Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٢٥) ١٦١/٢٧ - حدثنا عَبْدَانُ قال أخبرنا عَبْدُ اللَّهِ قال أخبرنا يُونسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالِ أخبرني أَبُو إذْرِيسَ أَنَّهُ سَمِعَ أبا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قالَ: ((مَنَ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِزْ ومَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْهُوتِزْ)). [الحديث ١٦١ - طرفه في: ١٦٢]. مطابقة الحديث في قوله: ((من توضأ فليستنثر)). i i بيان رجاله: وهم ستة. الأول: عبدان هو لقب ابن عبد الله بن عثمان المروزي. الثاني: عبد الله بن المبارك. الثالث: يونس بن يزيد الأيلي. الرابع: محمد بن مسلم الزهري. الخامس: أبو إدريس عائذ الله بالهمزة والذال المعجمة: ابن عبد الله الخولاني، بالمعجمة، التابعي الجليل القدر، الكبير الشأن، كان قاضياً بدمشق لمعاوية مات سنة ثمانين. السادس: أبو هريرة، رضي الله تعالى عنه، فالأربعة الأول تقدم ذكرهم بهذا الترتيب في كتاب الوحي، وأبو إدريس مر ذكره في كتاب الإيمان. بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والإخبار بصيغة الجمع والإفراد والسماع. ومنها: أن رواته ما بين مروزي وأيلي ومدني وشامي. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي: الزهري عن أبي إدريس. i بيان من أخرجه غيره: أخرجه مسلم أيضاً في الطهارة عن يحيى بن يحيى عن مالك عن الزهري به، وعن سعيد بن منصور عن حسان بن إبراهيم وعن حرملة بن يحيى عن ابن وهب، كلاهما عن يونس عن الزهري عن أبي إدريس عن أبي هريرة وأبي سعيد، كلاهما عن النبي عَّهِ. وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة وعن إسحاق بن منصور عن ابن مهدي وابن ماجة أيضاً عن أبي بكر بن أبي شيبة عن زيد بن الحباب وداود بن عبد الله الجعفري أربعتهم عن مالك به، وقال ابن الفلكي: رواه كامل بن طلحة الجحدري عن مالك عن الزهري عن أبي إدريس عن أبي ثعلبة الخشني. قال أبو أحمد الحافظ: إن كاملاً أخطأ فيه. i بيان إعرابه ومعناه: قوله: ((من توضأ)) كلمة: من، موصولة تتضمن معنى الشرط. وقوله: ((فليستثر)) جواب الشرط، فلذلك دخلته الفاء، وكذلك قوله: ((ومن استجمر فليوتر)). قوله: ((فليستنثر)) أي: فليخرج الماء من الأنف بعد الاستنشاق مع ما في الأنف من مخاط وغبار، وشبهه، قيل ذلك لما فيه من المعونة على القراءة وتنقية مجرى النفس الذي به التلاوة، وبإزالة ما فيه من التفل تصح مجاري الحروف، ويقال: الحكمة فيه التنظيف وطرد الشيطان، لأنه روى في رواية عيسى بن طلحة عن أبي هريرة أخرجها البخاري في بدء الخلق: ((إذا استيقظ أحدكم من منامه فليتوضأ فليستنثر ثلاثاً، فإن الشيطان يبيت على خيشومه)). قوله: ((ومن استجمر)) من الاستجمار، وهو مسح محل البول والغائط بالجمار، وهي: الأحجار الصغار، ويقال: الاستطابة والاستجمار والاستنجاء لتطهير محل الغائط والبول، والاستجمار مختص بالمسح بالأحجار، والاستطابة والاستنجاء يكونان بالماء وبالأحجار. وقال ابن حبيب: وكان ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، يتأول الاستجمار هنا على إجمار الثياب بالمجمر، ونحن نستحب الوتر في الوجهين جميعاً. يقال في هذا تجمر ٠٠ ٢٢ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٢٥) واستجمر فيأخذ ثلاث قطع من الطيب أو يتطيب مرة واحدة، لما بعد الأولى، وحكي عن مالك أيضاً، والأظهر الأول، ويقال: إنما سمي به التمسح بالجمار التي هي الأحجار الصغار لأنه يطيب المحل كما يطيبه الاستجمار بالبخور، ومنه سميت جمار الحج وهي: الحصيات التي يرمي بها. قوله: ((فليوتر)) أي: فليجعل الحجارة التي يستنجي بها وتراً، إما واحدةً، أو ثلاثاً أو خمساً، وقال الكرماني: المراد بالإيتار أن يكون عدد المسحات ثلاثاً أو خمساً أو فوق ذلك من الأوتار. قلت: لم يذكر الواحد، مع أنه يطلق عليه الإيتار هروباً عن أن لا يكون الحديث حجة عليهم، على ما نذكره عن قريب إن شاء الله تعالى. بيان استنباط الأحكام: الأول: فيه مطلوبية الاستنثار في الوضوء والإجماع قائم على عدم وجوبه، والمستحب أن يستنثر بيده اليسرى، وقد بوب عليه النسائي، ويكره أن يكون بغير يده، حكي ذلك عن مالك أيضاً لكونه يشبه فعل الدابة، وقيل: لا يكره. فإن قلت: السنة في الاستئثار ثلاث مثل الاستنشاق أم لا؟ قلت: قد ورد في رواية الحميدي في (مسنده) عن سفيان عن أبي الزناد، ولفظه: ((إذا استنثر فليستنثر وتراً)). وقوله: ((وترا)) يشمل الواحد والثلاث وما فوقهما من الأوتار، وورد في رواية البخاري: ((فليستنثر ثلاثاً). كما ذكرناها، ويمكن أن تكون هذه الرواية مبينة لتلك الرواية، فتكون السنة فيه أن تكون ثلاثاً كالاستنشاق فافهم. الثاني: من فسر الاستنثار بالاستنشاق ادعى أن الاستنشاق واجب، وقال النووي: فيه دلالة لمذهب من يقول: إن الاستنشاق واجب لمطلق الأمر، ومن لم يوجبه يحمل الأمر على الندب بدليل أن المأمور به حقيقة، وهو: الاستئثار ليس بواجب بالاتفاق. وقال ابن بطال: الاستنثار هو دفع الماء الحاصل في الأنف بالاستنشاق، ولم يذكر ههنا الاستنشاق لأن ذكره الاستئثار دليل عليه إذ لا يكون إلاَّ منه، وقد أوجب بعض العلماء الاستئثار بظاهر الحديث، وحمل أكثرهم على الندب، واستدلوا بأن غسله باطن الوجه غير مأخوذ علينا في الوضوء: قلت: الذين أوجبوا الاستنشاق هم: أحمد وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وابن المنذر، واحتجوا بظاهر الأمر، ولكنه للندب عند الجمهور بدليل ما رواه الترمذي محسناً، والحاكم مصححاً من قوله: عَّ له للأعرابي: ((توضأ كما أمرك الله تعالى))، فأحاله على الآية وليس فيها ذكر الاستنشاق. وقال بعضهم: وأجيب: بأنه يحتمل أن يراد بالأمر ما هو أعم من آية الوضوء، فقد أمر الله تعالى باتباع نبيه، ولم يحك أحد ممن وصف وضوءه على الاستقصاء أنه ترك الاستنشاق، بل ولا المضمضة، وهذا يرد على من لم يوجب المضمضة أيضاً، وقد ثبت الأمر بها أيضاً في (سنن أبي داود) بإسناد صحيح. قلت: القرينة الحالية والمقالية ناطقة صريحاً بأن المراد من قوله: ((كما أمرك الله تعالى)) الأمر المذكور في آية الوضوء، وليس فيها ما يدل على وجوب الاستنشاق ولا على المضمضة، فإن استدل هذا القائل على وجوبها بمواظبة النبي عَّلهم عليهما من غير ترك فإنه يلزمه أن يقول بوجوب التسمية أيضاً، لأنه لم ينقل أنه ترك التسمية فيه، ومع هذا فهو سنة أو مستحبة عند إمام هذا القائل. الثالث: فيه مطلوبية الإيتار في الاستنجاء. قال الكرماني: مذهبنا أن استيفاء الثلاث ١٠ ٢٣ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٢٦) واجب، فإن حصل الإنقاء به فلا زيادة وإلاّ وجبت الزيادة، ثم إن حصل بوتر فلا زيادة، وإن حصل بشفع استحب الإيتار. وقال الخطابي: فيه دليل على وجوب عدد الثلاث، إذ معلوم أنه لم يرد به الوتر الذي هو واحد لأنه زيادة صفة على الاسم، والاسم لا يحصل بأقل من واحد، فعلم أنه قصد به ما زاد على الواحد وأدناه الثلاث. قلت: ظاهر الحديث حجة لأبي حنيفة وأصحابه فيما ذهبوا إليه من أن الاستنجاء ليس فيه عدد مسنون، لأن الإيتار يقع على الواحد كما يقع على الثلاث أحجار. قلت: لما دل حديث أبي هريرة ((من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج)) على عدم اشتراط التعيين، حمل هذا على أن النهي فيه كان لأجل الاحتياط، لأن التطهير غالبا إنما يحصل بالثلاث، ونحن أيضاً نقول: إذا تحقق شخص أنه لا يطهر إلاَّ بالثلاث يتعين عليه الثلاث، والتعيين ليس لأجل التوفية فيه، وإنما هو للإنقاء الحاصل فيه حتى إذا احتاج إلى رابع وخامس وهلم جراً يتعين عليه ذلك. فافهم. ٢٦ _ بابُ الاسْتجْمَارِ وِتْراً أي: هذا باب في بيان حكم الاستجمار وتراً، وقد مر تفسير الاستجمار في الباب السابق، والوتر خلاف الشفع، وانتصابه على الحال. وجه المناسبة بين البابين من حديث إن المذكور في الباب السابق حكمان: أحدهما: الاستنثار. والآخر الاستجمار وتراً، وكان الباب مقصوراً على الحكم الأول. وهذا الباب المذكور فيه ثلاثة أشياء: أحدهما: الاستجمار وتراً فاقتضت المناسبة أن يعقد باباً على الحكم. الآخر: الذي عقد لقرينه ولم يعقد له لأن ما فيه حكمان أو أكثر ذكر بعضها تلو بعض من وجوه المناسبة، ولا يلزم أن تكون المناسبة في الذكر بين الشيئين من كل وجه، سيما في كتاب يشتمل على أبواب كثيرة، والمقصود منها عقد التراجم، فاندفع بهذا كلام من يقول: تخليل هذا الباب بين أبواب الوضوء، وهو باب الاستنجاء، ومرتبته التقديم على أبواب الوضوء غير موجه. وجواب الكرماني، بقوله: معظم نظر البخاري إلى نقل الحديث، وإلى ما يتعلق بتصحيحه غير مهتم بتحسين الوضع وتزيين ترتيب الأبواب، لأن أمره سهل غير مرضي، ولا هو عذر يقبل منه. وكذا قول بعضهم: لأن أبواب الاستطابة به لم تتميز في هذا الكتاب عن أبواب صفة الوضوء لتلازمها، ويحتمل أن يكون ذلك ممن دون المصنف. i i هدد ١٦٢/٢٨ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنا مالكٌ عَنْ أبي الزِّنَادِ عن الاعْرَجِ عِنْ أبي هُرَيْرَةَ أنّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: ((إذا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ ثُمَّ لِيْثُرْ ومنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِزْ وإذا اسْتَيْقَظَ أحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِه فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أنْ يُدْخِلَهَا فِي وَضُوئِهِ فَانَّ أحَدَكُمْ لاَ يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ)). [انظر الحديث: ١٦١]. مطابقة الحديث للترجمة في قوله: ((ومن استجمر فليوتر)) وهذا الحديث مشتمل على ثلاثة أحكام، وعقد الترجمة على الاستجمار الذي هو أحد الأحكام للوجه الذي ذ کرناه. i ٦جم ١٣٩٠ ٢٤ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٢٦) بيان رجاله: وهم خمسة، وعبد الله بن يوسف بن علي التنيسي تقدم ذكره في باب الوحي، والبقية تقدم ذكرهم جميعاً في باب حب الرسول من الإيمان، وأبو الزناد، بكسر الزاي وبالنون: عبد الله بن ذكوان. والأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز. بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة. ومنها: أن رواته كلهم مدنيون ما خلا عبد الله. ومنها: ما قاله البخاري: أصح أسانيد أبي هريرة: مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنهم. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضا في الطهارة عن القعنبي عن مالك، وأخرجه النسائي فيه أيضا عن الحسين بن عيسى البسطامي عن معين بن عيسى عن مالك. وأخرجه مسلم من طريق آخر: حدّثنا نصر بن علي الجهضمي وحامد بن عمر التكراوي قالا: حدّثنا بشر بن المفضل عن خالد بن عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة أن النبي عَ ◌ّم قال: ((إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات فإنه لا يدري أين باتت يده)). وفي لفظ: ((إذا توضأ أحد کم فليستنشق بمنخریه من الماء ثم ليستنثر)). وفي لفظ: ((فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً). وفي لفظ: ((إذا استيقظ أحدكم فليفرغ على يديه ثلاث مرات قبل أن يدخل يده في إنائه، فإنه لا يدري فيما باتت يده)). وأخرجه الترمذي من وجه آخر: حدّثنا أبو الوليد الدمشقي، قال: حدّثنا الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي عَّ له، قال: ((إذا استيقظ أحدكم من الليل فلا يدخل يده في الإناء حتى يفرغ عليها مرتين أو ثلاثاً، فإنه لا يدري أين باتت يده)). وأخرجه النسائي من وجه آخر: أنبأنا قتيبة بن سعيد، قال: حدّثنا سفيان عن الزهري عن سلمة عن أبي هريرة أن النبي، عليه الصلاة والسلام، قال: ((إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في وضوئه حتى يغسلها ثلاثاً، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده)). وأخرجه ابن ماجة أيضاً: حدّثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي حدّثنا الوليد بن مسلم حدّثنا الأوزاعي حدثني الزهري عن سعيد ابن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن أنهما حدثاه أن أبا هريرة كان يقول: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: ((إذا استيقظ أحدكم من الليل فلا يدخل يده في الإناء حتى يفرغ عليها مرتين أو ثلاثاً فإن أحدكم لا يدري فيم باتت يده)). وأخرجه الطحاوي في (معاني الآثار): حدّثنا سليمان بن شعيب قال: حدّثنا بشر بن بكير، قال: حدثني الأوزاعي وحدّثنا الحسين بن نصر، قال: حدّثنا الفريابي، قال: حدثّنا الأوزاعي، قال: حدّثنا ابن شهاب قال: حدثني سعيد بن المسيب أن أبا هريرة كان يقول: ((إذا قام أحدكم من الليل ... )) إلى آخره، مثل لفظ ابن ماجة، غير أن في لفظ الطحاوي: ((فإنه لا يدري أحدكم فيم باتت يده)). وأخرجه الدارقطني أيضاً بإسناد حسن، ولفظه: ((أين باتت تطوف يده)). وفي (الأوسط) للطبراني: ((ويسمي قبل أن يدخلها)). وقال: لم يروه عن هشام، يعني عن أبي الزناد، إلاَّ عبد الله بن يحيى بن عروة تفرد به إبراهيم بن المنذر، ولا قال أحد ممن رواه عن أبي الزناد: ٢٥ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٢٦) ويسمي، إلا هشام بن عروة. وفي (جامع) عبد الله بن وهب المصري صاحب مالك: ((حتى يغسل يده أو يفرغ فيها، فإنه لا يدري حيث باتت يده)). وفي (علل) ابن أبي حاتم الرازي: ((فليغرف على يده ثلاث غرفات)). وفي لفظ: ((ثم ليغترف بيمينه من إنائه)). وعند البيهقي: ((أين باتت يده منه)). وعند ابن عدي من رواية الحسن عن أبي هريرة مرفوعاً: ((فإن غمس يده في الإناء قبل أن يغسلها فَلْيُرِق ذلك الماء)) وفي سنن الكبحي الكبير: ((حتى يصب عليها صبة أو صبتين)). وفي لفظ: ((على ما باتت يده))، وهذا الحديث روي عن جابر وابن عمر، رضي الله عنهم أيضاً. أما حديث جابر فرواه الدارقطني من حديث أبي الزبير عن جابر، قال: قال رسول الله عَ له: ((إذا قام أحدكم من الليل فأراد أن يتوضأ فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها فإنه لا يدري أين باتت يده ولا على ما وضعها)). إسناده حسن. وأما حديث ابن عمر فرواه الدارقطني أيضاً من حديث ابن شهاب عن سالم عن عبد الله عن أبيه قال: قال رسول الله عَّه: ((إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات، فإنه لا يدري أين باتت يده منه، أو أين طافت يده، فقال له رجل: أرأيت إن كان حوضاً؟ فحصبه ابن عمر، وقال: أخبرك عن رسول الله عَّهِ وتقول: أرأيت إن كان حوضاً))؟ إسناده حسن، وحديث أبي الزبير عن عائشة مرفوعاً نحوه. بيان اللغات والإعراب: قوله: ((فيجعل في أنفه)) تقديره: فليجعل في أنفه ماءً، فحذف: ماء، الذي هو المفعول لدلالة الكلام عليه، وهكذا هو رواية الأكثرين بحذف: ماء، وفي رواية أبي ذر: ((فليجعل في أنفه ماء))، بدون الحذف، وكذا اختلف رواة (الموطأ) في إسقاطه وذكره، وثبت ذكره لمسلم من رواية سفيان عن أبي الزناد، و: الفاء، في: ((فليجعل)) جواب الشرط، أعني: إذا. وقال بعض الشارحين ومعنى ((فليجعل)): فليلق. قلت: جعل بهذا المعنى لم يثبت في اللغة، والأولى أن يقال: إنه بمعنى: صير، كما في قولك: جعلته كذا، أي: صيرته. قوله: ((ثم لينتثر)) على وزن ليفتعل، من باب الافتعال، هكذا رواية أبي ذر والأصيلي، وفي رواية غيرهما: ((ثم لينثر))، بسكون النون وضم الثاء المثلثة، من باب الثلاثي المجرد، وكذا جاءت الروايتان في (الموطأ)، وهذه الجملة معطوفة على قوله: ((فيلجعل)). وقوله: ((ومن استجمر)) جملة شرطية. وقوله: ((فليوتر)) جواب الشرط، وقد مضى الكلام فيه مستوفىّ. قوله: ((وإذا استيقظ)): الاستيقاظ بمعنى التيقظ، وهو لازم، وكلمة: إذا، للشرط وجوابه قوله: ((فليغسل يده)). وقوله: ((قبل))، نصب على الظرف، وكلمة: أن، مصدرية. قوله: ((في وضوئه))، بفتح الواو، وهو الماء الذي يتوضأ به، وفي رواية الكشميهني: ((قبل أن يدخلها في الإناء)»، وهو ظرف الماء الذي يعد للوضوء، وهي رواية مسلم من طرق، وفي رواية ابن خزيمة: ((في إنائه أو وضوئه)) على التردد. قوله: ((فإن أحدكم)): الفاء، فيه للتعليل قوله: ((أين باتت)). كلمة: أين، سؤال عن مكان، إذا قلت: أين زيد؟ فإنما تسأل عن مكانه، وإنما بني إما لتضمنه معنى حرف الاستفهام أو المجازاة. لأنك إذا قلت أين زيد؟ فكأنك قلت أفي الدار أم في السوق أم في المسجد أم في غيرها؟ وإذا قلت: أين تجلس أجلس، فمعناه: i i ةمد ٢٦ دومجيم ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٢٦) إن تجلس في الدار أجلس فيها، وإن تجلس في المسجد أجلس فيه. بيان المعاني: قوله: ((إذا توضأ)) معناه: إذا أراد أن يتوضأ. قوله: ((وإذا استيقظ)) عطف على قوله: ((إذا توضا أحدكم)) قال بعضهم: واقتضى سياقه أنه حديث واحد وليس هو كذلك في (الموطأ)، وقد أخرجه أبو نعيم في (المستخرج من الموطأ) رواية عبد الله بن يوسف شيخ البخاري مفرقاً، وكذا هو في (موطأ يحيى بن بكير) وغيره، وكذا فرقه الإسماعيلي من حديث مالك، وكذا أخرج مسلم الحديث الأول من طريق ابن عيينة عن أبي الزناد، والثاني من طريق المغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد. انتهى. قلت: لا يلزم ذلك كله أن لا يكون الحديث واحداً، وقد يجوز أن يروى حديث واحد مقطعاً من طرق مختلفة، فمثل ذلك، وإن كان حديثين أو أكثر بحسب الظاهر، فهو في نفس الأمر حديث واحد، والظاهر مع سياق البخاري في كونه حديثاً واحداً. قوله: ((قبل أن يدخلها)، وفي رواية مسلم وابن خزيمة وغيرهما من طرق مختلفة: ((فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها))، ووقع في رواية البزار: ((فلا يغمسن))، بنون التأكيد المشددة، فإنه رواه من حديث هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة مرفوعاً: ((إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمس يده في طهوره حتى يفرغ عليها ... )) الحديث ولم يقع هذا إلاّ في رواية البزار، والرواية التي فيها: الغمس، أبين في المراد من الروايات التي فيها: الإدخال، لأن مطلق الإدخال لا يترتب عليه الكراهة، كمن أدخل يده في إناء واسع فاغترف منه بإناء صغير من غير أن تلامس يده الماء. قوله: ((فإن أحدكم)) قال البيضاوي: فيه إيماء إلى أن الباعث على الأمر بذلك احتمال النجاسة، لأن الشارع إذا ذكر حكماً وعقبه بعلة دل على أن ثبوت الحكم لأجلها، ومثله قوله في حديث المحرم الذي سقط فمات: ((فإنه يبعث ملبياً)، بعد نهيهم عن تطييبه فنبه على علة النهي وهي كونه محرماً. قوله: ((أين باتت يده) أي: من جسده. وقال النووي: قال الشافعي: معنى ((لا يدري أين باتت يده)) أن أهل الحجاز كانوا يستنجون بالحجارة وبلادهم حارة، فإذا نام أحدهم عرق، فلا يأمن النائم أن تطوف يده على ذلك الموضع النجس أو على بثرة أو على قملة أو قذر وغير ذلك. وقال الباجي: ما قاله يستلزم الأمر بغسل ثوب النائم لجواز ذلك عليه، وأجيب عنه: بأنه محمول على ما إذا كان العرق في اليد دون المحل. قلت: فيه نظر، لأن اليد إذا عرقت فالمحل بطريق الأولى على ما لا يخفى فلا وجه حينئذ لاختصاص اليد به. وقول من قال: إنه مختص بالمحل ينافيه ما رواه ابن خزيمة وغيره من طريق محمد بن الوليد عن محمد بن جعفر عن شعبة عن خالد الحذاء عن عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة في هذا الحديث، قال في آخره: ((أين باتت يده منه))، وأصله في مسلم: دون قوله: ((منه)). قال الدارقطني: تفرد بها شعبة. وقال البيهقي: تفرد بها محمد بن الوليد. قلت: فيه نظر لأن ابن منده ذكر هذا اللفظ أيضاً من حديث خالد الحذاء عن عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة، قال: وكذلك رواه محمد بن الوليد عن غندر، ومحمد بن يحيى عن عبد الصمد بن عبد الوارث عن شعبة عن خالد. قال: ١٠ ٢٧ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٢٦) وما أراهما بمحفوظين بهذه الزيادة إلاّ أن رواة هذه الزيادة ثقات مقبولون، وبنحوه قاله الدارقطني. بيان استنباط الأحكام: الأول: استدل به أصحابنا أن الإناء يغسل من ولوغ الكلب ثلاث مرات، وذلك لأن النبي، عليه الصلاة والسلام، أمر القائم من الليل بإفراغ الماء على يده مرتين أو ثلاثاً، وذلك لأنهم كانوا يتغوطون ويبولون ولا يستنجون بالماء، وربما كانت أيديهم تصيب المواضع النجسة فتتنجس، فإذا كانت الطهارة تحصل بهذا العدد من البول والغائط وهما أغلظ النجاسات، وكان أولى وأحرى أن تحصل مما هو دونهما من النجاسات. الثاني: استدل به أصحابنا على أن غسل اليدين قبل الشروع في الوضوء سنة، بيان ذلك أن أول الحديث يقتضي وجوب الغسل للنهي عن إدخال اليد في الإناء قبل الغسل، وآخره يقتضي استحباب الغسل للتعليل بقوله: ((فإنه لا يدري أين باتت يده)) يعني: في مكان طاهر من بدنه أو نجس، فلما انتفى الوجوب لمانع في التعليل المنصوص ثبتت السنية لأنها دون الوجوب، وقال الخطابي: الأمر فيه أمر استخباب لا أمر إيجاب، وذلك لأنه قد علقه بالشك، والأمر المضمن بالشك لا يكون واجباً، وأصل الماء الطهارة وكذلك بدن الإنسان، وإذا ثبتت الطهارة يقيناً لم تزل بأمر مشكوك فيه. قلت: مذهب عامة أهل العلم أن ذلك على الاستحباب، وله أن يغمس يده في الإناء قبل غسلها، وأن الماء طاهر ما لم يتيقن نجاسة يده، وممن روي عنه ذلك عبيدة وابن سيرين وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير وسالم والبراء بن عازب والأعمش فيما ذكره البخاري، وقال ابن المنذر: قال أحمد: إذا انتبه من النوم فأدخل يده في الإناء قبل الغسل أعجب إلى أن يريق ذلك الماء إذا كان من نوم الليل، ولا يهراق في قول عطاء ومالك والأوزاعي والشافعي وأبي عبيدة، واختلفوا في المستيقظ من النوم بالنهار، فقال الحسن البصري: نوم النهار ونوم الليل واحد في غمس اليد، وسهل أحمد في نوم النهار، ونهى عن ذلك إذا قام من نوم الليل. قال أبو بكر: وغسل اليدين من ابتداء الوضوء ليس بفرض، وذهب داود الطبري إلى إيجاب ذلك، وأن الماء يجزيه إن لم تكن اليد مغسولة. وقال ابن حزم: وسواء تباعد ما بين نومه ووضوئه أو لم يتباعد، فلو صب على يديه من إناء دون أن يدخل يده فيه لزم غسل يده أيضاً ثلاثاً إن قام من نومه. وقال ابن القاسم: غسلهما عبادة، وقال أشهب: خشية النجاسة. وفي (الأحكام) لابن بزيزة: اختلف الفقهاء في غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء، فذهب قوم إلى أن ذلك من سنن الوضوء، وقيل: إنه مستحب وبه صدر ابن الجلاب في تفريعه، وقيل بإيجاب ذلك مطلقاً وهو مذهب داود وأصحابه، وقيل بإيجابه في نوم الليل دون نوم النهار، وبه قال أحمد، وقال: وهل تغسلان مجتمتعين أو متفرقتين ففيه قولان مبنيان على اختلاف ألفاظ الحديث الواردة في ذلك، ففي بعض الطرق: فغسل يديه مرتين مرتين، وذلك يقتضي الإفراد، وفي بعض طرقه: ((فغسل يديه مرتين))، وذلك يقتضي الجمع. انتهى. فإن قلت: كان ينبغي أن لا ينفي السنية لأنهم كانوا يتوضؤون من الأتوار، فلذلك أمرهم، عليه الصلاة والسلام، بغسل اليدين قبل إدخالهما الإناء، وأما فى هذا الزمان فقد تغير ذلك. قلت: السنة لما وقعت سنة في الابتداء بقيت ودامت وإن لم يبق ذلك المعنى، لأن ١٠ ٢٨ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٢٦) الأحكام إنما يحتاج إلى أسبابها حقيقة في ابتداء وجودها لا في بقائها، لأن الأسباب تبقى حكماً وإن لم تبق حقيقة، لأن للشارع ولاية الإيجاد والإعدام، فجعلت الأسباب الشرعية بمنزلة الجواهر في بقائها حكماً. وهذا كالرَّمَل في الحج ونحوه. الثالث: استدل بإطلاق قوله، عليه الصلاة والسلام: ((من نومه))، من غير تقييد، على أن غمس اليدين في إناء الوضوء مكروه قبل غسلهما سواء كان عقيب نوم الليل أو نوم النهار، وخص أحمد الكراهة بنوم الليل لقوله: ((أين باتت يده))، والمبيت لا يكون إلاَّ ليلاً، ولأن الإنسان لا ينكشف لنوم النهار كما ينكشف لنوم الليل، فتطوف يده في أطراف بدنه كما تطوف يد النائم ليلاً، فربما أصابت موضع العذرة، وقد يكون هناك لوث من أثر النجاسة، ويؤيد ذلك ما في رواية أبي داود ساق، إسنادها مسلم: إذا قام أحدكم من الليل ... وكذا الترمذي من وجه آخر صحيح، وفي رواية لأبي عوانة ساق مسلم إسنادها: ((إذا قام أحدكم إلى الوضوء حين يصبح ... )) وأجابوا بأن العلة تقتضي إلحاق نوم النهار بنوم الليل، وتخصيص نوم الليل بالذكر للغلبة. وقال النووي: ومذهبنا أن هذا الحكم ليس مخصوصاً بالقيام من النوم، بل المعتبر فيه الشك في نجاسة اليد فمتى شك في نجاستها يستحب غسلها سواء قام من النوم ليلاً أو نهاراً أو لم يقم منه، لأنه، عليه الصلاة والسلام، نبه على العلة بقوله: ((فإنه لا يدري)) ومعناه لا يأمن من النجاسة على يده، وهذا عام لاحتمال وجود النجاسة في النوم فيهما، وفي اليقظة. الرابع: إن قوله: ((في الإناء)) محمول على ما إذا كانت الآنية صغيرة كالكوز أو كبيرة كالجب ومعه آنية صغيرة، أما إذا كانت الآنية كبيرة وليست معه آنية صغيرة فالنهي محمول على الإدخال على سبيل المبالغة، حتى لو أدخل أصابع يده اليسرى مضمومة في الإناء دون الكف، ويرفع الماء من الجب، ويصب على يده اليمنى، ويدلك الأصابع بعضها ببعض، فيفعل كذلك مرات، ثم يدخل يده اليمنى بالغاً ما بلغ في الإناء إن شاء، وهذ الذي ذكره أصحابنا. وقال النووي: وأما إذا كان الماء في إناء كبير بحيث لا يمكن الصب منه، وليس معه إناء صغير يغترف به، فطريقة أن يأخذ الماء بفيه ثم يغسل به كفيه، أو يأخذه بطرف ثوبه النظيف، أو يستعين بغيره. قلت: لو فرضنا أنه عجز عن أخذه بفمه، ولم يعتمد على طهارة ثوبه، ولم يجد من يستعين به، ماذا يفعل؟ وما قاله أصحابنا أوسع وأحسن. الخامس: يستفاد منه أن الماء القليل تؤثر فيه النجاسة، وإن لم تغيره، وهذه حجة قوية لأصحابنا في نجاسة القلتين لوقوع النجاسة فيه. وإن لم تغيره وإلاّ لا يكون للنهي فائدة. السادس: يستفاد منه استحباب غسل النجاسات ثلاثاً لأنه إذا مر به في المتوهمة ففي المحققة أولى، ولم يرد شيء فوق الثلاث، إلا في ولوغ الكلب، وسيجيء إن شاء الله تعالى أنه عليه السلام أوجب فيه الثلاث، وخیّر فيما زاد. السابع: فيه أن النجاسة المتوهمة يستحب فيها الغسل، ولا يؤثر فيها الرش فإنه، عليه ١ ٢٩ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٢٦) الصلاة والسلام، أمر بالغسل ولم يأمر بالرش. الثامن: فيه استحباب الأخذ بالاحتياط في أبواب العبادات. التاسع: إن الماء يتنجس بورود النجاسة عليه، وهذا بالإجماع، وأما ورود الماء على النجاسة فكذلك عند الشافعي. وقال النووي في هذا الحديث: والفرق بين ورود الماء على النجاسة وورودها عليه، وأنها إذا وردت عليه نجسته وإذا ورد عليها أزالها، وتقريره أنه قد نهى عن إدخال اليدين في الإناء لاحتمال النجاسة، وذلك يقتضي أن ورود النجاسة على الماء مؤثر فيه، وأمر بغسلها بإفراغ الماء عليها للتطهير، وذلك يقتضي أن ملاقاتها الماء على هذا الوجه غير مفسد بمجرد الملاقاة، وإلاّ لما حصل المقصود من التطهير. قلت: سلمنا أن ملاقاتهما على هذا الوجه غير مفسد بمجرد الملاقاة للضرورة، ولكن لا نسلم أنه يبقى طاهراً بعد أن أزال النجاسة. وقال النووي أيضا: وفيه دلالة على أن الماء القليل إذا وردت عليه نجاسة نجسته، وإن قلَّت ولم تغيره فإنها تنجسه لأن الذي تعلق باليد ولا يرى قليل جداً، وكانت عادتهم استعمال الأواني الصغيرة التي تقصر عن القلتين، بل لا تقاربها. وقال القشيري: وفيه نظر عندي لأن مقتضى الحديث أن ورود النجاسة على الماء يؤثر فيه، ومطلق التأثير أعم من التأثير بالتنجيس، ولا يلزم من ثبوت الأعم ثبوت الأخص المعين، فإذا سلم الخصم أن الماء القليل بوقوع النجاسة فيه يكون مكروهاً فقد ثبت مطلق التأثير، ولا يلزم ثبوت خصوص التأثير بالتنجيس. ۔ العاشر: فيه استحباب استعمال الكنايات في المواضع التي فيها استهجان، ولهذا قال، عليه الصلاة والسلام: ((فإنه لا يدري أين باتت يده))، ولم يقل: فلعل يده وقعت على دبره أو ذكره أو نجاسة، ونحو ذلك، وإن كان هذا معنى قوله عَّه، وهذا إذا أن السامع يفهم بالكناية المقصود. فإن لم يكن كذلك فلا بد من التصريح لينتفي اللبس والوقوع في خلاف المطلوب، وعلى هذا يحمل ما جاء من ذلك مصرحاً به. الحادي عشر: إن قوله ((في الإناء»، وإن كان عاماً لكن القرينة دلت على أنه إناء الماء، بدليل قوله في هذه الرواية: ((في وضوئه))، ولكن الحكم لا يختلف بينه وبين غيره من الأشياء الرطبة. الثاني عشر: إن موضع الاستنجاء لا يطهر بالمسح بالأحجار، بل يبقى نجساً معفواً عنه في حق الصلاة حتى إذا أصاب موضع المسح بلل، وابتل به سراويله أو قميصه ينجسه. الثالث عشر: قوله: ((فليغسل يده)) يتناول ما إذا كانت يده مطلقة أو مشدودة بشيء، أو في جراب أو كان النائم عليه سراويله، أو لم يكن لعموم اللفظ. الرابع عشر: إن قوله: ((فإن أحدكم)) خطاب للعقلاء البالغين المسلمين، فإن كان القائم من النوم صبياً أو مجنوناً أو كافراً، فذكر في (المغني) أن فيه وجهين: أحدهما: أنه كالمسلم البالغ العاقل لأنه لا يدري أين باتت يده. والثاني أنه لا يؤثر غمسه شيئاً، لأن ١٠ i i i i i ١٣٢ ٣٠ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٢٧) المنع من الغمس إنما يثبت بالخطاب، ولا خطاب في حق هؤلاء. الخامس عشر: فيه إضافة النوم إلى ضمير: أحدكم، وذلك ليخرج نومه عَّ ◌ُلّه، فإنه تنام عينه دون قلبه. السادس عشر: قوله: ((من نومه)) يفيد خروج الغفلة ونحوها. السابع عشر: اختلفوا في أن علة الأمر التنجيس أو التعبد، فمنهم من قال، وهو قول الجمهور: إن ذلك لاحتمال النجاسة ومقتضاه إلحاق من يشك في ذلك، ولو كان مستيقظاً، ومفهومه أن من درى أين باتت يده، كمن لف عليها خرقة مثلاً، فاستيقظ وهو على حالها فلا كراهة، وإن كان غسلها مستحباً كما في المستيقظ، ومنهم من قال، ومنهم مالك: بأن ذلك للتعبد، فعلى قولهم لا يفرق بين شاكٍ ومتيقن. الثامن عشر: قال أبو عمر: فيه إيجاب الوضوء من النوم. التاسع عشر: قيل: فيه تقوية من يقول بالوضوء من مس الذكر، حكاه أبو عوانة في صحيحه عن ابن عيينة، وفيه بعد جداً. العشرون: ما قاله الخفاف من الشافعية: إن القليل من الماء لا يصير مستعملاً بإدخال اليد فيه لمن أراد الوضوء، وفيه بعد أيضاً. والله أعلم. ٢٧ - بابُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وَلاَ يَمْسَحُ عَلَى القَدَمَيْنِ أي: هذا باب في بيان حكم غسل الرجلين في الوضوء. قوله: ((ولا يمسح على القدمين)) يعني: إذا كانتا عاريتين. قال القشيري: فهم البخاري من هذا الحديث أن القدمين لا يمسحان بل يغسلان، وهو عندي غير جيد، لأنه مفسر في الرواية الأخرى: إن الأعقاب كانت تلوح لم يمسها الماء، ولا شك أن هذا موجب للوعيد بالاتفاق، والذين استدلوا على أن المسح غير مجزىء إنما اعتبروا لفظه فقط، فقد رتب الوعيد على مسمى المسح وليس فيها ترك بعض الوضوء، والصواب إذا جمعت الطرق أن يستدل ببعضها على بعض، ويجمع ما يمكن جمعه فيه ليظهر المراد، ولو استدل في غسل الرجلين بحديث: ((إذا توضأ المسلم فغسل رجليه خرجت كل خطيئة بطشت بها رجلاه)). فهذا يدل على أن الرجل فرضها الغسل لأنه لو كان فرضها المسح لم يكن في غسلها ثواب. ألا ترى أن الرأس الذي فرضها المسح لا ثواب في غسلها؟ قلت: لا دخل في ذلك على البخاري، لأنه فهم منه أن الإنكار عليهم إنما كان بسبب المسح لا بسبب الاقتصار على غسل بعض الرجل، فلأجل ذلك قال: ((ولا يمسح على القدمین)). فإن قلت: ما وجه المناسبة بين البابين؟ قلت: قد مر أن الباب السابق ذكر عقيب الذي قبله للمعنى الذي ذكرناه، فيكون هذا الباب في الحقيقة يتلو الباب الذي قبله، والمناسبة بينهما ظاهرة لأن كلاً منهما مشتمل على حكم من أحكام الوضوء. ١٠ ٣١ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٢٧) ١٦٣/٢٩ - حدّثنا مُوسَى قالَ حدّثنا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أبي بِشْرٍ عَنْ يُوسفَ بن ماهِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عَمْرٍو قالَ: تَخَلَّفَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عَنَّا فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقَنَا العَصْرُ فَجَعلْنا نَتَوَضَّأُ وَنَّمْسَحُ عَلَى أَرْجُلنَا فَتَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: ((وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ)) مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثاً. [انظر الحديث: ٦٠ وطرفه] مطابقة الحديث للترجمة تفهم من إنكار النبي عَّ مسحهم على أرجلهم، لأنه ما أنكر عليهم بالوعيد إلاَّ لكونهم لم يستوفوا غسل الرجلين. i بيان رجاله: وهم خمسة، قد ذكروا كلهم، وموسى هو ابن إسماعيل التبوذكي قد مر في باب من قال الإيمان هو العمل، وأبو عوانة، بفتح العين المهملة: هو الوضاح اليشكري، وأبو بشر، بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة: جعفر بن أبي وحشية الواسطي، وماهك روي بكسر الهاء وفتحها منصرفاً، وعبد الله بن عمرو بن العاص القرشي، وهذا الإسناد والحديث بعينهما قد تقدما في باب: من رفعٍ صوته بالعلم، وفي باب: من أعاد الحديث ثلاثاً في كتاب العلم بلا تفاوت بينه وبينهما إلاّ في الراوي الأول، فإنه موسى ههنا. وثمة في الباب الأول: أبو النعمان. وفي الباب الثاني: مسدد. وقد ذكرنا في باب: من رفع صوته بالعلم، لطائف إسناده، وتعدد موضعه ومن أُخرجه غيره، وبيان اللغات والإعراب والمعاني، وبيان وجه الاستنباط، فنذكر ههنا ما لم نذكره هناك. قوله ((سافرناها)) هو رواية كريمة وليس هو بثابت في رواية غيره، وظاهره أن عبد الله ابن عمرو كان في تلك السفرة، ووقع في رواية لمسلم: أنها كانت من مكة إلى المدينة، ولم يقع ذلك لعبد الله محققاً إلاّ في حجة الوداع. أما غزوة الفتح فقد كان فيها، لكن ما رجع النبي عَّله فيها إلى المدينة بل من مكة من الجعرانة، ويحتمل أن تكون عمرة القضاء، فإن هجرة عبد الله بن عمرو كانت في ذلك الوقت أو قريبا منه. قوله: ((فأدركنا))، بفتح الكاف أي: لحق بنا رسول الله عليه الصلاة والسلام. قوله: ((وقد أرهقنا العصر)) بفتح الهاء والقاف: من الإرهاق، والعصر مرفوع به لأنه فاعل، هكذا رواية أبي ذر. وفي روايةٍ بإسكان القاف ونصب العصر على المفعولية، ويقوي الأول رواية الأصيلي: ((وقد أرهقتنا)) بتأنيث الفعل وبرفع الصلاة على الفاعلية. قوله: ((ويل للأعقاب من النار)) قد قلنا: إن ويل، مرفوع بالابتداء وإن كان نكرة لأنه دعاء، واختلف في معناه على أقوال أظهرها ما رواه ابن حبان في (صحيحه) من حديث أبي سعيد مرفوعا: ((ويل واد في جهنم). والألف واللام في: الأعقاب، للعهد لأن المراد المرئية من ذلك، وهذا حجة على من يتمسك به في إجراء المسح، لأنه لم يوجب مسح العقب. وقال الطحاوي: لما أخبرهم بتعميم غسل الرجلين حتى لا يبقى منها لمعة دل على أن فرضها الغسل، واعترض عليه ابن المنير بأن التعميم لا يستلزم الغسل، فالرأس تعم بالمسح وليس فرضها الغسل. قلت: هذا لا يرد عليه أصلاً، لأن كلامه فيما يغسل، فأمره بالتعميم يدل على فريضة الغسل في المغسول، والرأس ليس بمغسول. فافهم. i ة ٣٢ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٢٨) وقد تواترت الأخبار عن النّبي، عليه الصلاة والسلام، في صفة وضوئه أنه غسل رجليه، وهو المبين لأمر الله تعالى، وقد قال فى حديث عمرو بن عنبسة الذي رواه ابن خزيمة وغيره مطولاً في فضل الوضوء: ((ثم يغسل قدميه كما أمره الله تعالى))، ولم يثبت عن أحد من الصحابة خلاف ذلك إلا عن علي وابن عباس وأنس، رضي الله تعالى عنهم، وقد ثبت عنهم الرجوع عن ذلك، وروى سعيد بن منصور عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى أنه قال: اجتمع أصحاب رسول الله عَّ له على غسل القدمين. والله أعلم. ٢٨ _ بابُ المَضْمَضَةِ فِي الوُضُوءِ أي: هذا باب في بيان المضمضة في الوضوء. والمناسبة بين البابين من حيث إن كلاً منهما مشتمل على حكم من أحكام الوضوء. قالَّهُ ابنُ عَبَّاسٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بنُ زَيْدٍ رضي اللَّهُ عَنْهُمْ عَن النبيِّ صلى الله عليه وسلم هذا تعليق منه، ولكنه أخرج حديث ابن عباس موصولاً في باب غسل الوجه باليدين، وكذا حديث عبد الله بن زيد بن عاصم. أخرجه موصولاً في باب غسل الرجلين إلى الكعبين على ما يأتي عن قريب. فإن قلت: إلى ما يرجع الضمير في: قاله؟ قلت: يرجع إلى المضمضة، وهو في الأصل مصدر يستوي فيه التذكير والتأنيث، أو يكون تذكير الضمير باعتبار المذكور. فإن قلت: مقول القول ينبغي أن يكون جملة، وههنا مفرد. قلت: القول ههنا بمعنى الحكاية كما في: قلت شعراً، وقلت قصيدة، والمعنى حكاه ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، ولا حاجة إلى التقدير بقولك: أي قال بالمضمضة ابن عباس، كما ذهب إليه الكرماني. فافهم. ١٦٤/٣٠ - حدّثنا أبُو اليَمَانِ قالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قال أخبرني عَطَاءُ بنُ يَزِيدَ عَنْ حُمْرَانَ مَوْلى عُثْمان بن عَفَّانَ أَنَّهُ رَأَى عُثْمانَ دَعَا بِوَضُوءٍ فَأَفْرِغَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ إِنَائِهِ فَغَسَلَهُمَا ثَلاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الْوَضُوءِ ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ واسْتَنْثَرِ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثَاً وَيَدَيْهِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ ثَلاثاً ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ ثُمَّ غَسَلَ كُلَّ رِجْلٍ ثَلاثاً ثُمَّ قَالَ رَأيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَتَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا وقالَ: ((مَنْ تَوَضَّأَ نَخْوَ وُضُوئِي هَذا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لاَ يُحَدِّثُ فيهِمَا نَفْسَهُ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذنْبِهِ)). [انظر الحديث: ١٥٩ وأطرافه]. مطابقة الحديث للترجمة في قوله: ((ثم تمضمض)). بيان رجاله وهم خمسة. الأول: أبو اليمان الحكم بن نافع. الثاني: شعيب بن أبي حمزة. الثالث: محمد بن مسلم الزهري. الرابع: عطاء بن يزيد، من الزيادة. الخامس: حمران بن أبان، والكل قد ذكروا. ٣٣ ٤ - كتاب الوضوءا باب (٢٩) بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والإخبار بصيغة الجمع والإفراد والعنعنة. ومنها: أن فيه رواية حمصي عن حمصي، وهما الأولان، والبقية مدنيون. وبقية الكلام سلفت في باب: الوضوء ثلاثاً. وقال الكرماني: ولا تفاوت بينهما، أي: بين الحديثين إلاّ بزيادة لفظ: ((واستنشق) ههنا، وزيادة: ((رأيت النبي عَّةٍ يتوضأ نحو وضوئي هذا)) قلت: ليس كذلك، بل التفاوت بينهما في غير ما ذكره أيضا، فإن هناك: ((دعا بإناء)» وههنا: ((دعا بوضوء)). وهناك: ((ثم أدخل يمينه في الإناء)). وهنا: ((في الوضوء))، وهناك: ((فمضمض))، وههنا: ((ثم تمضمض)) وهناك: ((ثم غسل رجليه))، وههنا. ((ثم غسل كل رجل))، وهذه رواية المستملي والحموي وفي رواية الأصيلي والكشميهني: ((ثم غسل كل رجل))، وفي رواية ابن عساكر: ((كلتا رجليه)). وهي الرواية التي اعتمدها صاحب (العمدة) وفي نسخة: ((كل رجليه))، والكل يرجع إلى معنى واحد، غير أن رواية: ((كل رجله))، تفيد تعميم كل رجل بالغسل. قوله: ((غفر الله له))، هذه رواية، المستملي، وفي رواية غيره: ((غفر له)، على بناء المجهول، وزاد مسلم في رواية يونس في هذا الحديث: قال الزهري: ((كان علماؤنا يقولون: هذا الوضوء أسبغ ما يتوضأ به أحد للصلاة)). ٢٩ - بابُ غَسْلِ الأَغْقَابِ أي: هذا باب في بيان غسل الأعقاب، وهي جمع عقب، بفتح العين المهملة وكسر القاف مثال: كبد، وهو العظم المتأخر الذي يمسك مؤخر شراك النعل، وقد مر تحقيق الكلام فيه. والمناسبة بين البابين ظاهرة، وهي أن كل واحد منهما في حكم من أحكام الوضوء. وَكَانَ ابنُ سِيرينَ يَغْسِلُ مَوْضِعَ الخَاتَمِ إِذَا تَوَضَّأَ الكلام فيه على أنواع: الأول: أن هذا تعليق أخرجه ابن شيبة في (مصنفه) بسند صحيح موصولاً عن هشيم عن خالد عن ابن سيرين، وكذا أخرجه البخاري موصولاً في (التاريخ) عن موسى بن إسماعيل عن مهدي بن ميمون عنه: ((أنه كان إذا توضأ حرك خاتمه)). فإن قيل: روي عن ابن سيرين أنه أدار الخاتم في إصبعه: قيل: لعل ذلك حالة أخرى له كان واسعاً يدخل الماء برقته إليه. الثاني: مذاهب العلماء فيه، فقال أصحابنا الحنفية: تحريك الخاتم الضيق من سنن الوضوء لأنه في معنى تخليل الأصابع، وإن كان واسعاً لا يحتاج إلى تحريك، وبهذا التفصيل قال الشافعي وأحمد. قال ابن المنذر: وبه أقول. قال: وكان ابن سيرين وعمرو بن دينار وعروة وعمر بن عبد العزيز والحسن وابن عيينة وأبو ثور يحركونه في الوضوء. قلت: ذكر في (مصنف) ابن أبي شيبة هكذا: عن أبي تميم الجيشاني وعبد الله بن هبيرة السبائي وميمون بن مهران، وكان حماد يقول في الخاتم: أزاله. قال ابن المنذور خص فيه مالك والأوزاعي، عمدة القاري / ج٣ / م٣ i ١ i i. ١٣ i. ٣٤ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٢٩) وروي ذلك عن سالم، وقد روى ابن ماجة حديثاً فيه ضعف عن أبي رافع: ((كان عليه الصلاة والسلام إذا توضأ حرك خاتمه)). وقال البيهقي: والاعتماد في هذا الباب على أن الأثر عن علي، رضي الله تعالى عنه: ((أنه كان إذا توضأ حرك خاتمه)). وحكي أيضاً عن ابن عمر وعائشة بنت سعد بن أبي وقاص، وفي (غريب الحديث) لابن قتيبة من طريق ابن لهيعة عن أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه، قال لرجل يتوضأ: عليك بالمنشلة، قال: يعني موضع الخاتم من الإصبع. قلت: المنشلة، بفتح الميم وسكون النون وفتح الشين المعجمة واللام. الثالث: قوله: ((وكان ابن سيرين))، الواو فيه للاستفتاح، وابن سيرين: هو محمد بن سيرين من أكابر التابعين، وهو كلام إضافي إسم: كان. وقوله: ((يغسل موضع الخاتم)) جملة في محل النصب على أنها خبر: كان. فإن قلت: كان للماضي، ويغسل: للمضارع، فكيف يجتمعان؟ قلت: يغسل للاستمرار أو لحكاية حال الماضي على سبيل الاستحضار. قوله: ((إذا توضأ))، يجوز أن تكون إذا، للشرط، وأن تكون للظرف. فقوله: كان جزاء الشرط: إذا، كان: إذا للشرط، وهو العامل فيه إذا كان للظرف، ويجوز أن يكون قوله: يغسل، والأول أوجه. الرابع: وجه دخول هذا في هذا الباب من حيث إنه يحتمل أن يكون أراد بذلك أنه لو أدار الخاتم وهو في إصبعه لكان ذلك بمنزلة الممسوح، وفرض الأصبع الغسل فقاس المسح، في الأصبع على مسح الرجلين فإنه قد فهم من الحديث المسح على ما مر وبوب عليه كما سلف. ١٦٥/٣١ - حدّثنا آدَمُ بنُ أبي إیَاسِ قالَ حدّثنا شُعْبَةُ قال حدثنا مُحمَّدُ بنُ زِیادٍ قال سَمِعْتُ أبا هُرَيْرَةَ وَكَانَ يَمُوَ بِنَا وَالنَّاسُ يَتَوَضَّؤُونَ مِنَ المِظْهَرَةِ قَالَ أَسْبِغُوا الوُضُوءَ فَإِنَّ أَبًا القاسِم صلى الله عليه وسلم قال: وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ)). مطابقة الحديث للترجمة في قوله: ((ويل للأعقاب من النار)). بيان رجاله وهم أربعة: الأول: آدم بن أبي إياس، بكسر الهمزة وتخفيف الياء آخر الحروف، وقد مر. الثاني: شعبة بن الحجاج، وقد تقدم. الثالث: محمد بن زياد، بكسر الزاي وتخفيف الياء آخر الحروف: أبو الحارث الجمحي المدني الأصل، سكن البصرة، مولى عثمان بن مظعون، بالظاء المعجمة: تابعي ثقة روى له الجماعة. الرابع: أبو هريرة، رضي الله تعالى عنه. بيان لطائف إسناده منها: أن فيه التحديث والسماع. ومنها: أنه من رباعيات البخاري. ومنها: أن رواته ما بين خراساني وبصري ومدني. بيان من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في الطهارة عن قتيبة وأبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب، ثلاثتهم عن وكيع عن شعبة. وأخرجه النسائي فيه أيضاً عن قتيبة عن يزيد بن زريع، وعن مؤمل بن هشام عن إسماعيل ابن علية، كلاهما عن وكيع عن شعبة. ... ٣٥ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٠) بيان اللغات: قوله: ((المطهرة)) بكسر الميم وفتحها: الإدارة، والفتح أعلى، ويجمع على: مطاهر. وفي الحديث: ((السواك مطهرة للفم مرضاة للرب)). قوله: ((أسبغوا الوضوء)) من الإسباغ وهو: إبلاغه مواضعه وإيفاء كل عضو حقه، والتركيب يدل على تمام الشيء وكماله. قوله: ((للأعقاب) جمع عقب، وقد مر تفسيره مستوفیّ. i i جوة بيان الإعراب قوله: ((وكان يمر بنا)) جملة وقعت حالاً من مفعول: سمعت، وهو قوله: ((أبا هريرة))، والضمير في: كان، يرجع إليه وهو اسمه. وقوله: ((يمر بنا)) جملة في محل النصب على أنها خبر له. قوله: ((والناس)) مبتدأ و: ((يتوضؤون)) خبره، والجملة حال من فاعل: كان، وهو إما من الأحوال المتداخلة المترادفة. قوله: ((فقال ... )) إلى آخره، قائله أبو هريرة، ويروي: قال، بدون: الفاء فإن قلت: ما وجه إعرابه على الوجهين؟ قلت: وجه وجود: الفاء، أن تكون: الفاء تفسيرية لأنها تفسر: قال، المحذوفة بعد قوله: أبا هريرة، لأن تقدير الكلام: سمعت أبا هريرة قال: وكان يمر بنا ... إلى آخره، وإنما قلنا ذلك لأن: أبا هريرة، مفعول: سمعت. وشرط وقوع الذات مفعول فعل السماع أن يكون مقيداً بالقول، ونحوه كقوله تعالى ﴿سمعنا منادياً ينادي﴾ [آل عمران: ١٩٣]. ووجه عدم: الفاء، أن يكون: قال، حالاً من أبي هريرة، والتقدير: سمعت أبا هريرة حال كونه قائلاً: أسبغوا الوضوء. قوله: ((فإن أبا القاسم))، الفاء: للتعليل، و: أبو القاسم، كنية رسول الله عَّله. قوله: ((قال)) جملة في محل الرفع على أنها خبر: أن قوله: ((ويل للأعقاب من النار)) مقول القول، وإعرابه مر غير مرة مع سائر أبحاثه. ٣٠ _ بابُ غَسْلِ الرَّجْلَيْنِ فِي النَّعْلَيْنِ ولاَ يَمْسَحُ عَلَى النَّعْلَيْنِ أي: هذا باب في بيان حكم غسل الرجلين حال كونها في النعلين. والمناسبة بين البابين ظاهرة، وهي: أن كلاً منهما في بيان حكم غسل الرجلين حال كونهما في النعلين، لأن الباب الأول في غسل الأعقاب وهي من الرجلين. ١٦٦/٣٢ - حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قالَ أخبرنا مالكٌ عَنْ سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ ابنِ مجرَيحِ أنَّهُ قالَ لعبدِ الله بنِ عُمَرَ يا أبا عَبْدِ الرَّحْمنِ رَأيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعاً لَمْ أَرَ أَحَداً منْ أصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا قَالَ وَمَا هِي يَا ابْنَ جُرَيْجٍ قالَ رَأيْتُكَ لاَ تَسُ مِنَ الأَرْكانِ إلاَّ اليَمَانِيَيْنِ وَرَأْتُكَ تَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ وَرَأَنْتُكَ تَصْبُغُ بالْصُّفْرَةِ وَرَأْتِتُكَ إذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوًا الهِلاَلَ وَلَمْ تُهِلَّ أَنْتَ حَتَّى كَان يَوْمُ التَّْوِيَةِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ أَمّاَ الأَرْكَانُ فَإِنِيٌّ لَمْ أَرَ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَمَسُ إلاَّ اليَمَانِيَّيْنِ وَأَمَّا النَّعَالُ السَّيْتِيَّةُ فَإِنِّي رَأيْتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَلْبَسُ النَّعْلَ الَّتِي لَيْسَ فِيها شَعَرٌ وَيَتَوَضَّأُ فِيها فَأَنَا أُحِبُ أَنْ أَلْبَسَهَا وأمّا الصَّفْرَةُ فإِنِّي رَأَيْتُ رسولَ الله عَّهِ يَصْبُغُ بِهَا فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِها وأمّا الإِهْلالُ فِنِّي لَمْ أَرَ رسولَ اللَّهِ مَِّ يُهِلُّ حَتَّى تَنْتَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ. [الحديث ١٦٦ - أطرافه في: ١٥١٤، ١٥٥٢، ١٦٠٩، ٢٨٦٥، ٥٨٥١] ٠٠١ هو د ١ ٣٦ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٠) ١٠٠/ مطابقة الحديث للترجمة في قوله: ((ويتوضأ فيها)) فإن ظاهره كان، عليه الصلاة والسلام، يغسل رجليه وهما في نعلين، لأن قوله: فيها، أي: في النعال ظرف لقوله: يتوضأ، وبهذا يرد على من زعم ليس في الحديث الذي ذكره تصريح بذلك، وإنما هو من قوله: (يتوضأ فيها))، لأن الأصل في الوضوء الغسل. قلت: ما يريد هذا من التصريح أقوى من هذا، وقوله: ولأن: فيها، يدل على الغسل، ولو أريد المسح لقال: عليها. وهذا التعليل يرد عليه قوله: ليس في الحديث الذي ذكره تصريح بذلك، وهذا من العجائب حيث ادعى عدم التصريح، ثم أقام دليلاً عليه. وقال الإسماعيلي: فيما ذكره البخاري في النعلين والوضوء فيهما نظر. قلت: وفي نظره نظر، ووجهه ما قررناه الآن. قوله: ((ولا يمسح على النعلين)) أشار بذلك إلى نفي ما روي عن علي وغيره من الصحابة أنهم مسحوا على نعالهم ثم صلوا. وروي في ذلك حديث مرفوع أخرجه أبو داود من حديث المغيرة بن شعبة في الوضوء، لكن ضعفه عبد الرحمن بن مهدي وغيره، وروي عن ابن عمر أنه كان إذا توضأ ونعلاه في قدميه مسح ظهور نعليه بيديه، ويقول: كان رسول الله عَّ له يصنع هكذا، أخرجه الطحاوي والبزار، وروي في حديث رواه علي بن يحيى بن خلاد عن أبيه عن عمه رفاعة بن رافع: ((أنه كان جالساً عند النبي، عليه الصلاة والسلام))، وفيه: ((ومسح برأسه ورجليه))، أخرجه الطحاوي والطبراني في (الكبير). والجواب عن حديث ابن عمر: أنه كان في وضوء متطوع به لا في وضوء واجب عليه، وعن حديث رفاعة: أن المراد أنه مسح برأسه وخفيه على رجليه، واستدل الطحاوي على عدم الإجزاء بالإجماع على أن الخفين إذا تخرقا حتى يبدو القدمان، أن المسح لا يجزىء عليهما، قال: فكذلك النعلان لأنهما لا يغيبان القدمين. قال بعضهم: هذا استدلال صحيح، ولكنه منازع في الإجماع المذكور. وقلت : غير منازع فيه لأن مذهب الجمهور أن مخالفة الأقل لا تضر الإجماع، ولا يشترط فيه عدد التواتر عند الجمهور. وروى الطحاوي: حدّثنا فهد قال: حدّثنا محمد بن سعيد، قال: حدّثنا عبد السلام عن عبد الملك، قال: قلت لعطاء: أَبلَغك عن أحد من أصحاب رسول الله، عليه الصلاة والسلام أنه مسح على القدمين؟ قال: لا بيان رجاله: وهم خمسة، كلهم ذكروا ما خلا عبيد بن جريج، كلاهما مصغر والجرج: وعاء يشبه الخرج، وهو مدني ثقة مولى ابن تميم، وليس بينه وبين عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج نسب، وقد يظن أن هذا عمه، وليس كذلك. بيان لطائف إسناده منها: أنهم كلهم مدنيون. ومنها: أن فيه رواية الأقران، لأن عبيداً وسعيداً تابعيان من طبقة واحدة. ومنها: أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في اللباس عن القعنبي عن مالك. وأخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى عن مالك. وأبو داود في الحج. وأخرجه الترمذي في شمائله. وأخرجه السنائي في الطهارة، وابن ماجه في اللباس، فالنسائي عن كريب ، جدة ٣٧ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٠) عن ابن إدريس عن مالك، وابن ماجّه عن أبي بكر بن أبي شيبة. بيان اللغات والإعراب قوله: ((لا تمس)) من: مسست أمس بكسر الماضي وفتح المستقبل مساً ومسيساً، وهو الذي اختاره ثعلب في مسست أمس بكسر الماضي في الفصيح، وفي (الصحاح) و (أفعال) ابن القطاع عن أبي عبيدة، والمطرزي في شرحه عن ابن الأعرابي، وابن فارس في (مجمله) وابن السكيت في (كتاب الإصلاح): مسست بالكسر، ومسست بالفتح، وبالكسر أفصح. وحكاه أيضا ابن سيده، وحكي أيضاً عن ابن جني: أمسه إياه، عداه إلى مفعولين. وعن سيبويه، قالوا: مسست الشيء، وفي (الجامع) للقزاز: ماسسته أيضاً مماسة ومساساً ومساساً، بكسر الميم وفتحها وفي (نوادر) يونس: ماسسته. وزعم ابن درستويه في كتاب (تصحيح الفصيح)، أن: مسست، بالفتح خطأ مما تلحن فيه العامة. قوله: ((اليمانيين)، تثنية: يمان بتخفيف الياء، هذا هو الأفصح الذي اختاره ثعلب، ولم يذكر ابن فارس غيره، وذكر المطرزي في كتابه(غرائب أسماء الشعر)، عن ثعلب عن سلمة عن الفراء عن الكسائي، قال: العرب تقول في النسبة إلى اليمن: رجل يمان ويمني ويماني، وفي (الكتاب الجامع): النسبة إلى اليمن: يمان على غير قياس، والقياس يمني. وفي (المحكم): يمان على نادر المعدول، وألفه عوض عن الياء لأنه يدل على ما تدل عليه الياء، وبنحوه ذكره في (المغرب). وفي (الصحاح) قال سيبويه: وبعضهم يقول: يماني، بالتشديد، قال أمية بن خلف: وينفخ دائماً لهب الشواط يمانيا بطل يشد كيراً وقوم يمانية ويمانون مثل: ثمانية وثمانون، وفي كتاب (التيجان) لابن هشام: سميت اليمن يمناً بيعرب، واسمه: يمن بن قحطان بن عامر، وهو: هود، عليه الصلاة والسلام، فلذلك قيل: أرض یمن، وهو أول من قال الشعر ووزنه، وفي (معجم) ابن عبيد: سمي اليمن قبل أن تعرف الكعبة المشرفة، لأنه عن يمين الشمس، وقال أبو عبيد: قال بعضهم: سميت بذلك لأنها عن يمين الكعبة. وقيل: سميت بيمن بن قحطان، وفي (الزاهر) لابن الأنباري: وقد أيمن ويامن إذا أتى اليمن. وفي كتاب الرشاطي: سمي اليمن ليمنه، وهو يعزى لقطرب. قوله: ((السبتية)) نسبة إلى: سبت، بكسر السين وسكون الباء الموحدة وفي آخره تاء مثناة من فوق: وهو جلد البقر المدبوغ بالقرظ. وقال أبو عمر: وكل مدبوغ فهو سبت. وقال أبو زيد: هي السبت مدبوغة أو غير مدبوغة. وفي (التهذيب) للأزهري: إنما سميت سبتية لأن شعرها قد سبت عنها، أي: حلق وأزيل. يقال: سبت رأسه إذا حلقه. وفي (النبات) لأبي حنيفة: السبت معرب من سبت. وفي (الغريبين): سميت سبتة لأنها انسبتت بالدباغ أي لانت، وفي كتاب ابن التين عن الداودي: نسبته إلى سوق السبت، وقيل: هي سود لا شعر فيها. قوله: ((أهلٌ)) من الإهلال. وهو رفع الصوت بالتلبية. وفي (المغرب): كل شيء ارتفع صوته فقد استهل. وقال أبو الخطاب: كل متكلم رافع الصوت أو خافضه فهو مهل ومستهل. وقال صاحب (العين) يقال: أهل بعمرة أو بحجة أي أحرم بها، وجرى على ألسنتهم لأنهم أكثر ما كانوا يحجون إذا أهل الهلال، وإهلال الهلال واستهلاله رفع الصوت بالتكبير عند رؤيته، واستهلال الصبي: تصويته F عجوة P i ٣٨ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٠) عند ولادته، وأهل الهلال: إذا طلع، وأهل واستهل: إذا أبصر، وأهللته: إذا أبصرته. وأما الإعراب: فقوله: ((رأيتك)) جملة من الفعل والفاعل والمفعول. وقوله: ((تصنع)) جملة من الفعل والفاعل في محل النصب على أنها مفعول ثان. ((وأربعاً)) مفعول: تصنع، وكذلك الكلام في: رأيتك، الثاني والثالث. وأما: رأيتك، والخامس فإنه يحتمل أن يكون بمعنى الإبصار، وبمعنى العلم. وقوله: ((كنت))، يحتمل أن تكون تامة أو ناقصة، و: ((بمكة)) ظرف لغو أو مستقر. وقوله: ((إذا)) في الموضعين يحتمل أن تكونا شرطيتين وأن تكونا ظرفيتين، وأن تكون الأولى شرطية والثانية ظرفية وبالعكس. قوله: ((أهل)) يجوز أن يكون حالاً، قاله الكرماني، ولم يبين وجهه، وليس هو إلاّ جزاء إذا الأول، وإذا الثاني مفسر له، ويجوز أن يكون: أهل، جزاء إذا الثاني على مذهب الكوفيين لأنهم جوزوا تقديمه على الشرط. قوله: ((حتى يكون يوم التروية)) يجوز في: كان، أن تكون تامة وأن تكون ناقصة، فإن كانت تامة يكون يوم، مرفوعاً لأنه إسم: كان، وإن كانت ناقصة تكون خبر: كان. قال الكرماني: فإن قلت: ذكر في جواب كل واحد من: رأيتك، الأربع فعلاً رآه منه: فما هو ههنا يعني في: رأيتك الخامس؟ وكان القياس أن يقول: رأيتك لم تهل حتى كان يوم التروية. قلت: إما أن يكون محذوفاً. والمذكور دليل عليه. وإما أن تكون الشرطية قائمة مقامه. قلت: هذا السؤال لا وجه له، وما وجه القياس الذي ذكره. بيان المعاني: قوله: ((أربعاً)) أي: أربع خصال. قوله: ((لم أر أحداً من أصحابك يصنعها)): يحتمل أن يكون مراده لا يصنعن أحد غيرك مجتمعة وإن كان يصنع بعضها، وفي بعض النسخ: من أصحابنا، أي: من أصحاب رسول الله عَّله. وفي بعض النسخ: ومن أصحابك. قوله: ((من الأركان)) أي: من أركان الكعبة الأربعة: واليمانيين، الركن اليماني والركن اليماني الذي فيه الحجر الأسود، ويقال له الركن العراقي لكونه إلى جهة العراق، والذي قبله يماني لأنه من جهة اليمن. ويقال لهما: اليمانيان تغليباً لأحد الاسمين، وهما باقيان على قواعد إبراهيم عَّهِ. فإن قلت: لمَ لا قالوا: الأسودين؟ ويأتي فيه التغليب أيضا؟ قلت: لو قيل كذلك ربما كان يشتبه على بعض العوام أن في كل من هذين الركنين الحجر الأسود، وكان يفهم التثنية ولا يفهم التغليب لقصور فهمه، بخلاف: اليمانيين. قوله: ((يلبس))، بفتح الباء لأنه من باب فعل يفعل بكسر العين في الماضي، وفتحها في المستقبل، من باب علم يعلم. وأما الذي بفتح الباء في الماضي فمضارعه بكسر الباء من باب: ضرب يضرب، فمصدر الأول: اللبس، بضم اللام. ومصدر الثاني: اللبس، بالفتح: وهو الخلط. قوله: ((تصبغ))، بضم الباء الموحدة وفتحها لغتان مشهورتان. قال الكرماني، قلت: فيه ثلاث لغات ذكرها ابن سيده في (المحكم) يقال: صبغ الثوب والشيب ونحوهما يصبغه، ويصبغه بالكسر عن اللحياني صبغاً وصبغا وصبغة، وأما: الصبغة، بالكسر فالمرة من الصبغ، وصبغه بالتشديد. أي: لونه، عن أبي حنيفة. قوله: ((حتى كان يوم التروية)) وهو اليوم الثامن من ذي الحجة، واختلفوا في سبب ٣٩ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٠) التسمية بذلك على قولين، حكاهما الماوردي وغيره: أحدهما: لأن الناس يروون فيه من الماء من زمزم لأنه لم يكن بمنى ولا بعرفة ماء. والثاني: أنه اليوم الذي رأى فيه آدم عَ لَّم. حواء. قلت: وفيه قول آخر، وهو: أن جبريل، عليه الصلاة والسلام، ارى فيه إبراهيم أول المناسك. وعن ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما: سمي بذلك لأن ابراهيم عليه الصلاة والسلام أتاه الوحي في منامه أن يذبح ابنه، فتروى في نفسه: من الله تعالى هذا أم من الشيطان؟ فأصبح صائماً، فلما كان ليلة عرفة أتاه الوحي، فعرف أنه الحق من ربه، فسميت عرفة، رواه البيهقي في (فضائل الأوقات) من رواية الكلبي عن أبي صالح عنه. ثم قال: هكذا قال في هذه الرواية، وروى أبو الطفيل عن ابن عباس: أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام، لما ابتلي بذبح ابنه أتاه جبريل، عليه الصلاة والسلام، فأراه مناسك الحج، ثم ذهب به إلى عرفة. قال: وقال ابن عباس: سميت عرفة لأن جبريل قال لإبراهيم، عليهما الصلاة والسلام: هل عرفت؟ قال: نعم، فمن ثم سميت: عرفة. قوله: ((حتى تنبعث به راحلته))، يقال: بعثت الناقة: أثرتها فانبعثت هي، وبعثه فانبعث في السير أي: أسرع، والمعنى هنا: استواؤها قائمة. وفي الحقيقة هو كناية عن ابتداء الشروع في أفعال الحج، والراحلة: هي المركب من الإبل ذكراً كان أو أنثى. قوله: ((ولم تهل أنت حتى كان)). وفي رواية مسلم: ((حتى تكون))؟ قوله: (قال عبد الله)) بن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنهما، لأنه هو المسؤول من جهة عبيد ابن جريج. قوله: ((فإني أحب أن أصنع)) وفي رواية الكشميهني والباقين: ((فأنا أحب))، كالتي قبلها. بيان استنباط الأحكام: الأول: أن فيه مس الركنين اليمانيين: قال القاضي عياض: اتفق الفقهاء اليوم على أن الركنين الشاميين وهما مقابلا اليمانيين لا يستلمان، وإنما كان الخلاف فيه في العصر الأول بين بعض الصحابة وبعض التابعين، ثم ذهب الخلاف. وتخصيص الركنين اليمانيين بالاستلام لأنهما كانا على قواعد إبراهيم عَ لّه، بخلاف الركنين الآخرين، لأنهما ليسا على قواعد ابراهيم عَّ له، ولما ردهما عبد الله بن الزبير، رضي الله عنهما، على قواعد إبراهيم عَ لِّ استلما أيضاً، ولو بني الآن كذلك استلمت كلها اقتداء به، صرح به القاضي عياض. وركن الحجر الأسود خص بشيئين: الاستلام والتقبيل، والركن الآخر خص بالاستلام فقط، والآخران لا يقبلان ولا يستلمان. وكان بعض الصحابة، رضي الله تعالى عنهم والتابعين يمسحهما على وجه الاستحباب. وقال ابن عبد البر: روي عن جابر وأنس وابن الزبير والحسن والحسين، رضي الله تعالى عنهم، أنهم كانوا يستلمون الأركان كلها. وعن عروة مثل ذلك. واختلف عن معاوية وابن عباس في ذلك. وقال أحدهما: ليس بشيء من البيت مهجوراً، والصحيح عن ابن عباس أنه كان يقول: إلاَّ الركن الأسود واليماني، وهما المعروفان باليمانيين. ولما رأى عبيد بن جريج جماعة يفعلون على خلاف ابن عمر سأله عن ذلك. الثاني: في حكم النعال السبتيه، قال أبو عمر: لا أعلم خلافاً في جواز لبسها في غير i ٤٠ · سوع ١٣٠ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٠) المقابر، وحكي عن ابن عمر أنه روى عن رسول الله عَّ الله أنه لبسها، وإنما كره قوم لبسها في المقابر لقوله عَّ لله لذلك الماشي بين المقابر: ((إِلقٍ سبتيك)). وقال قوم: يجوز ذلك ولو كان في المقابر، لقوله عَ له: ((إذا وقع الميت في قبره إنه يسمع قرع نعالهم)) وقال الحكيم الترمذي في (نوادر الأصول) إن النبي عَّهِ إنما قال لذلك الرجل: ((إلق سبتيك)) لأن الميت كان يُسأل، فلما صر نعل ذلك الرجل شغله عن جواب الملكين، فكاد يهلك لولا أن ثبته الله تعالى. الثالث: الصبغ بالصفرة، ولفظ الحديث يشمل صبغ الثياب وصبغ الشعر، واختلفوا في المراد منهما، فقال القاضي عياض: الأظهر أن المراد صبغ الثياب لأنه أخبر أنه عێ صبغ، ولم يقل: إنه صبغ شعره. قلت: جاءت آثار عن ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، بيَّن فيها تصفير ابن عمر لحيته، واحتج بأنه، عليه الصلاة والسلام، كان يصفر لحيته بالورس والزعفران، أخرجه أبو داود، وذكر أيضا في حديث آخر احتجاجه به بأنه، عليه الصلاة والسلام، كان يصبغ بهما ثيابه حتى عمامته، وكان أكثر الصحابة والتابعين يخضب بالصفرة منهم أبو هريرة وآخرون، ويروى ذلك عن علي، رضي الله عنه. الرابع: فيه حكم الإهلال، واختلف فيه، فعند البعض: الأفضل أن يهل لاستقبال ذي الحجة، وعند الشافعي: الأفضل أن يحرم إذا انبعثت راحلته، وبه قال مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة، رضي الله تعالى عنه: يحرم عقيب الصلاة وهو جالس قبل ركوب دابته، وقبل قيامه، وفيه حديث من رواية ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما. قال بعض الشراح: وهو ضعيف. قلت: حديث ابن عباس رواه أبو داود: حدّثنا محمد بن منصور، قال: حدّثنا يعقوب يعني ابن إبراهيم، قال: حدّثنا أبي عن ابن إسحاق، قال: حدّثنا خصيف بن عبد الرحمن الجزري عن سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس: يا ابن العباس؛ عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله عَّه في إهلال رسول الله عَ له حين أوجب. فقال: إني لأعلم الناس بذلك، إنها إنما كانت من رسول الله عَ ل حجة واحدة فمن معنا هناك اختلفوا. خرج رسول الله عَّ حاجاً، فلما صلى في مسجده بذي الحليفة ركعتيه أوجبه في مجلسه فأهلٌ بالحج حين فرغ من ركعتيه، فسمع ذلك منه أقوام فحفظته عنه، ثم ركب، فلما استقلت به ناقته أهل، وأدرك ذلك منه أقوام وذلك أن الناس إنما كانوا يأتون أرسالاً، فسمعوه حين استقلت به ناقته يهل فقالوا: إنما أهل رسول الله عَ ل﴾ حين استقلت به ناقته، ثم مضى رسول الله عَێے، فلما علا شرف البيداء أهل، وأدرك ذلك منه أقوام فقالوا: إنما أهل حين علا شرف البيداء، وأيم الله لقد أوجب في مصلاه، وأهل حين استقلت به ناقته، وأهل حين علا شرف البيداء. قال سعيد: فمن أخذ بقول ابن عباس أهل في مصلاه إذا فرغ من ركعتيه، وأخرج الحاكم في (مستدركه) نحوه، ثم قال: هذا الحديث صحيح على شرط مسلم، مفسر في الباب، ولم يخرجاه، وأخرجه الطحاوي ثم قال: وبين ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، الوجه الذي منه جاء الاختلاف، وأن إهلال النبي عليه الذي ابتدأ بالحج ودخل به فيه كان في مصلاه، فبهذا نأخذ. فينبغي للرجل إذا أراد الإحرام أن يصلي ركعتين ثم يحرم في دبرهما، كما فعل رسول الله عَ م وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد. وقد ذكر