Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١ ٤ -- كِتابُ الوضوء / باب (٧) الغرض من ذكره على هذا الوجه بيان تقليل الماء في العضو الذي هو مظنة للإسراف فيه. انتھی. قلت: قوله الفرق ممنوع، من حيث اللغة، ولكن الجواب هو أن يقال: إن الرش قد يذكر ويراد به الغسل، والدليل عليه قوله، عليه الصلاة والسلام، في حديث أسماء رضي الله عنها، في رواية الترمذي: ((حتيه ثم اقرصيه ثم رشيه وصلي فيه)) زاد ((اغسليه)). قاله البغوي، ويؤيد ما قلناه. قوله: ((حتى غسلها)) فإنه قرينة على أن المراد من الرش هو الغسل، وفائدته التنبيه على الاحتراز عن الإسراف، لأن الرجل مظنة الإسراف في الغسل. فإن قلت: وقع في رواية أبي داود والحاكم: ((فرش على رجله اليمنى وفيها النعل ثم مسحها بيديه يد فوق القدم ويد تحت النعل)) قلت: المراد من المسح ههنا الغسل، وقال ابن الأعرابي وأبو زيد الأنصاري: المسح في كلام العرب يكون غسلاً ويكون مسحاً، ومنه يقال للرجل إذا توضأ فغسل أعضاءه: قد تمسح، وأما قوله: ((تحت النعل)) فمحمول على التجوز عن القدم، على أنا نقول: هذه رواية شاذة رواها هشام بن سعد وهو ممن لا يحتج بهم عند الانفراد، فكيف إذا خالفه غيره؟ قوله: ((فغسل بها رجله يعني اليسرى)): هو بغين معجمة وسين مهملة من الغسل، كذا وقع في الأصول. وقال ابن التين: رويناه بالعين المهملة ولعله جعل الرجلين بمنزلة العضو الواحد، فكأنه كرر غسله لأن العلة هو الشرب الثاني، ثم قال: وقال أبو الحسن: أراه فغسل، فسقطت السين. انتهى. هذا كله غريب وتكلف، والصواب ما وقع في الأصول: ((فغسل به)). وقوله: ((يعني رجله اليسرى)) قائل لفظة: يعني، زيد بن أسلم، أو من هو دونه من الرواة. وقال الكرماني: ولفظ: يعني، ليس من كلام عطاء، بل من راو آخر بعده. قلت: لم لا يجوز أن يكون من كلام عطاء؟ ولم أدر وجه النفي عنه ما هو، ثم إن هذه اللفظة قد وقعت في بعض النسخ بعد لفظة: رجله، قبل لفظ: اليسرى، وفي بعضها قبل: رجله. بيان استنباط الأحكام: الأول: أن الوضوء مرة مرة هو مجمع عليه. الثاني: فيه الجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة، وهو حجة للشافعية في أحد الوجوه فيهما، وقالوا: في كيفيتها خمسة أوجه: الأول: أن يجمع بينهما بغرفة يتمضمض منها ثلاثاً، ثم يستنشق منها ثلاثاً. والثاني: أن يجمع أيضاً بغرفة لكن يتمضمض منها، ثم يستنشق ثم يتضمض منها ثم يستنشق ثم يتمضمض منها ثم يستنشق. ولفظ الراوي ههنا يحتمل هذين الوجهين. والثالث: أنه يتمضمض ويستنشق بثلاث غرفات يتمضمض من كل واحدة ثم يستنشق منها. والرابع: أن يفصل بينهما بغرفتين فيتمضمض من إحداها بثلاث ثم يستنشق من الأخرى ثلاثاً. والخامس: أن يفصل بست غرفات يتمضمض بثلاث ثم يستنشق بثلاث. قال الكرماني: والأصح أن الأفضل هو الرابع؛ وقال النووي: هو الثالث، واتفقوا على أن عمدة القاري/ ج٢٦٥/٢ + جوز ١ i i ٤٠٢ ٤ - كِتابُ الوضوءِ / باب (٧) المضمضة على كل قول مقدمة على الاستنشاق، وهل هو تقديم استحباب أو اشتراط فيه وجهان: أظهرهما اشتراط: لاختلاف العضوين؛ والثاني استحباب: كتقديم اليمنى على اليسرى. وفي (الروضة): في كيفيته وجهان: أصحهما يتمضمض من غرفة ثلاثاً ويستنشق من أخرى ثلاثاً. والثاني: بست غرفات، وفي (الجواهر) للمالكية: حكى ابن سابق في ذلك قولين أحدهما يغرف غرفة واحدة لفيه وأنفه، والثاني: يتمضمض ثلاثاً في غرفة ويستنشق ثلاثاً في غرفة، فقال: وهذا اختيار مالك. والأول اختيار الشافعي، وفي (المغني) للحنابلة: وهو مخير بين أن يتمضمض ويستنشق ثلاثاً من غرفة أو بثلاث غرفات، فإن عبد الله بن زيد روى عن النبي عَُّلِّ: مضمض واستنشق ثلاثاً ثلاثاً من غرفة واحدة، وروى الأثرم وابن ماجه أن رسول الله عَ له، توضأ فمضمض ثلاثاً واستنشق ثلاثاً من كف واحد، وإن أفرد لكل عضو ثلاث غرفات جاز، لأن الكيفية في الغسل غير واجبة. وفي (التلويح) شرح البخاري: والأفضل أن يتمضمض ويستنشق بثلاث غرفات كما في (الصحاح) وغيرها. ووجه ثان: يجمع بينهما بغرفة واحدة، يتمضمض منها ثلاثاً ثم يستنشق منها ثلاثاً، رواه علي بن أبي طالب عن النبي، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، عند ابن خزيمة وابن حبان، ورواه أيضاً وائل بن حجر بسند ضعيف عند البزار. وثالث: يجمع بينهما بغرفة، وهو أن يتمضمض منها ثم يستنشق، ثم الثانية كذلك، ثم الثالثة .. رواه عبد الله ابن زيد عن النبي، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، عند الترمذي وقال: حسن غريب. ورابع: يفصل بينهما بغرفتين يتمضمض من إحداهما ثلاثاً ثم يستنشق من الأخرى ثلاثاً. وخامس: يفصل بست غرفات، يتمضمض بثلاث ويستنشق بثلاث. انتهى. قلت: احتج أصحابنا الحنفية فيما ذهبوا إليه بما رواه الترمذي: حدثنا هناد وقتيبة قالا: حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن أبي حية، قال: ((رأيت علياً، رضي الله تعالى عنه، توضأ فغسل كفيه حتى أنقاهما، ثم تمضمض ثلاثاً واستنشق ثلاثاً وغسل وجهه ثلاثاً وذراعيه ثلاثاً ومسح برأسه مرة. ثم غسل قدميه إلى الكعبين، ثم قام فأخذ فضل طهوره فشربه وهو قائم. ثم قال: أحببت أن أريكم كيف كان طهور رسول الله عَّالَّهِ). وقال: هذا حديث حسن صحيح، فإن قلت: لم يحك فيه أن كل واحدة من المضامض والاستنشاقات بماء واحد، بل حكى أنه تمضمض ثلاثاً واستنشق ثلاثاً. قلت: مدلوله ظاهراً ما ذكرناه، وهو أن يتمضمض ثلاثاً يأخذ لكل مرة ماء جديداً، ثم يستنشق كذلك، وهو رواية البويطي عن الشافعي، فإنه روى عنه أن يأخذ ثلاث غرفات للمضمضة وثلاث غرفات للاستنشاق، وفي رواية غيره عنه في (الأم): يغرف غرفة يتمضمض بها ويستنشق ثم يغرف غرفة يتمضمض بها ويستنشق ثم يغرف ثالثة يتمضمض بها ويستنشق، فيجمع في كل غرفة بين المضمضة والاستنشاق، واختلف نصه في الكيفيتين، فنص في (الأم)، وهو نص (مختصر المزني) أن الجمع أفضل، ونص البويطي: أن الفصل أفضل. ونقله الترمذي عن الشافعي، قال النووي: قال صاحب (المهذب): القول بالجمع أكثر في كلام .50 ١٠٠ ٤٠٣ ٤ - كِتابُ الوضوء / باب (٧) الشافعي، وهو أيضاً أكثر في الأحاديث الصحيحة. والجواب عن كل ما روي من ذلك أنه محمول على الجواز، وقال المرغيناني: لو أخذ الماء بكفه وتمضمض بعضه واستنشق بالباقي جاز، وعلى عكسه لا يجوز لصيرورة الماء مستعملاً. والجواب عما ورد في الحديث: ((فتمضمض واستنشق من كف واحد)) أنه محتمل لأنه يحتمل أنه تمضمض واستنشق بكف واحد بماء واحد، ويحتمل أنه فعل ذلك بكف واحد بمياه لا يقوم به حجة، أو يرد هذا المحتمل إلى المحكم الذي ذكرناه توفيقاً بين الدلیلین، وقد يقال: إن المراد استعمال الكف الواحد بدون الاستعانة بالكفين، كما في الوجه. وقد يقال: إنه فعلهما باليد اليمنى رداً على قول من يقول: يستعمل في الاستنشاق اليد اليسرى، لأن الأنف موضع الأذى كموضع الاستنجاء، كذا في (المبسوط) وفيه نظر لا يخفى. وأما وجه الفصل بينهما، كما هو مذهبنا، فما رواه الطبراني عن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده كعب بن عمرو اليماني: ((أن رسول الله عَّ له توضأ فمضمض ثلاثاً واستنشق ثلاثاً فأخذ لكل واحدة ماءً جديداً))، وكذا روى عنه أبو داود في (سننه)، وسكت عنه وهو دليل رضاه بالصحة. ثم اعلم أن السنة أن تكون المضمضة والاستنشاق باليمنى، وقال بعضهم: المضمضة باليمين، والاستنشاق باليسار، لأن الغم مطهرة والأنف مقذرة، واليمنى للأطهار واليسار للأقذار، ولنا ما روي عن الحسن بن علي، رضي الله تعالى عنهما: ((أنه استنثر بيمينه، فقال له معاوية: جهلت السنة، فقال: كيف أجهل السنة والسنة من بيوتنا خرجت؟ أما علمت أن النبي معَّلَِّ قال: اليمين للوجه واليسار للمقعد))؟ كذا ذكره صاحب (البدائع) والترتيب بينهما سنة، ذكره في (الخلاصة) لأنه لم ينقل عن النبي، عليه الصلاة والسلام، في صفة وضوئه إلاَّ هكذا. الحكم الثالث: قال ابن بطال فيه أن الماء المستعمل طاهر مطهر، وهو قول مالك، والحجة له أن الأعضاء كلها إذا غسلت مرة فإن الماء لاقى أول جزء من أجزاء العضو فقد صار مستعملاً، مع أنه يجزئه في سائر أجزاء ذلك العضو، فلو كان الوضوء بالمستعمل لا يجوز لم يجز الوضوء مرة مرة، ولما أجمعوا أنه جاز استعماله في العضو الواحد كان في سائر الأعضاء كذلك. قلت: هذا الاستدلال غير صحيح، لأن الماء ما دام بالعضو فهو في نفس الاستعمال بعد، فلا يصدق عليه أنه صار مستعملاً، ولا يصدق اسم الاستعمال عليه إلاّ بعد انفصاله عن العضو فافهم. الرابع: فيه غسل الوجه باليدين جميعاً إذا كان بغرفة واحدة، لأن اليد الواحدة قد لا تستوعبه. الخامس: فيه البداءة باليمنى، وهو سنة الإجماع، ومن نقل خلافه فقد غلط، ثم هذا بالنسبة إلى اليد والرجل، أما الخدان والكفان فيطهران دفعة واحدة، وكذا الآذنان على الأصح عند الشافعية. F i. i i i i ٤٠٤ ٤ - كِتابُ الوضوءِ / باب (٨) السادس: فيه أخذ الماء للوجه باليد الواحدة، وفي رواية البخاري ومسلم في حديث عبد الله بن زيد: ((ثم أدخل يده فغسل وجهه ثلاثاً). وفي رواية البخاري: ((ثم أدخل يديه)) بالتثنية، وهما وجهان للشافعية وجمهورهم على الثاني، وقال زاهد السرخسي: إنه يغرف بكفه اليمنى ويضع ظهرها على بطن كفه اليسرى ويصبه من أعلى جبهته، وحديث الباب قد يدل له. السابع: فيه أن مسح الرأس بغير أخذ ماء جديد، واحتج به بعضهم على أنه يمسح رأسه بفضل الذراع، كما ورد في (سنن أبي داود) أنه عليه الصلاة والسلام، مسح رأسه بفضل ما كان في يده، وهذا قول الأوزاعي والحسن وعروة. وقال الشافعي ومالك: لا يجزيه أن يمسح بفضل ذراعيه ولا لحيته، وأجازه ابن الماجشون في تخليل اللحية إذا نفذ منه الماء، وقد قلنا: إن في الكلام حذفاً دل عليه ما رواه أبو داود: ثم قبض من الماء ثم نفض يده ثم مسح رأسه. فافهم. ٨ - بابُ التَّسْمِيَّةِ علَى كُلِّ حالٍ وعِنْدَ الوِقاعِ أي: هذا باب في بيان ذكر اسم الله تعالى على كل حال، يعني: سواء كان طاهراً أو محدثاً أو جنباً. والتسمية هي قول: بسم الله. قوله: ((وعند الوقاع)) أي: الجماع، فإن قلت: قوله: ((على كل حال) يشمل حال الوقاع وغيره، فما فائدة تخصيصه بالذكر؟ قلت: للاهتمام به، لأن حالة الوقاع تخالف سائر أحوال الأشياء، ولأنه هو المذكور في حديث الباب. وقال بعضهم: وليس العموم ظاهراً من المراد الذي أورده، لكن يستفاد من باب الأولى أنه إذا شرع في حالة الجماع، وهي مما أمر فيه بالصمت فغيره أولى. قلت: ليت شعري ما معنى هذا الكلام؟ فمن تأمل كلامه وجده في غاية الوهاء. فإن قلت: ما وجه المناسبة بين البابين؟ قلت: قد ذكرت لك ما قاله الكرماني: من أن البخاري لا يراعي حسن الترتيب، وجملة قصده إنما هو في نقل الحديث وتصحيحه لا غير. وقد ذكرت لك ما يرد هذا الكلام، فالمتأمل فيه إذا أمعن في نظره عرف وجوه المناسبات بين الأبواب، وإن كان الوجه في بعض المواضع يوجد ببعض التكلف، فنقول: لما ذكر كتاب الوضوء عقيب العلم للمناسبة التي ذكرناها هناك، ذكر عقيبه ستة أبواب ليس فيها شيء من أوصاف الوضوء، وإنما هي كالمقدمات لها، ثم ذكر الباب السابع الذي فيه صفة الوضوء، وكان ينبغي أن يذكره بعد ذكر أبواب الاستنجاء في أثناء الأبواب التي يذكر فيها صفات الوضوء، ولكنه ذكره عقيب الباب السادس بطريق الاستطراد والاستتباع للمعنى الذي ذكرناه، ثم شرع يذكر أبواب الاستنجاء، وبعدها أبواب صفات الوضوء على ما يقتضيه الترتيب، وقدم باب التسمية على الجميع لأن المتوضىء أولاً يستنجىء، فبالضرورة قدم أبواب الاستنجاء على أبواب الوضوء، ثم لا بد أن يقدم التسمية قبل كل شيء لأنا أمرنا أن نسمي الله تعالى في ابتداء كل أمر ذي بال، ليقع المبدوء به مبروكاً ببركة اسم الله تعالى، ٤٠٥ ٤ - كِتابُ الوضوء / باب (٨) فبالضرروة قدم باب التسمية. ١٤١/٧ - حدّثنا عَليُّ بنُ عَبْدِ الله قال: حدّثنا جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عنْ سالِم بن أبي الجَعْدِ عِنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَبْلُغُ بِهِ النبيُّ عَ لَّهِ قَالَ: ((لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذا أَتَى أَهْلَهُ قالَ: بِسمِ اللَّهِ! اللَّهُمَّ جَنَّثْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنَّبِ الشَّيْطَان ما رَزَقْتَنَا، فَقُضِيَّ بَيْنَهُمَا وَلَدٌّ لَمْ يَضُرَّهُ)). [الحديث ١٤١ - أطرافه في: ٣٢٧١، ٣٢٨٣، ٦١٦٥، ٦٣٨٨، ٧٣٩٦]. مطابقة الحديث لأحد شقي الترجمة الذي هو الخاص، وهو قوله: ((عند الوقاع))، وليس فيه ما يطابق الشق الآخر الذي هو العام، وهو قوله: ((على كل حال)). ولكن لما كان حال الوقاع أبعد حال من ذكر الله تعالى، ومع ذلك تسن التسمية فيه، ففي سائر الأحوال بالطريق الأولى، فلذلك أورد البخاري في هذا الباب للتنبيه على مشروعية التسمية عند الوضوء. فإن قلت: كان المناسب أن يذكر حديث: ((لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه)) قلت: هذا الحديث ليس على شرطه وإن كثرت طرقه، وقد طعن فيه الحفاظ واستدركوا على الحاكم تصحيحه بأنه انقلب عليه إسناده واشتبه. وقال الإمام أحمد: لا أعلم في التسمية حديثاً ثابتاً. قلت: هذا الحديث رواه يعقوب بن سلمة عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي عَّله، أخرجه أبو داود وغيره. وقال البخاري في (تاريخه الكبير): لا يعرف لسلمة سماع من أبي هريرة، ولا ليعقوب من أبيه. وأخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث سعيد بن زيد عن النبي، عليه الصلاة والسلام، ورواه الحاكم وصححه، وفي إسناده أبو ثعال عن رباح عن جدته، وقال ابن القطان في كتاب (الوهم والإيهام): فيه ثلاث مجاهيل الأحوال: جدة رباح، لا يعرف لها اسم ولا حال ولا يعرف بغير هذا، ورباح أيضاً مجهول الحال، وكذلك أبو ثعال. وقال ابن أبي حاتم في كتاب (العلل): هذا الحديث ليس عندنا بذاك الصحيح، وأبو ثعال مجهول، ورباح مجهول. ورواه ابن ماجه أيضاً من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي، عليه الصلاة والسلام، والحاكم وصححه، وفي إسناده ربيح بن عبد الرحمن وهو منكر الحديث، قال البخاري: وأصح ما في التسمية حديث أنس: ((أن رسول الله، عليه الصلاة والسلام، وضع يده في الإناء الذي فيه الماء وقال: توضؤوا بسم الله ... ))، الحديث، وبه احتج البيهقي في كتابه (المعرفة)، ويقرب منه حديث: ((كل أمر ذي بال ... )) الحديث. بيان رجاله: وهم ستة، قد ذكر علي بن عبد الله المديني، وجرير بن عبد الحميد، ومنصور بن المعتمر، وكريب مولى ابن عباس وعبد الله بن عباس. وأما سالم فهو ابن أبي الجعد، بفتح الجيم وسكون العين المهملة: رافع الأشجعي، مولاهم الکوفي التابعي، روی عن ابن عباس وابن عمر، وأرسل عن عمر وعائشة، رضي الله تعالى عنهم، قال أحمد: لم يسمع من ثوبان ولم يلقه، وعنه منصور والأعمش، مات سنة مائة وهو من الثقات لکنه یرسل ويدلس، وحديثه عن النعمان بن بشير وعن جابر في البخاري ومسلم، وعن عبد الله بن عمرو وابن عمر في البخاري، وعن علي، رضي الله تعالى عنه، في أبي داود والنسائي. i i i i %٠٠> i i ٣٠ ٤سم١ امنة ٤٠٦ ٤ - كِتَابُ الوضوءِ / باب (٨) بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والعنعنة. ومنها: أن رواته كلهم من رجال الكتب الستة إلاَّ ابن المديني، فإن مسلماً وابن ماجه لم يخرجا له. ومنها: أنهم ما بين مكي ومدني وكوفي وبصري ورازي. ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين وهم: منصور وهو من صغار التابعين، وسالم وكريب. ومنها: أن فيه البلاغ وهو قوله: ((يبلغ به)) أي يصل ابن عباس بالحديث عن النبي، عليه الصلاة والسلام، وهذا كلام كريب، وغرضه أنه ليس موقوفاً على ابن عباس، بل هو مسند إلى الرسول، عليه الصلاة والسلام، لكنه يحتمل أن يكون بالواسطة بأن يكون سمعه من صحابي سمعه من الرسول، عليه الصلاة والسلام، وأن يكون بدونها. ولما لم يكن قاطعاً بأحدهما، أو لم يرد بيانه، ذكره بهذه العبارة. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في (التوحيد) عن قتيبة؛ وفي(الدعوات) عن عثمان بن أبي شيبة، كلاهما عن جرير، وفي(النكاح) عن سعید بن حفص عن شيبان؛ وفي (صفة إبليس) عن موسى بن إسماعيل عن همام، وعن آدم عن شعبة، أربعتهم عن منصور عن سالم بن الجعد به، وفي حديث شعبة: وحدثنا الأعمش عنه به، ولم يرفعه. وأخرجه مسلم في(النكاح) عن يحيى بن يحيى وإسحاق بن إبراهيم، كلاهما عن جرير به، وعن أبي موسى وبندار، كلاهما عن غندر عن شعبة به، ولم يذكر الأعمش، وعن محمد بن عبد الله بن نمير عن أبيه، وعن عبد الله بن حميد عن عبد الرزاق، كلاهما عن سفيان عن منصور به، وأخرجه أبو داودّ فيه عن محمد بن عيسى عن جرير به. وأخرجه الترمذي فيه عن ابن أبي عمر عن سفيان عن عيينة عن منصور بمعناه. وقال: حسن صحيح. وأخرجه النسائي في (عشرة النساء) عن محمد بن عبد الله بن يزيد بن المقري عن سفيان بن عيينة به، وفي(اليوم والليلة) عن سليمان بن عبيد الله الغيلاني عن بهز عن شعبة یاسناد حدیث آدم، وعن إسماعيل بن مسعود عن عبد العزيز عبد الصمد عن منصور، والأعمش، فرقهما كلاهما عنه به مرفوعاً عن محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة عن الفضل بن موسى عن سفيان عن منصور عن كريب، ولم يذكر سالماً، وعن محمد بن حاتم بن نعيم عن ابن أبي عمر عن فضيل بن عياض عن منصور عن سالم عن ابن عباس به موقوفاً ولم يذكر كريباً. وأخرجه ابن ماجه في(النكاح) عن عمرو بن رافع عن جرير به. بيان اللغات: قوله: ((أهله)) المراد زوجته. وفي (العباب): الأهل أهل الرجل، وأهل الدار، وكذلك الأهلة، والجمع الأهلات وأهلات وأهلون، وكذلك الأهالي، زادوا فيه الياء على غير قياس، كما جمعوا ليلاً على: ليالي. وقد جاء في الشعر: آهال، مثال: فرخ وأفراخ وزند وأزناد. قوله: ((جنبنا)) من جنب الشيء يجنب تجنيباً إذا أبعده منه، ومنه: الجنب، لأنه بعيد عن ذكر الله تعالى، وأجنب تباعد، وأجنبته الشيء مثل جنبته، وقرأ الجحدري وعيسى ابن طاوس وأبو الهجهاج الأعرابي: ﴿وآجنبني وبنيَّ﴾ [إبراهيم: ٣٥] وقال الزمخشري: وفيه ثلاث لغات: جنبته الشر، وجنبه، وأجنبه. فأهل الحجاز يقولون: جنبني شره بالتشديد، وأهل نجد: جنبني شره وأجنبني. و((الشيطان)) وزنه: فيعال، إذا كان من شطن. وفعلان إذا كان وجه, ١٠٠ ١ مج٠٠ ٤٠٧ ٤ - كِتابُ الوضوءِ / باب (٨) من شاط. وقال الزمخشري: وقد جعل سيبويه: نون، الشيطان في موضع من كتابه أصلية، وفي آخر زائدة، والدليل على أصالتها قولهم: تشطين، واشتقاقه من: شطن، إذا بعد لبعده من الصلاح والخير، أو من: شاط، إذا بطل إذا جعلت نونه زائدة، ومن أسمائه: الباطل. وقال الجوهري: شطن عنه: بعد وأشطنه: أبعده. قال ابن السكيت: شطنه يشطنه شطناً: إذا خالفه عن نية وجهة، وبئر شطون بعيدة، والشيطان معروف، وكل عات متمرد في الجن والإنس والدواب: شيطان. والعرب تسمي الحية: شيطاناً، ونونه أصلية. ويقال إنها زائدة، فإن جعلته: فيعالاً، من قولهم تشيطن الرجل، صرفته. وإن جعلته من تشيط، لم تصرفه لأنه فعلان. وفي (العباب): الشيطان واحد الشياطين، واختلفوا في اشتقاقه، فقال قوم: إنه من شاط يشيط، أي: هلك، ووزنه: فعلان. ويدل على ذلك قراءة الحسن البصري والأعمش وسعيد بن جبير وأبي البرهسم وطاووس ﴿وما تنزلت به الشياطون﴾ [الشعراء: ٢١٠] وقال قوم: إنه من: شطن، أي بعد. وقال واصل: شاط من شاط الزيت أو السمن إذا نضج حتى يحترق، لأنه يهلك حينئذٍ، وتشيط: احترق، وغضب فلان واستشاط أي: احتد، كأنه التهب في غضبه، والتركيب يدل على ذهاب الشيء إما احتراقاً وإما غير ذلك. قوله: ((ما رزقتنا)) من الرزق، وفي (العباب): الرزق ما ينتفع به والجمع الأرزاق. وقال بعضهم: الرزق، بالفتح: المصدر الحقيقي؛ والرزق بالكسر: الاسم. يقال: رزقه الله يرزقه، وقد يسمى المطر: رزقاً، وذلك قوله تعالى: ﴿وما أنزل الله من السماء من رزق﴾ [الجاثية: ٥] ﴿وفي السماء رزقكم﴾ [الذاريات: ٢٢] وهو على الاتساع في اللغة انتهى. ويقال: الرزق في كلام العرب الحظ، قال تعالى: ﴿وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون﴾ [الواقعة: ٨٢] أي: حظكم من هذا الأمر، والحظ هو نصيب الرجل، وما هو خاص له دون غيره. وقيل: الرزق كل شيء يؤكل أو يستعمل، وهذا باطل، لأن الله تعالى أمرنا بأن ننفق مما رزقنا، فقال تعالى: ﴿وأنفقوا مما رزقناكم﴾ [البقرة: ٢٥٤] فلو كان الرزق هو الذي يؤكل لما أمكن إنفاقه. وقيل: الرزق هو ما يملك، وهو أيضاً باطل، لأن الإنسان قد يقول: اللهم ارزقني ولداً صالحاً وزوجة صالحة، وهو لا يملك الولد والزوجة. وأما في عرف الشرع فقد اختلفوا فيه، فقال أبو الحسين البصري: هو تمكين الحيوان من الانتفاع بالشيء والحظر على غيره أي منعه من الانتفاع به، ولما فسرت المعتزلة: الرزق، بهذا لا جرم قالوا: الحرام لا يكون رزقاً. وقال أهل السنة: الحرام رزق لأنه في أصل اللغة الحظ والنصيب كما ذكرناه، فمن انتفع بالحرام فذلك الحرام صار حظاً له ونصيباً، فوجب أن يكون رزقاً له، وأيضاً قال الله تعالى: ﴿وما من دابة في الأرض إلّ على الله رزقها﴾ [هود: ٦] وقد يعيش الرجل طول عمره لا يأكل إلاَّ من السرقة، فوجب أن يقال: طول عمره لم يأكل من رزقه شيئاً. قوله: ((فقضى)) من القضاء وله معان متعددة. يقال: قضى أي: حكم. ومنه قوله تعالى: ﴿وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه﴾ [الإسراء: ٢٣] وقضى حاجته أي: فرغ منها، وضربه F جوء ٤٠٨ smr ٤ - كِتابُ الوضوءِ / باب (٨) فقضى عليه أي: قتله، كأنه فرغ منه، وسم قاض أي: قاتل؛ وقضى نحبه قضاء أي: مات، وقضى دينه أي أداه؛ وقضى إليه الأمر أي: أنهاه إليه وأبلغه، وقال تعالى: ﴿وقضينا إليه ذلك الأمر﴾ [الحجر: ٦٦] وقضى إليه أي: مضى إليه، وقضاه أي: صنعه، وقضاه أي: قدره، قال تعالى: ﴿فقضاهن سبع سموات في يومين﴾ [فصلت: ١٢] ومنه القضاء والقدر. والمناسب ههنا: إما حكم أو قدر. فافهم. بيان الإعراب: قوله: ((ليبلغ). بفتح الباء من: البلاغ، جملة في محل النصب على الحال. وقوله: (به))، صلة يبلغ، و (النبي)) بالنصب مفعوله. قوله: ((لو أن أحدكم))، كلمة: لو، هذه ههنا لمجرد الربط تفيد ترتيب الوجود عند الوجود، كما في قوله تعالى: ﴿ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً﴾ [الأنعام: ٩] وقول عمر، رضي الله عنه: (نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه)). وكلمة: أن، في محل الرفع على الفاعلية، إذ التقدير: لو ثبت قول أحدكم: بسم الله. قوله: ((قال: بسم الله)) خبر: أن. وقوله: ((إذا أتى أحدكم أهله)) ظرف له. وقوله: ((لم ضره)، جواب، لو، والتقدير: لو ثبت قول أحدكم: بسم الله، عند إتيان أهله لم يضر الشيطان ذلك الولد. قوله: ((جنبنا))، جملة من الفعل والفاعل والمفعول. وقوله: ((الشيطان)) بالنصب مفعول ثان: لجنب، وقوله: ((وجنب))، جملة من الفعل والفاعل و: ((الشيطان)) مفعوله. وقوله: (ما رزقتنا)) في محل النصب على أنه مفعول ثان، وكلمة: ما، موصولة، والعائد محذوف تقديره: الذي رزقتناه، وقول من قال من الشارحين: ما، ههنا بمعنى: شيء، ليس بشيء. قوله: ((فقضى))، عطف على قوله: ((قال)) المعنى: عقيب. قوله: ((قدر الله بينهما ولداً) ويحتمل أن تكون للسببية، كما في قوله تعالى: ﴿ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة﴾ [الحج: ٦٣]. قوله: ((لم يضره)) يجوز بضم الراء وفتحها، ويقال: الضم أفصح. قلت: في مثل هذه المادة يجوز ثلاثة أوجه: الضم لأجل ضمه ما قبلها، والفتح لأنه أخف الحركات، وفك الإدغام كما علم في موضعه. فأفهم. بيان المعاني: قوله: ((إذا أتى أهله)) أي: جامعها، وهو كناية عن الجماع. قوله: ( للهم) معناه: يا الله وقد مر فيما مضى تحقيقه. قوله: ((فقضى بينهما)) أي: بين الأحد والأهل، هذه رواية الأكثرين. وفي رواية المستملي والحموي: ((فقضى بينهم)). ووجهه بالنظر إلى معنى الجمع في الأهل، والولد يشمل الذكر والأنثى. قوله: ((لم يضره)) أي: لم يضر الشيطانُ الولد، يعني: لا يكون له عليه سلطان ببركة اسمه، عز وجل، بل يكون من جملة العباد المحفوظين المذكورين في قوله تعالى: ﴿إِن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ [الحجر: ٤٢] ويقال: يحتمل أن يؤخذ قوله: ((لم يضره)) عاماً، فيدخل تحته الضرر الديني، ويحتمل أن يؤخذ خاصاً بالنسبة إلى الضرر البدني، بمعنى أن الشيطان لا يتخبطه ولا يداخله بما يضر عقله وبدنه، وهو الأقرب، وإن كان التخصيص خلاف الأصل، لأنا إذا حملناه على العموم اقتضى أن يكون الولد معصوماً عن المعاصي، وقد لا يتفق ذلك، ولا بد من وقوع ما أخبر به، عليه الصلاة والسلام، أما إذا حملناه على الضرر في العقل والبدن فلا يمتنع. وقال القاضي عياض ٤٠٩ ٤ - كِتابُ الوضوء / باب (٨) قيل: المراد أنه لا يصرعه الشيطان. وقيل: لا يطعن فيه عند ولادته، بخلاف غيره. قال: ولم نحمله على العموم في جميع الضرر لوجود الوسوسة، والإغراء يعني الحمل على فعل المعاصي. وقال الداودي: لم يضره بأن يفتنه بالكفر. بيان استنباط الأحكام: الأول: فيه استحباب التسمية والدعاء المذكور في ابتداء الوقاع، واستحب الغزالي في (الإحياء) أن يقرأ بعد بسم الله: قل هو الله أحد، ويكبر ويهلل، ويقول: بسم الله العلي العظيم، اللهم اجعلها ذرية طيبة إن كنت قدرت ولداً يخرج من صلبي. قال: وإذا قربت الإنزال فقل في نفسك، ولا تحرك به شفتيك: ﴿الذي خلق من الماء بشراً﴾ الآية [الفرقان: ٥٤]. الثاني: فيه الاعتصام بذكر الله تعالى ودعائه من الشيطان والتبرك باسمه والاستشعار بأن الله تعالى هو الميسر لذلك العمل والمعين عليه. الثالث: فيه الحث على المحافظة على تسميته ودعائه في كل حال لم ينه الشرع عنه، حتى في حال ملاذ الإنسان. وقال ابن بطال: فيه الحث على ذكر الله في كل وقت على طهارة وغيرها، ورد قول من قال: لا يذكر الله تعالى إلاَّ وهو طاهر، ومن كره ذكر الله تعالى على حالتين: على الخلاء وعلى الوقاع قلت: روي عن ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، أنه كان لا يذكر الله إلاَّ وهو طاهر، وروي مثله عن أبي العالية والحسن، وروي عن ابن عباس، رضي الله عنهما، أنه كره أن يذكر الله تعالى على حالين: على الخلاء والرجل يواقع أهله، وهو قول عطاء ومجاهد. وقال مجاهد، رحمه الله: يجتنب الملك الإنسان عند جماعه وعند غائطه. وقال ابن بطال: وهذا الحديث خلاف قولهم. قلت: ليس كذلك، فإن المراد بإتيانه أهله إرادة ذلك، وحينئذ فليس خلاف قولهم، وكراهة الذكر على غير طهر لأجل تعظيمه. i الرابع: قال ابن بطال: لما كان في هذا الحث على التسمية في كل حال استحب مالك التسمية عند الوضوء. قلت: فيه مذاهب: أحدها: أنه سنة وليست بواجبة، فلو تركها عمداً صح وضوؤه، وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي وجمهور العلماء، وهو أظهر الروايتين عن أحمد، وعبارة ابن بطال: أن مالكاً استحبها وكذا عامة أهل الفتوى. الثاني: أنها واجبة، وهي رواية عن أحمد وقول أهل الظاهر. الثالث: أنها واجبة إن تركها عمداً بطلت طهارته، وإن تركها سهواً أو معتقداً أنها غير واجبة لم تبطل طهارته، وهو قول إسحاق بن راهويه، كما حكاه الترمذي عنه. الرابع: أنها ليست بمستحبة، وهي رواية عن أبي حنيفة، وعن مالك رواية أنها بدعة، وقال: ما سمعت بهذا، يريد أن يذبح، وفي رواية أنها مباحة لا فضل في فعلها ولا في تر کها. الخامس: فيه الإشارة إلى ملازمة الشيطان لابن آدم من حيث خروجه من ظهر أبيه إلى رحم أمه إلى حين موته، أعاذنا الله منه، فهو يجري من ابن آدم مجرى الدم، وعلى خيشومه i ،۔۔۔ ! i i. ٠٠٠٠ ٤١٠ ٤ _ كِتابُ الوضوءِ / باب (٩) إذا نام، وعلى قلبه إذا استيقظ، فإذا غفل وسوس، وإذا ذكر الله خنس، ويضرب على قافية رأسه إذا نام ثلاث عقد: عليك ليل طويل، وتنحلَّ بالذكر والوضوء والصلاة. ٩ - بابُ ما يَقُولُ عِنْدَ الخَلاَءِ أي: هذا باب في بيان ما يقول الشخص عند إرادة دخول الخلاء، وهو بفتح الخاء وبالمد: موضع قضاء الحاجة، سمي بذلك لخلائه في غير أوقات قضاء الحاجة، وهو الكنيف والحش والمرفق والمرحاض أيضاً، وأصله المكان الخالي، ثم كثر استعماله حتى تجوز به عن ذلك، وأما الخلا، بالقصر فهو الحشيش الرطب، والكلأ الخشن أيضاً، وقد يكون خلا مستعملاً في باب الاستنجاء، فإن كسرت الخاء مع المد فهو عيب في الإبل كالحران في الخيل. وقال الجوهري: الخلاء ممدود: المتوضىء، والخلاء أيضاً المكان الذي لا شيء به. قلت: كل منهما يصح أن يكون مراداً ههنا. ووجه المناسبة بين البابين ظاهر، لأن في كل منهما بيان ذكر اسم الله تعالی ١٤٢/٨ - حدّثنا آدَمُ قالَ: حدّثنا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بنِ صُهَيْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ أنَساً يَقُولُ: كَانَ النِبِيُّ عَ لّهِ إِذَا دَخَلَ الخَلاَءَ قَالَ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ)). [الحديث ١٤٢ - طرفه في: ٦٣٢٢] مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة. بيان رجاله: وهم أربعة تقدم ذكرهم، وآدم بن أبي إياس، وصهيب، بضم الصاد المهملة. بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والعنعنة والسماع. ومنها: أنه من رباعيات البخاري. ومنها: أن رواته ما بين بغدادي وواسطي وبصري. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في (الدعوات) عن محمد ابن عروة عن شعبة. وأخرجه مسلم في (الطهارة) عن أبي بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب، كلاهما عن إسماعيل بن إبراهيم عن عبد العزيز به. وأخرجه أبو داود أيضاً في (الطهارة) عن الحسن بن عمرو عن وكيع عن شعبة. وأخرجه الترمذي فيه أيضاً عن قتيبة وهناد، كلاهما عن وكيع به. وأخرجه النسائي في (الطهارة)، وفي البعوث عن إسحاق بن إبراهيم عن إسماعيل بن إبراهيم عنه به. وأخرجه ابن ماجه عن عمرو بن رافع عن إسماعيل عنه به. بيان اللغات: قوله: ((أعوذ بك)) أي ألوذ وألتجىء، من العوذ: وهو عود إليه يلجأ الحشيش في مهب الريح؛ وقال ابن الأثير: يقال: عذت به عوذاً وعياذاً ومعاذاً، أي: لجأت إليه، والمعاذ المصدر والمكان والزمان، أي: لقد لجأت إلى ملجأ ولذت بملاذ. قوله: ((من الخبث)). قال الخطابي، بضم الخاء والباء: جماعة الخبيث، والخبائث جمع الخبيثة، يريد ذكران الشياطين وإناثهم، وعامة أصحاب الحديث يقولون: الخبث، مسكنة الباء: وهو غلط، مے من: / م ٠٫٧٨٢٥ ١٩٠٠ online ٤١١ ٤ - كِتابُ الوضوء / باب (٩) والصواب مضمومة الباء، قال: وقال ذلك لأن الشياطين يحضرون الأخلية، وهي مواضع يهجر فيها ذكر الله تعالى فقدم لها الاستعاذة احترازاً منهم، انتهى وفيه نظر لأن أبا عبيد القاسم بن سلام حكى تسكين الباء وكذا الفارابي في (ديوان الأدب)، والفارسي في (مجمع الغرائب) ولأن فعلاً بضمتين قد يسكن عينه قياساً ككتب وكتب، فلعل من سكنها سلك هذا المسلك وقال التوربشتي: هذا مستفيض لا يسع أحداً مخالفته إلاَّ أن يزعم أن ترك التخفيف فيه أولى لئلا يشتبه بالخبث الذي هو المصدر. وفي (شرح السنة): الخبث، بضم الباء، وبعضهم يروي بالسكون، وقال: الخبث: الكفر، والخبائث: الشياطين. وقال ابن بطال: الخبث، بالضم يعم الشر، والخبائث: الشياطين، وبالسكون: مصدر خبث الشيء يخبث خبثاً، وقد يجعل اسماً، وزعم ابن الأعرابي أن أصل الخبث في كلام العرب المكروه، فإن كان من الكلام فهو الشتم، وإن كان من الملل فهو الكفر، وإن كان من الطعام فهو الحرام، وإن كان من الشراب فهو الضار. وقال ابن الأنباري وصاحب (المنتهى): الخبث: الكفر، ويقال: الشيطان. والخبائث: المعاصي جمع خبيثة، ويقال: الخبث خلاف طيب الفعل من فجور وغيره، والخبائث: الأفعال المذمومة والخصال الرديئة. ٠ ٠٠٠ بيان الإعراب: قوله: ((يقول): جملة في محل النصب على الحال. قوله: ((كان النبي - يقول)) جملة وقعت مقول القول. وقوله: ((يقول)) جملة في محل النصب على أنها خبر: ((كان))، وكلمة: إذا، ظرف بمعنى: حين، و: الخلاء، منصوب بتقدير: في، لأن تقديره: إذا دخل في الخلاء، وهذا من قبيل قولهم: دخلت الدار، وكان حقه أن يقال: دخلت في الدار، إلاَّ أنهم حذفوا حرف الجر اتساعاً، وأوصلوا الفعل إليه، ونصبوه نصب المفعول به، فمن هذا قول بعض الشارحين: وانتصب الخلاء على أنه مفعول به لا على الظرفية غير صحيح، اللهم إلاَّ أن يذهب إلى ما قاله الجرمي من أنه فعل متعد نصب الدار، نحو: بنيت الدار، ولكن يدفعه قوله: بأن مصدره يجيء على فعول، وهو من مصادر الأفعال اللازمة، نحو، قعد قعوداً، وجلس جلوساً، ولأن مقابله لازم نحو: خرج. قلت: التعليل الثاني غير مطرد لأن ذهب لازم، وما يقابله جاء متعد، كقوله تعالى: ﴿أو جاؤوكم حصرت صدورهم﴾ [النساء: ٩٠]. قوله: (اللهم)، أصله: يا ألله، وقد ذكرناه. قوله: ((أعوذ بك)) جملة في محل الرفع لأنها خبر: أن، وقوله: ((من الخبث))، يتعلق: ((بأعوذ). بيان المعاني: قوله: ((كان النبي ◌َّ ﴾ يقول)): ذكر لفظ: كان، لدلالته على الثبوت والدوام، وذكر لفظ: يقول، بلفظ المضارع استحضاراً لصورة القول. قوله: ((إذا دخل الخلاء) أي: إذا أراد دخول الخلاء، لأن اسم الله تعالى مستحب الترك بعد الدخول، وهذا التقدير مصرح به في رواية سعيد بن زيد على ما يأتي عن قريب، وهذا كما في قوله تعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله﴾ [النحل: ٩٨] والتقدير: إذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله، وذلك لأن الله تعالى إنما يذكر في الخلاء بالقلب لا باللسان. وقال القشيري: المراد به ابتداء الدخول. قلت: لا يحتاج إلى هذا التأويل، فإن المكان الذي تقضى فيه الحاجة لا يخلو إما i ٤١٢ ٤ - كِتابُ الوضوء / باب (٩) أن يكون معداً لذلك: كالكنيف، أو لا يكون معداً: كالصحراء .. فإن لم يكن معداً فإنه يجوز ذكر الله تعالى في ذلك المكان، وإن كان معداً ففيه خلاف للمالکیة، فمن كرهه أول الدخول بمعنى الإرادة لأن لفظة دخل أقوى في الدلالة على الكنف المبنية منها على المكان البراح، أو لأنه بين في حديث آخر، كما ذكرناه، وفي قوله، عليه الصلاة والسلام، أيضاً: ((إن هذه الحشوش محتضرة)). أي: للجان والشياطين، ((فإذا أراد أحدكم الخلاء فليقل: أعوذ بالله من الخبث والخبائث)). ومن أجازه استغنى عن هذا التأويل، ويحمل: دخل، على حقيقتها، وهذا الحديث أخرجه أبو داود عن عمرو بن مرزوق عن شعبة عن قتادة عن النضر بن أنس عن زيد بن أرقم عن النبي، عليه الصلاة والسلام، ولفظه: (فإذا أتى أحدكم الخلاء)). وأخرجه النسائي وابن ماجه أيضاً، وقال الترمذي: حديث زيد بن أرقم في إسناده اضطراب، وأشار إلى اختلاف الرواية فيه وسأل الترمذي البخاري عنه فقال: لعل قتادة سمعه من القاسم بن عوف الشيباني والنضر بن أنس عن أنس ولم يقض فيه بشي، ولهذا أخرجه ابن خزيمة وابن حبان. وقال البزار: اختلفوا في إسناده، وقال الحاكم: مختلف فيه على قتادة، وقد احتج مسلم بحديث لقتادة عن النضر عن زيد، ورواه سعيد عن القاسم وكلاً الإسنادين على شرط الصحيح. وقال محمد الإشبيلي: اختلف في إسناده والذي أسنده ثقة. قلت: هذا الكلام غير جيد، لأنه لم يرم بالإرسال حتى يكون الحكم لمن أسنده، وإنما رمي بالاضطراب عن قتادة كما مر. بيان استنباط الأحكام: الأول: فيه الاستعاذة بالله عند إرادة الدخول في الخلاء، وقد أجمع على استحبابها، وسواء فيها البنيان والصحراء لأنه يصير مأوى لهم بخروج الخارج، فلو نسي التعوذ فدخل، فذهب ابن عباس وغيره إلى كراهة التعوذ، وأجازه جماعة منهم ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما. الثاني: قال ابن بطال: فيه جواز ذكر الله تعالى على الخلاء وهذا مما اختلفت فيه الآثار فروي ((عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه أقبل من نحو بئر جمل فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد عليه السلام حتى تيمم بالجدار)). واختلف في ذلك أيضاً العلماء، فروي عن ابن عباس أنه كره أن يذكر الله تعالى عند الخلاء، وهو قول عطاء ومجاهد والشعبي، وقال عكرمة: لا يذكر الله فيه بلسانه بل بقلبه، وأجاز ذلك جماعة من العلماء، وروى ابن وهب أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان يذكر الله تعالى في المرحاض، وقال العرزمي: قلت الشعبي: أعطس وأنا في الخلاء، أحمد الله؟ قال: لا حتى تخرج؛ فأتيت النخعي فسألته عن ذلك فقال لي: احمد الله، فأخبرته بقول الشعبي فقال النخعي: الحمد يصعد ولا يهبط، وهو قول ابن سيرين ومالك. وقال ابن بطال: وهذا الحديث حجة لمن أجاز ذلك. قلت: فيه نظر لا يخفى وذكر البخاري في كتاب خلق الله تعالى أفعال العباد عن عطاء، رحمه الله، الخاتم فيه ذكر الله لا بأس أن يدخل به الإنسان الكنيف أو يلم بأهله، وهو في يده لا بأس به، وهو قول الحسن، وذكر وكيع عن سعيد بن المسيب مثله، قال البخاري: ١٠٠٠ ١٠٠٠ ٤١٣ ٤ - كِتابُ الوضوءِ / باب (٩) وقال طاوس في المنطقة يكون على الرجل فيها الدراهم يقضي حاجته لا بأس بذلك، وقال إبراهيم: لا بد للناس من نفقاتهم، وأحب بعض الناس أن لا يدخل الخلاء بالخاتم فيه ذكر الله تعالى: قال البخاري: وهذا من غير تحريم يصح. وأما حديث بئر جمل فهو على الاختيار والأخذ بالاحتياط والفضل، لأنه ليس من شرط رد السلام أن يكون على وضوء، قاله الطحاوي. وقال الطبري: إن ذلك منه كان على وجه التأديب للمسلم عليه أن لا يسلم بعضهم على بعض على الحدث، وذلك نظير نهيه وهم كذلك أن يحدث بعضهم بعضاً بقوله: ((لا يتحدث المتغوطان على طوفهما))، يعني حاجتهما، فإن الله يمقت على ذلك، وروى أبو عبيدة الباجي عن الحسن ((عن البراء، رضي الله تعالى عنه، أنه سلم على النبي، عليه الصلاة والسلام، وهو يتوضأ، فلم يرد عليه شيئاً حتى فرغ». الثالث: فيه أن لفظ الاستعاذة أن يقول: اللهم إني أعوذ بك، وقد اختلف فيه ألفاظ الرواة ففي رواية عن شعبة: ((أعوذ بالله)). وفي رواية وهب: ((فليتعوذ بالله))، وهو يشمل كل ما يأتي به من أنواع الاستعاذة من قوله: أعوذ بك، استعيذ بك، أعوذ بالله، أستعيذ بالله، اللهم إني أعوذ بك، ونحو ذلك من أشباه ذلك. الرابع: فيه أن الاستعاذة من النبي، عليه الصلاة والسلام، إظهار للعبودية وتعليم للأمة. وإلاَّ فهو، عليه الصلاة والسلام، محفوظ من الجن والإنس، وقد ربط عفريتاً على سارية من سواري المسجد. قالوا: ويستحب أن يقول: بسم الله مع التعوذ، وقد روى المعمري الحديث المذكور من طريق عبد العزيز بن المختار عن عبد العزيز بن صهيب: ((إذا دخلتم الخلاء فقولوا: بسم الله أعوذ بالله من الخبث والخبائث)). وإسناده على شرط مسلم، وعن ابن عرعرة عن شعبة، وقال غندر عن شعبة: إذا أتى الخلاء، وقال موسى عن حماد: إذا دخل، وقال سعيد بن زيد في كتاب ابن عدي: ((كان النبي ◌َّاله إذا دخل الكنيف قال: بسم الله، ثم يقول: اللهم إني أعوذ بك)) ... قال: رواه أبو معشر وهو ضعيف عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس، وفي (أفراد الدارقطني) رواه عدي بن أبي عمارة عن قتادة عن أنس قال: وهو غريب من حديث قتادة تفرد به عنه، ورواه الطبراني في (الأوسط) من حديث صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عنه، قال: لم يروه عن الزهري إلاّ صالح، تفرد به إبراهيم بن حميد الطويل. ٠٠٠ تابَعَهُ ابنُ عَزْعَرَةٍ عَنْ شُغْبَةَ، قال غُنْدَرٌ: عَنْ شُعبَةَ إِذَا أَتَى الْخَلاَءَ. وقالَ مُوسَى عِنْ حمَّادٍ: إِذَا دَخَلَ. وقال سَعيدُ بنُ زَيْدٍ: حدّثنا عَبْدُ العَزِيزِ: إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ. أي: تابع آدم بن أبي إياس محمد بن عرعرة في روايته هذا الحديث عن شعبة كما رواه آدم، والحاصل أن محمد بن عرعرة روى هذا الحديث عن شعبة كما رواه آدم عن i ١جم. i i i ١٧٢٢ ***: ١١٩/٤ F ٤١٤ ٠١٢ ٤ - كِتابُ الوضوءِ / باب (٩) شعبة، وهذه هي المتابعة التامة، وفائدتها التقوية، وحديث محمد بن عرعرة عن شعبة أخرجه البخاري في الدعوات، وقال: حدثنا محمد بن عرعرة حدثنا شعبة عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك، رضي الله تعالى عنه، قال: ((كان النبي عَّ إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)). قوله: ((وقال غندر عن شعبة)) هذا التعليق وصله البزار في (مسنده) عن محمد بن يشار بندار عن غندر عن شعبة عنه بلفظه، ورواه أحمد عن غندر بلفظ: ((إذا دخل»، وغندر: بضم الغين المعجمة وسكون النون وفتح الدال المهملة على المشهور وبالراء، ومعناه: المشغب، وهو لقب محمد بن جعفر البصري، ربيب شعبة .. وقد مر في (باب ظلم) دون ظلم. قوله: ((وقال موسى عن حماد: إذا دخل)) هذا التعليق وصله البيهقي باللفظ المذكور. وموسى هو ابن إسماعيل التبوذكي، وقد مر غير مرة، وحماد هو ابن سلمة بن دينار أبو سلمة الربعي، وكان يعد من الأبدال وعلامة الأبدال أن لا يولد لهم، تزوج سبعين امرأة فلم يولد له، وقيل: فضل حماد بن سلمة بن دينار على حماد بن زيد بن درهم كفضل الدينار على الدرهم، مات سنة سبع وستين ومائة، روى له الجماعة والبخاري متابعة، وهذه المتابعة ناقصة لا تامة. قوله: ((وقال سعيد بن زيد ... )) إلى آخره، هذا التعليق وصله البخاري في (الأدب المفرد) قال: حدثنا أبو النعمان، قال: حدثنا سعيد بن زيد، قال: حدثنا عبد العزيز بن صهيب، قال: حدثني أنس، قال: ((كأنّ النبي عَّ له إذا أراد أن يدخل الخلاء)) قال: فذكر مثل حديث الباب، وسعيد بن زيد بن درهم أبو الحسن الجهضمي البصري، أخو حماد بن زيد بن درهم، وبعضهم يضعفه، روى له البخاري استشهاداً، مات سنة وفاة ابن سلمة، وهذا كما ترى اختلفت فيه ألفاظ الرواة والمعنى فيها متقارب يرجع إلى معنى واحد، وهو أن التقدير: كان يقول هذا الذكر عند إرادة الدخول في الخلاء لا بعده، وجاء لفظ الغائط، مع موضع الخلاء على ما روى الإسماعيلي في (معجمه) بسند جيد عن عبد الله بن مسعود، رضي الله تعالى عنه: ((أن النبي عَّبل كان إذا دخل الغائط قال: أعوذ بالله من الخبث والخبائث)). وكذا جاء لفظ: الكنيف، ولفظ: المرفق، فالأول في حديث علي، رضي الله تعالى عنه، بسند صحيح، وإن كان أبو عيسى قال: إسناده ليس بالقوي، مرفوعاً: ((ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الكنيف أن يقول: بسم الله)). والثاني: في حديث أبي أمامة عند ابن ماجه مرفوعاً: ((لا يعجز أحدكم إذا دخل مرفقه أن يقول: اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم))، وسنده ضعيف. فإن قلت: هل جاء شيء فيما يقول: إذا خرج من الخلاء؟ قلت: ليس فيه شيء على شرط البخاري، وروي عن عائشة، رضي الله عنها: ((كان رسول الله عَل إذا خرج من الغائط قال: غفرانك)). أخرجه ابن حبان وابن خزيمة وابن الجارود والحاكم في (صحيحهم)، وقال أبو حاتم الرازي: هو أصح شيء في هذا الباب. فإن قلت: لما أخرجه الترمذي وأبو علي الطوسي قال: هذا حديث غريب حسن لا يعرف إلاّ من حديث إسرائيل عن يوسف بن أبي ١٠ ١٠ / ٤١٥ ٤ - كِتابُ الوضوء / باب (١٠) بردة، ولا يعرف في هذا الباب إلاّ حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها. قلت: قوله: غريب، مردود بما ذكرنا من تصحيحه، ويمكن أن تكون الغرابة بالنسبة إلى الراوي لا إلى الحديث إذ الغرابة والحسن في المتن لا يجتمعان. فإن قلت: غرابة السند بتفرد إسرائيل، وغربة المتن لكونه لا يعرف غيره. قلت إسرائيل متفق على إخراج حديثه عند الشيخين، والثقة إذا انفرد بحديث ولم يتابع عليه لا ينقص عن درجة الحسن، وإن لم يرتق إلى درجة الصحة، وقولهما: لا يعرف في هذا الباب إلاَّ حديث عائشة، ليس كذلك. فإن فيه أحاديث، وإن كانت ضعيفة. منها حديث أنس، رضي الله تعالى عنه، رواه ابن ماجه قال: ((كان مَّ إذا خرج من الخلاء قال: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني))، ومنها حديث أبي ذر، رضي الله عنه، مثله أخرجه النسائي. ومنها حديث ابن عباس، رضي الله عنهما، أخرجه الدارقطني مرفوعاً: ((الحمد لله الذي أخرج عني ما يؤذيني، وأمسك علي ما ينفعني)). ومنها حديث سهل بن أبي خيثمة نحوه، وذكره ابن الجوزي في (العلل). ومنها حديث ابن عمر، رضي الله عنهما، مرفوعاً أخرجه الدارقطني: ((الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى علي قوته وأذهب عني أذاه)) فإن قلت: ما الحكمة في قوله: ((غفرانك)) إذا خرج من الخلاء؟ قلت: قد ذكروا فيه أوجهاً، وأحسنها أنه إنما يستغفر من تركه ذكر الله تعالى مدة مكثه في الخلاء، ويقرب منه ما قيل: إنه لشكر النعمة التي أنعم عليه بها إذ أطعمه وهضمه، فحق على من خرج سالماً مما استعاذه منه أن يؤدي شكر النعمة في إعاذته وإجابة سؤاله، وأن يستغفر الله تعالى خوفاً أن لا يؤدي شكر تلك النعم. ١٠ - بابُ وَضْعِ الْمَاءِ عِنْدَ الْخَلاَءِ أي هذا باب في بيان وضع الماء عند الخلاء ليستعمله المتوضىء بعد خروجه منها. وجه المناسبة بين البابين ظاهر، لأن كل ما فيهما مما يستعمل عند الخلاء. ١٤٣/٩ - حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حدّثنا هَاشِمُ بنُ الْقَاسِم قالَ: حدّثنَا وَرْقَاءُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ أبي يَزِيدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ عَّهِ دَخَلَ الْخَلاَءَ، فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءاً، قالَ: (مَنْ وضعَ هَذَا) فَأَخْبِرَ، فقال: ((اللَّهُمَّ فَقَّههُ فِي الدِّين)). [أنظر الحديث ٧٥ وأطرافه]. مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة. بيان رجاله: وهم خمسة: الأول: عبد الله بن محمد الجعفي المسندي، مر في: باب أمور الإيمان. الثاني: هاشم بن القاسم أبو النضر، بالنون والضاد المعجمة: التميمي الليثي الكناني الخراساني، نزل بغداد وتلقب بقيصر، وهو حافظ ثقة صاحب سنة، كان أهل بغداد يفتخرون به، مات سنة سبع ومائتين عن ثلاث وسبعين سنة، وليس في الكتب الستة هاشم بن القاسم سواه، وفي ابن ماجه وحده: هاشم بن القاسم الحراني شيخه، ولا ثالث فيهما i i i i i i ٠ جدة ٠٠٠ ٤١٦ ٤ - كِتابُ الوضوءِ / باب (١٠) سواهما. الثالث: ورقاء، مؤنث الأورق، ابن عمر اليشكري الكوفي، أبو بشر، ويقال: أصله من خوارزم، سكن المدائن. قال أبو داود الطيالسي: قال لي شعبة: عليك بورقاء فإنك لن ترى عيناك مثله، روى عن عبيد الله هذا وغيره، وعنه الفريابي. ويحيى بن آدم صدوق صالح، قيل: مات سنة سبع وستين ومائة وليس في الكتب الستة ورقاء غيره. الرابع: عبيد الله، بالتصغير، ابن أبي يزيد، من الزيادة، المكي مولى آل قارظ، بالقاف وبالراء وبالظاء المعجمة: من حلفاء بني زهرة، كان ثقة كثير الحديث، مات سنة ست وعشرين ومائة، وليس في الكتب الستة عبيد الله بن أبي يزيد غيره، نعم في النسائي: عبيد الله بن يزيد الطائفي، روى عن ابن عباس أيضاً، ووقع في رواية الكشميهني: عبيد الله بن أبي زائدة، وهو غلط، والصحيح ابن أبي يزيد، ولا يعرف اسمه. الخامس: عبد الله بن عباس، رضي الله عنهما. بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والعنعنة. ومنها: أن رواته ما بين بغدادي وكوفي. ومنها: أنه على شرط الستة خلاف شيخ البخاري فإنه من رجال الترمذي فقط. ومنها: أن هذا الحديث من الأحاديث التي صرح ابن عباس فيها بالسماع من رسول الله، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. بيان من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في(فضائل ابن عباس) عن زهير بن حرب وأبي بكر بن أبي النضر، كلاهما عن هاشم بن القاسم عن ورقاء عنه به. وأخرجه النسائي في (المناقب) عن أبي بكر بن أبي النضر به. بيان اللغات: قوله: ((وضوءاً))، بفتح الواو: هو الماء الذي يتوضأ به، وبالضم: المصدر. وقد مر تحقيقه في أول كتاب الوضوء. قوله: ((فقهه في الدين)) من الفقه، وهو في اللغة: الفهم. تقول: فقه الرجل بالكسر، وفلان لا يفقه ولا يفقه. ثم خص به علم الشريعة، والعالم به فقيه. وقد فقه، بالضم، فقاهة وفقهه الله وتفقه: إذا تعاطى ذلك، وفاقهته: إذا باحثته في العلم. بيان الإعراب: قوله: ((دخل الخلاء)) جملة من الفعل والفاعل والمفعول في محل الرفع لأنها خبر: أن. قوله: ((فوضعت له))، جملة معطوفة على الجملة السابقة. قوله: ((وضوءاً) نصب بقوله: ((فوضعت)). قوله: (من)) إستفهامية مبتدأ. قوله: ((وضع هذا) خبره. قوله: ((فأخبر))، على صيغة المجهول، عطف على ما قبله، وقد علم أن في عطف الإسمية على الفعلية والعكس أقوالاً، والمفهوم من كلام النحاة جواز ذلك كما عرف في موضعه. قوله: (اللهم) أصله: يا ألله، فحذف حرف النداء وعوض عنها الميم. قوله: ((فقهه)) جملة من الفعل والفاعل، وهو: أنت، المستكن فيه، والمفعول وهو الضمير الراجع إلى ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما. وقوله: ((في الدين)) يتعلق به. بيان المعاني: قوله: ((قال: من وضع هذا؟)) أي: قال النبي، عليه الصلاة والسلام، بعد الخروج من الخلاء: من وضع الوضوء؟ قوله: (فأخبر)) أي النبي، عليه الصلاة والسلام، ١٣٥٠ ٤١٧ ٤ - كِتَابُ الوضوءِ / باب (١٠) وميمونة بنت الحارث خالة ابن عباس هي المخبرة بذلك، لأن وضع ابن عباس الوضوء للنبي، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، كان في بيتها. قوله: ((اللهم فقهه في الدين)) مناسبة دعائه، عليه الصلاة والسلام، لابن عباس بالتفقه في الدين لأجل وضعه الوضوء له لكونه معَّ هه تفرس فيه الذكاء والفطنة، فالمناسبة أن يدعى له بالتفقه في الدين ليطلع به على أسرار الفقه في الدين فينتفع وينفع، وذلك لأنه وضعه عند الخلاء، لأنه كان أيسر له، عليه الصلاة والسلام، لأنه لو وضعه في مكان بعيد منه كان يحتاج إلى طلب الماء وفيه مشقة ما لو دخل به إليه كان تعرضاً للاطلاع على حاله وهو يقضي حاجته، فلما رأى ابن عباس هذه الحالة أوفق وأيسر استدل، عليه الصلاة والسلام، على غاية ذكائه مع صغر سنه، فدعا له بما دعا به. بيان استنباط الأحكام: الأول: فيه جواز خدمة العالم بغير أمره ومراعاته حتى حال دخوله الخلاء. الثاني: فيه استحباب المكافأة بالدعاء. الثالث: قال الداودي: فيه دلالة على أنه ربما لا يستنجي عندما يأتي الخلاء ليكون ذلك سنة، لأنه لم يأمر بوضع الماء، وقد أتبعه عمر، رضي الله عنه، بالماء فقال: لو استنجيت كلما أتيت الخلاء لكان سنة، وفيه نظر، وما استشهد به حديث ضعيف. الرابع: قال الخطابي: فيه أن حمل الخادم الماء إلى المغتسل غير مكروه، وأن الأدب فيه أن يليه الأصاغر من الخدم دون الأكابر. الخامس: فيه دليل قاطع على إجابة دعاء الرسول، عليه الصلاة والسلام، لأنه صار فقيهاً أي فقيه. السادس: قال ابن بطال: معلوم أن وضع الماء عند الخلاء إنما هو للاستنجاء به عند الحدث، وفيه رد على من ينكر الاستنجاء بالماء، وقال: إنما ذلك وضوء النساء، وقال: إنما كان الرجال يتمسحون بالحجارة. ونقل ابن التين في (شرحه) عن مالك: أنه، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، لم يستنج عمره بالماء، وهو عجيب منه، وقد عقد البخاري قريباً باباً للاستنجاء بالماء، وذكر فيه أنه، عليه الصلاة والسلام، استنجى على ما سيجيء بيانه، إن شاء الله تعالى. وفي (صحيح ابن حبان) أيضاً من حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها، قال: ((ما رأيت رسول الله عَّه خرج من غائط إلاّ مس ماء)). وفي (جامع) الترمذي من حديثها أيضاً أنها قالت: ((مرن أزواجكن أن يغسلوا أثر الغائط والبول، فإنه عليه الصلاة والسلام، كان يفعله)). ثم قال: هذا حديث حسن صحيح، وفي (صحيح ابن حبان) أيضاً من حديث أبي هريرة، رضي الله تعالى، عنه: ((أن رسول الله عَ م قضى حاجته ثم استنجى من تور)). وقال ابن بطال: إن مالكاً روى في (موطئه) عن عمر، رضي الله تعالى عنه، أنه كان يتوضأ بالماء وضوءاً لما تحت الإزار. قال مالك: يريد الاستنجاء بالماء، وقال الخطابي: وفي الحديث استحباب الاستنجاء بالماء، وإن كانت الحجارة مجزئة. وكره قوم من السلف الاستنجاء بالماء، وزعم بعض المتأخرين أن الماء نوع من المطعوم فكرهه لأجل ذلك، وكان بعض القراء يكره الوضوء في مشارع المياه الجارية، وكان يستحب أن يؤخذ له الماء في ركوة ونحوها، لأنه لم يبلغه أن النبي عَّلِّ توضأ على نهر أو مشرع في ماء جار، قال: وهذا عندي من أجل أنه لم يكن بحضرته المياه الجارية والأنهار، فأما من كان بين ظهراني مياه جارية فأراد أن يشرع فيها عمدة القاري/ ج٢٧٥/٢ ٠٠٠٠ جدة. i i جو. ٤١٨ مے ١١٣/١ ٤ - كِتَابُ الوضوءِ / باب (١١) ويتوضأ منها كان له ذلك من غير حرج. وقال النووي: اختلف في المسألة، فالذي عليه الجمهور أن الأفضل أن يجمع بين الماء والحجر فيستعمل الحجر أولاً لتخف النجاسة وتقل مباشرتها بيده، ثم يستعمل الماء، فإن أراد الاقتصار على أحدهما جاز، وسواء وجد الآخر أو لم يجده، فإن اقتصر فالماء أفضل من الحجر لأن الماء يطهر المحل طهارة حقيقية، وأما الحجر فلا يطهر، وإنما يخفف النجاسة ويبيح الصلاة مع النجاسة المعفو عنها، وذهب بعضهم إلى أن الحجر أفضل، وربما أوهم كلام بعضهم أن الماء لا يجزىء. وقال ابن حبيب المالكي: لا يجزىء الحجر، إلاَّ لمن عدم الماء. السابع: استدل به بعضهم على أن المستحب أن يتوضأ من الأواني دون المشارع والبرك. وقال القاضي عياض: هذا لا أصل له ولم ينقل أن النبي، عليه الصلاة والسلام، وجدها فعدل عنها إلى الأواني، والله تعالى أعلم. ١١ - بابٌ لا تُسْتَقْبَلُ القِبْلَةُ بِغَائِطِ أَوْ بَوْلٍ إلَّ عِنْدَ البِنَاءِ، جِدَارٍ أَوْ نَحْوِهِ أي، هذا باب، فباب مرفوع على الخبرية منون لعدم صحة الإضافة. قوله: ((لا يستقبل القبلة)) يجوز فيه الوجهان: أحدهما أن يكون: تستقبل، بضم التاء المثناة من فوق على صيغة المجهول. وقوله: ((القبلة)) مرفوع لأنه مفعول ناب عن الفاعل. والآخر: أن يكون: يستقبل، بفتح الياء آخر الحروف على صيغة المعلوم، أي: لا يستقبل قاضي حاجته القبلة، والقبلة منصوب به، و: لام، يستقبل يجوز فيها وجهان، أيضاً: أحدهما: الضم، على أن تكون لا نافية. والآخر: الكسر، على أن تكون ناهية. قوله: (بغائط)) الباء فيه ظرفية، وفي (المحكم): الغائط والغوط المتسع من الأرض مع طمأنينة، وجمعه أغواط وغياط وغيطان، وكل ما انحدر من الأرض فقد غاط، ومن بواطن الأرض المنبتة الغيطان، الواحد منها غائط، وزعموا أن الغائط ربما كان فرسخاً. والغائط اسم للعذرة نفسها، لأنهم كانوا يلقونها بالغيطان، وقيل: لأنهم كانوا إذا أرادوا ذلك أتوا الغائط. وتغوط الرجل: كناية عن الخرأة، والغوط أغمض من الغائط وأبعد. وفي (الصحاح) وجمع الغائط: غوط. وفي (المخصص): الغائط أصله المطمئن من الأرض، وسمي المتوضأ غائطاً لأنهم كانوا يأتون لقضاء الحاجة. ثم سمى الشيء بعينه غائطاً، وقراءة الزهري: ﴿أوجاء أحد منكم من الغيط﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦] مخففة الياء، وأصله: الغوط، وقيل لكل من قضى حاجته: قد أتى الغائط، يكنى به عن العذرة. وقال الخطابي: أصله المطمئن من الأرض كانوا يأتونه للحاجة فكنوا به عن نفس الحدث كراهة لذكره بخاص اسمه، ومن عادة العرب التعفف في ألفاظها واستعمال الكناية في كلامها وصون الألسنة عما تصان الأبصار والأسماع عنه. قلت: الحاصل أنه استعمل للخارج وغلب على الحقيقة الوضعية فصار حقيقة عرفية، لكن لا يقصد به إلاَّ الخارج من الدبر فقط للتفرقة في الحديث بينهما في قوله: ((بغائط أو بول)) وقد يقصد به ما يخرج من القبل أيضاً، فإن الحكم عام، وفي (العباب): غاط في الشيء يغوط ويغيط غوطاً وغيطاً، دخل فيه، يقال: هذا ١٣٢ ٠٣٣٠ ٠٣٠ 1 ** ٤١٩ ٤ - كِتابُ الوضوءِ / باب (١١) رمل تغوط فيه الأقدام، وتغيط. والغوط والغائط: المطمئن من الأرض الواسع. وقال ابن دريد: الغوط أشد انحطاطاً من الغائط وأبعد، وفي قصة نوح، عليه الصلاة والسلام: انسدت ينابيع الغوط الأكبر وأبواب السماء، والجمع: غوط وأغواط وغياط، صارت الواو ياءً لانكسار ما قبلها، والغائط أيضاً: الغوط من الأرض، والغوطة الوهدة في الأرض المطمئنة. والتركيب يدل على اطمئنان وغور. قوله: (إلا عند البناء)) استثناء من قوله: ((لا يستقبل القبلة))، وقال الإسماعيلي: ليس في حديث الباب دلالة على الاستثناء الذي ذكره، ثم أجاب عن ذلك بما حاصله أنه أراد بالغائط معناه اللغوي لا معناه العرفي، فحينئذ يصح استثناء الأبنية منه. وقال بعضهم: هذا أقوى الأجوبة. قلت: ليس كذلك لأنهم لما استعملوه للخارج وغلب هذا المعنى على المعنى الأصلي صار حقيقة عرفية غلبت على الحقيقة اللغوية، فهجرت حقيقته اللغوية، فكيف تراد بعد ذلك؟ وقال ابن بطال: هذا الاستثناء ليس مأخوذاً من الحديث، ولكن لما علم من حديث ابن عمر، رضي الله عنهما، استثناء البيوت، بوب به لأن حديثه، عليه الصلاة والسلام، كله كأنه شيء واحد، وإن اختلفت طرقه كما أن القرآن كله كالآية الواحدة وإن كثر، وتبعه ابن المنير في شرحه، واستحسنه بعض الشارحين. قلت: فعلى هذا كان ينبغي أن يذكر حديث ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، في هذا الباب عقيب حديث أبي أيوب، رضي الله تعالى عنه، وقال الكرماني: يحتمل أن يكون أي الاستثناء المذكور مأخوذاً من هذا الحديث، يعني حديث أبي أيوب، إذ لفظ الغائط مشعر بأن الحديث ورد في شأن الصحارى، إذ الاطمئنان، أي: الانخفاض والارتفاع، إنما يكون في الأراضي الصحراوية لا في الأبنية. قلت: العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، وقال ابن المنير: إن استقبال القبلة إنما يتحقق في الفضاء، وأما الجدار والأبنية فإنها إذا استقبلت أضيف إليها الاستقبال عرفاً. قلت: كل من توجه إلى نحو الكعبة يطلق عليه أنه مستقبل الكعبة، سواء كان في الصحراء أو في الأبنية، فإن كان في الأبنية فالحائل بينه وبين القبلة هو الأبنية، وإن كان في الصحراء فهو الجبال والتلال، والصواب أن يقال: إن الحديث عنده عام مخصوص، وعليه يوجه الاستثناء. قوله: ((جدار)) بالجر بدل من البناء. قوله: ((أو نحوه) أي: نحو الجدار كالأحجار الكبار والسواري والأساطين. ونحو ذلك. وفي رواية الكشميهني أو غيره: وهما متقاربان. ووجه المناسبة بين البابين ظاهر. ١٤٤/١٠ - حدثنا آدَمُ قال: حدّثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ قال: حدّثنا الزُّهْرِيُّ عَنْ عَطَاءِ بنِ يَزِيدَ اللَّيْثِي عَنْ أَبيٍ أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ قال: قال رسولُ اللهِ عَّلِ: ((إذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الغَائِطَ فَلاَّ يَسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ ولا يُولَّهَا ظَهْرَهُ شَرَّقُوا أَوْ غَرَّبُوا)). [الحديث ١٤٤ - طرفه في: ٣٩٤] مطابقة الحديث للترجمة المستثنى منها ظاهرة، وليس له مطابقة للمستثنى على ما ذكرنا، وما يطابقه هو حديث عبد الله بن عمر، رضي الله تعالى عنهما، على الوجه الذي i i i i ٤٢٠ ماgu · چبه. ٤ - كِتابُ الوضوءِ / باب (١١) نقلناه الآن عن ابن بطال، فمن هذا قال صاحب (التلويح): في هذا الحديث ما يدل على عكس ما قاله البخاري، وذلك أن أبا أيوب، راوي الحديث، فهم منه غير ما ذكره البخاري، وهو: تعميم النهي والتسوية في ذلك بين الصحارى والأبنية، بيَّن ذلك بقوله: ((فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة، فكنا ننحرف عنها ونستغفر الله تعالى))، وفي حديث مالك: قال أبو أيوب، رضي الله تعالى عنه ((فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض بنيت قبل الكعبة فننحرف ونستغفر الله تعالى)). وعن الزهري، عن عطاء سمعت أبا أيوب عن النبي عَّله مثله، ذكره البخاري في: باب قبلة أهل المدينة، في أوائل الصلاة، وفي حديث مالك للنسائي عن أبي أيوب أنه قال: ((والله ما أدري كيف أصنع بهذه الكرابيس، وقد قال النبي، عليه الصلاة والسلام ... )) الحديث. بيان رجاله: وهم خمسة. الأول: آدم ابن أبي إياس، وقد تكرر ذكره. الثاني: محمد ابن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب هشام المدني العامري، وقد مر. الثالث: محمد بن مسلم الزهري، وقد تكرر ذكره. الرابع: أبو يزيد عطاء بن يزيد، من الزيادة، الليثي ثم الجندعي، بضم الجيم وسكون النون وضم الدال المهملة وفي آخره عين مهملة: المدني ويقال: الشامي التابعي، لأنه سكن رملة الشام، مات سنة سبع، وقيل: خمس ومائة عن اثنتين وثمانين وسنة. الخامس: أبو أيوب خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة بن عبد عوف بن غنم الأنصاري النجاري، شهد بدراً والعقبة الثانية، وعليه نزل رسول الله عَ لّه حين قدم المدينة شهراً، وهو من نجباء الصحابة، رضي الله تعالى عنهم. روي له مائة وخمسون حديثاً، اتفقا منها على سبعة، وانفرد البخاري بحديث، وكان مع علي، رضي الله تعالى عنه في حروبه، مات بالقسطنطينية غازياً سنة خمسين، وذلك مع يزيد بن معاوية، خرج معه فمرض، فلما ثقل عليه المرض قال لأصحابه: إذا أنا مت فاحملوني، فإذا صافقتم العدو فادفنوني تحت أقدامكم، ففعلوا، فقبره قريب من سورها معروف إلى اليوم معظّم فيستسقون به فيسقون. وأبو أيوب في الصحابة ثلاثة: هذا أجلهم. وثانيهم يماني له رواية؛ وثالثهم روي له عن علي بن مسعر عن الأفريقي عن أبيه عن ابن أيوب، فلعله الأول، وأيوب يشتبه: بأثوب، بسكون الثاء المثلثة وفتح الواو، وهو أثوب بن عتبة، صحابي روى عن النبي معَّةٍ: ((الديك الأبيض خليلي)) إسناده لا يثبت، رواه عبد الباقي بن قانع: حدثنا حسين حدثنا علي بن بحر حدثنا ملاذ بن عمرو عن هارون بن نجيد عن جابر عن أثوب بن عتبة قال: قال النبي علٍّ ... والحارث بن أثوب تابعي، قاله عبد الغني، وقال ابن ماكولا: والصواب: ثوب، بضم الثاء وفتح الواو، وأثوب بن أزهر زوج قيلة بنت مخرمة الصحابية، رضي الله تعالى عنها. بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والعنعنة. ومنها: أن رواته كلهم مدنيون ما خلا آدم، فإنه أيضاً دخل إليها، ومنها: أن فيه رواية التابعي عن التابعي. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في (الصلاة) عن علي عن سفيان بن عيينة عن الزهري به. وأخرجه مسلم في (الطهارة) عن يحيى بن يحيى، وزهير،