Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٢) وسمعت أبي وغيره يحدثون نحواً من هذا. وأخرجه أحمد والطبراني أيضاً. قلت: أجاب الطحاوي عنه: بأن هذا الحديث على هذا الوجه غريب، لأن جماعة من أهل البيت رووه على غير هذا الوجه المذكور، وليس فيه. ذكر: كشف الفخذين، فحينئذٍ لا تثبت به الحجة. وقال أبو عمر: الحديث الذي رووه عن حفصة فيه اضطراب. وقال البيهقي: قال الشافعي: والذي رٍوي في قصة عثمان من كشف الفخذين مشكوك فيه. وقال الطبري في كتاب (تهذيب الآثار والأخبار): التي رويت عن النبي عَّله أنه دخل عليه أبو بكر وعمر وهو كاشف فخذه واهية الأسانيد لا يثبت بمثلها حجة في الدين، والأخبار الواردة بالأمر بتغطية الفخذ والنهي عن كشفها أخبار صحاح. وقول الطحاوي: لأن جماعة من أهل البيت رووه على غير هذا الوجه، حديث عائشة وعثمان أخرجه مسلم: حدّثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد، قال: حدّثنا أبي عن جدي، قال: حدّثنا عقيل بن خالد عن ابن شهاب: ((عن يحيى بن سعيد بن العاص أن سعيد بن العاص أخبره أن عائشة، زوج النبي عَِّ، وعثمان رضي الله تعالى عنه، حدثاه: أن أبا بكر استأذن على رسول الله عَ لّه وهو مضطجع على فراشه، لابس مرط عائشة، فأذن لأبي بكر وهو كذلك، فقضى إليه حاجته ثم انصرف، ثم استأذن عمر رضي الله تعالى عنه، فأذن له وهو على تلك الحالة، فقضى إليه حاجته ثم انصرف. قال عثمان: ثم استأذنت عليه فجلس وقال لعائشة: إجمعي عليك ثيابك، فقضيت إليه حاجتي ثم انصرفت، فقالت عائشة يا رسول الله! ما لي لم أرك، فزعت لأبي بكر وعمر كما فزعت لعثمان؟ قال رسول الله عَّه: ((إن عثمان رجل حيي، وإني خشيت: إن أذنت له على تلك الحالة أن لا يبلغ إلي في حاجته)). وأخرجه الطحاوي أيضاً، وقال: فهذا أصل هذا الحديث، ليس فيه ذكر كشف الفخذين أصلاً فإن قلت: قد روى مسلم أيضاً في (صحيحه) وأبو يعلى في (مسنده) والبيهقي في (سننه) هذا الحديث، وفيه ذكر كشف الفخذين. فقال مسلم: حدّثنا يحيى بن يحيى بن أيوب وقتيبة وابن حجر، قال يحيى بن يحيى: أخبرنا، وقال الآخرون: حدّثنا إسماعيل - يعنون ابن جعفر(١) - عن محمد بن أبي حرملة عن عطاء وسليمان ابني يسار وأبي سلمة بن عبد الرحمن أن عائشة قالت: ((كان رسول الله عَّه مضطجعاً في بيته كاشفاً عن فخذيه أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على تلك الحال، فتحدث ثم استأذن عمر فأذن له وهو كذلك، فتحدث ثم استأذن عثمان فجلس رسول الله وسوى ثيابه. قال محمد: ولا أقول ذلك في يوم واحد فدخل فتحدث، فلما خرج قالت عائشة: دخل أبو بكر فلم تهتش له، ثم دخل عمر فلم تهتش له ولم تباله، فلما دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك؟ فقال) ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة؟، قلت: لما أخرجه البيهقي قال. لا حجة فيه. وقال الشافعي: إن هذا مشكوك فيه لأن الراوي قال: ((فخذيه أو ساقيه))، فدل ذلك على ما قاله الطحاوي: إن أصل الحديث ليس فيه ذكر كشف الفخذين، وقال أبو عمر: هذا حديث مضطرب. (١) وفي نسخة: يعنون ابن حفص بدل ابن جعفر. ١٢٢ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٢) وقالَ أَبُو مُوسَى غَطَّى النَّبيُّ عَلَلِ رُكْبَتَيْهِ حِينَ دَخَلَ عُثْمَانُ. وجه مطابقة هذا للترجمة من حيث إن الركبة إذا كانت عورة فالفخذ بالطريق الأولى، لأنه أقرب إلى الفرج الذي هو عورة إجماعاً. وأبو موسى هو الأشعري، واسمه: عبد الله بن قيس، وهذا طرف حديث ذكره البخاري في مناقب عثمان من رواية عاصم الأحول: عن أبي عثمان النهدي عنه، وفيه: ((أن النبي عَِّ كان قاعداً في مكان فيه ماء قد انكشف عن ركبته، أو ركبتيه، فلما دخل عثمان غطاها)). وزعم الداودي الشارح: أن هذه الرواية المعلقة عن أبي موسى وهم، وأنها ليست من هذا الحديث، وقد أدخل بعض الرواة حديثاً في حديث: ((إنما أتى أبو بكر إلى رسول الله عَّله وهو في بيته منكشف فخذه، فلما استأذن عثمان غطى فخذه، فقيل له في ذلك، فقال: إن عثمان رجل حيي، فإن وجدني على تلك الحالة لم يبلغ حاجته)). قلت: الذي ذكرناه من رواية عاصم يرد عليه بيان ذلك أنا قد ذكرنا إن في حديث عائشة: ((كاشفاً عن فخذيه أو ساقيه))، وعند أحمد بلفظ: ((كاشفاً عن فخذه))، من غير شك، وعنده من حديث حفصة مثله، وقد ظهر من ذلك أن البخاري لم يدخل حديثاً في حديث، بل هما قضيتان متغايرتان، في إحداهما كشف الركبة، وفي الأخرى كشف الفخذ، وفي رواية أبي موسى التي علقها البخاري: ((كشف الركبة))، ورواية عائشة، ((في كشف الفخذ))، ووافقها حفصة ولم يذكر البخاري روايتهما، وإنما ذكر مسلم رواية عائشة كما ذكرنا، وقال الكرماني: الركبة لا تخلو إما أن تكون عورة أو لا؟ فإن كانت عورة فلم كشفها قبل دخول عثمان؟ وإن لم تكن فلِمَ غطاها عنه؟ قلت: الشق الثاني هو المختار، وأما التغطية فكانت للأدب والاستحياء منه. وقال ابن بطال. فإن قلت: فلِمَ غطى حين دخوله؟ قلت: قد بين عَُّلِّ معناه بقوله: ((أَلاَ أستحي ممن تستحي منه ملائكة السماء؟)) وإنما كان يصف كل واحد من الصحابة بما هو الغالب عليه من أخلاقه، وهو مشهور فيه، فلما كان الحياء الغالب على عثمان استحى منه، وذكر أن الملك يستحي منه فكانت المجازاة له من جنس فعله. وقالَ زَيْدُ بنُ ثابِتٍ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسولِهِ عَ لِّ وَفَخِذُهُ عَلى فَخِذِي فَتَقُلَتْ عَلَيَّ حَتَّى خِفْتُ أنْ تُرضَّ فَخذِي. هذا أيضاً تعليق وطرف من حديث وصله البخاري في تفسير سورة النساء في نزول قوله تعالى: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾ [النساء: ٩٥] الآية حدّثنا إسماعيل بن عبد الله حدثني إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب حدثني سهل بن سعد الساعدي ... الحديث. وفيه: ((فأنزل الله على رسوله وفخذه على فخذي ... )) إلى آخره، وأخرجه أيضاً في الجهاد عن عبد العزيز بن عبد الله. وأخرجه الترمذي في التفسير عن عبد بن حميد، وقال: حسن صحيح، وأخرجه النسائي في الجهاد عن محمد بن يحيى وعن محمد بن عبد الله. قوله: ((ما أنزل الله على رسوله)) أي قوله تعالى: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾ [النساء: ٩٥]. قوله: ((وفخذه على فخذي)) جملة إسمية حالية. قوله: ((أن ١٢٣ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٢) ترض))، بضم التاء المثناة من فوق وفتح الراء: على صيغة المجهول، ويجوز أن يكون على صيغة المعلوم أيضاً من الرض، وهو: الدق. وكل شيء كسرته فقد رضضته، وإيراد البخاري هذا الحديث ههنا ليس له وجه، لأنه لا يدل على أن الفخذ عورة، ولا يدل أيضاً على أنه ليس بعورة، فأي شق مال إليه لا يدل عليه على أنه مال إلى أن الفخذ عورة، حيث قال: وحديث جرهد أحوط. نعم، لو كان فيه التصريح بعدم الحائل لدل على أنه ليس بعورة، إذ لو كان عورة في هذه الحالة لما مكن النبي عَّ فخذه على فخذ زيد، وقال بعضهم: والظاهر أن المصنف تمسك بالأصل. قلت: لم يبين ما مراده من الأصل، فعلى كل حال لا يدل الحديث على مراده صريحاً. ٣٧١/٣٧ - حدّثنا يَعْقُوبُ بنُ إِبْرَاهِيمَ قالَ حدّثنا إِسْمَاعِيلُ بنُ عُلَيَّةَ قالَ حدّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ صُهَيْبٍ عنْ أَنَسٍ أَنَّ رسولَ الله عَلَِّ غَزَا خَيْبَرَ فَصَلَّيْنَا عِنْدَها صَلاَةَ الغَدَاة بِغَلَسٍ فَرَكِبَ نَبِيُّ اللَّهِ عَ لَّه وَرَكِبَ أَبُو طَلحَةَ وَأَنَا رَدِيفُ أَبِي طَلْحَةَ فَأَجْرَي نَبِيُّ اللهِ عَّ ◌ُلّهِ فِي زقاقٍ خَيْبَرَ وإنَّ رُكْبَتِي لَتَمَسُّ فَخِذَ نَبِيِّ اللَّهِ عَّهِ ثُمَّ حَسَرَ الإِزَارَ عنْ فَخِذِهِ حَتَّى إِنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضٍ فَخِذٍ نَبِيِّ الله عَّهِ فَلَمَّا دَخَلَ القَرْيَةَ قالَ اللَّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خِيْبَرُ إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرِينَ قَالَهَا ثَلاثَاً قال وَخَرَجَ القَوْمُ إلَى أَعْمَالِهِمْ فَقَالُوا مُحَمَّدٌ قَالَ عَبْدُ العَزِيزِ وقال بَعْضُ أصْحَابِنا وَالْخَمِيسُ يَعْنِي الْجَيْشَ قال فأصَبْنَاها عَنْوَةً فَجُمِعَ السَّبْيُ فَجَاءَ دِخْيَةُ فقال يا نَبِيَّ اللَّهِ أعْطِنِي جارِيَةً مِنَ السَّبْي قالَ اذْهَبْ فَخُذْ جَارِيَةً فَأخَذَ صَفِيَة بِنْتَ حُبَيٍّ فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ عَّهِ فَقالَ يا نَبِيَّ اللَّهِ أَعْطَيْتَ دِخْيَةَ صَفِيَّةً بِنْتَ حُبَيٍّ سَيَّدَةَ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ لاَ تَصْلُحُ إِلاَّ لَكَ قالَ ادْعُوهُ بِهَا فَجَاءَ بِهَا فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا النبيُّ عَِّ قَالَ خذْ جَارِيَةً مِنَ السَّبْي غَيْرَهَا قالَ فَأَعْتَقَهَا النبيُّ عَّ ◌ُلَّهِ وَتَزْوَّجَهَا فَقَال لَهُ ثابِتٌ يا أَبَا حَمْزَةَ ما أَصْدَقَها قال نَفْسَها أَعْتَقَها وَتَزَوَّجُها حَتَّى إِذَا كانَ بالطَّرِيقِ جَهَّزَتْها لهُ أُمُّ سُلَيْمٍ فَأَهْدَتْها لَهُ مِنَ اللَّيْلِ فَأصْبحَ النبيُّ عَ ل. عَرُوساً فقالَ منْ كانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَلْيَجِيءٍ بِهِ وَبَسَطَ نِطَعاً فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالتَّعْرِ وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالسَّمْنِ قالَ وَأَحْسِبُهُ قد ذَكَرَ السَّوِيقَ قَالَ فَحَاسُوا حَيْساً فكانَتْ وَلِيمَةَ رَسولِ اللَّهِ عَ طِّ. [الحديث ٣٧١ - أطرافه في: ٦١٠، ٩٤٧، ٢٢٢٨، ٢٢٣٥، ٢٨٨٩، ٢٨٩٣، ٢٩٤٣، ٢٩٤٤، ٢٩٤٥، ٢٩٩١، ٣٠٨٥، ٣٠٨٦، ٣٣٦٧، ٣٦٤٧، ٤٠٨٣، ٤٠٨٤، ٤١٩٧، ٤١٩٨، ٤١٩٩، ٤٢٠٠، ٤٢٠١، ٤٢١١، ٤٢١٢، ٤٢١٣، ٥٠٨٥، ٥١٥٩، ٥١٦٩، ٥٣٨٧، ٥٤٢٥، ٥٥٢٨، ٥٩٦٨، ٦١٨٥، ٦٣٦٣، ٦٣٦٩، ٧٣٣٣]. هذا وصل الحديث الذي علقة فيما قبل قريباً، وهو قوله: ((وقال أنس: حسر النبي عَّ له عن فخذه)) فإن قلت: ما كانت فائدة هذا التعليق بذكر قطعة من هذا الحديث المتصل قبل أن يذكر الحديث بكماله؟ قلت: يحتمل أنه أراد به الإشارة إلى ما ذهب إليه أنس من أن الفخذ ليس بعورة، فلهذا ذكره بعد ذكر ما ذهب إليه ابن عباس وجرهد ومحمد بن جحش: أنه عورة. ذكر رجاله وهم أربعة. الأول: يعقوب بن إبراهيم الدورقي. الثاني: إسماعيل بن علية، ١٢٤ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٢) بضم العين المهملة وفتح اللام وتشديد الياء آخر الحروف. الثالث: عبد العزيز بن صهيب البناني البصري الأعمي. الرابع: أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه. ذكر لطائف إسناده :. هذا الإسناد بعينه تقدم في باب حب الرسول من الإيمان. وفيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في موضع واحد. وفيه: من هو مشهور باسم أمه وهو إسماعيل ابن إبراهيم بن سهم بن مقسم البصري أبو بشر الأسدي، أسد خزيمة مولاهم، المعروف بابن علية، وهي أمه، مات سنة ثلاث وتسعين ومائة. وفيه: أن رواته ما بين كوفي وبصري وأصل الدورقي من الكوفة وليس هو من بلد دورق، وإنما كان يلبس قلنسوة دورقية فنسب إليها. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرج البخاري حديث: ((أعتق صفية وجعل عتقها صداقها)) في النكاح عن قتيبة من حديث ثابت وشعيب بن الحجاب، كلاهما عن أنس به وعن مسدد عن ثابت وعبد العزيز، كلاهما عن أنس به في حدیث خيبر، وحديث الباب أخرجه مسلم أيضاً في النكاح، وفي المغازي عن زهير بن حرب وأخرجه أبو داود في الخراج عن يعقوب بن إبراهيم وأخرجه النسائي في النكاح، وفي الوليمة عن زياد بن أيوب، وفي التفسير عن إسحاق بن إبراهيم. ذكر معانيه وإعرابه: قوله: ((غزا خيبر))، يعني غزا بلدة تسمى خيبر، وخيبر بلغة اليهود: حصن، وقيل: أول ما سكن فيها رجل من بني إسرائيل يسمى خيبر فسميت به، وهي بلد عترة في جهة الشمال والشرق من المدينة النبوية على ستة مراحل، وكان لها نخيل كثير، وكانت في صدر الإسلام داراً لبني قريظة والنضير، وكانت غزوة خيبر في جمادى الأولى سنة سبع من الهجرة، قاله ابن سعد. وقال ابن إسحاق: أقام رسول الله عَ لآه، بعد رجوعه من الحديبية ذا الحجة وبعض المحرم، وخرج في بقيته غازياً إلى خيبر، ولم يبق من السنة السادسة إِلاَّ شهر وأيام، وهو غير منصرف العلمية والتأنيث. قوله: ((بغلس))، بفتح الغين واللام: وهو ظلمة آخر الليل. قوله: ((فركب نبي الله)) أي: ركب مركوبه، وعن أنس بن مالك، قال: ((كان رسول الله عٍَّ، يوم قريظة والنضير على حمر، ويوم خيبر عل حمار مخطوم برسن ليف وتحته إكاف من ليف)). رواه البيهقي والترمذي وقال: وهو ضعيف، وقال ابن كثير: والذي ثبت في (الصحيح) عند البخاري عن أنس: ((أن رسول الله عَّه، أجري في زقاق خيبر حتى انحسر الإزار عن فخذه)). فالظاهر أنه كان يومئذٍ على فرس لا على حمار، ولعل هذا الحديث، إن كان صحيحاً، فهو محمول على أنه ركبه في بعض الأيام وهو محاصرها. قوله: ((وركب أبو طلحة)) هو: زيد بن سهل الأنصاري، شهد العقبة والمشاهد كلها وهو أحد النقباء، روي له اثنان وتسعون حديثاً، روى له البخاري منها ثلاثة، مات سنة اثنتين أو أربع وثلاثين بالمدينة أو بالشام أو في البحر، وكان أنس ربيبه. قوله: ((وأنا رديف أبي طلحة))، جملة إسمية وقعت حالاً. قوله: ((فأجرى))، على وزن أفعل، من الإجراء، وفاعله النبي عَّ ◌ُلّه، والمفعول محذوف أي: أجرى مركوبه. قوله: ((في زقاق خيبر))، بضم الزاي ١٢٥ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٢) وبالقافين: وهو السكة، يذكر ويؤنث، والجمع: أزقة. وزقان، بضم الزاي وتشديد القاف وبالنون. وفي (الصحاح): قال الأخفش: أهل الحجاز يؤنثون الطريق والصراط والسبيل والسوق والزقاق، وبنو تميم يذكرون هذا كله، والجمع: الزقان. والأزقة، مثل: حوار وحوران وأحورة. قوله: ((عن فخذه)) يتعلق بقوله: ((حسر)) على صيغة المجهول، والدليل على صحة هذا ما وقع في رواية أحمد في (مسنده) من رواية إسماعيل بن علية: ((فانحسر))، وكذا وقع في رواية مسلم، وكذا رواه الطبري عن يعقوب بن إبراهيم شيخ البخاري في هذا الموضع، وروى الإسماعيلي هذا الحديث عن يعقوب بن إبراهيم، ولفظه: ((فأجرى نبي الله عَّهِ، في زقاق خيبر إذ خر الإزار))، ولا شك أن الخرور هنا بمعنى الوقوع، فيكون لازماً، وكذلك الانحسار في رواية مسلم، وهذا هو الأصوب، لأنه عٍَّ لم يكشف إزاره، عن فخذه قصداً، وإنما انكشف عن فخذه لأجل الزحام، أو كان ذلك من قوة إجرائه عَّ ◌ُلّه، وقال بعضهم: الصواب أنه عند البخاري بفتحتين يعني؛ أن حَسَر، على صيغة الفاعل، ثم استدل عليه بقول أنس في أوائل الباب: ((حسر النبي عَّلّ عن فخذه)) قلت: اللائق بحاله الكريمة أن لا ينسب إليه كشف فخذه قصداً مع ثبوت قوله عَّلَّهِ: ((الفخذ عورة))، على ما تقدم، وقال هذا القائل أيضاً: لا يلزم من وقوعه كذلك في رواية مسلم أن لا يقع عند البخاري على خلافه. قلت: منع الملازمة ممنوع، ولئن سلمنا فيحتمل أن أنساً لما رأى فخذ رسول الله عَِّ مكشوفاً ظن أنه عَّله كشفه، فأسند الفعل إليه، وفي نفس الأمر لم يكن ذلك إلاَّ من أجل الزحام أو من قوة الجري على ما ذكرناه. وقال الكرماني: وفي بعضها، أي: وفي بعضٍ النسخ أو في بعض الرواية: على فخذه، أي: الإزار الكائن على فخذه، فلا يتعلق بحسر، إلاّ أن يقال: حروف الجر يقام بعضها مقام بعض. قلت: إن صحت هذه الرواية يكون متعلق: على، محذوفاً كما قاله، لأنه حينئذٍ لا يجوز أن يتعلق: على، بقوله: ((حسر)) لفساد المعنى، ويجوز أن تكون: على، بمعنى: من، كما في قوله تعالى: ﴿إذا اكتالوا على الناس﴾ [المطففين: ٢] أي: من الناس، لأن: على، تأتي لتسعة معان، منها أن تكون بمعنى: من. قوله: ((حتى أني أنظر))، وفي رواية الكشميهني: ((حتى أني لأنظر))، بزيادة لام التأكيد. قوله: ((فلما دخل القرية)) أي: خيبر، وهذا مشعر بأن ذلك الزقاق كان خراج القرية. قوله: ((خربت خيبر)) أي: صارت خراباً، وهل ذلك على سبيل الخبرية؟ فيكون ذلك من باب الإخبار بالغيب؟ أو يكون ذلك على جهة الدعاء عليهم؟ أو على جهة التفاؤل لما رآهم خرجوا بمساحيهم ومكاتلهم؟ وذلك من آلات الحراث. ويجوز أن يكون أخذ من اسمها، وقيل: إن الله أعلمه بذلك. قوله: ((بساحة قوم)) قال الجوهري: ساحة الدار ناحيتها، والجمع: ساحات وسوح وساح، أيضاً مثل: بدنة وبدن، وخشبة وخشب. قلت: على هذا أصل: ساحة سوحة، قلبت الواو ألفاً لتحركها، وانفتاح ما قبلها، وأصل الساحة الفضاء بين المنازل، ويطلق على: الناحية والجهة والبناء. قوله: ((وخرج القوم إلى أعمالهم)). قال الكرماني: أي: مواضع أعمالهم. قلت: بل معناه خرج القوم لأعمالهم التي كانوا يعملونها، وكلمة: إلى، تأتي بمعنى: ١٢٦ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٢) اللام. قوله: ((فقالوا: محمد)) أي: جاء محمد، وارتفاعه على أنه فاعل لفعل محذوف، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا محمد. قوله: ((قال عبد العزيز)) وهو: عبد العزيز بن صهيب، وهو أحد رواة الحديث عن أنس. قوله: ((وقال بعض أصحابنا)) أشار بهذا إلى أنه لم يسمع هذه اللفظة من أنس، وإنما سمعه من بعض أصحابه عنه، وهذه رواية عن المجهول، إذ لم يعين هذا البعض من هو، وقال بعضهم، يحتمل أن يكون بعض أصحاب عبد العزيز محمد بن سيرين لأن البخاري أخرج من طريقه أيضاً، أو يكون ثابتاً البناني، لأن مسلماً أخرجه من طريقه أيضاً. قلت: يحتمل أن يكون غيرهما، فعلى كل حال لا يخرج عن الجهالة، والحاصل أن عبد العزيز قال: سمعت من أنس، قالوا: جاء محمد. فقط، وقال بعض أصحابه: قالوا محمد والخميس، ثم فسر عبد العزيز: الخميس، بقوله: يعني الجيش، ويجوز أن يكون التفسير ممن دونه، وعلى كل حال هو مدرج. قوله: ((والخميس))، بفتح الخاء، وسمي الجيش خميساً لأنه خمسة أقسام: مقدمة وساقة وقلب وجناحان، ويقال: ميمنة وميسرة وقلب وجناحان، وقال ابن سيده: لأنه يخمس ما وجده، وقال الأزهري(١): الخمس إنما ثبت بالشرع، وكانت الجاهلية يسمونه بذلك، ولم يكنوا يعرفون الخمس. ثم ارتفاع: الخميس، بكونه عطفاً على؛ محمد، ويجوز أن تكون: الواو، فيه بمعنى: مع، علىّ معنى: جاء محمد مع الجيش. قوله: ((عنوة)) بفتح العين وهو القهر، يقال: أخذته عنوة أي: قهراً. وقيل: أخذته عنوة، أي: عن غير طاعة. وقال ثعلب: أخذت الشيء عنوة أي: قهراً في عنف، وأخذته عنوة أي: صلحاً في رفق. وقال ابن التين: ويجوز أن يكون عن تسليم من أهلها وطاعة بلا قتال، ونقله عن القزاز في (جامعه): قلت: فحيئذٍ يكون هذا اللفظ من الأضداد. وقال أبو عمر: الصحيح في أرض خيبر كلها عنوة، وقال المنذري: اختلفوا في فتح خيبر كانت عنوة أو صلحاً؟ أو جلاء أهلها عنها بغير قتال؟ أو بعضها صلحاً وبعضها عنوةً وبعضها جلاء أهلها عنها؟ قال: وهذا هو الصحيح، وبهذا أيضاً يندفع التضاد بين الآثار. قوله: ((فجاء دحية))، بفتح الدال وكسرها: ابن خليفة بن فروة الكلبي، وكان أجمل الناس وجهاً، وكان جبريل عليه الصلاة والسلام، يأتي رسول الله عَ ليه في صورته وتقدم ذكره مستوفىّ، في قصة هرقل. قوله: ((فقال: اذهب))، ويروى: قال، بدون: الفاء. قوله: ((فخذ جارية))، وقال الكرماني: فإن قلت: كيف جاز للرسول عَ لَّه إعطاؤها لدحية قبل القسمة؟ قلت: صفي المغنم لرسول الله عَّله، فله أن يعطيه لمن شاء عَّ الله. قلت: هذا غير مقنع، لأنه عَّ قال له ذلك قبل أن يعين الصفي، وههنا أجوبة جيدة. الأول: يجوز أن يكون أذن له في أخذ الجارية على سبيل التنفيل له، إما من أصل الغنيمة أو من خمس الخمس، سواء كان قبل التمييز أو بعده. الثاني: يجوز أن يكون أذن له على أنه يحسب من الخمس إذا ميز. الثالث: يجوز أن (١) وفي نسخة بدل الأزهري؛ (الجوهري). - ١٢٧ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٢) يكون أذن له ليقوّم عليه بعد ذلك ويحسب من سهمه. قوله: ((فأخذ صفية بنت حييٍ))، بفتح الصاد المهملة، وحيي، بضم الحاء المهملة وكسرها وفتح الياء الأولى المخففة وتشديد الثانية: ابن أخطب بن سعية، بفتح السين المهملة وسكون العين المهملة وفتح الياء آخر الحروف: ابن سفلة بن ثعلبة، وهي من بنات هارون عليه الصلاة والسلام، وأمها برة بنت سموءل. قال الواقدي: ماتت في خلافة معاوية سنة خمسين. وقال غيره: ماتت في خلافة علي رضي الله تعالى عنه. سنة ست وثلاثين، ودفنت بالبقيع، وكانت تحت كنانة بن أبي الحقيق؛ بضم الحاء المهملة وفتح القاف الأولى: قتل يوم خيبر. قوله: ((فجاء رجل))، مجهول لم يعرف. قوله: ((قريظة))، بضم القاف وفتح الراء وسكون الياء آخر الحروف وبالظاء المعجمة. ((والنضير))، بفتح النون وكسر الضاد المعجمة، وهما قبيلتان عظيمتان من يهود خيبر، وقد دخلوا في العرب على نسبهم إلى هارون عليه الصلاة والسلام. قوله: ((خذ جارية من السبي غيرها)) أي: غير صفية. وقال الكرماني. فإن قلت: لما وهبها من دحية فكيف رجع عنها؟ قلت: إما لأنه لم يتم عقد الهبة بعد وإما لأنه أبو المؤمنين، وللوالد أن يرجع عن هبة الولد، وإما لأنه اشتراها منه. قلت: أجاب بثلاثة أجوبة: الأول: فيه نظر لأنه لم يجر عقد هبته حتى يقال: إنه رجع عنها، وإنما كان إعطاؤها إياه بوجه من الوجوه التي ذكرناها عن قريب. الثاني: فيه نظر أيضاً، لأنه لا يمشي ما ذكره في مذهب غيره. الثالث: ذكر أنه اشتراها منه، أي: من دحية، ولم يجر بينهما عقد بيع أولاً، فكيف اشتراها منه بعد ذلك؟ فإن قلت: وقع في رواية مسلم: أن النبي عَّله، اشترى صفية منه بسبعة أرؤس. قلت: إطلاق الشراء على ذلك على سبيل المجاز، لأنه لما أخذها منه على الوجه الذي نذكره الآن، وعوضه عنها بسبعة أرؤس على سبيل التكرم والفضل، أطلق الراوي الشراء عليه لوجود معنى المبادلة فيه، وأما وجه الأخذ فهو أنه لما قيل له: إنها لا تصلح له من حيث إنها من بيت النبوة، فإنها من ولد هارون أخي موسى عليهما الصلاة والسلام، ومن بيت الرياسة، فإنها من بيت سيد قريظة والنضير، مع ما كانت عليه من الجمال الباعث على كثرة النكاح المؤدية إلى كثرة النسل، وإلى جمال الولد لا للشهوة النفسانية، فإنه عّ ل معصوم منها. وعن المازري: يحمل ما جرى مع دحية على وجهين: أحدهما: أن يكون رد الجارية برضاه، وأذن له في غيرها. الثاني: أنه إنما أذن له في جارية من حشو السبي لا في أخذ أفضلهن، ولما رأى أنه أخذ أنفسهن وأجودهن نسباً وشرفاً وجمالاً استرجعها لئلا يتميز دحية بها على باقي الجيش، مع أن فيهم من هو أفضل منه، فقطع هذه المفاسد وعوضه عنها. وفي (سير) الواقدي: أنه عَّ أعطاه أخت كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وكان كنانة زوج صفية، فكأنه عَِّ طيب خاطره لما استرجع منه صفية بأن أعطاه أخت زوجها. وقال القاضي: الأولى عندي أن صفية كانت فيئاً لأنها كانت زوجة كنانة بن الربيع، وهو وأهله من بني الحقيق كانوا صالحوا رسول الله عَّه، وشرط عليهم أن لا يكتموا كنزاً، فإن كتموه فلا ذمة لهم، وسألهم عن كنز حي بن أخطب فكتموه، فقالوا: أذهبته النفقات، ثم عثر عليه عندهم، فانتقض عهدهم فسباهم، وصفية من سبيهم، فهي في لا يخمس بل يفعل فيه الإمام ١٢٨ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٢) ما رأى. قلت: هذا تفريع على مذهبه: أن الفيء لا يخمس، ومذهب غيره أنه يخمس. قوله: ((فأعتقها)) أي: فأعتق النبي عَ لّ صفية، وسنذكر تحقيقه في الأحكام. قوله: ((فقال له ثابت)) أي: قال لأنس رضي الله تعالى عنه، ثابت البناني: ((يا با حمزة)). أصله، يا أبا حمزة، حذفت الألف تخفيفاً. قوله: ((وأبو حمزة)) كنية أنس. قوله: ((أم سليم))، بضم السين المهملة، وهي: أم أنس. قوله: ((حتى إذا كان بالطريق)) جاء في (الصحيح): ((فخرج بها حتى إذا بلغنا سد الروحاء))، و: السد، بفتح السين وضمها، وهو جبل الروحاء، وهي قرية جامعة من عمل الفرع المزينة على نحو أربعين ميلاً من المدينة أو نحوها، و: الروحاء، بفتح الراء وبالحاء المهملة ممدود. وفي رواية: ((أقام عليها بطريق خيبر ثلاثة أيام حين أعرس بها، وكانت فيمن ضرب عليها الحجاب)). وفي رواية: ((أقام بين خيير والمدينة ثلاثة أيام، فبنى بصفية)). قوله: ((فأهدتها)) أي: أهدت أم سليم صفية لرسول الله عَ لّهِ، ومعناه: زفتها. وقال الكرماني: وفي بعضها: فهدتها، له، وقيل: هذا هو الصواب. وقال الجوهري: الهداء مصدر قولك أهديت أنا المرأة إلى زوجها هداء. قوله: ((عروساً)) على وزن، فعول، يستوي فيه الرجل والمرأة ما داما في إعراسهما. يقال: رجل عروس وامرأة عروس، وجمع الرجل: عروس، وجمع المرأة: عرائش. وفي المثل: كاد العروس أن يكون ملكاً. والعروس. اسم حصن باليمن، وقول العامة: العروس للمرأة، والعريس للرجل ليس له أصل. قوله: ((من كان عنده شيء فليجىء به)): كذا هو في البخاري. قال النووي: وهو رواية، وفي بعضها: ((فليجئني به))، بنون الوقاية. قوله: ((نطعاً)) بكسر النون وفتح الطاء، وعن أبي عبيد: هو الذي اختاره ثعلب في (الفصيح) وفي (المخصص): فيه أربع لغات: نطع، بفتح النون وسكون الطاء، ونطع؛ بفتحتين، ونطع، بكسر النون وفتح الطاء، و: نطع، بكسر النون وسكون الطاء. وجمعه: أنطاع ونطوع، وزاد في (المحكم): أنطع. وقال أبو عمرو الشيباني في (نوادره): النطع: هو المبناة والستارة. وقال ابن قتيبة: المبناة والمبناة: النطع. قوله: ((قال: وأحسبه قد ذكر السويق)) أي: قال عبد العزيز بن صهيب: أحسب أنساً ذكر السويق أيضاً، وجزم عبد الوارث في روايته بذكر السويق. وقال الكرماني: أي قال: وجعل الرجل يجيء بالسويق، ويحتمل أن يكون فاعل: قال، هو البخاري. ويكون مقولاً للفربري، ومفعول: أحسب، يعقوب، والأول هو الظاهر. قوله: ((فحاسوا حيساً)) الحيس، بفتح الحاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره سين مهملة: هو تمر يخلط بسمن وأقط، يقال: حاس الحيس يحيسه أي: يخلطه. وقال ابن سيده: الحيس هو الأقط يخلط بالسمن والتمر، وحاسه حيساً وحيسة: خلطه. قال الشاعر: وإذا يحاس الحيس يدعى جندب وإذا تكون كريهة يدعى لها قال الجوهري: الحيس: الخلط، ومنه سمي الحيس، وفي (المخصص) قال الشاعر: الحيس إلاَّ أنه لم يختلط التمر والسمن جميعاً والأقط وفي (الغريبين): هو ثريد من أخلاط. قال الفارسي في (مجمع الغرائب): الله أعلم ١٢٩ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٢) بصحته. قوله: ((فكانت وليمة رسول الله عَ ليه) اسم: كانت، الضمير الذي فيه يرجع إلى الأشياء الثلاثة التي اتخذ منها الحيس. قوله: ((وليمة النبي عَّه)) بالنصب: خبره. ذكر الأحكام التي تستنبط منه منها: جواز إطلاق صلاة الغداة على صلاة الصبح، خلافاً لمن كرهه من بعض الشافعية. ومنها: جواز الإرداف إذا كانت الدابة مطيقة، وفيه غير ما حديث. ومنها: استحباب التكبير والذكر عند الحرب، وهو موافق لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً﴾ [الأنفال: ٤٥] ومنها: استحباب التثليث في التكبير لقوله: ((قالها ثلاثاً) أي ثلاث مرات. ومنها: أن فيه دلالة على أن الفخذ ليس بعورة، وقد ذكرنا الجواب عنه. ومنها: أن إجراء الفرس يجوز ولا يضر بمراتب الكبار، لا سيما عند الحاجة أو لرياضة الدابة أو لتدريب النفس على القتال. ومنها: استحباب عتق السيد أمته وتزوجها، وقد صح أن له أجرين كما جاء في حديث أبي موسى، وسيأتي، إن شاء الله تعالى. وقال ابن حزم: اتفق ثابت وقتادة وعبد العزيز بن صهيب عن أنس أنه عَ له: عتق صفية وجعل عتقها صداقها، وبه قال قتادة في رواية، وأخذ بظاهره أحمد والحسن وابن المسيب، ولا يحل لها مهر غيره، وتبعهم ابن حزم فقال: هو سنة فاضلة ونكاح صحيح وصداق صحيح، فإن طلقها قبل الدخول فهي حرة فلا يرجع عليها بشيء، ولو أبت أن تتزوجه بطل عتقها. وفي هذا خلاف متأخر ومتقدم. قال الطحاوي: حدّثنا محمد بن خزيمة، قال: حدّثنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدّثنا أبان وحماد ابن زيد، قال: حدّثنا شعيب بن الحبحاب عن أنس بن مالك: ((أن رسول الله عَ لَّه أعتق صفية وجعل عتقها صداقها)). وأخرجه مسلم، وأخرجه الترمذي، وأبو داود، والنسائي. ثم قال الطحاوي: فذهب قوم إلى أن الرجل إذا أعتق أمته على أن عتقها صداقها جاز ذلك، فإن تزوجت فلا مهر لها غير العتاق. قلت: أراد بهؤلاء القوم: سعيد بن المسيب والحسن البصري وإبراهيم النخعي وعامر الشعبي والأوزاعي ومحمد بن مسلم الزهري وعطاء بن أبي رباح وقتادة وطاوساً والحسن بن حيي وأحمد وإسحاق فإنهم قالوا: إذا أعتق الرجل أمته على أن يكون عتقها صداقها جاز ذلك، فإذا عقد عليها لا تستحق عليه مهراً غير ذلك العتاق، وممن قال بذلك: سفيان الثوري وأبو يوسف ويعقوب بن إبراهيم، وذكر الترمذي أنه مذهب الشافعي أيضاً. وقال عياض: وقال الشافعي: هي بالخيار إذا أعتقها، فإن امتنعت من تزوجه فله عليها قيمتها إن لم يمكن الرجوع فيها، وهذه لا يمكن الرجوع فيها، وإن تزوجت بالقيمة الواجبة له عليها صح بذلك عنده. وفي (الأحكام) لابن بزيزة، في هذه المسألة: اختلف سلف الصحابة، وكان ابن عمر لا يراه، وقد روينا جوازه عن علي وأنس وابن مسعود، وروينا عن ابن سيرين أنه استحب أن يجعل مع عتقها شيئاً ما كان، وصح كراهة ذلك أيضاً عن الحسن البصري وجابر بن زيد والنخعي. وقال النخعي: كانوا يكرهون أن يعتق الرجل جاريته لله ثم يتزوجها، وجعلوه كالراكب بدنته. وقال الليث بن سعد وابن شبرمة وجابر بن زيد وأبو حنيفة ومحمد وزفر ومالك: ليس لأحد غير رسول الله عَّهِ أن يفعل هذا فيتم له النكاح بغير صداق، وإنما كان ذلك لرسول الله عَ لقر خاصة، لأن الله تعالى لما جعل له أن يتزوج بغير صداق كان له أن عمدة القاري /ج٤ /م٩ ١٣٠ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٢) يتزوج على العتاق الذي ليس بصداق. ثم إن فعل هذا وقع العتاق، ولها عليه مهر المثل، فإن أبت أن تتزوجه تسعى له في قيمتها عند أبي حنيفة ومحمد، وقال مالك وزفر: لا شيء له عليها. وفي (الأحكام) لابن بزيزة: وقال الشافعي وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن: إن كرهت نكاحه غرمت له قيمتها ومضى النكاح، فإن كانت معسرة استسعيت في ذلك. وقال مالك وزفر: إن كرهت فهي حرة ولا شيء له عليها إلاَّ أن يقول: لا أعتق إلاَّ على هذا الشرط، فإن كرهت لم تعتق لأنه من باب الشرط والمشروط، ثم إن الطحاوي استدل على الخصوصية بقوله تعالى: ﴿وامرأة مؤمنة إن وهبت﴾ [الأحزاب: ٥٠] الآية وجه الاستدلال أن الله تعالى لما أباح لنبيه عَّ له أن يتزوج بغير صداق كان له أن يتزوج على العتاق الذي ليس بصداق، ومما يؤيد ذلك أن النبي عَ لم أخذ جويرية بنت الحارث في غزوة بني المصطلق فأعتقها وتزوجها. وجعل عتقها صداقها، رواه الطحاوي من حديث ابن عمر، ثم روي عن عائشة كيف كان عتاقه عد اله جويرية التي تزوجها عليه وجعله صداقها. قالت: لما أصاب رسول الله عَ ◌ّم سبايا بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث في سهم ثابت بن قيس بن شماسٍ، أو لابن عم له، فكاتبت على نفسها. قالت: وكانت امرأة حلوة ملاحة لا يكاد يراها أحد إلاَّ أخذت بنفسه، فأتت رسول الله ◌َ له لتستعينه في كتابتها، فوالله ما هي إلاَّ أن رأيتها على باب الحجرة، وعرفت أنه سيرى منها مثل ما رأيت، فقالت: يا رسول الله أنا جويرية. بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه، وقد أصابني من الأمر ما لم يخف عليك، فوقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس، أو ابن عم له، فكاتبته، فجئت رسول الله عَّ لم أستعينه على كتابتي. فقال: فهل لك في خير من ذلك؟ قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال أقضي عنك كتابتك وأتزوجك؟ قالت: نعم. قال: فقد فعلت. وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله عَ ليه تزوج جويرية بنت الحارث، فقالوا: صهر رسول الله عَ لَّه، فأرسلوا ما في أيديهم. قالت: فلقد أعتق بتزويجه إياها مائة من أهل بيت من بني المصطلق، فلا نعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها. ورواه أيضاً أبو داود، وفيه أيضاً حكم يختص بالنبي عَّهِ دون غيره، وهو أن يؤدي كتابة مكاتبة غيره لتعتق بذلك، ويكون عتقه مهرها لتكون زوجته، فهذا لا يجوز لأحد غير النبي عَّهِ، وهذا إذا كان جائزاً للنبي عَ له. فجعله عتق الذي تولى عتقه هو مهراً لمن أعتقه أولى وأحرى أن يجوز. وقال البيهقي: قال القاضي البرني: قال لي يحيى بن أكتم: هذا كان للنبي عَّه خاصة، وكذا روي عن الشافعي أنه حمله على التخصيص، وموضع التخصيص أنه أعتقها مطلقاً ثم تزوجها على غير مهر. قوله: ((حلوة))، بالضم من: الحلاوة. قوله: ((ملاحة))، بضم الميم وتشديد اللام، معناه: شديدة الملاحة، وهو من أبنية المبالغة. وقال الزمخشري: وكانت امرأة ملاحة، بتخفيف اللام، أي: ذات ملاحة، وفعال مبالغة في فعيل، نحو كريم وكرام، وكبير وكبار، وفعال بالتشديد أبلغ منه، وقد ناقش ابن حزم في هذا الموضع مناقشة عظيمة، وخلاصة ما ذكره أنه قال: دعوى الخصوصية بالنبي عَّمه في هذا الموضع كذب، والأحاديث التي ذكرت ههنا غير صحيحة، وقد ردينا عليه في جميع ذلك في شرحنا (لمعاني الآثار) للطحاوي، فمن أراد ١٣١ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٣) الوقوف عليه فعليه بالمراجعة إليه. ومنها: أن الزفاف في الليل، وقد جاء أنه عَ لِّ دخل عليها نهاراً ففيه جواز الأمرين. ومنها: أن فيه دلالة على مطلوبية الوليمة للعرس، وأنها بعد الدخول، وقال الثوري: ويجوز قبله وبعده، والمشهور عندنا أنها سنة، وقيل: واجبة، وعندنا إجابة الدعوة سنة سواء كانت وليمة أو غيرها، وبه قال أحمد ومالك في رواية. وقال الشافعي: إجابة وليمة العرس واجبة، وغيرها مستحبة، وبه قال مالك في رواية، والوليمة: عبارة عن الطعام المتخذ للعرس، مشتقة من: الولم، وهو الجمع، لأن الزوجين يجتمعان فتكون الوليمة خاصة بطعام العرس، لأنه طعام الزفاف، والوكيرة: طعام البناء، والخرس طعام الولادة، وما تطعمه النفساء نفسها خرسة، والإعذار طعام الختان، والنقيعة طعام القادم من سفره، وكل طعام صنع لدعوة مأدبة ومأدبة جميعاً، والدعوة الخاصة: التقري، والعامة: الجفلى والأجفلى. ومنها: أن فيه إدلال الكبير لأصحابه وطلب طعامهم. في نحو هذا، ويستجب لأصحاب الزوج وجيرانه مساعدته في الوليمة بطعام من عندهم. ومنها: أن فيه الوليمة تحصل بأي طعام كان، ولا تتوقف على شاة، والسنة تقوم بغير لحم، والله سبحانه وتعالى أعلم. ١٣ - بابٌ في كَمْ تصَلِّي المَرأةُ مِنَ الثُّيابِ باب منون خبر مبتدأ محذوف أي: هذا باب، ولفظ: كم، لها الصدارة سواء كانت استفهامية أو خبرية، ولم تبطل صدارتها ههنا لأن الجار والمجرور في حكم كلمة واحدة، ومميز: كم، محذوف تقديره: كم ثوباً. وقالَ ◌ِكْرَمَةُ لَوْ وَارَتْ جَسَدَها في ثَوْبٍ لأَجَرْتُهُ. عكرمة: هذا هو مولى ابن عباس، أحد فقهاء مكة، هذا التعليق وصله عبد الرزاق ولفظه: ((لو أخذت المرأة ثوباً فتقنعت به حتى لا يرى من جسدها شيء أجزأ عنها))، وروى ابن أبي شيبة حدّثنا أبو أسامة عن الجريري عن عكرمة، قال: ((تصلي المرأة في درع وخمار خصيف))، وحدّثنا أبان بن صمعة عن عكرمة عن ابن عباس، قال: ((لا بأس بالصلاة في القميص الواحد إذا كان صفيقاً) وذكر عن ميمونة أنها صلت في درع وخمار، ومن طريق أخرى صحيحة أنها صلت في درع واحد فضلاً، وقد وضعت بعض كمها على رأسها، ومن طريق مكحول عن عائشة، وعلي: تصلي في درع سابغ وخمار، وكذا روي عن أم سلمة من طريق أم محمد بن زيد بن مهاجر بن قنفذ، ومن حديث ليث عن مجاهد: لا تصلي المرأة في أقل من أربعة أثواب، وعن الحكم: في درع وخمار وعن حماد درع وملحفة تغطي رأسها. قوله: ((لو وارت)) أي: سترت وغطت جاز، وفي رواية الكشميهني: (لأجزأته))، بفتح لام التأكيد وسكون الجيم من الإجزاء. ٣٧٢/٣٨ - حدّثنا أَبُو الْيَمَان قالَ أخبرنا شُعَيْبٌ عن الزُّهْرِيِّ قالَ أخْبرنِي عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ قالَتْ لَقَدْ كانَ رسولُ اللَّهِ عَ لَّهِ يُصَلِّي الفجْرَ فَيَشْهَدُ مَعَهُ نِساءٌ مِنَ المُؤْمِنَاتِ مُتَلَفِّعاتٍ في مُرُوطِهِنَّ ثمَّ يَرْجِعْنَ إِلَى بُيُوتِهِنَّ ما يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ. ١٣٢ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٣) [الحديث ٣٧٢ - أطرافه في: ٥٧٨، ٨٦٧، ٨٧٢]. وجه مطابقة هذا الحديث للترجمة في قوله: ((متلفعات في مروطهن)) لأن المستفاد منه صلاتهن في مروط، والمرط ثوب واحد كما سنفسره عن قريب. ذكر رجاله: وهم خمسة: أبو اليمان الحكم بن نافع، وشعيب بن أبي حمزة، والزهري ابن محمد بن مسلم، وعروة بن الزبير وعائشة رضي الله عنها، والكل تقدموا. ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في موضع واحد والإخبار بصيغة الإفراد فى موضع واحد. وفيه: القول. وفيه: ان رواته ما بين حمصي ومدني. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابية. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الصلاة عن عبد الله ابن يوسف والقعنبي، وأخرجه مسلم فيه عن نصر بن علي وإسحاق بن موسى، كلاهما عن معن بن عيسى، ثلاثتهم عن مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرة به. وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي به. وأخرجه الترمذي فيه عن قتيبة عن مالك به، وعن إسحاق بن موسى به. وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة به. وأخرجه ابن ماجة من حديث عروة. ذكر معناه: قوله: ((لقد كان)) اللام فيه جواب قسم محذوف. قوله: ((تشهد)) أي: تحضر، والنساء من الجمع الذي لا واحد له من لفظه، وهو جمع امرأة. قوله: ((ملتفعات)) نصب على الحال من النساء من التلفع، بالفاء والعين المهملة، أي: ملتحفات، وروي بالفاء المكررة بدل العين، والأكثر على خلافه. قال الأصمعي: التلفع بالثوب أن يشتمل به حتى يجلل به جسده، وهو اشتمال الصماء عند العرب، لأنه لم يرفع جانباً منه فيكون فيه فرجة، وهو عند الفقهاء مثل الاضطباع، إلاَّ أنه في ثوب واحد وعن يعقوب: الدفاع: الثوب تلتفع به المرأة أي: تلتحف به فيغيبها، وعن كراع وهو الملفع أيضاً، وعن ابن دريد: اللفاع الملحفة أو الكساء، وقال أبو عمر: وهو الكساء، وعن صاحب (العين): تلفع بثوبه إذا اضطجع به، وتلفع الرجل بالشيب كأنه غطى سواد رأسه ولحيته. وفي (شرح الموطأ): التلفع أن يلقي الثوب على رأسه ثم يلتف به، لا يكون الالتفاع إلاَّ بتغطية الرأس، وقد أخطأ من قال الالتفاع مثل الاشتمال. وأما التلفف فيكون مع تغطية الرأس وكشفه، وفي (المحكم) الملفعة ما يلفع به من رداء أو لحاف أو قناع. وفي (المغيث): وقيل: الدفاع النطع، وقيل: الكساء الغليظ، وفي (الصحاح) لفع رأسه تلفيعاً أي: غطاه. قوله: ((في مروطهن)) المروط جمع مرط بكسر الميم، قال القزاز: المرط ملحفة يتزر بها. والجمع أمراط ومروط، وقيل: يكون المرط كساء من خز أو صوف أو كتان وفي (الصحاح): المرط بالكسر. وفي (المحكم) وقيل: هو الثوب الأخضر. وفي (مجمع الغرائب) أكسية من شعر أسود وعن الخليل، هي أكسية معلمة. وقال ابن الأعرابي: هو الإزار، وقال النضر بن شميل: لا يكون المرط إلاَّ درعاً، وهو من خز أخضر، ولا يسمى المرط إلا أخضر، ولا يلبسه النساء. وقال عبد الملك في (شرح الموطأ): هو كساء صوف ١٣٣ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٣) رقيق خفيف مربع، كن النساء في ذلك الزمان يتزرن به ويلتفعن. قوله: ((ما يعرفهن أحد)) وفي (سنن ابن ماجه): يعني من الغلس، وعند مسلم: ((ما يعرفن من الغلس. ثم عدم معرفتهن يحتمل أن يكون لبقاء ظلمة من الليل، أو لتغطيهن بالمروط غاية التغطي، وقيل: معنى ما يعرفهن أحد، يعني ما يعرف أعيانهن، وهذا بعيد، والأوجه فيه أن يقال: ما يعرفهن أحد، أي: أنساء هن أم رجال؟ وإنما يظهر للرائي الأشباح خاصة. ذكر ما يستنبط منه من الأحكام منها: هو الذي ترجم له، وهو أن المرأة إذا صلت في ثوب واحد بالالتفاع جازت صلاتها، لأنه استدل به على ذلك. فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون التفاعهن في مروطهن فوق ثياب أخرى، فلا يتم له الاستدلال به. قلت: الحديث ساكت عن هذا بحسب الظاهر، ولكن الأصل عدم الزيادة، واختياره يؤخذ في عادته من الآثار التي يترجم بها، وهذا الباب مختلف فيه. قال ابن بطال: اختلفوا في عدد ما تصلي فيه المرأة من الثياب، فقال مالك وأبو حنيفة والشافعي: تصلي في درع وخمار، وقال عطاء: في ثلاثة درع وإزار وخمار. وقال ابن سيرين. في أربعة، الثلاثة المذكورة، وملحفة. وقال ابن المنذر: عليها أن تستر جميع بدنها إلاّ وجهها وكفيها، سواء سترته بثوب واحد أو أكثر، ولا أحسب ما روي من المتقدمين من الأمر: بثلاثة أو أربعة، إلاَّ من طريق الاستحباب. وزعم أبو بكر بن عبد الرحمن أن كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها، وهي رواية عن أحمد. وقال مالك والشافعي: قدم المرأة عورة، فإن صلت وقدمها مكشوفة أعادت في الوقت عند مالك، وكذلك إذا صلت وشعرها مكشوف. وعند الشافعي تعيد أبداً. وقال أبو حنيفة والثوري: قدم المرأة ليست بعورة فإن صلت وقدمها مكشوفة صحت صلاتها. ولكن فيه روايتان عن أبي حنيفة. ومنها: أنه احتج به مالك والشافعي وأحمد وإسحاق أن الأفضل في صلاة الصبح التغليس، ولنا أحاديث كثيرة في هذا الباب رويت عن جماعة من الصحابة منهم: رافع بن خديج، روى أبو داود من حديث محمود بن لبيد عنه، قال: قال رسول الله عَّ له: ((أصبحوا بالصبح فإنه أعظم لأجركم أو أعظم للأجر)) ورواه الترمذي أيضاً. وقال: حديث حسن صحيح، ورواه النسائي وابن ماجة أيضاً. قوله: ((أصبحوا بالصبح)) أي: نوروا به، ويروى: (أصبحوا بالفجر))، ورواه ابن حبان في صحيحه، ولفظه: ((أسفروا بصلاة الصبح فإنه أعظم للأجر)). وفي لفظ له: ((فكلما أصبحتم بالصبح فإنه أعظم لأجركم)). وفي لفظ للطبراني: ((فكلما أسفرتم بالفجر فإنه أعظم للأجر)). ومنهم: محمود بن لبيد، روى حديثه أحمد في مسنده. نحو رواية أبي داود، ولم يذكر فيه رافع بن خديج، ومحمود بن لبيد صحابي مشهور. كذا قيل: قلت: قال المزي: محمود بن لبيد بن عصمة بن رافع بن امرىء القيس الأوسي، ثم الأشهلي. ولد على عهد رسول الله عَّه، وفي صحبته خلاف. انتهى. قلت: ذكره مسلم في التابعين في الطبقة الثانية، وذكر ابن أبي حاتم أن البخاري قال: له صحبة. قال: وقال أبي: لا يعرف له صحبة. وقال أبو عمر: قول البخاري أولى، فعلى هذا يحتمل أنه ١٣٤ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٣) سمع هذا الحديث من رافع أولاً، فرواه عنه ثم سمعه من النبي عَّلِّ فرواه عنه، إلاَّ أن في طريق أحمد عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وفيه ضعف. ومنهم: بلال، روى حديثه البزار في مسنده نحو حديث رافع، وفيه: أيوب بن يسار، وقال البزار: فيه ضعف. ومنهم: أنس، روى حديثه البزار أيضاً عنه مرفوعاً. ولفظه: ((أسفروا بصلاة الصبح فإنه أعظم للأجر)). ومنهم: قتادة ابن النعمان، روى حديثه الطبراني في معجمه من حديث عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان عن أبيه عن جده مرفوعاً نحوه، ورواه البزار أيضاً. ومنهم: ابن مسعود، روى حديثه الطبراني أيضاً عنه مرفوعاً نحوه. ومنهم: أبو هريرة، روى حديثه ابن حبان عنه مرفوعاً. ومنهم: رجال من الأنصار، أخرج حديثهم النسائي من حديث محمود بن لبيد عن رجال من قومه من الأنصار، أن النبي عَّه قال: ((أسفروا بالصبح فإنه أعظم للأجر)). ومنهم: أبو هريرة وابن عباس رضي الله عنهما، أخرج حديثهما الطبراني من حديث حفص بن سليمان عن ابن عباس وأبي هريرة: ((لا تزال أمتي على الفطرة ما أسفروا بالفجر)). ومنهم: أبو الدرداء أخرجه أبو إسحاق وإبراهيم بن محمد بن عبيد من حديث أبي الزاهرية عن أبي الدرداء عن النبي عليه السلام، قال: ((أسفروا بالفجر تفقهوا)). ومنهم: حواء الأنصارية، أخرج حديثها الطبراني من حديث ابن بجيد الحارثي عن جدته الأنصارية، وكانت من المبايعات، قالت: سمعت رسول الله عَّالله يقول: ((أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر))، وابن بجيد، بضم الباء الموحدة وفتح الجيم بعدها ياء آخر الحروف ساكنة: ذكره ابن حبان في الثقات، وجدته حواء بنت زيد بن السكن أخت أسماء بنت زيد بن السكن. فإن قلت: كان ينبغي أن يكون الإسفار واجباً لمقتضى الأوامر فيه! قلت: الأمر إنما يدل على الوجوب إذا كان مطلقاً مجرداً عن القرائن الصارفة إلى غيره، وهذا الأوامر ليست كذلك فلا تدل إلاَّ على الاستحباب. فإن قلت: قد يؤول الاستحباب في هذه الأحاديث بظهور الفجر، وقد قال الترمذي: وقال الشافعي وأحمد وإسحاق: معنى الإسفار أن يصبح الفجر، ولا يشك فيه، ولم يروا أن الإسفار تأخير الصلاة. قلت: هذا التأويل غير صحيح، فإن الغلس الذي يقولون به هو اختلاط ظلام الليل بنور النهار، كما ذكره أهل اللغة، وقبل ظهور الفجر لا تصح صلاة الصبح، فثبت أن المراد بالإسفار إنما هو التنوير، وهو التأخير عن الغلس وزوال الظلمة، وأيضاً فقوله: ((أعظم للأجر)) يقضي حصول الأجر في الصلاة بالغلس، فلو كان الإسفار هو وضوح الفجر وظهوره لم يكن في وقت الغلس أجر، لخروجه عن الوقت، وأيضاً يبطل تأويلهم ذلك ما رواه ابن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه وأبو داود الطيالسي في مسانيدهم، والطبراني في (معجمه) من حديث رافع بن خديج، قال: قال رسول الله عَ ليه لبلال: (يا بلال نور صلاة الصبح حتى يبصر القوم مواقع نبلهم من الإسفار)). وحديث آخر يبطل تأويلهم رواه الإمام أبو محمد القاسم بن ثابت السرقسطي في كتابه (غريب الحديث): حدّثنا موسى بن هارون، حدّثنا محمد بن عبد الأعلى حدّثنا المعتمر سمعت بياناً أخبرنا سعيد، قال: سمعت أنساً يقول: ((كان رسول الله عَّه يصلي الصبح حين يفسح البصر)). ١٣٥ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٣) انتهى. يقال: فسح البصر وانفسح إذا رأى الشيء عن بعد، يعني به إسفار الصبح. فإن قلت: قد قيل: إن الأمر بالإسفار إنما جاء في الليالي المقمرة، لأن الصبح لا يستبين فيها جداً فأمرهم بزيادة التبين استظهاراً باليقين في الصلاة. قلت: هذا تخصيص بلا مخصص، وهو باطل، ويرده أيضاً ما أخرجه ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي: ما اجتمع أصحاب محمد عَ لَّه على شيء ما اجتمعوا على التنوير بالفجر، وأخرجه الطحاوي في (شرح الآثار) بسند صحيح، ثم قال: ولا يصح أن يجتمعوا على خلاف ما كان رسول الله عَ ليه. فإن قلت: قد قال ابن حزم: خبر الأمر بالإسفار صحيح، إلاّ أنه لا حجة لكم فيه إذا أضيف إلى الثابت من فعله عَّ في التغليس، حتى إنه لينصرف والنساء لا يعرفن. قلت: الثابت من فعله عَِّ في التغليس لا يدل على الأفضلية، لأنه يجوز أن يكون غيره أفضل منه، وإنما فعل ذلك للتوسعة على أمته، بخلاف الخبر الذي فيه الأمر، لأن قوله عَّلَّهِ: ((أعظم للأجر)) أفعل التفضيل، فيقتضي أجرين: أحدهما أجمل من الآخر، لأن صيغة: أفعل، تقتضي المشاركة في الأصل مع رجحان أحد الطرفين، فحينئذٍ يقتضي هذا الكلام حصول الأجر في الصلاة بالغلس، ولكن حصوله في الإسفار أعظم وأكمل منه، فلو كان الإسفار لأجل تقصي طلوع الفجر لم يكن في وقت الغلس أجر لخروجه عن الوقت. فإن قلت: روى أبو داود من حديث ابن مسعود: ((أنه عَّ له صلى الصبح بغلس، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها ثم كانت صلاته بعد ذلك بالغلس حتى مات عَِّ، لم يعد إلى أن يسفر)). ورواه ابن حبان أيضاً في (صحيحه)، كلاهما من حديث أسامة بن زيد الليثي. قلت: يرد هذا ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث عبد الرحمن بن زيد عن ابن مسعود، قال: ((ما رأيت رسول الله عَ لهه صلى صلاة لغير وقتها إلا بجمع، فإنه يجمع بين المغرب والعشاء بجمع، وصلى صلاة الصبح من الغد قبل وقتها)). انتهى. قالت العلماء: يعني: وقتها المعتاد في كل يوم، لا أنه صلاها قبل الفجر، وإنما غلس بها جداً، ويوضحه رواية البخاري: ((والفجر حين بزغ))، وهذا دليل على أنه عَّ كان يسفر بالفجر دائماً، وقل ما صلاها بغلس، وبه استدل الشيخ في (الإمام) لأصحابنا. على أن أسامة بن زيد قد تكلم فيه، فقال أحمد: ليس بشيء، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال النسائي والدارقطني: ليس بالقوي. فإن قلت: قد قال البيهقي، رجح الشافعي حديث عائشة بأنه أشبه بكتاب الله تعالى، لأن الله تعالى، يقول: ﴿حافظوا على الصلوات﴾ [البقرة: ٢٣٨] فإذا دخل الوقت فأولى المصلين بالمحافظة المقدم للصلاة، وإن رسول الله عَّ ◌ٍ لا يأمر بأن يصلي صلاة في وقت يصليها هو في غيره، وهذا أشبه بسنن رسول الله عَّ له. قلت: المراد من المحافظة هو المداومة على إقامة الصلوات في أوقاتها، وليس فيها دليل على أن أول الوقت أفضل، بل الآية دليل لنا. لأن الذي يسفر بالفجر يترقب الإسفار في أول الوقت، فيكون هو المحافظ المداوم على الصلاة، ولأنه ربما تقع صلاته في التغليس قبل الفجر، فلا يكون محافظاً للصلاة في وقتها. فإن قلت: جاء في الحديث: ((أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله))، وهو لا يؤثر على رضوان الله شيئاً، والعفو لا يكون عن تقصير. قلت: المراد من العفو الفضل كما في قوله تعالى: ﴿ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾ [البقرة: ٢١٩] أي: الفضل، فكان معنى ١٣٦ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٣) الحديث، والله أعلم، أن من أدى الصلاة في أول الوقت، فقد نال رضوان الله، وأمن من سخطه وعذابه لامتثال أمره، وأدائه ما وجب عليه، ومن أدى في آخر الوقت فقد نال فضل الله، ونيل فضل الله لا يكون بدون الرضوان، فكانت هذه الدرجة أفضل من تلك. فإن قلت: جاء في الحديث: ((وسئل: أي الأعمال أفضل؟ فقال: الصلاة في أول وقتها)). وهو لا يدع موضع الفضل ولا يأمر الناس إلاَّ به. - قلت: ذكر الأول للحث والتحضيض والتأكيد على إقامة الصلوات في أوقاتها، وإلاَّ فالذي يؤدي في ثاني الوقت أو في ثالثة أو رابعة كالذي يؤديها في أوله لا أن الجزء الأول له مزية على الجزء الثاني أو الثالث أو الرابع، فحاصل المعنى: الصلاة في وقتها أفضل الأعمال، ثم يتميز الجزء الثاني في صلاة الصبح عن الجزء الأول بالأمر الذي فيه الإسفار الذي يقتضي التأخير عن الجزء الأول. فإن قلت: قال البيهقي: قال الشافعي في حديث رافع: له وجه لا يوافق حديث عائشة ولا يخالفه، وذلك أن رسول الله عٍَّ لما حض الناس على تقديم الصلاة، وأخبر بالفضل فيه، احتمل أن يكون من الراغبين من يقدمها قبل الفجر الآخر، فقال: أسفروا بالفجر حتى يتبين الفجر الآخر، معترضاً، فأراد عليه الصلاة والسلام، فيما يرى الخروج من الشك حتى يصلي المصلي بعد تبين الفجر، فأمرهم بالإسفار أي: بالتبيين. قلت: يرد هذا التأويل ويبطله ما رواه أبو داود الطيالسي عن رافع، قال: قال رسول الله عَّه لبلال: ((يا بلال نوّر صلاة الصبح حتى تبصر القوم مواضع نبلهم من الإسفار)). وقد مر هذا عن قريب. فإن قلت: قال ابن حازم في كتاب (الناسخ والمنسوخ): قد اختلف أهل العلم في الإسفار بصلاة الصبح والتغليس بها، فرأى بعضهم الإسفار هو الأفضل، وذهب إلى قوله: (أصبحوا بالصبح))، ورواه محكماً، وزعم الطحاوي أن حديث الإسفار ناسخ لحديث التغليس، وأنهم كانوا يدخلون مغلسين ويخرجون مسفرين، وليس الأمر كما ذهب إليه، لأن حديث التغليس ثابت، وأن النبي عَّ لّ داوم عليه حتى فارق الدنيا. قلت: يرد هذا ما رويناه من حديث ابن مسعود الذي أخرجه البخاري ومسلم، وقد ذكرناه عن قريب، وذكرنا أن فيه دليلاً على أنه معَّهِ، كان يسفر بالفجر دائماً، والأمر مثل ما ذكره الطحاوي وليس مثل ما ذكره ابن حازم، بيان ذلك أن اتفاق الصحابة رضي الله تعالى عنهم، بعد النبي عَّهِ، على الإسفار بالصبح، على ما ذكره الطحاوي بإسناد صحيح عن إبراهيم النخعي أنه قال: (ما اجتمع أصحاب محمد عَّ له على شيء ما اجتمعوا على التنوير)) دليل واضح على نسخ حديث التغليس، لأن إبراهيم أخبر أنهم كانوا اجتمعوا على ذلك، فلا يجوز عندنا، والله أعلم، اجتماعهم على خلاف ما قد فعله النبي عَ لّه، إلاّ بعد نسخ ذلك وثبوت خلافه، والعجب من بعض شراح البخاري أنه يقول: ووهم الطحاوي حيث ادعى أن حديث: ((أسفروا .. )) ناسخ لحديث التغليس، وليس الواهم إلاَّ هو، ولو كان عنده إدراك مدارك المعاني لما اجترأ على مثل هذا الكلام. ومنها: أن فيه دلالة على خروج النساء، وهو جائز بشرط أمن الفتنة عليهن أو بهن، ١٣٧ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٤) وكرهه بعضهم للشواب، وعند أبي حنيفة تخرج العجائز لغير الظهر والعصر، وعندهما: يخرجن للجميع، واليوم يكره للجميع، للعجائز والشواب، لظهور الفساد وعموم الفتنة. والله أعلم. ١٤ - بابٌ إذَا صَلَّى في ثَوْب لهُ أعْلاَمٌ وَنَظَرِ إِلَى عَلَمِها أي: هذا باب يذكر فيه إذا صلى شخص وهو لابس ثوباً وله أعلام، ونظر إلى أعلامه، هل يكره ذلك أم لا؟ وقال الكرماني: ونظر إلى علمه، وفي بعضها: إلى علمها، والتأنيث فيه باعتبار الخميصة، ونقله بعضهم عنه بالعكس حيث قال: قال الكرماني في رواية: ونظر إلى علمه، والأعلام جمع علم، بفتح اللام. ٣٧٣/٣٩ - حدثنا أحمَدُ بنُ يُونُسَ قالَ حدّثنا إِبراهِيمُ بنُ سَعْدٍ قَالَ حدّثنا ابنُ شِهَابٍ عنْ عُرْوَةَ عنْ عَائِشَةَ أنَّ النبيَّ عَِّ صلَّى في خمِيصةٍ لَها أعْلاَمٌ فَتَظَرَ إلى أَعْلاَمِها نَظْرَةً فَلَمَّا انْصَرَف قالَ اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إِلَى أَبِي جَهْمٍ وأتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أبِي جَهْمٍ فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفاً عنْ صَلاَتَي. [الحديث ٣٧٣ - طرفاه في: ٧٥٢، ٥٨١٧]. مطابقته للترجمة ظاهرة. (ذكر رجاله) وهم خمسة ذكروا غير مرة. وأحمد بن عبد الله بن يونس وينسب إلى جده، وإبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري، وعروة بن الزبير بن العوام. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: أن رواته كوفيون ومدنيون. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابية. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره. أخرجه البخاري أيضاً في اللباس عن موسى بن إسماعيل. وأخرجه أبو داود أيضاً فيه عن موسى بن إسماعيل به. وأخرجه مسلم في الصلاة عن عمرو الناقد، وزهير بن حرب، وأبي بكر بن أبي شيبة عن سفيان بن عيينة. وأخرجه النسائي فيه عن إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن منصور عن سفيان. وأخرجه ابن ماجة في اللباس عن أبي بكر بن أبي شيبة عن سفيان به. ذكر لغاته ومعانيه: قوله: ((في خميصة))، بفتح الخاء المعجمة وكسر الميم وبالصاد المهملة: وهي كساء أسود مربع له علمان أو أعلام، ويكون من خز أو صوف، ولا يسمى خميصة إلا أن تكون سوداء معلمة، سميت بذلك للينها ورقتها وصغر حجمها إذا طويت، مأخوذ من الخمص وهو: ضمور البطن. وقال ابن حبيب في (شرح الموطأ): الخميصة كساء صوف أو مرعزي معلم الصنعة. قوله: ((لها أعلام)) جملة وقعت صفة لخميصة، والأعلام جمع: علم، بفتحتين، وقد فسرناه عن قريب. قوله: ((فلما انصرف))، أي: من صلاته واستقبال القبلة. قوله: ((إلى أبي جهم))، بفتح الجيم وسكون الهاء؛ واسمه عامر بن حذيفة العدوي ١٣٨ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٤) القرشي المدني الصحابي. وقيل: اسمه عبيد، أسلم يوم الفتح وكان معظماً في قريش وعالماً بالنسب، شهد بنيان الكعبة مرتين، مات في آخر خلافة معاوية، وهو غير أبي جهيم، المصغر المذكور في المرور. قوله: ((بأنبجانية أبي جهم))، قد اختلفوا في ضبط هذا اللفظ ومعناه، فقيل: بفتح الهمزة وسكون النون وكسر الباء الموحدة وتخفيف الجيم وبعد النون ياء النسبة. وقال ثعلب: يقال كبش إنبجاني، بكسر الياء وفتحها إذا كان ملتفاً كثير الصوف، وكساء أنبجاني، كذلك وقال الجوهري: إذا نسبت إلى منبج فتحت الباء فقلت: كساء منبجاني، أخرجوه مخرج: مخبراني ومنظراني، وقال أبو حاتم في (لحن العامة): لا يقال: كساء أنبجاني، وهذا مما تخطىء فيه العامة، وإنما يقال: منبجاني، بفتح الميم والباء. قال: وقلت للأصمعي: لِمَ فتحت الباء وإنما نسب إلى منبح بالكسر؟ قال: خرج مخرج: منظراني ومخبراني. قال: والنسب مما يغير البناء، وقال القزاز في (الجامع): والنباج موضع تنسب إليه الثياب المنبجانية. وفي (الجمهرة): ومنبج موضع أعجمي، وقد تكلمت به العرب ونسبوا إليه الثياب المنبجانية. وفي (المحكم) أن منبج موضع، قال سيبويه: الميم، فيه زائدة بمنزلة: الألف، لأنها إنما كثرت مزيدة أولاً، فموضوع زيادتها كموضع الألف وكثرتها ككثرتها إذا كانت أولاً في الاسم والصفة، وكذلك النباج، وهما نباجان: نباج نبتل ونباج بن عامر، و: كساء منبجاني، منسوب إليه على غير قياس. وفي (المغيث): المحفوظ كسر باء الأنبجانية، وقال ابن الحصار في (تقريب المدارك): من زعم أنه منسوب إلى منبج فقد وهم. قلت: منبج، بفتح الميم وسكون النون وكسر الباء الموحدة وفي آخره جيم: بلدة من كور قنسرين بناها بعض الأكاسرة الذي غلب على الشام، وسماها: منبه، وبنى بها بيت نار ووكل بها رجلاً، فعربت فقيل: منبج، والنسبة إليها: منبجي، على الأصل: ومنبجاني على غير قياس، والباء تفتح في النسبة كما يقال في النسبة إلى: صدف، بكسر الدال: صدفي بفتحها. ومن هذا قال ابن قرقول: نسبة إلى منبج، بفتح الميم وكسر الباء - ويقال: نسبة إلى موضع يقال له: أنبجان، وعن هذا قال ثعلب: يقال كساء أنبجاني، وهذا هو الأقرب إلى الصواب في لفظ الحديث، وأما تفسيرها، فقال عبد الملك بن حبيب في (شرح الموطأ): هي كساء غليظ تشبه الشملة يكون سداه قطناً غليظاً أو كتاناً غليظاً، ولحمته صوف ليس بالمبرم، في فتله لين، غليظ يلتحف به في الفراش، وقد يشتمل بها في شدة البرد. وقيل: هي من أدوان الثياب الغليظة تتخذ من الصوف، ويقال: هو كساء غليظ لا علم له، فإذا كان للكساء علم فهو خميصة، وإن لم يكن فهو أنبجانية. قوله: ((ألهتني)) أي: أشغلتني، وهو من: الإلهاء، وثلاثيه: لهي الرجل عن الشيء يلهى عنه إذا غفل، وهو من باب: يعلم، وأما: لها يلهو إذا لعب فهو من باب: نصر ينصر. وفي (الموعب): وقد لهى يلهو والهني وألهاني عنه، كذا ... أي أنساني وشغلني. قوله: ((آنفاً)) أي: قريباً، واشتقاقه من الائتلاف بالشيء أي: الابتداء به، وكذلك الاستئناف، ومنه أنف كل شيء وهو أوله. ويقال: قلت آنفاً وسالفاً، وانتصابه على الظرفية، قال ابن الأثير: قلت: الشيء آنفاً ١٣٩ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٤) في أول وقت يرقب مني. قوله: ((عن صلاتي)) أي: عن كمال الحضور فيها وتدبير أركانها وأذكارها، والاستقصاء في التوجه إلى جناب الجبروت. ذكر ما يستنبط منه من الأحكام فيه: جواز لبس الثوب المعلم وجواز الصلاة فيه. وفيه: أن اشتغال الفكر اليسير في الصلاة غير قادح فيها، وهو مجمع عليه، وقال ابن بطال: وفيه أن الصلاة تصح وإن حصل فيها فكر مما ليس متعلقاً بالصلاة، والذي حكي عن بعض السلف أنه مما يضر غير معتد به. وفيه: طلب الخشوع في الصلاة والإقبال عليها ونفي كل ما يشغل القلب ويلهي عنه، ولهذا قال أصحابنا: المستحب أن يكون نظره إلى موضع سجوده، لأنه أقرب إلى التعظيم من إرسال الطرف يميناً وشمالاً. وفيه: المبادرة إلى ترك كل ما يلهي ويشغل القلب عن الطاعة والإعراض عن زينة الدنيا والفتنة بها. وفيه: منع النظر وجمعه عما لا حاجة بالشخص إليه في الصلاة وغيرها، وقد كان السلف لا يخطىء أحدهما موضع قدميه، إذا مشى. وفيه: تكنية العالم لمن دونه، وكذلك الإمام. وفيه: كراهة تزويق المحراب في المسجد وحائطه ونقشه وغير ذلك من الشاغلات. وفيه: قبول الهدية من الأصحاب والإرسال إليهم، واستدل به الباجي على صحة المعاطاة في العقود بعدم ذكر الصيغة، وقال الطيبي: إنما أرسل إليه لأنه كان أهداها إياه، فلما ألهاه علمها أي: شغله إياه عن الصلاة بوقوع نظره على نقوش العلم، ردها، أو تفكر في أن مثل ذلك للرعونة التي لا تليق به، ردها إليه واستبدل منه أنبجانية كيلا يتأذى قلبه بردها إليه. وفيه: كراهية الأعلام التي يتعاطاه الناس على أردانهم. وفيه: أن لصور الأشياء الظاهرة تأثيراً في النفوس الطاهرة والقلوب الزكية. الأسئلة والأجوبة: منها ما قيل: كيف بعث عَّلَّه بشيء يكرهه لنفسه إلى غيره؟ وأجيب: بأن بعثها إلى أبي جهم لم يكن لما ذكر، وإنما كان لأنها كانت سبب غفلته وشغله عن الخشوع وعن ذكر الله، كما قال: أخرجوا عن هذا الوادي الذي أصابكم فيه الغفلة، فإنه واد به شيطان، ألا ترى إلى قوله عَّه لعائشة في الضب: ((إنا لا نتصدق بما لا نأكل))! وهو عليه الصلاة والسلام، أقوى خلق الله لرفع الوسوسة، ولكن كرهها لدفع الوسوسة. وقال ابن بطال: وأما بعثه عَّلَّه بالخميصة إلى أبي جهم وطلب أنبجانيته فهو من باب الإدلال عليه لعلمه بأنه یفرح به. ومنها ما قيل: ما وجه تعيين أبي جهم في الإرسال إليه؟ وأجيب بأن أبا جهم هو الذي أهداها له عَّهِ، فلذلك ردها عليه. وروى الطحاوي عن المزني عن الشافعي قال: حدّثنا مالك عن علقمة بن أبي علقمة عن أمه عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: ((أهدى أبو جهم إلى النبي عَّه خميصة شامية لها علم، فشهد فيها النبي عَِّ الصلاة، فلما انصرف قال: ردي هذه الخميصة إلى أبي جهم فإنها كادت تفتنني)). ومنها ما قيل: أليس فيه تغيير خاطره بالرد عليه؟ وأجيب: بما ذكرناه الآن عن ابن بطال، والأولى من هذا ما دلت عليه رواية أبي موسى المدني: ردوها عليه وخذوا أنبجانيته، ١٤٠ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٤) لئلا يؤثر رد الهدية في قلبه. وعند أبي داود. ((شغلني أعلام هذه، وأخذ كرديا كان لأبي جهم، فقيل: يا رسول الله الخميصة كانت خيراً من الكردي)). ومنها ما قيل: أليس فيه إشارة إلى استعمال أبي جهم إياها في الصلاة؟ وأجيب: بأنه لا يلزم منه ذلك، ومثله قوله في حلة عطارد، حيث بعث بها إلى عمر: إني لم أبعث بها إليك لتلبسها، وإنما أباح له الانتفاع بها من جهة بيع أو إكساء لغيره من النساء. فإن قلت: ليست قضية أبي جهم مثل قضية عمر، رضي الله تعالى عنه، لأنه عَ لّه قال له: لَم أبعث بها إليك لكذا وكذا، وهي إذا ألهت سيد الخلق مع عصمته فكيف لا تلهي أبا جهم، على أنه قيل: إنه كان أعمى فالإلهاء مفقود عنه. قلت: لعله عَّ له علم أنه لا يصلي فيها، ويحتمل أن يكون خاصاً بالشارع، كما قال: ((كل فإنني أناجي من لا تناجي)). ومنها ما قيل: كيف يخاف الافتتان من لا يلتفت إلى الأكوان ﴿ما زاغ البصر وما طغى﴾ [النجم: ١٧] وأجيب: بأنه كان في تلك الليلة خارجاً عن طباعه فأشبه ذلك نظره من ورائه، فأما إذا رد إلى طبعه البشري فإنه يؤثر فيه ما يؤثر في البشر. ومنها ما قيل: إن المراقبة شغلت خلقاً من أتباعه حتى إنه وقع السقف إلى جانب مسلم بن يسار ولم يعلم. وأجيب: بأن أولئك يؤخذون عن طباعهم فيغيبون عن وجودهم، وكان الشارع يسلك طريق الخواص وغيرهم، فإذا سلك طريق الخواص غير الكل، فقال: (لست كأحدكم))، وإذا سلك طريق غيرهم، قال: ((إنما أنا بشر))، فرد إلى حالة الطبع، فنزع الخميصة ليس به من ترك كل شاغل. وقالَ هِشَامُ بْنُ عُزْوَةَ عنْ أَبِيهِ عن عائِشَةَ قالَ النَّبيُّ عَ لَّهِ كَنْتُ أَنْظُرُ إِلى عَلَمِها وأنا في الصَّلاَةِ فأخافُ أنْ تَفْتِنَنِي. قال الكرماني: هذا عطف على قوله: قال ابن شهاب، وهو من جملة شيوخ إبراهيم، ويحتمل أن يكون تعليقاً. قلت: هذا رواه مسلم في (صحيحه): عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع عن هشام، ورواه أبو داود عن عبيد الله عن معاذ عن أبيه عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عنه، ورواه أبو معمر فقال: عمرة عن عائشة قال الإسماعيلي، ولعله غلط منه، والصحيح: عروة، ولم يذكر أبو مسعود هذا التعليق، وذكره خلف. قوله: ((وأنا في الصلاة)) جملة حالية. قوله: ((أن تفتنني))، بفتح التاء من: فتن يفتن من باب: ضرب يضرب، ويجوز أن تكون بالإدغام، وأن تكون بضم التاء من الثلاثي المزيد فيه يقال: فتنه وأفتنه، وأنكره الأصمعي. واعلم أن في هذه الرواية لم يقع له شيء من الخوف من الإلهاء لأنه قال: ((فأخاف)) وهذا مستقبل، ويدل عليه أيضاً رواية مالك: ((فكاد يفتنني))، فهذا يدل على أنه لم يقع، والرواية الأولى تدل على أنه قد وقع لأنه صرح بقوله: ((فإنها ألهتني)) والتوفيق بينهما يمكن بأن يقال: للنبي عَّ له حالتان: حالة بشرية وحالة تختص بها خارجة عن ذلك، فبالنظر إلى الحالة