Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٣١)
الغين المعجمة. الثاني: إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق. الثالث: أبو إسحاق السبيعي، جد
إسرائيل واسمه: عمرو بن عبد الله الكوفي. الرابع: البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع وبصيغة الإفراد في
موضع. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: أن رواته ما بين بصري وكوفي.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري أيضاً في باب الصلاة من الإيمان
عن عمرو بن خالد عن زهير عن أبي إسحاق عن البراء، وأخرجه في التفسير أيضاً عن أبي
نعيم وعن محمد بن المثنى، وفي خبر الواحد عن يحيى عن وكيع. وأخرجه مسلم في
الصلاة عن محمد بن المثنى وأبي بكر بن خلاد. وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقد
ذكرنا جميع ذلك في باب الصلاة من الإيمان.
ذكر معناه قوله: ((صلى نحو بيت المقدس)) أي: بالمدينة، صلى جهة بيت
المقدس (ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً)) فالشك من البراء، وكذا وقع الشك عند
البخاري في رواية زهير وأبي نعيم، ورواه أبو عوانة في (صحيحه): من رواية أبي نعيم، فقال:
ستة عشر، من غير شك، وكذا في رواية مسلم رواية الأحوص، والنسائي من رواية زكريا بن
أبي زائدة. ووقع في رواية أحمد والطبراني، عن ابن عباس: سبعة عشر، ونص النووي على
صحة ستة عشر، والقاضي على صحة سبعة عشر وهو قول أبي إسحاق وابن المسيب ومالك
بن أنس؛ والجمع بينهما أن من جزم بستة عشر أخذ من شهر القدوم وشهر التحويل شهراً،
وألغى الأيام الزائدة فيه، ومن جزم بسبعة عشر عدهما معاً، ومن شك تردد فيهما، وذلك أن
قدوم النبي عَ ل المدينة كان في شهر ربيع الأول بلا خلاف، وكان التحويل في نصف شهر
رجب في السنة الثانية على الصحيح، وبه جزم الجمهور.
وجاءت فيه روايات أخرى: ففي (سنن) أبي داود وابن ماجه: ثمانية عشر شهراً،
وحكى المحب الطبري: ثلاثة عشر شهراً، وفي رواية أخرى سنتين، وأغرب منهما: تسعة
أشهر، وعشرة أشهر، وهما شاذان. قوله: ((أن يوجه)) على صيغة المجهول. قوله: ((وصلى مع
النبي عليه الصلاة والسلام، رجل)) واسمه: عباد بن بشر، قاله ابن بشكوال. وقال أبو عمر:
عباد بن نهيك، بفتح النون وكسر الهاء، ووقع في رواية المستملي والحموي: ((فصلى مع
النبي عَّهِ رجال))، بالجمع. وقال الكرماني: فعلى هذه الرواية إلى ما يرجع الضمير في قوله:
(ثم خرج)؟ قلت: إلى ما دل عليه؛ رجال، وهو مفرد، أو معناه: ثم خرج خارج. قلت: معناه
على هذا: ثم خرج خارج منهم، فيكون الفاعل محذوفاً. قوله: (بعدما صلى)) كلمه: ما، إما
مصدرية وإما موصولة. قوله: ((في صلاة العصر نحو بيت المقدس))، كذا هو في رواية
الأكثرين، وفي رواية الكشميهني: ((في صلاة العصر يصلون نحو بيت المقدس))، أي: جهته.
قوله: ((فقال)) أي: الرجل.
قوله: ((وهو يشهد)) أراد به نفسه، ولكن عبر عنها بلفظ الغيبة على سبيل التجريد، أو

٢٠٢
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٣١)
على طريقة الالتفات، أو نقل كلامه بالمعنى، ويؤيده الرواية المذكورة في باب الإيمان من
الصلاة بلفظ: أشهد، ووقع هنا صلاة العصر، وجاء في رواية أخرى عن ابن عمر في البخاري
ومسلم والنسائي: صلاة الصبح، والتوفيق بينهما أن هذا الخبر وصل إلى قوم كانوا يصلون
في نفس المدينة صلاة العصر، ثم وصل إلى أهل قبا في صبح اليوم الثاني، لأنهم كانوا
خارجين عن المدينة، لأن قبا من جملة سوادها، وفي حكم رساتيقها، وقد استقصينا الكلام
فيه في باب الصلاة من الإيمان.
ذكر ما يستنبط منه فيه: جواز نسخ الأحكام عند الجمهور إلاَّ طائفة لا يقولون به ولا يعبأ
بهم. وفيه: الدليل على نسخ السنة بالقرآن عند الجمهور، وللشافعي فيه قولان. وفيه: دليل على
قبول خبر الواحد. وفيه: وجوب الصلاة إلى القبلة والإجماع على أنها الكعبة. وفيه: جواز الصلاة
الواحدة إلى جهتين. وفيه: أن النسخ لا يثبت في حق المكلف حتى يبلغه، وفي هذا الباب أبحاث
طويلة، فمن أراد الوقوف عليها فعليه بالمراجعة إلى ما ذكرنا في شرح باب الصلاة من الإيمان.
٦٤ / ٤٠٠ - حدّثنا مُسْلِمٌ قال حدّثنا هِشَامٌ قال حدّثنا يَخْتِى بِنْ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدٍ
ابنِ عَبْد الرَّحْمَنِ عَنْ جَابِرٍ قال كانَ رسولُ اللَّهِ عََّلِّ يُصَلِّي عَلى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ فَإِذَا
أرَادَ الفَرِيضَةَ نَلَ فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ. [الحديث ٤٠٠ - أطرافه في: ١٠٩٤، ١٠٩٩، ٤١٤٠].
مطابقة هذا الحديث للترجمة في قوله: ((فاستقبل القبلة)).
ذكر رجاله وهم خمسة: الأول: مسلم بن إبراهيم القصاب، الثاني: هشام الدستوائي.
الثالث: يحيى بن أبي كثير، بالثاء المثلثة. الرابع: محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان العامري
المدني. الخامس: جابر بن عبد الله الأنصاري.
أ
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في موضعين.
وفيه: ذكر مسلم شيخ البخاري غير منسوب وفي رواية الأصيلي مسلم بن إبراهيم. وفيه: ذكر هشام
أيضاً غير منسوب، وفي رواية الأصيلي: هشام بن أبي عبد الله. وفيه: محمد بن عبد الرحمن بن
ثوبان وليس له في الصحيح عن جابر غير هذا الحديث، وفي طبقته: محمد بن عبد الرحمن بن
نوفل، ولم يخرج له البخاري عن جابر شيئاً. وفيه: أن رواته ما بين بصري ويماني ومدني.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري أيضاً في تقصير الصلاة عن معاذ
ابن فضالة عن هشام، وعن أبي نعيم عن شيبان عن يحيى بن أبي كثير به، وأخرجه أيضاً في
المغازي عن آدم عن ابن أبي ذئب عن عثمان بن عبد الله بن سراقة عن جابر رضي الله تعالى
عنه. وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي من حديث ابن عمر، قال: ((رأيت رسول الله عَ لَّه
يصلي على حمار وهو متوجه إلى خيبر)). وأخرج أبو داود والترمذي من حديث جابر: ((بعثني
النبي عَ لّه في حاجة فجئت وهو يصلي على راحلته نحو المشرق، السجود أخفض))، قال
الترمذي: حسن صحيح. وفي الباب عن أنس عند الدارقطني في (غرائب مالك) وعامر بن
أبي ربيعة عند البخاري ومسلم وأبي سعيد عند(١).
(١) بياض مقدار كلمتين في جميع النسخ الخطية.

٢٠٣
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٣١)
ذكر معناه قوله: ((على راحلته))، الراحلة: الناقة التي تصلح لأن ترحل، وكذلك
الرحول، ويقال: الراحلة المركب من الإبل ذكراً كان أو أنثى. قوله: ((حيث توجهت به))،
هذه رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: ((توجهت)) بدون لفظة: به. قوله: ((فإذا أراد
الفريضة)) أي: إذا أراد أن يصلي صلاة الفرض نزل عن الراحلة واستقبل القبلة.
ذكر ما يستنبط منه فيه: الدلالة على عدم ترك استقبال القبلة في الفريضة، وهو
إجماع، ولكن رخص في شدة الخوف، وفي خلاصة الفتاوي، أما صلاة الفرض على الدابة
بالعذر فجائزة، ومن الأعذار: المطر، وعن محمد: إذا كان الرجل في السفر فأمطرت السماء
فلم يجد مكاناً يابساً ينزل للصلاة، فإنه يقف على الدابة مستقبل القبلة ويصلي بالإيماء إذا
أمكنه إيقاف الدابة، فإن لم يمكنه يصلي مستدبر القبلة وهذا إذا كان الطين بحال يغيب
وجهه، فإن لم يكن بهذه المثابة لكن الأرض ندية صلى هنالك، ثم قال: هذا إذا كانت الدابة
تسير بنفسها، أما إذا سيَّرها صاحبها فلا يجوز التطوع ولا الفرض، فمن الأعذار كون الدابة
جموحاً لو نزل لا يمكنه الركوب. ومنها: اللص والمرض وكونه شيخاً كبيراً لا يجد من
يركبه. ومنها: الخوف من السبع، وفي (المحيط): تجوز الصلاة على الدابة في هذه
الأحوال، ولا يلزمه الإعادة بعد زوال العذر، وهذا كله إذا كان خارج المصر. وفي
(المحيط): من الناس من يقول إنما يجوز التطوع على الدابة إذا توجهت إلى القبلة عند
افتتاحها ثم يترك التوجه وانحرف عن القبلة، أما لو افتتحها إلى غير القبلة لا تجوز، وعند
العامة: تجوز كيف ما كان، وصرح في (الإيضاح): أن القائل به الشافعي. وقال ابن بطال:
استحب ابن حنبل وأبو ثوران يفتتحها متوجهاً إلى القبلة، ثم لا يبالي حيث توجهت. وقالت
الشافعية: المنفرد في الركوب على الدابة إن كانت سهلة يلزمه أن يدير رأسها عند الإحرام
إلى القبلة في أصح الوجهين، وهو رواية ابن المبارك، ذكرها في (جوامع الفقه). وفي الوجه
الثاني: لا يلزمه، وفي القطار والدابة الصعبة لا يلزمه، وفي العمادية وفي المحمل الواسع يلزمه
التوجه كالسفينة، وقيل: في الدابة يلزمه في السلام أيضاً، والأصح أن الماشي يتم ركوعه
وسجوده ويستقبل فيهما وفي إحرامه ولا يمشي إلاّ في قيامه، ومذهب أصحابنا قول
الجمهور، وهو قول علي وابن الزبير وأبي ذر وأنس وابن عمر، وبه قال طاوس وعطاء
والأوزاعي والثوري ومالك والليث، ولا يشترط أن يكون السفر طويلاً عند الجمهور، بل لكل
من كان خارج المصر فله الصلاة على الدابة. واشترط مالك مسافة القصر، ويحكى هذا أيضاً
عن بعض الشافعية، ومذهب ابن عمر منع التنفل في السفر بالنهار جملة. وجوازه ليلاً على
الأرض والراحلة، حكاه ابن المنذر في (حواشيه). وأما التنفل على الدابة في الحضر فلا يجوز
عند أبي حنيفة ومحمد والإصطخري من الشافعية، ويجوز عند أبي يوسف. وعن محمد:
يجوز ولكن يكره، والأحاديث الدالة على جواز التنفل على الدابة وردت في السفر، ففي
رواية جابر: كانت في غزوة أنمار، وهي غزوة ذات الرقاع، وفي رواية: ((أرسلني رسول الله
عَّلِ وهو منطلق إلى بني المصطلق، فأتيته وهو يصلي على بعيره)). وفي رواية ابن عمر:

٢٠٤
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٣١)
((بطريق مكة))، وفي رواية: ((متوجه إلى المدينة)). وفي رواية: ((متوجه إلى خيبر))، والحاصل
أنها كانت مرات كلها في السفر. فإن قلت: روي عن أبي يوسف في جوازه في المدينة
أيضاً، فقال: حدثني فلان، ورفع الإسناد: ((أن رسول الله عمله ركب الحمار في المدينة يعود
سعد بن عبادة وكان يصلي)). قلت: هذا شاذ، وهو فيما تعم به البلوى لا يكون حجة، ولكن
لقائل أن يقول: لأبي يوسف - على ما ذهب إليه - أن يحتج بما رواه أنس: ((أنه عَ لَّه صلى
على حمار في أزقة المدينة يومي إيماء»، ذكره ابن بطال.
٤٠١/٦٥ - حدّثنا عُثْمانُ قال حدّثنا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عنْ إِنْرَاهِيمَ عنْ عَلْقَمَة قال قال
عَبْدُ اللَّهِ صَلَى النَّبِيُّ عََّلِ قَال إِبْرَاهِيمُ لاَ أُدْرِي زَادَ أَوْ نَقَصَ فَلَمَّا سَلَّمَ قِيلَ لَهُ يا رَسولَ اللَّهِ
أَحَدَثَ فِي الصَّلاَةِ شَيْءٌ قالَ ((وما ذَاكَ)) قَالُوا صَلَّيْتَ كَذَا وَكَذَا فَثَنَى رِجْلَيْهِ وَاستَقْبَلَ الِقِبْلَةَ
وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ فَلَمَّا أَقَبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ قال لِإِنَّهُ لَوْ حَدَثَ فِي الصَّلاَةِ شَيْءٌ لَنَأْتُكُمْ
بِهِ وَلَكِنْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي وَإِذَا شكَّ أحَدُكُمْ فِي
صَلاَئِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ فَلْيْتِمَّ عليهِ ثُمَّ لِيُسَلِّمْ ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنٍ)). [الحديث ٤٠١ -
أطرافه في: ٤٠٤، ١٢٢٦، ٦٦٧١، ٧٢٤٩].
مطابقة هذا الحديث للترجمة فى قوله: ((فثنى رجليه واستقبل القبلة)) لأنه استقبلها
بعد أن سلم سلام الخروج من الصلاة.
ذكر رجاله وهم ستة. الأول: عثمان بن أبي شيبة. الثاني: جرير بن عبد الحميد.
الثالث: منصور بن المعتمر. الرابع: إبراهيم بن يزيد النخعي. الخامس: علقمة بن قيس
النخعي. السادس: عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في ثلاثة
مواضع. وفيه: القول. وفيه: أن رواته كلهم كوفيون وأئمة أجلاء وإسناده من أصح الأسانيد.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في النذور عن إسحاق.
وأخرجه مسلم عن عثمان بن أبي شيبة، وأبي بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم ومحمد
ابن يحيى وأبي كريب ومحمد بن حاتم وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي ومحمد بن المثنى
ويحيى بن يحيى. وأخرجه أبو داود فيه عن عثمان به. وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن
عبد الله المخزومي وعن الحسن بن إسماعيل وعن سويد بن نصر وعن محمد بن رافع.
وأخرجه ابن ماجه فيه عن بندار وعن علي بن محمد عن وكيع به.
ذكر معناه وإعرابه: قوله: ((صلى النبي ◌َّه)) هذه الصلاة قيل: الظهر، وقيل: العصر.
وروى الطبراني من حديث طلحة بن مصرف عن إبراهيم به: أنها العصر، فنقص في الرابعة
ولم يجلس حتى صلى الخامسة. ومن حديث شعبة عن حماد عن إبراهيم أنها الظهر وأنه
صلاها خمساً. قوله: ((قال إبراهيم) أي: النخعي المذكور. قوله: ((لا أدري زاد أو نقص))
مدرج، وفي رواية أبي داود: ((فلا أدري))، أي: فلا أعلم هل زاد النبي عَّ له في صلاته أو

٢٠٥
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٣١)
نقص، والمقصود أن إبراهيم شك في سبب سجود السهو المذكور، هل كان لأجل الزيادة أو
النقصان؟ وهو مشتق من النقص المتعدي لا من النقصان اللازم، والصحيح كما قال
الحميدي: إنه زاد. قوله: ((أحدث؟)) الهمزة فيه للاستفهام، ومعناه السؤال عن حدوث شيء
من الوحي يوجب تغيير حكم الصلاة بالزيادة على ما كانت معهودة، أو بالنقصان عنه. قوله:
((حدث)) بفتح الدال معناه: وقع، وأما: حدث، بضم الدال فلا يستعمل في شيء من الكلام
إلاَّ في قولهم: أخذني ما قدُم وما حدُث، للازدواج.
قوله: ((وما ذاك؟)) سؤال من لم يشعر بما وقع منه ولا يقين عنده ولا غلبة ظن، وهو
خلاف ما عندهم حيث قال: صليت كذا وكذا، فإنه إخبار من يتحقق ما وقع. وقوله: ((كذا
وكذا))، كناية عما وقع إما زائداً على المعهود أو ناقصاً. قوله: ((فشى))، بتخفيف النون، مشتق
من الثني أي: عطف، والمقصود منه: فجلس كما هوهيئة القعود للتشهد. قوله: ((رجله))
بالإفراد، وفي رواية الكشميهني - والأصيلي: ((رجليه)) بالتثنية. قوله: ((لنبأتكم به)): أي
لأخبرتكم به، وهذا من باب؛ نبأ، بتشديد الباء، وهو مما ينصب ثلاثة مفاعيل، وكذلك: أنبأ،
من باب أفعل، والثلاثي: نبأ، والمصدر، النبأ، معناه الخبر. تقول نبأ وأنبأ ونبأ، أي: أخبر، ومنه
أخذ النبي لأنه أنبأ عن الله تعالى، واللام فيه لام الجواب. وتفيد التأكيد أيضاً، وزعم بعضهم
أن: اللام، بعد: لو، جواب قسم مقدر.
فإن قلت: أين المفاعيل الثلاثة ههنا؟ قلت: الأول: ضمير المخاطبين، والثاني: الجار
والمجرور، أعني لفظة: به، والضمير يه يرجع إلى الحدوث الذي يدل عليه قوله: ((لو حدث
في الصلاة شيء))، كما في قوله: ﴿أعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ [المائدة: ٨]. والثالث:
محذوف. قوله: ((ولكن إنما أنا بشر مثلكم)) لا نزاع أن كلمة؛ إنما، للحصر، لكن تارة
تقتضي الحصر المطلق، وتارة حصراً مخصوصاً، ويفهم ذلك بالقرائن والسياق، ومعنى
الحصر في الحديث بالنسبة إلى الإطلاع على بواطن المخاطبين لا بالنسبة إلى كل شيء،
فإن لرسول الله عَّلله أوصافاً أخر كثيرة.
قوله: ((أنسى كما تنسون))، النسيان في اللغة خلاف الذكر ولحفظ، وفي الاصطلاح:
النيسان غفلة القلب عن الشيء، ويجيء النسيان بمعنى الترك كما في قوله تعالى: ﴿نسوا الله
فنسيهم﴾ [التوبة: ٦٧، والبقرة: ٢٣٧]. قوله: ((فذكروني)) أي: في الصلاة بالتسبيح ونحوه.
قوله: ((وإذا شك أحدكم)) الشك في اللغة خلاف اليقين، وفي الاصطلاح الشك: ما يستوي
فيه طرف العلم والجهل، وهو الوقوف بين الشيئين بحيث لا يميل إلى أحدهما، فاذا قوي
أحدهما وترجح على الآخر، ولم يأخذ بما رجح ولم يطرح الآخر فهو الظن، وإذا عقد القلب
على أحدهما وترك الآخر فهو أكبر الظن، وغالب الرأي، فيكون الظن أحد طرقي الشك
بصفة الرجحان. قوله: ((فليتحرَّ) الصواب التحري: القصد والاجتهاد في الطلب والعزم على
تخصيص الشيء بالفعل والقول، وفي رواية لمسلم: ((فينظر أحرى ذلك إلى الصواب)).
وفي رواية: ((فليتحر أقرب ذلك إلى الصواب)). وفي رواية: ((فليتحر الذي يرى أنه صواب.

٢٠٦
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٣١)
ويعلم من هذا أن التحري طلب أحد الأمرين، وأولاهما بالصواب. قوله: ((فليتم عليه)) أي:
فليتم بانياً عليه، ولولا تضمين الإتمام معنى البناء لما جاز استعماله بكلمة الاستعلاء، وقصد
الصواب في البناء على غالب الظن عند أبي حنيفة وعند الشافعي: الأخذ باليقين. قوله: ((ثم
يسجد سجدتين))، ويروى: ((ثم ليسجد سجدتين)) يعني للسهو.
ذكر استنباط الأحكام منها: أن فيه دليلاً على جواز النسخ وجواز توقع الصحابة
ذلك، دل على ذلك استفهامهم حيث قيل له عَّةٍ: أحدث في الصلاة شيء؟ ومنها: أن فيه
جواز وقوع السهو من الأنبياء. عليهم الصلاة والسلام، في الأفعال. وقال ابن دقيق العيد: وهو
قول عامة العلماء والنظار، وشذت طائفة فقالوا: لا يجوز على النبي عَّ هِ السهو، وهذا
الحديث يرد عليهم. قلت: هم منعوا السهو عليه في الأفعال البلاغية، وأجابوا عن الظواهر
الواردة في ذلك بأن السهو لا يناقض النبوة وإذا لم يقر عليه لم تحل منه مفسدة بل تحصل
فيه فائدة، وهو بيان أحكام الناس وتقرير الأحكام، وإليه مال أبو إسحاق الإسفرايني، وقال
القاضي عياض: واختلفوا في جواز السهو عليه عَّله في الأمور التي لا تتعلق بالبلاغ وبيان
أحكام الشرع في أفعاله وعاداته وأذكار قلبه، فجوزه الجمهور. وأما السهو في الأقوال البلاغية
فأجمعوا على منعه كما أجمعوا على امتناع تعمده. وأما السهو في الأقوال الدنيوية، وفيما
ليس سبيله البلاغ من الكلام الذي لا يتعلق بالأحكام ولا أخبار القيامة وما يتعلق بها، ولا
يضاف إلى وحي فجوزه قوم، إذ لا مفسدة فيه. قال القاضي عياض: والحق الذي لا شك فيه
ترجيح قول من منع ذلك على الأنبياء في كل خبر من الأخبار، كما لا يجوز عليهم خلف
في خبر لا عمداً ولا سهواً، لا في صحة ولا في مرض، ولا رضى ولا غضب. وأما جواز
السهو في الاعتقادات في أمور الدنيا فغير ممتنع.
ومنها: أن فيه جواز النسيان في الأفعال على الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، واتفقوا
على أنهم لا يقرون عليه بل يعلمهم الله تعالى به. وقال الأكثرون: شرطه تنبيهه عَ له على
الفور أي متصلاً بالحادثة، وجوزت طائفة تأخير مدة حياته. فإن قلت: ما الفرق بين السهو
والنسيان؟ قيل: النسيان غفلة القلب عن الشيء، والسهو غفلة الشيء عن القلب، ففي هذا قال
قوم: كان النبي عَّ ◌ُلِّ لا يسهو ولا ينسى، فلذلك نفى عن نفسه النسيان في حديث ذي
اليدين، ((بقوله: لم أنس))، لأن فيه غفلة، ولم يغفل. وقال القشيري: يبعد الفرق بينهما في
استعمال اللغة، وكأنه يتلوح من اللفظ على أن النيسان عدم الذكر لأمر لا يتعلق بالصلاة،
والسهو عدم الذكر لا لأجل الإعراض. وقال القرطبي: لا نسلم الفرق، ولئن سلم فقد أضاف
عَّ لِ النسيان إلى نفسه في غير ما موضع كقوله: ((إنما أنا بشر أنسى كما تنسون فإذا نسيت
فذكروني)). وقال القاضي: إنما أنكر عَّله: نسيت المضاف إليه وهو قد نهى عن هذا بقوله:
((بئسما لأحدكم أن يقول: نسيت كذا، ولكنه نسّي))، وقد قال أيضاً: ((لا أنسى)) على النفي،
((ولكن أُنشَى)). وقد شك بعض الرواة في روايته فقال: ((أنسى أو أنسَّى)). وإن: أو، للشك أو
للتقسيم، وإن هذا يكون منه مرة من قبل شغله، ومرة يغلب ويجبر عليه، فلما سأله السائل

٢٠٧
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٣١)
بذلك في حديث ذي اليدين أنكره، وقال: كل ذلك لم يكن، وفي الرواية الأخرى: ((لم أنس
ولم تقصر))، أما القصر فبيٌّ، وكذلك: لم أنس حقيقة من قبل نفسي، ولكن الله أنساني.
وسنتكلم في هذا كما هو المطلوب في موضعه إن شاء الله تعالى.
ومنها: أن بعضهم احتج به على أن كلام الناسي لا يبطل الصلاة. وقال أبو عمر:
ذهب الشافعي وأصحابه إلى أن الكلام والسلام ساهياً في الصلاة لا يبطلها، كقول مالك
وأصحابه سواء، وإنما الخلاف بينهما أن مالكاً يقول: لا يفسد الصلاة تعمد الكلام فيها إذا
كان في شأنها وإصلاحها، وهو قول ربيعة وابن القاسم إلاّ ما روي عنه في المنفرد، وهو قول
أحمد، ذكر الأثرم عنه أنه قال: ما تكلم به الإنسان في صلاته لإصلاحها لم يفسد عليه
صلاته، فإن تكلم لغير ذلك فسدت عليه. وذكر الخرقي عنه: أن مذهبه فيمن تكلم عامداً أو
ساهياً بطلت صلاته إلاّ الإمام خاصة، فإنه إذا تكلم لمصلحة صلاته لم تبطل صلاته. وقال
الشافعي وأصحابه ومن تابعهم من أصحاب مالك وغيرهم: إن من تعمد الكلام وهو يعلم أنه
لم يتم الصلاة وأنه فيها أفسد صلاته، فإن تكلم ناسياً أو تكلم وهو يظن أنه ليس في الصلاة
لا تبطل، وأجمعوا على أن الكلام عامداً إذا كان المصلي يعلم أنه في الصلاة ولم يكن ذلك
الإصلاح صلاته أنه يفسد الصلاة إلاَّ ما روي عن الأوزاعي أنه: من تكلم لإحياء نفس أو مثل
ذلك من الأمور الجسام لم تفسد بذلك صلاته، وهو قول ضعيف في النظر. وفي (المغني):
وقال ابن المنذر ما ملخصه: إن الكلام لغير مصلحة الصلاة ينقسم خمسة أقسام:
الأول: الكلام جاهلاً بتحريمه فيها. قال القاضي في (الجامع): لا أعرف عن أحد نصاً
فيه، ويحتمل أن لا تبطل.
الثاني: الكلام ناسياً وهو على نوعين: أحدهما: أن ينسى أنه في الصلاة، ففيه روايتان:
إحداهما: لا تبطل، وهو قول مالك والشافعي. والأخرى: تبطل، وهو قول النخعي وقتادة وحماد بن
أبي سليمان وأصحاب الرأي. والنوع الآخر: أن يظن أن صلاته تمت فيتكلم، فإن كان سلاماً لا
تبطل رواية واحدة، وإلاَّ فالمنصوص عن أحمد: إن كان لأمر الصلاة لا تبطل، وإن كان لغير أمرها
مثل: إسقني يا غلام ماء، تبطل. وعنه رواية ثانية أنها تفسد بكل حال، وهذا مذهب أصحاب
الرأي، وفيه رواية ثالثة: أنها لا تبطل بالكلام في تلك الحال بحال، سواء كان من شأن الصلاة أو
لم يكن، إماماً كان أو مأموماً، وهذا مذهب مالك والشافعي. وتخرج رواية رابعة وهو أن المتكلم
إن كان إماماً تكلم لمصلحة الصلاة لم تفسد، وإن تكلم غيره فسدت.
القسم الثالث: أن يتكلم مغلوباً على الكلام، وهو ثلاثة: أنواع: أحدها: بأن تخرج
الحروف من فيه بغير اختياره، مثل: إن تثاوب فقال: آه، أو تنفس فقال: آه، أو يسعل فينطق
في السعلة بحرفين وما أشبه هذا، أو يغلط في القراءة فيعدل إلى كلمة من غير القرآن، أو
يجيئه بكاء فيبكي ولا يقدر على رده، فهذا لا تفسد صلاته، نص عليه أحمد. وقال القاضي:
فيمن تثاوب فقال: آه، آه، فسدت صلاته: النوع الثاني: أن ينام فيتكلم، فقد توقف أحمد
عن الجواب فيه، وينبغي أن لا تبطل. النوع الثالث: أن يكره على الكلام، فيحتمل أن يخرج

٢٠٨
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٣١)
على كلام الناسي، والصحيح إن شاء الله أن هذا تفسد صلاته.
القسم الرابع: أن يتكلم بكلام واجب، مثل أن يخشى على صبي أو ضرير الوقوع في
هلكة، أو يرى حية ونحوها تقصد غافلاً أو نائماً، أو يرى ناراً يخاف أن تشتعل في شيء
ونحو هذا، فلا يمكنه التنبيه بالتسبيح، فقال أصحابنا: تبطل الصلاة بهذا، وهو قول بعض
أصحاب الشافعي، ويحتمل أن لا تبطل، وهو ظاهر قول أحمد، وهذا ظاهر مذهب الشافعي.
القسم الخامس: أن يتكلم لإصلاح الصلاة، وجملته أن من سلم من نقص في صلاته
يظن أنها قد تمت، ثم تكلم ففيه ثلاث روايات: إحداها: لا تفسد إذا كان لشأن الصلاة.
والثانية: تفسد، وهو قول الخلال وأصحاب الرأي. والثالثة: صلاة الإمام لا تفسد، وصلاة
المأموم الذي تكلم تفسد انتهى.
ومذهب أصحابنا أنه: لا يجوز الكلام في الصلاة إلاّ بالتكبير والتسبيح والتهليل وقراءة
القرآن، ولا يجوز أن يتكلم فيها لأجل شيء حدث من الإمام في الصلاة، والكلام يبطل الصلاة
سواء كان عامداً أو ناسياً أو جاهلاً، وسواء كان إماماً أو منفرداً، وهو مذهب إبراهيم النخعي
وقتادة، وحماد بن أبي سليمان وعبد الله بن وهب وابن نافع من أصحاب مالك، واحتجوا في
ذلك بحديث معاوية بن الحكم السلمي أخرجه مسلم مطولاً، وفيه: ((إن هذه الصلاة لا يصلح
فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن))، وأخرجه أبو داود والنسائي
أيضاً، وهذا نص صريح على تحريم الكلام في الصلاة سواء كان عامداً أو ناسياً، لحاجة أو
غيرها، وسواء كان لمصلحة الصلاة أو غيرها. فإن احتاج إلى تنبيه إمام ونحوه سبح إن كان
رجلاً، وصفقت إن كانت امرأة، وذلك لقوله عَ ل: ((من نابه شيء في الصلاة فليقل: سبحان
الله، وإنما التصفيق للنساء والتسبيح للرجال))، رواه سهل بن سعد، أخرجه الطحاوي عنه،
وأخرجه البخاري مطولاً، ولفظه: ((أيها الناس ما لكم حين نابكم شيء في الصلاة أخذتم في
التصفيق؟ وإنما التصفيق للنساء، من نابه شيء في صلاته فليقل: سبحان الله، فإنه لا يسمعه
أحد حين يقول: سبحان الله، إلا التفت)). وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي.
قوله: ((من نابه)) أي من نزل به شيء من الأمور المهمة، والمراد من التصفيق ضرب
ظاهر إحدى يديه على باطن الأخرى، وقيل: بإصبعين من أحدهما على صفحة الأخرى
للإنذار والتنبيه. وقال الطحاوي: إن هذا الحديث دل على أن كلام ذي اليدين لرسول الله
عَِّ بما كلمه به في حديث عمران وابن عمر وأبي هريرة، رضي الله تعالى عنهم، كان قبل
تحريم الكلام في الصلاة.
ومنها: أن فيه دليلاً على أن سجود السهو سجدتان، وهو قول عامة الفقهاء، وحكي
عن الأوزاعي أنه يلزمه لكل سهو سجدتان، وكذا حكي عن ابن أبي ليلى. وقال النووي: وفيه
حديث ضعيف.
ومنها: أن فيه دليلاً على أن سجدتي السهو بعد السلام، وهو حجة على الشافعي ومن
تبعه في أنهما قبل السلام، وفي (المغني): السجود كله عند أحمد قبل السلام إلاَّ في
الموضعين اللذين ورد النص بسجودهما بعد السلام، وهما: إذا سلم من نقص في صلاته، أو

٢٠٩
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٣١)
تحرى الإمام فبنى على غالب ظنه، وما عداهما يسجد له قبل السلام، نص على هذا في
رواية الأثرم، وبه قال سليمان بن داود وأبو خيثمة وابن المنذر. وحكى أبو الخطاب عن
أحمد روايتين أخريين: إحداهما: إن السجود كله قبل السلام، والثانية: أنها قبل السلام إن
كانت لنقص، وبعد السلام إن كانت لزيادة، وهذا مذهب مالك وأبي ثور، وبما قال أصحابنا
الحنفية قال إبراهيم النخعي وابن أبي ليلى والحسن البصري وسفيان الثوري، وهو مروي عن
علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعمار بن
ياسر وعبد الله بن الزبير وأنس بن مالك، رضي الله عنهم: فإن قلت: لو سجد للسهو قبل
السلام كيف يكون حكمه عن الحنفية. قلت: قال القدوري: لو سجد للسهو قبل السلام جاز
عندنا، هذا في رواية الأصول، وروي عنهم أنه: لا يجوز، لأنه أداه قبل وقته. وفي (الهداية):
وهذا الخلاف في الأولوية، وكذا قاله الماوردي في (الحاوي) وابن عبد البر وغيرهم.
ومنها: أن فيه الرجوع إلى المأمومين، وفيه إشكال على مذهب الشافعي لأن عندهمٍ
أنه لا يجوز للمصلي الرجوع في قدر صلاته إلى قول غيره إماماً كان أو مأموماً، ولا يعمل إلاَّ
على يقين نفسه، واعتذر النووي عن هذا بأنه عَ ل٣ سألهم ليتذكر، فلما ذكروه تذكر، فعلم
السهو فبنى عليه لا أنه رجع إلى مجرد قولهم، ولو جاز ترك يقين نفسه والرجوع إلى قول
غيره لرجع ذو اليدين حين قال عَّ ◌َلَّهِ: ((لم تقصر ولم أنس)). قلت: هذا ليس بجواب
مخلص لأنه لا يخلو عن الرجوع، سواء كان رجوعه للتذكر أو لغيره، وعدم رجوع ذي
اليدين كان لأجل كلام الرسول لا لأجل يقين نفسه. فافهم. وقال ابن القصار: اختلفت
الرواية في هذا عن مالك، فمرة قال: يرجع إلى قولهم، وهو قول أبي حنيفة، لأنه قال: يبنى
على غالب ظنه. وقال مرة أخرى: يعمل على يقينه ولا يرجع إلى قولهم، كقول الشافعي.
ومنها: أن فيه دلالة على أن البيان لا يؤخر عن وقت الحاجة لقوله عَ لّم: ((لو حدث
في الصلاة شيء لنباتكم به)).
ومنها: أن فيه حجة لأبي حنيفة ولغيره من أهل الكوفة على أن: من شك في صلاته
في عدد ركعاتها تحرى لقوله عَّ ل: ((فيتحر الصواب))، ويبني على غالب ظنه ولا يلزمه
الاقتصار على الأقل، وهو حجة على الشافعي ومن تبعه في قولهم فيمن شك: هل صلى ثلاثاً
أم أربعاً مثلاً؟ لزمه البناء على اليقين، وهو الأقل فيأتي بما بقي ويسجد للسهو. فإن قلت: أمر
الشارع بالتحري وهو القصد بالصواب، وهو لا يكون إلاَّ بالأخذ بالأقل الذي هو اليقين، على
ما بينه في حديث أبي سعيد الخدري عن رسول الله عَّهِ: ((إذا صلى أحدكم فلم يدر
أثلاثاً صلى أم أربعاً فليبن على اليقين ويدع الشك ... )) الحديث أخرجه مسلم وأبو داود
والنسائي وابن ماجة. قلت: هذا محمول على ما إذا تحرى ولم يقع تحريه على شيء، ففي
هذا نقول: يبني على الأقل لأن حديثه ورد في الشك، وهو ما استوى طرفاه ولم يترجح له
أحد الطرفين، ففي هذا يبنى على الأقل بالإجماع، فإن قلت: قال النووي في دفع هذا: إن
تفسير الشك هكذا اصطلاح طرأ للأصوليين، وأما في اللغة فالتردد بين وجود الشيء وعدمه
عمدة القاري / ج٤ /م١٤

٢١٠
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٣١)
كله يسمى شكاً، سواء المستوي والراجح والمرجوح، والحديث يحمل على اللغة ما لم يكن
هناك حقيقة شرعية، أو عرفية، فلا يجوز حمله على ما يطرأ للمتأخرين من الاصطلاح. قلت:
هذا غير مجدٍ ولا دافع، لأن المراد الحقيقة العرفية، وهي أن: الشك ما استوى طرفاه، ولئن
سلمنا أن يكون المراد معناه اللغوي فليس معنى الشك في اللغة ما ذكره، لأن صاحب
(الصحاح) فسر الشك في باب: الكاف، فقال: الشك خلاف اليقين، ثم فسر اليقين في
باب: النون، فقال: اليقين العلم، فيكون الشك ضد العلم، وضد العلم الجهل، ولا يسمى
المتردد بين وجود الشيء وعدمه جاهلاً، بل يسمى شاكاً، فعلم، أن قوله: وأما في اللغة
فالتردد بين وجود الشيء وعدمه يسمى شكاً هو الحقيقة العرفية لا اللغوية.
ومنها: أن فيه دليلاً على أن سجود السهو يتداخل ولا يتعدد بتعدد أسبابه، فإن النبي
عَّ تكلم بعد أن سها، واكتفى فيه بسجدتين، وهذا مذهب الجمهور من الفقهاء، ومنهم
من قال: يتعدد السجود بتعدد السهو.
ومنها: أن فيه دليلاً على أن سجود السهو في آخر الصلاة: لأنه عَّ الّلم يفعله إلاَّ
كذلك، وقيل: في حكمته: إنه أخر لاحتمال سهو آخر فيكون جابراً للكل، وفرع الفقهاء
على أنه لو سجد ثم تبين أنه لم يكن آخر الصلاة لزمه إعادته في آخرها، وصوروا ذلك في
صورتين. إحداهما: أن يسجد للسهو في الجمعة ثم يخرج الوقت وهو في السجود الأخير
فيلزمه إتمام الظهر ويعيد السجود. والثانية: أن يكون مسافراً فيسجد للسهو وتصل به السفينة
إلى الوطن أو ينوي الإقامة فيتم ثم يعيد السجود.
الأسئلة والأجوبة منها ما قاله الكرماني: فإن قلت: قوله: ((وسجد سجدتين)) دليل على أنه
لم ينقص شيئاً من الركعات ولا من السجدات وإلا لتداركها فكيف صح أن يقول إبراهيم: لا أدري؟
بل تعين أنه زاد إذ النقصان لا يجبر بالسجدتين، بل لا بد من الإتيان بالمتروك أيضاً؟ قلت: كل
نقصان لا يستلزم الإتيان به بل كثير منه ينجبر بمجرد السجدتين، ولفظ: نقص، لا يوجب النقص
في الركعة ونحوها. قلت: قد ذكرنا فيما مضى عن الحميدي أنه قال: بل زاد، وكانت زيادته أنه
صلى الظهر خمساً. كما ذكره الطبراني، فحينئذٍ كان سجوده لتأخير السلام ولزيادته من جنس
الصلاة، وقوله: إذ النقصان لا ينجبر بالسجدتين، غير مسلم، لأن النقصان إذا كان في الواجبات أو
في تأخيرها عن محلها أو في تأخير ركن من الأركان ينجبر بالسجدتين. وقوله: بل لا بد من الإتيان
بالمتروك، إنما يجب إذا كان المتروك ركناً، وأما إذا كان من الواجبات و من السنن التي هي في قوة
الواجب فلا يلزمه الإتيان بمثله، وإنما ينجبر بالسجدتين.
ومنها ما قاله الكرماني أيضاً: فإن قلت: الصواب غير معلوم، وإلاَّ لما كان ثمة شك،
فكيف يتحرى الصواب؟ قلت: المراد منه: المتحقق والمتيقن، أي: فليأخذ باليقين. قلت:
هذا الذي قاله بناء على مذهب إمامه، فإنه فسر الصواب بالأخذ باليقين، وأما عند أبي حنيفة:
المراد منه البناء على غالب الظن واليقين في أين ههنا؟ ومنها ما قاله الكرماني أيضاً. فإن
قلت: كيف رجع إلى الصلاة بانياً عليها وقد تكلم بقوله: وما ذاك؟ قلت: إنه كان قبل تحريم

٢١١
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٣١)
الكلام في الصلاة، أو أنه كان خطاباً للنبي عَّهِ وجواباً، وذلك لا يبطل الصلاة، أو كان
قليلاً وهو عَّله في حكم الساهي أو الناسي، لأنه كان ظن أنه ليس فيها. قلت: مذهب إمامه
أن الكلام في الصلاة إذا كان ناسياً أو ساهياً لا يبطلها، فلا فائدة حينئذٍ في قوله: إنه كان
قبل تحريم الكلام في الصلاة. والجواب الثاني: لا يمشي بعد النبي عَّهِ. والجواب الثالث:
غير موجه لأنه قوله عَّله: ((وما ذاك؟» غير قليل على ما لا يخفى.
ومنها ما قاله الكرماني أيضاً. فإن قيل: كيف رجع النبي عَّه إلى قول غيره، ولا
يجوز للمصلي الرجوع في حال صلاته إلاَّ إلى علمه ويقين نفسه؟ فجوابه: أن النبي عَ ◌ّه.
سألهم ليتذكر، فلما ذكروه تذكر فعلم السهو فبنى عليه، لا أنه رجع إلى مجرد قول الغير، أو
أن قول السائل أحدث شكاً عند رسول الله عَ لّم فسجد بسبب حصول الشك له، فلا يكون
رجوعاً إلا إلى حال نفسه قلت: هذا كلام فيه تناقض، لأن قوله: سألهم إلى قوله: فبنى عليه،
رجوع إلى الغير بلا نزاع، وقوله: لا أنه رجع إلى مجرد قول الغير، يناقض ذلك. وقوله:
فسجد بسبب حصول الشك، غير مسلم، لأن سجوده إنما كان للزيادة لا للشك الحاصل من
كلامهم، لأنه لو شك لكان تردداً، إذ مقتضى الشك التردد، فحين سمع قولهم: صليت كذا
وكذا ثنى رجليه واستقبل القبلة وسجد سجدتين.
ومنها ما قاله الكرماني أيضاً. فإن قلت: آخر الحديث يدل على سجود السهو
بعد السلام وأوله على عكسه. قلت: مذهب الشافعي أنه يسن قبل السلام، وتأول آخر الحديث
بأنه قول، والأول فعل، والفعل مقدم على القول لأنه أدل على المقصود، أو أنه عَ لّه أمر بأن
يسجد بعد السلام بياناً للجواز، وفعل نفسه قبل السلام لأنه أفضل. قلت: لا نسلم أن الفعل
مقدم على القول، لأن مطلق القول يدل على الوجوب، على أنا نقول: يحتمل أن يكون سلم
قبل أن يسجد سجدتين، ثم سلم سلام سجود السهو، فالراوي اختصره، ولأن في السجود
بعد السلام تضاعف الأجر، وهو الأجر الحاصل من سلام الصلاة ومن سلام سجود السهو،
ولأنه شعر جبراً للنقص أو للزيادة التي في غير محلها وهي أيضاً نقص كالإصبع الزائدة،
والجبر لا يكون إلاّ بعد تمام المجبور، وما بقي عليه سلام الصلاة، فهو في الصلاة.
ومنها ما قاله الكرماني أيضاً. فإن قلت: لم عدل عن لفظ الأمر إلى الخبر وغير أسلوب
الكلام؟ قلت: لعل السلام والسجود كانا ثابتين يومئذٍ، فلهذا أخبر عنهما، وجاء بلفظ الخبر
بخلاف التحري والإتمام، فإنهما ثبتا بهذا الأمر، أو للإشعار بأنهما ليسا بواجبين كالتحري
والإتمام. قلت: الفصاحة من التفنن في أساليب الكلام، والنبي عَ ◌ّ أفصح الناس لا يجارى في
فصاحته، وقوله: أو للإشعار بأنهما ليسا بواجبين، غير مسلم، بل هما واجبان لمقتضى الأمر
المطلق، وهو قوله عَّهِ: ((من شك في صلاته فليسجد سجدتين بعدما يسلم)، والصحيح من
المذهب هو الوجوب، ذكره في (المحيط) و(المبسوط) و(الذخيرة) و(البدائع) وبه قال مالك
وأحمد، وعند الكرخي من أصحابنا: سنة، وهو قول الشافعي. وعلى رواية: ((فليتحر الصواب
فليتم عليه ثم ليسلم ثم ليسجد سجدتين))، لا يرد هذا السؤال فلا يحتاج إلى الجواب.

٢١٢
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٣٢)
ومنها ما قاله الكرماني أيضاً. فإن قلت: السجدة مسلم أنها ليست بواجبة، لكن السلام
واجب. قلت: وجوبه بوصف كونه قبل السجدتين ممنوع، وأما نفس وجوبه فمعلوم من
موضع آخر. قلت: قوله: مسلم، غير مسلم لما ذكرنا الآن، وقوله: ممنوع، غير ممنوع أيضاً
لأن محل السلام الذي هو الصلاة في آخرها متصلاً بها فوجب بهذا الوصف، ولا يمتنع أن
يكون الشيء واجباً من جهتين.
ومنها ما قيل: إن التحري في حديث الباب محمول على الأخذ بالأقل الذي هو
اليقين، لأن التحري هو القصد، ومنه قوله تعالى: ﴿تحروا رشداً﴾ [الجن: ١٤] ومعنى قوله
((فليتحر الصواب)»: فليقصد الصواب فليعمل به، وقصد الصواب هو ما بينه في حديث أبي
سعيد الخدري الذي رواه عنه مسلم، قال: قال رسول الله عَّةٍ: ((إذا شك أحدكم في
صلاته فلا يدري كم صلى ثلاثاً أم أربعاً؟ فليطرح الشك وليبن على اليقين ... ))
الحديث. وأجيب: بأنه محمول على ما إذا تحرى ولم يقع تحريه على شيء، فحينئذٍ نقول:
إنه يبني على الأقل، ولا يخالف هذا لما قلنا.
ومنها ما قيل: المصير إلى التحري لضرورة، ولا ضرورة ههنا، لأنه يمكنه إدراك اليقين
بدونه بأن يبني على الأقل. فلا حاجة إلى التحري؟ وأجيب: بأنه قد يتعذر عليه الوصول إلى
ما اشتبه عليه بدليل من الدلائل، والتحري عند عدم الأدلة مشروع كما في أمر القبلة. فإن
قيل: يستقبل. قلت: لا وجه لذلك لأنه عسى أن يقع له ثانياً. وثانياً إلى ما لا يتناهى، فإن
قلت: يبنيه على الأقل. قلت: لا وجه لذلك أيضاً، لأن ذلك لا يوصله إلى ما عليه، فلا يبني
على الأقل إلاّ عند عدم وقوع تحريه على شيء، كما ذكرنا.
٣٢ _ بابُ ما جاءَ فِي القِبْلَةِ وَمَنْ لاَ يَرَى الإِعادَةَ عَلى مِنْ سَهَا فَصَلْى إِلَى غَيْرِ القِبْلَةِ
أي: هذا باب في بيان ما جاء في أمر القبلة، وهو بخلاف ما تقدم قبل هذا الباب،
فإن ذاك في حكم التوجه إلى القبلة، وهذا في حكم من سها فصلى إلى غير القبلة. وأشار
إلى حكم هذا بقوله: ومن لم ير الإعادة. إلى آخره. وهذا باب فيه الخلاف، وهو أن الرجل
إذا اجتهد في القبلة فصلى إلى غيرها فهل يعيد أم لا؟
فقال إبراهيم النخعي والشعبي وعطاء وسعيد بن المسيب وحماد: لا يعيد، وبه قال
الثوري وأبو حنيفة وأصحابه، وإليه ذهب البخاري. وعن مالك كذلك، وعنه: يعيد في الوقت
استحساناً. وقال ابن المنذر؛ وهو قول الحسن والزهري، وقال المغيرة: يعيد أبداً. وعن حميد
ابن عبد الرحمن وطاوس والزهري: يعيد في الوقت. وقال الشافعي: إن فرغ من صلاته ثم بان
له أنه صلى إلى المغرب استأنف الصلاة، وإن لم يبن له ذلك إلاّ باجتهاده فلا إعادة عليه.
وفي (التوضيح): وقال الشافعي: إن لم يتيقن الخطأ فلا إعادة عليه، وإلا أعاد وروى الترمذي
وابن ماجة من حديث أنه قال: ((كنا مع النبي عَ له في سفر فغيمت السماء وأشكلت علينا
القبلة فصليناه وأعلمنا، فلما طلعت الشمس إذا نحن قد صلينا إلى غير القبلة، فذكرنا ذلك

٢١٣
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٣٢)
للنبي عَّ له فأنزل الله تعالى ﴿فإينما تولوا فثم وجه الله﴾ [البقرة: ١١٥])). وروى البيهقي في
(المعرفة) من حديث جابر: ((أنهم صلوا في ليلة مظلمة كل رجل منهم على حياله، فذكروا
ذلك للنبي عَّالله فقال: ((مضت صلاتكم))، ونزلت ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ [البقرة:
١١٥] ويحتج بهذين الحديثين لما ذهب إليه أبو حنيفة ومن تبعه في المسألة المذكورة.
فإن قلت: قال الترمذي: ليس إسناده بذاك. وقال البيهقي: حديث جابر ضعيف قلت: روي
حديث جابر من ثلاث طرق: إحداها أخرجه الحاكم في (المستدرك) عن محمد بن سالم
عن عطاء بن أبي رباح عنه، ثم قال: هذا حديث صحيح، ومحمد بن سالم لا أعرفه بعدالة
ولا جرح. وقال الواحدي: مذهب ابن عمران: الآية نازلة في التطوع بالنافلة. وقال ابن عباس،
رضي الله تعالى عنهما: لما توفي النجاشي جاء جبريل عليه السلام إلى النبي عَّ له، فقال: إن
النجاشي توفي فصل عليه. فقال الصحابة في أنفسهم: كيف نصلي على رجل مات ولم
يصلِّ إلى قبلتنا؟ وكان النجاشي يصلي إلى بيت المقدس إلى أن مات، فنزلت الآية. وقال
قتادة: هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ [البقرة: ١٤٤]
وهي رواية عن ابن عباس. قوله: ((ومن لم ير الإعادة))، وفي بعض النسخ ((ومن لم يرى
الإعادة))، وهو عطف على قوله: ((في القبلة)) أي: وباب ما جاء فيمن لا يرى إعادة الصلاة
على من سها فصلى إلى غير القبلة. وقال الكرماني: فصلى تفسير لقوله: سها، والفاء،
تفسيرية. قلت: وفيه: بعد، والأولى أن تكون للسببية كما في قوله تعالى: ﴿ألم تر أن الله
أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة﴾ [الحج: ٦٣] ولو قال: بالواو، لكن أحسن على
ما لا يخفى.
وَقَد سَلَّمَ النبيُّ عََّلِ فِي رَكْعَتَي الظُّهْرِ وأَقْبَلَ عَلى النَّاسِ بِوَجْهِهِ ثُمَّ أَتَمَّ ما بَقِيّ.
مطابقة هذا الحديث للترجمة من حيث عدم وجوب الإعادة على من صلى ساهياً إلى
غير القبلة، وهو ظاهر لأنه عَ ◌ّه، في حال إقباله على الناس داخل في حكم الصلاة، وأنه في
ذلك الزمان ساهٍ مصلٌ إلى غير القبلة؛ وهذا التعليق قطعة من حديث أبي هريرة رضي الله
تعالى عنه، في قصة ذي اليدين، وزعم ابن بطال وابن التين أنه طرف من حديث ابن مسعود
الذي سلف، وهذا وهم منهما، لأن حديث ابن مسعود ليس في شيء من طرقه أنه سلم من
ركعتين.
٤٠٢/٦٦ - حدّثنا عمرُو بنُ عَونٍ قال حدّثنا هُشَيْمٌ عنْ حُمَيْدٍ عنْ أنس قالَ قالَ عُمَّرُ
وَافَقَتُ رَبِّي في ثَلاَث فَقُلْتُ يا رسولَ اللَّهِ لوِ اتَّخْذْنا مِنْ مَقَام إبْرَاهِيمَ مُصَلَّى فَنَزَّلَتْ:
﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَام إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى﴾ وَآيَةُ الحِجَابِ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَمَرْتَ نِسَاءَكَ أَنْ
يَحْتَجِبْنَ فإِنَّهُ يُكلِّمُهُنَّ البَرُّ والفَاجِرُ فَتَزَلَتْ آيَةُ الحِجَابِ واجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ عَّ ◌َلِ فِي الْغَيْرَةِ
عليه فَقُلْتُ لَهُن ﴿عسَى رَبُّهُ إِنْ طلَّقَكُنَّ أنْ يُبَدِّلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ﴾ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ
[الحديث ٤٠٢ - أطرافه في: ٤٤٨٣، ٤٧٩٠، ٤٩١٦].
مطابقة هذا الحديث للترجمة في الجزء الأول، وهو قوله: ((لو اتخذنا من مقام

٢١٤
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٣٢)
إبراهيم مصلى)). والمراد من مقام إبراهيم الكعبة على قول، وهي قبلة، والباب فيما جاء في
القبلة، وعلى قول من فسر مقام إبراهيم بالحرم، فالحرم كله قبلة في حق الأفاقيين، والباب
في أمور القبلة. وأما على قول من فسر المقام بالحجر الذي وقف عليه إبراهيم عَ ◌ّه فتكون
المطابقة للترجمة متعلقة بالمتعلق بالقبلة لا بنفس القبلة.
ذكر رجاله وهم خمسة: الأول: عمرو بن عون أبو عثمان الواسطي البزاز، بالزاي
المكررة: نزيل البصرة، مات سنة خمس وعشرين ومائتين. الثاني: هشيم، بضم الهاء وفتح
الشين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف؛ ابن بشير، بفتح الباء الموحدة، وقد مر ذكره في
أول كتاب التيمم. الثالث: حميد الطويل، وقد تكرر ذكره. الرابع: أنس بن مالك.
الخامس: عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في
موضعين. وفيه: القول. وفيه: أن رواته ما بين واسطي وبصري. وفيه: رواية صحابي عن
صحابي.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره. أخرجه البخاري أيضاً في التفسير عن عمرو بن
عون، وفي التفسير أيضاً عن مسدد عن يحيى عن حميد بقصة الحجاب فقط. وأخرجه
الترمذي في التفسير عن أحمد بن منيع عن هشيم بالقصة الأولى، وعن عبد بن حميد عن
حجاج. وأخرجه النسائي فيه عن هناد عن يحيى بن زائدة عن حميد بالقصة الأولى، وعن
محمد بن المثنى عن خالد بن الحارث عن حميد بالقصة الثانية، قصة الحجاب، وعن
يعقوب بن إبراهيم الدورقي عن هشيم بالقصة الثالثة، اجتمع نساؤه في الغيرة. وأخرجه ابن
ماجه في الصلاة عن محمد بن الصباح عن هشيم بالقصة الأولى.
ذكر معناه وإعرابه قوله: ((وافقت ربي)) من الموافقة من باب المفاعلة التي تدل على
مشاركة اثنين في فعل ينسب إلى أحدهما متعلقاً بالآخر، والمعنى في الأصل: وافقني ربي،
فأنزل القرآن على وفق ما رأيت، ولكنه راعى الأدب فأسند الموافقة إلى نفسه لا إلى الرب،
جل وعز. قوله: ((في ثلاث)) أي: في ثلاثة أمور، وإنما لم يؤنث الثلاث مع أن الأمر مذكر
لأن المميز إذا لم يكن مذكوراً جاز في لفظ العدد التذكير والتأنيث.
فإن قلت: حصلت الموافقة له في أشياء غير هذه الثلاث: منها: في أسارى بدر حيث
كان رأيه أن لا يفدون فنزل ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى﴾ [الأنفال: ٦٧] ومنها: في
منع الصلاة على المنافقين فنزل: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبداً﴾ [التوبة: ٨٤] ومنها:
في تحريم الخمر. ومنها: ما رواه أبو داود الطيالسي من حديث حماد بن سلمة، حدّثنا علي
ابن زيد. ((عن أنس قال عمر: وافقت ربي في أربع)). وذكر ما في البخاري قال ((ونزلت
﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين﴾ إلى قوله: ﴿ثم أنشأناه خلقاً آخر﴾ [المؤمنون:
١٢ - ١٤] فقلت أنا: ﴿تبارك الله أحسن الخالقين﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٤] فنزلت كذلك)).

٢١٥
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٣٢)
ومنها: في شأن عائشة رضي الله عنها ((لما قال أهل الإفك ما قال، فقال: يا رسول الله من
زوجكها؟ فقال: الله تعالى، قال: أتنظر أن ربك دلس عليك فيها؟ ﴿سبحانك هذا بهتان
عظيم﴾ [النور: ١٦] فأنزل الله ذلك)) ذكره المحب الطبري في (أحكامه) وقد ذكر أبو بكر
ابن العربي أن الموافقة في أحد عشر موضعاً. قلت: يشهد لذلك ما رواه الترمذي مصححاً
من حديث ابن عمر: ((ما نزل بالناس أمر قط فقالوا فيه وقال فيه عمر رضي الله تعالى عنه، إلا
نزل فيه القرآن على نحو ما قال عمر رضي الله عنه)) وهذا يدل على كثرة موافقته، فإذا كان
كذلك فكيف نصف على الثلاث في العدد؟ قلت: التخصيص بالعدة لا يدل على نفي
الزائد، وقيل: يحتمل أنه ذكر ذلك قبل أن يوافق في أربع وما زاد، وفيه نظر، لأن عمر أخبر
بهذا بعد موت النبي عَّلِ فلا يتجه ما ذكر من ذلك، ويقال: يحتمل أن الراوي اعتنى بذكر
الثلاث دون ما سواها لغرض له.
قوله: ((قلت))، ويروى: ((فقلت)). قوله: ((لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى))، جواب: لو،
محذوف، ويجوز أن يكون: لو، للتمني فلا يحتاج إلى جواب، واختلفوا فيه، فقال ابن الصائغ
وابن هشام: هي قسم برأسها لا يحتاج إلى جواب كجواب الشرط، ولكن قد يؤتى لها بجواب
منصوب كجواب: ليت وقال بعضهم هي؛ لو، الشرطية أشربت معنى التمني، وقال ابن مالك: هي
لو المصدرية أغنت عن فعل التمنى. قوله: ((وآية الحجاب)) هي قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي قل
لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ [الأحزاب: ٥٩] و: آية الحجاب،
كلام إضافي يجوز فيه الرفع والنصب والجر، أما الرفع فيحتمل وجهين: أحدهما: بالابتداء
محذوف الخبر تقديره: وآية الحجاب كذلك، والآخر: أن يكون معطوفاً على مقدر تقديره: هو
اتخاذ المصلى، وآية الحجاب، وأما النصب فعلى الاختصاص، وأما الجر فعلى أنه معطوف على
مجرور، وهو بدل من: ثلاث، والتقدير: في ثلاث: اتخاذ المصلى، وآية الحجاب.
قوله: ((البر))، بفتح الباء الموحدة: صفة مشبهة من بررت أبر من باب: علم يعلم، فأنا
بر وبار، ويجمع البر على أبرار، والبار على البررة، والبر مقابل الفاجر من الفجور، قال
الجوهري: فجر فجوراً أي: فسق، وفجر أي: كذب. وأصله الميل. والفاجر المائل. قوله: ((في
الغيرة)) بفتح الغين المعجمة وهي: الحمية والأنفة، يقال: رجل غيور وامرأة غيور بلا هاء، لأن
فعولاً يشترك فيه الذكر والأنثى، يقال: غرت على أهلي أغار غيرة فأنا غائر وغيور للمبالغة.
ذكر استنباط الأحكام وهي على ثلاثة أنواع كما صرح بها في الحديث: الأول:
سؤال عمر رضي الله تعالى عنه، عن رسول الله عَّ له أن يتخذ من مقام إبراهيم مصلى، وقال
الخطابي: سأل عمر رضي الله تعالى عنه، أن يجعل ذلك الحجر الذي فيه أثر مقامه مصلى بين
يدي القبلة يقوم الإمام عنده، فنزلت الآية. وقال ابن الجوزي: فإن قيل: ما السر في أن عمر
رضي الله تعالى عنه، لم يقنع بما في شرعنا حتى طلب الاستنان بملة إبراهيم عليه السلام، وقد
نهاه عَّ له عن مثل هذا حيث أتى بأشياء من التوراة؟ فالجواب: أن عمر لما سمع قوله تعالى
في إبراهيم: ﴿إني جاعلك للناس إماماً﴾ [البقرة: ١٢٤] ثم سمع ﴿أن اتبع ملة إبراهيم﴾

٢١٦
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٣٢)
[النحل: ١٢٣] علم أن الائتمام به مشروع في شرعنا دون غيره، ثم رأى أن البيت مضاف
إليه وأن أثر قدمه في المقام كرقم اسم الباني في البناء ليذكر به بعد موته، فرأى الصلاة عند
المقام كقراءة الطائف بالبيت اسم من بناه. انتهى. ولم تزل آثار قدمي إبراهيم عليه السلام،
ظاهرة فيه معروفة عند العرب في جاهليتها، ولهذا قال أبو طالب في قصيدته اللامية المعروفة:
على قدميه حافياً غير ناعل
وموطىء إبراهيم في الصخر رطبة
وقد أدرك المسلمون ذلك فيه أيضاً، كما قال عبد الله بن وهب: أخبرني يونس بن
يزيد عن ابن شهاب عن أنس بن مالك حدثهم قال رأيت المقام فيه أصابعه عَ ليه أخمص قدميه
غير أنه أذهبه مسح الناس بأيديهم وقال ابن جرير حدثنا بشر بن معاذ حدّثنا يزيد بن زريع
حدّثنا سعيد عن قتادة: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ [البقرة: ١٢٥] إنما أمروا أن يصلوا
عنده ولم يؤمروا بمسحه، ولقد تكلفت هذه الأمة شيئاً ما تكلفته الأمم قبلها، ولقد ذكر لنا
من رأى أثر عقبه وأصابعه فيها، فما زالت هذه الأمة يمسحونه حتى اخلولق وانمحى.
الثاني: الحجاب، فكان عَّ له جارياً فيه على عادة العرب، ولم يكن يخفى عليه عَ ه
أن حجبهن خير من غيره، لكنه كان ينتظر الوحي بدليل أنه لم يوافق عمر حين أشار بذلك.
قال القرطبي: وكان الحجاب في السنة الخامسة في قول قتادة، وقيل: في السنة الثالثة، قاله
أبو عبيدة معمر بن المثنى، وعند ابن سعد في ذي القعدة سنة أربع، وكان السبب في ذلك
أنه لما تزوج زينب بنت جحش أو لم عليها، فأكل جماعة وهي مولية بوجهها إلى الحائط
ولم يخرجوا، فخرج رسول الله عَّه ولم يخرجوا، وعاد ولم يخرجوا، فنزلت آية الحجاب.
وقال عياض: أما الحجاب الذي خص به زوجات النبي عليه الصلاة والسلام، فهو فرض
عليهن بلا خلاف في الوجه والكفين فلا يجوز لهن كشف ذلك لشهادة ولا لغيرها، ولا
إظهار شخصهن إذا خرجن كما فعلت حفصة يوم مات أبوها ستر شخصها حين خرجت،
وبنيت عليها قبة لما توفيت، قال تعالى: ﴿وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب﴾
[الأحزاب: ٥٣].
الثالث: اجتماع نساء النبي عَِّ في الغيرة عليه، وهو ما ذكره البخاري في تفسير
سورة البقرة: حدّثنا مسدد عن يحيى بن سعيد عن حميد عن أنس قال: ((قال عمر رضي الله
تعالى عنه: وافقت ربي في ثلاث، أو وافقني ربي في ثلاث، فقلت: يا رسول الله لو اتخذت
من مقام إبراهيم مصلى؟ وقلت: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات
المؤمنين بالحجاب؟ فأنزل الله آية الحجاب قال: وبلغني معاتبة النبي عَ لآمل بعض نسائه،
فدخلت عليهن، قلت: إن انتهيتن أو ليبدلن الله رسوله خيراً منكن؟ حتى أتپت إحدى نسائه،
فقالت: يا عمر أما في رسول الله عَ ليه ما يعظ نساءه حتى تعظهن أنت؟ فأنزل الله تعالى:
﴿عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن مسلمات﴾ [التحريم: ٥] الآية، وأخرج في
سورة التحريم، وقال: حدّثنا عمرو بن عون حدّثنا هشيم عن حميد عن أنس قال: ((قال عمر،
رضي الله تعالى عنه: اجتمع نساء النبي عَ له في الغيرة عليه، فقلت لهن: ﴿عسى ربه إن

٢١٧
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٣٢)
طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن﴾ [التحريم: ٥] فنزلت الآية)) وأصل هذه القضية أن رسول
الله عَ لَّم كان إذا صلى الغداة دخل على نسائه امرأة امرأة، وكانت قد أهديت لحفصة بنت
عمر رضي الله تعالى عنهما، عكة من عسل، فكانت إذا دخل عليها رسول الله عَ امٍ مسلماً
حبسته وسقته منها، وأن عائشة رضي الله تعالى عنها، أنكرت احتباسه عندها، فقالت لجويرية
عندها حبشية يقال لها خضرة: إذا دخل رسول الله عَّ له على حفصة فادخلي عليها فانظري
ماذا تصنع! فأخبرتها الخبر وشأن العسل، فغارت فأرسلت إلى صواحبها، وقالت: إذا دخل
عليكن رسول الله عَّ الله فقلن: إنا نجد منك ريح مغافير، وهو صمغ العرفط كريه الرائحة،
وكان رسول الله عَّلم يكره ويشق عليه أن يوجد منه ريح منتنة، لأنه يأتيه الملك، فدخل
رسول الله عَّله على سودة، قالت: فما أردت أن أقول ذلك لرسول الله عَ له، ثم إني فرقت
من عائشة، فقلت: يا رسول الله! ما هذه الريح التي أجدها منك؟ أكلت المغافير؟ قال: لا
ولكن حفصة سقتني عسلاً، ثم دخل رسول الله عَ ليه على امرأة امرأة وهن يقلن له ذلك، ثم
دخل على عائشة فأخذت بأنفها فقال لها النبي عَّ له: ما شأنك؟ قالت: أجد ريح المغافير
آأكلتها يا رسول الله؟ قال: لا، بل سقتني حفصة عسلاً، قالت: جرست إذاً نحله العرفط،
فقال لها: والله لا أطعمه أبداً فحرمه على نفسه.
قالوا: وكان رسول الله عَّله قسم الأيام بين نسائه، فلما كان يوم حفصة قالت: يا
رسول الله إن لي إلى أبي حاجة نفقة لي عنده، فأذن لي أن أزوره وآتي بها، فأذن لها، فلما
خرجت أرسل رسول الله عَ ليه إلى جارته مارية القبطية أم إبراهيم وكان قد أهداها له
المقوقس، فأدخلها بيت حفصة فوقع عليها، فأتت حفصة فوجدت الباب مغلقاً، فجلست
عند الباب فخرج رسول الله ووجهه يقطر عرقاً، وحفصة تبكي فقال: ما يبكيك؟ فقالت: إنما
أذنت لي من أجل هذا؟ أدخلت أمتك بيتي ثم وقعت عليها في يومي وعلى فراشي؟ أما
رأيت لي حرمة وحقاً؟ ما كنت تصنع هذا بامرأة منهن. فقال رسول الله عَ لى: أليس هي
جاريتي قد أحلها الله لي؟ اسكتي فهي علي حرام ألتمس بذلك رضاك، فلا تخبري بهذا امرأة
منهن، وهو عندك أمانة، فلما خرج رسول الله عَّ له، قرعت حفصة الجدار الذي بينها وبين
عائشة، فقالت: ألا أبشرك أن رسول الله عَّ له، قد حرم عليه أمته مارية، فقد أراحنا الله منها،
وأخبرت عائشة بما رأت، وكانتا متصافيتين متظاهرتين على سائر أزواج النبي عد له، فلم يزل
نبي الله عَ ◌ّله حتى حلف أن لا يقربها، فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله
لك﴾ [التحريم: ١] يعني العسل ومارية، ثم إن عمر رضي الله تعالى عنه، لما بلغه ذلك دخل
على نسائه عَّله فوعظهن وزجرهن، ومن جملة ما قال: ﴿عسى ربه إن طلقكن أن يبدله
أزواجاً خيراً منكن﴾ [التحريم: ٥] فأنزل الله هذه الآية، فهذا من جملة ما وافق عمر ربه عز
وجل ووافقه ربه.
وقال صاحب (الكشاف): فإن قلت: كيف يكون المبدلات خيراً منهن ولم يكن على
وجه الأرض نساء خير من أمهات المؤمنين؟ قلت: إذا طلقهن رسول الله عَ لِّ لعصيانهن له

٢١٨
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٣٢)
وإيذائهن إياه لم يبقين على تلك الصفة، وكان غيرهن من الموصوفات بهذه الأوصاف مع
الطاعة لرسول الله عَّم والنزول على هواه ورضاه خيراً منهن، وإنما أخليت الصفات كلها عن
العاطف ووسط بين الثيبات والأبكار لأنهما صفتان متنافيتان لا يجتمعن فيهما اجتماعهن في
سائر الصفات، فلم يكن بد من الواو، وقال النسفي: الآية واردة في الإخبار عن القدرة لا عن
الكون في الوقت، لأنه تعالى قال: ﴿إن طلقكن﴾ [التحريم: ٥] وقد علم أنه لا يطلقهن،
وهذا كقوله: ﴿وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم﴾ [محمد: ٣٨] الآية، فهذا إخبار عن القدرة
وتخويف لهم، لا أن في الوجود من هو خير من أمة محمد عدّ له.
قال أبُو عَبْدِ الله قال ابنُ أبِي مَرْيَمَ قال أخبرنا يَخْيَى بن أَيُّوبَ قال حدّثني حُمَيْدٌ قال
سَمِعْتُ أَنَساً بِهَذَا.
أبو عبد الله هو: البخاري نفسه، وابن أبي مريم هو: سعيد بن محمد بن الحكم
المعروف بابن أبي مريم، ويحيى بن أيوب الغافقي وحميد الطويل، وهذا ذكره البخاري معلقاً
ههنا وفي التفسير أيضاً، ونص عليه أيضاً خلف وصاحب (المستخرج) وهو الظاهر، ووقع في
رواية كريمة: حدّثنا ابن أبي مريم وهو غير ظاهر، لأن البخاري لم يحتج بيحيى بن أيوب، وإنما
ذكره في الاستشهاد والمتابعة. فإن قلت: قال ابن بطال: خرج له الشيخان. قلت: فيه نظر،
لأنه نقض كلام نفسه بنفسه بذكره له ترجمة في أفراد مسلم. فإن قلت: ما فائدة ذكر
البخاري له إذا كان الأمر كما ذكرت؟ قلت: ليفيد تصريح حميد فيه بسماعه إياه من أنس،
فحصل الأمن من تدليسه. وقال الكرماني؛ إنما استشهد بهذا الطريق للتقوية دفعاً لما في
الإسناد السابق من ضعف عنعنة هشيم، إذ قيل: إنه مدلس. قلت: فيه نظر، لأن معنعنات
الصحيحين كلها مقبولة محمولة على السماع - وكلامه يدل على هذا، فحينئذٍ ذكره كما
ذكرنا هو الواقع في محله، ثم قال الكرماني: فإن قلت: لِمَّ ما عكس بأن يجعل هذا الإسناد
أصلاً؟ قلت: لما في يحيى من سوء الحفظ، ولأن ابن أبي مريم ما نقله بلفظ النقل
والتحديث، بل ذكره على سبيل المذاكرة، ولهذا قال البخاري: قال ابن أبي مريم. قلت:
يعكر على ما قاله رواية كريمة: حدّثنا ابن أبي مريم، كما ذكرناه، والظاهر أن الكرماني لو
اطلع على هذه الرواية لما قال ما ذكره. قوله: ((بهذا) أي: بالحديث المذكور سنداً ومتناً،
فهو من رواية أنس عن مر لا مَن رواية أنس عن النبي عَِّ. فافهم.
٦٧ / ٤٠٣ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكُ بنُ أنَسٍ عنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ
دِينارِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عُمَرَ قالَ بَيْنَا النَّاسُ بِقُباءٍ فِي صَلاَةِ الصُّبْحِ إِذْ جاءَهُمْ أَتِ فقالَ إِنَّ رسولَ
اللَّهِ عَ لَّهِ قَدْ أُنزِلَ عليهِ الليْلَةَ قُرْآنٌ وَقَدْ أُمِرَ أنْ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ فَاسْتَقْبِلُوها وكانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلى
الشَّامِ فاسْتَدَارُوا إلى الكَعْبَةِ. [الحديث ٤٠٣ - أطرافه في: ٤٤٨٨، ٤٤٩٠، ٤٤٩١،
٤٤٩٣، ٤٤٩٤، ٧٢٥١].
مطابقته للترجمة ظاهرة من حيث الدلالة عليها من الجزء الأول، وهو قوله: ((وقد أمر
أن يستقبل الكعبة))، ومن الجزء الثاني أيضاً وذلك لأنهم صلوا في أول تلك الصلاة إلى القبلة

٢١٩
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٣٢)
المنسوخة التي هي غير القبلة الواجب استقبالها جاهلين بوجوبه، والجاهل كالناسي حيث لم
يؤمروا بإعادة صلاتهم.
ورجاله أئمة مشهورون
وفيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، والإخبار كذلك، والعنعنة في
موضعين. وفيه: القول.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري أيضاً في التفسير عن يحيى بن
قزعة وقتيبة فرقهما، وفي خبر الواحد عن إسماعيل بن أبي أويس. وأخرجه مسلم في الصلاة
والنسائي فيه. وفي التفسير جميعاً عن قتيبة، أربعتهم عنه به.
ذكر معناه قوله: ((بينا))، أصله: بين، فأشبعت الفتحة فصارت ألفاً يقال: بينا وبينما،
وهما ظرفا زمان بمعنى المفاجأة، ويضافان إلى جملة من فعل وفاعل مبتدأ وخبر، ويحتاجان
إلى جواب يتم به المعنى، والأفصح في جوابهما أن لا يكون فيه: إذ وإذا، وقد جاءا كثيراً،
تقول: بينا زيد جالس دخل عليه عمرو، وإذا دخل عليه عمرو، وإذا دخل عليه. و: بينا، ههنا
أضيف إلى المبتدأ والخبر وجوابه قوله: ((إذ جاءهم آت)). وفي ((قباء)) ست لغات: المد
والقصر والتذكير والتأنيث والصرف والمنع، وأفصحها المد، وهو: موضع معروف ظاهر
المدينة، والمعنى هنا: بينا الناس في مسجد قباء، وهم في صلاة الصبح، و: اللام، في الناس
للعهد الذهني، لأن المراد: أهل قباء ومن حضر معهم في الصلاة. قوله: ((آت))، فاعل من أتى
يأتي فأعل إعلال قاضٍ، وهذا الآتي هو: عباد، بالتشديد: ابن بشر، بكسر الباء الموحدة
وسكون الشين المعجمة. وفي حديث: البراء، المتقدم في صلاة العصر، ولا منافاة بين
الخبرين، وقد ذكرنا وجهه في حديث البراء، وهو: أن الخبر وصل وقت العصر إلى من هو
داخل المدينة، ووقت الصبح في اليوم الثاني إلى من هو خارجها.
قوله: ((وقد أنزل عليه الليلة قرآن)) أطلق الليلة على بعض اليوم الماضي وما يليه
مجازاً، وأراد بالقرآن قوله تعالى: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾ [البقرة: ١٤٤]
الآيات، وفيه: أيضاً مجاز حيث ذكر الكل وأراد الجزء، وفي بعض النسخ: القرآن، بالألف
واللام التي هي للعهد. قوله: ((وقد أمر)) على صيغة المجهول، أي: أمر النبي عَ لّهِ. قوله: ((أن
يستقبل الكعبة)) أي: بأن يستقبل، و: أن، مصدرية، والمعنى: باستقبال الكعبة. قوله:
((فاستقبلوها)) على صيغة الجمع من الماضي، والضمير فيه يرجع إلى النبي عٍَّ وأصحابه،
ويحتمل أن يكون الضمير لأهل قباء، يعني حين سمعوا من الآتي ما بلغهم استقبلوا الكعبة،
وفي رواية الأصيلي: ((فاستقبلوها))، بكسر الباء على صيغة الأمر للجمع، والأمر لأهل قباء من
الآتي. قوله: ((وكانت وجوههم)) هو من كلام ابن عمر لا كلام الرجل المخبر بتغير القبلة،
قاله الكرماني. قلت: لا مانع أن يكون من كلام المخبر، فعلى هذا تكون: الواو، للحال
فتكون جملة حالية على رواية الأكثرين، وهو أن يكون صيغة الجمع من الماضي، وعلى
رواية الأصيلي، تكون: الواو، للعطف وجاء عطف الجملة الخبرية على الإنشائية، والضمير

٢٢٠
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٣٣)
في: وجوههم، يحتمل الوجهين المذكورين: وقال بعضهم: عوده إلى أهل قباء أظهر، ويرجح
رواية الكسر أنه عند المصنف في التفسير: ((وقد أمر أن يستقبل الكعبة، ألا فاستقبلوها))،
فدخول حرف الاستفتاح يشعر بأن الذي بعده أمر لا أنه بقية الخبر الذي قبله. قلت: أَلَا، في
مثل هذا الموضع تكون للتنبيه لتدل على تقحق ما بعدها، ولا يسمى حرف استفتاح إلاَّ في
مكان يهمل معناها، وفي ترجيحه الكسر بهذا نظر، لأنه يعكر عليه قوله: ((فاستداروا)) إذا
جعل ((وكانت وجوههم))، من كلام ابن عمر.
ذكر ما استنبط منه قد مر أكثره فى حديث البراء بن عازب. وفيه: ما يؤمر به النبي عـ
يلزم أمته. وفيه: أن أفعاله يجب الإتيان بها عند قيام الدليل على الوجوب، ويسن ويستحب
بحسب المقام والقرائن. وفيه: قبول خبر الواحد. وفيه: جواز تعليم من ليس في الصلاة من هو
فيها. وفيه: استماع المصلي لكلام من ليس في الصلاة لا يضر صلاته. وفيه: أن من تبلغه
الدعوة ولم يمكنه استعلام ذلك فالفرض غير لازم له، هكذا استنبطه الطحاوي منه.
٦٨ / ٤٠٤ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قال حدّثنا يَحْيِى عَنْ شُعْبَةَ عنِ الحَكَمِ عنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ
عَلْقَمَة عنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ صَلَّى النبيُّ عَ لِ الظُّهْرَ خَمْساً فقالُوا أزِيدَ فِي الصَّلاَةِ قال وما ذاكَ
قَالُوا صَلَّيْتَ خَمْساً فَنَى رِجْلَيْهِ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ. [انظر الحديث ٤٠١ وأطرافه].
مطابقته للترجمة التي هي قوله: ((ومن لم ير الإعادة على من سها فصلى)) ظاهرة لأنه
عَّلِ سهى فصلى ولم يعد تلك الصلاة، وهذا الحديث مضى عن قريب في الباب الذي قبل
هذا الباب، ويحيى هو القطان، وشعبة بن الحجاج والحكم بن عيينة وإبراهيم النخعي وعلقمة
ابن قيس النخعي وعبد الله بن مسعود.
فإن قلت: ما وجه احتجاج البخاري بهذا الحديث؟ قلت: هو أن إقباله على الناس
بوجهه بعد انصرافه بعد السلام كان في غير صلاة، فلما بنى على صلاته بان أنه كان في
وقت استدبار القبلة في حكم المصلي، لأنه لو خرج من الصلاة لم يجز له أن يبني على ما
مضى منها، فظهر بهذا أن من أخطأ القبلة لا يعيد.
٣٣ - بابُ حَكَّ البُزَاقِ بِاليَدِ مِنَ المَسْجِدِ
أي: هذا باب في بيان حك البزاق باليد، سواء كان بآلة أو لا. فإن قلت: في حديث
الباب الحك باليد من غير ذكر آلة وكذلك في الترجمة قلت: قوله: باليد، أعم من أن يكون
فيها آلة أو لا، على أن أبا داود روى عن جابر قال: ((أنانا رسول الله عَ ◌ّله في مسجدنا وفي
يده عرجون ابن طاب، فنظر فرأى في قبلة المسجد نخامة، فأقبل عليها فحتها بالعرجون ... ))
الحديث، فهذا يدل على أنه باشر بيده بعرجون فيها؛ والعرجون، بضم العين: هو العود
الأصغر الذي فيه الشماريخ إذا يبس واعوج، وهو من الانعراج، وهو الانعطاف، وجمعه:
عراجين، و: الواو والنون فيه زائدتان، و: ابن طاب، رجل من أهل المدينة ينسب إليه نوع من
تمر المدينة، ومن عاداتهم أنهم ينسبون ألوان التمر كل لون إلى أحد، ومع هذا يحتمل تعدد
القصة. وفي البزاق ثلاث لغات: بالزاي والصاد والسين، والأوليان مشهورتان.