Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٣٣)
ولما فرغ من بيان أحكام القبلة شرع في بيان أحكام المساجد، والمناسبة ظاهرة.
٦٩ /٤٠٥ - حدثنا قتَيْبَةُ قال حدّثنا إسْماعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ محمَيْدٍ عنْ أَنَسٍ أنَّ النبيَّ
◌َّهِ رَأَى نُخَامَةً في القبْلَةِ فَشَقَّ ذَلِكَ عليه حَتَّى رُوِيَ فِي وَجْهِهِ فقامَ فَحَكَّهُ بِيَدِهِ فقال: ((إِنَّ
أَحَدَكُمْ إِذَا قامَ في صَلاَتِهِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ أَو إِنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ فَلاَ يَتْزُقَنَّ أحَدُكُمْ قِبَلَ
قِبْلَتِهِ وَلَكِنْ عنْ يَسَارِهِ أَوْ تَخْتَ قَدَمَيْهِ) ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَصَقَ فيهِ ثُمَّ رَدَّ بَعْضَهُ عَلَى
بَعْضٍ فقالَ أو يَفْعَلُ هَكَذَا. [انظر الحديث ٢٤١ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وهذا الإسناد بعينه تقدم في باب خوف المؤمن أن يحبط عمله.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري أيضاً في باب كفارة البزاق في
المسجد، وفي باب إذا بدره البزاق وفي باب لا يبصق عن يمينه في الصلاة، وفي باب
ليبصق عن يساره، وفي باب ما يجوز من البزاق، وفي باب المصلي يناجي ربه. وأخرجه
مسلم أيضاً. وأخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي، وفي هذا الباب عن أبي هريرة وأبي سعيد
وعائشة يأتي عن قريب، وحديث النسائي عن أنس قال: ((رأى رسول الله عَ ليه نخامة في قبلة
المسجد فغضب حتى احمر وجهه، فقامت امرأة من الأنصار فحكتها وجعلت مكانها خلوقاً،
قال رسول الله عَّلِ: ما أحسن هذا!)) وفي كتاب (المساجد) لأبي نعيم: ((من ابتلع ريقه
إعظاماً للمسجد ولم يمح اسماً من أسماء الله تعالى بيزاق كان من خيار عباد الله)). وفي
سنده ضرار بن عمرو، وفيه كلام، وذكر ابن خالويه في هذا (أن النبي عَ لَّهِ لما رأى النخامة
في المحراب قال: من إمام هذا المسجد؟ قالوا؛ فلان. قال: قد عزلته، فقالت امرأته: لِمَ
عزل النبي عَ لّه زوجي عن الإمامة؟ فقال: رأى نخامة في المسجد فعمدت إلى خلوق طيب
فخلقت به المحراب، فاجتاز عليه الصلاة والسلام بالمسجد - فقال: من فعل هذا؟ قال:
امرأة الإمام! قال: قد وهبت ذنبه لامرأته ورددته إلى الإمامة)). فكان هذا أول خلوق كان في
الإسلام.
ذكر معناه قوله: ((نخامة))، بضم النون: النخاعة، وقد ذكره البخاري بهذا اللفظ في
باب الالتفات. يقال: تنخم الرجل إذا تنخع. وفي (المطالع): النخامة ما يخرج من الصدر
وهو البلغم اللزج. وفي (النهاية): النخامة البزقة التي تخرج من الرأس. ويقال: النخامة ما
يخرج من الصدر. والبصاق ما يخرج من الفم، والمخاط ما يسيل من الأنف. قوله: ((في
القبلة)) أي: في حائط من جهة قبلة المسجد. قوله: ((حتى رؤي في وجهه))، بضم الراء
وكسر الهمزة وفتح الياء، أي: شوهد أثر المشقة في وجهه عَ لّه، وقد ذكرنا أن في رواية
النسائي: ((فغضب حتى احمَّر وجهه))، وللبخاري في الأدب من حديث ابن عمر: ((فتغيظ
على أهل المسجد)). قوله: ((إذا قام في صلاته))، الفرق بين: قام في الصلاة، وقام إلى
الصلاة، أن الأول يكون بعد الشروع، والثاني عند الشروع. قوله: ((فإنه))، الفاء: فيه جواب:
إذا، والجملة الشرطية، قائمة مقام خبر المبتدأ. قوله: ((يناجي ربه))، من المناجاة. قال النووي:
المناجاة إشارة إلى إخلاص القلب وحضوره وتفريغه لذكر الله تعالى. قلت: المناجاة

٢٢٢
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٣٣)
والنجوى هو السر بين الإثنين، يقال: ناجيته إذا ساررته، وكذلك نجوت نجوى، ومناجاة
الرب مجاز لأن القرينة صارفة عن إرادة الحقيقة، إذ لا كلام محسوساً، إلاَّ من طرف العبد،
فيكون المراد لازم المناجاة وهو إرادة الخير، ويجوز أن تكون من باب التشبيه أي: كأنه ربه
ينادي، والتحقيق فيه أنه شبه العبد وتوجهه إلى الله تعالى في الصلاة وما فيها من القراءة
والأذكار وكشف الأسرار واستنزال رحمته ورأفته مع الخضوع والخشوع. بمن يناجي مولاه
ومالكه، فمن شرائط حسن الأدب أن يقف محاذيه ويطرق رأسه ولا يمد بصره إليه ويراعي
جهة أمامه حتى لا يصدر من تلك الهيئات شيء وإن كان الله تعالى منزهاً عن الجهات، لأن
الآداب الظاهرة والباطنة مرتبط بعضها ببعض. قوله: ((أو أن ربه بينه وبين القبلة))، كذا هو
بالشك في رواية الأكثرين، وفي رواية المستملي والحموي: بواو، العطف ولا يصح حمل
هذا الكلام على ظاهره، لأن الله تعالى منزه عن الحلول في المكان، فالمعنى على التشبيه،
أي: كأنه بينه وبين القبلة، وكذا معنى قوله في الحديث الذي بعده: ((فإن الله قِبَل وجهه)).
وقال الخطابي: معناه أن توجهه إلى القبلة مفض بالقصد منه إلى ربه، فصار في التقدير كأن
مقصوده بينه وبين قبلته، فأمر أن تصان تلك الجهة عن البزاق ونحوه من أثقال البدن. قوله:
((قبل))، بكسر القاف وفتح الباء الموحدة. أي: جهة القبلة. قوله: ((أو تحت قدمه اليسرى))
كما في حديث أبي هريرة أي: في الباب الذي بعده، وزاد أيضاً من طريق همام عن أبي
هريرة: ((فيدفنها))، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. قوله: ((ثم أخذ طرف ردائه ... )) الخ، فيه
البيان بالفعل ليكون أوقع في نفس السامع. قوله: ((أو يفعل هكذا)) عطف على المقدر بعد
حرف الاستدراك، أي: ولكن يبزق عن يساره أو يفعل هكذا، وليست كلمة: أو، ههنا للشك
بل للتنويع، ومعناه أنه: مخير بين هذا وهذا.
ذكر ما يستنبط منه فيه: تعظيم المساجد عن أثقال البدن، وعن القاذورات بالطريق
الأولى. وفيه: احترام جهة القبلة. وفيه: إزالة البزاق وغيره من الأقذار من المسجد. وفيه: أنه
إذا بزق يبزق عن يساره ولا يبزق أمامه تشريفاً للقبلة، ولا عن يمينه تشريفاً لليمين، وجاء في
رواية البخاري: ((فإن عن يمينه ملكاً)، وعند ابن أبي شيبة بسند صحيح: ((لا يبزق عن يمينه
فعن يمينه كاتب الحسنات، ولكن يبزق عن شماله أو خلف ظهره)). وقوله: ((فإن عن يمينه
ملكاً) دليل على أنه لا يكون حالتئذٍ عن يساره ملك، لأنه في طاعة فإن قلت: يخدش في
هذا قوله عَ لّه: ((إن الكرام الكاتبين لا يفارقان العبد إلاَّ عند الخلاء والجماع)). قلت: هذا
حديث ضعيف لا يحتج به. قال النووي: هذا في غير المسجد، أما فيه فلا يبزق إلاَّ في ثوبه.
قلت: وسياق الحديث على أنه في المسجد. واعلم أن البصاق في المسجد خطيئة
مطلقاً، سواء احتاج إليه أم لا، فإن احتاج يبزق في ثوبه، فإن بزق في المسجد يكون خطيئة
وعليه أن يكفر هذه الخطيئة بدفنه، وقال القاضي عياض: البزاق ليس بخطيئة إلاّ في حق من
لم يدفنه، فأما من أراد دفنه فليس بخطيئة، وهذا غير صحيح، والحق ما ذكرناه. واختلفوا في
المراد: بدفنه، فالجمهور على أنه الدفن في تراب المسجد ورمله وحصياته إن كانت فيه هذه

٢٢٣
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٣٣)
الأشياء، وإلاَّ يخرجها. وعن أصحاب الشافعي قولان: أحدهما إخراجه مطلقاً، وهو المنقول
عن الروياني، فإن لم تكن المساجد تربة وكانت ذات حصير فلا يجوز احتراماً للمآلية، وفيه
أن البزاق طاهر، وكذا النخامة طاهرة، وليس فيه خلاف إلاَّ ما حكي عن إبراهيم النخعي
يقول: البزاق نجس. وقال القرطبي: الحديث دال على تحريم البصاق في القبلة، فإن الدفن لا
يكفيه. قيل: هو كما قال. وقيل: دفنه كفارته. وقيل: النهي فيه للتنزيه، والأصح أنه للتحريم،
وفي (صحيحي) ابن خزيمة وابن حبان، من حديث حذيفة مرفوعاً: ((من تغل تجاه القبلة جاء
يوم القيامة وتفله بين عينيه)). وفي رواية لابن خزيمة، من حديث ابن عمر، مرفوعاً: ((يبعث
صاحب النخامة في القبلة يوم القيامة وهي في وجهه)). وروى أبو داود من حديث أبي سهلة
السائب بن خلاد، قال أحمد، من أصحاب النبي عَّ له: ((إن رجلاً أم قوماً فبصق في القبلة
ورسول الله عٍَّ ينظر، فقال رسول الله عَّله حين فرغ: لا يصلي لكم، فأراد بعد ذلك أن
يصلي لهم فمنعوه وأخبروه بقول رسول الله عَّ له، فذكر ذلك لرسول الله عَّ له فقال: نعم،
وحسبت أنه قال: إنك آذيت الله ورسوله)). والمعنى: أنه فعل فعلاً لا يرضي الله ورسوله.
وروى أبو داود أيضاً من حديث جابر أنه قال: ((أتانا رسول الله عَّ في مسجدنا هذا، وفي
يده عرجون ابن طاب ... ))، ذكرناه في أول الباب، وفي رواية مسلم: ((ما بال أحدكم يقوم
يستقبل ربه، عز وجل، فيتنخع أمامه، أيحب أن يستقبل فيتنخع في وجهه؟ ... )) الحديث.
٧٠ /٤٠٦ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنْ نافِعِ عنْ عَبْدِ اللهِ بنِ
عُمَرَ أَنَّ رسولَ الله عَ لِّ رَأَى بُصَاقاً في جِدَارِ القِيلَةِ فَحَكْهُ ثُمَّ أَقْبِلَ عَلَى الناسِ فقال: ((إِذَا كانَ
أحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلاَ يَبْصُقْ قِبَلَ وَجْهِهِ فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى)). [الحديث ٤٠٦ - أطرافه
في: ٧٥٣، ١٢١٣، ٦١١١].
مطابقة هذا الحديث للترجمة من حيث إن المتبادر إلى الفهم من إسناد الحك إليه أنه
كان بيده، وأن المعهود من جدار القبلة، جدار قبلة مسجد رسول الله عَّه، وبهذا التقدير
يسقط سؤال من يقول: إن هذا الحديث لا يدل إلاَّ على بعض الترجمة، ولا يعلم أن الحك
كان بيده ولا من المسجد فافهم.
وهذا الحديث أخرجه البخاري أيضاً في الأدب وغيره. وأخرجه مسلم عن يحيى بن
یحیی. وأخرجه النسائي عن قتيبة، ثلاثتهم عنه به.
قوله: ((في جدار القبلة))، وفي رواية المستملي: ((في جدار المسجد))، وفي رواية
للبخاري في أواخر الصلاة من طريق أيوب عن نافع: ((في قبلة المسجد)) وزاد فيه: ((ثم نزل
فحكها بيده))، وفيه إشعار بأنه كان في حالة الخطبة، وصرح الإسماعيلي بذلك في رواية من
طريق شيخ البخاري، وزاد فيه أيضاً قال: ((وأحسبه دعا بزعفران فلطخه به))، وزاد عبد الرزاق
في رواية عن معمر عن أيوب، فلذلك صنع الزعفران في المساجد. قوله: ((فإن الله قبل
وجهه))، بكسر القاف وفتح الباء، أي: جهة وجهه، وهذا أيضاً على سبيل التشبيه، أي كأن
الله تعالى في مقابل وجهه. وقال النووي: فإن الله قِبَل الجهة التي عظمها، وقيل: فإن قبله

٢٢٤
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٣٤)
الله وقبله ثوابه ونحو ذلك، فلا يقابل هذه الجهة بالبزاق الذي هو الاستخفاف لمن يبزق إليه
وتحقیره.
٤٠٧/٧٩ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قالَ أخبرنا مالِكٌ عنْ هِشامِ بنِ عُزْوَةَ عَنْ أَبيهِ عنْ
عَائِشَة أمّ المُؤْمِنِينَ أَنَّ رسولَ اللَّهِ عَ لِّ رَأَى فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ مَخَاطاً أَوْ بُصَاقاً أَوْ نُخَامَةٌ فَحَكّهُ.
مطابقته للترجمة ظاهرة، وهذا الحديث أخرجه البخاري في الصلاة أيضاً. وأخرجه
مسلم. أيضاً. قوله: ((أو بصاقاً أو نخامة))، كذا هو وقع في (الموطأ) بالشك، وفي وراية
الإسماعيلي من طريق معن عن مالك: ((أو نخاعاً)) بدل: ((مخاطاً)). وقد ذكرنا الفرق بين هذه
الثلاثة.
٣٤ - باب حَكِّ المُخَاطِ بِالحَصَى مِنَ المَسْجِدِ
أي: هذا باب في بيان حك المخاط بالحصى من المسجد. فإن قلت: ذكر في
الباب السابق حك البصاق باليد، وذكر ههنا حك المخاط بالحصى، فهل فيه زيادة فائدة؟
قلت: نعم، وذلك أن المخاط غالباً يكون له جرم لزج فيحتاج في قلعه إلى معالجة وهي
بالحصى ونحوه، والبصاق ليس له ذلك فيمكن نزعه بلا آلة، اللهم إلاَّ أن يخالطه بلغم
فحينئذٍ يلحق بالمخاط. فإن قلت: الباب معقود على حك المخاط، والحديث يدل على
حك النخامة. قلت: لما كانا فضلتين طاهرتين لم يفرق بينهما إشعاراً بأن حكمهما واحد،
هذا الذي ذكره الكرماني، والأوجه أن يقال: وإن كان بينهما فرق، وهو أن المخاط يكون
من الأنف والنخامة من الصدر، كما ذكرناه عن (المطالع)، لكنه ذكر المخاط في الترجمة
والنخامة في الحديث إشعاراً بأن بينهما اتحاداً في الثخانة واللزوجة، وأن حكمهما واحد من
هذه الحيثية أيضاً.
قال ابنُ عَبَّاسٍ رضي الله عَنْهُما إن وَطِئْتَ عَلَى قَذَرِ رَطْبٍ فَاغْسِلْهُ وإنْ كان يابِساً فَلاَ.
قال بعضهم: مطابقته للترجمة الإشارة إلى أن العلة في النهي احترام القبلة لا مجرد
التأذي بالبزاق، فلهذا لم يفرق فيه بين رطب ويابس، بخلاف ما علة النهي فيه مجرد
الاستقذار فلا يضر وطء اليابس منه. قلت: هذا تعسف وبعدٌ عظيم، لأن قوله: العلة في النهي
احترام القبلة لا مجرد التأذي بالبزاق، غير موجه لأن علة النهي فيه احترام القبلة، وحصول
التأذي منه كما ذكره في حديث أبي سهلة ((أنك آذيت الله ورسوله)): وحصول الأذى فيه هو
ما ذكره في الحديث، ((فإن الله قبل وجهه إذا صلى))، وبزاقه إلى تلك الجهة أذىٌ كبيرٌ وهو
من باب ذكر اللازم وإرادة الملزوم، ومعناه: لا يرضى الله به ولا يرضى به رسوله أيضاً، وتأذيه
عَلّ من ذلك هو أنه نهاه عنه ولم ينته، وفيه ما فيه من الأذى، فعلم من ذلك أن العلة
العظمى هي حصول الأذى مع ترك احترام القبلة، والحكم يثبت بعلل شتى. وقوله بخلاف ما
علة النهي فيه مجرد الاستقذار، فلا يضره وطء اليابس غير صحيح، لأن علة النهي فيه كونه
نجساً، ولم تسقط عنه صفة النجاسة، غير أن وطء يابسه لا يضره لعدم التصاقه بالجسم

٢٢٥
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٣٤)
وعدم التلوث، لا لمجرد كونه يابساً، حتى لو صلى على مكان عليه نجس يابس لا تجوز
صلاته، ولو كان على بدنه أو ثوبه نجاسة يابسة لا يجوز أيضاً، فعلم أن النجاسة المائعة
تضره مطلقاً، غير أنه عفى عن يابسها في الوطء، ويمكن أن يوجه له تناسب بوجهه وهو أن
يقال: المذكور في حديث الباب حك النخامة بالحصى، وفي الترجمة حك المخاط
بالحصى، وذا يدل على أنه كان يابساً إذ الحك لا يفيد في رطبه لأنه ينتشر به ويزداد
التلوث، فظهر الفرق بين رطبه ويابسه وإن لم يصرح به في ظاهر الحديث، ففي الرطب يزال
بما تمكن إزالته به، وفي اليابس بالحصاة ونحوها، فكذلك في أثر ابن عباس: الفرق حيث
قال: إن كان رطباً فاغسله وإن كان يابساً فلا، أي: فلا يضرك وطؤه، فتكون المناسبة بينهما
من هذه الحيثية، وهذا القدر كافٍ، لأنه أقناعي غير برهاني، ثم إن أثر ابن عباس ذكره
البخاري معلقاً، ووصله ابن أبي شيبة بسند صحيح، وقال في آخره: وإن كان يابساً لم يضره.
٧٢/ ٤٠٨ _ ٤٠٩ - حدّثنا مُوسَى بنُ إسْماعِيلَ قال أخبرنا إبرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ قال
أخبرنا ابنُ شِهَابٍ عنْ حُمَيْدٍ بِنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرِيرةَ وَأَبَا سَعِيدٍ حدَّثاه أنَّ رسولَ اللَّهِ عَ له
رَأَى نُخَامَةً في جِدَارِ المَسْجِدِ فَتَنَاوَلَ حَصَاةً فَحَكَّهَا فقالَ إذَا تَنخَّمَ أحَدُكُمْ فَلاَ يَنَنَخَّمَنَّ قِبَلَ
وَجْهِهِ ولا عنْ يَمِينِهِ وَليبصحقْ عنْ يَسَارِهِ أو تَحْتَ قَدَمِهِ اليُسْرَى. [الحديث ٤٠٨ - طرفاه
في: ٤١٠، ٤١٦] [الحديث ٤٠٩ - طرفاه في: ٤١١، ٤١٤].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فتناول حصاة فحكها)).
ذكر رجاله وهم ستة: الأول: موسى بن إسماعيل المنقري البصري المعروف
بالتبوذكي. الثاني: إبراهيم بن سعد بن عبد الرحمن بن عوف القرشي المدني. الثالث:
محمد بن مسلم ابن شهاب الزهري. الرابع: حميد بن عبد الرحمن بن عوف القرشي
الزهري. الخامس: أبو هريرة. السادس: أبو سعيد الخدري، واسمه: سعد بن مالك، رضي
الله تعالى عنه.
ذكر لطائف إسناده. فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين وبصيغة التثنية في
موضع واحد. وفيه: الإخبار بصيغة الجمع في موضع واحد. وفيه: أن رواته كلهم مدنيون ما
خلا موسى بن إبراهيم فإنه بصري.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره. أخرجه البخاري أيضاً في الصلاة عن علي بن
عبد الله عن سفيان بن عيينة وعن يحيى بن بكير عن الليث عن عقيل عن الزهري ولم يذكر
سفيان أبا هريرة. وأخرجه مسلم في الصلاة أيضاً عن يحيى بن يحيى وأبي بكر بن أبي شيبة
وعمرو الناقد، ثلاثتهم عن سفيان بن عيينة به، وعن زهير بن حرب عن يعقوب بن إبراهيم بن
سعد عن أبيه وعن أبي الطاهر بن السرح والحارث بن مسكين، كلاهما عن ابن وهب به.
وأخرجه ابن ماجه في الصلاة أيضاً عن أبي مروان محمد بن عثمان عن إبراهيم بن سعد به.
ذكر معناه قوله: ((فحكها)) أي: حك النخامة، وفي رواية الكشميهني: ((فحتها))، بالتاء
عمدة القاري /ج٤ /م١٥

٢٢٦
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٣٥)
المثناة من فوق، ومعناهما واحد. قوله: ((إذا تنخم)) أي: إذا رمى بالنخامة. وبقية الكلام
تقدمت.
٣٥ _ بابٌ لا يَبْصُقْ عِنْ يَمِينِهِ فِي الصَّلاَةِ
أي: هذا باب فيه يذكر لا يبصق المصلي عن يمينه في الصلاة.
٤١٠/٧٣ - ٤١١ - حدّثنا يَحْيِّى بنُ بُكَيْرٍ قال حدّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلِ عنِ ابِنِ
شِهَابٍ عنْ محمَّيْدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أنَّ أبا هُرَيْرَةَ وأَبَا سَعِيدٍ أخبراهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَ لَّه رَأَىَ
نُخَامَةً فِي حَائِطِ المَسْجِد فَتَنَاوَلَ رسولُ اللَّهِ عَلَه حَصَاةً فَحَتَّهَا ثُمَّ قال: ((إذَا تَنَخَّمَ أحَدُكُمْ
فَلاَ يَتَنَخَّمْ قِبَلَ وَجْهِهِ ولاَ عنْ يَِينِهِ وَلْيَبْصُقْ عنْ يَسَارِهِ أَوْ تَخْتَ قَدَمِهِ الیُسْرَى)). [انظر
الحديثين ٤٠٨ و٤٠٩ وطرفيهما].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فلا يتنخم قبل وجهه ولا عن يمينه)) أي: ولا يتنخم عن
يمينه. فإن قلت: الترجمة: لا يبصق عن يمينه، ولفظ حديث الباب: ((لا يتنخم؟)) قلت: جعل
النبي عَ لّه، حكم النخامة والبصاق واحداً، ألا ترى أنه قال في حديث أنس الآتي: ((لا يبزقن
في قبلته، ولكن عن يساره)) بعد أن رأى نخامة في القبلة، فدل ذلك عل تساويهما في
الحكم، وهذا الحديث هو عين الحديث الذي مضى في الباب الذي قبله، غير أنه من طريق
أخرى عن ابن شهاب، فبين البخاري وبين ابن شهاب ثلاثة أنفس، وهم: يحيى بن بكير،
بضم الموحدة، والليث بن سعد، وعقيل بن خالد. وفي ذاك الحديث بينهما اثنان، وهما:
موسى بن إسماعيل وإبراهيم بن سعد، وهناك أن أبا هريرة وأبا سعيد: حدثاه، وههنا: أخبراه.
وهناك في: جدار المسجد، وههنا في: حائط المسجد، وهناك: فحكها، وههنا: فحتها،
وهناك: فلا يتنخمن؛ بالنون المؤكدة، وههنا: فلا يتنخم، بدون التأكيد، وهناك: تحت قدمه،
وهنا: تحت قدمه اليسرى، وقوله هناك: تحت قدمه، أعم من أن يكون قدمه اليمنى أو
اليسرى، وههنا فسر أن المراد من القدم هو اليسرى لأن اليمين له فضل عن اليسار.
ثم هذا الحديث غير مقيد بحالة الصلاة إلاَّ في حديث أنس المتقدم الذي رواه عن
قتيبة، وفي حديث ابن عمر المتقدم الذي رواه عن عبد الله بن يوسف، وفي حديث أنس
الآتي الذي رواه عن آدم، ومن ذلك جزم النووي بالمنع في كل حالة داخل الصلاة وخارجها،
وسواء كان في المسجد أو غيره، ونقل عن مالك أنه قال: لا بأس به خارج الصلاة، وروى
عبد الرزاق عن ابن مسعود أنه كره أن يبصق عن يمينه وليس في الصلاة. وعن معاذ بن جبل،
قال: ما بصقت عن يميني منذ أسلمت، وعن عمر بن عبد العزيز أنه نهى ابنه عنه مطلقاً،
وهذه كلها تشهد للمنع مطلقاً. وقال القاضي عياض: النهي عن البصاق عن اليمين في الصلاة
إنما هو مع إمكان غيره، فإن تعذر فله ذلك. وقال الخطابى: إن كان عن يساره واحد فلا يبزق
في واحد من الجهتين، لكن تحت قدمه أو ثوبه، وقد روى أبو داود عن طارق بن عبد الله
المحاربي قال: قال رسول الله عَّه: ((إذا قام الرجل إلى الصلاة، أو إذا صلى أحدكم،

٢٢٧
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٣٦)
فلا يزق أمامه ولا عن يمينه، ولكن عن تلقاء يساره إن كان فارغاً، أو تحت قدمه اليسرى
ثم ليقل به)). وهذا الحديث يؤيد ما قاله الخطابي، ومعنى قوله: ((إن كان فارغاً)) أي:
متمكناً من البزق في يساره. قوله: ((ثم ليقل به))، أي: ليدفنه إذا بزقه تحت قدمه اليسرى،
وقد ذكرنا أن لفظ: القول، يستعمل عند العرب في معانٍ كثيرةٍ.
٤١٢/٧٤ - حدّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ قالَ حدّثنا شُعْبَةُ قال أخبرني قَتَادةُ قال سَمِعْتُ
أَنَساً قال قال النبيُّ عَّه ((لا يَتْفِلَنَّ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلاَ عَن ◌َمِينِهِ وَلَكِنْ عنْ يَسَارِهِ أَوْ تَخْتَ
رِجْلِهِ)). [انظر الحديث ٢٤١ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، لأن معنى: لا يتفلن: لا يبزقن. وهو بالتاء المثناة من فوق
وبضم الفاء وكسرها، والتفل شبيه بالبزق، وهو أقل منه أوله البزق ثم التفل ثم النفث ثم
النفخ. وقد ذكر المصنف حديث أنس هذا في مواضع، وقد ذكرناها.
٣٦ _ بابٌ لِيَنْزُقْ عنْ يَسَارِهِ أوْ تحتَ قَدَمِهِ اليُشْرَى
أي: هذا باب فيه يذكر البصق عن يساره، وفي بعض النسخ: ((ليبزق))، ومعناهما
واحد، وذكر فيه هذا الباب حديثين: أحدهما: عن أنس بن مالك، وقد تكرر وفيه القيد
بالصلاة، والآخر: عن أبي سعيد الخدري، وليس فيه القيد بالصلاة على ما يجيء بيانه،
والمناسبة بين البابين ظاهرة.
٤١٣/٧٥ - حدّثنا آدَمُ قالَ حدّثنا شُعْبَةُ قال حدّثنا قَتَادَةُ قال سَمِعْتُ أَنَسَ بنَ مالِكِ
قال قال النبيُّ عَِّ ((إِنَّ المُؤْمِنَ إذَا كانَ فِي الصَّلاَةِ فَإِنَّا يُنَاجِي رَبَّهُ فَلاَ يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ
وَلاَ عنْ ◌َمِينِهِ وَلَكِنْ عنْ يَسَارِهِ أَوْ تَخْتَ قَدَمِهِ)). [انظر الحديث ٢٤١ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ولكن عن يساره))، ومعناه: ولكن ليبصق عن يساره، وقد
ذكر هذا في باب حك البزاق باليد من المسجد بأزيد منه، وقد تقدم ما فيه من الكلام.
وفي إسناده: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: التصريح بسماع قتادة
عن أنس رضي الله عنه.
٧٦/ ٤١٤ - حدّثنا عليّ قال حدّثنا سُفْيَانُ قال حدّثنا الزُّهْرِيُّ عِنْ حُمَيْدِ بنِ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ عنْ أبي سَعِيدٍ أنَّ النبيَّ عَّهِ أَبْصَر نُخَامَةٌ فِي قِبْلَةِ المَسْجِدِ فَحَكِّها بِحَصَاةٍ ثُمَّ نَهَى
أَنْ يَتْزُقَ الرَّجُلُ بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْ عنْ يَمِينِهِ وَلَكنْ عنْ يَسَارِهِ أَوْ تَخْتَ قَدَمِهِ الیُسْرَى. [انظر الحديث
٤٠٩ وطرفه].
مطابقته للترجمة مثل مطابقة الحديث السابق، وعلي هو ابن عبد الله المديني، ووقع
في رواية الأصيلي بتصريح عبد الله، وهذا الحديث تقدم ذكره من وجهين آخرين عن الزهري
وهو: محمد بن شهاب، ولم يذكر سفيان وهو ابن عيينة فيهما، وإنما ذكر ههنا. ووقع في
رواية ابن عساكر عن أبي هريرة بدل أبي سعيد، والظاهر أنه وهم، ووافقه في هذا ما ذكره

٢٢٨
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٣٧)
البخاري في آخر الحديث، و: عن الزهري سمع حميداً عن أبي سعيد، فظن أنه عن أبي
هريرة وأبي سعيد معاً وفرقهما. وقال الكرماني: فإن قلت: هذه الترجمة مقيدة بالقدم اليسرى،
ولفظ القدم في الحديث لا تقييد فيه؟ قلت: يقيد به عملاً بالقاعدة المقررة من تقييد
لمطلق. قلت: لفظ الحديث: ((أو تحت قدمه اليسرى))، وكأن نسخته قد سقطت منها
لفظة: اليسرى، فبنى هذا السؤال والجواب على هذا، ومع هذا سأل أيضاً بقوله: فإن قلت:
لفظة: عن يساره، شامل لقدمه اليسرى، فما فائدة تخصيصها بالذكر؟ قلت: ليس شاملاً لها
إذ جهة اليمين والشمال غير جهة التحت والفوق، وبين كلاميه تناقض. قوله: ((ولكن عن
يساره أو تحت قدمه)) كذا هو في أكثر الروايات، وفي رواية أبي الوقت: ((وتحت قدمه))،
بواو العطف من غير شك، ووقع في رواية مسلم من طريق أبي رافع عن أبي هريرة رضي الله
عنه: ((ولكن عن يساره تحت قدمه))، بحذف كلمة: أو، وكذا للبخاري من حديث أنس
رضي الله عنه، في أواخر الصلاة ورواية كلمة: أو، أعم وأشمل.
وعَنِ الزُّهْرِيِّ سَمِعَ حُمَيْداً عنْ أبي سَعِيدٍ نَحْوَهُ.
أشار البخاري بها أن محمد بن مسلم الزهري روى أن سفيان بن عيينة روى هذا
الحديث من وجهين: أحدهما: بالعنعنة والآخر: صرح فيه بسماعه من حميد، قال الكرماني:
هذا تعليق، وقال بعضهم: ووهم بعض الشراح في زعمه أن قوله: ((وعن الزهري)) معلق، بل
هو موصول قلت: أراد بالبعض: الكرماني، وظاهر الأمر معه، وهو ادَّعى أنه موصول ولم يبين
وجه ذلك.
٣٧ _ بابُ كَفَّارَةِ البُزَاقِ في المَسْجِدِ
أي: هذا باب فى بيان كفارة البزاق في المسجد، والكفارة على وزن: فعالة، للمبالغة،
كقتالة وضرابة، وهي من الصفات الغالبة في باب الإسمية، وهي عبارة عن الفعلة والخصلة
التي من شأنها أن تكفر الخطيئة أي: تسترها وتمحوها، وأصل المادة من الكفر وهو الستر،
ومنه سمى الزارع: كافراً لأنه يستر الحب في الأرض، وسمي المخالف لدين الإسلام كافراً
لأنه يستر الدين الحق، والتكفير هو فعل ما يجب بالحنث، والإسم منه: الكفارة.
٧٧/ ٤١٥ - حدّثنا آدَمُ قا حدّثنا شُعْبَةُ قال حدّثنا قَتَادَةُ قال سَمِعْتُ أَنَسَ بنَ مالِكٍ
قال قال النبيُّ عَّهِ ((البُزَاقُ في المَسْجِدِ خَطِيئَةٌ وَكَفَّارَتُها دَفْتُها)).
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ورجاله قد ذكروا غير مرة. وفيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه:
التصريح بسماع قتادة عن أنس. وفيه: القول.
وأخرجه مسلم في الصلاة عن يحيى بن حبيب عن خالد بن الحارث. وأخرجه أبو
داود فيه عن مسلم بن إبراهيم.

٢٢٩
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٣٨)
قوله: ((البزاق في المسجد)) وفي رواية مسلم: ((التفل في المسجد))، بالتاء المثناة من
فوق، وفي رواية أبي داود: ((وكفارته أن تواريه)) أي: أن تغيبه يعني: تدفنه. قوله: ((في
المسجد)) ظرف للفعل فلا يشترط كون الفاعل فيه حتى لو بصق من هو خارج المسجد فيه
يتناوله النهي. قوله: ((خطية)) أي إثم، وأصلها بالهمزة، ولكن يجوز تشديد الياء. واختلف
العلماء في المراد بدفن البزاق، فالجمهور على أنه الدفن في تراب المسجد ورمله وحصائه
إن كانت فيه هذه الأشياء وإلاَّ يخرجه. وروى أبو داود من حديث أبي هريرة، قال: قال
رسول الله عَّل: ((من دخل هذا المسجد فبزق فيه أو تنخم فليحفر فليدفنه. فإن لم
يفعل فليبزق في ثوبه ثم ليخرج به)). قوله: ((فإن لم يفعل))، أي: فإن لم يحفر أو: لم يكن
الحفر («فليبزق في ثوبه)). وروى الطبراني في (الأوسط) عن ابن عباس يرفعه: ((البزاق في
المسجد خطية وكفارته دفنه))، وإسناده ضعيف. وقال النووي: هذا في غير المسجد، وأما
المصلي في المسجد فلا يبزق إلاَّ في ثوبه، ورد عليه بأحاديث كثيرة إن ذلك كان في
المسجد، وروى أحمد في (مسنده) من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعاً بإسناد حسن:
((من تنخم في المسجد فليغيب نخامته أن تصيب جلد مؤمن أو ثوبه فتؤذيه)). وروى أحمد
أيضاً، والطبراني بإسناد حسن من حديث أبي أمامة مرفوعاً، قال: ((من تنخع في المسجد فلم
يدفنه فسيئة، وإن دفنه فحسنة)). وفي حديث مسلم عن ابن ذر: ((ووجدت في مساوىء
أعمال أمتي النخامة تكون في المسجد ولا تدفن)). وقال القرطبي: فلم يثبت لها حكم السيئة
بمجرد إيقاعها في المسجد، بل به وبتركها غير مدفونة، وروى سعيد بن منصور: ((عن أبي
عبيدة أنه تنخم في المسجد ليلة فنسي أن يدفنها حتى رجع إلى منزله، فأخذ شعلة من نار
ثم جاء فطلبها حتى دفنها، ثم قال: الحمد لله الذي لم يكتب عليَّ خطيئة الليلة)).
٣٨ _ بابُ دَفْنِ النُّخَامَةِ فِي المَسْجِدِ
أي: هذا باب في بيان دفن النخامة في المسجد، يعني جواز ذلك. والمناسبة بين
البابين ظاهرة.
٧٨ /٤١٦ - حدّثنا إسحاقُ بنُ نَصْرٍ قال حدّثنا عَبْدُ الرَّزاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ سَمِعَ
أبا هُرَيْرَةَ عَنِ النبيِّ عَّه قال: ((إِذَا قامَ أحَدُكُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَلاَ يَبْصُقْ أمَامَةَ فَإِنَّا يُتَاجِي اللَّهَ
ما دامَ فِي مُصَلاَّهُ ولاَ عَنْ يَمِينِهِ فإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكاً ولْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَخْتَ قَدَمِهِ
فَيَدْفِتَها)). [انظر الحديث ٤٠٨ وطرفه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فيدفنها)).
ذكر رجاله وهم خمسة: الأول: إسحاق بن نصر هو إسحاق بن إبراهيم بن نصر وقد
تقدم. الثاني: عبد الرزاق صاحب المصنف. الثالث: معمر بن راشد. الرابع: همام، على
وزن فعال بالتشديد: ابن منبه. الخامس: أبو هريرة.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، والإخبار كذلك.

٢٣٠
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٣٩)
وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: التصريح بسماع همام عن أبي هريرة. وفيه: عنعنة أبي هريرة
عن النبي عَ ◌ّله. وفيه: أن رواته ما بين بخاري، بالباء الموحدة والخاء المعجمة، وصنعاني
وبصري.
ذكر معناه قوله: ((فلا يبصق)) نهي الغائب. قوله: ((فإنما يناجي الله))، وفي رواية
الكشميهني: ((فإنه يناجي)). قوله: ((ما دام في مصلاه))، أي: مدة دوامه في مصلاه. فإن
قلت: هذا تخصيص المنع بما إذا كان في الصلاة، ورواية ((أذى المسلم)) تقتضي المنع
مطلقاً، ولو لم يكن في الصلاة قلت: هذه مراتب، فكونه في الصلاة أشد إثماً مطلقاً، وكونه
في جدار القبلة أشد إنما من كونه في غيرها من جدر المسجد. قوله: ((فيدفنها)) بنصَب النون
لأنه جواب الأمر، ويجوز رفعها على أن تكون خبر مبتدأ محذوف أي: فهو يدفنها، ويجوز
الجزم عطفاً على الأمر، وتأنيث الضمير في ((فيدفنها)) على تأويل البصقة التي يدل عليها
قوله: وليبصق، وقيل: إنما لم يقل يغطيها لأن التغطية يستمر الضرر بها إذ لا يؤمن أن يجلس
غيره عليها فتؤذيه، بخلاف الدفن فإنه يفهم منه التعميق في باطن الأرض. قلت: يؤيد هذا ما
روه الطبراني: ((فليحفر وليدفنه))، وعند ابن أبي شيبة مرفوعاً: ((إذا بزق في المسجد فليحفر
وليمعن)). وفي (صحيح ابن خزيمة): ((فليبعد))، لا يقال: إن الباب معقود على دفن النخامة
والحديث يدل على دفن البراق، قد قلنا فيما مضى أنه: لا تفاوت بينهما في الحكم فإن
قلت :. قوله: ((فإن عن يمينه ملكاً))، يقتضي اختصاص منع البرق عن يمينه لأجل الملك، وفي
يساره أيضاً ملك؟ قلت: أجيب: بأنا لو سلمنا ذلك فلليمين شرف، وفيه نظر لا يخفى،
وقيل: بأن الصلاة أم الحسنات البدنية فلا دخل لكاتب السيئات فيها، وفيه نظر أيضاً، لأنه
ولو لم يكتب لا يغيب عنه، فأحسن ما يجاب به أن يقال: إن لكل واحد قريناً وموقفه يساره،
كما ورد في حديث أبي أمامة، رواه الطبراني: ((فإنه يقوم بين يدي الله وملكه عن يمينه وقرينه
عن يساره))، فلعل المصلي إذا تفل عن يساره يقع على قرينه وهو الشيطان ولا يصيب الملك
منه شيء.
٣٩ - بابٌ إِذَا بَدَرَهُ البُزَاقُ فَلْيَأْخُذْ بِطَرَفِ ثَوْبِهِ
أي: هذا باب يذكر فيه إذا بدره البزاق: إذا غلب عليه ولم يقدر على دفعه، ولكن لا
يقال: بدره، بل يقال: بدر إليه، قال الجوهري: بدرت إلى الشيء أبدر بدوراً: أسرعت،
وكذلك: بادرت إليه، وتبادر القوم تسارعوا، وأجاب بعضهم عن هذا نصرة للبخاري بأنه
يستعمل في المغالبة فيقال: بادرت كذا فبدرني أي: سبقني قلت: هذا كلام من لم يمس
شيئاً من علم التصريف. فإن في المغالبة يقال: بادرني فبدرته، ولا يقال: بادرت كذا فبدرني،
والفعل اللازم في باب المغالبة يجعل متعدياً بلا حرف صلة، يقال: كارمني فكرمته، وليس
هنا باب المغالبة حتى يقال: بدره.
٧٩/ ٤١٧ - حدّثنا مالِك بنُ إسْماعِيلَ قال حدّثنا زُهَيْرٌ قال حدّثنا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَس أنَّ

٢٣١
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٣٩)
النبيَّ عَّ ◌ُلّهِ رِأى تُخَامَةً فِي القِبْلَةِ فَحَكِّها بِيَدِهِ ورُؤِيَ مِنْهُ كَرَاهِيَةٌ أَوْ رُؤِيَ كَرَاهِيَتُهُ لِذَلِكَ وَشِدَّتُهُ
عليهِ وقال ((إِنَّ أحَدَكُمْ إِذَا قامَ فِي صَلاَتِهِ فإنََّا يُنَاجِي رَبَّهُ أَوْ رَبُّهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قِبْلِتِهِ فَلاَ يَبْزُقَنَّ
في قِبْلَتِهِ ولَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أو تَخْتَ قَدَمِهِ)) ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَرَقَ فيهِ وَرَدَّ بَعْضَهُ عَلَى
بَعْض قال أوْ يَفْعَلُ هَكذَا. [انظر الحديث: ٢٤١ وأطرافه].
الترجمة مشتملة على شيئين: أولهما مبادرة البزاق، والآخر هو أخذ المصلي بزاقه
بطرف ثوبه، وفي الحديث ما يطابق الثاني وهو قوله: ((ثم أخذ طرف ردائه فبزق فيه)) وليس
للجزء الأول ذكر في الحديث أصلاً، ولهذا اعترض عليه في ذلك، ولكن يمكن أن يقال، وإن
كان فيه تعسف: كأنه أشار بذلك إلى ما في بعض طرق الحديث، وهو ما رواه مسلم من
حديث جابر بلفظ: ((وليبصق عن يساره تحت رجله اليسرى، فإن عجلت به بادرة فليقل
بثوبه هكذا، ثم طوى بعضه على بعض)). وروى أبو داود: ((فإن عجلت به بادرة فليقل بثوبه
هكذا، وضعه على فيه ثم دلكه)). قوله: ((بادرة)) أي: حدة، وبادرة الأمر: حدته، والمعنى: إذا
غلب غليه البصاق والنخامة فليقل بثوبه هكذا. وقوله: ((وضعه على فيه)) تفسير لقوله: ((فليقل
به))، ولأجل ذلك ترك العاطف أي: وضع ثوبه على فمه حتى يتلاشى البزاق فيه.
ذكر رجاله: وهم أربعة: الأول: مالك بن إسماعيل أبو غسان النهدي، وقد مر في باب
الماء الذي يغسل به شعر الإنسان. الثاني: زهير، بالتصغير: ابن معاوية الكوفي. الثالث:
حميد الطويل. الرابع: أنس بن مالك.
وقد تقدم هذا الحديث في باب حك البزاق باليد من المسجد، وذكرنا هناك ما يتعلق
به من الأبحاث. ولنذكرههنا ما لم نذكره هناك. قوله: ((كراهية)»، مرفوع بقوله: رؤي، على
صيغة المجهول. قوله: ((أو رؤي كراهيته)) شك من الراوي قوله: ((لذلك)) أي: لأجل رؤية
النخامة في القبلة. قوله: ((وشدته عليه)) يجوز فيه الرفع والجر عطفاً على الكراهية أو على
لذلك قوله: ((أو ربه)) مبتدأ وخبره هو قوله: ((بينه وبين القبلة))، والجملة معطوفة على:
((يناجي ربه))، عطف الجملة الإسمية على الفعلية. قوله: ((وقال)) في بعض النسخ: ((فقال))،
بالفاء.
وفيه من الفوائد: استحباب إزالة ما يستقذر أو يتنزه عنه من المسجد. وفيه: تفقد
الإمام أحوال المساجد وتعظيمها وصيانتها. وفيه: أن للمصلي أن يبصق في الصلاة ولا تفسد
صلاته. وفيه: أنه إذا نفخ أو تنحنح جاز، كذا قالوا، ولكن هذا بالتفصيل وهو أن التنحنح لا
يخلو إما أن يكون بغير اختياره فلا شيء عليه، وإن كان باختياره فإن حصلت منه حروف
ثلاثة تفسد صلاته، وفي الحرفين قولان، وعن أبي حنيفة: إن النفخ إذا كان يسمع فهو بمنزلة
الكلام يقطع الصلاة. وفيه: إن البصاق طاهر، وكذا النخامة والمخاط، خلافاً لمن يقول: كل
ما تستقذره النفس حرام. ومن فوائده: أن التحسين والتقبيح إنما هو بالشرع، لكون اليمين
مفضلة على اليسار، واليد مفضلة على القدم.

٢٣٢
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٤٠)
٤٠ - باب عِظَةِ الإمامِ النَّاسَ فِي إتْمَامِ الصَّلاةِ وذِكْرِ القِبْلَةِ
أي: هذا باب في بيان وعظ الإمام الناس بأن يتموا صلاتهم ولا يتركوا منها شيئاً،
والعظة على وزن: علة، مصدر من: وعظ يعظ وعظاً وعظة وموعظة، وأصل: عظة: وعظ،
فلما حذفت منه الواو عوضت منها التاء في آخره، أما الحذف فلوجوده في فعله، وأما كسر
العين فمن الواو. فافهم. والوعظ: النصح والتذكير بالعواقب، ويقال: وعظته فاتعظ أي: قبل
الموعظة.
وجه المناسبة في ذكر هذا الباب عقيب الأبواب المذكورة من حيث إنه كان فيها أمر
ونهي وتشديد فيهما، وهي كلها وعظ ونصح، وهذا الباب أيضاً في الوعظ والنصح. قوله:
((وذكر القبلة)) بالجر عطف على: ((عظة)) أي: وفي بيان القبلة.
٤١٨/٨٠ - حدّثنا عَبْدُ اللَّه بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عن أبي الزِّنَادِ عنِ الأعْرَجِ
عن أبي هُرَيْرَةَ أن رسِولِ الله عَ لِ قال ((هلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي ههُنا فَوَالله ما يَخْفَى عَلَيَّ خُشوُعُكَمَ
ولا رُكُوعُكُمْ إِنِّي لأَرَاكُمْ مِنْ ورَاءِ ظِهْرِي)). [الحديث ٤١٨ - طرفه في: ٧٤١].
مطابقته للترجمة من حيث إن في هذا الحديث وعظاً لهم وتذكيراً وتنبيهاً لا يخفى
عليه ركوعهم وسجودهم، يظنون أنه لا يراهم لكونه مستدبراً لهم، وليس الأمر كذلك، لأنه
يرى من خلفه مثل ما يرى من بين يديه.
ذكر رجاله: وقد تكرر ذكرهم، وأبو الزناد، بكسر الزاي وتخفيف النون: عبد الله بن
ذكوان، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً ههنا عن إسماعيل عن
مالك. وأخرجه مسلم أيضاً في الصلاة عن قتيبة عن مالك.
ذكر معناه: قوله: ((هل ترون قبلتي؟)) استفهام على سبيل إنكار ما يلزمه منه، المعنى،
أنتم تحسبون قبلتي ههنا، وإنني لا أرى إلاّ ما في هذه الجهة، فوالله إن رؤيتي لا تختص
بجهة قبلتي هذه، فإني أرى من خلفي كما أرى من جهة قبلتي، ثم العلماء اختلفوا ههنا في
موضعين: الأول: في معنى هذه الرؤية، فقال قوم: المراد بها العلم إما بطريق أنه كان يوحى
إليه بيان كيفية فعلهم، وإما بطريق الإلهام، وهذا ليس بشيء، لأنه لو كان ذلك بطريق العلم
ما كانت فائدة في التقييد بقوله: ((من وراء ظهري))، وقال قوم: المراد به أنه يرى من عن
يمينه ومن عن يساره، ممن تدركه عينه مع التفات يسير في بعض الأحوال وهذا أيضاً ليس
بشيء، وهو ظاهر. وقال الجمهور، وهو الصواب: إنه من خصائصه، عليه الصلاة والسلام،
وإن إبصاره إدراك حقيقي انخرقت له فيه العادة، ولهذا أخرجه البخاري هذا الحديث في
علامات النبوة، وفيه دلالة للأشاعرة حيث لا يشترطون في الرؤية مواجهة ولا مقابلة، وجوزوا
إبصار أعمى الصين بقعة أندلس قلت: هو الحق عند أهل السنة: إن الرؤية لا يشترط لها عقلاً
عضو مخصوص، ولا مقابلة ولا قرب، فلذلك حكموا بجواز رؤية الله تعالى في الدار الآخرة

٢٣٣
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٤٠)
خلافاً للمعتزلة في الرؤية مطلقاً، وللمشبهة والكرامية في خلوها عن المواجهة والمكان،
فإنهم إنما جوزوا رؤية الله تعالى لاعتقادهم كونه تعالى في الجهة والمكان، وأهل السنة أثبتوا
رؤية الله تعالى بالنقل والعقل، كما ذكر في موضعه، وبينوا بالبرهان على أن تلك الرؤية مبرأة
عن الانطباع والمواجهة واتصال الشعاع بالمرئي. الموضع الثاني: اختلفوا في كيفية رؤية
النبي، عليه الصلاة والسلام، من خلف ظهره، فقيل: كانت له عين خلف ظهره يرى بها من
ورائه دائماً، وقيل: كانت له بين كتفيه عينان مثل سم الخياط، يعني: مثل خرق الإبرة يبصر
بهما لا يحجبهما ثوب ولا غيره. وقيل: بل كانت صورهم تنطبع في حائط قبلته كما تنطبع
في المرآة أمثلتهم فيها، فيشاهد بذلك أفعالهم. قوله: ((لا يخفى علي ركوعكم ولا خشوعكم))
يعني: إذا كنت في الصلاة مستدبراً لكم؛ ويجوز أن يكون المراد من الخشوع السجود لأنه
غاية الخشوع، وقد صرح في رواية مسلم بالسجود، ويجوز أن يراد به أعم من ذلك. فيتناول
جميع أفعالهم في صلاتهم. فإن قلت: إذا كان الخشوع بمعنى الأعم يتناول الركوع أيضاً، فما
فائدة ذكره، قلت: لكونه من أكبر عمد الصلاة، وذلك لأن الرجل ما دام في القيام لا يتحقق
أنه في الصلاة، فإذا ركع تحقق أنه في الصلاة، ويكون فيه عطف العام على الخاص. قوله:
((فوالله)، قسم منه عَّ ◌ُلّه وجوابه قوله: ((لا يخفى)). وقوله: ((إني لأراكم)) إما بيان وإما بدل.
قوله: ((ركوعكم)) بالرفع فاعل ((لا يخفى)) وقوله: ((ولا خشوعكم))، عطف عليه، أي: لا
يخفى علي خشوعكم، والهمزة في لأراكم مفتوحة، واللام للتأكيد.
ومما يستفاد منه أنه ينبغي للإمام إذا رأى أحداً مقصراً في شيء من أمور دينه أو ناقصاً
للكمال منه أن ينهاه عن فعله، ويحضه على ما فيه جزيل الحظ. ألا ترى أنه معدّ لله كيف وبخ
من نقص كمال الركوع والسجود، ووعظهم في ذلك بأنه يراهم من وراء ظهره كما يراهم
من بين يديه؟ وفي تفسير سنيد: حدّثنا حجاج عن ابن أبي ذئب حدّثنا يحيى بن صالح
حدّثنا فليح عن هلال ابن علي عن أنس قال: ((صلى لنا رسول الله عَّله صلاة، ثم رقى
المنبر فقال، في الصلاة وفي الركوع إني لأراكم من ورائي كما أراكم)). وفي لفظ: ((أقيمت
الصلاة فأقبل علينا بوجهه فقال: أقيموا صفوفكم وتراصوا، فإني أراكم من وراء ظهري)). وفي
لفظ: ((أقيموا الركوع والسجود فوالله إني لأراكم من بعدي، وربما قال: من بعد ظهري، إذا
ركعتم وإذا سجدتم)). وعند مسلم: ((صلى بنا ذات يوم، فلما قضى صلاته أقبل علينا بوجهه،
فقال: أيها الناس: إني إمامكم فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالانصراف، فإني
أراكم أمامي ومن خلفي، ثم قال. والذي نفس محمد بيده، لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلاً
ولبكيتم كثيراً. قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال رأيت: الجنة والنار)).
٤١٩/٨١ - حدّثنا يحيى بنُ صالِحِ قالَ حدّثنا فُلَيْخُ بنُ سُلَيْمانَ عنْ هِلاَلِ بنِ عَليٍّ
عنْ أَنْسِ بْنِ مِالِكٍ قالَ صَلَّى بِنَا النبيُّ عَّهِ صَلاَةً ثُمَّ رَقِيَ المِنْبَرَ فقالَ: في الصَّلاةِ وَفِي
الوُّكوعِ («إِنِّي لأَرَاكُمْ مِنْ وَرَائي كَمَا أَرَاكُمْ». [الحديث ٤١٩ - طرفاه في: ٧٤٢، ٦٦٤٤].
مطابقته للترجمة مثل مطابقة الحديث الذي قبله.

٢٣٤
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٤١)
ذكر رجاله: وهم أربعة: يحيى بن صالح الوحاظي، بضم الواو. الثاني: فليح، بضم
الفاء وفتح اللام وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره حاء مهملة، وقد مر ذكره. الثالث:
هلال بن علي، ويقال هلال بن أبي هلال بن علي، ويقال: ابن أسامة الفهري المديني، مات
في آخر خلافة هشام بن عبد الملك. الرابع: أنس بن مالك، رضي الله تعالى عنه.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً عن محمد ابن سليمان عن
فليح، وأخرجه في الرقاق عن إبراهيم بن المنذر عن محمد بن فليح عن أبيه به.
ذكر معناه: قوله: ((صلى لنا)) أي: صلى لأجلنا. قوله: ((صلاة)) بالتنكير للإبهام. قوله:
((ثم رقي المنبر))، بكسر القاف ويجوز فتحها على لغة طيء. قوله: ((فقال في الصلاة))، فيه
حذف تقديره: فقال في شأن الصلاة وفي أمرها، أو يكون متعلقها محذوفاً تقديره: اراكم في
الصلاة. وقال بعضهم: هو متعلق بقوله بعد: لأراكم قلت: هذا غلط، لأن ما في حيز أن لا
يتقدم عليها. قوله: ((وفي الركوع)) إنما أفرده بالذكر وإن كان داخلاً في الصلاة للاهتمام
بشأنه إما لأنه أعظم أركانها بدليل أن المسبوق لو أدرك الركوع أدرك تلك الركعة بتمامها،
وإما لأنه عَّةٍ علم أنهم قصروا في حال الركوع، فذكره لزيادة التنبيه. قوله: ((من ورائي))
وفي بعض الروايات: ((من وراء»، حذفت الياء منه واكتفى بالكسرة عنها. وقال الكرماني: فإن
قلت: الرؤية من الوراء كانت مخصوصة بحال الصلاة أم هي عامة لجميع الأحوال، قلت:
اللفظ، سيما في الحديث السابق، يقتضي العموم، والسياق يقتضي الخصوص قلت: نقل عن
مجاهد أنه كان في جيمع أحواله. قوله: ((كما أراكم))، أي كما أراكم من أمامي، وصرح به
في رواية أخرى، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وفي رواية مسلم: (إني لأبصر من ورائي كما
أبصر من بين يديّ))، وعن بقي بن مخلد أنه عَّ كان يبصر في الظلمة كما يبصر في
الضوء، و: الكاف، في: كما أراكم، للتشبيه، فالمشبه به الرؤية المقيدة بالوراء. وبقية الكلام
مرت في الحديث السابق.
٤١ - بابٌ هَلْ يُقالُ مَسْجِدُ بَنِي فِلاَنِ
أي: هذا باب في بيان إضافة مسجد من المساجد إلى قبيلة أو إلى أحد مثل بانيه أو
الملازم للصلاة فيه، هل يجوز أن يقال ذلك؟ نعم يجوز، والدليل عليه حديث ابن عمر الآتي
ذكره، وإنما ترجم الباب بلفظة: هل، التي للاستفهام لأن في هذا خلاف إبراهيم النخعي، فإنه
كان يكره أن يقال: مسجد بني فلان، أو: مصلى فلان، لقوله تعالى: ﴿وإن المساجد لله﴾
[الجن: ١٨] ذكره ابن أبي شيبة عنه، وحديث الباب يرد عليه، والجواب عن تمسكه بالآية
أن الإضافة فيها حقيقة، وإضافتها إلى غيره إضافة تمييز وتعريف.
فإن قلت: ما وجه ذكر هذا الباب ههنا؟ وما وجه المناسبة بينه وبين الأبواب
المتقدمة؟ قلت: المذكور في الأبواب السابقة أحكام تتعلق بالمساجد، والمذكور في هذا
الباب أيضاً حكم من أحكامها، وهذا المقدار كاف.
:

٢٣٥
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٤١)
٤٢٠/٨٢ - حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قالَ أخبرنا مالِكٌ عِنْ نَافِعِ عنْ عَبْدِ اللَّهِ بن
عُمَرَ أنَّ رسول الله عَ لِّ سَابَقَ بَيْنَ الخَيْلِ التي أُضْمِرَتْ مِنَ الحَفْياءِ وَأَمَدُها ثَنِيَّةُ الْوَدَاعِ وسابَقَ
بَيْنَ الخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضْمَرْ مِنَ الثَّنِيَّة إلى مَشْجِدٍ بَنِي زُرَيْقٍ وَأَن عَبْدَ اللَّه بنَ عُمَرَ كَانَ فِيمَنْ
سابَقَ بهَا. [الحديث ٤٢٠ - أطرافه في: ٢٨٦٨، ٢٨٦٩، ٢٨٧٠، ٧٣٣٦].
مطابقة الحديث للترجمة في قوله: ((إلى مسجد بني زريق))، ورجاله تكرروا غير مرة.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في المغازي عن يحيى بن يحيى عن مالك. وأخرجه أبو داود
في الجهاد عن القعنبي عن مالك. وأخرجه النسائي في الخيل عن محمد بن مسلمة
والحارث بن مسكين، كلاهما عن ابن القاسم عن مالك.
ذكر معناه: قوله: ((سابق))، من المسابقة وهي السبق الذي يشترك في الاثنان، وباب
المفاعلة يقتضي ذلك، والخيل التي أضمرت هي التي كانت المسابقة بينها، وكان فرس النبي،
صلى الله تعالى عليه وسلم، بينها يسمى: السكب، وكان أغر محجلاً طلق اليمين له مسحة،
وهو أول فرس ملكه، وأول فرس غزا عليه، واشتراه من أعرابي من بني فزارة بعشر أواق، وكان
إسمه عند الأعرابي: الضرس، فسماه رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: السكب،
وسابق عليه فسبق وفرح به، وهو أول فرس سابق عليه فسبق وفرح المسلمون به. قوله:
((أضمرت))، بضم الهمزة على صيغة المجهول من الإضمار، يقال: ضمر الفرس، بالفتح وأضمرته
أنا والضمر، بضم الضاد وسكون الميم: الهزال، وكذلك الضمور، وتضمير الفرس أن يعلف حتى
يسمن ثم يرده إلى القوت، وذلك في أربعين يوماً. وفي (النهاية): وتضمير الخيل هو أن تظاهر
عليها العلف حتى تسمن ثم لا تعلف إلاّ قوتاً لتخف. وقيل: تشد عليها سروجاً وتجلل بالأجلة
حتى تعرق تحتها فيذهب رهلها ويشتد لحمها. قوله: رهلها، بفتح الراء والهاء وباللام، من رهل
لحمه، بالكسر: اضطرب واسترخى، قاله الجوهري، والمضمر الذي يضمر خيله لغزو أو سباق،
والمضمار الموضع الذي يضمر فيه الخيل، وتكون وقتاً للأيام التي يضمر فيها.
قوله: ((من الحفياء))، بفتح الحاء المهملة وسكون الفاء وبالياء آخر الحروف والألف
الممدودة، وقدم بعضهم الياء على الفاء، وهو اسم موضع بينه وبين ثنية الوداع خمسة أميال
أو ستة أو سبعة، وثنية الوادع عند المدينة سميت بذلك لأن الخارج من المدينة يمشي معه
المودعون إليها، والثنية: لغة الطريقة إلى العقبة، فاللام فيه للعهد. قوله: ((وأمدها)) الأمد، بفتح
الهمزة وفتح الميم: الغاية. قوله: ((بني زريق))، بضم الزاي المعجمة وفتح الراء وسكون الياء
آخر الحروف وفي آخره قاف، وبنو زريق ابن عامر حارثة بن غضب بن جشم بن الخزرج.
وقال صاحب (التوضيح): وبنو زريق بطن من الخوارج قلت: تفسيره بهذا هنا غلط،
والصحيح هو الذي ذكرناه. قوله: ((وأن عبد الله))، يجوز أن يكون مقول عبد الله بن عمر
بطريق الحكاية عن نفسه باسمه على لفظ الغيبة، كما تقول عن نفسك: العبد فعل كذا،
ويجوز ان يكون مقول نافع قوله: ((بها)) أي: بالخيل أو بهذه المسابقة.
ذكر ما يستنبط منه: فيه: جواز المسابقة بين الخيول وجواز تضميرها وتمرينها على

٢٣٦
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٤٢)
الجري، وإعدادها لذلك لينتفع بها عند الحاجة في القتال كراً وفراً، وهذا إجماع، وعن
الشافعية أنها سنة، وقيل: مباح، وكانت الجاهلية يفعلونها فأقرها الإسلام، ولا يختص جوازها
بالخيل، خلافاً لقوم، والحديث محمول على ما إذا كان بغير رهان، والفقهاء شرطوا فيها
شروطاً منها: جواز الرهان من جانب واحد، ومن الجانبين قمار إلاّ بمحلل، وقد علم في
موضعه، وليس في الحديث دلالة على جواز ذلك ولا على منعه. وقال ابن التين: إنه عَّ ◌َّه
سابق بين الخيل على حلل أتته من اليمن، فأعطى السابق ثلاث حلل وأعطى الثاني حلتين
والثالث حلة والرابع ديناراً، والخامس درهماً، والسادس فضة. وقال: (بارك الله فيك. وفي
كلكم وفي السابق والفسكل)). قلت: الفسكل، بكسر الفاء وسكون السين المهملة بينهما
وفي آخره اللام: وهو الذي يجيء في الجلبة آخر الخيل.
وفيه: تجويع البهائم على وجه الصلاح وليس من باب التعذيب. وفيه: بيان الغاية ومقدار
أمدها. وفيه: جواز إضافة المسجد إلى بانيه وإلى مصلٌ فيه، كما ذكرنا، وكذلك تجوز
إضافة أعمال البر إلى أربابها ونسبتها إليهم وليس في ذلك تزكية لهم.
٤٢ - بابُ الْقِسْمَةِ وتعليقِ الْقِنْوِ فِي الْمَسْجِد
أي: هذا باب في بيان قسمة الشيء في المسجد يعني: يجوز لأنه عَّ فعلها كما
في حديث الباب. قوله: ((في المسجد))، يتعلق بالقسمة. ((وتعليق القنو)) عطف على
القسمة.
والمناسبة بين هذه الأبواب ظاهرة لأنها في أحكام تتعلق بالمسجد.
قال أبُو عَبْدِ اللَّه القِنْؤُ العِزْقُ والإِثْنَانِ قِنْوَانِ وَالجمَاعَةُ أَيْضاً قُنْوَانٌ مِثْلُ صِنْوٍ وصِنْوَانٍ.
أبو عبد اللَّه هو: البخاري نفسه، وفسر القنو بالعذق، والقنو، بكسر القاف وسكون
النون. وقال ابن سيده: القنو والقنا الكياسة، والقنا بالفتح لغة فيه عن أبي حنيفة، والجمع في
كل ذلك أقناء وقنوان وقنيان. وفي (الجامع): في القنوان لغتان، بكسر القاف وضمها، وكل
العرب تقول: قنو وقنو في الواحد. قوله: ((العذق)) بكسر العين المهملة وسكون الذال
المعجمة: هو كالعنقود للعنب، والعذق، بفتح العين: النخلة. قوله: ((والاثنان قنوان))، على
وزن: فعلان، بكسر الفاء، وكذلك الجمع هذا الوزن؟ فإن قلت: فبأي شيء يفرق بين التثنية
والجمع؟ قلت: بسقوط النون في التثنية عند الإضافة وثبوتها في الجمع، وبكسرها في التثنية
وإعرابها في الجمع. قوله: ((مثل صنو)) يعني: في الحركات والسكنات، وفي التثنية والجمع،
والصنو هو: النخلتان أو ثلاثة تخرج من أصل واحدة، وكل واحد منهن صنو، والإثنان
صنوان، بكسر النون، الجمع: صنوان بإعرابها، والبخاري لم يذكر جمعه لظهوره من الأول.
٤٢١ - وقال إبْراهِيمُ يعْني ابنَ طَهْمَانَ عن عَبْدِ الْعَزِيزِ بنِ صُهَيْبٍ عنْ أَنسٍ رضي الله عنه
قال أَتَىَ النبيُّ عَّلِ بِمَالٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ فقال انْتُرُوهُ فِي المسجدِ وكانَ أكْثَرَ مالٍ أَتِّيَ بِهِ رسول الله
عَّه فَخَرَجَ رسولُ الله عَ لَّه إلى الصَّلاةِ وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ فَلمّا قَضى الصَّلاَةَ جاءَ فَجَلَسَ إِلَيْهِ فَمَا

٢٣٧
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٤٢)
كانَ يَرَى أَحَداً إلاَّ أعْطَاهُ إِذُ جاءَهُ الْعَبَّاسُ فقال يا رسولَ الله أَعْطِني فإِنِّي فادَيْتُ نَفْسِي وفَادَيْتُ
عَقِيلاً فقال لَهُ رسولُ اللهِ عَ لِ خُذْ فَحَثَا فِي ثَوْبِهِ ثُمَّ ذَهَبَ يُقِلُّهُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ فقالَ يا رسول الله مُرْ
بَعْضَهُمْ يَرْفَعْهُ إِلَىَّ قالَ لاَ قال فارْفَعْهُ أَنْتَ عَليَّ قال لا فَتَثَرَ مِنْهُ ثُم ذَهَبَ يُقِلُّهُ فقال يا رَسولَ الله
اؤْمُرْ بَعْضَهُمْ يَرْفَعْه عَلَيَّ قال لا قالَ فارْفَعْهُ أَنْتَ عَلَيَّ قال لا فَثَرَ مِنْهُ ثمَّ احْتَمَلَهُ فَأَلْقَاهُ عَلَى كاهِلِه
ثُمَّ انْطَلَقَ فَمَا زَالَ رسولُ الله عَ لَّهِ يُتْبِعُهُ بَصَرَهُ حتى خَفِيَ عَلَيْنا عَجباً مِنْ حِرْصِهِ فَمَا قَامَ رَسُولُ
الله عَلَّهِ وَثَمَّةَ منْها دِرْهَمٌّ. [الحديث ٤٢١ - طرفاه في: ٣٠٤٩، ٣١٦٥].
هذا تعليق من البخاري. قال الإسماعيلي: ذكره البخاري عن إبراهيم وهو ابن طهمان
فيما أحسب بغير إسناد، يعني تعليقاً. وفي بعض الرواية: قال إبراهيم، بغير ذكر أبيه، والأول
هو الأصح، و: طهمان، بفتح الطاء المهملة وسكون الهاء: ابن شعبة الخراساني أبو سعيد،
مات سنة ثلاثة وستين ومائة بمكة. وأخرجه البخاري أيضاً معلقاً في الجهاد وفي الجزية، وقال
الحافظ المزي: هكذا هو في البخاري: إبراهيم، غير منسوب وذكره أبو مسعود الدمشقي،
وخلف الوسطي في ترجمة عبد العزيز ابن صهيب عن أنس، وكذلك رواه عمر بن محمد بن
بجير، بضم الباء الموحدة وفتح الجيم، ونسبه عمر إلى جده البجيري في (صحيحه) من
رواية إبراهيم بن طهمان عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس. وقيل: إنه عبد العزيز بن رفيع،
وقد روى أبو عوانة في (صحيحه) حديثاً من رواية إبراهيم بن طهمان عن عبد العزيز بن رفيع
عن أنس: ((تسحروا فإن في السحور بركة)). وروى أبو داود والنسائي حديثاً من رواية إبراهيم
ابن طهمان عن عبد العزيز بن رفيع عن عبيد بن عمير عن عائشة، رضي الله تعالى عنها،
حديث: ((لا يحل دم امرىء مسلم إلاّ في إحدى ثلاثة)) ... الحديث، فيحتمل أن يكون هذا،
ويحتمل أن يكون هذا والله أعلم أيهما هو!
وقال بعضهم: قال المزي في (الأطراف) قيل: إنه عبد العزيز بن رفيع وليس بشيء.
قلت: قوله: ليس بشيء، راجع إلى قول صاحب هذه القيل، لأن المزي قال بالاحتمال، كما
ذكرنا، ثم إن هذا المعلق وصله أبو نعيم الحافظ: حدّثنا محمد ابن إبراهيم بن علي حدّثنا
أحمد بن محمد بن يزيد حدّثنا أحمد بن حفص بن عبد اللَّه بن راشد حدثني أبي حدثني
إبراهيم بن طهمان عن عبد العزيز يعني ابن صهيب عن أنس قال: ((أتي رسول الله عَ له بمال
من البحرين) ... الحديث: فإن قلت: الترجمة مشتملة على شيئين: أحدهما: القسمة في
المسجد، والآخر: تعليق القنو فيه، وليس في حديث الباب إلاَّ ما يطابق الجزء الأول. قلت:
ذكر أبو محمد بن قتيبة في (غريب الحديث) تأليفه في هذا أنه لما خرج رأى أقناء معلقة
في المسجد، وكان أمر بين كل حائط بقنو يعلق في المسجد ليأكل منه من لا شيء له،
وقال ثابت في كتاب (الدلائل) وكان عليها على عهده عَّ لِ معاذ بن جبل، رضي الله تعالى
عنه. انتهى ومن عادة البخاري الإحالة على أصل الحديث وما أشبهه.
والمناسبة بينهما أن كل واحد منهما وضع في المسجد للأخذ منه لا للادخار، وعدم
التفات النبي، عَّه، إليه استقلالاً للدنيا وما فيها، فسقط بما ذكرنا قول ابن بطال في عدم

٢٣٨
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٤٢)
ذكر البخاري حديثاً في تعليق القنو إنه أغفله، وكذلك سقط كلام ابن التين أنساه.
ذكر معناه: قوله: ((أُتَى النبي عَ لّه))، بضم الهمزة على صيغة المجهول. قوله: ((بمال
من البحرين))، وقد تعين المال فيما رواه ابن أبي شيبة من طريق حميد مرسلاً أنه كان مائة
ألف، وأنه أرسل به العلاء بن الحضرمي من خراج البحرين. قال: وهو أول خراج حمل إلى
رسول الله عَ ليه، وقد روى البخاري في (المغازي) من حديث عمر بن عوف: ((أن النبي عَّ.
صالح أهل البحرين وأمَّر عليهم العلاء بن الحضرمي، وبعث أبا عبيدة بن الجراح إليهم، فقدم
أبو عبيدة بمال فسمعت الأنصار بقدومه)) ... الحديث. فإن قلت: ذكر الواقدي في (الردة) أن
رسول العلاء بن الحضرمي بالمال هو: العلاء بن حارثة الثقفي، قلت: يحتمل أنه كان رفيق
أبي عبيدة فاختصر في رواية الواقدي عليه فإن قلت: في (صحيح البخاري) من حديث جابر،
رضي الله عنه: ((أن النبي عَّ ◌َّه قال له: لو جاء مال البحرين أعطيتك!)) وفيه: ((فلم يقدم مال
البحرين حتى مات النبي عَّه))، فهذا معارض لحديث الباب. قلت: لا معارضة، لأن المراد
أنه لم يقدم في السنة التي مات فيها النبي عَّه، لأنه كان مال خراج أو جزية، فكان يقدم
من سنة إلى سنة.
وأما: البحرين، فهو: تثنية بحر في الأصل، وهي بلدة مشهورة بين البصرة وعمان،
وهي: هجر، وأهلها عبد القيس بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن
معد بن عدنان، وقال القاضي عياض: قيل: بينها وبين البصرة أربعة وثمانون فرسخاً. وقال أبو
عبيد البكري لما صالح أهله رسول الله عَّهِ أَمَّر عليهم العلاء بن الحضرمي، وزعم أبو الفرج
في (تاريخه) أنها ربية، وأن ساكنيها معظمهم مطحولون، وأنشد:
ومن يسكن البحرين يعظم طحاله
ويغبط بما في وجوفه وهو ساغب
وزعم ابن سعد أن رسول الله عَّ لما انصرف من الجعرانة، يعني: بعد قسمة غنائم
حنين، أرسل العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوي العبدي، وهو بالبحرين يدعوه إلى
الإسلام، فكتب إلى رسول الله عَّهِ بإسلامه وتصديقه. قوله: ((انثروه)) أي: صبوه. قوله:
((إليه)) أي: إلى المال الذي قدم. قوله: ((إذ جاءه العباس))، وهو عم النبي، عليه الصلاة
والسلام، ابن عبد المطلب، وكلمة: إذ، ظرف في الغالب، والعامل فيه يجوز أن يكون قوله:
فجلس إليه، ويجوز أن يكون قوله: يرى. قوله: ((فأديت نفسي))، يعني: يوم بدر حيث أخذ
أسيراً. و: فاديت، من المفاداة يقال: فاداه يفاديه إذا أعطى فداءه، وأنقذ نفسه. ويقال: فدى
وأندى وفادى فقدى إذا أعطى المال لخلاص غيره، وفادى إذا فتك الأسير بأسير مثله
لخلاص نفسه، وأفدى إذا أعطى المال. قوله: ((وفاديت عقيلا))، بفتح العين: وهو ابن أبي
طالب، وكان هو أيضاً أسر يوم بدر مع عمه العباس. قوله: ((فحثى)) بفتح الحاء المهملة والثاء
المثلثة والضمير فيه يرجع إلى العباس، يقال: حثوت له إذا أعطيته شيئاً يسيراً قوله: ((في
ثوبه)): أي في ثوب العباس. قوله: ((يقله)، بضم الياء من الإقلال وهو الرفع والحمل. قوله:
((فلم يستطع)) أي: حمله. قوله: ((مر بعضهم يرفعه علي)) أي: مر بعض الحاضرين يرفع

٢٣٩
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٤٢)
المال الذي أخذته عليَّ، وإنما قال ذلك لأنه لم يستطع حمله. فإن قلت: ماوزن: مر؟ قلت:
على، لأن المحذوف منه فاء الفعل، لأن أصله أؤمر، لأنه من أمر يأمر، مهموز الفاء، فحذفت
همزة الكلمة لاجتماع المثلين في أول الكلمة المؤدي إلى الاستثقال، فبقي: امر، فاستغني
عن همزة الوصل لتحرك ما بعدها فحذفت، فصار: مر، على وزن: عل. وفي رواية: أؤمر على
الأصل. قوله: ((يرفعه)) بياء المضارع والضمير المستتر فيه يرجع إلى البعض، والبارز إلى
المال الذي حثاه العباس في ثوبه، ويجوز فيه الرفع والجزم: أما الرفع فعلى الاستئناف
والتقدير: هو يرفعه، وأما الجزم فعلى أنه جواب الأمر، ويروي برفعه بالباء الموحدة. فإن قلت:
كيف ما أمر النبي، عليه الصلاة والسلام، بإعانته في الرفع، ولا أعانه بنفسه؟ قلت: زجراً له
عن الاستكثار من المال، وأن لا يأخذ إلاَّ قدر حاجته أو لينبهه على أن أحداً لا يحمل عن
أحد شيئاً. قوله: ((فألقاه)) أي: العباس على كاهله، والكاهل ما بين الكتفين. قوله: ((يتبعه
بصره))، بضم الياء، من الإتباع أي: لم يزل عَّلم يتبع العباس بصره حتى خفي عليه، وذلك
تعجباً من حرصه، وهو معنى قوله: ((عجباً)) من حرصه، وانتصابه على أنه مفعول مطلق من
قبيل ما يجب حذف عامله، ويجوز أن يكون منصوباً على أنه مفعول له. قوله: ((وثمة)) بفتح
الثاء المثلثة أي: هنالك. وقوله: ((درهم)) وخبره قوله: ((منها)) مقدماً، والجملة وقعت حالاً،
والمقصود منه إثبات القيام عند انتفاء الدرهم، إذ الحال قيد للمنفي لا للنفي، والمجموع
منتف بانتفاء القيد لانتفاء المقيد، وإن كان ظاهره نفي القيام حال ثبوت الدرهم.
ذكر ما يستنبط منه من الأحكام: منها أن القسمة إلى الإمام على قدر اجتهاده. ومنها:
ما قاله ابن بطال: إن العطاء لأحد الأصناف الثمانية الذين ذكرهم الله في كتابه دون غيرهم،
لأنه أعطى العباس لما شكى إليه من الغرم، ولم يسوه في القسمة مع الثمانية الأصناف، فلو
قسم ذلك على التساوي لما أعطى العباس بغير مكيال ولا ميزان. وقال الكرماني: لا يصح
هذا الكلام، لأن الثمانية هي: مصارف الزكاة، والزكاة حرام على العباس، بل كان هذا المال
إما فيئاً أو غنيمة. قلت: لم يكن هذا المال فيئاً، وإنما كان خراجاً، ولو وقف الكرماني على
ما ذكرناه عن ابن أبي شيبة فيما مضى عن قريب لما قال هذا الذي قاله، وكذلك ابن بطال
وهم فيما قاله حيث جعل المال من الزكاة، وتبعه صاحب (التلويح) حيث قال: وفيه دلالة
لأبي حنيفة ومن قال بقوله: إنه يجوز الاقتصار على بعض الأصناف المذكورين في الآية
الكريمة، لأنه أعطى العباس لما شكى الغرم بغير وزن ولم يسوه في القسم مع الأصناف
الثمانية، ولم ينقل أنه أعطى أحداً مثله. قلت: هذا أيضاً كلام صادر من غير تأمل، لأنه ليس
للأصناف الثمانية دخل في هذا، ولا المال كان من مال الزكاة. ومنها: أن السلطان إذا علم
حاجة لأحد إلى المال لا يحل له أن يدخر منه شيئاً. ومنها: أن فيه كرم النبي، عَِّ، وزهده
في الدنيا، وأنه لم يمنع شيئاً سئله، إذا كان عنده. ومنها: أن فيه وضع ما الناس مشتركون فيه
من صدقة وغيرها في المسجد، لأن المسجد لا يحجب من أحد من ذوي الحاجة من
دخوله، والناس فيه سواء. وقال ابن القاسم، وسئل مالك عن الإفتاء في المسجد وما يشبه

٢٤٠
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٤٣)
ذلك؟ فقال: لا بأس به. وسئل عن الماء الذي يسقى في المسجد: أترى أنه يشرب منه؟
قال: نعم، إنما جعل للعطش ولم يرد به أهل المسكنة، فلا أرى أنه يترك شربه، ولم يزل هذا
من أمر الناس.
٤٣ _ بابُ مَنْ دَعا لِطَعَامٍ فى المَسْجِدِ وَمَنْ أجابَ مِنه
أي: هذا باب في بيان حكم من دعى إلى آخره، وقوله: ((في المسجد)) يتعلق بقوله:
((دعا))، لا بقوله: ((لطعام)). فإن قلت: صلة: دعا، بكلمة: إلى، نحو: ﴿والله يدعوا إلى دار
السلام﴾ [يونس: ٢٥] وبالباء في نحو: ((دعا هرقل بكتاب رسول الله صلى الله تعالى عليه
وسلم))، و: اللام، للاختصاص، فما وجه هذا؟ قلت: تختلف صلات الفعل بحسب اختلاف
المعاني، فإذا قصد بيان الانتهاء جيء بكلمة: إلى، وإذا قصد معنى الطلب جيء: بالباء، وإذا
قصد معنى الاختصاص جيء: باللام، وههنا قصد معنى الاختصاص. قوله: ((ومن أجاب منه))
في رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني: ((ومن أجاب إليه)). فإن قلت: ما الفرق بين
الروايتين؟ قلت: كلمة: من، في رواية: منه للابتداء، والضمير يعود على: المسجد، وفي
رواية: إلى، يعود الضمير إلى الطعام. فإن قلت: ما قصد البخاري من هذا التبويب؟ قلت:
الإشارة إلى أن هذا من الأمور المباحة، وليس من اللغو والذي يمنع في المساجد.
فإن قلت: ما وجه المناسبة بين هذا الباب والذي قبله؟ قلت: من قوله: باب حك
البزاق باليد من المسجد، إلى قوله: باب سترة الإمام، خمسة وخمسون باباً كلها فيما يتعلق
بأحكام المساجد، فلا يحتاج إلى ذكر وجه المناسبة بينها على الخصوص.
٤٢٢/٨٣ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ أخبرنا مالِكٌ عن إسحاقَ بن عَبْدِ اللَّهِ سَمِعَ
أَنَسأ قال وجَدْتُ النَّبِيَّ عَ لَّهِ فِي المَسْجِدِ مَعَهُ ناسٌ فَقُمْتُ فقالٍ لِي أَرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ قُلْتُ
نَعَمْ فقالَ لِطَعَامِ قُلْتُ نَعَمْ فقال لِمَنْ مَعَهُ قُومُوا فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ. [الحديث ٤٢٢
- أطرافه في: ٣٥٧٨، ٥٣٨١، ٥٤٥٠، ٦٦٨٨].
مطابقة هذا الحديث للترجمة كلها ظاهرة، أما الشق الأول: فلأنَّا قد ذكرنا أن: في
المسجد، يتعلق بقوله: دعا، لا بقوله: لطعام، فحصل الدعاء إلى الطعام في المسجد. وأما
الشق الثاني: فهو إجابة النبي عَّهِ بقوله لمن حوله: قوموا، فبهذا التقرير يندفع اعتراض من
يقول: إن المطابقة للترجمة في الشق الثاني فقط فافهم.
ورجال الحديث قد تكرر ذكرهم، إسحاق بن عبد اللَّه، ابن أخي أنس من جهة الأم.
وأخرجه البخاري أيضاً عن إسماعيل بن أبي أويس وفرقهما. وأخرجه أيضاً في علامات النبوة
مطولاً، وفي الأطعمة والإيمان والنذور. وأخرجه مسلم في الصلاة عن يحيى بن يحيى، وفي
الأطعمة. وأبو داود فيه عن القعنبي، والترمذي فيه عن إسحاق بن موسى عن معن بن عيسى،
وفي المناقب والنسائي فيه عن قتيبة كلهم عن مالك به، وأخرجه في الوليمة أيضاً.
ذكر معناه: قوله: ((وجدت)) أي: أصبت، ولهذا اكتفى بمفعول واحد. قوله: ((في