Indexed OCR Text

Pages 361-380

.%5
٣٦١
٥ - كتاب الغسل / باب (٢٦)
الاستحباب، ويدل عليه أنه قابله بقول ابن حبيب: هو واجب وجوب الفرائض. انتهى. قلت:
إنكار المتأخرين هذا الذي نقل عن الشافعي إنكار مجرد فلا يقاوم الإثبات، وعدم معرفة
أصحابه ذلك لا يستلزم عدم قول الشافعي بذلك، وأبعد من هذا قول هذا القائل، وهو كما
قال: فكيف يقول بهذا وقد بينا فساده، وأبعد من هذا كله حمل هذا القائل كلام ابن العربي
على ما ذكره، يعرف ذلك من يدقق نظره فيه.
ثم اعلم أن الطحاوي أجاب عن حديث عائشة المذكور، فقال: وقالوا هذا الحديث
غلط لأنه حديث مختصر، اختصره أبو إسحاق من حديث طويل فأخطأ في اختصاره إياه،
وذلك أن بهزاً حدّثنا قال: أخبرنا أبو غسان، قال أخبرنا زهير، قال: حدّثنا أبو إسحاق قال:
أتيت الأسود بن زيد، وكان لي أخاً وصديقاً فقلت له: يا أبا عمر حدثني ما حدثتك عائشة
أم المؤمنين عن صلاة النبي عَّ له فقال: ((قالت عائشة كان النبي عَّهِ ينام أول الليل ويحيي
آخره، ثم إن كانت له حاجة قضى حاجته، ثم ينام قبل أن يمس ماء، فإذا كان عند النداء
الأول وثب، وما قالت: قام، فأفاض عليه الماء، وما قالت: اغتسل، وأنا أعلم ما تريد، وإن نام
جنباً توضأ وضوء الرجل للصلاة)) فهذا الأسود بن زيد قد بان في حديثه لما ذكر بطوله أنه
كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة، وأما قولها: فإن كانت له حاجة قضاها
ثم نام قبل أن يمس ماء، فيحتمل أن يكون ذلك محمولاً على الماء الذي يغتسل به، لا على
الوضوء، وقال أبو داود: حدّثنا الحسين الواسطي، سمعت يزيد بن هارون يقول: هذا الحديث
وهم، يعني حديث أبي إسحاق. وفي رواية عنه: ليس بصحيح، وقال المهني: سألت أبا عبد
الله عنه فقال: ليس بصحيح قلت: لم قال: لأن شعبة روى عن الحاكم عن إبراهيم عن
الأسود عن عائشة: ((أن النبي عَّ كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة))
قلت: من قبل من جاء هذا الاختلاف؟ قال: من قبل أبي إسحاق، قال: وسألت أحمد بن
صالح عن هذا الحديث، فقال: لا يحل أن يروى. وقال الترمذي وأبو علي الطوسي، روى
غير واحد عن الأسود عن عائشة: ((أنه عَّله كان يتوضأ قبل أن ينام وهو جنب، يتوضأ وضوءه
للصلاة)) وهذا أصح من حديث أبي إسحاق، قال: وكانوا يرون أن هذا غلط من أبي إسحاق،
وقال ابن ماجة، عقيب روايته هذا الحديث قال سفيان: ذكرت الحديث يعني هذا، يوماً،
فقال لي إسماعيل: شد هذا الحديث يا فتى بشيء.
وتصدى جماعة لتصحيح هذا الحديث.
منهم الدارقطني: فإنه قال: يشبه أن يكون الخبران صحيحين، لأن عائشة قالت: ربما
قدم الغسل، وربما أخره، وكما حكى ذلك غصيف وعبد الله بن أبي قيس وغيرهما عن
عائشة، وأن الأسود حفظ ذلك عنها. فحفظ أبو إسحاق عنه تأخير الوضوء والغسل، وحفظ
إبراهيم وعبد الرحمن تقديم الوضوء على الغسل.
ومنهم البيهقي: وملخص كلامه أن حديث أبي إسحاق صحيح من جهة الرواية،
وذلك أنه بین فیه سماعه من الأسود في روایة زهیر عنه، والمدلس إذا بین سماعه ممن روی
عنه، وكان ثقة، فلا وجه لرده، ووجه الجميع بين الروايتين على وجه يحتمل، وقد جمع
فة
٠١٢١
i
i

٣٦٢
٥ - كتاب الغسل / باب (٢٦)
بينهما أبو العباس ابن شريح فأحسن الجمع، وسئل عنه وعن حديث عمر: ((أينام أحدنا وهو
جنب؟ قال: نعم، إذا توضأ) وقال الحكم لهما جميعاً أما حديث عائشة فإنما أرادت أنه كان
لا يمس ماء للغسل. وأما حديث عمر: ((أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم إذا توضأ أحدكم
فليرقد)). فمفسره ذكر فيه الوضوء وبه، نأخذ.
ومنهم ابن قتيبة. فإنه قال: يمكن أن يكون الأمران جميعا وقعا فالفعل لبيان
الاستحباب، والترك لبيان الجواز، ومع هذا قالوا: إنا وجدنا لحديث أبي إسحاق شواهد
ومتابعين، فممن تابعه عطاء والقاسم وكريب والسوائي فيما ذكره أبو إسحاق الجرمي في
كتاب (العلل) قال: وأحسن الوجوه في ذلك أن صح حديث أبي إسحاق فينا رواه ووافقه
هؤلاء أن تكون عائشة أخبرت الأسود أنه كان ربما توضأ، وربما أخر الوضوء والغسل حتى
يصبح، فأخبر الأسود إبراهيم أنه كان يتوضأ وأخبر أبا إسحاق أنه كان يؤخر الغسل، وهذا
أحسن وأوجه.
فإن قلت: قد روي عن عائشة ما يضاد ما روي عنها أولاً، وهو أن الطحاوي روى من
حديث الزهري عن عروة عن عائشة. قالت: ((كان رسول الله عَ لل إذا أراد أن يأكل وهو
جنب غسل كفيه)) وروي عنها: ((أنه كان يتوضأ وضوءه للصلاة)). قلت: أجاب الطحاوي عن
هذا بأنها لما أخبرت بغسل الكفين، بعد أن كانت علمت بأنه عَّلل أمر بالوضوء التام، دل
ذلك على ثبوت النسخ عندها، وقال بعضهم: جنح الطحاوي إلى أن المراد بالوضوء
التنظيف، واحتج بأن ابن عمر راوي الحديث وهو صاحب القصة، كان يتوضأ وهو جنب لا
يغسل رجليه، كما رواه مالك في (الموطأ) عن نافع وأجيب بأنه ثبت تقييد الوضوء بالصلاة
في رواية عائشة فيعتمد عليها ويحمل ترك ابن عمر غسل رجليه، على أن ذلك كان لعذر.
قلت: هذا القائل ما أدرك كلام الطحاوي ولا ذاق معناه، فإنه قائل بورود هذه الرواية عن
عائشة، ولكنه حمله على النسخ كما ذكرناه، وكذلك ما روي عن ابن عمر حمله على
النسخ لأن فعله هذا بعد علمه أن النبي عَ لِ أمر بالوضوء التام للجنب يدل على ثبوت النسخ
عنده، لأن الراوي روى شيئاً عن النبي عَّللم أو علمه منه، ثم فعل أو أفتى بخلافه يدل على
ثبوت النسخ عنده، إذا لم يثبت ذلك لما كان له الإقدام على خلافه، وكذلك روى من قول
ابن عمر ما رواه من حديث أيوب عن نافع عن ابن عمر أنه قال: ((إذا أجنب الرجل، وأراد أن
يأكل أو يشرب أو ينام غسل كفيه وتمضمض واستنشق. وغسل وجهه وذراعيه، وغسل فرجه
ولم يغسل قدميه)) فبهذا ابطل قول هذا القائل: ويحمل ترك ابن عمر غسل قدميه على أن
ذلك كان لعذر.
فإن قلت: ما الحكمة في هذا الوضوء؟ قلت: فيه تخفيف الحديث يدل عليه ما رواه
ابن أبي شيبة بسند رجاله ثقات عن شداد بن أوس الصحابي قال: إذا أجنب أحدكم من
الليل، ثم أراد أن ينام فليتوضأ فإنه نصف غسل الجنابة، وقيل لأنه إحدى الطهارتين فعلى هذا
يقوم التيمم مقامه، وقد روى البيهقي بإسناد حسن عن عائشة رضي الله تعالى عنها: ((أنه
عَّالله كان إذا أجنب فأراد أن ينام يتوضأ أو يتيمم)) قلت: الظاهر أن التيمم هذا كان عند عدم

٥ - كتاب الغسل / باب (٢٧)
٣٦٣
الماء، وقيل: إنه ينشط إلى العود أو إلى الغسل، وقال ابن الجوزي الحكمة فيه أن الملائكة
تبعد عن الوسخ والريح الكريهة، بخلاف الشياطين، فإنها تقرب من ذلك.
٢٧ - بابُ الجنُبِ يَتَوَضَأُ ثُمَّ يَنَامُ
أي: هذا باب في بيان حكم الجنب يتوضأ ثم ينامٍ، والمناسبة بين البابين ظاهرة.
٢٨٨/٣٩ - حدّثنا يخْتَى بِنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدّثْنَا اللَّيْثُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي جَعْفَرٍ عنْ
مُحَمَّدٍ بِنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ عَ لَِّ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَامَ وَهُوَ جُنُبٌّ
غَسَلَ فَرْجَهُ وَتَوَضَأَ لِلصَّلاةِ. [انظر الحديث ٢٨٦].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: يُحيى بن بكير، بضم الباء الموحدة، سبق في باب
الوحي، وهو يحيى بن عبد الله بن بكير المصري، وينسب غالباً إلى جده. الثاني: الليث بن
سعد. الثالث: عبيد الله بن أبي جعفر أبو بكر الفقيه المصري. الرابع: محمد بن عبد
الرحمن أبو الأسود الأسدي المدني، بتيم عروة بن الزبير كان أبوه أوصى به إليه. الخامس:
عروة بن الزبير. السادس: أم المؤمنين عائشة.
بيان لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة فى أربعة
مواضع. وفيه: أن نصف رواته مصريون. والنصف الآخر مدنيون.
ذكر معناه قوله: ((كان)) يدل على الاستمرار. قوله: ((وهو جنب)) جملة حالية. قوله:
((غسل)) جواب، إذا قوله: ((توضأ للصلاة)) ليس معناه أنه توضأ لأداء الصلاة إذ لا يجوز
الصلاة له قبل الغسل، بل معناه توضأ وضوءاً مختصاً بالصلاة، يعني وضوءاً شرعياً لا وضوء
لغوياً أو يقدر محذوف أي: توضأ وضوءاً كما يتوضأ للصلاة، وفي بعض الروايات وضوءه
للصلاة.
٢٨٩/٤٠ - حدثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ قالَ حدّثنا مجوَيْرِيَّةُ عِنْ نافِعِ عَنْ عَبَدِ اللَّهِ قالَ
اسْتَفْتَى عُمَرُ النَّبِيَّ عَ لَّهِ أَيَنَامُ أَحْدُنَا وَهُوَ مُجُنُبٌ قالَ نَعَمْ إذَا تَوَضَأَ. [انظر الحديث ٢٨٧
وطرفه].
جويرية، بالجيم والراء، مصغراً اسم رجل، واسم أبيه أسماء بن عبيد الضبعي، سمع من
نافع ومن مالك. قوله: ((عن عبد الله بن عمر)) وفي رواية ابن عساكر: عن ابن عمر. قوله:
((استفتى)) أي: طلب الفتوى من النبي عَّ ل قوله: ((أينام أحدنا)) صورة الاستفتاء. قوله:
(((فقال: نعم)) جوابه والهمزة في: أينام للإستفهام. قوله: ((وهو جنب)) جملة حالية. قوله: ((إذا
توضأ)) وفي رواية مسلم من طريق ابن جريح عن نافع: ليتوضأ ثم لينم.
٢٩٠/٤١ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قالَ أخبرنا مالِكٌ عنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ دِينارٍ عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمرَ أَنَّهُ قَالَ ذَكَرٍ عُمَرُ بنُ الخَطَابِ لِرَسُولِ اللَّهِ عَلِ أَنَّهُ تُصِيبُهُ الجَنَابَةُ مِنَ الََّيْلِ
فقالَ لَهُ رِسَولُ اللَّهِ عَ لَّهِ تَوَضَأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ ثُمَّ نَمْ. [انظر الحديث ٢٨٧ وطرفه].
i
i
i
i

٣٦٤
٥ - كتاب الغسل / باب (٢٨)
هكذا رواه مالك في (الموطأ) عن عبد الله بن عمر، وكذا رواه أبو زيد، ورواه ابن
السكن عن الفربري فقال مالك عن نافع، وقال: الجياني في بعض النسخ، جعل نافعاً بدل
عبد الله بن دينار، وكلاهما صواب، لأن مالكاً يروي هذا الحديث عنهما. لكنه برواية عبد
الله أشهر وقال ابن عبد البر، الحديث لمالك عنهما جميعاً، لكن المحفوظ عن عبد الله بن
دينار، وحديث نافع غريب. قلت: لا غرابة، لأنه رواه عنه كذلك عن نافع خمسة أو ستة،
ولكن الأول أشهر. قوله: ((ذكر عمر بن الخطاب)) يقتضي أن يكون الحديث من مسند ابن
عمر قوله: ((أنه تصيبه الجنابة من الليل)) الضمير في أنه يرجع إلى عبد الله بن عمر لا إلى
عمر يدل عليه رواية النسائي من طريق ابن عون عن نافع قال: أصاب ابن عمر جنابة فأتى
عمر فذكر ذلك له فأتى عمر إلى رسول الله عَ ل فاستأمره فقال: ليتوضأُ وليرقد وكذلك
الضمير في له، يرجع إلى عبد الله بن عمر لا إلى عمر. فإن قلت: ظاهر عبارة البخاري يدل
على أن الضمير في أنه وله يرجع إلى عمر. قلت: الظاهر كذا، ولكن رواية النسائي بينت أن
الضمير لعبد الله، فكأنه حضر إلى رسول الله عَ ليه بعد أن ذكر عمر ذلك، فلهذا خاطبه بقوله:
((توضأ واغسل ذكرك)) وإن لم يكن حضر فالخطاب لعمر، رضي الله تعالى عنه، لأنه جواب
استفتائه، ولكنه يرجع إلى ابنه عبد الله لأن الاستفتاء من عمر لأجل عبد الله كما دل عليه ما
رواه النسائي قوله: ((فقال له)) ليست لفظة له بموجودة في رواية الأصيلي قوله: ((توضأ واغسل
ذكرك)) معناه إجمع بينهما لأن الواو لا تدل على الترتيب لأنه من المعلوم أن يقدم غسل
الذكر على الوضوء وفي رواية أبي نوح عن مالك: اغسل ذكرك ثم توضأ ثم ثم وهو على
الأصل.
وفيه: رد على من حمل الرواية الأولى على ظاهرها وأجاز تقديم الوضوء على غسل
الذكر لأنه ليس بوضوء ينقضه الحدث وإنما هو للتعبد.
٢٨ _ بابُ إذَا التَقَى الخِتَانانِ
أي: هذا باب في بيان حكم ما إذا التقى الختانان يعني: ختان الرجل وختان المرأة
وقال بعضهم: المراد بهذه التثنية ختان الرجل وخفاض المرأة، وإنما ثنيا بلفظ واحد تغليباً له
قلت: ذكروا هذا ولكن ذكر هذا بناء على عادة العرب، فإنهم يختنون النساء. وقال
((الختان للرجال سنة وللنساء مكرمة)) رواه الجصاص في كتاب (أدب القضاء) عن شداد بن
أوس، رضي الله تعالى عنه، ثم الختان قطع جليدة الكمرة، وكذلك الختن والخفاض قطع جلدة
من أعلى فرجها تشبه عرف الديك بينها وبين مدخل الذكر جلدة رقيقة، وكذلك الخفض.
٢٩١/٤٢ - حدثنا مُعاذُ بْنُ فُضَالةَ قالَ حدَّثنا هِشَامٌ وحدّثنا أبو نُعَيْمِ عَنْ هِشَامٍ عَنْ
قَتَادَةَ عَنْ الحَسَنِ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً عَنِ النَِّيِّ ◌َّه قال ((إذا جلس بَيَّنَ شُعَبِها أَلْازبع
ثُمّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَبَ الغُسْلٌ)).
مطابقة الحديث للترجمة في قوله: ((ثم جهدها)) لأنه روي: ((وألزق الختان بالختان))،
بدل قوله: ((ثم جهدها)) على ما يأتي بيانه، إن شاء الله تعالى.
.SM
١٠

٣٦٥
٥ - كتاب الغسل / باب (٢٨)
ذكر رجاله وهم سبعة لأنه رواه من طريقين. الأول: عن معاذ بن فضالة، بضم الميم
في معاذ وفتح الفاء في فضالة البصري عن هشام الدستوائي عن قتادة بن دعامة المفسر عن
الحسن البصري عن أبي رافع نفيع الصائغ، والطريق. الثاني: عن أبي نعيم الفضل بن دكين
عن هشام الخ وعلم على الطريقين بصورة (ح) بين الإسنادين من التحويل.
ذكر لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع: وفيه: العنعنة في
ستة مواضع. وفيه: أن رواته كلهم بصريون.
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في الطهارة عن أبي حنيفة زهير بن حري، وأبي
غسان المسمعي وابن المثنى، وابن بشار، أربعتهم عن معاذ بن هشام عن أبيه عن الحسن به،
وعن محمد بن عمرو عن ابن أبي عدي عن ابن المثنى عن وهب بن جرير، كلاهما عن
شعبة به، وأخرجه أبو داود فيه عن مسلم بن إبراهيم عن هشام وشعبة، كلاهما عن قتادة
وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن عبد الأعلى عن خالد بن الحارث عن شعبة به وأخرجه
ابن ماجة فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة.
ذكر لغاته قوله: ((بين شعبها)) بضم الشين المعجمة وفتح العين المهلمة جمع شعبة،
ويروى: أشعبها، جمع شعب، وقال ابن الأثير: الشعبة الطائفة من كل شيء، والقطعة منه
والشعب، النواحي، واختلفوا في المراد بالشعب الأربع، فقيل: هي اليدان والرجلان، وقيل:
الفخذان والرجلان، وقيل: الرجلان والشفران، واختار القاضي عياض، أن المراد من الشعب
الأربع نواحيها الأربع، والأقرب أن يكون المراد اليدين والرجلين أو الرجلين والفخذين ويكون
الجماع مكنياً عنه بذلك، يكتفي بما ذكر عن التصريح، وإنما رجح هذا لأنه أقرب إلى
الحقيقة في الجلوس بينهما، والضمير في جلس، يرجع إلى الرجل، وكذلك الضمير المرفوع
في: جهدها، وأما الضمير الذي في شعبها، والضمير المنصوب في: جهدها، فيرجعان إلى
المرأة، وإن لم يمض ذكرها الدلالة السياق عليه كما في قوله تعالى: ﴿حتى توارت
بالحجاب﴾ [ص: ٣٢] قوله: ((ثم جهدها)) بفتح الجيم والهاء أي: بلغ جهده فيها وقيل: بلغ
مشقتها يقال: جهدته وأجهدته إذا بلغت مشقته، وقيل: معناه كدها بحركته وفي رواية مسلم
من طريق شعبة وهشام عن قتادة ثم اجتهد، ورواه أبو داود من طريق شعبة وهشام معاً عن
قتادة عن الحسن عن أبي رافع عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، عن النبي عَ لّم قال: ((إذا
قعد بين شعبها الأربع، وألزق الختان بالختان فقد وجب الغسل)) أي: موضع الختان
بموضع الختان، لأن الختان اسم للفعل، وهذا يدل على أن الجهد هاهنا كناية عن معالجة
الإيلاج، وفي رواية البيهقي من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة ((إذا التقى الختانان فقد وجب
الغسل)) وروي أيضاً بهذا اللفظ من حديث عائشة، أخرجه الشافعي من طريق سعد بن
المسيب عنها، ولكن في طريقة علي بن زيد، وهو ضعيف ورواه ابن ماجة من طريق القاسم
ابن محمد عنها برجال ثقات، رواه مسلم من طريق أبي موسى الأشعري عنها، ولفظه: ((ومس
الختان الختان)) والمراد بالمس، الالتقاء، دل عليه رواية الترمذي بلفظ: ((إذا جاوز)» وليس
i
i
i

٣٦٦
٥ - كتاب الغسل / باب (٢٨)
المراد حقيقة المس، حتى لو حصل المس بدون التقاء الختانين لا يجب الغسل بلا خلاف،
والحاصل أن إيجاب الغسل لا يتوقف على نزول المني، بل متى غابت الحشفة في الفرج
وجب الغسل عليها، وإن لم ينزل يدل عليه رواية مسلم من طريق مطر الوراق عن الحسن
في آخر هذا الحديث: ((وإن لم ينزل)) ووقع ذلك في رواية قتادة أيضاً، رواه ابن أبي خيثمة
في (تاريخه) عن عفان قال: حدّثنا همام وأبان قالا أخبرنا قتادة به وزاد في آخره: ((أنزل أو لم
ينزل)»، وكذا رواه الدارقطني وصححه من طريق علي بن سهل عن عفان، وكذا ذكرها أبو
داود الطيالسي عن حماد بن سلمة عن قتادة، وقيل: الجهد من أسماء النكاح، فمعنى جهدها
جامعها، وإنما عدل إلى الكناية للاجتناب عن التفوه بما يفحش ذكره صريحاً.
ذكر استباط الحكم منه يستنبط من الحديث المذكور: أن إيجاب الغسل لا يتوقف
على نزول المني، بل متى غابت الحشفة يجب الغسل عليهما وإن لم ينزلا، وهذا لا خلاف
فيه اليوم، وقد كان الخلاف فيه في الصدر الأول فإن جماعة ذهبوا إلى أن من وطىء في
الفرج ولم ينزل فليس عليه غسل، واحتجوا في ذلك بأحاديث نذكرها الآن وفي (المحلى)
وممن رأى أن لا غسل من الإيلاج في الفرج إن لم يكن إنزال عثمان بن عفان وعلي بن أبي
طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص وابن ميمونة ورافع بن
خديج وأبو سعيد الخدري وأبي بن كعب وأبو أيوب الأنصاري وابن عباس والنعمان بن بشير
وزيد بن ثابت وجمهرة الأنصار، رضي الله تعالى عنهم، وهو قول عطاء بن أبي راح وأبي
سلمة بن عبد الرحمن وهشام بن عروة والأعمش، وبه قالت الظاهرية.
ومن الآثار التي احتجوا بها ما رواه البخاري من حديث زيد بن خالد الجهني: ((أنه
سأل عثمان عن الرجل يجامع ولا ينزل، فقال: ليس عليه إلا الوضوء،)) وقال عثمان أشهد أني
سمعت ذلك من رسول الله عَ ◌ِّ.
ومنها: حديث أبي بن كعب، رواه مسلم حدّثنا أبو الربيع الأنصاري حدّثنا حماد عن
هشام بن عروة وحدّثنا أبو كريب واللفظ له قال: حدّثنا أبو معاوية، قال: حدّثنا هشام عن أبيه
عن أبي أيوب عن أبي بن كعب قال: ((سألت رسول الله عَ لَّه عن الرجل يصيب من المرأة
ثم يكسل، فقال: يغسل ما أصابه من المرأة ثم يتوضأ) وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة وأحمد
والطحاوي.
ومنها: حديث أبي سعيد الخدري، أخرجه البخاري ومسلم عنه، ((أن رسول الله عَ ليه
مر على رجل من الأنصار فأرسل إليه فخرج ورأسه يقطر، فقال: لعلنا أعجلناك؟ فقال: نعم يا
رسول الله، قال: إذا أعجلت أو قحطت فلا غسل عليك، وعليك الوضوء أخرجه الطحاوي
وأخرج الطحاوي أيضاً عن أبي سعيد الخدري، قال: قلت لإخواني من الأنصار اتركوا الأمر
كما يقولون الماء من الماء، أرأيتم أن اغتسل؟ فقالوا: لا والله حتى لا يكون في نفسك حرج
مما قضى الله ورسوله، وأخرج أبو العباس السراج أيضاً في (مسنده) حدّثنا روح بن عبادة عن
زكريا بن إسحاق عن عمرو بن دينار أن ابن عباس أخبره أن أبا سعيد الخدري كان ينزل في

٣٦٧
٥ - كتاب الغسل / باب (٢٨)
داره، وأن أبا سعيد أخبره أنه كان يقول لأصحابه: أرأيتم إذا اغتسلت وأنا أعرف أنه كما
تقولون؟ إلا حتى لا يكون في نفسك حرج مما قضى الله ورسوله في الرجل يأتي امرأته ولا
ينزل وأخرج مسلم أيضاً عن سعيد عن رسول الله عَ ل قال: ((الماء من الماء)).
البائع:
ومنها: حديث أبي أيوب أخرجه ابن ماجة والطحاوي عنه قال: قال النبي :
((الماء من الماء)).
ومنها: حديث أبي هريرة أخرجه الطحاوي عنه قال: ((بعث رسول الله عَّهُ إلى رجل
من الأنصار، فأبطأ، فقال: ما حبسك؟ قال: كنت أصبت من أهلي فلما جاءني رسولك
اغتسلت من غير أن أحدث شيئاً، فقال رسول الله عَّالله: ((الماء من الماء، والغسل على من
أنزل)).
ومنها: حديث عتبان الأنصاري، رواه أحمد عنه، أن عتبان الأنصاري، قال: قلت: يا
نبي الله! إني كنت مع أهلي، فلما سمعت صوتك أقلعت فاغتسلت فقال رسول الله
((الماء من الماء)).
ومنها: حديث رافع ابن خديج، أخرجه الطبراني وأحمد عنه. ((ناداني رسول الله عَ ليه
وأنا على بطن امرأتي فقمت ولم أنزل فاغتسلت، فأخبرته أنك دعوتني وأنا على بطن امرأتي
فقمت ولم آمن، فاغتسلت فقال رسول الله عَّ ل: ((لا عليه الماء من الماء)).
P
ومنها: حديث عبد الرحمن بن عوف أخرجه أبو يعلى عنه قال: انطلق رسول الله عَل
في طلب رجل من الأنصار فدعاه، فخرج الأنصاري ورأسه يقطر ماء، فقال رسول الله علية:
ما لرأسك؟ فقال دعوتني وأنا مع أهلي فخفت أن أحتبس عليك فعجلت فقمت وصببت
عليَّ الماء ثم خرجت فقال: هل كنت أنزلت؟ قال: لا قال: إذا فعلت ذلك فلا تغتسلن
اغتسل ما مس المرأة منك وتوضأ وضوءك للصلاة، فإن الماء من الماء)، وأخرجه البزار
أيضاً.
ومنها: حديث عبد الله بن عباس أخرجه البزار عنه قال: ((أرسل رسول الله عَّ ◌َّهِ إلى
رجل من الأنصار فأبطأ عليه فقال: ما حبسك؟ قال: كنت حين أتاني رسولك على امرأتي،
فقمت فاغتسلت فقال: وكان عليك أن لا تغتسل ما لم تنزل، قال: فكان الأنصار يفعلون
ذلك)).
i
ومنها: حديث عبد الله بن عبد الله بن عقيل، أخرجه معمر بن راشد في (جامعه) عنه،
قال: ((سلم النبي عَّه على سعد بن عباد فلم يأذن له، كان على حاجته فرجع الني عَّه،
فقام سعد سريعاً فاغتسل ثم تبعه، فقال: يا رسول الله إني كنت على حاجة فقمت فاغتسلت،
فقال النبي عَلَّهِ: ((الماء من الماء)).
وحجة الجمهور حديث الباب، وحديث عائشة، رضي الله تعالى عنها: ((أنها سئلت
عن الرجل يجامع فلا ينزل، فقالت: فعلته أنا ورسول الله عَّ له فاغتسلنا منه جميعاً) أخرجه
الطحاوي، وأخرجه الترمذي أيضاً، ولفظه: (إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل فعلته أنا
i

٣٦٨
٥ - كتاب الغسل / باب (٢٨)
ورسول الله ێێ فاغتسلنا)» وقال: هذا حديث حسن صحيح وأخرجه ابن ماجة أیضاً، وروى
مالك عن يحيى بن سعد عن سعيد بن المسيب: ((أن أبا موسى الأشعري أتى عائشة أم
المؤمنين رضي الله تعالى عنها، فقال: لقد شق علي اختلاف أصحاب رسول الله عٍَّ في أمر
إني لأعظم أن أستقبلك به؟ فقالت: ما هو؟ ما كنت سائلاً عنه أمك فاسألني عنه! فقال لها
الرجل يصيب أهله فيكسل ولا ينزل قالت إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل فقال أبو
موسى: لا أسأل أحداً عن هذا بعدك أبداً) ورواه الشافعي أيضاً عن مالك وأخرجه البيهقي من
طريقه، وقال الإمام أحمد: هذا إسناد صحيح إلاَّ أنه موقوف على عائشة رضي الله تعالى
عنها، وقال أبو عمر: هذا الحديث موقوف في (الموطأ) عند جماعة من رواته، وروى موسی
ابن طارق، وأبو قرة عن مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن أبي عن عائشة
رضي الله عنها مرفوعاً عن جابر بن عبد الله قال: أخبرتني أم كلثوم عن عائشة رضي الله
عنها: ((أن رجلاً سأل رسول الله عَ ليه عن الرجل يجامع أهله ثم يكسل، هل عليه من غسل؟
وعائشة جالسة، فقال رسول الله عَ ليه: إني لأفعل ذلك أنا وهذه ثم نغتسل)) قالوا: فهذه الآثار
تخبر عن فعل رسول الله عَّم أنه كان يغتسل إذا جامع وإن لم ينزل.
وقالت الطائفة الأولى: هذه الآثار تخبر عن فعل رسول الله عَلَّهِ، وقد يجوز أن يفعل
ما ليس عليه، يعني كان يفعله بطريق الاستحباب لا بطريق الوجوب، فلا يتم الاستدلال بها،
والآثار الأول تخبر عما يجب وما لا يجب فهي أولى.
وأجاب الجمهور عن هذه أن هذه الآثار على نوعين: أحدهما: الماء من الماء، لا
غيره فهذا ابن عباس قد روي عنه أنه قال: مراد رسول الله عليه الصلاة والسلام أن يكون هذا
في الاحتلام، وأخرج الترمذي عن علي بن حجر عن شريك عن أبي الحجاف عن عكرمة
عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: إنما الماء من الماء في الاحتلام، يعني إذا رأى أنه
يجامع ثم ينزل فلا غسل عليه، والنوع الآخر: الذي فيه الأمر، وأخبر فيه القصة، وأنه: لا
غسل في ذلك حتى يكون الماء، قد جاء خلاف ذلك عن النبي عَّلّه وهو حديث أبي هريرة
رضي الله تعالى عنه المذكور في الباب، وهذا ناسخ لتلك الآثار. فإن قلت: ليس فيه دليل
على النسخ لعدم التعرض إلى شيء من التاريخ. قلت: قد جاء ما يدل على النسخ صريحاً
وهو ما روى أبو داود في (سننه) حدّثنا أحمد بن صالح حدّثنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو
يعني بن الحارث عن ابن شهاب، قال: حدثني بعض من أرضى: أن سهل بن سعد الساعدي
أخبره أن أبي بن كعب أخبره: ((أن رسول الله عَ لَّه إنما جعل ذلك رخصة للناس في أول
الإسلام لقلة الثبات ثم أمرنا بالغسل، ونهى عن ذلك)) قال أبو داود: يعني الماء من الماء،
وأخرجه الطحاوي أيضاً، وأخرج أبو داود أيضاً حدّثنا محمد بن مهران الرازي، قال: حدّثنا
مبشر الحلبي عن محمد بن غسان عن أبي حازم عن سهل بن سعد. قال: حدثني أبي بن
كعب أن الفتيا التي كانوا يفتون إن الماء من الماء، كانت رخصة رخصها رسول الله عَ ليه
في بدء الإسلام ثم أمرنا بالاغتسال بعد، وأخرجه ابن ماجة والترمذي وقال: حديث حسن

٣٦٩
٥ - كتاب الغسل / باب (٢٨)
صحيح، فإن قلت: في الحديث الأول مجهول وهو قوله: حدثني بعض من أرضى. قلت:
الظاهر أنه أبو حازم سلمة بن دينار الأعرج لأن البيهقي روى هذا الحديث. ثم قال: رويناه
بإسناد آخر موصول عن أبي حازم عن سهل بن سعد، والحديث محفوظ عن سهل عن أبي
ابن كعب كما أخرجه أبو داود. وقال ابن عبد البر في (الأستذكار) إنما رواه ابن شهاب عن
أبي حازم، وهو حديث صحيح ثابت بنقل العدول له وأخرج ابن أبي شيبة في (مصنفه) قال:
حدّثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى عن محمد بن إسحاق عن زيد بن أبي حبيب عن معمر
ابن أبي حية، مولى ابنة صفوان، عن عبيد بن رفاعة بن رافع عن أبيه رفاعة بن رافع، قال:
(بينا أنا عند عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، إذ دخل عليه رجل فقال: يا أمير
المؤمنين، هذا زيد بن ثابت يفتي الناس في المسجد برأيه في الغسل من الجنابة، فقال عمر:
علي به، فجاء زيد، فلما رآه عمر، قال: أي عدو نفسه، قد بلغت أنك تفتي الناس برأيك!
فقال: يا أمير المؤمنين، بالله ما فعلت، لكني سمعت من أعمامي حديثاً فحدثت به، من أبي
أيوب، ومن أبي بن كعب، ومن رفاعة بن رافع، فأقبل عمر على رفاعة بن رافع فقال: وقد
كنتم تفعلون ذلك؟ إذا أصاب أحدكم من المرأة فأكسل لم يغتسل؟ فقال: قد كنا نفعل ذلك
على عهد رسول الله عَّله فلم يأتنا فيه تحريم، ولم يكن من رسول الله عَ لّه فيه نهي، قال:
رسول الله عَّالله يعلم ذلك؟ قال: لا أدري. فأمر عمر بجمع المهاجرين والأنصار، فجمعوا له
فشاورهم، فأشار الناس أن لا غسل في ذلك إلاَّ ما كان من معاذ وعلي، رضي الله تعالى
عنهما، فإنهما قالا: الثالث: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل فقال عمر، رضي الله
تعالى عنه، هذا وأنتم أصحاب بدر، وقد اختلفتم فمن بعدكم أشد اختلافاً قال: فقال علي،
رضي الله تعالى عنه: يا أمير المؤمنين إنه ليس أحد أعلم بهذا ممن سأل رسول الله عَ ليه من
أزواجه، فأرسل إلى حفصة فقالت: لا علم لي بهذا، فأرسل إلى عائشة فقالت: إذا جاوز
الختان الختان فقد وجب الغسل فقال عمر، رضي الله تعالى عنه، لا أسمع برجل فعل ذلك،
إلا أوجعته ضرباً) ورواه الطحاوي أيضاً فيه: لا أعلم أحداً فعله ثم لم يغتسل إلا جعلته نكالاً.
ولم يتقن الكلام أحد في هذا الباب مثل الإمام الحافظ أبي جعفر الطحاوي، فإن أراد أحد أن
يتقنه فعليه بكتابه (معاني الآثار) وشرحنا الذي عملناه عليه المسمى (بمباني الأخبار).
فإن قلت: ادعى بعضهم أن التنصيص على الشيء باسمه العلم يوجب نفي الحكم
عما عداه، لأن الأنصار فهموا عدم وجوب الاغتسال بالإكسال من قوله عَّرِ: ((الماء من
الماء) أي: الاغتسال واجب بالمني، فالماء الأول هو المطهر. والثاني هو المني، ومن،
للسببية، والأنصار كانوا من أهل اللسان وفصحاء العرب وقد فهموا والتخصيص منه حتى
استدلوا به على نفي وجوب الاغتسال بالإكسال لعدم الماء، ولو لم يكن التنصيص باسم
الماء موجباً للنفي لما صح استدلالهم على ذلك. قلت: الذي يقول بهذا أبو بكر الدقاق
وبعض الحنابلة، والجواب أن ذلك ليس من دلالة التنصيص على التخصيص، بل إنما هو من
اللام المعرفة الموجبة للاستغراق عند عدم المعهود، ونحن نقول: هذا الكلام للاستغراق
عمدة القاري / ج٣ / م٢٤

٣٧٠
٥ - كتاب الغسل / باب (٢٨)
والانحصار، كما فهمت الأنصار، لكن لما دل الدليل وهو الإجماع على وجوب الاغتسال
من الحيض والنفاس أيضاً نفي الانحصار فيما وراء ذلك مما يتعلق بالمني، وصار المعنى
جميع الاغتسالات المتعلقة بالمني منحصر فيه لا يثبت لغيره. فإن قلت: فعلى هذا ينبغي أن
لا يجب الغسل بالإكسال لعدم الماء. قلت: الماء فيه ثابت تقديراً لأنه تارة يثبت عياناً كما
في حقيقة الإنزال ومرة دلالة كما في التقاء الختانين فإنه سبب لنزول الماء فأقيم مقامه لكونه
أمراً خفياً كالنوم، فأقيم مقام الحدث لتعذر الوقوف عليه. فإن قلت: المنسوخ ينبغي أن يكون
حكماً شرعياً، وعدم وجوب الغسل عند عدم الإنزال ثابت بالأصل. قلت: عدمه ثابت
بالشرع، إذ مفهوم الحصر في، إنما يدل عليه لأن معنى الحصر إثبات المذكور، ونفي غير
المذكور، فيفيد أنه لا ماء من غير الماء وقال الكرماني: ثم الراجح من الحديثين يعني
حديث: ((الماء من الماء) حديث أبي هريرة المذكور في الباب: حديث التقاء الختانين، لأنه
بالمنطوق يدل على وجوب الغسل، وحديث ((الماء من الماء) بالمفهوم يدل على عدمه،
وحجة المفهوم مختلف فيها وعلى تقدير ثبوتها المنطوق أقوى من المفهوم، وعلى هذا
التقرير لا يحتاج إلى القول بالنسخ. قلت: عدم دعوى الاحتياج إلى القول بالنسخ غير
صحيح، لأن المستنبطين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ما وفقوا بين أحاديث هذا الباب
المتضادة إلاَّ يإثبات النسخ على ما ذكرناه. فإن قلت: حديث الالتقاء مطلق، وحديث: ((الماء
من الماء)) مقيد فيجب حمل المطلق على المقيد. قلت: هذا سؤال الكرماني على مذهبه،
ثم أجاب: ليس ذلك مطلقا بل عاما لأن الالتقاء وصف يترتب الحكم عليه، وكلما وجد
الوصف وجد الحكم، وهذا ليس مقيدا بل خاصا، وكأنه قال: بالالتقاء يجب الغسل. ثم
قال: بالالتقاء مع الإنزال يجب الغسل، فيصير من باب قوله عَ ليهِ: ((أيما إهاب دبغ طهر)) ثم
قال عَ له: ((ودباغها طهرها)) وإفراد فرد من العام بحكم العام ليس من المخصصات.
تابَعَهُ عَمْرُو بنُ مَرْزُوقٍ عَنْ شُغْبَةَ مِثْلَهُ
عمرو: بالواو وهو عمرو بن مرزوق البصري، أبو عثمان الباهلي: يقال: مولاهم وصرح
به في رواية كريمة، روى عن شعبة وزهير بن معاوية وعمران القطان والحمادين وآخرين، روى
عنه البخاري في أول الديات، وفي مناقب عائشة، وقال: مات سنة أربع وعشرين ومائتين
وروى عنه أبو داود أيضاً وذكره صاحب (اسماء الرجال) للبخاري، ومسلم في أفراد البخاري
من هذه الترجمة يعني، من ترجمة عمرو بالواو، فدل على أن مسلماً لم يرو عنه ولا روى له
شيئاً، وإنما ذكر منه هذا، لأن صاحب (التلويح) ذكر في شرحه أن رواية عمرو بن مرزوق هذه
عند مسلم: عن محمد بن عمرو بن جبلة عن وهب بن جرير وابن أبي عدي كلاهما عن
عمرو بن مرزوق عن شعبة، وتبعه على ذلك صاحب (التوضيح) وهو من الغلط الصريح،
وذكره في إسناد مسلم حشو زائد بلا فائدة، وقال الكرماني هذا اللفظ، يعني. قوله: ((تابعه
عمرو عن شعبة)) يحتمل أن يراد به عن شعبة عن قتادة أو عن شعبة عن الحسن، فيختلف

٣٧١
٥ - كتاب الغسل / باب (٢٩)
الضمير في تابعه بحسب المرجع. قلت: لا اختلاف للضمير فيه، بل هو راجع إلى هشام
على كل حال، وهذا التعليق وصله عثمان بن أحمد بن السماك، فقال: حدّثنا عثمان بن عمر
الضبي حدّثنا عمرو بن مرزوق حدّثنا شعبة عن قتادة عن الحسن عن أبي رافع عن أبي هريرة
إلى آخره، نحو سياق حديث الباب لكن في روايته: ثم أجهدها، من باب الإجهاد. قوله:
«مثله» أي: مثل حديث الباب.
i
وقالَ مُوسَى حدّثنا أبَانُ قال حدّثنا قَتادَةُ قالَ أخبرنا الْحَسَنُ مِثْلَهُ
موسى: هو ابن إسماعيل التبوذكي أحد مشايخ البخاري، وأبان هو ابن يزيد العطار،
والحسن هو البصري.
i
وفي هذا الإسناد التحديث في موضعين: أحدهما: موسى عن أبان، وفي رواية
الأصيلي: هو الإخبار بصيغة الجمع. والآخر: أبان عن قتادة. وفيه: الإخبار في موضع واحد،
وهو قتادة عن الحسن.
ومن فوائد هذا أن فيه التصريح بتحديث الحسن لقتادة، لأن في روایة حدیث الباب
قتادة عن الحسن، وقتادة ثقة ثبت لكنه مدلس، وإذا صرح بالتحديث لا يبقى كلام. وقال
صاحب (التلويح) رواية موسى هذه عند البيهقي أخرجها من طريق عثمان وهشام، كلاهما
عن موسى عن أبان وتبعه على ذلك صاحب (التوضيح) كلاهما غلطا ولم يخرج البيهقي إلاّ
من طريق عثمان عن همام وأبان جميعاً عن قتادة. وقال الكرماني: فإن قلت: لم قال: تابعه
عمرو، وقال موسى: ولم يسلك فيهما طريقاً واحداً، قلت: المتابعة أقوى لأن القول أعم من
الذكر على سبيل النقل والتحمل، أو من الذكر على سبيل المحاورة والمذاكرة، فأراد
الإشعار بذلك، ثم قال: واعلم بأنه يحتمل سماع البخاري من عمرو وموسى فلا يجزم بأنه
ذكرهما على سبيل التعليق، قلت: كلاهما تعليق صورة، ولكن الاحتمال المذكور موجود
لأن كليهما من مشايخ البخاري.
٢٩ _ بابُ غَسْلِ ما يُصيبُ مِنْ رُطُوبَةِ فَرْجِ المَرَةِ
أي: هذا باب في بيان حكم غسل ما يصيب الرجل من فرج المرأة من رطوبة.
والمناسبة بين البابين من حيث إن الإصابة المذكورة تكون عند التقاء الختانين.
٢٩٢/٤٣ - حدّثنا أبُو مَعْمَرٍ قالَ حدّثنا عَبْدُ الوَارِثِ عَنِ الحُسَيْنِ قال يَخْتَى وَأَخْبَرَنِي
أَبُو سَلَمَة أَنَّ عِطَاءَ بنَ يَسَارٍ أُخْبَرَهُ أَنَّ زَيْدَ بْنِ خالِدِ الجُهْنِي أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ عُثْمانَ بنَ عَفَّنَ قالَّ
أَرَأَيْتَ إذا جامَعَ الرَّجلُ امْرَتَّهُ فَلَمْ يُمْنٍ قَالَ غَثْمَانُ يَتَوضَأُ كمَا يَتَوَضَأُ لِلصَّلاةِ وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ قال
عُثْمَانُ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ عَِّ فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ عِلِيَّ بْنَ أبي طالِبٍ وَالزُّبَيُّرَ بْنَ العَوَّامِ وطلْحَةَ
ابْنَ عُبَيْدِ الله وأَتَيَّ بن كَعْبٍ رضي الله عنهم فأمَرُوهُ بِذلكَ. قال يَحْيِى وأَخْبرني أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ عُرْوَةً
ابنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ أَنَّ أبا أَيُّوب أُخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَسولِ اللَّهِ عَلَهِ. [انظر الحديث ١٧٩].
١

٣٧٢
٥ - كتاب الغسل / باب (٢٩)
مطابقة الحديث للترجمة في قوله: ((ويغسل ذكره)) يعني: إذا جامع امرأته فلم ينزل
يغسل ذكره، لأنه لا شك أصابه من رطوبة فرج المرأة.
ذكر رجاله والمذكورون فيه أربعة عشر نفساً، منهم سبعة من الصحابة الأجلاء وهم:
عثمان بن عفان، وزيد بن خالد، وعلي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد
الله، وأبي بن كعب، وأبو أيوب الأنصاري واسمه خالد بن زيد، والسبعة الباقية: أبو معمر،
بفتح الميم عبد الله بن عمرو، وعبد الوارث بن سعيد، والحسين بن ذكوان المعلم، ورواية
الأكثرين عن الحسين فقط وفي رواية أبي ذر عن الحسين المعلم، ويحيى بن أبي كثير وأبي
سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وعطاء بن يسار ضد اليمين، وعروة بن الزبير بن العوام.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين: وفيه: العنعنة في
موضع واحد وفيه: لفظ الإخبار في خمسة مواضع: منها بلفظ أخبرني، في موضعين، وبلفظ
أخبره في أربعة مواضع. وفيه: لفظ القول في موضعين: أحدهما: هو قوله: قال يحيى، أي:
قال الحسين. قال يحيى، ولفظ. قال الأولى يحذف في الخط في اصطلاحهم، وقال الآخر
قوله، وقال عثمان. وفيه: السؤال في موضعين. وفيه: السماع في موضعين. وفيه: قال يحيى
وأخبرني هذا عطف على مقدر تقديره، قال يحيى أخبرني بكذاوكذا وأخبرني بهذا وإنما
احتجنا إلى التقدير لأن أخبرني، مقول قال وهو مفعول حقيقة، فلا يجوز دخول الواو بينهما،
ووقع في رواية مسلم بحذف الواو، على الأصل، وفي رواية البخاري دقة وهو الإشعار بأن
هذا من جملة ما سمع يحيى من أبي سلمة. فإن قلت: قول الحسين، قال يحيى، يوهم أنه لم
یسمع من یحیی، ولذا قال ابن العربي: أنه لم يسمع من یحیی، فلذلك قال: قال یحیی قلت:
وقع في رواية مسلم في هذا الموضع عن الحسين عن يحيى، فإن قلت: العنعنة لا تدل
صريحاً على التحديث، قلت: الحسين ليس بمدلس، وعنعنة غير المدلس محمولة على
السماع، على أنه قد وقع التصريح في رواية ابن خزيمة، وفي رواية الحسين عن يحيى
بالتحديث، ولفظه حدثني يحيى بن أبي كثير، وأيضاً لم ينفرد به الحسين، فقد رواه عن
يحيى أيضاً معاوية بن سلام، أخرجه ابن شاهين، وشيبان بن عبد الرحمن أخرجه البخاري في
باب الوضوء من المخرجين: حدّثنا سعد بن حفص، قال: حدّثنا شيبان عن يحيى عن أبي
سلمة أن عطاء بن يسار أخبره أن زيد بن خالد أخبره أنه سأل عثمان بن عفان الحديث، وقد
تقدم الكلام فيه.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري هاهنا عن أبي معمر، وفي باب
الوضوء من المخرجين عن سعد بن حفص كما ذكرناه الآن وأخرجه مسلم عن زهير بن
حرب، وعبد بن حميد، وعبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث ثلاثتهم عن عبد الصمد
ابن عبد الوارث عن أبيه عن حسین المعلم به.
ذكر معناه الجهني بضم الجيم وفتح الهاء وبالنون نسبة إلى جهينة بن زيد. قوله:
((فقال: أرأيت)) أي: فقال زيد لعثمان أرأيت، وفي بعض النسخ: قال له: أرأيت؟ أي: قال زيد
-: /

.my
٣٧٣
٥ - كتاب الغسل / باب (٢٩)
لعثمان. قوله: ((أرأيت)) أي: أخبرني. قوله: ((فلم يمن)) بضم الياء آخر الحروف، من الإمناء
إرادته أنه لم ينزل المني، وهذا أفصح اللغات. والثاني: منها فتح الياء. والثالث: بضم الياء
مع فتح الميم وتشديد النون. قوله: ((فقال عثمان: سمعته من رسول الله عَلَّةٍ)) الضمير
المنصوب فيه يرجع إلى ما ذكره من قوله: ((يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره)) وذلك باعتبار
المذكور، وهذا سماع ورواية وقوله: أولاً فتوى منه. قوله: ((فسألت عن ذلك)) أي: عمن
يجامع امرأته فلم يمن، والظاهر أن سؤاله عن علي والزبير وطلحة وأبي، رضي الله تعالى
عنهم، استفتاء عن عثمان، وفتوى منهم لا رواية لكن رواه الإسماعيلي مرة بإظهار أنه رواية،
وصرح به أخرى ولم يذكر علياً، ثم ذكر بعد ذلك، روايات وقال: لم يقل أحد منهم عن
النبي، عليه الصلاة والسلام، غير الحماني، وليس هو من شرط هذا الكتاب.
قوله: ((فأمروه)) الضمير المرفوع فيه يرجع إلى الصحابة الأربعة: وهم: علي والزبير
وطلحة وأبي بن كعب، والضمير المنصوب فيه يرجع إلى المجامع الذي يدل عليه قوله:
((إذا جامع الرجل امرأته)) وهذا من قبل قوله تعالى: ﴿أعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ [المائدة: ٨]
أي: العدل أقرب للتقوى، وقال بعضهم: فيه التفات لأن الأصل فيه أن يقول: فأمروني، قلت،
ليس فيه التفات أصلاً لأن عثمان سأل هؤلاء عن المجامع الذي لم يمن فأجابوا له بما أجابوا،
والكلام على أصله، لأن قوله: فأمروه عطف على قوله: ((فسألت)) أي: فأمروا المجامع الذي
لم يمن بذلك أي: بغسل الذكر والوضوء، والإشارة ترجع إلى الجملة باعتبار المذكور. قوله:
((وأخبرني أبو سلمة)) كذا وقع في رواية أبي ذر، ووقع في رواية الباقين قال يحبى: وأخبرني
أبو سلمة، وهذا هو المراد لأنه معطوف على قوله: قال يحيى: وأخبرني أبو سلمة أن عطاء
ابن يسار، فيكون داخلاً في الإسناد فيندفع بهذا قول من يقول: إن ظاهره معلق، والدليل عليه
أيضاً ما رواه مسلم من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه بالإسنادين جميعاً. قوله:
((أنه سمع ذلك)) أي: أخبر أبو أيوب الأنصاري عروة بن الزبير أنه سمع ذلك. أي: غسل
الذكر والوضوء كوضوء الصلاة، وتذكير الإشارة باعتبار المذكور كما قلنا آنفاً مثله، وقال
الدارقطني: فيه وهم، لأن أبا أيوب لم يسمعه من رسول الله عَّه، وإنما سمعه من أبي بن
كعب عن رسول الله عَّلله قال ذلك هشام عن أبيه عن أبي أيوب عن أبي بن كعب. قلت:
قوله: لم يسمعه من رسول الله عَّهِ. نفي، وقد جاء هذا الحديث من وجه آخر عن أبي
أيوب عن النبي عَّ له، وهو إثبات، والإثبات مقدم على النفي، على أن أبا سلمة بن عبد
الرحمن بن عوف أكبر قدراً وسناً وعلماً من هشام بن عروة، وحديث الإثبات رواه الدارمي
وابن ماجة. فإن قلت: حكى الأثرم عن أحمد أن حديث زيد بن خالد المذكور في هذا
الباب معلول لأنه ثبت عن هؤلاء الخمسة الفتوى بخلاف ما في هذا الحديث. قلت: أفتوا
بخلافه لا يقدح في صحة الحديث، لأنه كم من حديث منسوخ وهو صحيح، فلا منافاة
بينهما، ألا ترى أن أبياً، رضي الله تعالى عنه، كان يرى الماء من الماء لظاهر الحديث، ثم
أخبر عنه سهل بن سعد أن النبي عَّه جعل الماء من الماء رخصة في أول الإسلام، ثم نهى
٠٠٠
i
i
٠ جدة

٣٧٤
٥ - كتاب الغسل / باب (٢٩)
عن ذلك وأمره بالغسل.
وأما الذي يستنبط من حديث الباب إن الذي يجامع امرأته ولم ينزل منيه لا يجب
عليه الغسل، وإنما عليه أن يغسل ذكره ويتوضأ وضوءه للصلاة وهذا منسوخ لما بيناه
ومذهب الجمهور هو أن إيجاب الغسل لا يتوقف على إنزال المني، بل متى غابت
الحشفة في الفرج وجب الغسل على الرجل والمرأة، ولهذا جاء في رواية أخرى في
(الصحيح) وإن لم ينزل، وفي (المغني) لابن قدامة تغييب الحشفة في الفرج هو الموجب
للغسل سواء كان الفرج قبلاً أو دبراً من كل حيوان آدمي أو بهيم حياً أو ميتاً طائعاً أو مكرهاً،
نائماً أو مستيقظاً انتهى. وقال أصحابنا: والتقاء الختانين يوجب الغسل أي: مع تواري الحشفة
فإن نفس ملاقاة الفرج بالفرج من غير التواري لا يوجب الغسل، ولكن يوجب الوضوء
عندهما، خلافاً لمحمد. وفي (المحيط) لو أتى امرأته وهي بكر فلا غسل ما لم ينزل، لأن
ببقاء البكارة يعلم أنه لم يوجد الإيلاج، ولكن إذا جومعت البكر فيما دون الفرج فحبلت
فعليهما الغسل لوجود الإنزال لأنه لا حبل بدونه، وقال أبو حنيفة: لا يجب الغسل بوطء
البهيمة أو الميتة إلاّ بإنزال.
٢٩٣/٤٤ - حدثنا مُسَدَّدٌّ قالَ حدّثنا يَحْتِى عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوة قالَ أَخْبَرَنِي أبي قالَ
أَخْبَرَنِي أَبُو أَيُّوبَ قال أَخْبَرَني أُبَيُّ بْنُ كَغْبٍ أَنَّهُ قالَ يا رسولَ اللهِ إِذَا جَامَعَ الرَّجْلُ المَرْأَةَ فَلَمْ
يُنْزِلْ قالَ: (يَغْسِلُ ما مَسّ المَرْأَةَ مِنْهُ ثُمَّ يَتَوَضَأُ وَيُصَلِي)).
مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله وهم ستة: الأول: مسدد بن مسرهد. والثاني: يحيى القطان. والثالث:
هشام بن عروة. والرابع: أبوه عروة بن الزبير أشار إليه بقوله: أخبرني أبي، وربما يظن ظان أنه
أبي، بضم الهمزة، وهو أبي ابن كعب لكونه ذكر في الإسناد. والخامس: أبو أيوب
الأنصاري، واسمه خالد بن زيد. والسادس: أبي بن كعب.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: الإخبار بصيغة
الإفراد في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في موضع واحد. وفيه: رواية الصحابي عن الصحابي،
وأبو أيوب يروي عن رسول الله عَّ له في تلك الطريق بلا واسطة وفي هذه الطريق بواسطة
لأن الطريقين مختلفان في اللفظ والمعنى وإن توافقا في بعض الأحكام مع جواز سماعه من
رسول الله عَلله، ومن أبي بن كعب وذكر الواسطة تكون للتقوية أو لغرض آخر.
ذكر معناه قوله: ((إذا جامع الرجل المرأة)) ويروى: ((امرأته)) قوله: ((ما مس المرأة
منه)) وفي: مس، ضمير وهو فاعله يرجع إلى كلمة ما، ومحلها النصب على أنها مفعول
لقوله: ((يغسل)) أي: يغسل الرجل المذكور العضو الذي مس فرج المرأة من أعضائه، قال
الكرماني: فإن قلت: المقصود منه بيان ما أصابه من رطوبة فرج المرأة، فكيف يدل عليه
وظاهر، أن ما مس المرأة مطلقاً من يد ورجل ونحوه لا يجب غسله؟ قلت: فيه إما إضمار أو

٣٧٥
٥ - كتاب الغسل / باب (٢٩)
كناية، لأن تقديره يغسل عضواً مس فرج المرأة، وهو إطلاق اسم اللازم، وهو: مس المرأة،
وإرادة اللزوم، وهو إصابة رطوبة فرجها. قوله: ((ثم يتوضأ)) صريح بتأخير الوضوء عن غسل ما
يصيبه منها، وزاد عبد الرزاق عن الثوري عن هشام فيه، وضوءه للصلاة. قوله: ((ويصلي)) هو
صريح في الدلالة على ترك الغسل من الحديث الذي قبله.
قالَ أبو عبدِ اللهِ الْفُسْلُ أخُوَطُ وذَاكَ الآخِيرُ إنَّما بَيَّنَّا لإِخْتِلاَفِهِمْ
فاعل: قال، محذوف هو الراوي عن البخاري. وأبو عبد الله، هو كنية البخاري. قوله:
((الغسل أحوط)) مقول القول، أي: الاغتسال من الجماع بغير إنزال أحوط أي: أكثر احتياطاً
في أمر الدين، وأشار بقوله: وذلك الأخير، إلى أن هذا الحديث الذي في الباب غير منسوخ
أي: آخر الأمرين من الشارع. قوله: (الأخير)) على وزن فعيل، وهو رواية أبي ذر، وفي رواية
غيره، وذلك الآخر، بالمد بغير ياء، وقال ابن التين: ضبطناه بفتح الخاء. قوله: ((إنما بينا
لاختلافهم)) وفي رواية كريمة: ((إنما بينا اختلافهم)) وفي رواية الأصيلي: ((إنما بيناه لاختلافهم))
أي: لأجل اختلاف الصحابة في الوجوب وعدمه، أو لاختلاف المحدثين في صحته
وعدمها، وقد خبط ابن العربي على البخاري لمخالفته في هذا الجمهور، فإن إيجاب الغسل
أطبق عليه الصحابة. ومن بعدهم، وما خلف إلاّ داود، ولا عبرة بخلافه، وكيف يحكم
باستحباب الغسل وهو أحد أئمة الدين، ومن أجلة علماء المسلمين، ثم قال: ويحتمل أن
يكون مراده بقوله: الغسل أحوط، أي: في الدين؟ وهو باب مشهور في أصول الدين، ثم قال:
وهو الأشبه بإمامته وعلمه؟ قال بعضهم: قلت: وهذا هو الظاهر من تصرفه، فإنه لم يترجم
بجواز ترك الغسل، وإنما ترجم ببعض ما يستفاد من الحديث بغير هذه المسألة. قلت: من
ترجمته يفهم جواز ترك الغسل لأنه اقتصر على غسل ما يصيب الرجل من المرأة وأنه هو
الواجب، والغسل غير واجب، ولكنه مستحب للاحتياط. وأما قول ابن العربي: أطبق عليه
الصحابة، ففيه نظر، فإن الخلاف مشهور في الصحابة ثبت عن جماعة منهم، كذا قال
بعضهم: قلت، لقائل أن يقول: انعقد الإجماع عليه فارتفع الخلاف، بيانه ما رواه الطحاوي:
حدّثنا روح بن الفرج، قال: حدثني يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: حدثني الليث، قال:
حدثني معمر بن أبي حيية، بضم الحاء المهملة وفتح الياء آخر الحروف المكررة، فهي حيية
بنت مرة بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن شعيب، قاله الزبير، وقال ابن ماكولا ومن قال فيه
ابن أبي حبيبة، فقد غلط ومعمر هذا يروي عن عبيد الله بن عدي بن الخيار، قال تذاكر
أصحاب رسول الله عَّ عند عمر بن الخطاب الغسل من الجنابة، فقال بعضهم: إذا جاوز
الختان الختان فقد وجب الغسل، وقال بعضهم: الماء من الماء. فقال عمر: قد اختلفتم وأنتم
أهل بدر الأخيار، فكيف بالناس بعدكم؟ فقال علي بن أبي طالب: يا أمير المؤمنين! إن أردت
أن تعلم ذلك فارسل إلى أزواج النبي عَ ل فاسألهن عن ذلك: فأرسل إلى عائشة فقالت: إذا
جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل. فقال عمر عند ذلك لا أسمع أحداً يقول: الماء من
i
i

٣٧٦
٥ - كتاب الغسل / باب (٢٩)
الماء، إلاَّ جعلته نكالاً. قال الطحاوي: فهذا عمر قد حمل الناس على هذا بحضرة أصحاب
رسول الله عَّ له فلم ينكر ذلك عليه منكر وادعى ابن القصار أن الخلاف ارتفع بين التابعين،
وفيه نظر، لأن الخطابي قال: قال به جماعة من الصحابة، فسمى بعضهم: ومن التابعين
الأعمش، وتبعه القاضي عياض: ولكنه قال: لم يقل به أحد من بعد أصحابه غيره، وفيه نظر،
لأنه قد ثبت ذلك عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وهو في (سنن أبي داود) بإسناد صحيح
حدّثنا أحمد بن صالح، قال: حدّثنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو عن ابن شهاب عن أبي
سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري: ((أن رسول الله عَّم قال: الماء من الماء))
وكان أبو سلمة يفعل ذلك، وعند هاشم ابن عروة عن عبد الرزاق وعنده أيضاً عن أبي
جريج عن عطاء أنه قال: لا تطيب نفسي حتى أغتسل من أجل اختلاف الناس لآخذ بالعروة
الوثقى.
١
١٠٠

بسم الله الرحمن الرحيم
٦ - كتاب الحيض
أي: هذا كتاب في بيان أحكام الحيض. ولما فرغ مما ورد في بيان أحكام الطهارة
من الإحداث أصلاً وخلفاً، شرع في بيان ما ورد في بيان الحيض الذي هو من الأنجاس،
وقدم ما ورد فيه على ما ورد في النفاس لكثرة وقوع الحيض بالنسبة إلى وقوع النفاس.
هوة
والحيض في اللغة السيلان، يقال حاضت السمرة، وهي شجرة يسيل منها شيء
كالدم، ويقال: الحيض لغة الدم الخارج يقال: حاضت الأرانب، إذا خرج منها الدم وفي
(العباب) التحييض التسييل، يقال حاضت المرأة تحيض حيضاً ومحاضاً ومحيضاً. وعن
اللحياني: حاض وجاض وحاص، بالمهملتين، وحاد كلها بمعنى: والمرأة حائض، وهي اللغة
الفصيحة الفاشية بغير تاء، واختلف النحاة في ذلك، فقال الخليل: لما لم يكن جارياً على
الفعل كان بمنزلة المنسوب بمعنى حائضي، أي: ذات حيض، كدارع ونابل وتامر ولابن، وكذا
طالق وطامث وقاعد للآيسة أي: ذات طلاق ومذهب سيبويه أن ذلك صفة شيء مذكر أي
شيء أو إنسان أو شخص حائض. ومذهب الكوفيين أنه استغنى عن علامة التأنيث لأنه
مخصوص بالمؤنث، ونقض: بجمل بازل، وناقة باذل، وضامر فيهما.
وأما معناه في الشرع فهو: دم ينفضه رحم امرأة سليمة عن داء وصغر، وقال الأزهري:
الحيض دم يرخيه رحم المرأة بعد بلوغها في أوقات معتادة من قعر الرحم، وقال الكرخي:
الحيض دم تصير به المرأة بالغة بابتداء خروجه، وقيل: هو دم ممتد خارج عن موضع
مخصوص، وهو القيل، والاستحاضة، جريان الدم في غير أوانه، وقال أصحابنا: الاستحاضة
ما تراه المرأة في أقل من ثلاثة أيام أو على أكثر من عشرة أيام.
وقَوْلِ اللّهِ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المحيضِ قُلْ هُوَ أذىَّ فَاعَتَزِلُوا النِّسَاءَ
في المَحِيضِ﴾ إلى قوله: ﴿وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]
قول الله بالجر، عطفاً على قوله: الحيض المضاف إليه لفظ، كتاب، وسبب نزول
هذه الآية ما رواه مسلم من حديث أنس، رضي الله تعالى عنه: ((أن اليهود كانوا إذا حاضت
المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوها في البيوت فسأل أصحاب رسول الله عَ ظله فأنزل الله
تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض﴾ [البقرة: ٢٢٢] الآية فقال النبي عَّة: ((افعلوا كل شيء
إلاَّ النكاح)) وقال الواحدي: السائل هو أبو الدحداح، وفي مسلم أن أسيد بن حضير وعباد بن
بشر قالا بعد ذلك، أفلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله عَ له، الحديث، وهذا بيان للأذى
المذكور في الآية وقال الطبري: سمي الحيض أذىً لنتنه وقذره ونجاسته، وقال الخطابي:
الأذى المكروه الذي ليس بشديد كما قال تعالى: ﴿لن يضروكم إلاّ أذَى﴾ [آل عمران:
٣٧٧
أجدد
i
i

٣٧٨
٦ - كتاب الحيضٍ / باب (١)
١١١] فالمعنى أن المحيض أذىّ يعتزل من المرأة بوضعه، ولكن لا يتعدى ذلك إلى بقية
بدنها. قالوا: والمراد من المحيض الأول الدم، وأما الثاني فقد اختلف فيه أهو نفس الدم أو
زمن الحيض، أو الفرج؟ والأول هو الأصح. فإن قلت: أورد هذه الآية هاهنا ولم يبين منها
شيئاً فما كانت فائدة ذكرها هاهنا. قلت: أقل فائدة التنبيه إلى نجاسة الحيض، والإشارة أيضاً
إلى وجوب الاعتزال عنهن في حالة الحيض، وغير ذلك.
١ - بابُ كَيْفَ كانَ بَدْهُ الحَيْضِ
أي: هذا باب، فارتفاعه على أنه خبر مبتدأ محذوف، ويجوز فيه التنوين بالقطع عما
بعده، وتركه للإضافة إلى ما بعده، والباب أصله: البوب، قلبت الواو ألفاً لتحركها وانفتاح ما
قبلها، ويجمع على أبواب وأبوبة، والمراد من الباب هنا النوع. كما في قولهم: من فتح باباً
من العلم أي: نوعاً، وكلمة كيف اسم لدخول الجار عليه بلا تأويل في قولهم: على كيف
تبيع الأحمرين؟ فإن قلت: ما محل: كيف، من الإعراب؟ قلت: يجوز أن تكون حالاً، كما
في قولك كيف جاء زيد، أي: على أي حالة جاء زيد؟ والتقدير هاهنا على أي حالة كان
ابتداء الحيض؟ ولفظ كان من الأفعال الناقصة تدل على الزمان الماضي من غير تعرض
لزواله في الحال أو لا زواله وبهذا يفترق عن: صار، فإن معناه الانتقال من حال إلى حال،
ولهذا لا يجوز أن يقال: صار الله، ولا يقال إلا كان الله. قوله: ((بدء الحيض)) من بدأ يبدؤ
بدوءاً أي: ظهر، والبدأ بالهمزة في آخره على فعل، بسكون العين من بدأت الشيء بدأ:
ابتدأت به.
وقَوْلُ النَّبِيِّ عَِّ هذا ◌َشَيْءٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ
هذا من تعليقات البخاري، والآن يذكره موصولاً لا عقيب هذا، وسيذكره أيضاً في
الباب السادس في جملة حديث، وقال بعضهم: وقول النبي عَّهِ: هذا شيء، يشير إلى
حديث عائشة المذكور عقيبه. قلت: هذا الكلام غير صحيح، بل قوله عَ له: هذا شيء، يشير
به إلى الحيض فكذلك لفظ: شيء في الحديث الذي سيأتي في الباب السادس، ولكنه
بلفظ: ((فإن ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم)) وفي الحديث الذي عقيبه: ((إن هذا أمر كتبه
الله على بنات آدم)) وعلى كل تقدير الإشارة إلى الحيض، وقد استدركه هذا القائل في آخر
كلامه بقوله: والإشارة بقوله هذا إلى الحيض.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ كَان أَوَّلُ مَا أُرْسِلَ الحَيْضُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل
هذا قول عبد الله بن مسعود وعائشة، رضي الله تعالى عنهما. أخرجه عبد الرزاق
عنهما ولفظه «كان الرجال والنساء في بني إسرائيل يصلون جميعاً، وكانت المرأة تتشرف
للرجل فألقى الله عليهن الحيض ومنعهن المساجد)). فإن قلت: الحيض أرسل على بنات بني
.5.

٣٧٩
٦ - كتاب الحيضٍ / باب (١)
إسرائيل على هذا القول: ولم يرسل على بنيه، فكيف قال: على بني إسرائيل؟ قلت: قال
الكرماني: يستعمل بنو إسرائيل، ويراد به أولاده، كما يراد من بني آدم أولاده. أو المراد به
القبيلة. قلت: هذا من حيث اللغة يمشي، ومن حيث العرف لا يذكر الإبن ويراد به الولد،
حتى لو أوصى بثلث ماله لابن زيد، وله ابن وبنت لا تدخل البنت فيه، ودخول البنات في
بني آدم بطريق التبعية. وقوله: أو المراد به القبيلة، ليس له وجه أصلاً لأن القبيلة تجمع الكل
فيدخل فيه الرجال أيضاً. وقد علم أن طبقات العرب ست، فالقبائل تجمع الكل ويمكن أن
يقال إن المضاف فيه محذوف تقديره، على بنات بني إسرائيل، يشهد بذلك قوله: عليه
الصلاة والسلام: ((كتبه الله على بنات بني آدم)) وقد ذكر التوفيق بينهما عن قريب إن شاء الله
تعالى. فإن قلت: ما محل قوله: على بني إسرائيل من الإعراب؟ قلت: النصب لأنها جملة
وقعت خبراً لكان قوله أول مرفوع لأنه اسمه، وكلمة ما، مصدرية تقديره، كان أول إرسال
الحيض على بني إسرائيل.
قالَ أبُو عِبْدِ اللَّهِ وَحَدِيثُ النَّبِيِّصََِّّ اْثَرُ
أبو عبد الله هو البخاري نفسه، وكأنه أشار بهذا الكلام إلى درجة التوفيق بين الخبرين،
وهو أن كلام الرسول، عَّ له أكثر قوة وقبولاً من كلام غيره من الصحابة، رضي الله تعالى
عنهم. وقال الكرماني:، ويروى: ((أكبر)) بالباء الموحدة، ومعناه: على هذا، وحديث النبي
عَ لّه أعظم وأجل وآكد ثبوتاً وفسر الكرماني الأكثر، بالثاء المثلثة، أي: أشمل، لأنه يتناول
بنات إسرائيل وغيرهن، وقال بعضهم: أكثر أي: أشمل لأنه عام في جميع بنات بني آدم،
فيتناول الإسرائيليات ومن قبلهن. قلت: لم لا يجوز أن يكون الشمول في بنات إسرائيل ومن
بعدهن؟ وقال الداودي ليس بينهما مخالفة، فإن نساء بني إسرائيل من بنات آدم، وقال
بعضهم: فعلى هذا فقوله: بنات آدم أريد به الخصوص. قلت: ما أبعد كلام الداودي في
التوفيق بينهما. نعم، نحن ما ننكر أن نساء بني إسرائيل من بنات آدم، ولكن الكلام في لفظ
الأولية فيهما ولا تنتفي المخالفة إلا بالتوفيق بين لفظي الأولية، وأبعد من هذا قول هذا
القائل: عام أريد به الخصوص فكيف يجوز تخصيص عموم كلام النبي عَ ◌ّهِ بكلام غيره؟ ثم
قال هذا القائل: ويمكن أن يجمع بينهما بأن الذي أرسل على نساء بني إسرائيل طول مكثه
بهن عقوبة لهن لا ابتداء وجوده. قلت: هذا كلام من لا يذوق المعنى، وكيف يقول: لا
ابتداء وجوده؟ والخبر فيه أول ما أرسل، وبينه وبين كلامه منافاة، وأيضاً من أين ورد أن
الحيض طال مكثه في نساء بني إسرائيل؟ ومن نقل هذا؟ وقد روى الحاكم بإسناد صحيح
عن ابن عباس: رضي الله تعالى عنهما. أن ابتداء الحيض كان على حواء، عليها الصلاة
والسلام، بعد أن أهبطت من الجنة وكذا رواه ابن المنذر. وقد روى الطبري وغيره عن ابن
عباس وغيره أن قوله تعالى في قصة إبراهيم عَ له: ﴿وامرأته قائمة فضحكت﴾ [هود: ٧١]
أي: حاضت، والقصة متقدمة على بني إسرائيل بلا ريب، لأن إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق
vo۴۴
جوز
جوة

h. m
٣٨٠
٦ - كتاب الحيضِ / باب (١)
ابن إبراهيم، عليهم الصلاة والسلام. قلت: ولقد حضر لي جواب في التوفيق من الأنوار
الإلهية بعونه ولطفه، وهو أنه، يمكن أن الله تعالى قطع نسائهم، لأن من حكم الله تعالى أنه
جعل الحيض مسبباً لوجود النسل، ألا ترى أن المرأة إذا ارتفع حيضها لا تحمل عادة؟ أعاده
عليهن كان ذلك أول الحيض بالنسبة إلى مدة الانقطاع، فأطلق الأولية عليه بهذا الاعتبار،
لأنها من الأمور النسبية فافهم.
٢٩٤/١ _ حدّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللَّهِ المَدِينِي قالَ حدّثنا سُفْيَانُ قالَ سَمِعْتُ عَبْدَ
الرَّحْمِنِ بْنَ القَاسِمِ قالَ سَمِعْتُ القَاسِمَ يَقُولُ سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ خَرَجْنَا لا نَرَى إلاَّ الحَجْ
فَلَمَّا كُنَّا بِسَرِفَ حِضْتُ فَدَخَلَ عَلَيَّ رسولُ اللَّهِ عَ لَه وأنَا أَنْكِي فقال مالَكَ أَنْفِسْتِ قُلْتُ نَعَمْ
قال إنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ فَاقْضِي ما يَقْضِي الْحَاجُ غَيْرَ أَنْ لاَ تَطُوفِي
بِالْبَيْتِ قَالَتْ وضَحَّى رسولُ اللَّهِ عَ لَه عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَر. [الحديث ٢٩٤ - أطرافه في:
٣٠٥، ٣١٦، ٣١٧، ٣١٩، ٣٢٨، ١٥١٦، ١٥١٨، ١٥٥٦، ١٥٦٠، ١٥٦١، ١٥٦٢،
١٦٣٨، ١٦٥٠، ١٧٠٩، ١٧٢٠، ١٧٣٣، ١٧٥٧، ١٧٦٢، ١٧٧١، ١٧٧٢، ١٧٨٣،
١٧٨٦، ١٧٨٧، ١٧٨٨، ٢٩٥٢، ٢٩٨٤، ٤٣٩٥، ٤٤٠١، ٤٤٠٨، ٥٣٢٩، ٧٥٥٤٨
٥٥٥٩، ٦١٥٧، ٧٢٢٩].
مطابقة الحديث للترجمة في قوله: ((إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم)). وعلى
رأس هذا الحديث في رواية أبي ذر وأبي الوقت باب الأمر بالنفساء إذا نفس، وفي أكثر
الروايات هذه الترجمة ساقطة، أي: هذا باب في بيان الأمر المتعلق بالنفساء، قال الكرماني:
البحث في الحيض، فما وجه تعلقه به. قلت: المراد بالنفساء الحائض. قلت: النفساء مفرد،
وجمعه نفاس. وقال الجوهري ليس في الكلام من فعلاء يجمع على فعال غير نفساء
وعشراء، وهي الحامل من البهائم، ثم قلت: ويجمع أيضاً على نفساوات بضم النون، وقال
صاحب (المطالع) بالفتح أيضاً، ويجمع أيضاً على نفس، بضم النون والفاء، قال: ويقال في
الواحد نفسى مثل كبرى، وبفتح النون أيضاً، وامرأتان نفساوان، ونساء نفاس، والنفاس مصدر
نفست المرأة بضم النون وفتحها إذا ولدت فهي نفساء قوله: إذا نفس، بضم الفاء وفتحها،
والضمير الذي فيه يرجع إلى النفساء، وتذكيره باعتبار الشخص أو لعدم الإلتباس كما ذكرناه
عن قريب فإن قلت: الباء في النفساء ما هي؟ قلت: زائدة لأن النفساء مأمورة لا مأمور بها، أو
يكون التقدير الأمر الملتبس بالنفساء.
ذكر رجاله وهم خمسة: الأول: علي بن عبد الله المديني، بفتح الميم وكسر الدال
قال ابن الأثير: منسوب إلى مدينة رسول الله عَّ ه وهذا أحد ما استعمل بالنسب فيه خارجاً
عن القياس، فإن قياسه المدني، وقال الجوهري: تقول في النسبة إلى مدينة رسول الله عَ ليه
مدني وإلى مدينة المنصور: مديني، للفرق. الثاني: سفيان بن عيينة. الثالث: عبد الرحمن
ابن القاسم. الرابع: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه. الخامس:
عائشة الصديقة، رضي الله تعالى عنها.
٠٠٠