Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٥٣) أيضاً، وهو بسند صحيح، قال: حدثني أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة عن أبيه عن أم سلمة مرفوعا: ((إذا شربتم اللبن فمضمضوا فإن له دسماً)، وعنده أيضا من حديث عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد عن أبيه عن جده: أن رسول الله عَّ الله قال: ((فمضمضوا من اللبن فإن له دسما). وعند ابن أبي حاتم في (كتاب العلل) من حديث أنس: ((هاتوا ماء، فمضمض به)). وفي حديث جابر رضي الله عنه من عند ابن شاهين: ((فمضمض من دسمه)). وقال الشيخ أبو جعفر البغدادي: الذي رواه أبو داود بسند لا بأس به عن عثمان بن أبي شيبة عن زيد بن حباب عن مطيع بن راشد عن توبة العنبري، سمع أنس بن مالك أن رسول الله عَ ليه ((شرب لبناً فلم يمضمض ولم يتوضأ وصلى))، يدل على نسخ المضمضة. وقال صاحب (التلويح): يخدش فيه ما رواه أحمد بن منيع في (مسنده) بسند صحيح: حدّثنا إسماعيل حدّثنا أيوب عن ابن سيرين عن أنس، رضي الله تعالى عنه: ((أنه كان يمضمض من اللبن ثلاثاً)، فلو كان منسوخاً لما فعله بعد النبي، عليه الصلاة والسلام قلت: لا يلزم من فعله هذا، والصواب في هذا أن الأحاديث التي فيها الأمر بالمضمضة أمر استحباب لا وجوب، والدليل على ذلك ما رواه أبو داود المذكور آنفاً، وما رواه الشافعي، رحمه الله تعالى، بإسناد حسن عن أنس: ((أن النبي، عَِّ، شرب لبنا فلم يتمضمض ولم يتوضأ)). فإن قلت: ادعى ابن شاهين أن حديث أنس ناسخ لحديث ابن عباس. قلت: لم يقل به أحد، ومن قال فيه بالوجوب حتى يحتاج إلى دعوى النسخ؟. ٥٣ _ بابُ الوضوء مِنَ النؤْمِ أي: هذا باب في بيان الوضوء من النوم. هلي يجب أو يستحب؟ والمناسبة بين هذا الباب وبين الباب الذي قبله من حيث إن كلاً منهما مشتمل على حكم من أحكام الوضوء. وَمَنْ لَمْ يَرَ مِنَ النَّفْسِةِ والنَّغْسَتَيْنِ أوِ الخَفْقَةِ وُضُوءًا هذا عطف على ما قبله، والتقدير: وباب من لم ير من النعسة ... إلى آخره، والنعسة: على وزن فعلة: مرة من النعس، من باب: نعس، بفتح العين، ينعس: بضمها من باب: نصر ينصر؛ ومن قال: نعس، بضم العين فقد أخطأ. وفي (الموعب): وبعض بني عامر يقول: ينعس، بفتح العين. يقال: نعس ينعس نعساً ونعاساً فهو ناعس ونعسان. وامرأة نعسى. وقال ابن السكيت وثعلب: لا يقال: نعسان، وحكى الزجاج عن الفراء أنه قال: قد سمعت: نعسان، من أعرابي من عنزة، قال: ولكن لا أشتهيه. وعن صاحب (العين) أنه قال: وسمعناهم يقولون: نعسان ونعسى، حملوه على: وسنان ووسنى. وفي (المحكم): النعاس النوم. وقيل: ثقلته، وامرأة نعسانة وناعسة ونعوس، وفي (الصحاح) و (المجمل): النعاس: الوسن. وقال كراع. وسنان أي: ناعس، والسنة، بكسر السين، أصلها: وسنة، مثل: عدة أصلها وعدة، حذفت الواو عمدة القاري / ج٣/ ١١٢ ١ (١) ١٦٢ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٥٣) تبعاً لحذفها في مضارعه، ونقلت فتحتها إلى عين الفعل: وزنها عليه. قوله: ((والنعستين)) تثنية نعسة. قوله: ((أو الخفقة) عطف على قوله: ((النعسة)) وهو أيضاً على وزن فعلة: مرة، من الخفق، يقال: خفق الرجل، بفتح الفاء، يخفق خفقاً إذا حرك رأسه وهو ناعس؛ وفي (الغريبين): معنى تخفق رؤوسهم: تسقط أذقانهم على صدورهم. وقال ابن الأثير: خفق إذا نعس، والخفوق الاضطراب، وخفق الليل إذا ذهب. وقال ابن التين: الخفقة النعسة، وإنما كرر لاختلاف اللفظ، وقال بعضهم: الظاهر أنه من ذكر الخاص بعد العام قلت: على قول ابن التين بين النعس والخفقة مساواة، وعلى قول بعضهم: عموم وخصوص بمعنى أن كل خفقة نعسة، وليس كل نعسة خفقة، ويدل عليه ما قال أهل اللغة: خفق رأسه إذا حركها وهو ناعس. وقال ابو زيد: خفق برأسه من النعاس: أماله، ومنه قول الهروي في (الغريبين): تخفق رؤوسهم، كما ذكرناه، وفيه: الخفق مع النعاس. وقوله: هذا من حديث أخرجه محمد بن نصر في قيام الليل بإسناد صحيح عن أنس، رضي الله تعالى عنه: ((كان أصحاب رسول الله عٍَّ ينتظرون الصلاة فينعسون حتى تخفق رؤوسهم، ثم يقومون إلى الصلاة)). وقال بعضهم: ظاهر كلام البخاري: النعاس يسمى نوماً، والمشهور التفرقة بينهما، أن من فترت حواسه بحيث يسمع كلام جليسه ولا يفهم معناه فهو ناعس، وإن زاد على ذلك فهو نائم، ومن علامات النوم الرؤيا، طالت أو قصرت. قلت: لا نسلم أن ظاهر كلام البخاري يدل على عدم التفرقة، فإنه عطف قوله: ((ومن لم ير من النعسة ... )) إلى آخره على قوله: ((النوم والنعس)) في قوله: ((باب النوم)). والتحقيق في هذا المقام أن معنا ثلاثة أشياء: النوم والنعسة والخفقة. أما النوم: فمن قال: إن نفس النوم حدث يقول بوجوب الوضوء من النعاس، ومن قال: إن نفس النوم ليس بحدث لا يقول بوجوب الوضوء على الناس؛ وأما الخفقة: فقد روي عن ابن عباس أنه قال: وجب الوضوء على كل نائم إلاّ من خفق خفقة. فالبخاري أشار إلى هذه الثلاثة، فأشار إلى النوم بقوله: ((باب النوم)). والنوم فيه تفصيل كما نذكره عن قريب، وأشار بقوله: ((النعسة والنعستين)) إلى القول بعدم وجوب الوضوء في النعسة والنعستين، ويفهم من هذا أن النعسة إذا زادت على النعستين وجب الوضوء، لأنه يكون حينئذ نائماً مستغرقاً، وأشار إلى من يقول بعدم وجوب الوضوء على من يخفق خفقة واحدة، كما روي عن ابن عباس بقوله: ((أو الخفقة))، ويفهم من هذا أن الخفقة إذا زادت على الواحدة يجب الوضوء، ولهذا قيد ابن عباس الخفقة بالواحدة. وأما النوم ففيه أقوال. الأول: إن النوم لا ينقض الوضوء بحال، وهو محي عن أبي موسى الأشعري وسعيد بن المسيب، وأبي مجلز وحميد بن عبد الرحمن والأعرج، وقال ابن حزم: وإليه ذهب الأوزاعي، وهو قول صحيح عن جماعة من الصحابة وغيرهم، منهم: ابن عمر ومكحول وعبيدة السلماني. الثاني: النوم ينقض الوضوء على كل حال وهو مذهب الحسن والمزني وأبي عبد الله القاسم بن سلام وإسحاق بن راهويه، قال ابن المنذر: وهو ١٦٣ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٥٣) قول غريب عن الشافعي، قال: وبه أقول. قال: وروي معناه عن ابن عباس وأنس وأبي هريرة، وقال ابن حزم: النوم في ذاته حدث ينقض الوضوء، سواء قل أو كثر، قاعداً أو قائماً في صلاة أو غيرها أو راكعاً أو ساجداً أو متكئاً أو مضطجعاً، أيقن من حواليه أنه لم يحدث أو لم يوقنوا. الثالث: كثير النوم ينقض وقليله لا ينقض بكل حال، قال ابن المنذر: وهو قول الزهري وربيعة والأوزاعي ومالك وأحمد في إحدى الروايتين، وعند الترمذي: وقال بعضهم: إذا نام حتى غلب على عقله وجب عليه الوضوء، وبه يقول إسحاق. الرابع: إذا نام على هيئة من هيئات المصلي: كالراكع والساجد والقائم والقاعد، لا ينقض وضوءه، سواء كان في الصلاة أو لم يكن، فإن نام مضطجاً أو مستلقياً على قفاه انتقض، وهو قول أبي حنيفة وداود، وقول غريب للشافعي، وقاله أيضاً حماد بن أبي سليمان وسفيان. الخامس: لا ينقض إلاّ نوم الراكع، وهو قول عن أحمد ذكره ابن التين. السادس: لا ينقض إلاَّ نوم الساجد، روي أيضا عن أحمد. السابع: من نام ساجداً في مصلاه فليس عليه وضوء. وإن نام ساجداً في غير صلاة توضأ، وإن تعمد النوم في الصلاة فعليه الوضوء، وهو قول ابن المبارك. الثامن: لا ينقض النوم الوضوء في الصلاة، وينقض خارج الصلاة، وهو قول الشافعي. التاسع: إذا نام جالساً ممكناً مقعدته من الأرض لم ينقض، سواء قل أو كثر، وسواء كان في الصلاة أو خارجها، وهذا مذهب الشافعي، رحمه الله تعالى؛ وقال أبو بكر بن العربي: تتبع علماؤنا مسائل النوم المتعلقة بالأحاديث الجامع لتعارضها، فوجدوها أحد عشر حالاً: ماشياً، وقائماً، ومستنداً، وراكعاً، وقاعداً متربعاً، ومحتبياً، ومتكئاً، وراكباً، وساجداً، ومضطجعاً، ومستقراً. وهذا في حقنا، فأما سيدنا رسول الله عَ لّم فمن خصائصه أنه لا ينتقض وضوؤه بالنوم، مضطجعاً ولا غير مضطجع. i ٢١٢/٧٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عَنْ هِشامِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أن رسولَ الله عَ لِ قَالَ: ((إِذَا نَعَسَ أحَدُكُمْ وَهْوَ يُصَلِّي فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عنهُ النَّوْمُ فانَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى وَهْوَ ناعِسٌ لا يَدْرِي لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبَّ نَفْسَهُ)). مطابقة هذا الحديث والذي بعده للترجمة تفهم من معنى الحديث، فإن النبي عدّة. لما أوجب قطع الصلاة، وأمر بالرقاد دل ذلك على أنه كان مستغرقاً في النوم، فإنه علل ذلك بقوله: ((فان أحدكم ... )) إلخ، وفهم من ذلك أنه إذا كان النعاس أقل من ذلك، ولم يغلب عليه فإنه معفو عنه، ولا وضوء فيه: وأشار البخاري إلى ذلك بقوله: ((ومن لم ير من النعسة ... )) الخ، ولا غلبة في النعسة والنعستين، فإذا زادت يغلب عليه النوم فينتقض وضوؤه، كما ذكرنا، وكذلك لا غلبة في الخفقة الواحدة كما أشرنا إليه عن قريب، وقال ابن المنير: فإن قلت: كيف مخرج الترجمة من الحديث ومضمونها أن لا يتوضأ من النعاس الخفيف، ومضمون الحديث النهي عن الصلاة مع النعاس؟ قلت: إما أن يكون البخاري تلقاها من مفهوم تعليل النهي عن الصلاة حينئذ بذهاب العقل المؤدي إلى أن ينعكس الأمر: ((يريد أن يدعو فيسب نفسه))، فإنه دل أنه إن لم يبلغ هذا المبلغ صلى به، وإما أن يكون تلقاها من كونه إذا بدأ به i i i i ٣٠/١ ١٦٤ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٥٣) النعاس، وهو في النافلة اقتصر على إتمام ما هو فيه ولم يستأنف أخرى، فتماديه على ما كان فيه يدل على أن النعاس اليسير لا ينافي الطهارة، وليس بصريح في الحديث، بل يحتمل قطع الصلاة التي هو فيها، ويحتمل النهي عن استئناف شيء آخر، والأول أظهر. بيان رجاله وهم خمسة ذكروا كلهم غير مرة، وهشام هو ابن عروة يروي عن أبيه عروة بن الزبير بن العوام عن عائشة، رضي الله عنها. وفي رواية الأصيلي صرح بذكر عروة، والرواة كلهم مدنيون غير شيخ البخاري. بيان من أخرجه غيره أخرجه مسلم أيضاً في الصلاة عن قتيبة عن مالك. وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي عن مالك. بيان المعنى والإعراب قوله: ((وهو يصلي)) جملة إسمية وقعت حالا. قوله: («فليرقد» أي: فلينم، وللنسائي من طريق أيوب عن هشام: ((فلينصرف))، والمراد به الخروج من الصلاة بالتسليم، فإن قلت: فقد جاء في حديث ابن عباس، في نومه في بيت ميمونة رضي الله عنها: ((فجعلت إذا غفيت يأخذ بشحمتي أذني))، ولم يأمره بالنوم. قلت: لأنه جاء تلك الليلة ليتعلم منه ففعل ذلك ليكون أثبت له. فإن قلت: الشرط هو سبب للجزاء، فههنا النعاس سبب للنوم أو للأمر بالنوم؟ قلت: مثله محتمل للأمرين، كما يقال في نحو: اضربه تاديباً، لأن التأديب مفعول له، إما للأمر بالضرب وإما للمأمور به، والظاهر الأول. قوله: ((وهو ناعس)) جملة اسمية وقعت حالاً. فإن قلت: ما الفائدة في تغيير الأسلوب حيث قال: ثمة وهو يصلي، بلفظ الفعل، وههنا: وهو ناعس، بلفظ إسم الفاعل؟ قلت: ليدل على أنه لا يكفي تجدد أدنى نعاس وتقضيه في الحال، بل لا بد من ثبوته بحيث يفضي إلى عدم درايته بما يقول. وعدم علمه بما يقرأ. فإن قلت: هل فرق بين نعس وهو يصلي، وصلى وهو ناعس؟ قلت: الفرق الذي بين ضرب قائماً، وقام ضارباً، وهو احتمال القيام بدون الضرب في الأول، واحتمال الضرب بدون القيام في الثاني. وإنما اختار ذلك ثمة وهذا هنا لأن الحال قيد وفضلة، والأصل في الكلام هو ما له القيد، ففي الأول: لا شك أن النعاس هو علة الأمر بالرقاد لا الصلاة فهو المقصود الأصلي في التركيب، وفي الثاني: الصلاة علة للاستغفار، إذ تقدير الكلام: فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس يستغفر. وقوله: ((لا يدري)) وقع موقع الجزاء إذا كانت كلمة: إذا، شرطية. وإن لم تكن شرطية يكون خبراً: لأن، فافهم. قوله: ((لعله يستغفر)) أي: يريد الاستغفار، ((فيسب)) يعني: يدعو على نفسه، وصرح به النسائي في رواية من طريق أيوب عن هشام؛ وفي بعض النسخ: ((يسب))، بدون الفاء. فإن قلت: ما الفرق بينهما؟ قلت: بدون الفاء تكون الجملة حالاً، وبالفاء عطفاً على: ((يستغفر))؛ ويجوز في: ((يسب)) الرفع والنصب، أما الرفع فباعتبار عطف الفعل على الفعل، وأما النصب فباعتبار أنه جواب لكلمة: لعل، التي للترجي، فإنها مثل: ليت. فإن قلت: كيف يصح ههنا معنى الترجي؟ قلت: الترجي فيه عائد إلى المصلي لا إلى المتكلم به، أي: لا يدري أمستغفر أم ساب مترجياً للاستغفار، فهو في الواقع بضد ذلك. أو استعمل بمعنى التمكن بين الاستغفار ٠٠:١٢ :١٠ 7 44 ٥٠٠٣٠ عيم ١٦٥ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٥٣) والسب، لأن الترجي بين حصول المرجو وعدمه، فمعناه: لا يدري أيستغفر أم يسب؟ وهو متمكن منهما على السوية. بيان استنباط الأحكام الأول: أن فيه الأمر بقطع الصلاة عند غلبة النوم عليه، وأن وضوءه ينتقض حينئذ. الثاني: أن النعاس إذا كان أقل من ذلك يعفى عنه، فلا ينتقض وضوؤه، وقد أجمعوا على أن النوم القليل لا ينقض الوضوء، وخالف فيه المزني فقال: ينقض قليله وكثيره، لما ذكرنا. وقال المهلب وابن بطال وابن التين وغيرهم: إن المزني خرق الإجماع. قلت: هذا تحامل منهم عليه، لأن الذي قاله نقل عن بعض الصحابة التابعين، وقد ذكرناه عن قريب، إن شاء الله تعالى. الثالث: فيه الأخذ بالاحتياط لأنه علل بأمر محتمل. الرابع: فيه الدعاء في الصلاة من غير تعيين بشيء من الأدعية. الخامس: فيه الحث على الخشوع وحضور القلب في العبادة، وذلك لأن الناعس لا يحضر قلبه، والخشوع إنما يكون بحضور القلب. ٢١٣/٧٦ - حدّثنا أبو مَعْمَرٍ قال حدّثنا عَبْدُ الوَارِث قال حدّثنا أيُّوبُ عَنْ أبي قِلاَبَةً عَنْ أَنَسِ عَنِ النَّبِيِّ عَلِّ قَالَ: ((إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلاَةِ فَلْيَتَمْ حَتَّى يَعْلَمَ ما يَقرَأ). وجه المطابقة للترجمة قد ذكرناه بيان رجاله وهم خمسة: الأول: أبو معمر، بفتح الميمين: هو عبد الله بن عمرو المشهور بالمقعد، تقدم ذكره في باب قول النبي، عليه الصلاة والسلام: ((اللهم علمه الكتاب)). الثاني: عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان التنوري، تقدم في الباب المذكور. الثالث: أيوب السختياني، سبق ذكره في باب حلاوة الإيمان. الرابع: أبو قلابة، بكسر القاف وتخفيف اللام: واسمه عبد الله بن زيد الحرمي، سبق ذكره في الباب المذكور. الخامس: أنس بن مالك، رضي الله تعالى عنه. i ٠٠٠٦ بيان لطائف إسناده منها: أن فيه التحديث بصيغة الجمع والعنعنة. ومنها: أن رواته كلهم بصريون. ومنها: أن فيه رواية التابعي عن التابعي، وهما: أيوب وأبو قلابة، رحمهما الله تعالی. بيان من أخرجه غيره أخرجه النسائي أيضاً في الطهارة عن يعقوب بن إبراهيم عن محمد بن عبد الرحمن الطفاوي عن أيوب. بيان المعنى والإعراب قوله: ((إذا نعس أحدكم)) ليس في بعض النسخ لفظ: أحدكم، بل الموجود: إذا نعس، فقط أي: إذا نعس المصلي، وحذف فاعله للعلم به بقرينة ذكر الصلاة، وقد جاء في رواية الإسماعيلي: ((إذا نعس أحدكم))، وفي (مسند) محمد بن نصر من طريق وهيب عن أيوب: ((فلينصرف)). قوله: ((فلينم)) قال المهلب: إنما هذا في صلاة الليل، لأن الفريضة ليست في أوقات النوم، ولا فيها من التطويل ما يوجب ذلك. قلنا: العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب. قوله: ((في الصلاة)) وفي بعض النسخ ليس فيه ذكر هوة i ١٦٦ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٥٤) الصلاة. قوله: ((حتى يعلم)) بالنصب لا غير، وقال الكرماني: قيل معنى: ((فينم))؛ فليتجوز في الصلاة ويتمها وينام. قوله: ((ما يقرأ)) كلمة: ما، موصولة، والعائد المفعول محذوف، والتقدير: ما يقرؤه، ويحتمل أن تكون استفهامية. وقال الإسماعيلي: في هذا الحديث اضطراب، لأن حماد بن زيد رواه فوقفه، وقال فيه: قرىء علي كتاب عن أبي قلابة، فعرفته. ورواه عبد الوهاب الثقفي عن أيوب فلم يذكر أنساً. وأجيب: بأن هذا لا يوجب الاضطراب، لأن رواية عبد الوارث أرجح بموافقة وهيب والطفاوي له عن أيوب. قوله: ((قرىء على)) لا يدل على أنه لم يسمعه من أبي قلابة، بل يحمل على أنه عرف أنه فيما سمعه من أبي قلابة. بيان استنباط الأحكام الأول: أن فيه الأمر بقطع الصلاة عند غلبة النوم. الثاني: أن قليل النوم معفو كما ذكرنا في الحديث السابق، لأن ذلك يوضح معنى هذا. الثالث: فيه الحث على الخضوع والخشوع، وذلك بطريق الالتزام. ٥٤ _ بابُ الوُضُوءِ مِنْ غَيْرِ حَدَثٍ أي: هذا باب في بيان حكم الوضوء من غير حدث، والمراد به وضوء المتوضى يعني: يكون على طهارة ثم يتطهر ثانياً من غير حدث بينهما. والمناسبة بين البابين ظاهرة، لكون كل منهما من تعلقات الوضوء. ٢١٤/٧٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قالَ حدّثنا سُفْيانُ عَنْ عَمْرِو بنِ عامِرٍ قالَ سَمِعْتُ أَنَساً حِ قالَ وحدّثنا مُسَدَّدٌ قال حدّثنا يَخِىَ عَنْ سُفْيانَ قالَ حدّثني عَمْرُو بنُ عامِرٍ عَنْ أَنَسِ قالَ كانَ النبيُّ عَ لَّهِ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلاَةٍ قُلْتُ كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ قَالَ يُجْزِئُ أحَدَنَا الوُضُوءُ ما لَمْ يُخْدِثْ. مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة. بيان رجاله وهم ستة؛ وللحديث إسنادان: أحدهما عن محمد بن يوسف الفريابي مر في باب: لا يمسك ذكره بيمينه، عن سفيان الثوري تقدم في باب علامة المنافق عن عمرو، بالواو، ابن عامر الأنصاري الثقة الصالح، روى له الجماعة عن أنس بن مالك. والآخر عن مسدد بن مسرهد، تكرر ذكره عن يحيى القطان، مر ذكره، وهذا تحويل من إسناد إلى إسناد آخر، وفي بعض النسخ بعد قوله: سمع أنساً صورة: ح، وهو إشارة إلى التحويل، أو إلى الحائل أو إلى: صح، أو إلى الحديث، وقد مر تحقيقه. بيان لطائف إسناده منها: أن في الإسناد الأول التحديث بصيغة الجمع والعنعنة والسماع. وفي الثاني: التحديث بصيغة الجمع والتحديث بصيغة الإفراد والعنعنة. ومنها: أن في الإسناد الأول: بين البخاري وبين سفيان رجل. وفي الثاني: بينهما رجلان. ومنها: أن في الإسناد الثاني: صرح بسماع سفيان عن عمرو حيث قال: حدثني عمرو، وفي الاول: قال عن عمرو، وسفيان من المدلسين، والمدلس لا يحتج بعنعنته إلا أن يثبت سماعه من ٤٫٢٧٥٥ ٠٢٥٠ ١٦٧ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٥٤) طريق آخر. ومنها: أن رواته ما بين فريابي وكوفي وبصري. ومنها: أن الإسناد الأول عال، والثاني نازل، وذلك بكون سفيان الثوري أتى بالحديث عن عمرو، وإنما قلنا: إنه هو الثوري لأنا لم نجد لسفيان بن عيينة عن عمرو رواية. بيان من أخرجه غيره أخرجه الترمذي في الطهارة عن ابن بشار عن يحيى وعبد الرحمن، كلاهما عن سفيان به، وقال: صحيح. وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن عبد الأعلى عن خالد عن شعبة عنه بمعناه. وأخرجه ابن ماجة فيه عن سويد بن سعيد عن شريك نحوه. وأخرجه الترمذي من حديث سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق عن حميد عن أنس: ((ان النبي عَّ كان يتوضأ لكل صلاة، طاهراً كان أو غير طاهر. قال: قلت لأنس: كيف كنتم تصنعون))؟ الحديث، وقال: حديث حميد عن أنس غريب من هذا الوجه، والمشهور عند أهل العلم حديث عمرو، وفي (العلل) قال الترمذي: سألت محمداً - يعني البخاري - عن هذا الحديث فقال: لا أدري ما سلمة هذا؟ ولم يعرف محمد هذا من حديث حمید. بيان المعنى والإعراب قوله: ((كان النبي عَّ يتوضأ)) هذه العبارة تدل على أنه كان عادة له. قوله: ((عند كل صلاة)) أراد بها الصلاة المفروضة من الأوقات الخمسة. قوله: ((قلت كيف تصنعون ... ))؟ الحديث. القائل عمرو بن عامر، والخطاب للصحابة، رضي الله عنهم، وكلمة: كيف، يسأل بها عن الحال. قوله: ((يجزىء))، بضم الياء آخر الحروف، أي: يكفي من أجزأني الشيء أي: كفاني، وفي رواية الإسماعيلي: يكتفى، وفاعله الوضوء بالرفع. قوله: ((أحدنا)) منصوب لأنه مفعول یجزىء. بيان استنباط الأحكام الأول: اختلفوا في هذا الباب، فذهبت طائفة من الظاهرية والشيعة إلى وجوب الوضوء لكل صلاة في حق المقيمين دون المسافرين، واحتجوا في ذلك بحديث بريدة بن الحصيب؛ ((أن النبي عَ لّه كان يتوضأ لكل صلاة، فلما كان يوم الفتح صلى الصلوات الخمس بوضوء واحد)). أخرجه الطحاوي وابن أبي شيبة وأبو يعلى، وأخرجه مسلم وأبو داود عنه، قال: ((صلى رسول الله عَ ليه يوم فتح مكة خمس صلوات بوضوء واحد ... ))، الحديث، وذهبت طائفة، الى أن الوضوء واجب لكل صلاة مطلقا من غير حدث، وروي ذلك عن ابن عمر وأبي موسى وجابر بن عبد الله، وعبيدة السلماني، وأبي العالية، وسعيد بن المسيب وإبراهيم والحسن. وحكى ابن حزم في (كتاب الإجماع) هذا المذهب عن عمرو بن عبيد، قال: وروينا عن إبراهيم النخعي أنه لا يصلى بوضوء واحدٍ أكثر من خمس صلوات، ومذهب أكثر العلماء من الأئمة الأربعة، وأكثر أصحاب الحديث وغيرهم: أن الوضوء لا يجب إلاَّ من حدث. وقالوا: لأن آية الوضوء نزلت في إيجاب الوضوء من الحدث عند القيام إلى الصلاة، لأن معنى قوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ [المائدة: ٦] إذا أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم محدثون، واستدل الدارمي على ذلك بقوله عَ له: ((لا وضوء إلا من حدث)). وحكى الشافعي مؤة i ١ i ١٦٨ ١٣٩٢ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٥٤) عمن لقيه من أهل العلم أن التقدير: إذا قمتم من النوم. فإن قلت: ظاهر الآية يقتضي التكرار، لأن الحكم المذكور وهو قوله: ﴿فاغسلوا﴾ [المائدة: ٦] معلق بالشرط، وهو ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ [المائدة: ٦] فيقتضي تكرار الحكم عند تكرار الشرط، كما هو القاعدة عندهم. قلت: المسألة مختلف فيها، والأكثرون على أنه لا يقتضيه لفظاً. وقال الزمخشري، رحمه الله تعالى: فإن قلت: ظاهر الآية يوجب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة، محدث وغير محدث، فما وجهه؟ قلت: يحتمل أن يكون الأمر للوجوب، فيكون الخطاب للمحدثين خاصة. وأن يكون للندب. فإن قلت: هل يجوز أن يكون الامر شاملاً للمحدثين وغيرهم، لهؤلاء على وجه الإيجاب ولهؤلاء على وجه الندب؟ قلت: لا، لأن تناول الكلمة الواحدة المعنيين مختلفين من باب الإلغاز والعمية. وقال الطحاوي، رحمه الله تعالى: قد يجوز أن يكون وضوؤه، عليه الصلاة والسلام، لكل صلاة على ما روى بريدة، كان ذلك على التماس الفضل لا على الوجوب، والدليل على ذلك ما رواه الطحاوي وابن أبي شيبة من حديث أبي عطيف الهذلي، قال: ((صليت مع عبد الله بن عمر، رضي الله تعالى عنهما، الظهر فانصرف في مجلس في داره، فانصرفت معه حتى إذا نودي بالعصر دعا بوضوءٍ فتوضأ، فقلت له: أي شيء هذا يا أبا عبد الرحمن الوضوء عند كل صلاة؟ فقال: وقد فطنت لهذا مني، ليست بسنة، إن كان لكافياً وضوئي لصلاة الصبح وصلواتي كلها ما لم أحدث، ولكني سمعت رسول الله عَّالله يقول: ((من توضأ على طهر كتب الله له بذلك عشر حسنات، ففي ذلك رغبت يا ابن أخي)). وقال الطحاوي: وقد روي عن أنس بن مالك ما يدل على ما ذكرنا، يعني اكتفاء المصلي بوضوء واحد لصلوات كثيرة ما لم يحدث، وذلك لأنه قد علم حكم ما ذكرنا من فعل رسول الله عَّلّه، ولم ير ذلك فرضاً، بل كان ذلك لإصابة الفضل، وإلاّ لما كان وسعه، ولا لغيره، أن يخالفوه. وقال الطحاوي أيضاً: ويجوز أن يكون ذلك فرضاً أولاً ثم نسخ، ثم استدل على ذلك بحديث أسماء ابنة زيد بن الخطاب ابن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر حدّثنا أن رسول الله عَّه أمر بالوضوء لكل صلاة طاهراً كان أو غير طاهر، فلما شق ذلك عليه أمر بالسواك لكل صلاة فهذا دل على النسخ. وفي رواية ابن خزيمة في (صحيحه): فلما شق ذلك عليه أمر بالسواك عند كل صلاة، ووضع عنه الوضوء إلاّ من حدث. ويقال في الجواب: يحتمل أن يكون ذلك من خصائص النبي عَّ له، وقال ابن شاهين: لم يبلغنا أن أحداً من الصحابة والتابعين كانوا يتعمدون الوضوء لكل صلاة إلاّ ابن عمر، وفيه نظر، لأنه روى ابن أبي شيبة: حدّثنا وكيع عن ابن عون عن ابن سيرين: كان الخلفاء يتوضأون لكل صلاة. وفي لفظ: كان أبو بكر وعمر وعثمان يتوضأون لكل صلاة. وقال بعضهم: يمكن حمل الآية على ظاهرها من غير نسخ، ويكون الأمر في حق المحدثين على الوجوب، وفي حق غيرهم للندب. قلت: هذا لا يصح لما ذكرنا عن قريب أنه على هذا يكون من باب الإلغاز، فلا يجوز. ١٣ ٠٠۵٠ ١٦٩ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٥٥) الثاني من الأحكام: فيه دلالة على فضيلة الوضوء لكل صلاة وحدها. الثالث: يجوز الاكتفاء بوضوء واحد ما لم يحدث. الرابع: فيه دلالة على وجوب الوضوء عند الحدث لمن يريد الصلاة. ٢١٥/٧٨ - حدّثنا خالِدُ بنُ مَخْلَدِ قالَ حدّثنا سُلَيْمانُ قال حدّثنا يحيى بنُ سَعِيدٍ قالَ أخبرني بُشَيْرُ بنُ يَسَارٍ قال أُخْبرني سُوَيْدُ بنُ النُّعْمانِ قال خَرَجْنَا مَعَ رسولِ اللهِ صَ لِّ عامَ خَيْبَرَ حِتِى إِذَا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ صَلَى لَنَا رَسولُ اللَّهِ مَّ ◌َِّ العَصْرَ فَلَمَّا صلى دعا بالأَطْعِمَةِ فَلَم يُؤْتَ إلاَّ بالسَّويقِ فأكَلْنَا وَشَرِيْنَا ثُمّ قامَ النَّبيُّ صلى اللَّهُ عليه وسلم إلَى المَغْرِبِ فَمَضْمَضَ ثُمَّ صلَّى لنَا المغْرِبَ ولَمْ يَتَوَضأ. [انظر الحديث: ٢٠٩ وأطرافه]. ة هذا الحديث قد تقدم في باب: من مضمض من السويق ولم يتوضأ عن قريب، وتكلمنا هناك بما يتعلق به، وهههنا ذكره ثانياً لفوائد. منها: أن هناك رواه عن عبد الله بن يوسف بالتحديث عن مالك بالإخبار عن يحيى بن سعيد بالعنعنة، وههنا روي عن خالد بن مخلد بالتحديث بصيغة الجمع عن سليمان بن بلال بالتحديث بصيغة الجمع عن يحيى بن سعيد بالتحديث بصيغة الإفراد صريحاً منه ومن شيخه بالإخبار بصيغة الإفراد، وعن شيخ شيخه بالإخبار بصيغة الجمع. ومنها: أن هناك قال: عن بشير بن يسار، مولى بني حارثة، أن سويد بن النعمان أخبره، بالإخبار بصيغة الإفراد، وههنا: أخبرني بشير بن يسار، قال: أخبرنا سويد بن النعمان، بصيغة الجمع. وهناك: أنه خرج مع رسول الله عَ ليه، وههنا: خرجنا مع رسول الله عٍَّ. وهناك: عام خيبر حتى إذا كانوا بالصبهاء. وهي أدنى خيبر، وههنا: حتى إذا كنا بالصبهاء، ولم يقل: وهي أدنى خيبر. وهناك: فصلى العصر، وههنا: صلى لنا رسول الله عَّ لِ العصر. وهناك: ثم دعا بالأزواد، وههنا: فلما صلى دعا بالأطعمة. وهناك بعد قوله: فلم يؤت إلاَّ بالسويق فأمر به فثرى فأكل رسول الله عَّله وأكلنا، وههنا: فلم يؤت إلاَّ بالسويق فأكلنا وشربنا. وهناك: ثم قام إلى المغرب فمضمض ومضمضنا ثم صلى ولم يتوضأ، وههنا: فمضمض ثم صلى لنا المغرب ولم يتوضأ. i واعلم أنه ليس للبخاري حديث لسويد بن النعمان إلاَّ هذا الحديث الواحد. وقد أخرجه في مواضع كما ذكرناه، وهو أنصاري حارثي، شهد بيعة الرضوان، وذكر ابن سعد أنه شهد قبل ذلك أحداً وما بعدها، والله أعلم. ٥٥ _ باب باب بالسكون، لأن الإعراب لا يكون إلاَّ بالعقد والتركيب، اللهم إلاّ إذا قدر شيء فيكون حينئذ معرباً نحو ما تقول: هذا باب، لأنه حينئذ يكون خبر مبتدأ. وقال بعضهم: باب، بالتنوین هو غلط. والمناسبة بين البابين من حيث إن في الباب الأول ذكر الوضوء من غير حدث، وله i i. i. ٠-٠ IL الأمور ١٧٠ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٥٥) فضل كبير إذا كان المتوضى محترزاً عن إصابة البول بدنه أو ثوبه، وفي هذا الباب يذكر الوعيد في حق من لا يحترز منه. مِنَ الكَبَائِرِ أنْ لاَ يَسْتَقِرَ مِنْ بَوْلِهِ كلمة: أن، مصدرية في محل الرفع على الابتداء. قوله: ((من الكبائر))، مقدماً خبره، والتقدير: ترك استتار الرجل من بوله من الكبائر، وهو جمع: كبيرة، وهي: الفعلة القبيحة من الذنوب المنهي عنها شرعاً، العظيم أمرها: كالقتل والزنا والفرار من الزحف وغير ذلك، وهي من الصفات الغالبة، يعني: صار إسما لهذه الفعلة القبيحة. وفي الأصل هي صفة، والتقدير: الفعلة الكبيرة. واختلفوا في الكبائر فقيل: سبع، وهو ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة، أن النبي عَّه قال: ((اجتنبوا السبع الموبقات، فقيل: يا رسول الله وما هن؟ قال: الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات)). وقيل: الكبائر تسع، وروى الحاكم في حديث طويل: ((والكبائر تسع ... )) فذكر السبعة المذكورة، وزاد عليها: ((عقوق الوالدين المسلمين، واستحلال البيت الحرام)). وقيل: الكبيرة كل معصية. وقيل: كل معصية. وقيل: كل ذنب قرن بنار أو لعنة أو غضب أو عذاب، وقال رجل لابن عباس، رضي الله تعالى عنهما: الكبائر سبع؟ فقال: هي إلى سبعمائة. قلت: الكبيرة أمر نسبي، فكل ذنب فوقه ذنب فهو بالنسبة إليه صغيرة، وبالنسبة إلى ما تحته كبيرة. ٢١٦/٧٩ - حدّثنا عُثْمانُ قال حدّثنا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ مَرَّ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلم بِخَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ المَدِينَةِ أَوْ مَكّةً فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ فِي قُورِهِمَا فَقالَ النّبِيُّ ◌َِّ يُعَذَّبَانِ وما يُعَذَّبَان في كَبِيرٍ ثُمَّ قَالَ بَلَى كَانَ أَحَدُهُمَا لا يَسْتَيِرُ مِنْ بَوْلِهِ وكَانَ الآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ ثمَّ دعا بِجَرِيدةٍ فَكَسَرَهَا كِشْرَتَيْنِ فَوَضَع عَلَى كُلِّ قَبْرٍ مِنْهُمَا كِسْرَةً فقيل لهُ يا رسولَ اللَّهِ لِمَ فَعَلْتَ هَذا قالَ عَ لَِّ لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا ما لَم يَيْبسَا أَوْ إلى أنْ يَيْبَسَا. [الحديث ٢١٦ - أطرافه في: ٢١٨، ١٣٦١، ١٣٧٨، ٦٠٥٢، ٦٠٥٥]. مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة لا تخفى. بيان رجاله وهم خمسة. الأول: عثمان بن أبي شيبة الكوفي. الثاني: جرير ابن عبد الحميد. الثالث: منصور بن المعتمر، الثلاثة تقدموا في باب: من جعل لأهل العلم أياماً. الرابع: مجاهد بن جبر، بفتح الجيم وسكون الباء الموحدة: الإمام في التفسير، تقدم في أول کتاب الإيمان. الخامس: عبد الله بن عباس. بيان لطائف إسناده منها: أن فيه التحديث بصيغة الجمع والعنعنة. ومنها: أن رواته ما بين كوفي ورازي ومكي. ومنها: أن هذا الحديث رواه الأعمش عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس، فادخل بينه وبين ابن عباس طاوساً، لما يأتي عن قريب أن البخاري أخرجه .500 ١٧١ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٥٥) هكذا، وإخراج البخاري بهذين الوجهين يقتضي أن كليهما صحيح عنده، فيحمل على أن مجاهداً سمعه من طاوس عن ابن عباس، وسمعه أيضا من ابن عباس بلا واسطة. أو العكس، ويؤيد ذلك أن في سياق: مجاهد عن طاوس زيادة على ما في روايته عن ابن عباس، وصرح ابن حبان بصحة الطريقين معاً، وقال الترمذي: رواية الأعمش أصح. وقال الترمذي في (العلل): سألت محمداً: أيهما أصح؟ فقال: رواية الأعمش أصح، فإن قيل: إذا كان حديث الأعمش أصح فلِمَ لم يخرجه وأخرج الذي غير صحيح؟ قيل له: كلاهما صحيح؟ فحديث الأعمش أصح، فالأصح يستلزم الصحيح على ما لا يخفى، ويؤيده أن شعبة بن الحجاج رواه عن الأعمش كما رواه منصور ولم يذكر طاوساً. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه الأئمة الستة وغيرهم، والبخاري أخرجه في مواضع هنا عن عثمان، وفي الطهارة أيضاً عن محمد بن المثنى في موضعين، وفي الجنائز عن يحيى بن يحيى، وفي الأدب عن يحيى، وعن محمد بن سلام، وفي الجنائز أيضاً عن قتيبة، وفي الحج عن علي. وأخرجه مسلم في الطهارة عن أبي سعيد الأشج، وأبي کریب، وإسحاق ابن إبراهيم، ثلاثتهم عن وكيع به، وعن أحمد بن يوسف. وأخرجه أبو داود فيه عن زهير بن حرب، وهناد بن السري، كلاهما عن وكيع به. وأخرجه الترمذي فيه عن قتيبة وهناد وأبي كريب، ثلاثئهم عن وكيع به. وأخرجه النسائي فيه، وفي التفسير عن هناد عن وكيع به، وفي الجنائز عن هناد عن معاوية به. وأخرجه ابن ماجة في الطهارة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي معاوية ووكيع به. بيان لغاته قوله: ((بحائط)) أي: بستان من النخل إذا كان عليه جدار، ويجمع على: حيطان وحوائط، وأصله: حاوط بالواو، قلبت الواو: ياء، لأنه من الحوط، وهو الحفظ والحراسة، والبستان إذا عمل حواليه جدران يحفظ من الداخل، ولا يسمى البستان حائطاً إلا إذا كان عليه جدران. فإن قلت: أخرج البخاري هذا في الأدب، ولفظه: ((خرج النبي عَّه. من بعض حيطان المدينة))، وهنا: ((مر النبي عَّم بحائط)). وبينهما تنافٍ. قلت: معناه أن الحائط الذي خرج منه غير الحائط الذي مر به، وفي (أفراد) الدارقطني من حديث جابر: أن الحائط كانت لأم مبشر الأنصارية. قوله: ((أو مكة)) الشك من جرير بن عبد الحميد. وأخرجه البخاري في الأدب: ((من حيطان المدينة))، بالجزم من غير شك، ويؤيده رواية الدارقطني، لأن حائط أم مبشر كان بالمدينة، وإنما عرف: المدينة، ولم يعرف: مكة، لأن: مكة، علم فلا تحتاج إلى التعريف، ومدينة اسم جنس، فعرفت بالألف واللام ليكون معهوداً عن مدينة النبي عَّله. قوله: ((يعذبان في قبورهما))، وفي رواية الأعمش: ((مر بقبرين))، وزاد ابن ماجة في روايته: ((بقبرين جديدين فقال: إنهما يعذبان)) فإن قلت: المعذب ما في القبرين، فكيف أسند العذاب إلى القبرين؟ قلت: هذا من باب ذكر المحل وإرادة الحال. قال بعضهم: يحتمل أن يكون الضمير عائداً على غير مذكور، لأن سياق الكلام يدل عليه. قلت: هذا ليس بشيء، لأن الذي يرجع إليه الضمير موجود، وهو: القبران، ولو لم يكن موجوداً لكان لكلامه ١٧٢ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٥٥) وجه، والوجه ما ذكرناه. فافهم. قوله: ((لا يستتر)) هكذا في أكثر الروايات، بفتح التاء المثناة من فوق، وكسر الثانية، من: السترة، ومعناه: لا يستر جسده ولا ثوبه من مماسة البول، وفي رواية ابن عساكر: ((لا يستبرىء))، بالباء الموحدة الساكنة بعد التاء المثناة من فوق المفتوحة، من: الاستبراء، وهو طلب البراءة. وفي رواية مسلم وأبي داود في حديث الأعمش: ((لا يستنزه))، بتاء مثناة من فوق مفتوحة ونون ساكنة وزاي مكسورة بعدها هاء، من: النزه. وهو الإبعاد. وروي: ((لا يستنثر))، بتاء مثناة من فوق مفتوحة ونون ساكنة وثاء مثلثة مكسورة، من: الاستئثار، وهو طلب النثر، يعني: نثر البول عن المحل. وروي: ((لا ينتتر))، بتائين مثناتين من فوق بعد النون الساكنة، من: النتر، وهو جذب فيه قوة وحفوة، وفي الحديث: ((إذا بال أحدكم فلينتتر)). قوله: ((بالنميمة)): هي نقل كلام الناس. وقال النووي: هي نقل كلام الغير بقصد الإضرار، وهو من أقبح القبائح. وقال الكرماني: هذا لا يصح على قاعدة الفقهاء، لأنهم يقولون: الكبيرة هي الموجبة للحد، ولا حد على الماشي بالنميمة إلاّ أن يقال: الاستمرار المستفاد منه يجعله كبيرة، لأن الإصرار على الصغيرة حكمه حكم الكبيرة أو لا يريد بالكبيرة معناها الاصطلاحي. وقال بعضهم: وما نقله عن الفقهاء ليس هو قول جميعهم، لكن كلام الرافعي يشعر بترجيحه حيث حكى في تعريف الكبيرة وجهين: أحدهما: هذا، والثاني: ما فيه وعيد شديد. قال: وهم إلى الأول أميل، والثاني أوفق لما ذكروه عند تفصيل الكبائر. قلت: لا وجه لتعقيبه على الكرماني لأنه لم يميز قول الجميع عن قول البعض حتى يعترض على قوله على قاعدة الفقهاء، على أن الذنب المستمر عليه صاحبه، وإن كان صغيرة، فهو كبيرة في الحكم، وفيه وعيد. لقوله: ((لا صغيرة مع الإصرار)). قوله ((ثم دعا بجريدة))، وفي رواية الأعمش: ((بعسيب رطب))، وهو بفتح العين وكسر السين المهملة على وزن فعيل نحو كريم: وهي الجريدة التي لم ينبت فيها خوص، وإن نبت فهي: السعفة، وعلم من هذا أن الجريدة هي الغصن من النخل بدون الورق. قوله: ((فوضع))، وفي رواية الأعمش، وهي تأتي: ((فغرز))، فالغرز يستلزم الوضع بدون العكس. قوله: ((فقيل له))، وفي رواية: ((قالوا))، أي: الصحابة، ولم يعلم القائل من هو. قوله: ((ما لم ييبسا)) بفتح الباء الموحدة من: ییس ییبس، من باب: علم یعلم، وفيه لغة یبس بيبسٍ بالكسر فيهما، وهي شاذة، وهكذا روي في كثير من الروايات، وفي رواية الكشميهني: ((إلاَّ أن ييبسا)) بحرف الاستثناء، وفي رواية المستملي: ((إلى أن ييبسا))، بكلمة: إلى، التي للغاية. ويجوز فيه التأنيث والتذكير، أما التأنيث فباعتبار رجوع الضمير فيه إلى الكسرتين، وأما التذكير فباعتبار رجوعه إلى العودين، لأن الكسرتين هما العودان، والكسرتان بكسر الكاف، تثنية كسرة، وهي القطعة من الشيء المكسور، وقد تبين من رواية الأعمش أنها كانت نصفاً، وفي رواية جرير عنه باثنتين، وقال النووي: الباء، زائدة للتأكيد، وهو منصوب على الحال. بيان الإعراب قوله: ((يعذبان)) جملة وقعت حالاً ((من إنسانين))، وكذا قوله: ((في ١٧٣ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٥٥) قبورهما)) أي: حال كونهما يعذبان وهما في قبريهما. وإنما قال: ((في قبورهما))، مع أن لهما قبرين، لأن في مثل هذا استعمال التثنية قليل، والجمع أجود كما في قوله تعالى ﴿فقد صغت قلوبكما﴾ [التحريم: ٤] والأصل فيه أن المضاف إلى المثنى إذا كان جزءً ما أضيف إليه يجوز فيه التثنية والجمع، ولكن الجمع أجود نحو: أكلت رأسي شاتین، وإن كان غير جزئه، فالأكثر مجيئه بلفظ التثنية نحو: سل الزيدان سيفيهما، وإن أمن من اللبس جاز جعل المضاف بلفظ الجمع، كما في قوله: ((في قبورهما))، وقد تجمع التثنية والجمع كما في قوله. ظهراهما مثل ظهور الترسين. قوله: ((لعله أن يخفف عنهم)) شبه: لعل بعسى، فأتى بأن في خبره، وقال المالكي الرواية: أن يخفف عنها على التوحيد، والتأنيث وهو ضمير النفس، فيجوز إعادة الضميرين في: لعله، وعنها إلى الميت باعتبار كونه إنساناً، وكونه نفساً، ويجوز أن يكون الضمير في: لعله، ضمير الشان، وفي: عنها، للنفس، وجاز تفسير الشأن بأن وصلتها، مع أنها في تقدير مصدر، لأنها في حكم جملة لاشتمالها على مسند ومسند إليه، ولذلك سدت مسد مفعولي: حسب وعسى، في قوله تعالى ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة﴾ [البقرة: ٢١٤، وآل عمران: ١٤٢] ويجوز في قول الأخفش أن تكون: أن، زائدة مع كونها ناصبة كزيادة الباء، ومن كونهما جارتين، ومن تفسير ضمير الشأن: بأن وصلتها، قول عمر، رضي الله تعالى عنه: فما هو إلاَّ أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى ما تقلبني رجلاي. وقال الطيبي: لعل الظاهر أن يكون الضمير مبهماً يفسره ما بعده، كما في قوله تعالى: ﴿إن هي إلاَّ حياتنا الدنيا﴾ [الأنعام: ٢٩]. وقال الزمخشري، رحمه الله تعالى: هذا ضمير لا يعلم ما يعني به إلاَّ ما يتلوه من بيانه، وأصله: أن لا حياة إلاّ الحياة الدنيا، ثم وضع: هي، موضع: الحياة، لأن الخبر يدل عليها وبينها، ومنه: هي النفس تتحمل ما حملت، والرواية بتثنية الضمير في: عنهما، لا يستدعي إلاَّ هذا التأويل. قوله: (ما لم ييبسا)) كلمة: ما، هنا مصدرية زمانية، وأصله: مدة دوامها إلى زمن اليبس. بيان المعانى قوله: ((أو بمكة)) شك من الرواي. وقد ذكرناه عن قريب. قوله: ((إنسانين)) أي: بشرين، قال الجوهري: الإنس البشر، الواحد أنسي وأنسي بالتحريك، والجمع: أناسي، وإن شئت جعلته إنساناً، ثم جمعته إناسي، فتكون الياء عوضا عن النون، وقال قوم: أصل الإنسان: إنسيان، على إفعلان، فحذفت: الياء، استخفافا لكثرة ما يجري على ألسنتهم، وإذا صغروها ردوها. وقال ابن عباس: إنما سمي إنساناً لأنه عهد إليه فنسي. ويقال: من الأنس، خلاف: الوحشة. ويقال للمرأة أيضاً إنسان، ولا يقال: إنسانة، والعامة تقوله. قوله: ((يعذبان في قبورهما)» وقد ورد في حديث أبي بكرة من (تاريخ البخاري) بسند جيد: مر النبي عَّهُ بقبرين فقال: ((إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فيعذب في البول، وأما الآخر فيعذب في الغيبة)). وفي حديث أبي هريرة من (صحيح ابن حبان): ((مر، عليه الصلاة والسلام، بقبر فوقف عليه وقال: ائتوني بجريدتين، فجعل إحداهما عند رأسه والأخرى عند رجليه. وقال: ((لعله يخفف عنه بعض عذاب القبر)). وهو عند أبي موسى i i i P جدة ال٠٠ P ١٧٤ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٥٥) بلفظ: ((قبرين، رجل لا يتطهر من البول، وامرأة تمشي بالنميمة)). وعند ابن أبي شيبة من حديث يعلى بن شبابة: ((مر النبي عَّم بقبر يعذب صاحبة فقال: ((إن هذا القبر يعذب صاحبه في غير كبير))، وذكره البرقي في (تاريخه) قال: ((قبرين أحدهما يأكل لحوم الناس ويغتابهم، وكان هذا لا يتقي بوله)). وفي (تاريخ بحشل) من حديث الأعمش عن أبي سفيان عن جابر: ((دخل رسول الله عَّالله حائطاً لأم مبشر، فإذا بقبرين، فدعا بجريدة رطبة فشقها ثم وضع واحدة على أحد القبرين، والأخرى على الآخر، ثم قال: ((لا يرفعان عنهما حتى يجفا، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، والآخر كان لا يتنزه من البول)). وفي حديث أنس: ((مر النبي عَّ لله بقبرين من بني النجار يعذبان في النميمة والبول، فأخذ سعفة رطبة فشقها، وجعل على ذا نصفاً وعلى ذا نصفاً، وقال: ((لا يزال يخفف عنهما العذاب ما دامتا رطبتين)). وفي (كتاب ابن الجوزي): ((مر برجل يعذب في الغيبة وبآخر يعذب في البول)). وورد في عذاب القبر أحاديث كثيرة عن جماعة من الصحابة، رضي الله تعالى عنهم: منها: حديث عبادة بن الصامت بسند لا بأس به عند البزار. ومنها: حديث أبي سعيد وزيد ابن ثابت عند مسلم. ومنها: حديث شرحبيل بن حسنة. ومنها: حديث أبي موسى الأشعري عند أبي داود. ومنها: حديث أبي أمامة وأبي رافع، ذكرهما أبو موسى المديني في (کتاب الترغيب والترهيب). ومنها: حديث ميمونة، ذكره ابن منده في كتاب الطهارة. ومنها: حديث عثمان، رضي الله تعالى عنه، عند اللالكائي. قوله: ((وما يعذبان في كبير)) أي: بكبير تركه عليهما، إلاّ أنه كبير من حيث المعصية. وقيل: يحمل كبير على أكبر، تقديره: ليس هو أكبر الذنوب، إذا الكبائر متفاوتة. وقال القاضي عياض: إنه غير كبير عندكم لقوله تعالى ﴿وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم﴾ [النور: ١٥] وذلك أن عدم التنزه من البول يلزم منه بطلان الصلاة، وتركها كبيرة. وفي (شرح السنة) معنى: ((ما يعذبان في كبير)»: انهما لا يعذبان في امر كان يكبر ويشق عليهما الاحترازز منه إذ لا مشقة في الاستتار عند البول وترك النميمة ولم يرد إنهما غير كبير في أمر الدين وقال الماذي الذنوب تنقسم إلى ما يشق تركه طبعا كالملاذ المجرمة وإلى ما ينفر منه طبعاً كتارك السموم، وإلى ما لا يشق تركه طبعاً: كالغيبة والبول. قوله: ((لعله أن يخفف عنهما)) أي: لعله يخفف ذلك من ناحية التبرك بأثر النبي، عليه الصلاة والسلام، ودعائه بالتخفيف عنهما، فكأن النبي عَّ له جعل مدة بقاء النداوة فيهما حداً لما وقعت له المسألة من تخفيف العذاب عنهما، وليس ذلك من أجل أن في الرطب معنىّ ليس في اليابس، قاله الخطابي. وقال النووي: قال العلماء: هو محمول على أنه عَ ل سأل الشفاعة لهما فأجيبت شفاعته بالتخفيف عنهما إلى أن ييبسا. وقيل: يحتمل أنه عَّلِّ يدعو لهما تلك المدة، وقيل: لكونهما يسبحان ما دامتا رطبتين وليس لليابس بتسبيح، قالوا: في قوله تعالى: ﴿وإن من شيء إلاّ يسبح بحمده﴾ [الإسراء: ٤٤] معناه: وإن من شيء حي، ثم حياة كل شيء بحسبه، فحياة الخشبة ما لم تيبس وحياة الحجر ما لم يقطع، وذهب المحققون إلى أنه على عمومه، ثم اختلفوا: هل يسبح حقيقة أم فيه دلالة على الصانع، فيكون مسبحاً منزهاً بصورة حاله، ١٧٥ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٥٥) وأهل التحقيق على أنه يسبح حقيقة، وإذا كان العقل لا يحيل جعل التمييز فيها وجاء النص به، وجب المصير إليه. واستحب العلماء قراءة القرآن عند القبر لهذا الحديث، لأنه إذا كان يرجى التخفيف لتسبيح الجريد، فتلاوة القرآن أولى. فإن قلت: ما الحكمة في كونهما ما داما رطبين يمنعان العذاب، بعد دعوى العموم في تسبيح كل شيء؟ قلت: يمكن أن يكون معرفة هذا كمعرفة عدد الزبانية في أنه تعالى هو المختص بها. قوله: ((ثم قال: بلى)) معناه أي: أنه لكبير وقد صرح بذلك في رواية أخرى للبخاري، من طريق عبيدة بن حميد عن منصور فقال: وما يعذبان في كبير، وإنه لكبير؛ وهذا من زيادات رواية منصور على الأعمش، ومسلم لَمْ يذكر الرواتين، وقال الكرماني: فإن قلت: لفظ: بلى، مختص بإيجاب النفي، فمعناه: بلى إنهما ليعذبان في كبير، فما وجه التوفيق بينه وبين: ما يعذبان في كبير؟ قلت: قال ابن بطال: ((وما يعذبان بكبير)) يعني: عندكم وهو كبير، يعني: عند الله تعالى، وقد ذكرناه. وقال عبد الملك البوني في معنى قوله: ((وإنه لكبير))، يحتمل أن النبي، عَّه، ظن أن ذلك غير كبير، فأوحى الله تعالى إليه في الحال بأنه كبير، وفيه نظر. بيان استنباط الأحكام الأول: فيه أن عذاب القبر حق يجب الإيمان به والتسليم له، وعلى ذلك أهل السنة والجماعة خلافاً للمعتزلة، ولكن ذكر القاضي عبد الجبار رئيس المعتزلة في كتاب (الطبقات) تأليفه: إن قيل مذهبكم أداكم إلى إنكار عذاب القبر، وهذا قد أطبقت عليه الأمة. قيل: إن هذا الأمر إنما أنكره أولاً ضرار بن عمر ولما كان من أصحاب واصل ظنوا أن ذلك مما أنكرته المعتزلة، وليس الأمر كذلك، بل المعتزلة رجلان: أحدهما: يجوز ذلك كما وردت به الأخبار، والثاني: يقطع بذلك. وأكثر شيوخنا يقطعون بذلك، وإنما ينكرون قول جماعة من الجهلة: إنهم يعذبون وهم موتى، ودليل العقل يمنع من ذلك، وبنحوه ذكره أبو عبيد الله المرزباني في كتاب (الطبقات) تأليفه. وقال القرطبي: إن الملحدة ومن يذهب مذهب الفلاسفة أنكروه أيضا، والإيمان به واجب لازم حسب ما أخبر به الصادق، عَِّ، وإن الله يحيي العبد ويرد الحياة والعقل، وهذا نطقت به الأخبار، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، وكذلك يكمل العقل للصغار ليعلموا منزلتهم وسعادتهم، وقد جاء أن القبر ينضم عليه كالكبير، وصار أبو الهذيل وبشر إلى من خرج عن سمة الإيمان فإنه يعذب بين النفختين، وإنما المساءلة إنما تقع في تلك الأوقات، وأثبت البلخي والجبائي وابنه عذاب القبر، ولكنهم نفوه عن المؤمنين وأثبتوه للكافرين والفاسقين. وقال بعضهم: عذاب القبر جائز، وإنه يجري على الموتى من غير رد روحهم إلى الجسد، وإن الميت يجوز أن يتألم ويحس، وهذا مذهب جماعة من الكرامية. وقال بعض المعتزلة: إن الله تعالى يعذب الموتى في قبورهم ويحدث الآلام وهم لا يشعرون، فإذا حشروا وجدوا تلك الآلام كالسكران والمغشي عليه إن ضُربوا لم يجدوا ألماً، فإذا عاد عقلهم إليهم وجدوا تلك الآلام، وأما باقي المعتزلة مثل ضرار ابن عمر وبشر المريسي ويحيى بن كامل وغيرهم فإنهم أنكروا عذاب القبر أصلاً، وهذه الأقوال كلها فاسدة تردها الأحاديث الثابتة، وإلى الإنكار أيضاً ذهب الخوارج وبعض ٠٠٠٠ i i ١٧٦ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٥٥) المرجئة. ثم المعذب عند أهل السنة الجسد بعينه أو بعضه بعد إعادة الروح إلى جسده أو إلى جزئه، وخالف في ذلك محمد بن جرير وطائفة فقالوا: لا يشترط إعادة الروح، وهذا أيضا فاسد. الثاني: فيه نجاسة الأبوال مطلقاً، قليلها وكثيرها، وهو مذهب عامة الفقهاء، وسهل ابن القاسم بن محمد، ومحمد بن علي والشعبي، وصار أبو حنيفة وصاحباه إلى العفو عن قدر الدرهم الكبير اعتباراً للمشقة وقياساً على المخرجين. وقال الثوري: كانوا يرخصون في القليل من البول، ورخص الكوفيون في مثل رؤوس الأبر من البول، وفي الجواهر للمالكية: إن البول والعذرة من بني آدم الآكلين الطعام نجسان، وطاهران من كل حيوان مباح الأكل، ومكروهان من المكروه أكله. وقيل: بل نجسان. وعامة الفقهاء لم يخففوا في شيء من الدم إلاَّ في اليسير من دم الحيض، واختلف أصحاب مالك في مقدار اليسير، فقيل: قدر الدرهم الكبير. الثالث: قال الخطابي: فيه دليل على استحباب تلاوة الكتاب العزيز على القبور، لأنه إذا كان يرجى عن الميت التخفيف بتسبيح الشجر، فتلاوة القرآن العظيم أعظم رجاء وبركة. قلت: اختلف الناس في هذه المسألة، فذهب أبو حنيفة وأحمد، رضي الله تعالى عنهما، إلى وصول ثواب قراءة القرآن إلى الميت، لما روى أبو بكر النجار في كتاب (السنن) عن علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، أن النبي ◌َّه قال: ((من مر بين المقابر فقراً: قل هو الله أحد، أحد عشر مرة، ثم وهب أجرها للأموات أعطي من الأجر بعدد الأموات)). وفي (سننه) أيضاً عن أنس يرفعه: ((من دخل المقابر فقرأ سورة: يس، خفف الله عنهم يومئذ)). وعن أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه، قال رسول الله عَ ل: ((من زار قبر والدية. أو أحدهما، فقرأ عنده، أو عندهما يس، غفر له)). وروى أبو حفص بن شاهين عن أنس قال: قال رسول الله عَّل: ((من قال: الحمد لله رب العالمين رب السموات، ورب الأرض رب العالمين، وله الكبرياء في السموات والأرض، وهو العزيز الحكيم، لله الحمد رب السموات ورب الأرض رب العالمين، وله العظمة في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم هو الملك رب السموات ورب الأرض ورب العالمين، وله النور في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم، مرة واحدة، ثم قال: اللهم اجعل ثوابها لوالدي لم يبق لوالديه حق إلاَّ أداه إليهما)). وقال النووي: المشهور من مذهب الشافعي وجماعة: أن قراءة القرآن لا تصل إلى الميت، والأخبار المذكورة حجة عليهم، ولكن أجمع العلماء على أن الدعاء ينفعهم ويصلهم ثوابه، لقوله تعالى: ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان﴾ [الحشر: ٥٩] وغير ذلك من الآيات، وبالأحاديث المشهورة منها: قوله، عَّالِ: ((اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد))، ومنها قوله، علّم: «اللهم اغفر لحینا وميتنا))، وغير ذلك. فإن قلت: هل يبلغ ثواب الصوم أو الصدقة أو العتق؟ قلت: روى أبو بكر النجار في كتاب (السنن) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: ((أنه سأل النبي ١٧٧ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٥٥) عَ ◌ّهِ، فقال: يا رسول الله، إن العاص بن وائل كان نذر في الجاهلية أن ينحر مائة بدنة، وإن هشام بن العاص نحر حصته خمسين، أفيجزىء عنه؟ فقال النبي عَّهِ: إن أباك لو كان أقر بالتوحيد فصمت عنه أو تصدقت عنه أو أعتقت عنه بلغه ذلك)). وروى الدارقطني: ((قال رجل: يا رسول الله كيف أبر أبوي بعد موتهما؟ فقال: إن من البر بعد الموت أن تصلي لهما مع صلاتك، وأن تصوم لهما مع صيامك، وأن تتصدق عنهما مع صدقتك)). وفي كتاب القاضي الإمام أبي الحسين بن الفراء، عن أنس، رضي الله تعالى عنه: ((أنه سأل رسول الله عَِّ، فقال: يا رسول الله إذا نتصدق عن موتانا ونحج عنهم وندعو لهم فهل يصل ذلك إليهم؟ قال: نعم، ويفرحون به كما يفرح أحدكم بالطبق إذا أهدي إليه)). وعن سعد: ((أنه قال: يا رسول الله إن أبي مات، أفأعتق عنه؟ قال: نعم)). وعن أبي جعفر محمد بن علي بن حسين: ((أن الحسن والحسين، رضي الله عنهما، كانا يعتقان عن علي، رضي الله تعالى عنه)). وفي (الصحيح) ((قال رجل: يا رسول الله إن أمي توفيت، أينفعها أن أتصدق عنها؟ قال: نعم)). ٠٠٠٠ ٠٠ فإن قلت: قال الله تعالى ﴿وأن ليس للإنسان إلاَّ ما سعى﴾ [النجم: ٣٩] وهو يدل على عدم وصول ثواب القرآن للميت؟ قلت: اختلف العلماء في هذه الآية على ثمانية أقوال: أحدهما: إنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم﴾ [الطور: ٢١] أدخل الآباء الجنة بصلاح الأبناء، قاله ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما. الثاني: إنها خاصة بقوم إبراهيم وموسى، عليهما السلام، وأما هذه الأمة فلهم ما سعوا، وما سعى لهم غيرهم، قاله عكرمة. الثالث: المراد بالإنسان ههنا الكافر، قاله الربيع بن أنس. الرابع: ليس للإنسان إلاَّ ما سعى من طريق العدل، فأما من باب الفضل فجائز أن يزيد الله تعالى ما شاء، قاله الحسين بن فضل. الخامس: إن معنى: ما سعى: ما نوى، قاله أبو بكر الوراق. السادس: ليس للكافر من الخير إلا ما عمله في الدنيا فيثاب عليه في الدنيا حتى لا يبقى له في الآخرة شيء، ذكره الثعلبي. السابع إن: اللام، في: الإنسان، بمعنى: على، تقديره: ليس على الإنسان إلاَّ ما سعى. الثامن: إنه ليس له إلاَّ سعيه، غير أن الأسباب مختلفة فتارة يكون سعيه في تحصيل الشيء بنفسه، وتارة يكون سعيه في تحصيل سببه، مثل سعيه في تحصيل قراءة ولد يترحم عليه، وصديق يستغفر له، وتارة يسعى في خدمة الدين والعبادة فيكتسب محبة أهل الدين، فيكون ذلك سبباً حصل بسعيه، حكاه أبو الفرج عن شيخه ابن الزغواني. ١ i i أجور الرابع: فيه وجوب الاستنجاء إذ هو المراد بعدم الاستتار من البول، فلا يجعل بينه وبينه حجاباً من ماء أو حجر، ويبعد أن يكون المراد: الاستتار عن الأعين. وقال ابن بطال معناه: ولا يستتر جسده ولا ثوبه من مماسة البول، ولما عذب على استخفافه بغسله، وبالتحرز عنه دل على أن من ترك البول في مخرجه ولم يغسله أنه حقيق بالعذاب. وقال البغوي: فيه وجوب الاستتار عند قضاء الحاجة عن أعين الناس عند القضاء. قلت: هذا رد على من قال: ويبعد أن يكون المراد الاستتار عن الأعين، ولكن كلاهما واجب على ما لا عمدة القاري/١٢٥/٣ ١٧٨ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٥٥) يخفى، والتحقيق في هذا الكلام أن معنى رواية الاستتار إذا حمل على حقيقته يلزم منه أن يكون سبب العذاب مجرد كشف العورة، وفي الحديث ما يدل على أن للبول خصوصية في عذاب القبر يدل عليه ما رواه ابن خزيمة في (صحيحه) من حديث أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، مرفوعاً: ((أكثر عذاب القبر من البول))، فإذا كان كذلك تعين أن يكون معنى الاستتار على الوجه الذي ذكرناه، لتتفق ألفاظ الحديث على معنى واحد ولا تختلف، ويؤيد ذلك رواية أبي بكرة عند أحمد، وابن ماجة: ((أما أحدهما فيعذب في البول)). ومثله عند الطبراني عن أنس، وكلمة: في، للتعليل أي: يعذب أحدهما بسبب البول. الخامس: فيه حرمة النميمة، وهذا بالإجماع، وقد مر الكلام فيه عن قريب. الأسئلة والأجوبة منها: أن هذا الحديث رواه ابن عباس، فعلى تقدير كون هذا في مكة على ما دل عليها السند، كيف يتصور هذا، وكان ابن عباس عند هجرة رسول الله عَّ ارِ، من مكة ابن ثلاث سنين؟ فكيف ضبط ما وقع بمكة؟ الجواب: من ثلاثة أوجه: الأول: أنه يحتمل وقوع هذه القضية بعد مراجعة النبي عَ لَّه إلى مكة سنة الفتح، أو سنة الحج. الثاني: أنه يحتمل أنه سمع من النبي صَلِّ ذلك. الثالث: أنه يكون ما رواه من مراسيل الصحابة، كذا قيل. قلت: له وجه رابع: وهو أن يكون ابن عباس سمع ذلك من صحابي، فأسقط ذكره من بينه وبين النبي عَّله، ونظائره كثيرة. وهو في الحقيقة داخل في الوجه الثالث. ومنها: أن في متن هذا الحديث: ((ثم دعا بجريدة فكسرها كسرتين)) يعني: أتي بها فكسرها، وفي حديث جابر رضي الله تعالى عنه رواه مسلم أنه الذي قطع الغصنين، فهل هذه قضية واحدة أم قضيتان؟ الجواب: أنهما قضيتان، والمغايرة بينهما من أوجه. الأول: أن هذه كانت في المدينة، وكان مع النبي عَّه جماعة، وقضية جابر كانت في السفر وكان خرج لحاجته فتبعه جابر وحده. الثاني: أن في هذه القضية أنه، عليه الصلاة والسلام، غرس الجريدة بعد أن شقها نصفين، كما في رواية الأعمش الآتية في الباب الذي بعده، وفي حديث جابر: أمر، عليه الصلاة والسلام جابراً، فقطع غصنين من شجرتين كان النبي عَّه استتر بهما عند قضاء حاجته، ثم أمر جابراً فألقى غصنين عن يمينه وعن يساره، حيث كان النبي صَّ جالساً، وأن جابراً سأله عن ذلك، فقال: إني مررت بقبرين يعذبان، فأحببت بشفاعتي أن يرفع عنهما ما دام الغصنان رطبين. الثالث: لم يذكر في قصة جابر ما كان السبب في عذابهما. الرابع: لم يذكر فيه كلمة: الترجي، فدل ذلك كله على أنهما قضيتان مختلفتان، بل روى ابن حبان في (صحيحه) عن أبي هريرة: ((أنه معَّله مر بقبر فوقف عليه فقال: ائتوني بجريدتين فجعل إحداهما عند رأسه، والأخرى عند رجليه)) فهذا بظاهره يدل على أن هذه قضية ثالثة، فسقط بهذا كلام من ادعى أن القضية واحدة، كما مال إليه النووي والقرطبي. ومنها: أن ما كانت الحكمة في عدم بيان اسمي المقبورين ولا أحدهما؟ الجواب: أنه ٢ و. ٠٠٠ ١٧٩ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٥٥) يحتمل أنه عَّه لم يبين ذلك قصداً للستر عليهما، خوفاً من الافتضاح، وهو عمل مستحسن، ولا سيما من حضرة النبي عَّلِ الذي شأنه الرحمة والرأفة على عباد الله تعالى، ويحتمل أن يكون قد بينه ليحترز غيره من مباشرة ما باشر صاحبا القبرين، ولكن الراوي أبهمه عمداً لما ذكرنا. فإن قلت: قد ذكر القرطبي عن بعضهم أن أحدهما كان سعد بن معاذ، رضي الله تعالى عنه. قلت: هذا قول فاسد لا يلتفت إليه، ومما يدل على فساده أن النبي عَّهِ حضر جنازته كما ثبت في الصحيح، وسماه النبي عَّللم سيداً حيث قال لأصحابه: ((قوموا إلى سیدکم)). وقال: إن حكمه وافق حكم الله تعالى، وقال: إن عرش الرحمن اهتز لموته، وغير ذلك من مناقبه العظيمة، رضي الله عنه، وقد حضر النبي عَّ دفن المقبورين، دل عليه حديث أبي أمامة، رضي الله عنه، رواه أحمد، ولفظه: ((أنه عَّةٍ قال لهم: ((من دفنتم اليوم ههنا))؟ ولم ينقل عنه، عليه الصلاة والسلام، ما ذكره القرطبي عن البعض، فدل ذلك على بطلانه في هذه القضية. ومنها: أن هذين المقبورين هل كانا مسلمين أو كافرين؟ الجواب: أن العلماء اختلفوا فيه، فقيل: كانا كافرين، وبه جزم أبو موسى المديني في كتابه (الترغيب والترهيب) واحتج في ذلك بما رواه من حديث ابن لهيعة عن أسامة بن زيد عن أبي الزبير عن جابر، رضي الله تعالى عنه، قال: ((مر نبي الله عَّه على قبرين من بني النجار هلكا في الجاهيلة، فسمعهما يعذبان في البول والنميمة))، قال: هذا حديث حسن، وإن كان إسناده ليس بالقوي لأنهما لو كانا مسلمين لما كان لشفاعته مَّ لهما إلى أن ييبسا معنى، ولكنه لما رآهما يعذبان لم يستجز من عطفه ولطفه عَّم حرمانهما من ذلك، فشفع لهما إلى المدة المذكورة، ولما رواه الطبراني في (الأوسط): ((مر النبي عَّه على قبور نساء من بني النجار هلكن في الجاهلية فسمعهن يعذبن في النميمة)). قال: لم يروه عن أسامة إلاّ ابن لهيعة، وقيل: كانا مسلمين وجزم به بعضهم، لأنهما لو كانا كافرين لم يدع، عليه الصلاة والسلام، لهما بتخفيف العذاب ولا ترجاه لهما، ويقوي هذا ما في بعض طرق حديث ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما: ((مر بقبرين من قبور الأنصار جديدين)). فإن تعددت الطرق، وهو الأقرب لاختلاف الألفاظ، فلا بأس. وإن لم تتعدد فهو بالمعنى إذ بنو النجار من الأنصار، وهو لقب إسلامي لقبوا به لنصرهم النبي عَّه، ولم يعرف بها مسمىٍ في الجاهلية، ويقويه أيضاً ما في رواية مسلم: ((فأجبت بشفاعتي))، والشفاعة لا تكون إلاّ لمؤمن، وما في رواية أحمد المذكورة: ((فقال من دفنتم اليوم ههنا))؟ فهذا أيضا يدل على أنهما كانا مسلمين، لأن البقيع مقبرة المسلمين، والخطاب لهم. فإن قلت: لِمَ لا يجوز أن يكونا كافرين، كما ذهب إليه أبو موسى، وكان دعاء النبي عَّلِ لهما من خصائصه كما في قصة أبي طالب؟ قلت: لو كان ذلك من خصائصه عَّ له لبينه، على أنا نقول: إن هذه القضية متعددة كما ذكرنا، فيجوز تعدد حال المقبورين. فإن قلت: ذكر البول والنميمة ينافي ذلك، لأن الكافر، وإن عذب على أحكام الإسلام، فإنه يعذب مع ذلك على الكفر بلا خلاف. قلت: لم يبين في حديث جابر i ١ . ٠٠٠٠ ١٨٠ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٥٦) المذكور سبب العذاب ما هو، ولا ذكر فيه الترجي لرفع العذاب، كما في حديث غيره، وظهر من ذلك صحة ما ذكرنا من تعدد الحال، ورد بعضهم احتجاج أبي موسى بالحديث المذکور: بأنه ضعيف، کما اعترف به. وقد رواه أحمد بإسناد صحيح على شرط مسلم، وليس فيه ذكر سبب التعذيب، فهو من تخليط ابن لهيعة. قلت: هذا من تخليط هذا القائل لأن أبا موسى لم يصرح بأنه ضعيف، بل قال: هذا حديث حسن وإن كان إسناده ليس بقوي، ولم يعلم هذا القائل الفرق بين الحسن والضعيف، لأن بعضهم عد الحسن من الصحيح لا قسيمه، ولذلك يقال للحديث الواحد: إنه حسن صحيح. وقال الترمذي: الحسن ما ليس في إسناده من يتهم بالكذب، وعبد الله بن لهيعة المصري لا يتهم بالكذب، على أن طائفة منهم قد صححوا حديثه ووثقوه، منهم: أحمد، رضي الله عنه. ومنها: أنه قيل: هل للجريد معنى يخصه في الغرز على القبر لتخفيف العذاب؟ الجواب: أنه لا لمعنى يخصه، بل المقصود أن يكون ما فيه رطوبة من أي شجر كان، ولهذا أنكر الخطابي ومن تبعه وضع الجريد اليابس، وكذلك ما يفعله أكثر الناس من وضع ما فيه رطوبة من الرياحين والبقول ونحوهما على القبور ليس بشيء، وإنما السنة الغرز. فإن قلت: في الحديث المذكور: فوضع على كل قبر منهما كسرة. قلت: في رواية الأعمش: ((فغرز))، فينبغي أن يغرز، لأن الوضع يوجد في الغرز بخلاف الوضع فافهم. ومنها أنه النبي عَّه علل غرزهما على القبر بأمر معين من العذاب، ونحن لا نعلم ذلك مطلقاً؟ الجواب: أنه لا يلزم من كوننا لا نعلم أيعذب أم لا؟ أن نترك ذلك. أَلاَ ترى أنا ندعو للميت بالرحمة، ولا نعلم أنه يرحم أم لا؟. ومنها: أنه هل لأحد أن يأمر بذلك لأحد أم الشرط أن يباشره بيده؟ الجواب: أنه لا يلزم ذلك، والدليل عليه أن بريدة بن الحصيب، رضي الله عنه، أوصى أن يوضع على قبره جريدتان، كما يأتي في هذا الكتاب. وقال بعضهم: ليس في السياق ما يقطع على أنه باشر الوضع بيده الكريمة عَّ له، بل يحتمل أن يكون أمر به. قلت: هذا كلام واهٍ جداً، وكيف يقول ذلك وقد صرح في الحديث: ((ثم دعا بجريدتين فكسرهما فوضع على كل قبر منهما كسرة))؟. وهذا صريح في أنه عَّله وضعه بيديه الكريمة، ودعوى احتمال الأمر لغيره به بعيدة، وهذه كدعوى احتمال مجيء غلام زيد في قولك: جاء زيد، ومثل هذا الاحتمال لا يعتد به. ٥٦ _ بابُ ما جاءَ فِي غَسْلِ البَوْلِ أي: هذا باب في بيان ما جاء من الحديث في حكم غسل البول. وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب السابق البول الذي كان سبباً لعذاب صاحبه في قبره، وهذا الباب في بيان غسل ذلك البول: الألف واللام، فيه للعهد الخارجي. وأشار به البخاري إلى أن المراد من البول هو: بول الناس، لأجل إضافة البول إليه