Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (٨٧) هريرة: ((تفضل صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين جزءاً، وتجتمع ملائكة الليل والنهار في صلاة الفجر)). فذكر اجتماع الملائكة بواو فاصلة، واستأنف الكلام وقطعه من الجملة المتقدمة، وقيل: لا منافاة بين الحديثين لأن ذكر القليل لا ينافي الكثير، ومفهوم العدد باطل عند جماعة من الأصوليين. وقال ابن الأثير: إنما قال: درجة، ولم يقل: جزءاً ولا نصيباً ولا حافظاً ولا شيئاً من أمثال ذلك، لأنه أراد الثواب من جهة العلو والارتفاع، وأن تلك فوق هذه بكذا وكذا درجة، لأن الدرجات إلى جهة فوق قلت: قد جاء فيه لفظ: الجزء والضعف، وقد تقدما عن قريب، فكأنه لم يطلع عليهما. وقيل: إن الدرجة أصغر من الجزء، فكأن الخمسة والعشرين إذا جزئت درجات كانت سبعاً وعشرين درجة قلت: هذا ليس بصحيح لأنه جاء في الصحيحين: سبعاً وعشرين درجة وخمساً وعشرين درجة فاختلف القدر مع اتحاد لفظ الدرجة. وقد قيل: يحتمل أن تكون الدرجة في الآخرة والجزء في الدنيا فإن قلت: قد علم وجه الجمع بين هذين العددين، ولكن ما الحكمة في التنصيص عليهما؟ قلت: نقل الطيبي عن التوربشتي: وأما وجه قصر أبواب الفضيلة على خمس وعشرين تارة، وعلى سبع وعشرين أخرى فإن المرجع في حقيقة ذلك إلى علوم النبوة التي قصرت عقول الألباء عن إدراك جملها وتفاصيلها، ولعل الفائدة فيما كشف به حضرة النبوة وهي اجتماع المسلمين مصطفين كصفوف الملائكة والاقتداء بالإمام وإظهار شعائر الإسلام وغيرها انتهى قلت: هذا لا يشفي الغليل ولا يجدي العليل، والذي ظهر لي في هذا المقام من الأنوار الإلهية والأسرار الربانية والعنايات المحمدية أن كل حسنة بعشر أمثالها بالنص، وأنه لو صلى في بيته كان يحصل له ثواب عشر صلوات، وكذا لو صلىَّ في سوقه كان لكل صلاة عشر، ثم أنه إذا صلى بالجماعة يضاعف له مثله فيصير ثواب عشرين صلاة، أو زيادة الخمس فلأنه أدى فرضاً من الفروض الخمسة، فأنعم الله عليه ثواب خمس صلوات أخرى نظير عدد الفروض الخمسة زيادة عشرين إنعاماً وفضلاً منه عليه، فتصير الجملة خمسة وعشرين. وجواب آخر، وهو: إن مراتب الأعداد آحاد وعشرات ومئات وألوف، والمئات من الأوساط، وخير الأمور أوسطها، والخمسة والعشرون ربع المائة، وللربع حكم الكل. وأما زيادة السبع، فقال الكرماني: يحتمل أن يكون ذلك لمناسبة أعداد ركعات اليوم والليلة إذ الفرائض سبعة عشر والرواتب المؤكدة عشرة. انتهى. قلت: الرواتب المذكورة اثني عشر، لحديث المثابرة فتصير: تسعة وعشرين، فلا يطابق الواقع، فنقول: يمكن أن يقال: إن أيام العمر سبعة، فإذا صلى بالجماعة يزاد له على العشرين ثواب سبع صلوات، كل صلاة من صلوات كل يوم وليلة من الأيام السبعة. وأما الوتر فلعله شرع بعد ذلك، ثم العلماء اختلفوا: هل هذا الفضل لأجل الجماعة فقط حيث كانت؟ أو أن ذلك إنما يكون ذلك في الجماعة التي تكون في المسجد لما يلزم ذلك من أفعال تختص بالمساجد؟ قال القرطبي: والظاهر الأول، لأن الجماعة هو الوصف الذي علق عليه الحكم. والله أعلم. ذكر ما يستفاد منه قال ابن بطال: فيه: أن الصلاة فيه للمنفرد درجة من خمس ٣٨٢ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (٨٨) وعشرين درجة. وقال الكرماني: لم يقل يساوي صلاته منفرداً خمساً وعشرين حتى يكون له درجة منها، بل قال: تزيد، فليس للمنفرد من الخمسة والعشرين شيء قلت: قال ذلك بالنظر في الرواية المذكورة في الباب، فلو كان وقف على الروايات التي ذكرناها لما قال ذلك كذلك. وفيه: الدلالة على فضيلة الجماعة. وفيه: جواز اتخاذ المساجد في البيوت والأسواق. وفيه: ما استدل به بعض المالكية على أن صلاة الجماعة لا يفضل بعضها على بعض بكثرة الجماعة، ورد هذا بما ذكرنا عن ابن حبان، وما كثر فهو أحب إلى الله تعالى، وإلى مطلوبية الكثرة ذهب الشافعي وابن حبيب المالكي. ٨٨ - باب تَشْبِيكِ الأصَابِعِ فِي المَسْجِدِ وَغَيْرِهِ أي: هذا باب في بيان جُواز تشبيك الأصابع، سواء كان في المسجد أو غيره، والموجود في غالب النسخ في هذا الباب حديثان: أحدهما: حديث أبي موسى الأشعري، والآخر: حديث أبي هريرة. وفي بعض النسخ حديث آخر عن ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، وجد ذلك بخط البرزلي ولم يستخرجه الحافظان الإسماعيلي وأبو نعيم، ولا ذكره ابن بطال أيضاً، وإنما حكى أبو مسعود الدمشقي في (كتاب الأطراف) أنه رآه في كتاب أبي رميح عن الفربري وحماد بن شاكر عن البخاري، وهو هذا. ٤٧٨/١٣٧ - ٤٧٩ - ٤٨٠ - حدّثنا حامِدُ بنُّ عُمَرَ عنْ بَشْرٍ قال حدّثنا عاصِمٌ قال حدّثنا واقِدٌ عَنْ أبِيهِ عنِ ابنِ عُمَرَ أَوِ ابنِ عَمْروٍ قال شَبَّكَ النبيُّ عَّهِ أَصَابِعَهُ. وقال عاصِمُ بنُ عَلِي حدّثنا عاصِمُ بنُ مُحَمَّدٍ سَمِعْتُ هَذَا الحَدِيثَ مِنْ أبي فَلَمْ أَحْفَظْهُ فَقَوَّمَهُ لِي وَاقِدٌ عَنْ أَبِيهِ قال سَمِعْتُ أبي وَهُوَ يَقُولُ قال عَبْدُ اللهِ قال رسولُ اللَّهِ عَ لِّ يَا عَبْدَ الله بنَ عَمْروٍ كَيْفَ بِكَ إِذَا بَقِيت فِي حُثَالَةٍ مِنَ الناسِ بِهَذَا وَلَفْظُهُ فِي جَمْعِ الحُمَّيْدِيّ في مْشَدِ ابنِ عُمَرَ شَبَّك النّبِي عَّهِ أَصَابِعَهُ وقال كَيْفَ أَنْتَ يا عَبْدَ اللهِ إذَا بَقِيَتَ فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ قَدْ مَرَجَتْ عُهُودُهُمْ وأمانَاتُهُمْ وَاخْتَلَفُوا فَصَاروا هَكَذَا وَشَبَّكَ بَيْنَ أصابِعِهِ قال فَكَيْفَ أَفْعَلُ يا رَسولَ الله قال تأخذُ ما تَعرِفُ وَتَدَعُ ما تُنكِرُ وتُقْبِلُ على خاصِتَّكَ وتَدَعُهُمْ وَعَوَامَّهُمْ. مطابقته للترجمة في أحد جزئيها، واكتفى البخاري بدلالته على بعض الترجمة حيث دل أبي هريرة على تمامها. ذكر رجاله فيه تسعة أنفس: الأول: حامد بن عمر البكراوي من ذرية أبي بكر الثقفي نزيل نيسابور، وقاضي كرمان، روى عنه مسلم أيضاً، مات بنيسابور أول سنة ثلاث وثلاثين ومائتين. الثاني: بشر، بكسر الباء الموحدة: ابن المفضل الرقاشي الحجة، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً ويصلي كل يوم أربعمائة ركعة، مات سنة تسع وثمانين ومائة. الثالث: عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العمري المدني، وثقه أحمد وغيره. الرابع: أخو عاصم، وهو: واقد، بالقاف: ابن محمد بن زيد المذكور، وثقه أبو زرعة وغيره. الخامس: أبوه محمد بن عبد الله، وثقه غير واحد. السادس: عبد الله بن عمر بن الخطاب. ٣٨٣ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (٨٨) السابع: عبد الله بن عمرو بن العاص. الثامن: أبو عبد الله وهو البخاري نفسه. التاسع: عاصم بن علي بن عاصم بن صهيب الواسطي شيخ البخاري والدارمي، وفي (تهذيب التهذيب): كان من ثقات الشيوخ وأعيانهم. وقال ابن معين: ضعيف، وفي رواية: ليس بشيء، وفي رواية: ليس بثقة، وفي رواية: كذاب، مات في نصف رجب سنة إحدى وعشرين ومائتين. ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع. وفيه: العنعنة في أربعة مواضع. وفيه: القول والسماع. وفيه: الشك بين عبد الله بن عمر بن الخطاب وبين عبد الله بن عمرو بن العاص، والظاهر أن الشك من واقد. وفيه: أن رواته ما بين بصري ومدني. ذكر معناه) قوله: ((قال عاصم بن علي)) تعليق من البخاري ووصله إبراهيم الحربي في (غريب الحديث) له، قال: حدّثنا عاصم بن علي حدّثنا عاصم بن محمد عن واقد سمعت أبي يقول: قال عبد الله، قال: رسول الله عَّةٍ، فذكره. قوله: ((في حثالة)) بضم الحاء المهملة وتخفيف الثاء المثلثة، قال ابن سيده: هو ما يخرج من الطعام من زوان ونحوه مما لا خير فيه. وقال اللحياني: هو جل من التراب والدقاق قليلاً، وخصه بالحنطة، والحثالة والحثل: الرديء من كل شيء، وقيل: هو القشارة من التمر والشعير وما أشبههما، وحثالة القرط نقايته. قوله: ((مرجت عهودهم))، قال أبو المعالي في (المنتهى): مرجت عهودهم: إذا لم تثبت، وأمرجوها: إذا لم يوفوا بها وخلطوها، ومرجت أمانتهم فسدت، ومرج الدين اختلط واضطرب. وفي (المحكم): مرج الأمر مرجاً فهو مارج ومريج: التبس واختلط، ومرج أمره يمرجه: ضيَّعه، ورجل ممارج يمرج أموره ولا يحكمها ومرج العهد والدين والأمانة: فسد، وأمرج عهده: لم يف به، قوله: ((وشبك بين أصابعه))، أي: شبك النبي عَّلَّه بين أصابعه ليمثل لهم اختلاطهم. ذكر ما يستفاد منه فيه: جواز تشبيك الأصابع سواء في المسجد أو غيره لإطلاق الحديث، ولكن العلماء اختلفوا في تشبيك الأصابع في المسجد وفي الصلاة، وكره إبراهيم ذلك في الصلاة، وهو قول مالك، ورخص في ذلك ابن عمر وابنه سالم، فكان يشبكان بين أصابعهما في الصلاة، ذكره ابن أبي شيبة، وكان الحسن البصري يشبك بين أصابعه في المسجد. وقال مالك: إنهم لينكرون تشبيك الأصابع في المسجد وما به بأس. وإنما يكره في الصلاة، وقد ورد النهي عن ذلك في أحاديث. منها: ما أخرجه ابن حبان في (صحيحه)، فقال: حدّثنا أبو عروبة حدّثنا محمد بن سعدان حدثنا سليمان بن عبد الله عن عبيد الله بن عمر عن زيد بن أبي أنيسة عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة: ((أن النبي عَّه قال له: يا كعب، إذا توضأت فأحسنت الوضوء، ثم خرجت إلى المسجد فلا تشبك بين أصابعك فإنك في صلاة)). ومنها: ما أخرجه الحاكم في (مستدركه) من حديث إسماعيل بن أمية عن سعيد عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله عَ ليه: ((إذا توضأ أحدكم في بيته ثم أتى المسجد كان في صلاة حتى يرجع فلا يفعل هكذا، وشبك بين أصابعه))، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين. ومنها: ما رواه ابن أبي شيبة ٣٨٤ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (٨٨) عن وكيع عن عبد الله بن عبد الرحمن بن موهب عن عمه عن مولى لأبي سعيد، وهو مع رسول الله عَّله، فدخل رسول الله عَ لَّ المسجد فرأى رجلاً جالساً وسط الناس وقد شبك بين أصابعه يحدث نفسه، فأومأ إليه رسول الله عَّله فلم يفطن له، فالتفت إلى أبي سعيد فقال: ((إذا صلى أحدكم فلا يشبكن بين أصابعه، فإن التشبيك من الشيطان)). فإن قلت: هذه الأحاديث معارضة لأحاديث الباب قلت: غير مقاومة لها في الصحة، ولا مساوية. وقال ابن بطال: وجه إدخال هذه الترجمة في الفقه معارضة بما روي من النهي عن التشبيك في المسجد، وقد وردت فيه مراسيل، ومسند من طرق غير ثابتة قلت: كأنه أراد بالمسند حديث كعب بن عجرة الذي ذكرناه فإن قلت: حديث كعب هذا رواه أبو داود وصححه ابن خزيمة وابن حبان قلت: في اسناده اختلاف، فضعفه بعضهم بسببه، وقيل: ليس بين هذه الأحاديث معارضة لأن النهي إنما ورد عن فعل ذلك في الصلاة أو في المضي إلى الصلاة وفعله عَ ليه ليس في الصلاة ولا في المضي إليها معارضة إذاً، وبقي كل حديث على حياله فإن قلت: في حديث أبي هريرة الذي في الباب وقع تشبيكه عَّه وهو في الصلاة قلت: إنما بعد انقضاء الصلاة في ظنه فهو في حكم المنصرف عن الصلاة، والرواية التي فيها النهي عن ذلك ما دام في المسجد ضعيفه، لأن فيها ضعيفاً ومجهولاً، وقد رواها ابن أبي شيبة، ولفظه: ((إذا صلى أحدكم فلا يشبكن بين أصابعه، فإن التشبيك من الشيطان، وإن أحدكم لا يزال في صلاة ما دام في المسجد حتى يخرج منه)) وقال ابن المنير: التحقيق أنه ليس بين هذه الأحاديث تعارض، إذا المنهي عنه فعله على وجه العبث والذي في الحديث إنما هو المقصود التمثيل وتصوير المعنى في اللفظ فإن قلت: ما حكمه النهي عن التشبيك؟ قلت: أُجيب بأجوبة. الأول: لكونه من الشيطان، كما مر الآن. الثاني: لأنه يجلب النوم، وهو من مظان الحدث. الثالث: أن صورة التشبيك تشبه صورة الاختلاف، كما نبه عليه في حديث ابن عمر، فكره ذلك لمن هو في حكم الصلاة حتى لا يقع في المنهي عنه. قوله: عَ لّم. للمصلين: ((ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم))، والله تعالى أعلم. ٤٨١/١٣٨ - حدّثنا خَلاَّدُ بنُ يَخیی قال حدّثنا سُفْيَانُ عن أبي بُرْدَةَ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ أبي بُرْدَةَ عَنْ جَدِّهِ عَنْ أبي مُوسَى عنِ النبيِّ عَّ له قال إنَّ المُؤْمِنِ كالْبِنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً وَشَبَّكَ عَ لَّهِ أَصَابِعَهُ. [الحديث ٤٨١ - طرفاه في: ٢٤٤٦، ٦٠٢٦]. مطابقته للترجمة في أحد جزئيها كما ذكرنا في حديث ابن عمر السابق. ذكر رجاله وهم خمسة: الأول: خلاد بن يحيى بن صفوان أبو محمد السلمي الكوفي، سكن مكة ومات بها قريباً من ثلاث عشرة ومائتين. الثاني: سفيان الثوري. الثالث: أبو بردة، بضم الباء الموحدة واسمه بريد، مصغر برد، عبد الله بن بردة بن أبي موسى الأشعري الكوفي. الرابع: أبو بردة بن أبي موسى الكوفي الفقيه قاضي الكوفة اسمه: الحارث، وقيل: عامر وهو جد أبي بردة الأول. الخامس: أبو موسى الأشعري واسمه: عبد الله بن قیس، رضي الله تعالی عنه. ٣٨٥ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (٨٨) ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: شيخ البخاري من أفراده. وفيه: الكشمهيني: حدّثنا سفيان عن بريد، بتصريح اسمه. وفيه: أن رواته كوفيون. وفيه: رواية الأب عن جده ورواية جده عن أبيه. ذكر تعدد مواضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري أيضاً في الأدب عن محمد بن يوسف، وفي المظالم عن أبي كريب. وأخرجه مسلم في الأدب عن أبي بكر عبد الله بن بردة وعن أبي كريب عن ابن إدريس. وأخرجه الترمزي في البر عن الحسن بن علي الخلال وغير واحد، كلهم عن أبي أسامة. وأخرجه النسائي في الزكاة عن عبد الله بن الهيثم عن عثمان. ذكر معناه قوله: ((كالبنيان))، بضم الباء الموحدة، أي: كالحائط، وهو بمعنى المصدر أيضاً من بني يبنى. قوله: ((يشد)) مضارع، وفاعله: بعضه، و: بعضاً، مفعوله. وفي رواية المستملي: ((شد))، على صيغة الماضي. قوله: ((وشبك))، أي: رسول الله عَ لَّه. ٤٨٢/١٣٩ - حدثنا إسْحَاقُ قال حدّثنا ابنُ شمَيْلٍ أخبرنا ابنُّ عَوْنِ عنِ ابنِ سِيرِينَ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ عَلَّهِ إحدَى صَلاَتِي الْعَشِيَّ قالَ سِيرِينَ قَد سَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرةَ وَلَكِنْ نَسِيتُ أنا قالَ فَصَلَّى بِنَا رَكْعَثْنِ ثُمَّ سَلَّمَ فقامَ إِلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فَي المَسْجِدِ فَاتَّكَأَ عَلَيْها كأنَّهُ غَضْبَانُ ووضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى اليُسْرَى وشَبَّكَ بَيْنَ أَصابِعِهِ وَوَضَعَ خَدَّهُ الأَيْمَنَ عَلَى ظَهْرِ كِفَّهِ اليُسْرَى وَخَرَجَتِ السَّرَعانُ مِنْ أَبْوَابِ المَسْجِدِ فقالُوا قَصُرَتِ الصَّلاَةُ وفِي القَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَهَابَهُ أنْ يُكَلِّمَاهُ وفِي القَوْمِ رَجُلٌ فِي يَدَيْهِ طُولٌ يُقَالُ لَهُ ذُو اليَدَيْنِ قال يا رسوَلَ اللَّهِ أَنَّسيتَ أمْ قَصُرَتِ الصَّلاَةُ قَالَ لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ فقالَ أكَما يَقُولُ ذُو اليَدَيْنِ فقالُوا نَعَمْ فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى ما تَرَكَ ثُمَّ سِلَّمَ ثُم كَبَّرَ وِسَجَدَ مِثْلَ سْجُودِهِ أوْ أْوَلَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وكَبَّرَ ثُمَّ كَثَرَ وسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْولَ ثُمَ رَفَعَ رْسَهُ وكَثَّرَ فَّا سألُوهُ ثُمَّ سَلَّمَ فَيَقُولُ ثُجِئْتُ أَنَّ عِمْرانَ بنَ محُصَيْنٍ قال ثُمَّ سَلَّمَ. [الحديث ٤٨٢ - أطرافه في: ٧١٤، ٧١٥، ١٢٢٧، ١٢٢٨، ١٢٢٩، ٦٠٥١، ٧٢٥٠]. مطابقته للترجمة ظاهرة، والحديث يدل على تمامها، لآن التشبيك إذا جاز في المسجد ففي غيره أولى بالجواز. ذكر رجاله وهم خمسة: الأول: إسحاق بن منصور بن بهرام، تقدم في باب فضل من علم. الثاني: النضر بن شميل، بضم المعجمة، تقدم في باب العنزة. الثالث: عبد الله بن عون، تقدم. الرابع: محمد بن سيرين، تكرر ذكره. الخامس: أبو هريرة. ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين، الإخبار كذلك في موضع واحد. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: أن إسحاق بن منصور هو المجزوم به عند أبي نعيم. وفيه: أن رواته ما بين مروزي وبصري. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري أيضاً عن عبد الله بن مسلمة عن ٣٨٦ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (٨٨) مالك وعن حفص بن عمرو عن آدم عن شعبة. وأخرجه مسلم عن قتيبة عن مالك وعن حجاج بن الشاعر. وأخرجه أبو داود في الصلاة عن علي ابن نصر بن علي، وعن محمد بن عبيد وعن معاذ عن أبيه. وأخرجه النسائي فيه عن حميد بن مسعدة عن يزيد ابن زريع، وعن عمرو بن عثمان. وأخرجه ابن ماجه فيه عن علي بن محمد عن أبي أسامة. وأخرج الطحاوي هذا الحديث من ثلاثة عشر طريقاً. ذكر معناه. قوله: ((إحدى صلاتي العشي))، هكذا في رواية الأكثرين، وفي رواية الحموي والمستملي: ((العشاء))، بالمد، والظاهر أنه وهم لأنه صح في رواية أخرى للبخاري: ((صلى بنا النبي عَّ الظهر أو العصر)). وفي رواية مسلم: ((صلى بنا النبي عَّ ◌ُلّه العصر فسلم في ركعتين))، وفي أخرى له. ((صلى ركعتين من صلاة الظهر ثم سلم))، وفي رواية أبي داود: ((صلى بنا رسول الله عَ ل إحدى صلاتي العشى الظهر أو العصر))، وفي رواية الطحاوي: ((صلى بنا رسول الله عَّه إحدى صلاتي العشى الظهر أو العصر، وأكبر ظني أنه ذكر صلاة الظهر)). قوله: ((وأكبر ظني أنه ذكر صلاة الظهر)) هو قول ابن سيرين أي: أكبر ظني أن أبا هريرة ذكر صلاة الظهر، وكذا ذكره البخاري في كتاب الأدب، وأطلق على الظهر والعصر صلاتي العشى، لأن العشى يطلق على ما بعد الزوال إلى المغرب فإن قلت: قال الجوهري: العشي والعشية من صلاة المغرب إلى العتمة؟ قلت: الذي ذكره هو أصل الوضع، وفي الإستعمال يطلق على ما ذكرناه، وقال الأزهري: العشي، بفتح العين وكسر الشين وتشديد الياء: ما بين زوال الشمس وغروبها. قوله: ((معروضة)) أي: موضوعة بالعرض أو مطروحة في ناحية المسجد. قوله: ((وضع يده اليمنى))، يحتمل أن يكون هذا الوضع حال التشبيك وأن يكون بعد زواله، وعند الكشمهيني: ((وضع خده الأيمن)) بدل: يده اليمنى)). قوله: ((السرعان)) قال الجوهري: سرعان الناس، بالتحريك: أوائلهم، ويقال: أخفاؤهم والمستعجلون منهم، ويلزم الإعراب نونه في كل وجه، وهو الصواب الذي قاله الجمهور من أهل الحديث واللغة، وكذا ضبطه المتقنون. وقال ابن الأثير: السرعان، بفتح السين والراء: أوائل الناس الذين يتسارعون إلى الشيء ويقبلون عليه بسرعة، ويجوز تسكين الراء قلت: وكذا نقل القاضي عن بعضهم، قال: وضبطه الأصيلي في البخاري، بضم السين وإسكان الراء، ووجهه أنه جمع سريع كقفيز وقفزان، وكثيب وكثبان، ومن قال: سرعان، بكسر السين فهو خطأ. وقيل: يقال أيضاً: سرعان بكسر السين والراء وهو جمع: سريع، كرعيل ورعلان. وأما أقوالهم: سرعان ما فعلت، ففيه ثلاث لغات: الضم والكسر والفتح مع إسكان الراء والنون مفتوحة أبداً. قوله: ((قصرت الصلاة)) بضم القاف وكسر الصاد ويروى بفتح القاف وضم الصاد. قوله: ((فهاباه)) أي هاب أبو بكر وعمر النبي عَّ طله، ويروى: ((فهابا))، بدون الضمير المنصوب، وهو من الهيبة، وهو: الخوف والإجلال، وقد هابه يهابه، والأمر منه: هب، بفتح الهاء. قوله: ((أن يكلماه)) كلمة أن، مصدرية، والتقدير: من التكليم. قوله: ((وفي القوم رجل)) جملة إسمية وقعت حالاً. قوله: ((ذو اليدين)) ٣٨٧ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (٨٨) فيه روايات: ففي رواية الطحاوي: ((فقام رجل طويل اليدين كان رسول الله عَ لّهِ سماه ذا اليدين)). وفي رواية: ((فقام ذو اليدين))، وفي رواية: ((فقام رجل من بني سليم))، وفي رواية: ((رجل يقال له الخرباق بن عمرو، وكان في يديه طول)). وفي رواية: ((وكان رجلاً بسيط اليدين))، وقع ذلك في رواية الطحاوي في حديث عمران بن حصين: ((أن رسول الله عَ لّه صلى بهم الظهر ثلاث ركعات ثم سلم وانصرف، فقال له الخرباق: يا رسول الله إنك صليت ثلاثاً؟ فجاء فصلى ركعة ثم سجد سجدتين للسهو ثم سلم)). وأخرجه أحمد أيضاً في (مسنده) والطبراني في (الكبير). وخرباق، بكسر الخاء المعجمة: ابن عبد عمرو السلمي، وهو الذي يقال له: ذو اليدين وذو الشمالين أيضاً وكلاهما لقب عليه وقال السمعاني في الأنساب ذو اليدين ويقال له ذو الشمالين لأنه كان يعمل بيديه جميعاً. وقال ابن حبان في (الثقات): ذو اليدين، ويقال له: ذو الشمالين أيضاً: ابن عبد عمرو بن فضلة الخزاعي. وقال أبو عبد الله العدني في (مسنده): قال أبو محمد الخزاعي: ذو اليدين أحد أجدادنا، وهو ذو الشمالين بن عمرو بن ثور بن ملكان بن أفضى بن حارثة بن عمرو بن عامر، وقال ابن أبي شيبة في (مصنفه): حدّثنا ابن فضيل عن حصين عن عكرمة قال: ((صلى النبي عَّ له بالناس ثلاث ركعات ثم انصرف، فقال له بعض القوم: حدث في الصلاة شيء؟ وما ذلك؟ قالوا: لم نصل إلاّ ثلاث ركعات. فقال: أكذاك يا ذا اليدين؟ وكان يسمى ذا الشمالين، فقال: نعم. فصلى ركعة وسجد سجدتين)) وقال ابن الأثير في (معرفة الصحابة): ذو اليدين اسمه الخرباق من بني سليم، كان نزل بذي خشب من ناحية المدينة، وليس هو ذا الشمالين خزاعي حليف لبني زهرة، قتل يوم بدر، وأن قصة ذي الشمالين كانت قبل بدر، ثم أحكمت الأمور بعد ذلك. وقال القاضي عياض في (شرح مسلم): وأما حديث ذي اليدين فقد ذكر مسلم في حديث عمران بن حصين أن اسمه الخرباق، وكان في يديه طول. وفي الرواية الأخرى: بسيط اليدين، وفي حديث أبي هريرة: رجل من بني سليم ووقع للعذري: سلم وهو خطأ، وقد جاء في حديث عبيد بن عمير مفسراً، فقال فيه: ذو اليدين أخو بني سليم، وفي رواية الزهري: ذو الشمالين رجل من بني زهرة، وبسبب هذه الكلمة ذهب الحنفيون إلى أن حديث ذي اليدين منسوخ بحديث ابن مسعود، قالوا: لأن ذا الشمالين قتل يوم بدر فيما ذكره أهل السير، وهو من بني سليم، فهو ذو اليدين المذكور في الحديث، وهذا لا يصح لهم، وإن قتل ذو الشمالين يوم بدر فليس هو بالخرباق، وهو رجل آخر حليف لبني زهرة اسمه: عمير بن عبد عمرو من خزاعة، بدليل رواية أبي هريرة حديث ذي اليدين ومشاهدته خبره، ولقوله: صلى بنا رسول الله عَّه، وذكر الحديث، وإسلام أبي هريرة بخبر بعد يوم بدر بسنتين، فهو غير ذي الشمالين المستشهد ببدر، وقد عدوا قول الزهري فيه هذا من وهمه، وقد عدهما بعضهم حديثين في نازلتين وهو الصحيح لاختلاف صفتهما، لأن في حديث الخرباق ذا الشمالين أنه: سلم من ثلاث، وفي حديث ذي اليدين: من اثنتين، وفي حديث ٣٨٨ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (٨٨) الخرباق: إنها العصر، وفي حديث ذي اليدين: الظهر لغير شك عند بعضهم، وقد ذكر مسلم ذلك كله. انتهى. وقال أبو عمر: ذو اليدين غير ذي الشمالين المقتول ببدر بدليل ما في حديث أبي هريرة. وأما قول الزهري في هذا الحديث: أنه ذو الشمالين، فلم يتابع عليه. قلت: الجواب على ذلك كله مع تحرير الكلام في هذا الموضع أنه: وقع في كتاب النسائي: ذا اليدين وذا الشمالين واحد، كلاهما لقب على الخرباق كما ذكرنا حيث قال: أخبرنا محمد بن رافع حدّثنا عبد الرزاق حدّثنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وأبي بكر بن سليمان بن أبي خيثمة عن أبي هريرة قال: ((صلى النبي عَّه الظهر أو العصر فسلم من ركعتين فانصرف، فقال له ذو الشمالين ابن عمرو: أنقضت الصلاة أم نسيت؟ فقال النبي عَّه: ما يقول ذو اليدين؟ قالوا: صدق يا رسول الله، فأتم لهم الركعتين اللتين نقصتا)»، وهذا سند صحيح متصل صرح فيه بأن ذا الشمالين هو ذو اليدين. وقال النسائي أيضاً: أن هارون بن موسى الفروي حدثني أبو ضمرة عن يونس عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سلمة عن أبي هريرة قال: ((نسي رسول الله عَُّلّ فسلم في سجدتين، فقال ذو الشمالين: اقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ قال رسول الله عَّله: أصدق ذو اليدين؟ قالوا: نعم، فقام رسول الله عَ ليه فأتم الصلاة))، وهذا أيضاً سند صحيح صريح فيه أيضاً أن: ذا الشمالين، هو: ذو اليدين. وقد تابع الزهري على ذلك عمران بن أبي أنس، قال النسائي: أخبرنا عيسى بن حماد أخبرنا الليث عن زيد بن أبي حبيب عن عمران بن أبي أنس عن أبي سلمة عن أبي هريرة: ((أن رسول الله عَّله، صلى يوماً فسلم في ركعتين ثم انصرف، فأدركه ذو اليدين فقال: يا رسول الله انقصت الصلاة أم نسيت؟ فقال: لم تنقص الصلاة ولم أنس! قال: بلى، والذي بعثك بالحق! قال رسول الله عَّةٍ، أصدق ذو اليدين؟ قالوا: نعم فصلى بالناس ركعتين)): وهذا يضاً سند صحيح على شرط مسلم. وأخرج نحوه الطحاوي: عن ربيع المؤذن عن شعيب بن الليث عن الليث عن يزيد بن أبي حبيب إلى آخره نحوه، فثبت أن الزهري لم ينفرد بذلك، وأن المخاطب للنبي عَّهِ ذو الشمالين، وأن من قال ذلك لم يهم، ولا يلزم من عدم تخريج ذلك في الصحيح عدم صحته، فثبت أن ذا اليدين وذا الشمالين واحد، وهذا أولى من جعله رجلين لأنه خلاف الأصل في هذا الموضع فإن قلت: أخرج البيهقي حديثاً واستدل به على بقاء ذي اليدين بعد النبي عَّه، فقال: الذي قتل ببدر هو ذو الشمالين بن عبد عمرو بن فضلة، حليف بني زهرة من خزاعة: وأما ذو اليدين الذي أخبر النبي عَ ◌ّه، بسهوه فإنه بقي بعد النبي عَّم. كذا ذكره شيخنا أبو عبد الله الحافظ، ثم خرج عنه بسنده إلى معدي بن سليمان، قال: حدثني شعيب بن مطير عن أبيه ومطير حاضر فصدقه، قال شعيب: يا أبتاه أخبرتني أن ذا اليدين لقيك بذي خشب فأخبرك أن رسول الله عَّهِ: الحديث؛ ثم قال البيهقي: وقال بعض الرواة: في حديث أبي هريرة، فقال ذو الشمالين: يا رسول الله أقصرت الصلاة؟ وكان شيخنا أبو عبد الله يقول: كل من قال ذلك فقد أخطأ، فإن ذا الشمالين تقدم موته ولم يعقب وليس له راو قلت: سنده ضعيف لأن فيه ٣٨٩ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (٨٨) معدي بن سليمان، فقال أبو زرعة: واهي الحديث، وقال النسائي: ضعيف الحديث. وقال أبو حاتم: يحدث عن ابن عجلان مناكير. وقال ابن حبان: يروي المقلوبات عن الثقات، والملزومات عن الأثبات لا يجوز الإحتجاج به إذا انفرد. وفي سنده أيضاً شهيب لم يعرف حاله وولده مطير، قال فيه ابن الجارود: روى عنه ابنه شعيب لم يكتب حديثه، وفي (الضعفاء) للذهبي: لم يصح حديثه، وفي (الكاشف): مطير بن سليم عن ذي الزوائد وعنه أبناء شعيب وسليم لم يصح حديثه. ولضعف هذا السند قال البيهقي في (كتاب المعرفة): ذو اليدين بقي بعد النبي عَّ. فيما يقال، ولقد أنصف وأحسن في هذه العبارة، ثم إن قول شيخه أبي عبد الله: كل من قال ذلك فقد أخطأ، غير صحيح، روى مالك في (موطئه) عن ابن شهاب عن ابن أبي بكر بن سليمان عن أبي خيثمة: ((بلغني أن رسول الله عَّهِ ركع ركعتين في إحدى صلاتي النهار، الظهر أو العصر، فسلم من اثنتين، فقال له ذو الشمالين، رجل من بني زهرة بن كلاب: أقصرت الصلاة؟)) ... الحديث، وفي آخره: مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن مثل ذلك، فقد صرح في هذه الرواية أنه ذو الشمالين وأنه من بني زهرة فإن قلت: هو مرسل. قلت: ذكر أبو عمر في (التمهيد): أنه متصل من وجوه صحاح، والدليل عليه ما ذكرنا مما رواه النسائي آنفاً، ثم قول الحاكم عن ذي الشمالين: لم يعقب يفهم من ظاهره أن ذا اليدين أعقب، ولا أصل لذلك فيما قد علمناه، والله تعالى أعلم. فإن قلت: إن ذا اليدين وذا الشمالين إذا كانا لقباً على شخص واحد على ما زعمتم - فحينئذ يدل على أن أبا هريرة لم يحضر تلك الصلاة، وذلك لأن ذا اليدين الذي هو ذو الشمالين قتل ببدر، وأبو هريرة أسلم عام خيبر وهو متأخر بزمان كثير، ومع هذا فأبو هريرة يقول: ((صلى بنا رسول الله عَّه إحدى صلاتي العشي، إما الظهر أو العصر)) ... الحديث، وفيه: ((فقام ذو اليدين فقال يا رسول الله)) ... أخرجه مسلم وغيره. وفي رواية: ((صلى بنا رسول الله، عليه الصلاة والسلام، فسلم في ركعتين فقام ذو اليدين)) ... الحديث قلت: أجاب الطحاوي بأن معناه: صلى بالمسلمين، وهذا جائز في اللغة، كما روي عن النزل بن سبرة قال: ((قال لنا رسول الله عَّله: أنا وإياكم كنا ندعى بني عبد مناف)) ... الحديث والنزال لم ير رسول الله عَّه، وإنما أراد بذلك: قال لقومنا، وروي عن طاووس، قال: ((قدم علينا معاذ بن جبل فلم يأخذ من الخضراوات شيئاً، وإنما أراد: قدم بلدنا، لأن معاذاً قدم اليمن في عهد رسول الله عَّهِ، قبل أن يولد طاوس))، ومثله ما ذكره البيهقي في باب: البيان أن النهي مخصوص ببعض الأمكنة عن مجاهد، قال: جاءنا أبو ذر، رضي الله تعالى عنه؟ إلى آخره. قال البيهقي: مجاهد لا يثبت له سماع من أبي ذر. وقوله: ((جاءنا))، أي: بلدنا. فافهم. قوله: ((لم أنس ولم تقصر))، أي: الصلاة، وفي رواية مسلم: ((كل ذلك لم يكن))، وفي رواية أبي داود: ((كل ذلك لم أفعل))، قال النووي فيه تأويلان: أحدهما: أن معناه لم يكن المجموع، ولا ينفي وجود أحدهما. والثاني: هو الصواب، معناه: لم يكن لا ذلك ولا ٣٩٠ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (٨٨) ذا في ظني، بل ظني أني أكملت الصلاة أربعاً. ويدل على صحة هذا التأويل، وأنه لا يجوز غيره، أنه جاء في رواية للبخاري في هذا الحديث: أن النبي عَِّ قال: ((لم نقصر ولم أنس يرجع إلى السلام أي: لم أنس فيه إنما سلمت قصداً، ولم أنس في نفس السلام، وإنما سهوت عن العدد. قال القرطبي: وهذا فاسد، لأنه حينئذ لا يكون جواباً عما سئل عنه. ويقال: بين النسيان والسهو فرق، فقيل: كان عَّمِ يسهو ولا ينسى، فلذلك نفي عن نفسه النسيان، لأن فيه غفلة، ولم يغفل. قاله القاضي. وقال القشيري: هذا الفرق بينهما في استعمال اللغة، وكأنه يلوح من اللفظ على أن النسيان عدم الذكر الأمر لا يتعلق بالصلاة، والسهو عدم الذكر لأمر يتعلق بها، ويكون النسيان الإعراض عن تفقد أمورها حتى يحصل عدم الذكر، والسهو عدم الذكر لا لأجل الإعراض. وقال القرطبي: لا نسلم الفرق، ولئن سلم فقد أضاف النبي عَّه النسيان إلى نفسه في غير ما موضع، بقوله: ((إنما أنا بشر أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني)). وقال القاضي: إنما أنكر عَّ نسيت المضافة إلى نفسه، وهو قد نهى عن هذا بقوله: ((بئسما لأحدكم أن يقول: نسيت كذا، ولكنه نسي)). وقد قال أيضاً: لا أنسى، وقد شك بعض الرواة في روايته، فقال: أنسى أو أنسى، وأن: أو للشك أو للتقسيم، وأن هذا يكون منه مرة من قبل شغله، ومرة يغلب ويجبر عليه، فلما سأله السائل بذلك أنكره. وقال: ((كل ذلك لم يكن)) وفي الأخرى: ((لم أنس ولم تقصر))، أما القصر فبين، وكذلك: لم أنس، حقيقة من قبل نفسي ولكن الله تعالى أنساني، ويمكن أن يجاب عما قاله القاضي: أن النهي في الحديث عن إضافة نسيت إلى الآية الكريمة لأنه يقبح للمؤمن أن يضيف إلى نفسه نسيان كلام الله تعالى، ولا يلزم من هذا النهي الخاص النهي عن إضافته إلى كل شيء. فافهم. وذكر بعضهم أن العصمة ثابتة في الإخبار عن الله تعالى، وأما إخباره عن الأمور الوجودية فيجوز فيها النسيان قلت: تحقيق الكلام في هذا المقام أن قوله: لم ينس ولم تقصر الصلاة، مثل قوله: كل ذلك لم يكن، والمعنى: كل من القصر والنسيان لم يكن، فيكون في معنى: لا شيء منهما بكائن، على شمول النفي وعمومه لوجهين: أحدهما: أن السؤال عن أحد الأمرين: بأم، ويكون لطلب التعيين بعد ثبوت أحدهما عند المتكلم، لا على التعيين، غير أنه إنما يكون بالتعيين أو بنفيهما جميعاً تخطئه للمستفهم لا بنفي الجمع بينهما، حتى يكون نفي العموم لأنه عارف بأن الكائن أحدهما. والثاني: لما قال عَّ: كل ذلك لم يكن، قال له ذو اليدين: قد كان بعض ذلك. ومعلوم أن الثبوت للبعض إنما ينافي النفي عن كل فرد لا النفي عن المجموع. وقوله: قد كان بعض ذلك، موجبة جزئية ونقيضها السالبة الكلية، ولولا أن ذا اليدين فهم السلب الكلي لما ذكر في مقابلته الإيجاب الجزئي، وههنا قاعدة أخرى وهي: أن لفظة: كل إذا وقعت في حيز النفي كان النفي موجبها خاصة، وأفاد بمفهومه ثبوت الفعل لبعض الأفراد، كقولك: ما جاء كل القوم ولم آخذ كل الدراهم. وقوله. ماكل ما يتمنى المرء يدركه ٣٩١ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (٨٨) وإن وقع النفي في حيزها اقتضى السلب عن كل فرد. كقوله عَّ ◌ُله: ((كل ذلك لم یکن)). قوله: ((أكما يقول ذو اليدين؟)) أي: الأمر كما يقول. قوله: ((فقالوا: نعم))، وفي رواية للبخاري: ((فقال الناس: نعم))، وفي رواية أبي داود: ((فأومأوا)) أي: نعم، وفي أكثر الأحاديث قالوا: نعم، ويمكن أن يجمع بينهما بأن بعض أوما، وبعضهم تكلم. وسنذكر وجه هذا عن قريب. قوله: ((فربما سألوه) فربما سألوا ابن سيرين: هل في الحديث: ثم سلم، يعني: سألوا ابن سيرين أن رسول الله عَّ له بعد هذا السجود سلم مرة أخرى، أو اكتفى بإسلام الأول؟ وكلمة: رب، أصلها للتقليل، وكثر استعمالها في التكثير، وتلحقها كلمة: ما، فتدخل على الجمل. قوله: ((فيقول: نبئت))، بضم النون: أي أخبرت أن عمران بن حصين قال: ثم سلموا، وهذا يدل على أنه لم يسمع من عمران، وقد بين أبو داود في روايته عن ابن سيرين الواسطة بينه وبين عمران، فقال: حدّثنا محمد بن يحيى بن فارس حدّثنا محمد بن عبد الله بن المثنى قال حدثني أشعث عن محمد بن سيرين عن خالد عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن حصين: ((أن رسول الله عَّ له، صلى بهم وسها، فسجد سجدتين ثم تشهد ثم سلم)). ورواه النسائي والترمزي وقال: حسن غريب، ورواه الطحاوي من حديث شعبة عن خالد الحذاء، قال: سمعت أبا قلابة يحدث عن عمه أبي المهلب عن عمران بن حصين: ((أن رسول الله عَّ الَّه صلى بهم الظهر ثلاث ركعات ثم سلم وانصرف، فقال له الخرباق: يا رسول الله إنك صليت ثلاثاً! قال: فجاء فصلى ركعة ثم سلم ثم سجد سجدتين للسهو ثم سلم)). وأبو قلابة اسمه: عبد الله بن زيد الحرمي، وعمه أبو المهلب اسمه: عمرو بن معاوية، قاله النسائي. وقيل: عبد الرحمن بن معاوية، وقيل: معاوية بن عمرو، وقيل: عبد الرحمن بن عمرو، وقيل: النضر بن عمرو، وفي رواية أبي داود: رواية الأكابر عن الأصاغر. ذكر ما يستنبط منه من الأحكام وهو على وجوه: الأول: فيه دليلاً على أن سجود السهو سجدتان. الثاني: فيه حجة لأصحابنا الحنفية أن سجدتي السهو بعد السلام، وهو حجة على الشافعي ومن تبعه في أنها قبل السلام. الثالث: أن الذي عليه السهو إذا ذهب من مقامه ثم عاد وقضى ما عليه هل يصح؟ فظاهر الحديث يدل على أنه يصح، لأنه قال في رواية عمران بن حصين: ((فجاء فصلى ركعة))، وفي رواية غيره من الجماعة: ((فتقدم وصلى))، وهو رواية البخاري ههنا، وفي رواية: ((فرجع رسول الله عٍَّ إلى مقامه))، ولكن اختلف الفقهاء في هذه المسألة، فعند الشافعي فيها وجهان: أصحهما: أنه يصح لأنه ثبت في صحيح مسلم: ((أنه، عليه السلام، مشى إلى الجذع وخرج السرعان)). وفي رواية: ((دخل منزله)). وفي رواية: ((دخل الحجرة ثم خرج ورجع الناس وبنى على صلاته)). والوجه الثاني: وهو المشهور عندهم: أن الصلاة تبطل، بذلك قال النووي، وهذا مشكل، وتأويل الحديث صعب على من أبطلها، ونقل عن مالك أنه ٣٩٢ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (٨٨) ما لم ينتقض وضوؤه يجوز له ذلك وإن طال الزمان، وكذا روي عن ربيعة، مستدلين بحديث عمران. ومذهب أبي حنيفة في هذه المسألة: إذا سلم ساهياً على الركعتين وهو في مكانه لم يصرف وجهه عن القبلة ولم يتكلم عاد إلى القضاء لما عليه، ولو اقتدى به رجل يصح اقتداؤه به، أما إذا صرف وجهه عن القبلة فإن كان في المسجد ولم يتكلم فكذلك، لأن المسجد كله في حكم مكان واحد، لأنه مكان الصلاة، وإن كان خرج في المسجد ثم تذكر لا يعود، وتفسد صلاته. وأما إذا كان في الصحراء فإن تذكر قبل أن يجاوز الصفوف من خلفه أو من قبل اليمين أو اليسار عاد إلى قضاء ما عليه، وإلاَّ فلا، وإن مشى أمامه لم یذ کره في الكتاب. وقيل: إن مشى قدر الصفوف التي خلفه تفسد وإلاَّ فلا، وهو مروي عن أبي يوسف اعتباراً لأحد الجانبين. وقيل: إذا جاوز موضع سجوده لا يعود، وهو الأصح، وهذا إذا لم يكن بين يديه سترة، فإن كان يعود ما لم يجاوزها، لأن داخل السترة في حكم المسجد. والله اعلم. وأجابوا عن الحديث: إنه منسوخ، وذلك أن عمر بن الخطاب عمل بعد رسول الله عَ ليه بخلاف ما كان ◌َِّ عمله يوم ذي اليدين، والحال أنه كان فيمن حضر يوم ذي اليدين، فلولا ثبت عنده انتساخ ذلك لما عمل بخلاف ما عمل به النبي عَّه، وأيضاً فإن عمر فعل ذلك بحضرة الصحابة ولم ينكر عليه أحد، فصار ذلك منهم إجماعاً. وروى الطحاوي ذلك عن ابن مرزوق، قال: حدّثنا أبو عاصم عن عثمان بن الأسود. قال: ((سمعت عطاء يقول: صلى عمر بن الخطاب بأصحابه فسلم في ركعتين ثم انصرف، فقيل له في ذلك، فقال: إني جهزت عيراً من العراق بأحمالها وأقتابها حتى وردت المدينة، قال: فصلى بهم أربع ركعات)). الرابع: استدل به قوم على أن الكلام في الصلاة من المأمومين لإمامهم إذا كان على وجه إصلاح الصلاة لا يقطع الصلاة، وأن الكلام من الإمام والمأمومين فيها على السهو لا يقطع الصلاة، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، وقال أبو عمر بن عبد البر: وذهب الشافعي وأصحابه إلى الكلام والسلام ساهياً في الصلاة لا يبطلها، كقول مالك وأصحابه سواء، وإنما الخلاف بينهم أن مالكاً يقول: لا يفسد الصلاة تعمد الكلام فيما إذا كان في شأنها وإصلاحها، وهو قول ربيعة وابن القاسم، إلاَّ ما روي عنه في المنفرد، وهو قول أحمد بن حنبل ذكره الأثرم عنه أنه قال: ما تكلم به الإنسان في صلاته لإصلاحها لم تفسد عليه صلاته، فإن تكلم لغير ذلك فسدت عليه، وذكر الخرقي عنه أن مذهبه فيمن تكلم عامداً أو ساهياً بطلت صلاته إلاَّ الإمام خاصة، فإنه إذا تكلم لمصلحة صلاته لم تبطل صلاته. وقال الشافعي وأصحابه ومن تابعهم من أصحاب مالك وغيرهم: إن من تعمد الكلام وهو يعلم أنه لم يتم الصلاة، وأنه فيها أفسد صلاته، فإن تكلم ناسياً أو تكلم وهو يظن أنه ليس في الصلاة، لا يبطلها. قال النووي: وبهذا قال جمهور العلماء من السلف والخلف، وهو قول ابن عباس، وعبد الله بن الزبير وأخيه عروة وعطاء والحسن والشعبي وقتادة والأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد وجميع المحدثين. وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري، ٣٩٣ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (٨٨) وفي أصح الروايتين عنه: تبطل صلاته بالكلام ناسياً أو جاهلاً، انتهى. وأجمع المسلمون طرّاً أن الكلام عامداً في الصلاة إذا كان المصلي يعلم أنه في الصلاة ولم يكن ذلك الإصلاح صلاته أنه يفسد الصلاة، إلاَّ ما روي عن الأوزاعي أنه: من تكلم لإحياء نفس أو مثل ذلك من الأمور الجسام لم تفسد بذلك صلاته، وهو قول ضعيف في النظر. وقال القاضي عياض المشهور عن مالك وأصحابه الأخذ بحديث ذي اليدين، وروى عنه ترك الأخذ به، وأنه كان يستحب أن يعيد ولا يبني. قال: وإنما تكلم النبي، عليه الصلاة والسلام، وأصحابه لأنهم ظنوا أن الصلاةَ قصرت ولا يجوز ذلك لأحدنا اليوم. وقال الحارث بن مسكين: أصحاب مالك كلهم قالوا: كان هذا أول الإسلام، وأما الآن فمن تكلم فيها أعادها. الخامس: فيه دليل على أن من قال ناسياً: لم أفعل كذا، وكان قد فعله، أنه غير كاذب. السادس: فيه جواز التقليب الذي سبيله التعريف دون التهجين. السابع: فيه الإجزاء بسجدتين عن السهوات لأنه عَ لّه سها عن الركعتين وتكلم ناسياً واقتصر على السجدتين. الثامن: فيه دليل على جواز تشبيك الأصابع في المسجد، على ما ترجم عليه الباب. الأسئلة والأجوبة الأول: كيف تكلم ذو اليدين والقوم وهم في الصلاة بعد؟ وأجيب: بأنهم لم يكونوا على اليقين من البقاء في الصلاة، لأنهم كانوا مجوزين نسخ الصلاة من أربع إلى ركعتين. وقال النووي: إن هذا كان خطاباً للنبي، عليه الصلاة والسلام، وجواباً، وذلك لا يبطل عندنا ولا عند غيرنا، وفي رواية لأبي داود بإسناد صحيح: ((إن الجماعة أو مأوا))، أي: أشاروا نعم، فعلى هذه الرواية لم يتكلموا. الثاني: قيل: فيه إشكال على مذهب الشافعي، لأن عندهم أنه لا يجوز للمصلي الرجوع في قدر صلاته إلى قول غيره إماماً أو مأموماً، ولا يعمل إلاَّ على يقين نفسه؟ وأجاب النووي عن ذلك: بأنه عَّه، سألهم ليتذكر، فلما ذكروه تذكر فعلم السهو فبنى عليه، لا أنه رجع إلى مجرد قولهم، ولو جاز ترك يقين نفسه والرجوع إلى قول غيره لرجع ذو اليدين حين قال النبي، عليه الصلاة والسلام: ((لم تقصر ولم أنس)) قلت: هذا ليس بجواب مخلص لأنه لا يخلو من الرجوع، سواء كان رجوعه للتذكرة أو لغيره، وعدم رجوع ذي اليدين كان لأجل كلام الرسول عَِّ لا لأجل يقين نفسه. وقال ابن القصار: اختلف الرواة في هذا عن مالك، فمرة قال: يرجع إلى قولهم، وهو قول أبي حنيفة، لأنه قال: يبني على غالب ظنه. وقال مرة أخرى: يعمل على يقينه ولا يرجع إلى قولهم، كقول الشافعي. الثالث: قد روي في بعض روايات مسلم في قصة ذي اليدين أن أبا هريرة قال: ((بينا أنا أصلي مع النبي، عليه الصلاة والسلام، صلاة الظهر)) ... الحديث، وهذا صريح أنه حضر تلك الصلاة؟ والجواب عنه قد ذكرناه عن الطحاوي عن قريب، وقيل: يحتمل أن بعض الرواة ٣٩٤ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (٨٩) فهم من قول أبي هريرة في إحدى رواياته: ((صلى بنا))، أنه كان حاضراً، فروي الحديث بالمعنى على زعمه، وقال: بينا أنا أصلي. الرابع: في حديث عمران بن حصين أنه عَّهِ دخل منزله، ولا يجوز لأحد اليوم أن ينصرف عن القبلة، ويمشي وقد بقي عليه شيء من الصلاة؟ أجيب: بأنه فعل ذلك وهو لا يرى أنه في الصلاة فإن قيل: فيلزم على هذا لو أكل أو شرب أو باع أو اشترى وهو لا يرى في الصلاة أنه لا يخرجه ذلك منها؟ قلت: هذا كله منسوخ فلا يعمل به اليوم، والله أعلم. ٨٩ - بابُ المَسَاجِدِ الَّتِي عَلَى طُرُقِ المَدِينَةِ وَالمَوَاضِعِ الَّتِي صَلَّى فِيها النبيُّ عَّهِ أي: هذا باب في بيان المساجد في الطرق التي بين المدينة النبوية ومكة المشرفة، وفي أكثر النسخ على طرق المدينة، والمواضع التي صلى فيها النبي عد له. ١٤٠ / ٤٨٣ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ أبي بَكْرِ المُقَدَّمِيُ قال حدّثنا فضيْلُ بنُ سُلَيْمَانَ قال حدّثنا مُوسَى ابنُ عُقْبَةَ قالَ رَأيْتُ سالِمَ بنَ عَبْدِ اللَّهِ يَتَحَرَّى أَمَاكِنَ مِنَ الطَّرِيقِ فَيُصَلِّي فِيها وَيُحَدِّثُ أَنَّ أباهُ كانَ يُصَلِّي فِيها وأنَّهُ رَأْىِ النبيُّ عَِّ يُصَلِّي فِي تِلْكَ الأَمْكِنَةِ حدّثني نافِعٌ عِنِ ابنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ يُصَلِّي فِي تِلْكَ الأَمْكِنَةِ وَسألْتُ سالماً فَلا أَعْلَمْهُ إلاَّ وَافَقَ نافِعاً فِي الأَمْكِنَةِ كُلِّهَا إلا أنَّهُما اخْتَلَفا فِي مَسْجِدٍ بِشَرَفِ الروحاءَ. [الحديث ٤٨٣ - أطرافه في: ١٥٣٥، ٢٣٣٦، ٧٣٤٥]. مطابقته للترجمة ظاهرة. ذكر رجاله وهم ستة: الأول: محمد بن أبي بكر بن علي بن عطاء بن مقدم، على وزن اسم المفعول، البصري، مات سنة أربع وثلاثين ومائتين. الثاني: فضيل، بضم الفاء وفتح الضاد المعجمة وسكون الياء آخر الحروف: النميري بضم النون. الثالث: موسى بن عقبة بضم العين وسكون القاف وفتح الباء الموحدة، تقدم في باب إسباغ الوضوء. الرابع: سالم ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب، تقدم في باب الحياء من الإيمان. الخامس: نافع، مولى ابن عمر، وقد تكرر ذكره. السادس: عبد الله بن عمر. ذكر لطائف إسناده) فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: الرواية بصيغة الماضي للتكلم. وفيه: صيغة التحديث بلفظ المضارع المفرد وبلفظ الماضي المفرد. وفيه: العنعنة في موضع واحد. وفيه: أن رواته ما بين بصري ومدني. ذكر معناه وما يستفاد منه) قوله: ((يتحرى)) أي: يقصد ويختار ويجتهد. قوله: ((أن أباه)) أي: عبد الله بن عمر بن الخطاب. قوله: ((وأنه)) أي: وأن أباه رأى النبي عَِّ، وهذا مرسل من سالم إذا ما اتصل سنده. قوله: ((وحدثني نافع)) القائل ذلك هو موسى بن عقبة، وهو عطف على: رأيت، أي: قال موسى: وحدثني. و: سألت، أيضاً عطف عليه. قوله: ((بشرف الروحاء))، وهو موضع ارتفع من مكان الروحاء، وهي بحاء مهملة ممدودة. قال أبو عبيد الله البكري: هي قرية جامعة لمزينة على ليلتين من المدينة بينهما أحد وأربعون ميلاً. وقال كثير عزة: سميت الروحاء لكثرة أرواحها وبالروحاء بناء يزعمون أنه قبر مضر بن نزار. ٣٩٥ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (٨٩) وقال أبو عبيد: والنسبة إليها: روحاني، على غير قياس. وقد قيل: روحاوي، على القياس. وفي (كتاب الجبال) للزمخشري: بين المدينة والروحاء أربعة برد إلاّ ثلاثة أميال. وفي (صحيح مسلم) في باب الأذان: ((ستة وثلاثون ميلاً)). وفي كتاب ابن أبي شيبة: على ثلاثين ميلاً. وقال ابن قرقول: وهي من عمل الفرع على نحو من أربعين ميلاً من المدينة. وقال أبو عبيد: روى نافع عن مولاه أن بهذا الموضع المسجد الصغير دون الموضع الذي بالشرف، قال: وروى أصحاب الزهري عنه عن حنظلة بن علي عن أبي هريرة: ((سمعت رسول الله عَّه يقول: والذي نفسي بيده ليلهن ابن مريم، عليهما السلام، بفج روحاء حاجاً أو معتمراً أو بثنيتها)) وفي رواية الأعرج عن أبي هريرة مثله، وروى غير واحد أن رسول الله عَ ليه قال، وقد وصل المسجد الذي يبطن الروحاء عند عرق الظبية: هذا واد من أودية الجنة، وصلى في هذا الوادي قبلي سبعون نبياً، عليهم السلام، وقد مر به موسى بن عمران حاجاً ومعتمراً في سبعين ألفاً من بني إسرائيل. فإن قلت: قد جاء عن عمر بن الخطاب خلاف فعل ابنه، روى المعرور بن سويد: كان عمر في سفر فصلى الغداة، ثم أتى على مكان فجعل الناس يأتونه، ويقولون: صلى فيه النبي عَّةٍ، فقال عمر: إنما هلك أهل الكتاب أنهم اتبعوا آثار أنبيائهم وانخذوها كنائس وبيعاً، فمن عرضت له الصلاة فليصل وإلاَّ فليمض قلت: إن عمر إنما خشي أن يلتزم الناس الصلاة في تلك المواضع حتى يشكل على من يأتي بعدهم فيرى ذلك واجباً، وعبد الله بن عمر كان مأموناً من ذلك، وكان يتبرك بتلك الأماكن، وتشدده في الإتباع مشهور، وغيره ليس في هذا المقام. ١٤١/ ٤٨٤ - حدّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ قال حدّثنا أنَسُ بنُ عِياضٍ قال حدّثنا مُوسَى ابْنُ عُقْبَةَ عنْ نافِعِ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ أخْبَرَهُ أنَّ رسولَ اللَّهِ لَ ◌ِّ كَانَ يَنْزِلُ بِذِي الحُلَيْفَةِ حِينَ يَعْتَمِرُ وفِي حََّتِهِ حِينَ حَجَّ تَحْتَ سَمُرَةٍ فِي مَوْضِعِ المَسْجَدِ الَّذِي بِذِي الْحُلَيْفَةِ وكانَ إذَا رَجَعَ مِن غَزْوٍ كانَ فِي تِلْكَ الطَّرِيقِ أوْ في حَجِ أوْ عُشَرَةٍ هَبَطَ مِنْ بَطْنٍ وادٍ فَإِذَا ظَهَرَ مِنْ بَطْنِ وَادٍ أَنَاخَ بالبَطْحَاءِ الَّتِي عَلَى شِفِيرِ الوَادِي الشَّرقِيَّةِ فَعِرَّسَ ثَمَّ حَتَّى يُصْبِحَ لَيْسَ عِنْدَ المَسْجِدِ الَّذِي بِحِجَارَةٍ وَلاَ عَلَى الأَكِمَةِ الَّتِي عَلَيْها المَسْجِدُ كانَ ثَمَّ خَلِيجٌ يُصَلِّي عَبْدُ اللَّهِ عِنْدَهُ فِي بَطْنِهِ كُثُبّ كانَ رسولُ اللَّهِ صَ لِّ ثَّ يُصَلِّي فَدَحا السيّلُ فيهِ بِالبَطْحاءِ حَتَّى دَفَنَ ذَلِكَ المَكانَ الذِي كانَ عَبْدِ اللَّهِ يُصَلَّي فِيهِ. [الحديث ٤٨٤ - أطرافه في: ١٥٣٢، ١٥٣٣، ١٧٩٩]. ... / ٤٨٥ _ وأنَّ عَبْدَ اللَّهِ بنِ عُمَرَ حدَّثَهُ أنَّ النبيَّ عَ لَّه صَلَّى حَيْثُ المَسْجِدُ الصَّغِيرُ الذِي دُونَ المَسْجِدِ الذِي بِشَرَفِ الرَّوْحاءِ وَقَدْ كانَ عَبْدُ اللَّهِ يَعْلَمُ المَكانَ الذِي كانَ صَلى فِيهِ النبيُّ عَّ ◌ُلَّهِ يَقولُ ثَمَّ عَنْ يَمِينِكَ حِينَ تَقُومُ فِي المَسْجِدِ تُصَلِّي وَذَلِكَ المَسْجِدُ عَلَى حافَةٍ الطَّرِيق اليُمْنَى وأَنْتَ ذَاهِبٌ إلَى مَكَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَسْجِدِ رَمْيَّةٌ بِحَجَرٍ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ. ... /٤٨٦ - وأنَّ ابْنَ عُمَرَ كانَ يُصَلِّي إِلَى العِرْقِ عِنْدَ مُنْصَرَفِ الرَّوْحَاءِ وَذَلِكَ العِزْقُ انْتِهاءُ طَرَفِهِ عَلَى حافَةِ الطَّرِيقِ دُونَ المَسْجِدِ الذِي بَيْنَهُ وبَيْنَ المُنْصَرَفِ وَأَنْتَ ذَاهِبٌ إلَى مَكَّةَ وَقَدْ أَبْتَنِي ثَمَّ مَسْجِدٌ فَلَمْ يَكُنْ عَبْدُ اللهِ يُصَلِّ فِي ذَلِكَ المَسْجِدِ كانَ يَتْرُكَهُ عِنْ يَسَارِهِ وورَاءَهُ ويُصَلِّي أمامَهُ إِلَى العِزْقِ نَفْسِهِ وكانَ عَبْدُ اللهِ يَرُوحُ مِن الرَّوْحَاءِ فَلاَ يُصَلِّي الظُّهْرَ حَتَّى يَأْتِيَ ٣٩٦ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (٨٩) ذَلِكَ المَكانَ فَيُصَلِّي فِيهِ الظُهْرَ وَإِذَا أَقْبَلَ منْ مَكَّةَ فإِنْ مَرَّ بِهِ قَبْلَ الصبْحِ بِسَاعَةٍ أَوْ مِنْ آخِرٍ السَّحَر عَرَّسَ حَتى يُصَلِّي بِهَا الصُّبْحَ. ... / ٤٨٧ - وَأنَّ عَبْدَ اللهِ حَدَّثَهُ أن النبيَّ ◌ََّلِ كَانَ يَنْزِلُ تَحْتَ سَرْحَةٍ ضَخْمَةٍ دُونَ الرُّوَيْئَةِ عَنْ الطَّرِيقِ ووِجاهُ الطَّريق في مكانٍ بَطْحِ سَهْلٍ حَتَّى يُفْضِيَ مِنْ أَكَمَةٍ دُوَيْنَ بَرِيدِ الرُّوَيْئَةِ بميلَيْنِ وَقَدِ انْكَسَرَ أَعْلاَها فانْثَى فِي جَوْفِها وَهِيَ قائِمَةٌ عَلَى ساقٍ وفِي ساقِهَا كُتُبٌّ كَثِيرَةٍ. ... / ٤٨٨ - وانّ عَبْدَ اللهِ بنِ عُمَرَ حَدَّثَّهُ أنَّ النبيَّ عَ لَّه صَلَّى فِي طَرَفٍ تَلْعَةٍ مِنْ وَرَاءِ العَرْجِ وَأَنْتَ ذَاهِبٌ إلى هَضْبَةٍ عنْدَ ذلِكَ المَسْجِدِ قَبْرَان أَوْ ثَلاثَةٌ عَلَى القُبُورِ رَضْمٌ مِن حِجَارَةٍ عَنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ عِنْدَ سَلْمَاتِ الطَّريقِ بَيْنَ أُولئكَ فيُصلَّي السَّلِمَاتِ كانَ عَبْدُ اللهِ يَرُوحُ مِنَ العَرْجِ بَعْدَ أنْ تَمِيلَ الشَّمْسُ بالهَاجِرَةِ فَيُصَلِّي الظهْرَ فِي ذَلِكَ المَسْجِدِ. ... /٤٨٩ _ وأنَّ عَبْدُ اللهِ بنِ عُمَرَ حَدَّثَهُ أنَّ رَسولَ اللهِلَّله نَزَّلَ عِنْدَ سَرْحاتٍ عَنْ يَسَارِ الطَّرِيقِ فِي مَسِيلٍ دُونَ هَرْشَى، ذَلِكَ المَسيلُ لاَصِقٌّ بِكُرَاعِ هَرْشِى بَيْنَهُ وبَيْنَ الطَّرِيقِ قريبٌ مِنْ غَلْوَةٍ وكانَ عَبْدُ اللهِ يُصَّلِّي إلى سَرْحَةٍ هِى أَقْرَبُ السَّرَحاتِ إِلَّى الطّرِيقِ وَهْي أَطْوَلُهُنَّ. ... /٤٩٠ - وانّ عَبْدَ اللهِ بنِ عُمَر حَدَّثَهُ أنَّ النبيَّ عَلِ كَانَ يَنْزِلُ في المَشْيلِ الَّذِي في أذْنَى مَرّالظَّهْرَانِ قَبْلَ المَدِينَةِ حِينَ يَهْبِطُ مِنَ الصَّفْرَاوَاتِ يَنْزِلُ فِي بَطْنِ ذَلِكَ المَسِيلِ عنْ يَسَارِ الطَّرِيقِ وَأَنْتَ ذَاهِبٌ إِلَى مَكّْة لَيْسَ بَيْنَ مَنْزِلِ رسولِ اللَّهِ عَ لَّهِ وَبَيْنَ الطَّرِيقِ إِلاَّ رَمْيَةٌ بِحَجَرٍ. ... /٤٩١ _ وأنَّ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ أنَّ النبيَّ عَ لَّه كانَ يَنْزِلُ بِذِي طُوَى وَيَبِيتُ حَتَّى يُصْبِحَ يُصَلَّي الصُّبْعَ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ ومُصَلَّى رسولِ اللَّهِ عَ لَّهِ ذَلِكَ عَلى أَكَمَةٍ غَلِيظَةٍ لَيْسَ فِي المَسْجِدِ الَّذِي ثُنِيَ ثَمَّ وَلَكِنْ أسْفَلَ منْ ذَلِكَ عَلَى أُكَمَةٍ غَلِيظَةٍ. [الحديث ٤٩١ - طرفاه في ١٧٦٧، ١٧٦٩]. ... / ٤٩٢ - وأنَّ عَبْدَ اللهِ حَدَّثَهُ أن النبيَّ عَ لَّ اسْتَقْبَلَ فُرْضَتَي الجَبَلِ الَّذِي بَيْنَهُم وَبَيْنَ الجَبَلِ الطَِّيلِ نَحْوَ الكَعْبَةِ فَجَعَلَ المَسْجِدَ الَّذِي بُنِيَ ثَمَّ يَسَارَ المَسْجِدِ بِطَرَفِ الأَكِمَةِ وَمُصَلَّى النَبِيِّ عَّ ◌َ أَسْفَلَ مِنْهُ عَلَى الأَكَمَةِ السَّوْدَاءِ تَدَعُ مِنَ الأَكِمَةِ عَشْرَةَ أَذْرُعٍ أَوْ نَخْوَهَا ثُمّ تُصَلِّي مُسْتَقْبَلَ الفُرْضَتَيْنِ مِنَ الجَبَلِ الذِي بَيْنَكَ وبَيْنَ الكَعْبَةِ. مطابقته للترجمة ظاهرة في الفصلين. ذكر رجاله وهم خمسة: الأول: إبراهيم بن المنذر، بكسر الذال المعجمة الحزامي نسبة إلى أجداده، ببيانه إبراهيم بن المنذر بن عبد الله بن المغيرة بن عبد الله بن خالد بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد الصمد ابن قصي المديني، توفي سنة ست وثلاثين ومائتين. الثاني: أنس بن عياض المدني، مات سنة ثمانين ومائة. الثالث: موسى بن عقبة، تقدم في هذا الباب. الرابع: نافع، وقد تقدم. الخامس: عبد الله بن عمر بن الخطاب. ذكر لطائف اسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في موضع واحد. وفيه: الإخبار بصيغة الماضي المفرد. وفيه: أن شيخ البخاري من أفراده. وفيه: ٣٩٧ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (٨٩) أن رواته مدنیون. ذكر معناه وإعرابه. قوله: ((بذي الحليفة))، بضم الحاء المهملة وفتح اللام وهو: الميقات المشهور لأهل المدينة، وهو من المدينة على أربعة أميال. ومن مكة على مائتي ميل غير ميلين. وقال الكرماني في (مناسكه) بينها وبين المدينة ميل أو ميلان، والميل ثلث فرسخ وهو أربعة آلاف ذراع، ومنها إلى مكة عشر مراحل، وقال ابن التين: هي أبعد المواقيت من مكة تعظيماً لإحرام النبي، عَِّ. قوله: ((حين يعتمر وفي حجته حين حج)) إنما قال في العمرة بلفظ المضارع، وفي الحج بلفظ الماضي لأنه، عَّهِ، لم يحج إلّ مرة وتكررت منه العمرة؛ وقال الكرماني: والفعل المضارع قد يفيد الاستمرار. قلت: الماضي أقوى في إفادة الاستمرار من المضارع، لأن الماضي قد مضى واستقر بخلاف المضارع. قوله: ((تحت سمرة))، بضم الميم: وهو شجر الطلح، وهو العظيم من الأشجار التي لها شوك وهي في ألسن الناس تعرف بأم غيلان. قوله: ((وكان في تلك الطريق))، أي: طريق ذي الحليفة. قوله: ((وكان))، جملة حالية، ويروى: كان، بدون: الواو، وهي صفة للغزو، ويروى: من غزوة، بالتأنيث. فإن قلت: على هذا ما وجه التذكير في: كان؟ قلت: باعتبار السفر، ويجوز أن يرجع الضمير فيه إلى رسول الله عَّه وقال الكرماني: فإن قلت: لمَ ما أخر لفظ: كان، في تلك الطريق عن الحج والعمرة. قلت: لأنهما لم يكونا إلا من تلك. قوله: ((بالبطحاء)). قال في (المحكم): بطحاء الوادي: تراب لين مما جرته السيول، والجمع: بطحاوات وبطاح، فإن اتسع وعرض فهو الأبطح، والجمع: الأباطح. وقال أبو حنيفة: الأبطح لا ينبت شيئاً إنما هو بطن السيل. وفي (الجامع) للقزاز: الأبطح والبطحاح: الرمل المنبسط على وجه الأرض. وفي (الواعي): البطحاء: حصى ورمل ينقل من مسيل الماء، وقال نضر بن شميل: بطحاء الوادي وأبطحه: حصاؤه اللين، وقال أبو سليمان: وهي حجارة ورمل وقال الداودي: البطحاء كل أرض منحدرة. وفي (الكفاية) الأبطح والبطحاء منعطف الوادي. وفي (المنتهى) الأبطح: مسيل واسع فيها دقاق الحصى، والجمع: الأباطح. وكذا البطحاء. وفي (الصحاح): البطاح على غير قياس، والبطيحة مثل الأبطح. قوله: ((شفير الوادي)) بفتح الشين الحرف أي: الطرف. وقال ابن سيده: شفير الوادي وشفره ناحيته من أعلاه. قوله: ((الشرقية))، صفة البطحاء. قوله: ((فعرس))، بالتشديد، وقال الأصمعي: عرس المسافرون تعريساً: إذا نزلوا نزلة في وجه السحر وأناخوا إبلهم فروحوها ساعة حتى ترجع إليها أنفسها، وعن أبي زيد: عرس القوم تعريساً في المنزل: حيث نزلوا بأي حين كان من ليل ونهار. وفي (المحكم): المعرس الذي يسير نهاره ويعرس أي ينزل أول الليل. وفي (الصحاح): أعرسوا، لغة فيه قليلة، والموضع: معرس ومعرس، وفي (الغريبين) التعريس: نومة المسافر بعد إدلاج الليل، وفي (المغيث): عرس أي: نزل للنوم والاستراحة، والتعريس النزول لغير إقامة. قوله: ((ثم)، بفتح الثاء المثلثة وتشديد الميم، أي: هناك. قوله: ((حتى يصبح))، بضم الياء: أي يدخل في الصباح وهي تامة ٣٩٨ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (٨٩) لا تحتاج إلى الخبر. قوله: ((الأكمة)) بفتح الهمزة والكاف، قال ابن سيده: هي التل من القف من حجارة واحدة. وقيل: هو دون الجبال. وقيل: هو الموضع الذي قد اشتد ارتفاعه مما حوله، وهو غليظ لا يبلغ أن يكون حجراً، والجمع: أكم وأكم وأكمام وإكمام وأءكم كأفلس، الأخيرة عن ابن جني. وفي (الواعي) لأبي محمد: الأكمام، دون الضراب. وفي (الصحيح): والجمع أكمات، وجمع الأكم: آكام، مثل: عنق وأعناق. قوله: ((خليج)). بفتح الخاء المعجمة وكسر اللام. قال في (المنتهى): هو شرم من البحر اختلج منه، والخليج: النهر العظيم، والجمع: خلجان، وربما قيل للنهر الصغير يختلج من النهر الكبير: خليج. وفي (المحكم): الخليج ما انقطع من معظم الماء لأنه يختلج منه. وقد اختلج، وقيل: الخليج شعبة تتشعب من الوادي تغير بعض مائه إلى مكان آخر، والجمع خلج وخلجان، وفي كتاب ابن التين: الخليج واد عميق يُنشق من آخر أعظم منه، وفي (كتاب الأماكن) للزمخشري: جبل خليج أحد جبال مكة، شرفها الله. قوله: ((يصلى عبد الله))، أي: عبد الله بن عمر. قوله: ((كثب)) بضم الكاف وضم الثاء المثلثة: جمع كثيب، قال أبو المعالي: وهو رمل اجتمع، وكل ما اجتمع من شيء وانهار فقد انكثب فيه، ومنه اشتق: الكثيب من الرمل، في معنى مكثوب لأنه انصب في مكان واجتمع فيه والجمع: كثبان، وهي تلال من رمل. وفي (المحكم): الكثيب من الرمل القطعة تبقى محدودية. وقيل: هو ما اجتمع واحدوب، والجمع: أكثبة وكثب. وفي (الجامع) للقزاز: إنما سمي كثيباً لأن ترابه دقاق كأنه مكثوب أي منثور بعضه على بعض لرخاوته. قوله: ((كان رسول الله عٍَّ))، هذا مرسل من نافع. قوله: ((ثم)، بفتح الثاء وقد تكررت هذه اللفظة. قوله: ((فدحا))، الفاء للعطف: ودحا، من الدحو، وبالحاء المهملة وهو: البسط، يقال: دحا يدحو ويدحي دحواً، قاله ابن سيده. وفي (الغريبين): كل شيء بسطته ووسعته فقد دحوته وفي الإسماعيلي: فدخل، بالخاء المعجمة واللام ويروى: قد جاء، بكلمة: قد، للتحقيق، وبكلمة: جاء من المجيء. قوله: ((وأن عبد الله بن عمر حدثه))، أي: بالإسناد المذكور فيه. قوله: ((حيث المسجد الصغير)) بالحاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف، وبالثاء المثلثة، ويروى: ((جنب))، بالجيم والنون والباء الموحدة، والمسجد، مرفوع على الرواية الأولى لأن حيث، لا تضاف إلا إلى الجملة على الأصح. فتقديره: حيث هو المسجد، ونحوه، وعلى الرواية الثانية: مجرور. قوله: ((بشرف الروحاء)) هي: قرية جامعة على ليلتين من المدينة وهي آخر السبالة للمتوجه إلى مكة، والمسجد الأوسط في الوادي المعروف الآن بوادي بني سالم. قوله: ((وقد كان عبد الله يعلم))، بضم الياء من أعلم من العلامة وفي بعض النسخ، يعلم، بفتح الياء من العلم. قوله: ((على حافة الطريق)) بتخفيف: الفاء أي على جانب الطريق وحافتا الوادي: جانباه. قوله: ((إلى العرق))، بكسر العين وسكون الراء المهملتين وبالقاف، أي: عرق الطيبة. قال الكرماني: جبل صغير، ويقال أيضاً للأرض الملح التي لا تنبت، وقال أبو عبيدة هو واد معروف وقال ابن فارس تنبت الطرفاء. وقال أبو حنيفة، رحمه الله: تنبت ٣٩٩ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (٨٩) الشجرة. وقال الخليل: العرق: الجبل الدقيق من الرمل المستطيل مع الأرض قال الداودي: هو المكان المرتفع. وفي (التهذيب) لأبي منصور: العرق هو الجبل الصغير. قوله: ((عند منصرف الروحاء))، بفتح الراء في: منصرف، أي: عند آخرها. قوله: ((وقد ابتني))، بضم التاء المثناة من فوق على صيغة المجهول من الماضي. قوله: ((وورائه)) بالجر عطف على: يساره، وبالنصب بتقدير: في، ظرفاً. قوله: ((وأمامه)) أي: قدام المسجد. قوله: ((من آخر السحر))، وهو عبارة عما بين الصبح: الكاذب والصادق، والفرق بين العبارتين أعني قوله: ((آخر السحر))، هو أنه أراد بآخر السحر، أقل من ساعة. أو أراد الإبهام ليتناول قدر الساعة، وأقل وأكثر منه. قوله: ((سرحة))، بفتح السين المهملة وسكون الراء وفتح الحاء المهملة، وأراد بها: الشجرة الضخمة أي: العظيمة. وقال أبو حنيفة في (كتاب النبات) إن أبا زيد قال: السرح من العضاه، واحدته سرحة، والسرح طوال في السماء، وقد تكون السرحة دوحة محلاً لا واسعة يحل تحتها الناس في الصيف ويبنون تحتها البيوت، وقد تكون منه العشة القليلة الفروع والورق، وللسرح عنب يسمى: آآء، واحدته: آءة، يأكله الناس أبيض، ويربون منه الرب، وورقته صغيرة عريضة تأكله الماشية لو تقدر عليه، ولكن لا تقدر لطوله ولا صمغ له ولا منفعة فيه أكثر مما أخبرتك، إلاَّ أن ظله صالح فمن أجل ذلك قال الشاعر، عنها بامرأة: فيا سرحة الركبان ظلك بارد وماؤك عذب لا يحل لشارب وليس للسرح شوك. وقال أبو عمر: والسرح يشبه الزيتون، وروى الفراء عن أبي الهيثم: أن كل شجرة لا شوك فيها فهي سرحة، يقال: ذهب إلى السرح، وهو أسهل من كل شيء، وأخبرني أعرابي قال في السرحة غيرة، وهي دون الأثل في الطول، وورقها صغار. وهي بسيطة الأفنان قال: وهي مائلة النبتية أبداً وميلها من بين جميع الأشجار في شق اليمين، ولم أبل على هذا الأعرابي كذباً، وزعم بعض الرواة: أن السرح من نبات القف. وقال غيره: من نبات السهل، وهو قول الأصمعي. وفي (المنتهى): السرح شجر عظام طوال. وفي (الجامع) كل شجرة طالت فهي سرحة. وفي (المطالع): قيل: هي الدفلى، وقال أبو علي: هو نبت. وقيل: لها هدب وليس لها ورق، وهو يشبه الصوف. قوله: ((دون الرويثة)) أي: تحتها قريب منها: والرويثة بضم الراء وفتح الواو وسكون الياء آخر الحروف وفتح الثاء المثلثة، على لفظ التصغير، قال البكري: وهي قرية جامعة بينها وبين المدينة سبعة عشر فرسخاً، ومن الرويثة إلى السقيا عشر فراسخ، وعقبة العرج على أحد عشر ميلاً من الرويثة، بينها وبين العرج ثلاثة أميال، وهي غير الرويثة ماء لبني عجل بين طريق الكوفة والبصرة، وذكره ياقوت الكرماني: وفي بعض النسخ الرقشة، بفتح الراء وسكون القاف وإعجام الشين. قلت: لم يذكر البكري إلا الرقاش، وقال: هو بلد. قوله: ((ووجاه))، بضم الواو وكسرها المقابل، وهو عطف على ((اليمين))، ويجوز بالنصب على الظرفية. قوله: ((بطح))، ٤٠٠ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (٨٩) بفتح الباء الموحدة وكسر الطاء وسكونها: أي واسع. قوله: ((حتى يفضي)) بالفاء من الإفضاء بمعنى الخروج يقال: أفضيت إذا خرجت إلى الفضاء أو بمعنى الدفع كقوله تعالى: ﴿فإذا أفضتم من عرفات﴾. أو بمعنى الوصول. قلت: الضمير في: يفضي، يرجع إلى ماذا؟ قلت يرجع إلى الرسول، عَّ له، ويجوز أن يرجع إلى المكان. وقال الكرماني: في بعض النسخ بلفظ الخطاب. قوله: ((دوين))، مصغر الدون، وهو نقيض: الفوق، ويقال: هو دون ذاك. أي: قريب منه. والبريد هو المرتب واحد بعد واحد، والمراد به موضع البريد، والمعنى: بينه وبين المكان الذي ينزل فيه البريد بالرويثة ميلان، ويقال: المراد بالبريد سكة الطريق. قوله: ((فانثنى))، بفتح الثاء المثلثة على صيغة المعلوم من الماضي، ومعناه: انعطف. قوله: ((وهي قائمة على ساق)) أي: كالبنيان ليست متسعة من أسفل وضيقة من فوق. قوله: ((في طرف تلعة))، بفتح التاء المثناة وسكون اللام وفتح العين المهملة: وهي أرض مرتفعة عريضة يتردد فيها السيل، والتلعة: مجرى الماء من أعلى الوادي، والتلعة ما انهبط من الأرض. وقيل: التلعة مثل الرحبة، والجمع في كل ذلك: تلع وتلاع، وعن صاحب (العين): التلعة: أرض مرتفعة غليظة، وربما كانت على غلظها عريضة. وفي (الجامع): التلعة من الوادي ما اتسع من فوهته. وقيل: هي مسيل من الأرض المرتفعة إلى بطن الوادي، فإن صغر عن ذلك فهي: شعبة، فإذا عظم فكان نصف الوادي فهي: الميناء وعن الرماني: الأصل في التلعة الارتفاع. قوله: ((العرج))، بفتح العين المهملة وسكون الراء ثم جيم: قرية جامعة على طريق مكة من المدينة بينها وبين الرويثة أربعة عشر ميلاً. قال البكري: قال السكوني: المسجد النبوي على خمسة أميال من العرج وأنت ذاهب إلى هضبة عندها قبران أو ثلاثة عليها رضم حجارة. قال كثير: إنما سمي العرج لتعريجه، وبين العرج إلى السقيا سبعة عشر ميلاً. وقال ياقوت: العرج قرية جامعة من نواحي الطائف، والعرج: عقبة بين مكة والمدينة على جادة الطريق، تذكر مع السقيا، وسوق العرج: بلد بين المحالب والمهجم. وقال الزمخشري: العرج واد بالطائف، والعرج أيضاً: منزل بين المدينة ومكة، وجاء فيه فتح الراء أيضاً. قوله: ((إلى هضبة))، بفتح الهاء وسكون الضاد المعجمة وفتح الباء الموحدة: وهي الجبل المنبسط على وجه الأرض. وقال أبو زيد: الهضبة من الجبال ما طال واتسع وانفرد، وهي الهضبات والهضاب، وعن سيبويه: وقد قالوا: هضبة وهضب. وقال صاحب (العين) الهضبة كل جبل خلق من صخرة واحدة، وكل صخرة ضخمة صلبة راسية تسمى هضبة. وفي (الجامع): هي القطعة المرتفعة من أعلى الجبل. وفي (المجمل): هي أكمة ملساء قليلة النبات. وفي (المطالع): هي فوق الكثيب في الارتفاع ودون الجبل. قوله: ((رضم حجارة))، الرضم هي الحجارة البيض، والرضمة: الصخرة العظيمة مثل الجزور وليست بثابتة، والجمع: رضم ورضام، ورضم الحجارة جعل بعضها على بعض، وكل بناء بني بصخر رضيم، ذكره ابن سيده. وفي (الجامع): ومرضوم، ووقع في رواية الأصيلي: رضم من حجارة بتحريك الضاد. قوله: ((عند سلمات الطريق)»، بفتح السين المهملة وكسر اللام في رواية أبي ذر