائفة عند العصر، وتبيت ثم تنزل طائفة ثانية

٦٧
٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (١٦)
عند الفجر، فتجتمع الطائفتان في صلاة الفجر، ثم يعرج الذين باتوا فقط، ويستمر الذين نزلوا
وقت الفجر إلى العصر، فتنزل الطائفة الأخرى فيحصل اجتماعهم عند العصر أيضاً، ولا يصعد
منهم أحد، بل تبيت الطائفتان أيضاً ثم تعرج إحدى الطائفتين، ويستمر ذلك، فتصح صورة
التعاقب مع اختصاص النزول بالعصر، والعروج بالفجر، فلهذا خص السؤال بالذين باتوا.
وقيل: إن قوله: في هذا الحديث، أعني: حديث الباب. ((ويجتمعون في صلاة الفجر
وصلاة العصر)) وهم، لأنه ثبت من طرق كثيرة أن الاجتماع في صلاة الفجر من غير ذكر
صلاة العصر، كما في (الصحيحين) من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة في اثناء
حديث، قال فيه: ((ويجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر)). قال أبو هريرة:
واقرأوا إن شئتم: ﴿وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً﴾ [الإسراء: ٧٨]: وفي الترمذي
والنسائي من وجه آخر بإسناد صحيح عن أبي هريرة في قوله تعالى: ﴿إِن قرآن الفجر كان
مشهوداً﴾ [الإسراء: ٧٨]. قال: تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار. وروى ابن مردويه في
تفسيره من حديث أبي الدرداء مرفوعاً نحوه، وقال ابن عبد البر: ليس في هذا دفع للرواية
التي ذكر فيها العصر. قلت: محصل كلامه أن ذكر الفجر في الحديث الذي استدل به
القائل المذكور على أن ذكر العصر وهم غير صحيح، لأن ذكر الفجر لا يستلزم نفي ذكر
العصر، ولا وجه لنسبة الراوي الثقة إلى الوهم مع إمكان التوفيق بين الروايات، مع أن الزيادة
من الثقة العدل مقبولة، أو يكون الاقتصار في الفجر لكونها جهرية، ولقائل أن يقول: لِمَ لا
يجوز أن يكون تقصير من بعض الرواة في تركهم سؤال الذين أقاموا النهار؟ ولِمَ لا يجوز أن
يحمل قوله: الذين باتوا، على ما هو أعم من المبيت بالليل وبالإقامة بالنهار، فلا يختص ذلك
حينئذ بليل دون نهار، ولا نهار دون ليل، بل كل طائفة منهم إذا صعدت سئلت؟ ويكون فيه
استعمال لفظ: بات، في أقام مجازاً، ويكون قوله: فيسألهم، أي: كلاً من الطائفتين في الوقت
الذي تصعد فيه؟ ويدل على هذا ما رواه ابن خزيمة في (صحيحه) والسراج في (مسنده)
جميعاً عن يوسف بن موسى عن جرير عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، قال: قال
رسول الله عَّله: ((تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر وصلاة العصر،
فيجتمعون في صلاة الفجر، فتصعد ملائكة الليل وتثبت ملائكة النهار، ويجتمعون في
صلاة العصر، فتصعد ملائكة النهار وتبيت ملائكة الليل، فيسألهم ربهم: كيف تركتم
عبادي؟ ... )) الحديث، وهذا فيه التصريح بسؤال كل من الطائفتين.
قوله: ((فيسألهم)) الحكمة فيه استدعاء شهادتهم لبني آدم بالخير، واستعطافهم بما يقتضي
العطف عليهم، وقيل: كان ذلك لإظهار الحكمة في خلق بني آدم في مقابلة من قال من
الملائكة (أتجعل فيها من يفسد فيها﴾ [البقرة: ٣٠]. الآية والمعنى: أنه قد وجد فيهم من
يسبح ويقدس مثلكم بنص شهادتكم. وقال عياض: وهذا السؤال على سبيل التعبد للملائكة،
كما أمروا أن يكتبوا أعمال بني آدم، وهو سبحانه وتعالى أعلم من الجميع بالجميع. قوله:
((كيف تركتم؟)) قال ابن أبي حمزة: وقع السؤال عن آخر الأعمال، لأن الأعمال بخواتيمها.

٦٨
٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (١٧)
قال: والعباد المسؤول عنهم هم الذين ذكروا في قوله تعالى: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم
سلطان﴾ [الحجر: ٢٤٢ والإسراء: ٦٥]. قوله: ((تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم
يصلون)). فإن قلت: كان مقتضى الحال أن يبدأوا أولاً بالإتيان ثم بالترك، ولم يراعوا
الترتيب؟ قلت: لأن المقصود هو الإخبار عن صلاتهم، والأعمال بخواتيمها، فناسب أن
يخبروا عن آخر أعمالهم قبل أولها. وقال ابن التين: الواو، في قوله: ((وهم يصلون)) واو الحال،
أي: تركناهم على هذه الحال.
فإن قلت: يلزم من هذا أنهم فارقوهم قبل انقضاء الصلاة، فلم يشهدوها معهم، والخبر
ناطق بأنهم شهدوها. قلت: الخبر محمول على أنهم شهدوا الصلاة مع من صلاها في أول
وقتها، وشهدوا من دخل فيها بعد ذلك، ومن شرع في أسباب ذلك. فإن قيل: ما الفائدة في
قولهم ((وأتيناهم))؟ وكان السؤال عن كيفية الترك؟ وأجيب: بأنهم زادوا في الجواب إظهاراً
لبيان فضيلتهم، وحرصاً على ذكر ما يوجب مغفرتهم، كما هو وظيفتهم فيما أخبر الله عنهم
بقوله: ﴿ويستغفرون للذين آمنوا﴾ [غافر: ٧].
ذكر ما يستفاد منه فيه: أن الصلاة أعلى العبادات، لأنه عليها وقع السؤال والجواب.
وفيه: التنبيه على أن الفجر والعصر من أعظم الصلوات، كما ذكرناه. وفيه: الإشارة إلى
شرف هذين الوقتين، وقد ورد أن الرزق يقسم بعد صلاة الصبح، وأن الأعمال ترفع آخر
النهار، فمن كان حينئذ في طاعة بورك في رزقه وعمله. وفيه: إشارة إلى تشريف هذه الأمة
على غيرها، ويلزم من ذلك تشريف نبينا على غيره من الأنبياء، عليهم السلام. وفيه: الإيذان
أن الملائكة تحب هذه الأمة ليزدادوا فيهم حباً ويتقربون بذلك إلى الله تعالى. وفيه: الدلالة
على أن الله تعالى يتكلم مع ملائكته. وفيه: الحث على المثابرة على صلاة العصر، لأنها
تأتي في وقت اشتغال الناس، وقال بعضهم: استدل بعض الحنفية بقوله: ((ثم يعرج الذين
باتوا فيكم)) على استحباب تأخير صلاة العصر، ليقع عروج الملائكة إذا فرغ منها آخر
النهار، ثم قال: وتعقب بأن ذلك غير لازم، إذ ليس في الحديث ما يقتضي أنهم لا يصعدون
إلا ساعة الفراغ من الصلاة، بل جائز أن تفرغ الصلاة ويتأخروا بعد ذلك إلى آخر النهار، ولا
مانع أيضاً من أن تصعد ملائكة النهار وبعض النهار باق، ويقيم ملائكة الليل. انتهى.
قلت: هذا القائل ذكر في هذا الموضع ناقلاً عن البعض أن ملائكة الليل إذا صلوا الفجر عرجوا
في الحال، وملائكة النهار إذا صلوا العصر لبثوا إلى آخر النهار لضبط بقية عمل النهار، ثم قال:
وهذا ضعيف لأنه يقتضي أن ملائكة النهار لا يسألون، وهو خلاف ظاهر الحديث، والعجب منه
أنه ناقض كلامه الذي ذكره في التعقيب على ما لا يخفى، وبمثل هذا التصرف لا يتوجه الرد على
المستدلين بقوله: ((ثم يعرج الذين باتوا فيكم)) على استحباب تأخير صلاة العصر.
١٧ - بابُ مِنْ أدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ العَصْرِ قَبْلَ الغُرُوبِ
أي: هذا باب في بيان حكم من أدرك ركعة من صلاة العصر قبل غروب الشمس.

٦٩
٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (١٧)
قيل: جواب: من، التي تضمن معنى الشرط محذوف. قلت: لا نسلم أن: من، ههنا شرطية،
ولكنها موصولة، يوضح ذلك ما قدرناه. وقال بعضهم: إنما لم يأت المصنف في الترجمة
بجواب الشرط لما في لفظ المتن الذي أورده من الاحتمال، وهو قوله: ((فليتم صلاته))، فإن
الأمر بالإتمام أعم من أن يكون ما يتمه أداء أو قضاء. قلت: لا بد للشرط من جواب، سواء
كان ملفوظاً أو مقدراً، والجواب في الحديث مذكور، وكون الأمر بالإتمام أعم ليست قرينة
لترك جواب الشرط في الترجمة، وكان ينبغي أن يقول: جواب الشرط في الترجمة محذوف
تقديره: فليتم، ويبينه جواب الشرط الذي في متن الحديث، ولكن التقدير الذي قدرناه لا
يحوجنا إلى تقدير جواب الشرط ولا إلى القول بأن: من، شرطيه.
٥٥٦/٣٣ - حدّثنا أَبُو نَعِيم قال حدّثنا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيِى عِنْ أبي سَلَمَةَ عَنْ أبِي
هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه قال قالَ رسولُ اللهِ عَ لَّ إذا أَدْرَكَ أحَدُكُمْ سَجْدَةً مِنْ صَلاَةِ
العَصْرِ قَبْلَ أنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلاَتَهُ وَإِذَا أُدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلاَةِ الصُّبْحِ قَبْلَ أنْ
تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلاَتَهُ. [الحديث ٥٥٦ - طرفاه في: ٥٧٩، ٥٨٠].
مطابقته للترجمة ظاهرة في قوله: ((إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر)). فإن
قلت: المذكور في الترجمة ركعة، وفي الحديث: سجدة، والترجمة في الإدراك من العصر،
والحديث في:العصر والصبح، فلا تطابق؟ قلت: المراد من السجدة الركعة على ما يجيء إن
شاء الله تعالى، وترك الصبح فيها من باب الاكتفاء.
ذكر رجاله: وهم خمسة: أبو نعيم الفضل بن دكين، وشيبان بن عبد الرحمن التميمي،
ويحيى بن أبي كثير، وأبو سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في ثلاثة
مواضع. وفيه: القول. وفيه: أن رواته ما بين كوفي وبصري ومدني.
ذكر الاختلاف في ألفاظ الحديث المذكور: أخرجه البخاري أيضاً عن أبي هريرة،
رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله عَّ قال: ((من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع
الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك
العصر)). أخرجه في باب من أدرك من الفجر ركعة، وفي رواية النسائي ((إذا أدرك أحدكم أول
السجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته)). وكذا أخرحه ابن حبان في
(صحيحه)، ورواه أحمد بن منيع ولفظه: ((من أدرك منكم أول ركعة من صلاة العصر قبل أن
تغرب الشمس فليتم صلاته، ومن أدرك ركعة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد
أدرك)). وفي رواية أبي داود: ((إذا أدرك أحدكم أول السجدة من صلاة العصر ... )) وعند
السراج: ((من صلى بسجدة واحدة من العصر قبل غروب الشمس ثم صلى ما بقي بعد
غروب الشمس فلم يفته العصر، ومن صلى سجدة واحدة من الصبح قبل طلوع الشمس ثم
صلى ما بقي بعد طلوعها فلم يفته الصبح)). وفي لفظ: ((من أدرك ركعة من الفجر قبل أن

٧٠
٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (١٧)
تطلع الشمس وركعة بعد ما تطلع فقد أدرك)). وفي لفظ: ((من صلى ركعة من صلاة الصبح
ثم طلعت الشمس فليتم صلاته)). وفي لفظ: ((من أدرك ركعة من الجمعة فليصل إليها
أخرى)). وفي لفظ: ((من صلى سجدة واحدة من العصر قبل غروب الشمس، ثم صلى ما بقي
بعد الغروب فلم يفته العصر)). وفي لفظ: ((من أدرك قبل طلوع الشمس سجدة فقد أدرك
الصلاة، ومن أدرك قبل غروب الشمس سجدة فقد أدرك الصلاة)). وفي لفظ: ((من أدرك ركعة
أو ركعتين من صلاة العصر ... ))، وفي لفظ: ((ركعتين))، من غير تردد. غير أنه موقوف، وهو
عند ابن خزيمة مرفوع بزيادة: ((أو ركعة من صلاة الصبح)) وهو عند الطيالسي: ((من أدرك من
العصر ركعتين أو ركعة - الشك من أبي بشر - قبل أن تغيب الشمس فقد أدرك، ومن أدرك
من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك)).
وعند أحمد: ((من أدرك ركعة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك، ومن أدرك
ركعة أو ركعتين من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك)). وفي رواية النسائي: ((من
أدرك من صلاة ركعة فقد أدرك)). وعند الدارقطني: ((قبل أن يقيم الإمام صلبه فقد أدركها))،
وعنده أيضاً: ((فقد أدرك الفضيلة ويتم ما بقي))، وضعفه وفي (سنن) الكجي: ((من أدرك من
صلاة ركعة فقد أدركها))، وفي (الصلاة) لأبي نعيم: ((ومن أدرك ركعتين قبل أن تغرب
الشمس، وركعتين بعد أن غابت الشمس فلم تفته العصر)). وعند مسلم: ((من أدرك ركعة من
الصلاة مع الإمام فقد أدرك الصلاة)). وعند النسائي بسند صحيح: ((من أدرك ركعة من الصلاة
فقد أدرك الصلاة كلها إلاَّ أنه يقضي ما فاته))، وعند الطحاوي: ((من أدرك ركعة من الصلاة
فقد أدرك الصلاة وفضلها)). قال: وأكثر الرواة لا يذكرون: فضلها، قال: وهو الأظهر. وعند
الطحاوي: من حديث عائشة نحو حديث أبي هريرة، وأخرجه النسائي وابن ماجه أيضاً.
ذكر معناه: قوله: ((إذا أدرك)) كلمة: إذا، تتضمن معنى الشرط، فلذلك دخلت: الفاء،
في جوابها، وهو قوله: ((فليتم صلاته)). قوله: ((سجدة)) أي: ركعة، يدل عليه الرواية الأخرى
للبخاري: ((من أدرك من الصبح ركعة)). وكذلك فسرها في رواية مسلم: حدثني أبو الطاهر
وحرملة، كلاهما عن ابن وهب، والسياق لحرملة، قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب أن
عروة بن الزبير حدثه عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: قال رسول الله عَ لقّر: ((من أدرك
من العصر سجدة قبل أن تغرب الشمس، أو من الصبح قبل أن تطلع، فقد أدركها)).
والسجدة إنما هي الركعة، وفسرها حرملة، وكذا فسر في (الأم) أنه يعبر بكل واحد منهما عن
الآخر، وأياً ما كان، فالمراد: بعض الصلاة، وإدراك شيء منها، وهو يطلق على الركعة
والسجدة وما دونها، مثل: تكبيرة الإحرام. وقال الخطابي؛ قوله: ((سجدة))، معناها: الركعة
بركوعها وسجودها، والركعة إنما يكون تمامها بسجودها، فسميت على هذا المعنى سجدة:
فإن قلت: ما الفرق بين قوله: ((من أدرك من الصبح سجدة؟)) وبين قوله: ((من أدرك سجدة من
الصبح؟)) قلت: رواية تقدم السجدة هي السبب الذي به الإدراك، ومن قدم الصبح أو العصر
قبل الركعة فلأن هذين الإسمين هما اللذان يدلان على هاتين الصلاتين دلالة خاصة تتناول

٧١
٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (١٧)
جميع أوصافها، بخلاف السجدة فإنها تدل على بعض أوصاف الصلاة، فقدم اللفظ الأعم
الجامع.
ذكر ما يستفاد منه من الأحكام منها: أن فيه دليلاً صريحاً في أن من صلى ركعة من
العصر، ثم خرج الوقت قبل سلامه لا تبطل صلاته، بل يتمها، وهذا بالإجماع. وأما في
الصبح فكذلك عند الشافعي ومالك وأحمد. وعند أبي حنيفة: تبطل صلاة الصبح بطلوع
الشمس فيها، وقالوا: الحديث حجة على أبي حنيفة. وقال النووي: قال أبو حنيفة: تبطل
صلاة الصبح بطلوع الشمس فيها، لأنه دخل وقت النهي عن الصلاة، بخلاف الغروب،
والحديث حجة عليه. قلت: من وقف على ما أسس عليه أبو حنيفة عرف أن الحديث ليس
بحجة عليه، وعرف أن غير هذا الحديث من الأحاديث حجة عليهم، فنقول: لا شك أن
الوقت سبب للصلاة وظرف لها، ولكن لا يمكن أن يكون كل الوقت سبباً، لأنه لو كان
كذلك يلزم تأخير الأداء عن الوقت، فتعين أن يجعل بعض الوقت سبباً، وهو الجزء الأول
لسلامته عن المزاحم، فإن اتصل به الأداء تقررت السببية وإلاَّ تنتقل إلى الجزء الثاني والثالث
والرابع وما بعده إلى أن يتمكن فيه من عقد التحريمة إلى آخر جزء من أجزاء الوقت، ثم هذا
الجزء إن كان صحيحاً، بحيث لم ينسب إلى الشيطان ولم يوصف بالكراهة كما في الفجر،
وجب عليه كاملاً، حتى لو اعترض الفساد في الوقت بطلوع الشمس في خلال الصلاة
فسدت، خلافاً لهم، لأن ما وجب كاملاً لا يتأدى بالناقص، كالصوم المنذور المطلق وصوم
القضاء لا يتأدى في أيام النحر والتشريق، وإذا كان هذا الجزء ناقصاً كان منسوباً إلى
الشيطان: كالعصر وقت الاحمرار وجب ناقصاً، لأن نقصان السبب مؤثر في نقصان
المسبب، فيتأدى بصفة النقصان لأنه أدى كما لزم، كما إذا أنذر صوم النحر وأداه فيه، فإذا
غربت الشمس في أثناء الصلاة لم تفسد العصر، لأن ما بعد الغروب كامل فيتأدى فيه، لأن
ما وجب ناقصاً يتأدى كاملاً بالطريق الأولى. فإن قلت: يلزم أن تفسد العصر إذا شرع فيه في
الجزء الصحيح ومدها إلى أن غربت. قلت: لما كان الوقت متسعاً جاز له شغل كل الوقت،
فيعفى الفساد الذي يتصل به بالبناء، لأن الاحتراز عنه مع الإقبال على الصلاة متعذر، وأما
الجواب عن الحديث المذكور فهو ما ذكره الإمام الحافظ أبو جعفر الطحاوي، وهو: أنه
يحتمل أن يكون معنى الإدراك في الصبيان الذين يدركون، يعني يبلغون قبل طلوع الشمس،
والحيض اللاتي يطهرن، والنصارى الذين يسلمون، لأنه لما ذكر في هذا الإدراك ولم يذكر
الصلاة فيكون هؤلاء الذين سميناهم ومن أشبههم مدركين لهذه الصلاة، فيجب عليهم
قضاؤها، وإن كان الذي بقي عليهم من وقتها أقل من المقدار الذي يصلونها فيه.
فإن قلت: فما تقول فيما رواه أبو سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَ له: ((إذا
أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته، وإذا أدرك
سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته)). رواه البخاري والطحاوي أيضاً
فإنه صريح في ذكر البناء بعد طلوع الشمس؟ قلت: قد تواترت الآثار عن النبي عَ لّه بالنهي

٧٢
٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (١٧)
عن الصلاة عند طلوع الشمس ما لم تتواتر بإباحة الصلاة عند ذلك، فدل ذلك على أن ما
كان فيه الإباحة كان منسوخاً بما كان فيه التواتر بالنهي. فإن قلت: ما حقيقة النسخ في هذا
والذي تذكره احتمال؟ وهل يثبت النسخ بالاحتمال؟ قلت: حقيقة النسخ هنا أنه اجتمع في
هذا الموضع محرم ومبيح، وقد تواترت الأخبار والآثار في باب المحرم ما لم تتواتر في باب
المبيح، وقد عرف من القاعدة أن المحرم والمبيح إذا اجتمعا يكون العمل للمحرم، ويكون
المبيح منسوخاً، وذلك لأن الناسخ هو المتأخر، ولا شك أن الحرمة متأخرة عن الإباحة لأن
الأصل في الأشياء الإباحة، والتحريم عارض، ولا يجوز العكس لأنه يلزم النسخ مرتين. فافهم.
فإنه كلام دقيق قد لاح لي من الأنوار الإلهية. قلت: دل حديث عمران بن حصين الذي
أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما على أن الصلاة الفائتة قد دخلت في النهي عن الصلاة عند
طلوع الشمس وعند غروبها، وعن عمران أنه قال: ((سرينا مع رسول الله عَ ◌ّه في غزوة، أو
قال: في سرية، فلما كان آخر السحر عرسنا، فما استيقظنا حتى أيقظنا حر الشمس ... ))
الحديث، وفيه أنه عَّ أخر صلاة الصبح حتى فاتت عنهم إلى أن ارتفعت الشمس، ولم
يصلها قبل الإرتفاع، فدل ذلك أن النهي عام يشمل الفرائض والنوافل، والتخصيص بالتطوع
ترجيح بلا مرجح.
ومنها: أي: من الأحكام: أن أبا حنيفة ومن تبعه استدلوا بالحديث المذكور أن آخر
وقت العصر هو غروب الشمس، لأن من أدرك منه ركعة أو ركعتين مدرك له، فإذا كان
مدركاً يكون ذلك الوقت من وقت العصر لأن معنى قوله: ((فقد أدرك))، أدرك وجوبها، حتى
إذا أدرك الصبي قبل غروب الشمس أو أسلم الكافر أو أفاق المجنون أو طهرت الحائض
تجب عليه صلاة العصر، ولو كان الوقت الذي أدركه جزءاً يسيراً لا يسع فيه الأداء، وكذلك
الحكم قبل طلوع الشمس. وقال زفر: لا يجب ما لم يجد وقتاً يسع الأداء، وكذلك الحكم
قبل طلوع الشمس. وقال زفر: لا يجب ما لم يجد وقتاً يسع الأداء فيه حقيقة، وعن الشافعي
قولان فيما إذا أدرك دون ركعة كتكبيرة مثلاً: أحدهما:، لا يلزمه، والآخر: يلزمه، وهو
أصحهما.
ومنها: أنهم اختلفوا في معنى الإدراك. هل هو للحكم أو للفضل أو للوقت في أقل من
ركعة؟ فذهب مالك وجمهور الأئمة، وهو أحد قولي الشافعي: إلى أنه لا يدرك شيئاً من ذلك
بأقل من ركعة، متمسكين بلفظ الركعة، وبما في (صحيح) ابن حبان عن أبي هريرة: ((إذا جئتم
إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوها ولا تعدوها شيئاً، ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة)).
وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف والشافعي في قول: إلى أنه يكون مدركاً لحكم الصلاة. فإن
قلت: قيد في الحديث بركعة فينبغي أن لا يعتبر أقل منها؟ قلت: قيد الركعة فيه خرج مخرج
الغالب، فإن غالب ما يمكن معرفة الإدراك به ركعة أو نحوها، حتى قال بعض الشافعية: إنما
أراد رسول الله عٍَّ بذكر الركعة البعض من الصلاة، لأنه روي عنه: ((من أدرك ركعة من
العصر ... )) و: ((من أدرك ركعتين من العصر))، ((ومن أدرك سجدة من العصر))، فأشار إلى بعض

٧٣
٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (١٧)
الصلاة مرة: بركعة، ومرة: بركعتين، ومرة بسجدة. والتكبيرة في حكم الركعة لأنها بعض
الصلاة، فمن أدركها فكأنه أدرك ركعة. وقال القرطبي: واتفق هؤلاء، يعني أبا حنيفة وأبا
يوسف والشافعي في قول، على إدراكهم العصر بتكبيرة قبل الغروب، واختلفوا في الظهر،
فعند الشافعي في قول: هو مدرك بتكبيرة لها لاشتراكهما في الوقت، وعنه أنه بتمام القيام
للظهر يكون قاضياً لها بعد، واختلفوا في الجمعة، فذهب مالك والثوري والأوزاعي والليث
وزفر ومحمد والشافعي وأحمد إلى أن: من أدرك منها ركعة أضاف إليها أخرى. وقال أبو
حنيفة وأبو يوسف: إذا أحرم في الجمعة قبل سلام الإمام صلى ركعتين، وهو قول النخعي
والحكم وحماد، وأغرب عطاء ومكحول وطاوس ومجاهد فقالوا: إن من فاتته الخطبة يوم
الجمعة يصلي أرباً، لأن الجمعة إنما قصرت من أجل الخطبة: وحمل أصحاب مالك قوله:
((من أدرك ركعة من العصر)) على أصحاب الأعذار: كالحائض والمغمى عليه وشبههما، ثم
هذه الركعة التي يدركون بها الوقت هي بقدر ما يكبر فيها للإحرام ويقرأ أم القرآن قراءة
معتدلة ويركع ويسجد سجدتين يفصل بينهما ويطمئن في كل ذلك، على قول من أوجب
الطمأنينة، وعلى قول من لا يوجب قراءة أم القرآن في كل ركعة، يكفيه تكبيرة الإحرام
والوقوف لها. وأشهب لا يراعي إدراك السجدة بعد الركعة، وسبب الخلاف: هل المفهوم من
اسم الركعة الشرعية أو اللغوية؟
وأما التي يدرك بها فضيلة الجماعة فحكمها بأن يكبر لإحرامها ثم يركع، ويمكن يديه
من ركبتيه قبل رفع الإمام رأسه، وهذا مذهب الجمهور، وروي عن أبي هريرة أنه: لا يعتد
بالركعة ما لم يدرك الإمام قائماً قبل أن يركع، وروي معناه عن أشهب، وروي عن جماعة من
السلف أنه: متى أحرم والإمام راكع أجزأه، وإن لم يدرك الركوع وركع بعد الإمام. وقيل:
يجزيه وإن رفع الإمام رأسه ما لم يرفع الناس، ونقله ابن بزيزة عن الشعبي، قال: وإذا انتهى
إلى الصف الآخر ولم يرفعوا رؤوسهم، أو بقي منهم واحد لم يرفع رأسه، وقد رفع الإمام
رأسه فإنه يركع وقد أدرك الصلاة، لأن الصف الذي هو فيه إمامه، وقال ابن أبي ليلى وزفر
والثوري: إذا كبر قبل أن يرفع الإمام رأسه فقد أدرك، وإن رفع الإمام قبل أن يضع يديه على
ركبتيه فإنه لا يعتد بها. وقال ابن سيرين: إذا أدرك تكبيرة يدخل بها في الصلاة وتكبيرة
للركوع فقد أدرك تلك الركعة. وقال القرطبي: وقيل: يجزيه إن أحرم قبل سجود الإمام. وقال
ابن بزيزة: قال أبو العالية: إذا جاء وهم سجود يسجد معهم، فإذا سلم الإمام قام فركع ركعة
ولا يسجد، ويعتد بتلك الركعة. وعن ابن عمر، رضي الله تعالى عنه، أنه كان إذا جاء والقوم
سجود سجد معهم، فإذا رفعوا رؤوسهم سجد أخرى، ولا يعتد بها. وقال ابن مسعود: إذا
ركع ثم مشى فدخل في الصف قبل أن يرفعوا رؤوسهم اعتد بها، وإن رفعوا رؤوسهم قبل أن
يصل إلى الصف فلا يعتد بها.
وأما حكم هذه الصلاة: فالصحيح أنها كلها أداء، قال بعض الشافعية: كلها قضاء،
وقال بعضهم: تلك الركعة أداء، وما بعدها قضاء، وتظهر فائدة الخلاف في مسافر نوى العصر

٧٤
٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (١٧)
وصلى ركعة في الوقت، فإن قلنا: الجميع أداء، فله قصرها. وإن قلنا: كلها قضاء، أو:
بعضها، وجب إتمامها أربعاً إن قلنا: إن فائتة السفر إذا قضاها في السفر يجب إتمامها، وهذا
كله إذا أدرك ركعة في الوقت، فإن كان دون ركعة، فقال الجمهور: كلها قضاء.
٣٤ / ٥٥٧ - حدّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله قال حدَّثني إبْرَاهِيمُ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ
سَالِمِ بنِ عَبْدِ الله عنْ أبِيهِ أنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رسولَ اللهِ عََّلَِّ يَقُولُ إِنََّا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ
قَبْلَكُمْ مِنَ الأَمَم كَمَا بَيْنَ صَلاَةِ العَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ أوتِيَ أَهْلُ التَوْرَاةِ التَّوْرَاةَ
فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ عَجَزُواَ فَأَعْطُوا قِيرَاطاً قِيرَاطاً ثُمَّ أُوتِيَ أهْلُ الإِنْجِيلِ
الإِنْجِيلَ فَعَمِلُوا إِلَى صَلاَةِ العَصْرِ ثُمَّ عَجَزُوا فَأُعْطُوا قِيراطاً قِيرَاطاً ثُمَّ أَوْتِيْنَا القُرْآنَ فَعَمِلْنَا
إِلَى غُرُوب السَّمْسِ فَأُعْطِينَا قِيرَاطَيْنِ قِيْرَاطَيْنِ فَقَالَ أهْلُ الكِتَابَيْنِ أَيْ رَبَّنَا أُعْطَيْتَ هَؤُلاَءِ
قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ وَأَعْطَيْتَنَا قِيرَاطاً قِيَرَاطاً وَنَخَنُ كُنَّا أَكْثَرَ عَمَلاً قَال قال الله عَزَّ وجلَّ هَلْ
ظَلَمْتُكُمْ مِنْ أَجْرِكُمْ مِنْ شيءٍ قالُوا لاَ قَالَ فَهُوَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ.[الحديث ٥٥٧ -
أطرافه في: ٢٢٦٨، ٢٢٦٩، ٣٤٥٩، ٥٠٢١، ٧٤٦٧، ٧٥٣٣].
مطابقة هذا الحديث للترجمة في قوله: ((إلى غروب الشمس))، فدل على أن وقت
العصر إلى غروب الشمس، وأن من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب فقد أدرك وقتها، فليتم
ما بقي، وهذا المقدار بطريق الاستئناس الإقناعي، لا بطريق الأمر البرهاني، ولهذا قال ابن
المنير: هذا الحديث مثال لمنازل الأمم عند الله تعالى، وإن هذه الأمة أقصرها عمراً وأقلها
عملاً وأعظمها ثواباً.
ويستنبط منه للبخاري بتكلف في قوله: ((فعملنا إلى غروب الشمس،»، فدل أن وقت
العمل ممتد إلى غروب الشمس، وأنه لا يفوت، وأقرب الأعمال المشهور بهذا الوقت صلاة
العصر، وهو من قبيل الأخذ بالإشارة، لا بد من صريح العبارة، فإن الحديث مثال وليس
المراد عملاً خاصاً بهذا الوقت، بل المراد سائر أعمال الأمة من سائر الصلوات، وغيرها من
سائر العبادات في سائر مدة بقاء الأمة إلى قيام الساعة، وكذا قال أبو المعالي الجويني: بأن
الأحكام لا تتعلق بالأحاديث التي تأتي لضرب الأمثال فإنه موضع تجوز. وقال المهلب: إنما
أدخل البخاري هذا الحديث، والحديث الذي بعده، في هذا الباب لقوله: ((ثم أوتينا القرآن
فعملنا إلى غروب الشمس فأعطينا قيراطين قيراطين))، ليدل على أنه قد يستحق بعمل
البعض أجر الكل، مثل الذي أعطي من العصر إلى الليل أجر النهار كله، فمثله كالذي أعطي
على ركعة أدرك وقتها أجر الصلاة كلها في آخر الوقت.
وقال صاحب (التلويح): فيه بعد، لأنه لو قال: إن ((هذه الأمة أعطيت ثلاثة قراريط لكان
أشبه، ولكنها ما أعطيت إلاَّ بعض أجر جميع النهار، نعم عملت هذه الأمة قليلاً وأخذت
كثيراً، ثم هو أيضاً منفك عن محل الاستدلال، لأن عمل هذه الأمة آخر النهار كان أفضل
من عمل المتقدمين قبلها، ولا خلاف أن صلاة العصر متقدمة أفضل من صلاتها متأخرة، ثم

٧٥
٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (١٧)
هذا من الخصائص المستثناة عن القياس، فكيف يقاس عليه؟ ألا ترى أن صيام آخر النهار لا
يقوم مقام جملته، وكذا سائر العبادات؟ انتهى. قلت: كل ما ذكروا ههنا لا يخلو عن تعسف،
وقوله: لا خلاف، غير موجه، لأن الخلاف موجود في تقديم صلاة العصر وتأخيرها، وقياسه
على الصوم كذلك، لأن وقت الصوم لا يتجزأ، بخلاف الصلاة.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: عبد العزيز الأويسي، بضم الهمزة، مر في كتاب
الحرص على الحديث، ونسبته إلى أويس أحد أجداده. الثاني: إبراهيم بن سعد بن إبراهيم
ابن عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي المدني. الثالث: محمد بن مسلم بن شهاب
الزهري. الرابع: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب. الخامس: أبوه عبد الله بن عمر.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع، وبصيغة الإفراد من
الماضي في موضع. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: الإخبار بصيغة الإفراد من الماضي.
وفيه: القول. وفيه: السماع. وفيه: أن رواته كلهم مدنيون. وفيه: أن شيخ البخاري من أفراده.
وفيه: رواية التابعة عن التابعي. وهما: ابن شهاب وسالم.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في باب الإجازة إلى
نصف النهار عن سليمان بن حرب عن حماد عن أيوب عن نافع به، وأخرجه أيضاً في باب
فضل القرآن عن مسدد عن يحيى عن سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر، وأخرجه
أيضاً في التوحيد عن أبي اليمان عن شعيب عن الزهري عن سالم بن عبد الله، وأخرجه أيضاً
في باب ما ذكر عن بني إسرائيل عن قتيبة عن ليث عن نافع به. وأخرجه مسلم والترمذي
أيضاً.
ذكر معناه: قوله: ((إنما بقاؤكم فيما سلف من الأمم قبلكم))، ظاهره ليس بمراد، لأن
ظاهره أن بقاء هذه الأمة وقع في زمان الأمم السالفة، وليس كذلك، وإنما معناه: أن نسبتكم
إليهم كنسبة وقت العصر إلى تمام النهار، وفي رواية الترمذي: ((إنما أجلكم في أجل من خلا
من الأمم كما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس)). قوله: ((إلى غروب الشمس))، كان
القياس أن يقال: وغروب الشمس، بالواو، لأن: بين، يقتضي دخوله على متعدد، ولكن المراد
من الصلاة وقت الصلاة، وله أجزاء، فكأنه قال: بين أجزاء وقت صلاة العصر.
قوله: ((أوتي أهل التوراة))، أوتي: على صيغة المجهول، أي: أعطي، فالتوراة الأولى
مجرورة بالإضافة، والثانية منصوبة على أنه مفعول ثان، قيل: اشتقاق التوراة من الوري،
ووزنها: تفعلة، وقال الزمخشري: التوراة والإنجيل إسمان أعجميان، وتكلف اشتقاقهما من
الوري والنجل، ووزنهما: تفعلة وإفعيل، إنما يصح بعد كونهما عربيين. وقرأ الحسن: الأنجيل،
بفتح الهمزة، وهو دليل على العجمة، لأن: أفعيل، بفتح الهمزة عديم في أوزان العرب. قوله:
((عجزوا))، قال الداودي: قاله أيضاً في النصارى، فإن كان المراد من مات منهم مسلماً فلا
يقال: عجزوا، لأنه عمل ما أمر به، وإن كان قاله فيمن آمن من ثم كفر فكيف يعطى القيراط

٧٦
٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (١٧)
من حبط عمله بكفر؟ وأجيب: بأن المراد: من مات منهم مسلماً قبل التغيير والتبديل، وعبر
بالعجز لكونهم لم يستوفوا عمل النهار كله، وإن كانوا قد استوفوا ما قدر لهم، فقوله: عجزوا،
أي: عن إحراز الأجر الثاني دون الأول، لكن من أدرك منهم النبي عَّه وآمن به أعطي الأجر
مرتين. قوله: ((قيراطاً)) هو نصف دائق، والمراد منه: النصيب والحصة، وقد استوفينا الكلام
فيه في باب اتباع الجنائز من الإيمان، وإنما كرر لفظ القيراط ليدل على تقسيم القراريط على
جميعهم، كما هو عادة كلامهم، حيث أرادوا تقسيم الشيء على متعدد. قوله: ((ثم أوتي
أهل الإنجيل الإنجيل)) الأول مجرور بالإضافة، والثاني منصوب على المفعولية. قوله:
((فقال أهل الكتابين)) أي: التوراة والإنجيل. قوله: ((أي ربنا))، كلمة: أي، من حروف النداء،
يعني: يا ربنا، ولا تفاوت في إعراب المنادى بين حروفه. قوله: ((ونحن كنا أكثر عملاً»،
قال الإسماعيلي: إنما قالت النصارى: نحن أكثر عملاً لأنهم آمنوا بموسى وعيسى، عليهما
الصلاة والسلام. قلت: النصارى لم يؤمنوا بموسى عَّلّ، على ذلك جماعة الإخباريين، وأيضاً
قوله: ((ونحن أكثر عملاً) حكاية عن قول أهل الكتابين، وقال الكرماني: قول اليهود ظاهر،
لأن الوقت من الصبح إلى الظهر أكثر من وقت العصر إلى المغرب، وقول النصارى لا يصح
إلاَّ على مذهب الحنفية، حيث يقولون: العصر هو مصير ظل الشيء مثليه، وهذا من جملة
أدلتهم على مذهبهم. قلت: هذا الذي ذكره هو قول أبي حنيفة وحده، وغيره من أصحابه
يقولون مثله، ويمكن أن يقال: إنما أسند الأكثرية إلى الطائفتين، وإن كان في إحداهما بطريق
التغليب، ويقال: لا يلزم كونهم أكثر عملا أكثر زماناً، لاحتمال كون العمل أكثر في الزمان
الأقل. قوله: هل ظلمتكم؟)) أي: هل نقصتكم؟ إذ الظلم قد يكون بزيادة الشيء، وقد يكون
بنقصانه. وفي النسخ: ((أظلمتكم؟)) بهمزة الاستفهام، وهو أيضاً بمعنى: هل ظلمتكم؟ أي: في
الذي شرطت لكم شيئاً؟.
ذكر ما يستنبط منه فيه: تفضيل هذه الأمة وتوفر أجرها مع قلة العمل، وإنما فضلت
بقوة يقينها ومراعاة أصل دينها، فإن زلت فأكثر زللها في الفروع، بخلاف من كان قبلهم
كقولهم: ﴿اجعل لنا إلها﴾ [الأعراف: ١٣٨]. وكامتناعهم من أخذ الكتاب حتى نتق الجبل
فوقهم، و: ﴿فاذهب أنت وربك فقاتلا﴾ [المائدة: ٥٤].
وفيه: ما استنبطه أبو زيد الدبوسي في (كتاب الأسرار) من أن وقت العصر إذا صار
ظل كل شيء مثليه، لأنه إذا كان كذلك كان قريباً من أول العاشرة، فيكون إلى المغرب
ثلاث ساعات غير شيء يسير، وتكون النصارى أيضاً عملوا ثلاث ساعات وشيئاً يسيراً، وهذا
من أول الزوال إلى أول الساعة العاشرة، وهو إذا صار ظل كل شيء مثليه، واعترض على
هذا بأن النصارى لم تقله، وإنما قاله الفريقان: اليهود والنصارى، ووقتهم أكثر من وقتنا،
فيستقيم قولهم: أكثر عملاً؟ وأجيب: بأن اليهود والنصارى لا يتفقان على قول واحد، بل
قالت النصارى: كنا أكثر عملاً وأقل عطاءً، وكذا اليهود، باعتبار كثرة العمل وطوله، ونقل
بعضهم كلام أبي زيد هكذا، ثم قال: تمسك به بعض الحنفية كأبي زيد إلى أن وقت العصر

٧٧
٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (١٧)
من مصير ظل كل شيء مثليه، لأنه لو كان ظل كل شيء مثله لكان مساوياً لوقت الظهر،
وقد قالوا: كنا أكثر عملاً، فدل على أنه دون وقت الظهر. ثم قال: وأجيب بمنع المساواة،
وذلك معروف عند أهل العلم بهذا الفن، وهو أن المدة بين الظهر والعصر أطول من المدة
التي بين العصر والمغرب. انتهى.
قلت: لا يخفى على كل أحد أن وقت العصر، لو كان بمصير ظل كل شيء مثله، يكون
وقت الظهر الذي ينتهي إلى مصير ظل كل شيء مثله، مثل وقت العصر الذي نقول: وقته
بمصير ظل كل شيء مثله، ومع هذا أبو زيد ما ادعى المساواة بالتحقيق، ثم قال هذا القائل:
وعلى التنزيل لا يلزم من التمثيل والتشبيه التسوية من كل جهة. قلت: ما ادعى هو التسوية
من كل جهة حتى يعترض عليه.
وفيه: ما استنبطه بعضهم أن مدة المسلمين من حين ولد سيدنا رسول الله عَ ◌ٍّ إلى
قيام الساعة ألف سنة، وذلك لأنه جعل النهار نصفين الأول لليهود، فكانت مدتهم ألف سنة
وستمائة سنة وزيادة في قول ابن عباس، رواه أبو صالح عنه، وفي قول ابن إسحاق: ألف سنة
وتسعمائة سنة وتسع عشرة سنة، وللنصارى كذلك، فجاءت مدة النصارى لا يختلف الناس
أنه كان بين عيسى ونبينا صلوات الله على نبينا وعليه ستمائة سنة، فبقي للمسلمين ألف سنة
وزيادة، وفيه نظر، من حيث إن الخلاف في مدة الفترة، فذكر الحاكم في (الإكليل) أنها
مائة وخمسة وعشرون سنة، وذكر أنها أربعمائة سنة، وقيل: خمسمائة وأربعون سنة. وعن
الضحاك أربعمائة وبضع وثلاثون سنة، وقد ذكر السهيلي عن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي:
أن جعفراً حدث بحديث مرفوع: ((إن أحسنت أمتي فبقاؤها يوم من أيام الآخرة، وذلك ألف
سنة، وإن أساءت فنصف يوم)). وفي حديث زمل الخزاعي، قال: ((رأيتك يا رسول الله على
منبر له سبع درجات، وإلى جنبك ناقة عجفاء كأنك تبعتها، ففسر له النبي عَ لّم الناقة بقيام
الساعة التي أنذر بها، ودرجات المنبر عدة الدنيا: سبعة آلاف سنة، بعث في آخرها ألفاً) قال
السهيلي: والحديث، وإن كان ضعيف الإسناد، فقد روي موقوفاً على ابن عباس من طرق
صحاح، أنه قال: ((الدنيا سبعة أيام، كل يوم ألف سنة))، وصحح الطبري هذا الأصل وعضده
بآثار.
وفيه: ما استدل به بعض أصحابنا على أن آخر وقت الظهر ممتد إلى أن يصير ظل كل
شيء مثليه، وذلك أنه جعل لنا من الزمان من الدنيا في مقابلة من كان قبلنا من الأمم بقدر ما
بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، وهو يدل أن بينهما أقل من ربع النهار، لأنه لم يبق من
الدنيا ربع الزمان، لقوله عَّ له: ((بعثت أنا والساعة كهاتين، وأشار بالسبابة والوسطى))، فشبه ما
بقي من الدنيا إلى قيام الساعة مع ما انقضى بقدر ما بين السبابة والوسطى من التفاوت. قال
السهيلي: وبينهما نصف سبع، لأن الوسطى ثلاثة أسباع، كل مفصل منها سبع، وزيادتها على
السبابة نصف سبع، والدنيا على ما قدمناه عن ابن عباس سبعة آلاف سنة، فلكل سبع ألف
سنة، وفضلت الوسطى على السبابة بنصف الأنملة، وهو ألف سنة فيما ذكره أبو جعفر

٧٨
٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (١٧)
الطحاوي وغيره، وزعم السهيلي: أنه بحساب الحروف المقطعة أوائل السور تكون تسعمائة
سنة وثلاث سنين، وهل هي من مبعثه عَّله أو هجرته أو وفاته؟ والله أعلم.
٥٥٨/٣٥ - حدثنا أَبُو كُرَيْبٍ قال حدّثنا أبو أسامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُؤْدَةَ عَنْ أبي
مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ عَ لِّ مَثَلُ المُسْلِمِينَ واليَّهُودِ والنَّصَارَى كَمَثَلِ رَجُلِ اسْتَأْجَرَ قَوْماً يَعْمَلُونَ لَّهُ
عَمَلاً إِلَى اللَّيْلِ فَعَمِلُوا إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ فقالُوا لاَ حَاجَةَ لَنَا إِلَّى أَجْرِكَ فاسْتَأْجَرَ آخِرِينَ فقال
أكْمِلُوا بَقِيَّةً يَؤْمِكُمْ وَلَكُمْ الَّذِي شَرَطْتُ فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا كَانَ حِينَ صَلاَةِ العَصْرِ قَالُوا لَكَ ما
عَمِلْنَا فاسْتَأْجَرَ قَوْماً فَعَمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ حَتَّى غَابَتِ الشَّمسُ وَاسْتَكْمَلُوا أَجْرَ الفَرِيقَيْنِ
[الحديث ٥٥٨ - طرفه في: ٢٢٧١].
مطابقة هذا الحديث للترجمة بطريق الإشارة لا بالتصريح، بيان ذلك أن وقت العمل
ممتد إلى غروب الشمس، وأقرب الأعمال المشهورة بهذا الوقت صلاة العصر، وإنما قلنا:
بطريق الإشارة، لأن هذا الحديث قصد به بيان الأعمال لا بيان الأوقات.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: أبو کریب بضم الکاف واسمه محمد بن العلا.
الثاني: أبو أسامة حماد بن أبي أسامة. الثالث: بريد، بضم الباء الموحدة: ابن عبد الله بن
أبي بردة بن أبي موسى الأشعري الكوفي، ويكنى أبا بردة. الرابع: أبو بردة، واسمه: عامر،
وهو جد بريد المذكور. الخامس: أبو موسى عبد الله بن قيس الأشعري.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في أربعة
مواضع. وفيه: القول. وفيه: رواية الرجل عن جده، ورواية الابن عن أبيه. وفيه: أن رواته ما
بين كوفي وبصري. وفيه: ثلاثة بالكنى.
وهذا الحديث أخرجه البخاري في الإجازة أيضاً.
ذكر معناه: قوله: ((مثل المسلمين))، المثل، بفتح الميم في الأصل بمعنى: المثل،
بكسر الميم، وهو النظير. يقال: مثل ومثل ومثيل: كشبه وشبه وشبيه، ثم قيل للقول السائر
الممثل مضربه بمورده مثل، ولم يضربوا مثلاً إلاَّ لقول فيه غرابة، وهذا تشبيه المركب
بالمركب، فالمشبه والمشبه به هما المجموعان الحاصلان من الطرفين، وإلاَّ كان القياس أن
يقال كمثل: أقوام استأجرهم رجل. ودخول: كاف، التشبيه على المشبه به، في تشبيه المفرد
بالمفرد، وهذا ليس كذلك. قوله: ((لا حاجة لنا إلى أجرك))، الخطاب إنما هو للمستأجر،
والمراد منه لازم هذا القول، وهو ترك العمل. قوله: ((فقال أكملوا))، من الإكمال بهمزة
القطع، وكذا وقع في رواية البخاري في الإجازة، ووقع هنا في رواية الكشميهني: ((اعملوا))،
بهمزة الوصل من العمل. قوله: ((حين))، منصوب لأنه خبر: كان، أي: كان الزمان زمان
الصلاة، ويجوز أن يكون مرفوعاً بأنه اسم: كان، وتكون تامة. وحاصل المعنى من قوله:
((وقالوا لا حاجة لنا في أجرك ... )) إلى آخره لا حاجة لنا في أجرتك التي شرطت لنا، وما
عملنا باطل، فقال لهم: لا تفعلوا، اعملوا بقية يومكم وخذوا أجرتكم كاملاً، فأبوا وتركوا

٧٩
٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (١٧)
ذلك كله عليه، فاستأجر قوماً آخرين، فقال لهم: إعملوا بقية يومكم ولكم الذي شرطت
لهؤلاء من الأجر، فعملوا حتى حان العصر، قالوا: لك ما عملنا باطل ذلك الأجر الذي جعلت
لنا، لا حاجة لنا فيه، فقال لهم: اكملوا بقية عملكم، فإنما بقي من النهار شيء يسير وخذوا
أجركم، فأبوا عليه، فاستأجر قوماً آخرين فعملوا بقية يومهم حتى إذا غابت الشمس واستكملوا
أجر الفريقين كله، ذلك مثل اليهود والنصارى تركوا ما أمرهم الله تعالى، ومثل المسلمين
الذي قبلوا هدى الله، وما جاء به رسول الله عَ ليه، والمقصود من هذا الحديث ضرب المثل
للناس الذين شرع لهم دين موسى، عليه الصلاة والسلام، ليعملوا الدهر كله بما يأمرهم به
وينهاهم إلى أن بعث الله عيسى عليه الصلاة والسلام، فأمرهم باتباعه فأبوا وتبرأوا مما جاء به،
وعمل آخرون بما جاء عيسى، عليه السلام، فأمرهم على أن يعملوا بما يؤمرون به باقي الدهر،
فعملوا حتى بعث سيدنا رسول الله عَّ فدعاهم إلى العمل بما جاء به، فأبوا وعصوا، فجاء
الله تعالى بالمسلمين فعملوا بما جاء به، واستكملوا إلى قيام الساعة، فلهم أجر من عمل
الدهر، كله بعبادة الله تعالى، كإتمام النهار الذي استؤجر عليه كله أول طبقة.
وفي حديث ابن عمر: قدر لهم مدة أعمال اليهود، ولهم أجرهم إلى أن نسخ الله تعالى
شريعتهم بعيسى، عليه الصلاة والسلام. وقال عند مبعث عيسى، عليه السلام: من يعمل إلى
مدة هذا الشرع وله أجر قيراط؟ فعملت النصارى إلى أن نسخ الله تعالى ذلك بمحمد عَ لّه،
ثم قال، متفضلاً على المسلمين: من يعمل بقية النهار إلى الليل وله قيراطان؟ فقال
المسلمون: نحن نعمل إلى انقطاع الدهر، فمن عمل من اليهود إلى أن آمن بعيسى عليه
السلام، وعمل بشريعته له أجره مرتين، وكذلك النصارى إذا آمنوا بمحمد عَّه كما جاء في
الحديث، ((و: رجل آمن بنبيه وآمن بي، يؤتى أجره مرتين)).
فإن قلت: حديث أبي موسى دل على أن الفريقين لم يأخذا شيئاً، وحديث ابن عمر
دل على أن كلاً منهما أخذ قيراطاً. قلت: ذلك فيمن ماتوا منهم قبل النسخ، وهذا فيمن
حرف أو كفر بالنبى الذي بعث بعد نبيه، وقال ابن رشد ما محصله: إن حديث ابن عمر
ذكر مثالاً لأهل الأعذار لقوله: فعجزوا، فأشار إلى أن من عجز عن استيفاء العمل من غير أن
يكون له صنيع في ذلك الأجر يحصل له تاماً فضلاً من الله تعالى، وذكر حديث موسى مثالاً
لمن أخر من غير عذر، وإلى ذلك إشارة بقوله عنهم: لا حاجة لنا إلى أجرك، فأشار بذلك
إلى أن من أخر عامداً لا يحصل له ما حصل لأهل الأعذار. وقال الخطابي: دل حديث ابن
عمر ان مبلغ أجرة اليهود لعمل النهار كله قيراطان، وأجرة النصارى للنصف الباقي من النهار
إلى الليل قيراطان. ولو تمموا العمل إلى آخر النهار لاستحقوا تمام الأجرة، وهو: قيراط، ثم إن
المسلمين لما استوفوا أجرة الفريقين معاً حاسدوهم، وقالوا :.... الخ يعني قولهم: أي ربنا
أعطيت هؤلاء قيراطين ... الخ. ولو لم تكن صورة الأمر على هذا لم يصح هذا الكلام. وفي
طريق أبي موسى زيادة بيان له، وقولهم: لا حاجة لنا، إشارة إلى أن تحريفهم الكتب وتبديلهم
الشرائع وانقطاع الطريق بهم عن بلوغ الغاية، فحرموا تمام الأجرة لجنايتهم على أنفسهم حين

٨٠
٩ - كتاب مواقيت الصلاة / باب (١٨)
امتنعوا من تمام العمل الذي ضمنوه.
١٨ - بابُ وَقْتِ المغْرَبَ
أي: هذا باب في بيان وقت صلاة المغرب.
ووجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله ظاهر لا يخفى.
وقال عَطَاءٌ يَجْمَعُ المَرِيضُ بَيْنَ المَغْرَبِ والعِشَاءِ
عطاء هو ابن أبي رباح، وهذا التعليق وصله عبد الرزاق في (مصنفه) عن ابن جريج
عنه، وبقوله: قال أحمد وإسحاق وبعض الشافعية، وهذا بناء على أن وقت المغرب والعشاء
واحد عنده، وقال عياض: الجمع بين الصلوات المشتركة في الأوقات تكون تارة سنة وتارة
رخصة، فالسنة الجمع بعرفة والمزدلفة. وأما الرخصة فالجمع في السفر والمرض والمطر،
فمن تمسك بحديث صلاة النبي عّلّهِ مع جبريل، عليه الصلاة والسلام، وقد أمَّه، لم ير
الجمع في ذلك، ومن خصه أثبت جواز الجمع في السفر بالأحاديث الواردة فيه، وقاس
المرض عليه، فنقول: إذا أبيح للمسافر الجمع بمشقة السفر، فأحرى أن يباح للمريض. وقد
قرن الله تعالى المريض بالمسافر في الترخيص له في الفطر والتيمم، وأما الجمع في المطر
فالمشهور من مذهب مالك إثباته في المغرب والعشاء، وعنه قولة شاذة: إنه لا يجمع إلاَّ في
مسجد رسول الله عَ ليه، ومذهب المخالف جواز الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب
والعشاء، في المطر.
فإن قلت: ما وجه مطابقة هذا الأثر للترجمة؟ قلت: من حيث إن وقت المغرب يمتد
إلى العشاء، والترجمة في بيان وقت المغرب.
٥٥٩/٣٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ مَهْرَانَ قال حدّثنا الوَلِيدُ قال حدّثنا الأَوْزَاعِيُّ قال
حدّثنا أبُو النَّجَاشِيِّ مَوْلَى رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ وَهْوَ عَطَاءُ بنُ صُهَيْبٍ قال سَمِعْتُ رَافِعَ بِنَ خَدِيجٍ
يَقُولُ كُنَّا نُصَلِّي المَغْرِبَ مَعَ النَّبِيِّ عَلَّهِ فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا وَإِنَّهُ لَيْصِرَ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ.
مطابقته للترجمة من حيث إنه يدل بالإشارة لا بالتصريح، فإن المفهوم منه ليس إلا
مجرد المبادرة إلى صلاة المغرب خوفاً أن تتأخر إلى اشتباك النجوم. وقد روى ابن خزيمة
والحاكم من حديث العباس بن عبد المطلب: ((لا تزال أمتي على الفطرة ما لم يؤخروا
المغرب إلى النجوم)).
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: محمد بن مهران الجمال، بالجيم: الحافظ الرازي
أبو جعفر، مات سنة ثمان وثلاثين ومائتين. الثاني: الوليد بن مسلم، بكسر اللام الخفيفة: أبو
العباس الأموي عالم أهل الشام، مات سنة خمس وتسعين ومائة. الثالث: عبد الرحمن بن
عمرو الأوزاعي، وقد مر في باب الخروج في طلب العلم. الابع: أبو النجاشي، بفتح النون
وتخفيف الجيم وبالشين المعجمة: واسمه عطاء بن صهيب، بضم الصاد المهملة، مولى رافع