Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٢٠)
ابن عباس: ((جاءت فأرة فأخذت تجر الفتيلة فجاءت بها فألقتها بين يدي رسول الله عَ لّه،
على الخمرة التي كان قاعداً عليها، فأحرقت منها مثل موضع درهم)). وهذا ظاهر في إطلاق
الخمرة على الكبيرة من نوعها.
ذكر ما يستنبط منه من الأحكام. الأول: فيه جواز مخالطة الحائض. الثاني: فيه
طهارة بدن الحائض وثوبها. الثالث: إذا أصاب ثوب المصلي المرأة لا يضر ذلك صلاته ولو
كانت المرأة حائضاً. الرابع: جواز الصلاة على الخمرة من غير كراهة، وعن ابن المسيب:
الصلاة على الخمرة سنة، وقد فعل ذلك جابر وأبو ذر وزيد بن ثابت وابن عمر رضي الله
تعالى عنهم. وقال الكرماني: وفيه: أن الصلاة لا تبطل بمحاذاة المصلي، وتبعه بعضهم فقال.
وفيه: أن محاذاة المرأة لا تفسد الصلاة. قلت: قصدهما بذلك الغمز في مذهب أبي حنيفة
في أن محاذاة المرأة للمصلي مفسدة لصلاة الرجل، ولكن هيهات لما قالا لأن المحاذاة
المفسدة عنده أن يكون الرجل والمرأة مشتركين في الصلاة أداءً وتحريمة، وهو أيضاً يقول:
إن المحاذاة المذكورة في هذا الحديث غير مفسدة، فحينئذٍ إطلاقها الحكم فيه غير صحيح،
وهو من ضربان عرق العصبية.
٢٠ - بابُ الصَّلاةِ عَلَى الحَصِيرِ
أي: هذا باب في بيان الصلاة على الحصير، يعني جائزة، والحصير، بفتح الحاء
وكسر الصاد المهملتين. وذكر ابن سيده في (المحكم) و (المحيط) الأعظم: أنها سفيفة
تصنع من بردى وأسل، ثم تفرش، سمي بذلك لأنه على وجه الأرض، ووجه الأرض يسمى
حصيراً، والسفيفة، بفتح السين المهملة وبالفاءين: شيء يعمل من الخوص كالزنبيل؛ والأسل،
بفتح الهمزة والسين المهملة وفي آخره لام. نبات له أغصان كثيرة دقاق لا ورق لها. وفي
(الجمهرة): والحصير عربي، سمي حصيراً لانضمام بعضها إلى بعض. وقال الجوهري:
الحصير البارية.
فإن قلت: ما المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله؟ قلت: قد ذكرت عند قوله:
باب عقد الإزار على القفا، أن الأبواب المتعلقة بالثياب سبعة عشر بابا، والمناسبة بينها
ظاهرة، غير أنه تخلل بين هذه الأبواب خمسة أبواب ليس لها تعلق بأحكام الثياب، وقد
ذكرنا وجه تخللها والمناسبة بينها هناك فارجع إليه تظفر بجوابك.
وَصَلَّى جابٌِّ وَأَبُو سَعِيدٍ فِي السَّفِينَةِ قائِماً.
الكلام فيه من وجوه.
الأول في معناه: واسم أبي سعيد: سعد بن مالك الخدري. قوله: ((في السفينة))
هي: الغلك لأنها تسفن وجه الماء أي تقشره، فعيلة بمعنى فاعلة، والجمع سفائن وسفن
وسفين. قوله: ((قياماً)) جمع قائم وأراد به التثنية أي: قائمين، نصب على الحال وفي بعض
النسخ: قائماً، بالإفراد بتأويل كل منهما قائماً.
عمدة القاري /ج٤ /١١٢

١٦٢
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٢٠)
الثاني: أن هذا تعليق وصله أبو بكر بن أبي شيبة بسند صحيح: عن عبيد الله بن أبي
عتبة مولى أنس، قال: ((سافرت مع أبي الدرداء وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وأناس
قد سماهم، قال: فكان إمامنا يصلي بنا في السفينة قائماً، ونصلي خلفه قياماً، ولو شئنا لأرفينا)).
أي: لأرسينا. يقال أرسى السفينة بالسين المهملة، وأرفى، بالفاء: إذا وقف بها على الشط.
والبخاري اقتصر هنا على ذكر الإثنين، وهما: جابر وأبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما.
الثالث: في وجه مناسبة إدخال هذا الأثر في باب الصلاة على الحصير، فقال ابن
المنير: لأنهما اشتركا في الصلاة على غير الأرض لئلا يتخيل أن مباشرة المصلي الأرض
شرط من، قوله: عليه الصلاة والسلام، لمعاذ رضي الله تعالى عنه: ((عفر وجهك في
التراب)). قلت: ثمة وجه أقوى مما ذكره في المناسبة وهو أن هذا الباب في الصلاة على
الحصير، وفي الباب الذي قبله: وكان يصلي على الخمرة، وكل واحد من الحصير والخمرة
يعمل من سعف النخل، ويسمى: سجادة، والسفينة أيضاً مثل السجادة على وجه الماء، فكما
أن المصلي يسجد على الخمرة والحصير دون الأرض، فكذلك الذي يصلي في السفينة
يسجد على غير الأرض.
الرابع في استنباط الحكم منه: وهو أن الصلاة في السفينة إنما تجوز: إذا كان
قائماً. وقال أبو حنيفة: تجوز قائماً وقاعداً بعذر وبغير عذر. وبه قال الحسن بن مالك وأبو
قلابة وطاوس، روى عنه ابن أبي شيبة، وروى أيضاً عن مجاهد أن جنادة بن أبي أمية قال:
((كنا نغزو معه لكنا نصلي في السفينة قعوداً)، أو لأن الغالب دوران الرأس فصار كالمحقق،
والأولى أن يخرج إن استطاع الخروج منها، وقال أبو يوسف ومحمد: لا تجوز قاعداً إلاَّ من
عذر، لأن القيام ركن فلا يترك إلاّ من عذر، والخلاف في غير المربوطة، فلو كانت مربوطة
لم تجز قاعداً إجماعاً. وقيل: تجوز عنده في حالتي الإجراء والإرساء ويلزمه التوجه عند
الافتتاح كلما دارت السفينة لأنها في حقه كالبيت، حتى لا يتطوع فيها مومياً مع القدرة
على الركوع والسجود، بخلاف راكب الدابة.
وقال الحَسَنُ تُصلِّي قائِماً ما لَمْ تَشُنَّ على أصْحَابِكَ تَدُورُ مَعَها وإلا فَقَاعِداً.
الحسن هو البصري، ووصل هذا التعليق ابن أبي شيبة بإسناد صحيح: حدّثنا حفص
عن عاصم عن الشعبي، والحسن وابن سيرين أنهم قالوا: صل في السفينة قائماً. وقال
الحسن: لا تشق على أصحابك، وفي رواية الربيع بن صبيح: أن الحسن ومحمداً قالا:
يصلون فيها قياماً جماعة، ويدورون مع القبلة حيث دارت. والبخاري اقتصر على الذكر عن
الحسن. قوله: ((تصلي)) خطاب لمن سأله عن الصلاة في السفينة: هل يصلي قائماً أو قاعداً؟
فأجاب له: ((تصلي قائماً) أيٍ: حال كونك قائماً ((ما لم تشق على أصحابك تدور معها))
أي: مع السفينة. قوله: ((وإلاَّ) أي؛ وإن شق على أصحابك القيام فقاعداً، أي: فصل حال
كونك قاعداً، لأن الحرج مدفوع.

١٦٣
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٢٠)
٣٨٠/٤٦ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ قالَ أخبرنا مالكٌ عن إسْحَاقَ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أبي طَلْحَةَ
عَنْ أَنَسٍ بِنِ مالِكِ أنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رسولَ اللَّهِ عَللِ لَطَعَامِ صَنَعَتْهُ لَهُ فَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ قال:
((قُومُوا فَلْأُصَلِّيَ لَكُمْ)) قال أنَسْ فَقَمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولٍ ما لُبِسَ فَتَضَحْتُهُ بِمَاءٍ
فَقَامَ رَسولُ اللهِ عَّهِ وَصَفَفْتُ والِيَتِيمَ وَرَاءَهُ وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا فَصَّلَى لَنا رَسُولُ اللهِ عَلَّهِ
رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ. [الحديث ٣٨٠ - أطرافه في: ٧٢٧، ٨٦٠، ٨٧١، ٨٧٤، ١١٦٤].
مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله وهم خمسة: عبد الله بن يوسف التنيسي، والإمام مالك بن أنس وإسحاق
ابن عبد الله بن أبي طلحة، وربما يقال إسحاق بن أبي طلحة، بنسبته إلى جده، واسم أبي
طلحة: زيد بن سهل الأنصاري النجاري، وكان مالك لا يقدم على إسحاق أحد في
الحديث، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة. والرابع: أنس بن مالك خادم النبي عَ له.
والخامس: جدته مليكة، بضم الميم، والآن يأتي بيانها مفصلاً.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد. وفيه: الإخبار
كذلك. وفيه: العنعنة في موضعين وفيه: عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، كذا هو في
رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني والحموي: عن إسحاق بن أبي طلحة بنسبته إلى
جده. وفيه: الاختلاف في الضمير الذي في جدته. فقال ابن عبد البر وعبد الحق وعياض
يعود على إسحاق، وصححه النووي، ويؤيده ما رواه أبو داود: حدّثنا مسلم بن إبراهيم حدّثنا
المثنى بن سعيد حدّثنا قتادة عن أنس بن مالك: ((أن النبي عَّ كان يزور أم سليم فتدركه
الصلاة أحياناً فيصلي على بساط لنا، وهو حصير ننضحه بالماء)). وأم سليم هي: أم أنس،
وأمها مليكة بنت مالك بن عدي، وهي جدة أنس. واختلف في اسم: أم سليم، فقيل: سهلة.
وقيل: رميلة. وقيل: رميثة. وقيل: الرميصاء. وقيل: الغميصاء. وقيل: أنيفة، بالنون والفاء
مصغرة، وتزوج أم سليم: مالك بن النضر فولدت له أنس بن مالك، ثم خلف عليها أبو طلحة
فولدت له: عبد الله وأبا عمير، وعبد الله هو والد إسحاق، راوي هذا الحديث عن عمه أخي
أبيه لأمه: أنس بن مالك. وقال ابن سعد وابن منده وابن الحصار: يعود الضمير في جدته
على أنس نفسه، ويؤيده ما ذكره أبو الشيخ الأصبهاني في الحادي عشر من (فوائد
العراقيين): حدّثنا أبو بكر محمد بن جعفر، قال؛ حدّثنا مقدم بن محمد بن يحيى عن عمه
القاسم بن يحيى عن عبيد الله بن عمر عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس، قال: ((أرسلت،
جدتي إلى النبي عَّم - واسمها مليكة - فجاءنا فحضرت الصلاة فقمت إلى حصير لنا ... ))
الحديث. ولا تنافي بين كون مليكة جدة أنس، وبين كونها جدة إسحاق.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الصلاة عن إسماعيل
ابن أبي أويس، وعن أبي نعيم وعن عبد الله بن محمد المسندي. وأخرجه مسلم فيه عن
يحيى، وأبو داود فيه عن القعنبي، والترمذي فيه عن إسحاق بن موسى عن معن بن عيسى،
والنسائي فيه عن قتيبة.

١٦٤
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٢٠)
ذكر اختلاف ألفاظ هذا الحديث: وعند مسلم: ((فربما تحضر الصلاة وهو في بيتنا،
فيأمر بالبساط الذي تحته فيكنس ثم ينضح، ثم يؤم رسول الله عَّ فنقوم خلفه، وكان
بساطهم من جريد النخل)). وعند ابن أبي شيبة: عن أنس بن مالك، قال: ((صنع بعض
عمومتي للنبي عَّله طعاماً، فقال إني أحب أن تأكل في بيتي وتصلي فيه. قال: فأتاه وفي
البيت فحل من تلك الفحول، فأمر بجانب منه فكنس. ورش فصلى فصلينا معه)). وعند
النسائي: ((أن أم سليم سألت رسول الله عَّم أن يأتيها فيصلي في بيتها فتتخذه مصلىّ، فأتاها
فعمدت إلى حصير فنضحته فصلى عليه، وصلينا معه)). وفي (الغرائب) للدارقطني: عن أنس،
قال: ((صنعت مليكة طعاماً لرسول الله عَ لَّم فأكل منه وأنا معه، ثم دعا بوضوء فتوضأ، ثم قال
لي: قم فتوضأ ومر العجوز فلتتوضأ ومر هذا اليتيم فليتوضأ. فلأصلي لكم. قال: فعمدت
إلى حصير عندنا خلق قد اسود)). وفي رواية: ((قطعة حصير عندنا خلق)). وفي (سنن البيهقي)
من حديث أبي قلابة: عن أنس ((أن النبي عَّهِ، كان يأتي أم سليم يقيل عندها، وكان يصلي
على نطع، وكان كثير العرق فتتبع العرق من النطع فتجعله في القوارير مع الطيب، وكان
يصلي على الخمرة)).
ذكر معناه قوله: ((لطعام)) أي: لأجل طعام، وقال بعضهم: وهو مشعر بأن مجيئه كان
لذلك لا ليصلي بهم ليتخذوا مكان صلاته مصلىّ لهم، كما في قصة عتبان بن مالك الآتية،
وهذا هو السر في كونه بدأ في قصة عتبان بالصلاة قبل الطعام، وههنا بالطعام قبل الصلاة،
فبدأ في كل منهما بأصل ما دعي له. قلت: لا مانع في الجمع بين الدعاء للطعام وبين الدعاء
للصلاة، ولهذا صلى رسول الله عٍَّ في هذا الحديث، والظاهر أن قصد مليكة من دعوتها
كان للصلاة، ولكنها جعلت الطعام مقدمة لها. وقوله: وهذا هو السر إلى آخره، فيه نظر، لأنه
يحتمل أن الطعام كان قد حضر وتهيأ في دعوة مليكة، والطعام إذا حضر لا يؤخر فيقدم على
الصلاة، وبدأ بالصلاة في قصة عتبان لعدم حضور الطعام.
قوله: ((فنضحته)) من النضح وهو الرش، وذلك إما لأجل تليين الحصير، أو لإزالة
الأوساخ منه لأنه اسود من كثرة الاستعمال. وقوله: ((من طول ما لبس)) كناية عنها وأصل هذه
المادة تدل على مخالطة ومداخلة، وليس ههنا: لبس، من: لبست الثوب، وإنما هو من قولهم:
لبست امرأة، أي: تمتعت بها زماناً، فحينئذٍ يكون معناه: قد اسود من كثرة ما تمتع به طول
الزمان، ومن هذا يظهر لك بطلان قول بعضهم، وقد استدل به على منع افتراش الحرير لعموم
النهي عن لبس الحرير، وقصد هذا القائل الغمز فيما قال أبو حنيفة من جواز افتراش الحرير
وتوسده، ولكن الذي يدرك دقائق المعاني ومدارك الألفاظ العربية يعرف ذلك، ويقر بأن أبا
حنيفة لا يذهب إلى شيء سدىّ. قوله: ((واليتيم))، هو ضميرة بن أبي ضميرة، وأبو ضمير
مولى رسول الله عٍَّ، كذا قاله الذهبي في (تجريد الصحابة)، ثم قال: له ولأبيه صحبة.
وقال في (الكنى) أبو ضميرة مولى رسول الله عَّه، كان من حمير، اسمه سعد، وكذا قال
البخاري: إن اسمه سعد الحميري من آل ذي يزن، وقال أبو حاتم: سعيد الحميري هو جد

١٦٥
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٢٠)
حسين بن عبد الله بن ضميرة بن أبي ضميرة. انتهى. ويقال: اسم أبي ضميرة: روح بن
سندر، وقيل: روح بن شيرزاد؛ وضميرة، بضم الضاد المعجمة وفتح اليمم وسكون الياء آخر
الحروف وفتح الراء في آخره هاء. قوله: ((والعجوز)) هي: مليكة المذكورة أولاً. قوله: ((ثم
انصرف)) أي: من الصلاة، وذهب إلى بيته.
ذكر إعرابه: قوله: ((صنعته)) جملة فعلية في محل الجر لأنها صفة لطعام. قوله:
((فلأصلي لكم)) فيه ستة أوجه من الإعراب. الأول: فلأصلي، بكسر اللام وضم الهمزة وفتح
الياء، ووجهه أن اللام فيه. لام كي، والفعل بعدها منصوب: بأن، المقدرة تقديره: فلأن
أصلي. قال القرطبي: رويناه كذا، و: الفاء، زائدة، أو: الغاء، جواب الأمر، ومدخول: الفاء،
محذوف تقديره: قوموا فقيامكم لأصلي لكم. ويجوز أن تكون: الفاء، زائدة على رأي
الأخفش، واللام متعلق: بقوموا. الوجه الثاني: فلأصلي، مثلها إلا أنها ساكنة الياء، ووجهه أن
تسكين الياء المفتوحة للتخفيف في مثل هذا لغة مشهورة. الثالث: فلأصلُ: بحذف الياءِ،
الكون اللام لام الأمر، وهي رواية الأصيلي. الرابع: فأصلي، على صيغة الإخبار عن نفسه،
وهو خبر مبتدأ محذوف تقديره: فأنا أصلي، والجملة جواب الأمر. الخامس: فلنصل؛ بكسر
اللام في الأصل وبنون الجمع، ووجهه أن: اللام، لام الأمر، والفعل مجزوم بها وعلامة الجزم
سقوط الياء. السادس: فلأصلي، بفتح اللام، وروي هكذا في بعض الروايات، ووجهه: أن
تكون: اللام، لام الابتداء للتأكيد، أو تكون جواب قسم محذوف، و: الفاء، جواب شرط
محذوف تقديره: إن قمتم فوالله لأصلي لكم.
قوله: ((فصففت أنا واليتيم)) كذا رواية الأكثرين، وفي رواية المستملي والحموي:
((فصففت واليتيم))، بغير لفظ، أنا، وفي مثل هذا خلاف بين البصريين والكوفيين، فعند
البصريين لا يعطف على الضمير المرفوع، إلاّ بعد أن يؤكد بضمير منفصل ليحسن العطف
على الضمير المرفوع المتصل، بارزاً كان أو مستتراً. كقوله تعالى: ﴿اسكن أنت وزوجك
الجنة﴾ [البقرة: ٣٥، والأعراف: ١٩] وعند الكوفيين: يجوز ذلك بدون التأكيد، والأول هو
الأفصح. قوله: ((واليتيم)) يجوز فيه الرفع والنصب، أما الرفع فلأنه معطوف على الضمير
المرفوع. وقال الكرماني: بالنصب، ولو صح رواية الرفع فهو مبتدأ و: وراء، خبره، والجملة
حال. قلت: وجه النصب هو أن تكون: الواو، فيه: واو المصاحبة، والتقدير: فصففت أنا مع
اليتيم. قوله: ((والعجوز من ورائنا)) جملة إسمية وقعت حالاً. وفي حالة الرفع تكون معطوفاً.
فافهم. قوله: ((فصلى)) أي، النبي عَّلَّهِ: ((لنا))، أي: لأجلنا.
ذكر استنباط الأحكام: فيه: إجابة الدعوة وإن لم تكن وليمة عرس والأكل من
طعامها. وفيه: جواز النافلة جماعة. فإن قلت: قد جاء في رواية أبي الشيخ الحافظ:
((فحضرت الصلاة)). قلت: لا يلزم من حضور وقت الصلاة أن صلاته عَّ في بيت مليكة
كانت للفرض، ألا ترى أن في رواية مسلم: ((قوموا فلأصلي لكم))، في غير وقت صلاة،
فصلى بنا فإن قلت: قد جاء في رواية أخرى لمسلم: ((فربما تحضر الصلاة وهو في بيتنا)).

١٦٦
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٢٠)
قلت: الجواب ما ذكرناه الآن، ومع هذا كره أصحابنا وجماعة آخرون التنفل بالجماعة في
غير رمضان. وقال ابن حبيب، عن مالك: لا بأس أن يفعله الناس اليوم في الخاصة من غير
أن يكون مشتهراً، مخافة أن يظنها الجهال من الفرائض.
وفيه: أن الأفضل أن تكون النوافل في البيت لأن المساجد تبنى لأداء الفرائض.
وفيه: الصلاة في دار الداعي وتبركه بها، وقال بعضهم: ولعله عَّلَّه أراد تعليم أفعال
الصلاة مشاهدة مع تبركهم، فإن المرأة قلما تشاهد أفعاله عَ ليهِ في المسجد، فأراد أن
تشاهدها وتتعلمها وتعلمها غيرها.
وفيه: تنظيف مكان المصلى من الأوساخ، ومثله التنظيف من الكناسات والزبالات.
وفيه: قيام الطفل مع الرجال في صف واحد.
وفيه: تأخر النساء عن الرجال.
ويستنبط منه أن إمامة المرأة للرجال لا تصح لأنه إذا كان مقامها متأخراً عن مرتبة
الصبي فبالأولى أن لا تتقدمهم، وهو قول الجمهور، خلافاً للطبري وأبي ثور، في إجازتهما
إمامة النساء مطلقاً، وحكى عنهما أيضاً إجازة ذلك في التراويح إذا لم يوجد قارىء غيرها.
وفيه: أن الأفضل في نوافل النهار أن تكون ركعتين، وقال بعضهم: وفيه: الاقتصار في
نافلة النهار على ركعتين، خلافاً لمن اشترط أربعاً. قلت: إن كان مراده أبا حنيفة، فليس
كذلك، لأنه لم يشترط ذلك، بل قال الأربع أفضل سواء كان في الليل أو في النهار. وفيه:
صحة صلاة الصبي المميز. وقال النووي: احتج بقوله: من طول ما لبس أصحاب مالك في
المسألة المشهورة بالخلاف، وهي إذا حلف لا يلبس ثوباً ففرشه فعندهم يحنث، وأجاب
أصحابنا: بأن لبس كل شيء بحسبه، فحملنا اللبس في الحديث على الافتراش للقرينة، ولأنه
المفهوم منه، بخلاف من حلف لا يلبس ثوباً، فإن أهل العرف لا يفهمون من لبسه الافتراش.
انتهى. قلت: ليس معنى اللبس في الحديث الافتراش، وإنما معناه التمتع، كما قال صاحب
(اللغة) يقال: لبست امرأة أي تمتعت بها زماناً طويلاً، وليس هو من: اللبس، الذي من: لبست
الثياب، وقد ذكرناه عن قريب.
وفيه: الصلاة على الحصير وسائر ما تنبته الأرض، وهو إجماع إلاَّ من شذ بحديث أنه
لم يصلِّ عليه، وهو لا يصح قلت: كذا ذكره صاحب (التلويح) وأراد بقوله: لا يصح،
الحديث الذي رواه ابن أبي شيبة من حديث يزيد بن المقادم عن أبيه شريح بن هانىء: ((أنه
سأل عائشة رضي الله تعالى عنها، أكان النبي عَّهِ يصلي على الحصير؟ والله تعالى يقول:
﴿وجعلنا جهنم للكافرين حصيراً﴾ [الإسراء: ٨] فقالت: لا لم يكن يصلي على الحصير))
وقالوا: هذا غير صحيح لضعف يزيد بن المقدام، ولهذا بوب البخاري باب الصلاة على
الحصير، فإن هذا الحديث لم يثبت عنده، أورده لمعارضة ما هو أقوى منه، والذي شذ فيه
هو عمر بن عبد العزيز فإنه كان يسجد على التراب، ولكن يحمل فعله هذا على التواضع.

١٦٧
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٢١)
وفيه: أن الأصل في الحصير ونحوه الطهارة، ولكن النضح فيه إنما كان لأجل التليين
أو لإزالة الوسخ، كما ذكرنا. وقال القاضي عياض: الأظهر أنه كان للشك في نجاسته. قلنا:
هذا على مذهبه في أن النجاسة المشكوك فيها تطهر بنضحها من غير غسل، وعندنا الطهارة
لا تحصل إلاَّ بالغسل.
وفيه: أن الإثنين يكونان صفاً وراء الإمام، وهو مذهب العلماء كافة إلاَّ ابن مسعود،
فإنه قال: يكون الإمام بينهما. وفي (التوضيح): وبه قال أبو حنيفة والكوفيون. قلت: مذهب
أبي حنيفة ليس كذلك، بل مذهبه أنه إذا أم اثنين يتقدم عليهما، وبه قال محمد، واحتجا في
ذلك بهذا الحديث المذكور في الباب، نعم، عن أبي يوسف رواية أنه يتوسطهما. قال
صاحب (الهداية): ونقل ذلك عن ابن مسعود. قلت: هذا موقوف عليه، وقد رواه مسلم من
ثلاث طرق ولم يرفعه في الأوليين، ورفعه إلى النبي عَّه في الثالثة. وقال؛ هكذا فعل رسول
اللّه عَّ. وقال أبو عمر: هذا الحديث لا يصح رفعه، وأما فعله هو فإنما كان لضيق المسجد،
رواه الطحاوي في (شرح الآثار) بسند عن ابن سيرين أنه قال: لا أرى ابن مسعود فعل ذلك
إلاّ لضيق المسجد، أو لعذر آخر، لا على أنه السنة.
وفيه: أن المنفرد خلف الصف تصح صلاته بدليل وقوف العجوز في الأخير، وبه قال
أبو حنيفة وأصحابه والشافعي ومالك، وقال أحمد وأصحاب الحديث: لا يصح لقوله عد له:
((لا صلاة للمنفرد خلف الصف)). قلنا؛ أريد به نفي الكمال.
وفيه: أن السلام ليس بواجب في الخروج من الصلاة، لقوله؛ ثم انصرف، ولم يذكر
سلاماً. فإن قلت: المراد منه الانصراف من البيت الذي فيه. قلت: ظاهره الانصراف من
الصلاة، وإن كان يحتمل الانصراف من البيت، وبهذا الاحتمال لا تقوم الحجة.
٢١ - بابُ الصلاَةِ عَلَى الخُمْرَةِ
أي: هذا باب في بيان الصلاة على الخمرة: يعني تجوز.
فإن قلت: قد ذكر ذلك في حديث ميمونة في الباب الذي قبل باب الصلاة على
الحصير، فما فائدة إعادته؟ قلت: لأنه روي هناك عن مسدد مطولاً، وههنا روي عن أبي
الوليد مختصراً، فأعاده موافقة له، وقد مر تفسير الخمرة عن قريب.
٣٨١/٤٧ - حدثنا أبُو الوَلِيدِ قال حدّثنا شُعْبَةُ قال حدّثنا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ عنْ عَبْدِ
اللَّهِ ابنِ شَدَّادٍ عنْ مَيْمُونَةَ قالَتْ كانَ النبيُّ عَ لَّهِ يُصَلِّي عَلى الخُمْرَةِ. [انظر الحيث ٣٣٣
وأطرافه].
هذا طريق آخر في حديث ميمونة، والطريق الأول ذكره في باب: إذا أصاب ثوب
المصلي امرأته إذا سجد، لكن هناك عن مسدد عن خالد عن سليمان الشيباني، وههنا عن
أبي الوليد: هشام بن عبد الملك الطيالسي، عن شعبة بن الحجاج عن سليمان الشيباني.

١٦٨
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٢٢)
وفائدة تكراره اختلاف بعض رجال الإسناد كما ترى، وبيان مقصد شيخه عند نقله
الحديث، واختلاف استخراج الأحكام منه، ولكل من مشايخه مقصود غير مقصود الآخر.
٢٢ _ بابُ الصَّلاَةِ عَلى الفِرَاشِ
أي: هذا باب في بيان الصلاة على الفراش، يعني: تجوز، والفراش هنا اسم لما
يفترش من أي نوع كان من أنواع ما يبسط، ويجمع على: فرش، ويجيء مصدراً من: فرشت
الشيء أفرشه فراشاً: بسطته. وهو من باب: نصر ينصر.
والمناسبة بين البابين ظاهرة.
وَصَلَّى أنس على فِراشِهِ.
هذا التعليق وصله ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور، كلاهما عن ابن المبارك عن حميد
قال: كان أنس يصلي على فراشه.
وقال أنَسٌ كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النبيِّ عَّهِ فَيَسْجُدُ أحَدُنَا على ثَوْبِهِ.
هذا التعليق وصله البخاري أيضاً فيما بعد في الباب الذي يليه. قوله: ((أحدنا)) أي:
بعضنا. قوله: ((على ثوبه))، يحتمل أن يكون المراد منه بعض ثوبه الذي كان لابسه، نحو
الفاضل من كمه أو ذيله، ويحتمل أن يكون ثوبه الذي يقلعه من جسمه فيسجد عليه، وحديثه
المسند يصرح بأن المراد منه بعض ثوبه حيث قال فيه: فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة
الحر في مكان السجود، على ما يأتي إن شاء الله تعالى.
ووجه مناسبة هذه الأثر للترجمة ظاهرة، وهو أنه إذا سجد على ثوبه يكون ساجداً على
الفراش، لأنه اسم لما يبسط كما ذكرنا.
٣٨٢/٤٨ - حدّثنا إسْماعِيلُ قال حدثني مالِكٌ عَنْ أبي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بنِ عُبِيْدٍ
اللَّهِ عنْ أبي سَلَمَّةَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النبيِّ عَُّلِ أَنَّهَا قَالَتْ كُنْتُ أنامُ بَيْنِ يَدَيْ
رسولِ الله عَّ ◌َلَّه وَرِجْلاَيَ في قِبْلَتِهِ فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَقَبَضْتُ رِجْليَّ فَإِذَا قامَ بَسَطْتُهُما قالَتْ
والبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ. [الحديث ٣٨٢ - أطرافه في: ٣٨٣، ٣٨٤، ٥٠٨،
٥١١، ٥١٢، ٥١٣، ٥١٤، ٥١٥، ٥١٩، ٩٩٧، ١٢٠٩، ٦٢٧٦].
وجه مطابقة هذا الحديث للترجمة في قولها: ((كنت أنام))، لأن نومها كان على
الفراش، وقد صرحت في حديثها الآخر بقولها: ((على الفراش)) الذي ينامان عليه.
ذكر رجاله: وهم خمسة: إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس المدني ابن أخت مالك
ابن أنس، وأبو النضر، بفتح النون وسكون الضاد المعجمة: اسمه سالم مولى عمر، بدون
الواو: ابن عبيد الله التيمي، وأبو سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد وبصيغة الإفراد
في آخر. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: القول. وفيه: أن رواته مدنيون.

١٦٩
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٢٢)
ذكر تعدد موضع ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً عن القعنبي وعبد الله بن
يوسف كلاهما عن مالك. وأخرجه مسلم في الصلاة أيضاً عن يحيى بن يحيى عن مالك عن
أبي النضر. وأخرجه أبو داود فيه عن عاصم بن النضر عن المعتمر بن سليمان عن عبيد الله
بن عمر عن أبي النضر. وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة عن مالك به.
ذكر معناه: قوله: ((ورجلاي في قبلته)) جملة وقعت حالاً أي: في مكان سجوده.
قوله: ((غمِزني))، من الغمز باليد. قال الجوهري: غمزت الشيء بيدي، وغمزته بعيني، قال
تعالى: ﴿وإذا مروا بهم يتغامزون﴾ [المطففين: ٣٠] والمراد ههنا: الغمز باليد، وروى أبو
داود من حديث أبي سلمة عن عائشة أنها قالت: ((كنت أكون نائمة ورجلاي بين يدي
رسول الله عَّم وهو يصلي من الليل، فإذا أراد أن يسجد ضرب رجلي فقبضتهما، فسجد)).
قوله: ((فقبضت رجلي))، بفتح اللام وتشديد الياء بصيغة التثنية، وهذه رواية الأكثرين، وفي
رواية المستملي والحموي: ((رجلي))، بكسر اللام وسكون الياء، بصيغة الإفراد. قوله:
((بسطتهما))، بتثنية الضمير على رواية الأكثرين، وبالإفراد على رواية المستملي. قوله:
((والبيوت))، مبتدأ. وقوله: ((ليس فيها مصابيح)) خبره، والجملة حال، والمصابيح جمع:
مصباح، وهذا اعتذار من عائشة رضي الله تعالى عنها، عن نومها على هذه الهيئة، والمعنى:
لو كانت المصابيح لقبضت رجلي عند إرادته السجود، ولما أحوجته إلى غمزي، وهذا يدل
على أنها كانت راقدة غير مستغرقة في النوم، إذ لو كانت مستغرقة لما كانت تدرك شيئاً،
سواء كانت مصابيح أو لم تكن. قوله: ((يومئذٍ)) معناه: وقتتذ، أي: وقت إذ كان الرسول حياً،
وإنما فسرناه هكذا لأن المصابيح من وظائف الليل، فلا يمكن إجراء اليوم على حقيقة معناه،
وقد يذكر اليوم ويراد به الوقت، كما في قوله تعالى: ﴿ومن يولهم يومئذٍ دبره إلاَّ متحرفاً
لقتال أو متحيزاً إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير﴾ [الأنفال: ١٦].
ذكر استنباط الأحكام منه: الأول: فيه جواز صلاة الرجل إلى المرأة، وأنها لا تقطع
صلاته، وكرهه بعضهم لغير الشارع لخوف الفتنة بها واشتغال القلب بالنظر إليها، وأما النبي
عَ لِ فمنزه عن هذا كله، مع أنه كان في الليل ولا مصابيح فيه.
الثاني: فيه استحباب إيقاظ النائم للصلاة.
الثالث: أن المرأة لا تبطل صلاة من صلى إليها، ولا من مرت بين يديه، وهو قول
جمهور الفقهاء سلفاً وخلفاً، منهم أبو حنيفة ومالك والشافعي، ومعلوم أن اعتراضها بين يديه
أشد من مرورها، وذهب بعضهم إلى أنه يقطع مرور المرأة والحمار والكلب، وقال أحمد:
يقطعها الكلب الأسود، وفي قلبي من الحمار والمرأة شيء. والجواب: عن حديث قطع
الصلاة بهؤلاء من وجهين: إن المراد من القطع: النقص، لشغل القلب بهذه الأشياء، وليس
المراد إبطالها لأن المرأة تغير الفكر فيها، والحمار ينهق، والكلب يهوش، فلما كانت هذه
الأشياء آيلة إلى القطع أطلق عليها القطع.

١٧٠
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٢٢)
والثاني: أنها منسوخة بحديث: ((لا يقطع الصلاة شيء، وادرؤوا ما استطعتم))، وصلى
الشارع وبينه وبين القبلة عائشة، رضي الله تعالى عنها، وكان الأتان ترتع بين يديه ولم ينكره
أحد، لكن النسخ لا يصار إليه إلاَّ بأمور منها التاريخ، وأنى به؟ وذهب ابن عباس وعطاء إلى
أن المرأة التي تقطع الصلاة إنما هي الحائض، ورد بأنه جاء في روايات هذا الحديث، قال
شعبة: ((وأحسبها قالت: وأنا حائض)). قال: فإن قلت: ورد في الحديث: ((يقطع الصلاة
اليهودي والنصراني والمجوسي والخنزير))؟ قلت: هذا حديث ضعيف.
الرابع: أن العمل اليسير في الصلاة غير قادح.
الخامس: جواز الصلاة إلى النائم، وكرهه بعضهم واحتجوا بحديث ابن عباس أنه
عَّ له قال: لا تصلوا خلف النائم ولا المتحدث)). قلت: قال أبو داود: روى هذا الحديث
من غير وجه عن محمد بن كعب، كلها واهية، وهذا أمثلها وهو أيضاً ضعيف، وصرح به
الخطابي، وغيره؛ ((وكان ابن عمر لا يصلي خلف رجل يتكلم إلاَّ يوم الجمعة)). رواه أبو
داود بسند منقطع، وفي (مراسيله) بسند ضعيف: ((نهى النبي عَّ ◌ُلٍ أن يتحدث الرجلان
وبينهما أحد يصلي))، وفي (كامل ابن عدي) بسند واهٍ عن ابن عمر: ((نهى رسول الله عَ لَّه
أن يصلي الإنسان إلى نائم أو متحدث)). وفي (الأوسط) للطبراني. من حديث أبي هريرة
بإسناد ضعيف مرفوعاً: ((نهيت أن أصلي خلف النائم والمتحدثين)). وفي (كتاب الصلاة)
لأبي نعيم: حدّثنا سفيان عن ابن إسحاق عن معدي كرب عن عبد الله، قال: ((لا يصلي بين
يدي قوم يمترون)). وعن سعيد بن جبير: ((إذا كانوا يذكرون الله فلا بأس)). وفي رواية: ((كره
سعيد أن يصلى وبين يديه متحدث))، وضرب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، رجلين
أحدهما يستقبل الآخر وهو يصلي.
السادس: قال بعضهم: وقد استدل بقولها: غمزني، على أن لمس المرأة لا ينقض
الوضوء، وتعقب باحتمال الحائل أو بالخصوصية، قلت: هذا القائل أخذ بعض هذا من
الكرماني، فإنه قال: فإن قلت: هل هو دليل على أن لمس المرأة لا ينتقض الوضوء؟ قلت: لا
لاحتمال أن يكون بينهما حائل من ثوب ونحوه، بل هو الظاهر من حال النائم. قلت: هذا
غير موجه، قال ابن بطال: الأصل في الرجل أن يكون بغير حائل عرفاً. وكذلك اليد، وقول
الشافعي: كان غمزه إياها على ثوب فيه بعد. وقوله: أو بالخصوصية، غير صحيح، لأن النبي
عَ طِّ في هذا المقام في مقام التشريع لا الخصوصية، إذ من المعلوم أن الله عصمه في جميع
أفعاله وأقواله، وأيضاً مجرد دعوى الخصوصية بلا دليل باطل، فإذا كان الأمر كذلك قام لنا
الدليل من الحديث أن لمس المرأة غير ناقض للوضوء، والعناد بعد ذلك مكابرة.
السابع: فيه جواز الصلاة على الفراش، وعقد البخاري الباب المذكور لذلك، وفي
(التلويح): واختلف في الصلاة على الفراش وشبهه، فعند أبي حنيفة والشافعي: يصلي على
البساط والطنفسة. وحكى ابن أبي شيبة ذلك عن أبي الدرداء بلفظ: ((ما أبالي لو صليت على
ست طنافس بعضها فوق بعض)). قال: وصلى ابن عباس على مسح وعلى طنفسة قد طبقت

١٧١
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٢٢)
البيت صلاة المغرب، وفعله أبو وائل وعمر بن الخطاب وعطاء وسعيد بن جبير، وقال
الحسن: لا بأس بالصلاة على الطنفسة. وصلى قيس بن عباد على لبد دابته، وكذلك قرة
الهمداني، وصلى على المسح عمر بن عبد العزيز وجابر بن عبد الله، وعلي بن أبي طالب
وأبو الدرداء وعبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنهم، وقال مالك: البساط الصوف والشعر
وشبهه إذا وضع المصلي جبهته ويديه على الأرض فلا أرى بالقيام عليها بأساً، كأنه يريد ما
ذكره ابن أبي شيبة عن جرير عن مغيرة عن إبراهيم عن الأسود وأصحابه أنهم كانوا يكرهون
أن يصلوا على الطنافس والفرا والمسوح، وقال ابن أبي شيبة: حدّثنا ابن علية عن يونس عن
الحسن أنه كان يصلي على طنفسة وقدماه وركبتاه عليها ويديه وجبهته على الأرض أو
بردي، وعن ابن سيرين وابن المسيب وقتادة: الصلاة على الطنفسة محدث، وكره الصلاة
على غير الأرض عروة بن الزبير وجابر بن زيد وابن مسعود، ونهى أبو بكر عن الصلاة على
البرادع، وقال أبو نعيم في (كتاب الصلاة) تأليفه: حدّثنا زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام
عن عكرمة عن ابن عباس: ((أن النبي ◌َّ صلى على بساط))، وحدّثنا زمعة عن عمرو بن
دينار عن كريب عن أبي معبد عن ابن عباس، قال: ((قد صلى رسول الله عَّه، على بساط)).
٤٩ / ٣٨٣ - حدّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قال حدّثنا الليْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ قال
أخبرني عُزْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ أن رسولَ الله عَُّلِّ كان يُصَلِّي وَهْيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ عَلَى
فِرَاشِ أَهْلِهِ اعْتِرَاضَ الجَنَازَةِ. [انظر الحديث ٣٨٢ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم ستة: بكير، بضم الباء والليث: هو ابن سعد، وعقيل، بضم العين:
ابن خالد بن عقيل، بفتح العين، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري، وعروة بن الزبير
ابن العوام.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: الإخبار بصيغة
الإفراد في موضع، وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابية.
وفيه: أن رواته ما بين مصري ومدني.
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع عن هشام
بن عروة عن أبيه عن عائشة: ((كان النبي عَّ له: يصلي صلاته كلها من الليل وأنا معترضة بينه
وبين القبلة على فراش أهله اعتراض الجنازة)). وفي لفظ: ((وسط السرير وأنا مضطجعة بينه
وبين القبلة تكون لي الحاجة فأكره أن أقوم فأستقبله، فأنسل انسلالاً من قبل رجليه)). وفي
لفظ: ((وأنا حذاءه وأنا حائض)). وربما قالت: ((أصابني ثوبه إذا سجد)). وفي لفظ: ((علي مرط
وعليه بعضه)). وأخرجه أبو داود عن أحمد بن يونس عن زهير بن معاوية عن هاشم بن عروة
عن أبيه عن عائشة: ((أن رسول الله عَ ليه كان يصلي صلاة من الليل وهي معترضة بينه وبين
القبلة راقدة على الفراش الذي يرقد عليه، حتى إذا أراد أن يوتر أيقظها فأوترت)). وفي لفظ:

١٧٢
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٢٢)
((فإذا أراد أن يسجد ضرب رجلي فقبضتهما)). وفي لفظ: ((فإذا أراد أن يوتر قال؛ تنحي)).
وأخرجه ابن ماجه أيضاً من حديث الزهري عن عروة به.
ذكر معناه: قوله: ((وهي بينه وبين القبلة)) أي: والحال أن عائشة بين النبي عَّه وبين
موضع سجوده. قوله: ((اعتراض الجنازة))، كلام إضافي منصوب بنزع الخافض، أي:
كاعتراض الجنازة، وهو في الحقيقة صفة لمصدر محذوف تقديره، وهي معترضة بينه وبين
القبلة اعتراضاً كاعتراض الجنازة. والمراد: أنها تكون نائمة بين يديه من جهة يمينه إلى جهة
شماله، كما تكون الجنازة بين يدي المصلي. والجنازة، بكسر الجيم - وهو اختيار ثعلب في
(فصيحه)، وحكى في (نوادره) عن أبي زيد: الجنازة، مكسورة الجيم ولا تفتح، وكذا ذكره
أبو علي أحمد بن جعفر الدينوري في كتابه (إصلاح المنطق)، وحكى المطرزي عن
الأصمعي: الجنازة والجنازة لغتان بمعنى واحد، وكذا قاله كراع في (المنتخب) وقال ابن
الأعرابي: الجنازة النعش، والجنازة الميت. وفي (الصحاح): العامة تقول: الجنازة، بالفتح
والمعنى: الميت على السرير، وفي (شرح الفصيح) لابن علي أحمد بن محمد بن الحسن
المرزوقي: الجنازة اسم المتوفي في الأصل. وقال بعضهم، بفتح الجيم في المتوفى، وقال
الخليل: الجنازة بكسر الجيم: السرير، يعني سرير الميت. وقال أبو جعفر: لا يقال للميت
جنازة حتى يكون على نعش، ولا يقال للنعش جنازة حتى يكون عليها ميت. وفي
(المحكم): جنز الشيء يجنزه جنزاً: ستره، وقال ابن دريد عن قوم: إن اشتقاق الجنازة من
ذلك، قال: ولا أدري ما صحته، وقد قيل: هو نبطي.
٣٨٤/٥٠ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قال حدّثنا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ عَنْ عِرَاكِ عَنْ
عُرْوَةَ أَنَّ النَّبِيِّ عَِّ كانَ يُصَلِّي وعائِشَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِئْلَةِ على الفِرَاشِ الَّذِي يَنَامانِ
عَلَيْهِ. [انظر الحديث ٣٨٢، وأطرافه].
هذا مرسل لكنه محمول على أن عروة سمع ذلك عن عائشة، يدل على ذلك الرواية
التي قبل هذه، وكذا ذكر هذا مرسلاً الإسماعيلي وأبو نعيم والحميدي وأصحاب الأطراف،
وفائدة ذكر البخاري إياه التنبيه على تقييد الفراش بكونه: الذي ينامان عليه، بخلاف الرواية
السابقة، فإن فيها على فراش أهله، وهو أعم من أن يكون هو الذي ناما عليه أو غيره، كذا
قال بعضهم. قلت: ليس فيه زيادة فائدة لأن مقصود البخاري بيان جواز الصلاة على الفراش
مطلقاً وليس المراد تقييده بكونه الذي ينامان عليه أو غيره، وإنما النكتة في إيراده الإشعار بأن
هذا الحدیث روي مسنداً ومرسلاً.
ذكر رجاله: وهم: عبد الله بن يوسف التنيسي، والليث بن سعد، ويزيد بن أبي
حبيب، وعراك بن مالك، وعروة بن الزبير بن العوام.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في ثلاثة
مواضع. وفيه: أن رواته ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، وهم: يزيد وعراك وعروة.

١٧٣
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٢٣)
وفيه: أن رواته ما بين مصري ومدني.
وبقية الكلام عرفت فيما مضى.
٢٣ _ بابُ السُّجُودِ عَلى الثَّوْبِ في شِدَّةِ الحَرِّ
أي: هذا باب في بيان سجود المصلي على طرف ثوبه مثل كمه وذيله لأجل شدة
الحر، ولفظ: الحر، ليس بقيد، لأن حكم البرد كذلك. وإنما ذكر موافقة للفظ الحديث.
والمناسبة بين البابين ظاهرة.
وقال الحَسَنُ كانَ القَوْمُ يَسْجُدُونَ عَلى العِمَامَةِ وَالقَلَنْسَوَةِ وَيَدَاهُ فِي كُمِّهِ.
مطابقة هذا الأثر للترجمة غير ظاهرة إلاَّ بالتعسف، لأن الترجمة في السجود على
الثوب، وهذا لا يطلق على العمامة، ولا على القلنسوة، ولكن كان هذا الباب والأبواب الثلاثة
التي قبله في السجود على غير وجه الأرض، بل كان على شيء هو على الأرض، وهو أعم
من أن يكون حصيراً أو خمرة أو فراشاً أو عمامة أو قلنسوة أو نحو ذلك، فبهذه الحيثية
تدخل العمامة والقلنسوة في الباب؛ والحسن هو: البصري، وأراد بالقوم الصحابة، والقلسنوة:
غشاء مبطن تلبس على الرأس. قاله القزاز في (شرح الفصيح) وعن ابن خالويه: العرب تسمي
القلنسوة برنساً. وفي (التلخيص) لأبي هلال العسكري: البرنس: القلنسوة الواسعة التي تغطى
بها العمائم، تستر من الشمس والمطر. وفي (المحكم): هي من ملابس الرؤوس معروف.
وقال ابن هشام في (شرحه): هي التي تقول لها العامة الشاشية، وذكر ثعلب في (فصيحه) لغة
أخرى وهي: القليسية، بضم القاف وفتح اللام وسكون الياء وكسر السين وفتح الياء وفي
آخره هاه، وفي (المحكم): وعندي أن قليسية ليست بلغة، وإنما هي مصغرة، وفي (شرح
الغريب) لابن سيده: وهي قلنساة وقلساة، وجمعها: قلانس وقلاسي وقلنس وقلونس، ثم
يجمع على: قلنس، وفيه قلب حيث جعل الواو قبل النون، وعن يونس: أهل الحجاز يقولون:
قلنسية، وتميم يقولون: قلنسوة. وفي (شرح المرزوقي): قلنست الشيء إذا غطيته.
قوله: ((ويداه في كمه))، هكذا في رواية الأكثرين. وفي رواية الكشميهني: ((ويديه في
كمه))، وجه الأول أن: يداه، كلام إضافي مبتدأ، وقوله: في كمه، خبره والجملة حال،
والتقدير: ويدا كل واحد في كمه، فلأجل ذلك قال: ويداه في كمه، وذلك لأن المقام
يقتضي أن يقال: وأيديهم في أكمامهم، ووجه الثاني: أن: يديه، منصوب بفعل مقدر تقديره:
ويجعل كل واحد يديه في كمه، وهذا التعليق وصله ابن أبي شيبة في (مصنفه) عن أبي
أسامة عن هشام عن الحسن قال: ((إن أصحاب النبي عَّم كانوا يسجدون وأيديهم في
ثيابهم، ويسجد الرجل منهم على قلنسوته وعمامته)).
وأخرجه أيضاً عبد الرزاق في مصنفه عن هشام بن حسان عن الحسن نحوه. وأخرج
ابن أبي شيبة عن هشيم عن يونس: ((عن الحسن أنه كان يسجد في طيلسانه)). وأخرجه عن
محمد بن عدي: ((عن حميد: رأيت الحسن يلبس أنبجانيا في الشتاء ويصلي فيه ولا يخرج

١٧٤
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٢٣)
يديه)). وكان عبد الرحمن بن زيد يسجد على كور عمامته، وكذلك الحسن وسعيد بن
المسيب وبكر بن عبد الله، ومكحول والزهري وعبد الله بن أبي أوفى وعبد الرحمن بن يزيد،
وكان عبادة بن الصامت وعلي بن أبي طالب وابن عمر وأبو عبيدة وإبراهيم النخعي وابن
سيرين وميمون بن مهران وعروة بن الزبير وعمر بن عبد العزيز وجعدة بن هبيرة يكرهون
السجود على العمامة، وذكر محمد بن أسلم الطوسي في كتابه (تعظيم قدر الصلاة): عن
خلاد بن يحيى عن عبد الله بن المحرز عن يزيد بن الأصم عن أبي هريرة: ((أن النبي عَ لّم.
سجد على كور عمامته)). قال ابن أسلم: هذا سند ضعيف.
٣٨٥/٥١ - حدّثنا أبُو الوَلِيدِ هِشَامُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ قال حدّثنا بِشْرُ بنُ المُفَضَّلِ قال
حدّثني غالِبُ القَطَّانُ عَنْ بَكْرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَنَس بنِ مالِكِ قال كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ عَلـ
فيضَعُ أحَدُنَا طَرَفَ الثَّوْبِ مِنْ شِدَّةِ الحَرِّ فِي مَكَانِ السُّجُودِ. [الحديث ٣٨٥ - طرفاه في:
٥٤٢، ١٢٠٨].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم خمسة، ذكروا، و: بشر، بكسر الباء الموحدة وسكون المعجمة: ابن
المفضل، بضم الميم وفتحّ الفاء وتشديد المعجمة المفتوحة: الرقاشي، بفتح الراء: العثماني،
كان يصلي كل يوم أربعمائة ركعة. وغالب، بالغين المعجمة وكسر اللام: ابن خطاف، بضم
الخاء المعجمة وبفتحها وتشديد الطاء المهملة: القطان، بالقاف.
ذكر لطائف إسناده وفيه: التحديث بصيغة الجمع في أبي الوليد، وفي بشر وبالإفراد
في غالب عند الأكثرين. وفيه: أن رواته كلهم بصريون. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه:
حكاية قول الصحابي عما يفعله، والنبي عَّهِ يشاهده ولا ينكره، فيكون تقريراً منه عَّ ته. فإن
قلت: كان أنس خلف النبي عَّه؟ قلت: ما كان يخفى عليه شيء من أحوال من كان خلفه
في الصلاة، لأنه عٍَّ قد كان يرى من خلفه كما يرى من قدامه، فيكون قول الصحابي،
كنا نفعل كذا من قبيل المرفوع، ولا سيما اتفق الشيخان على تخريج هذا الحديث في
صحیحیهما، وغيرهما كذلك.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري أيضاً في الصلاة عن مسدد،
وعن محمد بن مقاتل. وأخرجه مسلم فيه عن يحيى بن يحيى. وأخرجه أبو داود فيه عن
أحمد بن حنبل. وأخرجه الترمذي فيه عن أحمد بن محمد عن ابن المبارك، وأخرجه النسائي
عن سويد بن نصر عن ابن المبارك. وأخرجه ابن ماجه فيه عن إسحاق بن إبراهيم.
ذكر معناه قوله: ((فيضع أحدنا)) جملة معطوفة على قوله: ((كنا نصلي)). قوله: ((طرف
ثوبه))، كلام إضافي منصوب لأنه مفعول: يضع، وفي رواية مسلم وأبي داود: ((بسط ثوبه
فسجد عليه)). وفي رواية النسائي: ((كنا إذا صلينا خلف رسول الله عَّه بالظهائر سجدنا على
ثيابنا اتقاء الحر)). وعند ابن أبي شيبة: ((كنا نصلي مع النبي عَّله في شدة الحر والبرد
فيسجد على ثوبه)).

١٧٥
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٢٣)
ذكر ما يستنبط منه احتج به أبو حنيفة ومالك، وأحمد وإسحاق على جواز السجود على
الثوب في شدة الحر والبرد، وهو قول عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، رواه ابن أبي شيبة من
حديث إبراهيم قال: ((صلى عمر ذات يوم بالناس الجمعة في يوم شديد الحر، فطرح طرف ثوبه
بالأرض فجعل يسجد عليه، ثم قال: يا أيها الناس إذا وجد أحدكم الحر فليسجد على طرف ثوبه)).
ورواه زيد بن وهب عن عمر بنحوه، وأمر به إبراهيم أيضاً وعطاء، وفعله مجاهد. وقال الحسن: لا
بأس به، وحكاه ابن المنذر أيضاً عن الشعبي وطاوس والأوزاعي والنخعي والزهري ومكحول
ومسروق وشريح. وقال صاحب (التهذيب) من الشافعية: وبه قال أكثر العلماء، والحديث حجة على
الشافعي حيث لم يجوز ذلك. وقال النووي: حمله الشافعي على الثوب المنفصل، قلنا: لفظ: ثوبه،
دل على المتصل به من حيث اللفظ، وهو تعقيب السجود بالبسط، كما في رواية مسلم وأبي داود،
وكذا دل على المتصل به من خارج اللفظ، وهو قلة الثياب عندهم. فإن قلت: أيد البيهقي حمل
الشافعي على الثوب المنفصل بما رواه الإسماعيلي في هذا الحديث بلفظ: ((فيأخذ أحدنا الحصى
في يده فإذا برد وضعه وسجد عليه)). قال: فلو جاز السجود على شيء متصل به لما احتاجوا إلى
تبريد الحصى مع طول الأمر فيه.
قلت: ورد هذا باحتمال أن يكون الذي كان يبرد الحصى لم يكن في ثوبه فضلة يسجد
عليها مع بقاء سترة له. فإن قلت: احتج الشافعي بحديث خباب قال: ((شكونا إلى النبي عليه الصلاة
والسلام، حر الرمضاء في جباهنا فلم يشكنا)). أي: فلم يزل شكوانا، وبما روى عنه عَّ له أنه قال:
((ترب جبينك يا رباح)). قلت: حديث خباب ليس فيه ذكر الجباه والأكف في المسانيد
المشهورة، ثبت فهو محمول على التأخير الكثير حتى تبرد الرمضاء، وذلك يكون في أرض الحجاز
بعد العصر. ويقال: إنه منسوخ بقوله عَّهِ: ((أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم)). ويدل
عليه ما رواه عبد الله بن عبد الرحمن قال: ((جاءنا رسول الله عليه الصلاة والسلام، فصلى بنا في
مسجد بني عبد الأشهل، فرأيته واضعاً يديه في ثوبه إذا سجد)). رواه أحمد وابن ماجة. فإن قلت:
هذا محمول على الثوب المنفصل الذي لا يتحرك بحركته.
قلت: هذا بعيد لقوله: ((بسط ثوبه فسجد عليه)). إذ: الفاء، فيه للتعقيب. وكل حديث
احتج به الشافعي في هذا الباب فهو محتمل، وما احتج به غيره من الأئمة المذكورين فهو
محكم، فيحمل المحتمل على المحكم على أنه قد روي عن جماعة من الصحابة أنهم رووا
سجوده، عليه الصلاة والسلام، على كور عمامته. منهم: أبو هريرة، أخرج حديثه عبد الرزاق
في (مصنفه). وابن عباس، أخرج حديثه أبو نعيم في (الحلية). وعبد الله بن أبي أوفي، أخرج
حديثه الطبراني في (الأوسط)، وجابر أخرج حديثه ابن عدي في (الكامل). وأنس أخرج
حديثه ابن أبي حاتم في كتابه (العلل). وابن عمر أخرج حديثه الحافظ أبو القاسم تمام بن
محمد الرازي في (فوائده). فإن قلت: قال البيهقي في (المعرفة): أما ما روى أن النبي عَّه.
كان يسجد على كور عمامته فلا يثبت منه شيء. قلت: حديث ابن عمر وابن عباس وابن
أبي أوفى جياد، وما كان منه من الضعيف يشتد بالقوي، وقد مر الكلام فيه مستوفىّ في هذا

١٧٦
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٢٤)
الباب. وبما ذكرنا ههنا يحصل الجواب عما قاله الكرماني في هذا الباب من فرقه بين
المحمول المتحرك وغيره، والاستدلال بقوله عَّله: ((ترب وجهك))، وحديث الباب أيضاً يرد
ما ذكره من قوله: والقياس على سائر الأعضاء قياس بالفارق، وقياس في مقابلة النص.
قلنا: لا نسلم ذلك لأنا عملنا أولاً بالحديث الذي ورد في هذا الباب، وبالقياس أيضاً،
فهذا أقوى. وقوله: ثبت أنه عٍَّ كان يباشر الأرض بوجهه في سجوده، فنقول: باشر أيضاً
ثوبه في سجوده، كما مر، وبدليل ما لو سجد على البساط يجوز بالإجماع، فإن احتج بقوله
عَّهِ: ((مكن جبهتك وأنفك من الأرض))، فنقول بموجبه، وهو وجدان حجم الأرض حتى إذا
امتنع حجمها لا يجوز. وقال بعضهم: فيه - أي في حديث الباب - تقديم الظهر في أول
الوقت قلنا: ظاهر الأحاديث الواردة في الأمر بالإيراد بالظهر يعارضه، ودفعها إما بأن نقول: إن
التقديم رخصة والإيراد سنة، فإذا قلنا: أحاديث الأمر بالإيراد ناسخة لا يبقى تعارض. فافهم.
ومما يستنبط من الحديث المذكور أن العمل اليسير في الصلاة عفو، لأن وضع طرف
الثوب في موضع السجود، عمل. والله أعلم.
٢٤ _ بابُ الصَّلاَةِ في النعالِ
أي: هذا باب في بيان حكم الصلاة في النعال، أي: على النعال أو؛ بالنعال، لأن
الظرفية غير صحيحة.
والمناسبة بين البابين من حيث إن في الباب السابق تغطية الوجه بالثوب الذي يسجد
عليه، وفي هذا الباب تغطية بعض القدمين.
٣٨٦/٥٢ - حدّثنا آدَمُ بنُ أبي إيَاسٍ قال حدّثنا شُعْبَةُ قال أخبرنا أَبُو مَسْلَمَةَ سَعِيدُ بنُ
يَزِيدَ الأَزْدِيُّ قال سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مالِكٍ أكانَ النَّبِيُّ عَ لَّهِ يُصلِّي فِي نَعْلَيْهِ قال نعَمْ. [الحديث
٣٨٦ - طرفه في ٥٨٥٠].
مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم أربعة مر ذكرهم، وأبو مسلمة، بفتح الميم وسكون السين المهملة
وفتح اللام، وسعيد بالياء، ويزيد من الزيادة.
ذكر لطائف إسناده. فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: الإخبار بصيغة
الجمع في موضع واحد. وفيه: السؤال. وفيه: أن رواته ما بين عسقلاني وكوفي وبصري.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري أيضاً في اللباس عن سليمان بن
حرب عن حماد بن زيد. وأخرجه مسلم في الصلاة عن يحيى بن يحيى عن بشر بن المفضل
وعن أبي الربيع الزهراني عن عباد بن العوام. وأخرجه الترمذي فيه عن علي بن حجر عن
إسماعيل بن إبراهيم. وأخرجه النسائي فيه عن عمرو بن علي عن يزيد بن زريع وغسان بن
مضر.

١٧٧
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٢٥)
ذكر معناه واستنباط الحكم منه: قوله: ((أكان النبي عٍَّ)) استفهام على سبيل
الاستفسار. قوله: ((يصلي في نعليه؟)) أي: على نعليه، أو بنعليه، كما ذكرنا. والنعل: الحذاء
مؤنثة وتصغيرها: نعيلة، وقال ابن بطال: معنى هذا الحديث عند العلماء إذا لم يكن في
النعلين نجاسة فلا بأس بالصلاة فيهما، وإن كان فيهما نجاسة فليمسحهما ويصلى فيهما.
واختلفوا في تطهير النعال من النجاسات، فقالت طائفة: إذا وطىء القذر الرطب يجزيه ن
يمسحهما بالتراب ويصلي فيه. وقال مالك وأبو حنيفة: لا يجزيه أن يطهر الرطب إلا بالماء،
وإن كان يابساً أجزأه حكه. وقال الشافعي: لا يطهر النجاسات إلا الماء في الخف والنعل
وغيرهما. وقال ابن دقيق العيد: الصلاة في النعال من الرخص لا من المستحبات، لأن ذلك
لا يدخل في المعنى المطلوب من الصلاة.
قلت: كيف لا تكون من المستحبات بل ينبغي أن تكون من السنن، لأن أبا داود روى
في (سننه): حدّثنا قتيبة بن سعيد حدّثنا مروان ابن معاوية الفزاري عن هلال بن ميمون الرملي
عن يعلى بن شداد بن أوس عن أبيه، قال: قال رسول الله عَّ له: ((خالفوا اليهود فإنهم لا
يصلون في نعالهم ولا في خفافهم)». ورواه الحاكم أيضاً، فيكون مستحباً من جهة قصد
مخالفة اليهود، وليست بسنة لأن الصلاة في النعال ليست بمقصوده بالذات، وقد روى أبو
داود أيضاً من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: ((رأيت رسول الله عَ لَّه حافياً
ومتنعلاً))، وهذا يدل على الجواز من غير كراهة، وحكى الغزالي في (الإحياء) عن بعضهم أن
الصلاة فيه أفضل.
ومما يستنبط منه: جواز المشي في المسجد بالنعل.
٢٥ _ بابُ الصَّلاَةِ فِي الخِفَافِ
أي: هذا باب في بيان حكم الصلاة في الخفاف أي: بالخفاف. وهو جمع خف.
والمناسبة بين البابين ظاهرة.
٣٨٧/٥٣ - حدثنا آدَمُ قال حدّثنا شُعْبَةُ عَنه الأَعْمَشِ قال سَمِعْتُ إبرَاهِيمَ يُحَدِّثُ
عنْ هَمّامٍ بنُ الْحَارِثِ قال رَأَيْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بَالَ ثُمَ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلىِ خفَّيْهِ ثُمَّ قامَ
فَصَلَى فَشَئِلَ فَقَالَ رَأَيْتُ النبيَّ عَّهِ صَنَعَ مِثْلَ هذَا قال إِبْرَاهِيمُ فَكَانَ يُعْجِبُهُمْ لأَنَّ جَرِيراً كانَ
مِنْ آخِرٍ مَنْ أَسْلَمَ.
مطابقته للترجمة في قوله: ((ومسح على خفيه ثم قام فصلى)) لأنه عَ لّه صلى وهو
لابس خفيه، إذ لو نزعهما بعد الغسل لوجب غسل رجليه، ولو غسلهما لنقل في الحديث.
ذكر رجاله وهم ستة: آدم بن أبي إياس، وشعبة بن الحجاج، وسليمان الأعمش،
وإبراهيم بن يزيد النخعي، وهمام: على وزن فعال بالفتح والتشديد، كان من العباد مات في
زمن الحجاج، وجرير، بفتح الجيم: ابن عبد الله البجلي الصحابي، رضي الله تعالى عنه.
عمدة القاري / ج ٤ /م١٢

١٧٨
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٢٥)
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والتحديث بصيغة
الإفراد من المضارع. وفيه: السماع في موضع. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول
والرواية. وفيه: أن رواته ما بين بغدادي وكوفي. وفيه: ثلاثة من التابعين: الأعمش وإبراهيم،
وهمام يروي بعضهم عن بعض عن الصحابي (ذكره من أخرجه غيره) أخرجه مسلم في
الطهارة عن إسحاق بن إبراهيم وعلي بن خشرم وعن يحيى بن يحيى وإسحاق وأبي كريب
وعن أبي بكر بن أبي شيبة وعن ابن أبي شيبة وعن ابن أبي عمرو عن منجاب بن الحارث.
وأخرجه الترمذي فيه عن هناد عن وكيع. وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة، وفي الصلاة عن
محمد بن عبد الأعلى. وأخرجه ابن ماجه في الطهارة عن علي بن محمد، الكل عن
الأعمش عن إبراهيم به، ومعنى حديثهم واحد. وأخرجه أبو داود عن علي بن الحسين عن
عبد الله بن داود عن بكير بن عامر عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير: ((أن جريراً بال ثم توضأ
فمسح على خفيه، قال: ما يمنعني أن أمسح وقد رأيت رسول الله عَ لّه يمسح؟ قالوا: إنما كان
ذلك قبل نزول المائدة. قال: ما أسلمت إلا بعد نزول المائدة)). ورواه الطبراني في الأوسط
من حديث ربعي بن حراش عنه، قال: ((وضأت رسول الله عَّ فمسح على خفيه بعد ما
نزلت سورة المائدة)). ثم قال: لم يروه عن حماد بن أبي سليمان عن ربعي إلاّ ياسين الزيات،
تفرد به عبد الرزاق، وياسين متكلم فيه، وفي رواية له من حديث محمد بن سيرين عنه أنه
كان مع رسول الله عَ ليه في حجة الوداع فذهب النبي عليه الصلاة والسلام، يتبرز فرجع
فتوضأ ومسح على خفيه، ثم قال: لم يروه عن محمد بن سيرين إلاّ خالد الحذاء، ولا عن
خالد إلاّ حارث بن شريح، تفرد به سنان بن فروخ.
ذكر معناه: قوله: ((ثم قام فصلى))، ظاهره أنه صلى في خفيه كما ذكرناه الآن. قوله:
((فسئل))، على صيغة المجهول أي: سئل جرير عن المسح على الخفين والصلاة فيهما، وقد
بين الطبراني في حديثه من طريق جعفر بن الحارث عن الأعمش أن السائل له عن ذلك هو
همام بن الحارث المذكور، وله من طريق زائدة عن الأعمش، فعاب عليه ذلك رجل من
القوم. قوله: ((مثل هذا)) أي: من المسح على خفيه والصلاة فيهما. قوله: ((قال إبراهيم)) أي:
المذكور، وهو النخعي. قوله: ((فكان)) أي: فكان حديث جرير يعجبهم، أي: يعجب القوم
لأنه من جملة الذين أسلموا في آخر حياة رسول الله عَ لَّه، وقد أسلم في السنة التي توفي
فيها رسول الله عَّه، وفي رواية مسلم من طريق أبي معاوية عن الأعمش: كان يعجبهم هذا
الحديث، ومن طريق عيسى بن يونس، فكان أصحاب عبد الله بن مسعود يعجبهم. قوله:
((من آخر من أسلم))، وفي رواية مسلم: ((لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة)) ..
وفي رواية أبي داود: ((إنما كان ذلك ... )) أي: مسح النبي عليه الصلاة والسلام، على
الخفين بعد نزول المائدة. فقال جرير: ما أسلمت إلا بعد نزول المائدة، وقد ذكرناه عن
قريب. وفي رواية الترمذي، من طريق شهر بن حوشب: ((قال: رأيت جرير بن عبد الله ... ))
فذكر نحو حديث الباب، قال: ((فقلت له: أقبل المائدة أم بعدها؟ قال: ما أسلمت إلا بعد

١٧٩
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٢٥)
المائدة)). قال الترمذي: هذا حديث مفسر، لأن بعض من أنكر المسح على الخفين تأول أن
مسح النبي عَّم على الخفين كان قبل نزول آية الوضوء التي في المائدة، فيكون منسوخاً:
فذكر جرير في حديثه أنه رآه يمسح بعد نزول المائدة، فكان أصحاب ابن مسعود يعجبهم
حديث جرير لأن فيه رداً على أصحاب التأويل المذكور. قلت: قال الله تعالى في سورة
المائدة: ﴿فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق﴾ [النساء: ٤٣، والمائدة: ٦] الآية، فلو
كان إسلام جرير متقدماً على نزول المائدة لاحتمل كون حديثه في مسح الخف منسوخاً بآية
المائدة، فلما كان إسلامه متأخراً علمنا أن حديثه يعمل به، وهو مبين أن المراد بآية المائدة
غير صاحب الخف، فتكون السنة مخصصة للآية. وفي (سنن البيهقي): عن إبراهيم بن أدهم
رضي الله عنه، قال: ما سمعت في المسح على الخفين أحسن من حديث جرير رضي الله
عنه، وقد ورد مؤرخاً بحجة الوداع في حديث الطبراني كما ذكرناه.
واعلم أنه وردت في المسح على الخفين عدة أحاديث تبلغ التواتر على رأي كثير من
العلماء. قال الميموني: عن أحمد: فيها سبعة وثلاثون صحابياً. وفي رواية الحسن بن محمد
عنه: أربعون، كذا قاله البزار في (مسنده). وقال ابن أبي حاتم: أحد وأربعون صحابياً. وفي
(الأشراف) عن الحسن: حدثني به سبعون صحابياً. وقال ابن عبد البر: مسح على الخفين
سائر أهل بدر والحديبية، وغيرهم من المهاجرين والأنصار وسائر الصحابة والتابعين وفقهاء
الأمصار وعامة أهل العلم والأثر، ولا ينكره إلاّ مخذول مبتدع خارج عن جماعة المسلمين.
وفي (البدائع): المسح على الخفين جائز عند عامة الفقهاء وعامة الصحابة إلاَّ ما روي عن
ابن عباس: إنه لا يجوز، وهو قول الرافضة. ثم قال: روي عن الحسن البصري أنه قال:
أدركت سبعين بدرياً من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كلهم يرون المسح على الخفين،
ولهذا رآه أبو حنيفة من شرائط السنة والجماعة، فقال: منها أن تفضل الشيخين، وتحب
الختنين، وترى المسح على الخفين، وأن لا تحرم نبيذ الجر - يعني المثلث. وروي عنه أنه
قال: ما قلت بالمسح حتى جاء مثل ضوء النهار، فكان الجحود رداً على كبار الصحابة،
ونسبته إياهم إلى الخطأ فكان بدعة، ولهذا قال الكرخي: أخاف الكفر على من لا يرى
المسح على الخفين.
ذكر ما يستنبط منه: فيه: جواز البول بمشهد الرجل وإن كانت السنة الاستتار عنه.
وفيه: المسح على الخفين جائز، وقد مر الكلام فيه مستوفىّ في باب المسح على الخفين.
وفيه: الإعجاب ببقاء حكم من الأحكام، وهو يدل على عدم النسخ، وقال ابن بطال: وهذا
الباب كالباب الذي قبله في أن الخف لو كان فيه قذر فحكمه حكم النعل.
٣٨٨/٥٤ - حدّثنا إشْحَاقَ بنُ نَصْرٍ قال حدّثنا أبو أسامةَ عنِ الأَعْمَشِ عِنْ مُسْلِم
عنْ مَشْرُوقٍ عَنِ الْمِغِيرَةِ بنِ شِعْبَةً قال وضأْتُ النبيَّ عَُّلِّ فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ وَصَلَّى. [انظرْ
الحديث ١٨٢ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة.

١٨٠
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٢٦)
ذكر رجاله وهم ستة: إسحاق بن نصر هو إسحاق بن إبراهيم بن نصر، ينسب إلى
جده، وأبو أسامة حماد، والأعمش سليمان، ومسلم بن صبيح بضم الصاد ويكنى أبا الضحى،
مشهرو باسمه وكنيته. وقال الكرماني: ومسلم إما المشهور بالبطين، وإما ابن صبيح أبي
الضحى، لكن الظاهر الأول. قلت: كل واحد منهما يروي عن مسروق، والأعمش ويروي عن
كل واحد منهما، وليس دعوى الظهور للأول بظاهر، بل الظهور الثاني وهو أبو الضحى نص
عليه المزي في (الأطراف) في رواية مسلم، ومسروق على وزن مفعول هو ابن الأجدع.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في أربعة
مواضع. وفيه: القول والحكاية عن الفعل. وفيه: أن رجال إسناده كلهم كوفيون. وفيه: ثلاثة
من التابعين. وهم: الأعمش ومسلم ومسروق، يروي بعضهم عن بعض عن الصحابي.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري ههنا عن إسحاق بن نصر مختصراً،
وأخرجه في الجهاد أيضاً عن موسى بن إسماعيل، وفي اللباس عن قيس بن حفص، وفي الصلاة عن
يحيى عن أبي معاوية. وأخرجه مسلم في الطهارة عن أبي بكر وأبي كريب وعن إسحاق بن إبراهيم
وعن علي بن خشرم. وأخرجه النسائي فيه عن علي بن خشرم به، وفي الزينة عن أحمد بن حرب.
وأخرجه ابن ماجة في الطهارة عن هشام بن عمار عن عيسى به.
وبقية الكلام مرت عن قريب، وفي كتاب الوضوء أيضاً.
٢٦ - بابٌ إذَا لَمْ يُتِمِ السُّجُودَ
أي: هذا باب في حكم المصلي إذا لم يتم سجوده في صلاته، يعني أنه: لا يجوز
لترتب الوعيد الشديد في حقه. هذا الباب، والباب الذي يليه لم يقعا ههنا أصلاً عند
المستملي، لأن محلهما في أبواب صفة الوضوء، وإنما وقعا عند الأصيلي، ولكن قبل باب
الصلاة في النعال، وقال بعضهم: إعادة هاتين الترجمتين هنا، وفي باب السجود، الحمل فيه
عندي على النساخ بدليل سلامة رواية المستملي من ذلك وهو أحفظهم. قلت: تكرار هذا
الباب وإعادته له وجه، لأن عادته التكرار عند وجود الفائدة، وهي موجودة فيه لأنه ترجم هنا
بقوله: ((باب إذا لم يتم السجود))، وهناك ترجم بقوله: ((باب إذا لم يتم الركوع)). وشيخه
هنا: الصلت ابن محمد يروي عن مهدي عن واصل عن أبي وائل عن حذيفة أنه رأى
رجلاً ... وهناك شيخه: حفص بن عمر عن شعبة عن سليمان، قال: سمعت زيد بن وهب،
قال: رأى حذيفة رجلاً. وفي بقية المتن أيضاً تغاير. وأما الباب الثاني فليس لذكره محل
ههنا، لأنه كما هو مذكور ههنا مذكور هناك، كذلك: ترجمةٌ ورواةً ومتناً.
فإن قلت: على ما ذكره الأصيلي: ما وجه المناسبة بين هذا الباب وبين باب السجود
على الثوب في شدة الحر؟ قلت: ظاهر، لأن كلاًّ منهما في حكم السجود.
٥٥/ ٣٨٩ - أخبرَنَا الصلْتُ بنُ مُحَمَّدٍ أخْبَرَنا مَهْدِيٍّ عنْ واصِلٍ عنْ أبي وائل عنْ
مُذَيْفَةَ أَنَّهُ رَأَى رَجُلاً لاَ يُتِمُ رُكُوعَهُ وَلا سُجُودَهُ فَلَمَا قَضَى صَلاَتَهُ قال لَهُ حُذَيْفَةُ مَا صَلَّيْتَ قال