Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ ٤ - كِتَابُ الوضوء / باب (٤) الموحدة: ابن تميم بن زيد بن عاصم الأنصاري المدني، وقال: أعي يوم الخندق وأنا ابن خمس سنين، فينبغي إذاً أن يعد في الصحابة. وقال ابن الأثير وغيره: إنه تابعي لا صحابي، وهذا هو المشهور، وليس في الصحابة من يسمى: عباد بن تميم، سواه على قول من يعده صحابياً، وممن عده من الصحابة: الذهبي، ووقع في بعض نسخ ابن ماجه رواية عباد عن أبيه عن عمه حديث الاستسقاء، وتبعه ابن عساكر، والصواب عن عبد الله بن أبي بكر قال: سمعت عباد بن تميم يحدث عن أبيه عن عمه، وعباد بالضبط المذكور يشتبه بعباد، بضم العين وتخفيف الباء: وهو والد قيس، وغيره. وبعباد، بكسر العين وتخفيف الباء وبعياذ، بكسر العين وتخفيف الياء آخر الحروف والذال المعجمة، وبعناد، بكسر العين وتخفيف النون وبالدال المهملة. السادس: عم عباد المذكور وهو: عبد الله بن زيد بن عاصم بن كعب بن عمرو بن عوف بن مبدول بن غنم بن مازن بن النجار، الأنصاري المازني من بني مازن بن النجار المدني له ولأبويه صحبة، ولأخيه حبيب بن زيد الذي قطعه مسيلمة عضواً عضواً، فقضى أن عبد الله هو الذي شارك وحشياً في قتل مسيلمة، وهو راوي هذا الحديث وحديث: صلاة الاستسقاء، أيضاً الآتي في بابه، إن شاء الله تعالى، وغيرهما من الأحاديث. ووهم ابن عيينة فزعم أنه روى الأذان أيضاً، وهو عجيب، فإن ذاك عبد بن زيد بن عبد ربه ابن ثعلبة بن زيد الأنصاري. فكلاهما اتفقا في الاسم واسم الأب والقبيلة، وافترقا في الجد والبطن من القبيلة، فالأول: مازني، والثاني: حارثي، وكلاهما أنصاريان خزرجيان، فيدخلان في نوع المتفق والمفترق. وبيَّن غلط ابن عيينة في ذلك البخاري في (صحيحه) في: باب الاستسقاء، كما ستعلمه هناك، إن شاء الله تعالى. وروي لعبد الله المذكور في الحديث ثمانية وأربعون حديثاً، اتفقا على ثمانية منها، وأما عبد الله بن زيد، صاحب الأذان، فلم يشتهر له إلاَّ حديث واحد، وهو حديث الأذان حتى قال البخاري فيما نقله الترمذي عنه: لا يعرف له غيره، لكن له حديثان آخران، وعبد الله راوي هذا الحديث، قتل في ذي الحجة بالحرة عن سبعين سنة، وكانت الحرة فى آخر سنة ثلاث وستين، وهو أحدي، وقال ابن منده وأبو أحمد الحاكم، وأبو عبد الله صاحب (المستدرك) إنه بدري وهو وهم، وليس في الصحابة من اسمه عبد الله بن زيد بن عاصم سوى هذا، وفيهم أربعة أخر اسم كل منهم عبد الله بن زيد، منهم صاحب الأذان. بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والعنعنة. ومنها: أن رجاله كلهم من رجال الكتب الستة إلاَّ علي بن المديني، فإنه من رجال البخاري وأبي داود والترمذي والنسائي فقط. ومنها: أنهم كلهم مدنيون خلا ابن المديني، فإنه بصري، وخلا سفيان: فإنه مكي. ومنها: أن فيه رواية الصحابي عن الصحابي على قول من يعد عباداً صحابياً. قوله: ((وعن عباد)) معطوف على قوله: ((عن سعيد بن المسيب))، لأن الزهري، رحمه الله، يروي عن سعيد وعباد كليهما، وكلاهما يرويان عن عم عباد المذكور، فقوله: عن عمه، يتعلق بهما. فإن قلت: وقع في رواية كريمة: عن سعيد بن المسيب عن عباد، بدون واو العطف. قلت: هو ١ ٠٠٠٠ i ٢جوه ٣٨٢ ٤ - كِتابُ الوضوءِ / باب (٤) غلط قطعاً، لأن سعيداً لا رواية له عن عباد أصلاً فتنبه لذلك. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في: باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين: القبل والدبر، عن أبي الوليد عن سفيان به، وأخرجه في (البيوع) عن أبي نعيم عن ابن عيينة عن الزهري به. وأخرجه مسلم في (الطهارة) عن أبي بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وعمر والناقد عن سفيان عن الزهري. وأخرجه أبو داود فيه عن قتيبة ومحمد ابن أحمد بن أبي خلف عن سفيان. وأخرجه النسائي فيه أيضاً عن قتيبة ومحمد بن منصور عن سفيان. وأخرجه ابن ماجه فيه عن محمد بن الصباح عن سفيان. بيان اللغات: قوله: ((شكی)) من: شكوت فلاناً أشكوه شكراً وشكاية وشكية وشكاة، إذا أخبرت عنه بسوء فعله، فهو مشكو وشكي، والاسم: الشكوى، والياء في شكى منقلبة عن واو، وأصله: شكو، بدليل يشكو والشكوى، ويجوز أن تكون أصلية غير منقلبة في لغة من قال: شكى يشكي. قوله: ((يخيل)) على صيغة المجهول أي: يشبه ويخايل، وفلان يمضي على المخيل. أي: على ما خيلت، أي: شبهت. يعني: على غرر من غير تعين. وخيل إليه أنه كذا على ما لم يسم فاعله من التخييل والوهم. قال الله تعالى: ﴿يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى﴾ [طه: ٦٦] قوله: ((لا ينفتل) بالفاء واللام، من الانفتال، وهو الانصراف. يقال: فتله فانفتل أي: صرفه فانصرف وهو قلب: لفت. بيان الإعراب: قوله: (شكى)) جملة في محل الرفع على أنها خبر: إن، وهو صيغة المعلوم، والضمير فيه يرجع إلى عبد الله بن زيد عم عباد لأنه هو الشاكي. وقوله: ((الرجل) بالنصب مفعوله، وضبطه النووي في (شرح مسلم) رواية مسلم عن عمه: ((شكى إلى رسول الله عَّه الرجل يخيل إليه)). الحديث فقال: ((شكي)) بضم الشين وكسر الكاف، ((والرجل)) مرفوع، ثم قال: ولم يسم هنا الشاكي. وجاء في رواية البخاري أنه عبد الله بن زيد الراوي. قال: ولا ينبغي أن يتوهم من هذا أن: شكى، بفتح الشين والكاف، ويجعل الشاكي عمه المذكور، فإن هذا الوهم غلط. قلت: دعوى الغلط غلط، بل يجوز الوجهان: شكى بصيغة المعلوم. والشاكي هو عبد الله بن زيد، و: الرجل، حينئذ بالنصب مفعوله. و: شكى بصيغة المجهول، والشاكي غير معلوم، و: الرجل، حينئذ بالرفع على أنه مفعول ناب عن الفاعل. وقال الكرماني: الرجل هو فاعل شكى وهو غلط لا يخفى. قوله: ((الذي يخيل إليه)) موصول مع صلته صفة في محل الرفع أو النصب على تقدير الوجهين في الرجل، وفي بعض النسخ: ((الرجل يخيل إليه))، بدون الذي. وقال الكرماني: ويحتمل أن يكون الذي يخيل مفعول: شكى. قلت: هذا الاحتمال بعيد. قوله: (إنه يجد الشيء)): إن مع اسمها وخبرها مفعول لقوله: (يخيل)، ناب عن الفاعل. وقوله: ((يجد)) في محل الرفع لأنه خبر: إن. وقوله: ((الشيء) بالنصب لأنه مفعول: يجد. قوله: ((فقال)) أي: رسول الله، عليه الصلاة والسلام، قوله: ((لا ينفتل))، قال الكرماني: روي مرفوعاً بأنه نفي، ومجزوماً بأنه نهي. قوله: ((حتى)) للغاية بمعنى: إلى أن يسمع، ويسمع، بالنصب بتقدير: أن الناصبة. قوله: ((أو يجد) بالنصب أيضاً، لأنه ١٣/0377 /٠٠ ٣٨٣ ٤ - كِتَابُ الوضوءِ / باب (٤) عطف على ما قبله من المنصوب. i بيان المعاني: قوله: ((يجد الشيء)) أي خارجاً من الدبر. قوله: ((أو لا ينصرف)) كلمة أو للشك من الراوي، قال الكرماني: والظاهر أنه من عبد الله بن زيد. قلت: يجوز أن يكون ممن دونه من الرواة. ووقع في كتاب الخطابي: ولا ينصرف، بحذف الهمزة وفي رواية للبخاري: لا ينصرف، من غير شك. قوله: ((حتى يسمع صوتاً) أي: من الدبر. قوله: ((أو يجد ريحاً) أي من الدبر أيضاً، وكلمة: أو، للتنويع. قال الإسماعيلي: هذا من رسول الله، عليه الصلاة والسلام، فيمن شك في خروج ريح منه لا نفي الوضوء إلاّ من سماع صوت أو وجدان ريح، وفي (صحيح) ابن خزيمة وابن حبان و (مستدرك) الحاكم من حديث أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، أن رسول الله عَ لّه قال: ((إذا جاء أحدكم الشيطان فقال: إنك أحدثت! فليقل: كذبت، إلاَّ ما وجد ريحاً بأنفه، أو سمع صوتاً بأذنه)). وفي (مسند) أحمد من حديث أبي سعيد أيضاً: ((إن الشيطان ليأتي أحدكم وهو في صلاته، فيأخذ شعرة من دبره فيمدها، فيرى أنه أحدث فلا ينصرف حتى يسمع صوتاً). وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان، وقال ابن خزيمة: قوله: ((فليقل كذبت))، أراد: فليقل كذبت بضميره لا بنطق بلسانه، إذ المصلي غير جائز له أن يقول كذبت نطقاً. قلت: ويؤيد ما قاله ما رواه ابن حبان في (صحيحه) من حديث أبي سعيد أيضاً مرفوعاً: ((إذا جاء أحدكم الشيطان فقال: إنك قد أحدثت، فليقل في نفسه، كذبت)). وفي (صحيح) مسلم من حديث أبي هريرة، يرفعه: ((إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً فأشكل عليه فأخرج منه شيء أم لا، فلا يخرجن من المسجد)). وفي رواية الترمذي: ((فوجد ريحاً بين النتنة)). وفي (علل) ابن أبي حاتم ((فوجد ريحاً من نفسه)). وفي (كتاب الطهور) لأبي عبيد القاسم بن سلام: ((يجد الشيء في مقعدته)). قال: لا یتوضأ إلاّ أن يجد ريحاً يعرفها، أو صوتاً يسمعه. وروى ابن ماجه بسند فيه ضعف عن محمد ابن عمرو بن عطاء، قال: رأيت السائب بن يزيد يشم ثوبه، فقلت: مم ذلك؟ قال: سمعت رسول الله عَ ليه، يقول: ((لا وضوء إلاَّ مِن ريح أو سماع)). وروى أبو داود من حديث علي بن طلق، يرفعه: ((إذا نسي أحدكم فلتيوضاً)). قال مهنى: قال أبو عبيد الله عاصم الأحول: يخطىء في هذا الحديث يقول: علي بن طلق، وإنما هو: طلق بن علي، وأبى ذلك البخاري، فيما ذكره أبو عيسى عنه في (العلل) وذكر حديث علي بن طلق، هذا بلفظ: ((جاء أعرابي إلى النبي، عليه الصلاة والسلام، فقال: إنا نكون بالبادية، فيكون من أحدنا الرويحة. فقال: ((إن الله تعالى لا يستحي من الحق، إذ فسا أحدكم فليتوضأ)). فقال: لا أعرف لعلي بن طلق عن النبي عَّهِ غير هذا الحديث، وهو عندي غير: طلق بن علي، ولا يعرف هذا من حديث طلق بن علي، ولما ذكره الترمذي في (الجامع) من حديث علي بن طلق حسنه، وذكره ابن حبان في صحيحه بلفظ: ((إذا فسی أحدكم في الصلاة فلينصرف، ثم ليتوضأ وليعد صلاته)). ثم قال: لم يقل أحد: ((وليعد صلاته)) إلاّ جرير بن عبد الحميد، وقال أبو عبيد في كتاب الطهور: إنما هو عندنا: علي بن i i ١ i آم۔۔ ١٣٠ ٣٨٤ ٤ - كِتابُ الوضوء / باب (٤) طلق. لأنه حديثه المعروف، وكان رجلاً من بني حنيفة وأحسبه: والد طلق بن علي الذي سأل عن مس الذكر، وممن ذكره في مسند علي بن طلق أحمد بن منيع في (مسنده)، والنسائي والكجي في (سننيهما)، وأبو الحسين بن قانع في آخرين. ثم اعلم أن حقيقة المعنى في قوله: ((حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) حتى يعلم وجود أحدهما، ولا يشترط السماع والشم بالإجماع. فإن الأصم لا يسمع صوتاً، والأخشم الذي راحت حاسة شمه لا يشمه أصلاً، وقال الخطابي: لم يرد بذكر هذين النوعين من الحدث تخصيصهما وقصر الحكم عليهما حتى لا يحدث بغيرهما، وإنما هو جواب خرج على حرف المسألة التي سأل عنها السائل، وقد دخل في معناه كل ما يخرج من السبيلين، وقد يخرج منه الريح ولا يسمع لها صوت ولا يجد لها ريحاً، والمعنى: إذا كان أوسع من الاسم كان الحكم للمعنى، وهذا كما روي أنه، عليه الصلاة والسلام، ((قال: إذا استهل الصبي ورث وصلي عليه»، لم يرد تخصيص الاستهلال الذي هو الصوت دون غيره من أمارات الحياة، من: حركة وقبض وبسط، ونحوها. بيان استنباط الأحكام: الأول: إن هذا الحديث أصل من أصول الإسلام وقاعدة الفقة، وهي أن الأشياء يحكم ببقائها على أصولها حتى يتيقن خلاف ذلك، ولا يضر الشك الطارىء عليها، والعلماء متفقون على هذه القاعدة، ولكنهم مختلفون في كيفية استعمالها. مثاله مسألة الباب التي دل عليها الحديث، وهي أن من تيقن الطهارة وشك في الحديث يحكم ببقائه على الطهارة، سواء حصل الشك في الصلاة أو خارجها، وهذا بالإجماع بين الفقهاء إلاَّ عن مالك روايتان: إحداهما: أنه يلزمه الوضوء إن كان شكه خارج الصلاة، ولا يلزمه إن كان في الصلاة. والأخرى: يلزمه بكل حال. وحكيت الأولى عن الحسن البصري، وهو وجه شاذ عند الشافعية، وذكره الرافعي والنووي في الروضة، وحكيت الثانية أيضاً وجهاً للشافعية وهو غريب، وعن مالك رواية ثالثة رواها ابن قانع عنه أنه: لا وضوء عليه، كما قاله الجمهور، وحكاها ابن بطال عنه، ونقل القاضي ثم القرطبي عن ابن حبيب المالكي: أن هذا الشك في الريح دون غيره من الأحداث، وكأنه تبع ظاهر الحديث، واعتذر عنه بعض المالكية بأن الريح لا يتعلق بالمحل منه شيء، بخلاف البول والغائط، وعن بعض أصحاب مالك أنه إن كان الشك في سبب حاضر، كما في الحديث، طرح الشك. وإن كان في سبب متقدم فلا، وأما إذا تيقن الحدث وشك في الطهارة فإنه يلزمه الوضوء بالإجماع، وعلى هذا الأصل: من شك في طلاق زوجته، أو أعتق عبده، أو نجاسة الماء الطاهر، أو طهارة النجس، أو نجاسة الثوب أو غيره، أو أنه صلى ثلاثاً أو أربعاً، أو أنه ركع أو سجد أم لا، أو نوى الصوم أو الصلاة أو الاعتكاف، وهو في أثناء هذه العبادات، وما أشبه هذه الأمثلة، فكل هذه الشكوك لا تأثير لها، والأصل عدم الحادث. وقالت الشافعية: تستثنى من هذه القاعدة بضع عشرة مسألة: منها: من شك في ١٠٠٠ ٤٠ ٠۔۔۔ ٣٨٥ ٤ - كِتَابُ الوضوء / باب (٤) خروج وقت الجمعة قبل الشروع فيها، قيل: أو فيها. ومن شك في ترك بعض وضوء أو صلاة بعد الفراغ، لا أثر له على الأصح. ومنها: عشر ذكرهن ابن القاص، بتشديد الصاد المهملة: من الشافعية، في مدة خف وأن أمامه مسافر، أو وصل وطنه، أو نوى إقامة، ومسح مستحاضة، وثوب خفيت نجاسته، ومسألة الظبية وبطلان التيمم بتوهم الماء، وتحريم صيد جرحه فغاب فوجده ميتاً، قال القفال: لم يعمل بالشك في شيء منها لأن الأصل في الأولى الغسل، وفي الثانية الإتمام، وكذا في الثانية والرابعة إن أوجبناه، والخامسة والسادسة اشتراط الطهارة ولو ظناً أو استصحاباً، والسابعة بقاء النجاسة، والثامنة لقوة الظن، والتاسعة للشك في شرط التيمم، وهو عدم الماء، وفي الصيد تحريمه إن قلنا به. الثاني من الأحكام، ما قالته الشافعية: لا فرق في الشك بين تساوي الاحتمالين في وجوب الحدث وعدمه، وبين ترجيح أحدهما وغلبة الظن في أنه لا وضوء عليه، فالشك عندهم خلاف اليقين، وإن كان خلاف الاصطلاح الأصولي، وقولهم موافق لقول أهل اللغة: الشك خلاف اليقين نعم، يستحب الوضوء احتياطاً، فلو بان حدثه أو لا، فوجهان أصحهما لا يجزيه هذا الوضوء لتردده في نيته، بخلاف ما إذا تيقن الحدث وشك في الطهارة فتوضأ، ثم بان محدثاً فإنه يجزيه قطعاً لأن الأصل بقاء الحدث فلا يضر التردد معه، ولو تيقن الطهارة والحدث معاً، وشك في السابق منهما، فأوجه أصحها أنه يأخذ بضد ما قبلهما إن عرفه، فإن لم يعرفه لزمه الوضوء مطلقاً. الثالث: قال الخطابي: فيه لمن أوجب الحد على من وجدت منه رائحة المسكر وإن لم يشاهد شربه، ولا شهد عليه الشهود، ولا اعترف به. قلت: فيه نظر، لأن الحدود تدرأ بالشبهة، والشبهة هنا قائمة. فافهم. الرابع: فيه مشروعية سؤال العلماء عما يحدث من الوقائع وجواب السائل. الخامس: فيه ترك الاستحياء في العلم، وأنه، عليه الصلاة والسلام، كان يعلمهم كل شيء، وأنه يصلي بوضوء صلوات ما لم يحدث. السادس: فيه قبول خبر الواحد. السابع: فيه أن من كان على حال لا ينتقل عنه إلاَّ بوجود خلافه. الثامن: فيه أنهم كانوا يشكون إلى النبي، عليه السلام، جميع ما ينزل بهم. التاسع: استدل به بعضهم على أن رؤية المتيمم الماء في صلاته لا ينقض طهارته. قلت: لا يصح الاستدلال به لأنه ليس من باب ما ذكرناه من أن المعنى إذا كان أوسع من الاسم كان الحكم للمعنى، لأنه هو فيما يقع تحت الجنس الواحد، ولا شك أن المقصود به جنس الخارجات من البدن، فالتعدي إلى غير الجنس المقصود به اغتصاب الأحكام. عمدة القاري/ ج٢ /م٢٥ i جدة i ٣٨٦ ٤ - كِتابُ الوضوءِ / باب (٥) سوارام - لايت ٥ - بابُ التَّخْفِيفِ في الوُضُوءِ أي: هذا باب في بيان جواز التخفيف في الوضوء. والمناسبة بين البابين من حيث اشتمال كل منهما على حكم من أحكام الوضوء. ١٣٨/٤ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللَّهِ قال: حدّثنا سُفْيانُ عنْ عَمْرٍو قال: أخبرني كُرَيْبٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسِ أنَّ النبيَّ عَ لَِّ نَامَ حَتَّى نَفَخَ ثُمَّ صَلَّى، ورَُّا قال: اضْطَجَعَ حَتَّى نَفَخَ ثُمَّ قَامَ فَصلَّى. ثم حدّثنا بهِ سُفْيانُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ عَن عَمْرٍو عنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ لَيْلَةً، فقامَ النَّبيُّ عَِّ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا كانَ في بَعْضِ اللَّيْلِ قامَ النَّبِيُّ عَلِ فَتَوَضَّأَ مِن شَنٍّ وُضُوءاً خَفِيفاً - يُخَفِّفُهُ عَمْرٌو وَيُقَلِّلْهُ - وقامَ يُصلِّي، فَتَوضَّأْتُّ نَخْواً مِمَّا تَوَضَّأَ ثُمّ جِئْتُ، فَقُمْتُ عِنْ يَسَارِهِ، ورُّمَا قال سُفْيانُ: عنْ شِمَالِهِ - فَحَوَّلَنِي فَجَعَلْنِي عِنْ يَمِينه، ثُمَّ صَلَّى ما شاءَ اللَّهُ ثم اضْطَجَعَ فَنامَ حتَّى نَفَخَ، ثم أتاهُ المُنادِي فَآذَنَهُ بالصَّلاةِ فَقَامَ مَعَهُ إلى الصَّلاةِ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوضَّأْ، قُلْنا لعمْرٍو: إِنَّ ناساً يَقُولُونَ: إِنَّ رسولَ اللَّهِ مَلِ تَنَامُ عَيْنُهُ ولا يَنَامُ قَلْبُهُ، قال عَمْرُو: سَمِعْتُ عْبَيْدَ بنَ عُمَيْرٍ يقُولُ: رُؤْيَا الأَنْبِياءِ وَخِيّ، ثم قَرَأَ: ﴿إِنِّي أَرَى في المَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢]. [أنظر الحديث: ١١٧ وأطرافه]. مطابقة الحديث للترجمة في قوله: ((وضوءاً خفيفاً)). بيان رجاله: وهم خمسة، فقد ذكر منهم علي بن عبد الله بن المديني، وسفيان بن عيينة وعمرو بن دينار وعبد الله بن عباس، رضي الله عنهم، وكريب، بضم الكاف وفتح الراء وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره باء موحدة: ابن أبي مسلم القريشي الهاشمي، مولى عبد الله بن عباس، ويكنى أبا رشدين، بكسر الراء وسكون الشين المعجمة وكسر الدال المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره نون. روى عن مولاه ابن عباس وغيره، وروى عنه ابناه: محمد ورشدين وموسى بن عقبة وخلق. مات بالمدينة سنة ثمان وتسعين، وهو من أفراد الكتب الستة. بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والإخبار بصيغة الإفراد والعنعنة. ومنها: أن رجاله كلهم من فرسان الكتب الستة إلاّ علي بن المديني. فإن مسلماً وابن ماجه لم يخرجا له. ومنها: أن كلهم مكيون ما خلا: علي بن المديني، وابن عباس مكي أقام بالمدينة أيضاً. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي، عمرو عن كريب. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في (الصلاة) عن علي بن عبد الله عن سفيان، وفي (الصلاة) أيضاً عن عقبة عن داود بن عبد الرحمن كلاهما عن سفيان به. وأخرجه مسلم في (الصلاة) عن ابن أبي عمرو محمد بن حاتم. كلاهما عن سفيان به. وأخرجه الترمذي، فيه عن قتيبة به، وقال: حسن صحيح. وأخرجه النسائي في (الطهارة) ٠ ٣٨٧ ٤ - كِتابُ الوضوء / باب (٥) عن قتيبة به. وأخرجه ابن ماجه فيه عن إبراهيم بن محمد الشافعي عن سفيان ببعضه. وأخرجه البخاري أيضاً في (كتاب العلم) عن آدم عن شعبة عن الحكم عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وقد ذكرناه هناك، ومن أخرجه أيضاً بهذا الطريق، وأخرجه البخاري أيضاً في مواضع من الصحيح، عن عطاء بن أبي رباح وأبي جمرة وطاوس وغيرهم عن ابن عباس. بيان اللغات: قوله: ((نفخ)) بالخاء المعجمة أي: من خيشومه، وهو المعبر عنه بالغطيط. قوله: ((بت))، بكسر الباء الموحدة، من: بات ببيت وبيات بيتوتة. قوله: ((من شن)) بفتح الشين المعجمة وتشديد النون، وهو القربة الخلق، وكذلك الشنة وكأنها صغيرة، والجمع: أشنان. ويقال: الشن القربة التي قربت للبلى. قوله: ((فآذنه)) بالمد أي: أعلمه، من الإيذان، وهو الإعلام. بيان الإعراب: قوله: ((نام)) جملة في محل الرفع لأنها خبر: أن. قوله: ((حتى نفخ)) بمعنى: إلى أن نفخ. قوله: ((وربما) أصله للتعليل، وقد تستعمل للتكثير، وههنا يحتمل الأمرين. قوله: ((ثم حدثنا))، بفتح الثاء، جملة من الفعل والمفعول. وقوله: ((سفيان)) بالرفع فاعله. قوله: ((مرة)) نصب على أنه صفة لمصدر محذوف، أي: تحديثاً مرة. وقوله: ((بعد مرة) كلام إضافي صفة لقوله: مرة. قوله: ((ميمونة)) لا ينصرف للعلمية والتأنيث، وهو في موضع الجر لأنه عطف بيان عن قوله: ((خالتي)، وهو مجرور بالإضافة. قوله: ((ليلة))، نصب على الظرف. قوله: ((فقام النبي، عليه الصلاة والسلام، من الليل)) كلمة: من، هنا للابتداء، والمعنى: قام مبتدئاً من الليل. أو التقدير: قام من مضي زمن من الليل، هذا على رواية الأكثرين. قوله: ((فقام) بالقاف من القيام، وأما على رواية ابن السكن: فنام النبي عَِّ من الليل، بالنون من النوم، فكذلك للابتداء، ويجوز أن يكون بمعنى في، كما في قوله تعالى: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة﴾ [الجمعة: ٩] أي: في يوم الجمعة. والمعنى: فنام في بعض الليل، كما جاء في الرواية الأخرى: ((فنام رسول الله عَّلٍ حتى انتصف الليل أو قبله بقليل))، وقال القاضي عياض وآخرون: إن رواية ابن السكن هي الصواب لأن بعده: فلما كان في بعض الليل قام فتوضأ، وقال بعضهم: لا ينبغي الجزم بخطئها، لأن توجيهها ظاهر، وهو أن الفاء في قوله: ((فلما)) تفصيلية، فالجملة الثانية، وإن كان مضمونها مضمون الأولى، لكن المغايرة بينهما بالإجمال والتفصيل. قلت: الصواب ما استصوبه القاضي، وتوجه هذا القائل غير موجه لأنه ليس في مضمون الجملة الأولى إجمال، ولا في مضمون الثانية تفصيل، بل مضمون الجملة الأولى إخبار عن نوم النبي، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، في بعض الليل، ومضمون الجملة الثانية إخبار عن قيامه، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في بعض الليل، فإن أراد هذا القائل إجمال ما في قوله: من الليل، فكذلك الإجمال موجود في قوله: في بعض الليل، فكيف تكون الثانية تفصيلاً للأولى؟ فإذا تحقق هذا يلزم من رواية: ((فقام)) بالقاف التكرار في الكلام من غير فائدة، وعلى رواية: فنام، بالنون يسلم التركيب من هذا على ما لا يخفى، فعلى هذا i i i ٠٦ ٣٨٨ ٤ - كِتابُ الوضوء / باب (٥) تكون: الفاء في قوله: فلما كان، للعطف المحض، لا كما قاله هذا القائل: إنها تفصيلية. وقال الكرماني: قوله: فلما كان، أي: رسول الله عَ لّه، وتبعه بعضهم في شرحه على هذا التفسير. قلت: التركيب يسمح بهذا التفسير لا يخفى ذلك على من له ذوق، والأحسن أن يقال: التقدير: فلما كان بعض الليل قام رسول الله عَ ليه. فإن قلت: فعلى هذا تكون كلمة: في، زائدة، وهل جاز زيادتها في الكلام؟ قلت: نعم أجاز ذلك بعضهم حتى قال: التقدير في قوله تعالى: ﴿وقال ار کبوا فیھا﴾ [هود: ٤١] وقال ار کبوها، ويؤيد ما ذكرناه ما رواه الكشميهني: فلما كان من بعض الليل، بكلمة: من، عوض كلمة: في. ولا شك أن: من، على هذه الرواية زائدة، وكل منهما يأتي بمعنى الآخر كما ثبت في موضعه، ثم إعلم أن: کان، ههنا تامة بمعنى: وجد. وقوله: ((قام رسول الله عَل) جواب: لما. وقوله: ((فتوضأ)) عطف عليه. قوله: ((معلق))، بالجر صفة لقوله: ((شن)) على تأويل الشن بالجلد، وفي رواية: معلقة، بالتأنيث على ما يأتي بعد أبواب، على تأويل الشن بالقربة. قوله: ((وضوءاً) نصب على المصدرية. وقوله: ((خفيفاً) صفته. قوله: ((يخففه عمرو))، جملة من الفعل والمفعول والفاعل، و ((يقلله)) جملة مثلها، عطف عليها. فإن قلت: ما محلها من الإعراب؟ قلت: بالنصب على أنهما صفتان لقوله: خفيفاً. قوله: ((وقام)) عطف على قوله: فتوضأ. قوله: ((يصلي)) جملة في محل النصب على الحال من الضمير الذي في قام. قوله: ((فتوضأت)) عطف على قوله: فتوضأ. قوله: ((نحواً) نصب على أنه صفة لمصدر محذوف، أي: توضأ نحواً، وكلمة: ما، في قوله: مما توضأ يجوز أن تكون موصولة، وأن تكون مصدرية، وبقية الإعراب ظاهرة. بيان المعاني: قوله: ((وربما قال: اضطجع)) أي: وربما قال سفيان بن عيينة: اضطجع رسول الله عَّ حتى نفخ، بدل قوله: ((نام حتى نفخ)، وقال الكرماني: قال في هذه الرواية بدل: نام اضطجع، وزاد لفظة: قام، قلت: لفظة قام لا بد منها في الروايتين، ولا يحتاج إلى أن يقال: زاد لفظة: قام، لأن تقدير الرواية الأولى: نام حتى نفخ ثم قام فصلى، وتقدير الثانية: اضطجع حتى نفخ، ثم قام فصلى. وقال بعضهم: أي كان سفيان يقول تارة: نام، وتارة: اضطجع، وليسا مترادفين، بل بينهما عموم وخصوص من وجه، لكنه لم يرد إقامة أحدهما مقام الآخر، بل كان إذا روى الحديث مطولاً قال: اضطجع، فنام، وإذا اختصره قال: نام، أي: مضطجعاً، واضطجع أي نائماً. قلت: الاضطجاع في اللغة وضع الجنب بالأرض، ولكن المراد هنا النوم، فحينئذ يكون بين قوله: ((نام حتى نفخ))، وبين قوله: ((اضطجع حتى نفخ)) مساواة، فكيف يقول هذا القائل: وليسا مترادفين بل بينهما عموم وخصوص من وجه؟ وقوله: لم يرد إقامة أحدهما مقام الآخر غير صحيح، لأنه أطلق قوله: ((اضطجع))، على نام في قوله في إحدى الروايتين: اضطجع حتى نفخ لأن معناه: نام حتى نفخ. قوله: ((ثم حدثنا به سفيان)) يعني: قال علي بن المديني: ثم حدثنا بالحديث سفيان ابن عيينة، وأشار به إلى أنه كان يحدثهم به تارة مختصراً وتارة مطولاً. قوله: ((ميمونة)) هي: أم ٣٨٩ ٤ - كِتابُ الوضوء / باب (٥) المؤمنين بنت الحارث الهلالية، وأختها لبابة، بضم اللام وبالموحدتين، زوجة العباس عم النبي عَ له، أم عبد الله والفضل وغيرهما. قوله: ((يخففه عمرو ويقلله)) أي: عمرو بن دينار المذكور في السند، وهذا إدراج من سفيان بن عيينة بين ألفاظ ابن العباس، والفرق بين التخفيف والتقليل أن التخفيف يقابل التثقيل، وهو من باب الكيف؛ والتقليل يقابله التكثير، وهو من باب الكم. وقال ابن بطال: يريد بالتخفيف تمام غسل الأعضاء دون التكثير من إمرار اليد عليها، وذلك أدنى ما تجوز الصلاة به، وإنما خففه المحدث لعلمه بأن رسول الله عَ ليه كان يتوضأ ثلاثاً ثلاثاً للفضل، والمرة الواحدة بالإضافة إلى الثلاث تخفيف. وقال ابن المنير، يخففه، أي: لا يكثر الدلك، ويقلله، أي: لا يزيد على مرة مرة، ثم قال: وفيه دليل إيجاب الدلك، لأنه لو كان يمكن اختصاره لاختصر. قلت: فيه نظر، لأن قوله: يخففه، ينافي وجود الدلك، فكيف يكون فيه دليل على وجوبه؟ والمراد بالوضوء الخفيف أن يكون بين الوضوأين، وليس المراد منه ترك الإسباغ، بل الاكتفاء بالمرة الواحدة مع الإسباغ، وقد جاء في رواية أخرى في الوتر: فتوضأ فأحسن الوضوء. قوله: (فتوضأت نحواً مما توضأ) أراد أنه توضأ وضوءاً خفيفاً مثل وضوء النبي عَ له. وقال الكرماني: قال: نحواً، ولم يقل: مثلا، لأن حقيقة مماثلته عَّلَّه لا يقدر عليها غيره. قلت: يرد على ما ذكره ما ثبت في هذا الحديث على ما يأتي بعد أبواب ((فقمت فصنعت مثل ما صنع)). فعلم من ذلك أن المراد من قوله: نحواً: مثلاً، لأن الحديث واحد، والقضية واحدة، وبعض ألفاظه يفسر بعضها. قوله: ((فقمت عن يساره)) كلمة: عن، ههنا على معناها الموضوع لها، وهي المجاوزة. والمعنى: قمت مجاوزاً عن يساره، ولم يذكر البصريون لها معنى سوى معنى المجاوزة، ومع هذا يحتمل أن تكون ههنا لمعنى الظرفية، كما في قول الشاعر: واسرٍ سراة الحي حيث لقيتهم ولا تك عن حمل الرباعة وانيا والرباعة نجوم الجمالة. قوله: ((وربما قال سفيان: عن شماله))، هذا إدراج من علي بن المديني، والشمال، بكسر الشين: هي الجارحة، وهي خلاف اليمين، وبفتح الشين، الريح التي تهب من ناحية القطب، وهي خلاف الجنوب. قوله: (فآذنه)) أي: أعلمه، كما ذكرناه. وفي بعض النسخ: ((يؤذنه)) بلفظ المضارع بدون الفاء، وفي بعضها: ((فناداه بالصلاة)) قوله: ((فقام معه)) أي: قام المنادي مع النبي، عليه الصلاة والسلام، إلى الصلاة، ويجوز أن يقال: فقام النبي، عليه الصلاة والسلام، مع المنادي إلى الصلاة. وقال الكرماني: معه أي مع المنادي، أو مع الإيذان. قلت: قوله مع المنادي ترجيح بلا مرجح، وقوله: أو مع الإیذان، بعيد وإن كان له وجه. قوله: ((قلنا لعمرو)). أي: قال سفيان بن عيينة: قلنا لعمرو بن دينار. قوله: ((إن رسول الله، عليه الصلاة والسلام، تنام عينه ولا ينام قلبه)) حديث صحيح، وسيأتي من وجه آخر. ٠۵۵٠ i وجود ٣٩٠ ٤ - كِتابُ الوضوءِ / باب (٥) قوله: (عبيد بن عمير)) كلاهما بصيغة التصغير: ابن قتادة الليثي المكي، وعبيد هذا من كبار التابعين، وقيل: إنه رأى النبي، عليه الصلاة والسلام، وهو قاص أهل مكة. مات قبل ابن عمر، رضي الله عنهما، روى له الجماعة، وأبوه عمير بن قتادة من الصحابة، رضي الله عنهم. قوله: ((رؤيا الأنبياء وحي) رواه مسلم مرفوعاً: الرؤيا مصدر كالرجعى، تختص برؤيا المنام، كما اختص الرأي بالقلب، والرؤية بالعين. والاستدلال بالآية عليه من جهة أن الرؤيا لو لم تكن وحياً لما جاز لإبراهيم، عليه الصلاة والسلام، الإقدام على ذبح ولده، لأنه محرم، فلولا أنه أبيح له في الرؤيا بالوحي لما ارتكب الحرام. وقال الداودي: في شرحه قول عبيد بن عمير: لا تعلق له بهذا الباب. قلت: يريد بذلك أن التبويب على تخفيف الوضوء فقط، ولكن ذكر هذا لأجل أن مراده فيه هو نوم العين دون نوم القلب، ولم يلتزم البخاري أن لا يذكر من الحديث إلاّ ما يتعلق بالترجمة فقط، وهذا لم يشترطه أحد. بيان استنباط الأحكام: الأول: فيه أن نوم النبي عَّلِ مضطجعاً لا ينقض الوضوء، وكذا سائر الأنبياء، عليهم السلام، فيقظة قلبهم تمنعهم من الحدث، ولهذا قال عبيد بن عمير: رؤيا الأنبياء وحي. وقال الخطابي: إنما منع النوم من قلب النبي، عليه الصلاة والسلام، ليعي الوحي إذا أوحي إليه في المنام. فإن قلت: روي أنه توضأ بعد النوم. قلت: ذاك على اختلاف حاله في النوم، فربما كان يعلم أنه استثقل نوماً فاحتاج منه إلى الوضوء. الثاني: فيه جواز مبيت من لم يحتلم عند محرمه. الثالث: فيه مبيته عند الرجل مع أهله، وقد روى أنها كانت حائضاً. الرابع: فيه تواضعه، عليه الصلاة والسلام، وما كان عليه من مكارم الأخلاق. الخامس: فيه صلة القرابة. السادس: فيه فضل ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما. السابع: فيه الاقتداء بأفعاله، عليه الصلاة والسلام. الثامن: فيه جواز الإمامة في النافلة وصحة الجماعة فيها. التاسع: فيه جواز ائتمام واحد بواحد. العاشر: فيه جواز ائتمام صبي ببالغ، وعليه ترجم البيهقي في (سننه). الحادي عشر: فيه أن موقف المأموم الواحد عن يمين الإمام، وعن سعيد بن المسيب أن موقف الواحد مع الإمام عن يساره، وعن أحمد: إن وقف عن يساره بطلت صلاته. وقال ابن بطال: وهو رد على أبي حنيفة، في قوله: إن الإمام إذا صلى مع رجل واحد أنه يقوم خلفه لا عن يمينه وهو مخالف لفعل الشارع. قلت: هذا باطل وليس هو مذهب أبي حنيفة، وابن بطال جازف في كلامه، وقد قال صاحب (الهداية): ومن صلى مع واحد أقامه عن يمينه، لحديث ابن عباس، رضي الله عنهما: فإِنه، عليه الصلاة والسلام، صلى به وأقامه عن يمينه، ولا يتأخر عن الإمام وإن صلى خلفه، أو في يساره جاز وهو مسيء، لأنه خلاف السنة. هذا هو مذهب أبي حنيفة، فكيف شنع عليه ابن بطال مع إساءة الأدب على الإمام؟ الثاني عشر: فيه أن أقل الوضوء يجزىء إذا أسبغ، وهو مرة مرة. الثالث عشر: فيه تعليم الإمام المأموم. الرابع عشر: فيه التعليم في الصلاة إذا كان من أمرها. الخامس عشر: فيه إيذان الإمام بالصلاة. السادس عشر: فيه قيام الإمام مع المؤذن ٧ ٣٩١ ٤ - كِتابُ الوضوءِ / باب (٦) إذا آذنه. السابع عشر: فيه الجمع بين النوافل والفرض بوضوء واحد، ولا شك في جوازه. الثامن عشر: فيه أن النوم الخفيف لا يجب فيه الوضوء قاله الداودي في شرحه وفيه نظر لأنه، عليه السلام، اضطجع فنام حتى نفخ، وهذا لا يكون في الغالب خفيفاً. التاسع عشر: فيه الاضطجاع على الجنب بعد التهجد. العشرون: ما قيل إن تقدم المأموم على إمامه مبطل، لأن المنقول: أن الإدارة كانت من خلف رسول الله، عليه الصلاة والسلام، لا من قدامه، كما حكاه القاضي عياض عن تفسير محمد بن أبي حاتم، وفيه نظر لأنه يجوز أن تكون إدارته من خلفه لئلا يمر بين يديه، فإنه مكروه. الحادي والعشرون: فيه قيام الليل، وكان واجباً عليه عَّله، ثم نسخ على الأصح. الثاني والعشرون: فيه المبيت عند العالم ليراقب أفعاله فيقتدي بها. الثالث والعشرون: فيه طلب العلو في السند، فإنه كان يكتفي بأخبار خالته أم المؤمنين، رضي الله عنها. الرابع والعشرون: فيه أن النافلة كالفريضة في تحريم الكلام، لأنه عليه الصلاة والسلام لم يتكلم. الخامس والعشرون: فيه أن من الأدب أن يمشي الصغير عن يمين الكبير، والمفضول عن يمين الفاضل، ذكره الخطابي. السادس والعشرون: فيه جواز فتل أذن الصغير للتنبيه على التعليم والإرشاد. ولم يذكر في الحديث المذكور في هذه الرواية كيفية التحويل، وقد اختلف فيه روايات (الصحيح)، ففي بعضها: ((أخذ برأسه فجعله عن يمينه))، وفي بعضها: ((فوضع يده اليمنى على رأسي، فأخذ بأذني اليمنى ففتلها)). في بعضها: ((فأخذ برأسي من ورائي))، وفي بعضها: ((بيدي أو عضدي))، والرواية الثانية جامعة لهذه الروايات. ٦ - بابُ إِسْباغ الوُضُوءِ i أي: هذا باب في بيان إسباغ الوضوء، والإسباغ مصدر أسبغ، وثلاثيه من سبغت النعمة تسبغ سبوغاً، أي: اتسعت. وقال الليث: كل شيء طال إلى الأرض فهو سابغ، وأسبغ الله عليه النعمة: أتمها. قال الله تعالى: ﴿وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة﴾ [لقمان: ٢٠] وإسباع الوضوء: إبلاغه مواضعه وإيفاء كل عضو حقه، والتركيب يدل على تمام الشيء و کماله. وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول تخفيف الوضوء، والمذكور في هذا الباب ما يقابله صورة، وإن كان لا بد في التخفيف من الإسباغ أيضاً كما ذ کرناه. وقالَ ابنُ عُمَرَ رضي الله عنهما: إِسْباعُ الوضُوءِ الإِنْقَاءُ هذا تعليق أخرجه عبد الرزاق في (مصنفه) موصولاً بإسناد صحيح، وأشار به إلى أن عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، فسر الإسباغ بالإنقاء. فإن قلت: قد مر أن الإسباغ في اللغة الإتمام والاتساع. قلت: هذا من باب تفسير الشيء بلازمه، إذ الإتمام يستلزم الإنقاء عادة i رة ٠۵٠٠ ١٠٠ ٣٩٢ ٤ - كِتابُ الوضوء / باب (٦) والدليل عليه ما رواه ابن المنذر بإسناد صحيح أن ابن عمر، رضي الله عنهما، كان يغسل رجليه في الوضوء سبع مرات، فإنه كان يقصد بذلك الإنقاء. فإن قلت: لِمَ اقتصر في ذلك على الرجلين؟ قلت: لأنهما محل الأوساخ غالباً لاعتيادهم المشيء حفاة، بخلاف بقية الأعضاء. فإن قلت: ما وجه ذلك، وقد مر أن الزيادة على الثلاث ظلم وتعد؟ قلت: قد ذكرنا أن وجه ذلك فيمن لم ير الثلاث سنة، وأما إذا رآها وزاد على أنه من باب الوضوء على الوضوء يكون نوراً على نور. ١٣٩/٥ - حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عَنْ مؤْسَى بنِ عُقبةَ عَنْ كُرِيبٍ مَوْلَى ابنِ عَبَّاسٍ عنْ أَسَامَةَ بنِ زَيْدٍ، رضي الله عنهما، أنَّهُ سمِعَهُ يَقُولُ: دَفَعَ رسولُ اللَّهِ عَ لَه مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى إذا كانَ بالشِّعْبِ نَزَلَ فَبَال ثُمَّ تَوَضَّأَ وَلَمْ يُشْبِغِ الوُضُوءِ، فَقُلْتُ: الصَّلاةَ يا رسولَ اللَّهِ! فقالَ: ((الصَّلاةُ أمامَكَ)) فَرَكِبَ فَلَمَّا جاءَ المُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوضاً فَأَسْبَغَ الوُضُوءَ، ثم أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَصَلَّى المَغْرِبْ ثم أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بِعِيرَةُ في مَنْزِلِهِ، ثم أُقِيمَتِ العِشَاءُ فَصَلَّى وَلَمْ يُصَلّ بَيْنَهمًا. [الحديث ١٣٩ - أطرافه في: ١٨١، ١٦٦٧، ١٦٦٩، ١٦٧٢]. مطابقة الحديث للترجمة في قوله: ((فتوضأ وأسبغ الوضوء)). فإن قلت: المذكور فيه شيئان: الإسباغ وتركه، فما المرجح في تبويب الترجمة على الإسباغ؟ قلت: لأنه بوب الباب السابق في تخفيف الوضوء، فتعين أن يكون الباب الذي يتلوه في الإسباغ. بيان رجاله: وهم خمسة: الأول: عبد الله بن مسلمة، بفتح الميمين وسكون السين المهملة: القعنبي، وقد مر. الثاني: الإمام مالك، رحمه الله. الثالث: موسى بن عقبة بن أبي عياش أبو محمد المدني، مولى الزبير بن العوام، ويقال: مولى أم خالد زوجة الزبير القريشي، أخو محمد وإبراهيم أكبر من موسى، روى عن كريب وأم خالد الصحابية وغيرهما، وعنه مالك والسفيانان وغيرهم، وكان من المفتين الثقات، مات سنة إحدى وأربعين ومائة، ومغازيه أصح المغازي كما قاله مالك وغيره، وليس في الكتب الستة من اسمه موسى بن عقبة غيره. الرابع: كريب، وقد تقدم عن قريب. الخامس: أسامة، بضم الهمزة: ابن زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي المدني، الحب ابن الحب، وكان نقش خاتمه: حب رسول الله عَ لله، وكان مولى النبي، عليه الصلاة والسلام، وابن حاضنته ومولاته أم أيمن، استعمله رسول الله عَ ه وهو ابن ثماني عشرة سنة، وقبض النبي، عليه الصلاة والسلام، وهو ابن عشرين، روي له مائة حديث وثمانية وعشرون حديثاً، اتفقا على خمسة عشر حديثاً، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بحديثين. مات بوادي القرى سنة أربع وخمسين على الأصح وهو ابن خمس وخمسين، وذكر الله أباه زيداً في القرآن باسمه. وأسامة بن زيد ستة: أحدهم هذا، وليس في الصحابة من اسمه أسامة بن زيد سواه، وإن كان فيهم من اسمه أسامة. الثاني: تنوخي روى عن زيد بن أسلم وغيره. الثالث: ليثي روى عن نافع وغيره. الرابع: مدني، مولى عمر بن الخطاب، ضعيف. الخامس: كلبي، روى عن زهير بن معاوية وغيره. <2> السادس: شيرازي، روى عن أبي حامد الفضلي. ٠٠٠ .-. ١٣٩٠ ٣٩٣ ٤ - كِتابُ الوضوءِ / باب (٦) بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والعنعنة والسماع. ومنها: أن رجاله كلهم مدنيون. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي موسى عن كريب. ومنها: أن رجاله كلهم من رجال الكتب الستة إلا عبد الله بن مسلمة فإن ابن ماجه لم يخرج له. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في(الحج) عن عبد الله بن يوسف عن مالك به، وعن مسدد عن حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن موسى بن عقبة عن كريب، وفي (الطهارة) أيضاً عن محمد بن سلام عن يزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد به. وأخرجه مسلم في(الحج) عن یحیی بن یحیی عن مالك به، وعن محمد بن رمح عن ليث بن سعد عن يحيى بن سعيد به، وعن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب، كلاهما عن ابن المبارك، وعن إسحاق عن يحيى بن آدم عن زهير كلاهما عن إبراهيم بن عقبة، وعن إسحاق عن وكيع عن سفيان عن محمد بن عقبة، كلاهما عن كريب به. وأخرجه أبو داود في(الحج) عن القعنبي به. وأخرجه النسائي في(الحج) عن محمود بن غيلان عن و کیع عن سفيان عن إبراهيم بن عقبة به، وعن أحمد بن سليمان عن يزيد بن هارون به، وعن قتيبة عن مالك به، وعن قتيبة عن حماد بن زيد عن إبراهيم بن عقبة به مختصراً. بيان اللغات: قوله: ((دفع من عرفة)) أي: أفاض منها، يقال: دفع السيل من الجبل، إذا انصب منه، ودفعت إليه شيئاً أدفعه دفعاً، ودفعت الرجل. قال الله تعالى: ﴿لولا دفع الله الناس﴾ [البقرة: ٢٥١] ودفعت عنه الأذى، واندفعوا في الحديث أو الإنشاد: أفاضوا فيه، والاندفاع مطاوع الدفع، وتدافع القوم في الحرب أي: دفع بعضهم بعضاً. قال الصغاني: التركيب يدل على تنحية الشيء. قوله: ((من عرفة)) على وزن فعلة، اسم للزمان وهو اليوم التاسع من ذي الحجة، وهذا هو الصحيح، وقيل: عرفة وعرفات: كلاهما اسمان للمكان المخصوص، وقال الصغاني: ويوم عرفة التاسع من ذي الحجة، وتقول: هذا يوم عرفة غير منون ولا تدخلها الألف واللام: وعرفات: الموضع الذي يقف الحاج به يوم عرفة، قال الله تعالى: ﴿فإذا أفضم من عرفات﴾ [البقرة: ١٩٨] وهي اسم في لفظ الجمع فلا تجمع. قال الفراء: لا واحد لها، وقول الناس: نزلنا عرفة شبيه بمولد وليس بعربى محض، سميت به لأن آدم عرف حواء بها، فإن الله تعالى أهبط آدم بالهند وحواء بجدة فتعارفا في الموقف، أو لأن جبريل، عليه الصلاة والسلام، عرف إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، المناسك هناك، أو للجبال التي فيها، والجبال التي هي الأعراف، وكل باب فهو عرف، ومنه عرف الديك، أو لأن الناس يعترفون فيها بذنوبهم ويسألون غفرانها، وقيل: لأنها مكان مقدس معظم كأنه قد عرف أي طيب. قوله: ((بالشعب))، بكسر الشين المعجمة وسكون العين المهملة: وهو الطريق في الجبل، والمراد به الشعب المعهود للحجاج. قوله: ((المزدلفة))، هي موضع مخصوص بين عرفات ومنى، وقيل: سميت بها لأن الحجاج يزدلفون فيها إلى الله تعالى، أي: يتقربون بالوقوف فيها إليه، ويسمى أيضاً جمعاً لأن آدم اجتمع فيها مع حواء، عليهما السلام، وازدلف إليها أي: دنا، فلذلك سميت مزدلفة أيضاً، وعن قتادة: لأنه يجمع فيها بين الصلاتين. قلت: i ١ i ١ i ٣٩٤ ٤ - كِتابُ الوضوء / باب (٦) المزدلفة، وهو التقرب أو الاجتماع، فمن الأول قوله تعالى: ﴿وازلفت الجنة للمتقين﴾ [الشعراء: ٩٠، ق: ٣١] أي قربت، ومن الثاني: قوله تعالى: ﴿وأزلفنا ثم الآخرين﴾ [الشعراء: ٦٤] أي: جمعناهم، ولذلك قيل لها: جمع. بيان الإعراب: قوله: ((سمعه)) جملة في محل الرفع لأنها خبر: ان، قوله: ((يقول)) جملة في محل النصب على الحال. قوله: ((دفع رسول الله عَّ)) مقول القول. قوله: ((حتى إذا كان بالشعب)) كلمة: حتى، هذه ابتدائية، أعني: حرفاً يبتدأ بعده الجملة سواء كانت إسمية أو فعلية، ويجوز أن تكون جارة على ما نقل عن الأخفش في قوله: ﴿حتى إذا فشلتم﴾ [آل عمران: ١٥٢] فعلى هذا قوله: إذا، في محل الجر بها، وعلى الأول يكون موضعها النصب، والعامل فيه قوله: ((نزل) و: الباء، في: بالشعب، ظرفية. قوله: (فبال)) عطف على: ((نزل)) قوله: ((فقلت: الصلاة)) بالنصب واختلفوا في الناصب، فقال القاضي: على الإغراء، وقيل: على تقدير: أتريد الصلاة؟ ويؤيده قوله في رواية تأتي: ((فقلت: أتصلي يا رسول الله؟)) يعني: أتريد الصلاة. قلت: الأولى أن يقدر: فصلي الصلاة يا رسول الله، ويجوز فيه الرفع على تقدير: حانت الصلاة أو حضرت. قوله: ((الصلاة أمامك)) برفع الصلاة على الابتداء وخبره: أمامك. قوله: ((المزدلفة) بالنصب لأنه مفعول: جاء، وفي الأصل: جاء إلى المزدلفة وقوله: ((نزل) جواب: لما. بيان المعاني قوله: ((دفع رسول الله صَّةٍ)) من عرفة أي: رجع في وقوف عرفة بعرفات لأنا قلنا: إن عرفة اسم اليوم التاسع من ذي الحجة، فحينئذ يكون المضاف فيه محذوفاً، وعلى قول من يقول: إن عرفة اسم للمكان أيضاً لا حاجة إلى التقدير، وقد مر أنه لغة بلدية. قوله: ((ولم يسبغ الوضوء) أي: خففه، ويؤيده ما جاء في رواية مسلم: ((فتوضأ وضوءاً خفيفاً) ويقال: معناه لم يكمله، يعني: توضأ مرة مرة، لكن بالإسباغ. وقيل: معناه خفف استعمال الماء بالنسبة إلى غالب عاداته. وقيل: المراد به الوضوء اللغوي، أي: اقتصر على بعض الأعضاء وهو بعيد، وأبعد منه ما قيل: إن المراد به الاستنجاء، كما قال عيسى بن دينار وجماعة، ومما يوهنه رواية البخاري الآتية في باب: الرجل يوضىء صاحبه، أنه، عليه الصلاة والسلام، عدل إلى الشعب فقضى حاجته، فجعلت أصب الماء عليه، ويتوضأ. ولا يجوز أن يصب أسامة عليه إلاَّ وضوء الصلاة، لأنه كان لا يقرب منه أحد وهو على حاجته، وأيضاً فقد قال أسامة عقيب ذلك: ((الصلاة يا رسول الله))، ومحال أن يقول له الصلاة ولم يتوضأ وضوء الصلاة، وأبعد من قال: إنما لم يسبغه لأنه لم يرد أن يصلي به، ففعله ليكون مستصحباً للطهارة في مسيرة، فإنه كان في عامة أحواله على طهر، وقال أبو الزناد: إنما لم يسبغه ليذكر الله لأنهم يكثرون منه عشية الدفع من عرفة، وقال غيره: إنما فعله لإعجاله الدفع إلى المزدلفة، فأراد أن يتوضأ وضوءاً يرفع به الحدث، لأنه، عليه الصلاة والسلام، كان لا يبقى بغير طهارة. وكذا قال الخطابي: إنما ترك إسباغه حتى نزل الشعب ليكون مستصحباً للطهارة في طريقه، ويجوز فيه لأنه لم يرد أن يصلي به، فلما نزل وأرادها أسبغه. ٠٠+. ٠٠٠, ٠٣٠ ٠٠٠ ٣٩٥ ٤ - كِتابُ الوضوء / باب (٦) قوله: ((الصلاة أمامك)) بفتح الهمزة أي: قدامك، وقال الخطابي: يريد أن موضع هذه الصلاة المزدلفة وهي أمامك، وهذا تخصيص لعموم الأوقات المؤقتة للصلوات الخمس لبيان فعل النبي عَّ له، وفيه دليل على أنه لا يصليها الحاج إذا أفاض من عرفة حتى يبلغها، وأن عليه أن يجمع بينها وبين العشاء بجمع على ما سنه الرسول، عليه الصلاة والسلام، بفعله وبينه بقوله: ولو أجزأته في غير المكان لما أخرها عن وقتها المؤقت لها في سائر الأيام. وقال الكرماني: ليس فيه دليل على أنه لا يجوز، إذ فعله المجرد لا يدل إلاّ على الندب، وملازمة الشرطية في قوله: لما أخرها، ممنوعة لأن ذلك لبيان جواز تأخيرها، أو بيان ندبية التأخير إذ الأصل عدم الجواز. قلت: لا نسلم نفي الدليل على عدم الجواز، لأن فعله قارنه قوله، فدل على عدم الجواز، وإنما يمشي كلامه أن لو كان أسامة عالماً بالسنة، ولم يكن يعلم ذلك لأنه، عليه الصلاة والسلام، أول من سنها في حجة الوداع، والموضع موضع الحاجة إلى البيان، فِقران فعله بقوله دليل على عدم الجواز، ووجوب تأخيرها إلى غير وقتها المعهود، والله أعلم. فإن قلت: ((الصلاة أمامك))، قضية حملية، فكيف يصح هذا الحمل لأن الصلاة ليست بأمام؟ قلت: المضاف فيه محذوف، تقديره: وقت الصلاة أمامك، إذ نفسها لا توجد قبل إيجادها، وعند إيجادها لا تكون أمامه. وقيل: معناه المصلى أمامك. أي: مكان الصلاة، فيكون من قبيل ذكر الحال وإرادة المحل، وهو أعم من أن يكون مكاناً أو زماناً. قوله: ((ثم أناخ كل إنسان بعيره)) كأنهم فعلوا ذلك خشية ما يحصل منها من التشويش بقيامها. قوله: ((ثم أقيمت العشاء)»، بكسر العين وبالمد: والمراد به صلاة العشاء وهي التي وقتها من غروب الشفق إلى طلوع الفجر الصادق، وهو في اللغة من صلاة المغرب إلى العتمة، وقيل: من الزوال إلى الطلوع. بيان استنباط الأحكام: الأول: فيه دليل لأبي حنيفة ومحمد بن الحسن فيما ذهبا إليه من وجوب تأخير صلاة المغرب إلى وقت العشاء، حتى لو صلى المغرب في الطريق لم يجز، وعليه إعادتها ما لم يطلع الفجر، وبه قال زفر وجماعة من الكوفيين. وقال مالك: لا يجوز أن يصليها قبلها إلاَّ من به أو بدابته عذر، فله أن يصليها قبلها بشرط كونه بعد مغيب الشفق، وحكى ابن التين عن (المدونة) أنه: يعيد إذا صلى المغرب قبل أن يأتي المزدلفة، أو جمع بينها وبين العشاء بعد مغيب الشفق، وقبل أن يأتيها. وعن أشهب المنع إلاَّ أن يكون صلى قبل مغيب الشفق، فيعيد العشاء بعدها أبداً، وبئس ما صنع. وقيل: يعيد الأخيرة فقط. وقال في (المعونة): إن صلى المغرب بعرفة في وقتها فقد ترك الاختيار والسنة، ويجزيه خلافاً لأبي حنيفة. وقال أشهب: وإذا أسرع فوصل المزدلفة قبل مغيب الشفق جمع، وخالفه ابن القاسم فقال: لا يجمع حتى يغيب. وقالت الشافعية: لو جمع بينهما في وقت المغرب في أرض عرفات، أو في الطريق، أو في موضع آخر، وصلى كل صلاة في وقتها جاز جميع ذلك، وإن خالف الأفضل، وبه قال جماعة من الصحابة والتابعين، وقال به الأوزاعي وأبو i ١ i i ٣٩٦ ٤ _ كِتابُ الوضوءِ / باب (٦) يوسف وأشهب وفقهاء أصحاب الحديث. الثاني: فيه عدم وجوب الموالاة في جمع التأخير فإنه وقع الفصل بينها بإناخة كل إنسان بعيره في منزله. الثالث: فيه الإقامة لكل من صلاتي الجمع، وهو مذهب عبد الرحمن بن يزيد والأسود ومالك والشافعي وأحمد، وقال القاضي عياض: وهو مذهب عمر بن الخطاب وابن مسعود، رضي الله عنهما. وقال ابن القاسم عن مالك: كل صلاة إلى الأئمة أذان وإقامة. وقال أحمد بن خالد: أعجب من مالك، أخذ في هذا بحديث ابن مسعود ولم يروه وترك ما روى. وقال سعيد بن جبير والثوري وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: بأذان واحد وإقامة واحدة لهما. وهو المروي عن جابر وعبد الله بن عمر وأبي أيوب الأنصاري. قلت: لم يذكر في الحديث المذكور الأذان، والصحيح عند الشافعية أنه يؤذن للأولى، وبه قال أحمد وأبو ثور وعبد الملك بن الماجشون المالكي، وهو مذهب الطحاوي. وللشافعي وأحمد قول: إنه يصلي كل واحدة بإقامة بلا أذان، وهو محكي عن القاسم بن محمد وسالم، وعن كل واحد من مالك والشافعي وأحمد: أنه يصلي بأذانين. الرابع: فيه تنبيه المفضول الفاضل إذا خاف عليه النسيان لما كان فيه من الشغل لقول أسامة: (الصلاة يا رسول الله)). الخامس: في قوله: ((فتوضأ فأسبغ الوضوء)) إن الوضوء عبادة وإن لم يصل به، يعني بالأول، نبه عليه الخطابي، وقد قالت جماعة: من توضأ ثم أراد أن يجدد وضوءه قبل أن يصلي ليس له ذلك، لأنه لم يوقع به عبادة، ويكون كمن زاد على ثلاث في وضوء واحد، وهذا هو الأصح عند الشافعية. قالوا: ولا يسن تجديده إلاّ إذا صلى بالأولى صلاة، فرضاً كانت أو نفلاً، قلت: استدلال الخطابي بالحديث المذكور على ما ادعاه غير تام لا يخفى ذلك. السادس: فيه أنهم صلوا قبل حط رحالهم، وقد جاء مصرحاً به في رواية أخرى في الصحيح، وعن مالك: يبدأ بالصلاة قبل حط الرواحل. وقال أشهب: له أن يحط رحله قبل أن يصلي وبعد المغرب أحب إلي ما لم تكن دابته معقلة، ولا يتعشى قبل المغرب وإن خفف عشاءه، ولا يتعشى بعدها وإن كان عشاؤه خفيفاً وإن طال فبعد العشاء أحب إلي. السابع: فيه ترك النافلة في السفر، كذا استنبطه المهلب من قوله: ((ولم يصل بينهما))، وكذلك قال ابن عمر، رضي الله عنهما: لو كنت مسبحاً لأتممت. وقال غيره: لا دلالة فيه، لأن الوقت بين الصلاتين لا يتسع لذلك. ألا ترى أن بعضهم قال: لا يحطون رواحلهم تلك الليلة حتى يجمعوا، ومنهم من قال: يحط بعد الأولى مع ما في ترك الرواحل ما وقى ما نهى عنه، ولم يتابع ابن عمر، رضي الله عنهما، على قوله، والفقهاء متفقون على اختيار التنفل في السفر، وقال ابن بطال: وقد تنفل رسول الله عَّلم راجلاً وراكباً. الثامن: استدل به القرطبي على جواز التنفل بين صلاتي الجمع، قال: وهو قول ابن وهب. قال: وخالفه بقية أصحابنا فمنعوه. قلت: الحديث نص على أنه لم يصل بينهما، ولعله أخذه من إناخة البعير بينهما، ومذهب الشافعية أنه جائز في جمع التأخير، ممتنع في جمع التقديم، ومذهب الحنفية المنع من التطوع بينهما، لأنه يخل بالجمع، ولو تطوع أو تشاغل بشيء أعاد الإقامة لوقوع الفصل. نص عليه في (الهداية). التاسع: فيه الدفع من عرفة إلى مزدلفة راكباً. العاشر: قال الداودي: مر ,١,٠٣٠ ١٣ ٣٩٧ ٤ - كِتابُ الوضوءِ / باب (٧) فيه الاستنجاء من البول لغير صلاة تنظفاً وقطعاً لمادته. قلت: كأنه حمل الوضوء الأول فيه على الاستنجاء، وقد رددنا عليه ذلك. الحادي عشر: فيه إشتراك وقت المغرب والعشاء في الجمع خاصة، وكذا وقت الظهر والعصر في عرفة خاصة، وليس ذلك في غيرهما. فإن قلت: ما السبب في جمع التأخير بمزدلفة؟ قلت: السفر عند الشافعية، ولهذا لا يجمع المزدلفي، والنسك عند الحنفية فلهذا يجمع المزدلفي، والله أعلم. الثاني عشر: استدل به الشافعية على أن الفوائت لا يؤذن لها، لكن يقام. قلت: هذا الاستدلال غير تام لأن تأخير المغرب إلى العشاء ليس بقضاء وإنما هو أداء لأن وقته قد تحول إلى وقت العشاء لأجل العذر المرخص، فكيف يصح القياس عليه فيما ذكره؟ والله أعلم. الثالث عشر: قال ابن بطال: فيه أن يسير العمل إذا تخلل بين الصلاتين غير قاطع نظام الجمع بينهما، لقوله: ثم أناخ، ولكنه لا يتكلم. قلت: ليس فيه ما يدل على عدم جواز التكلم بينهما، ولا ما يدل على عدم قطع اليسير، وعلى قطع الكثير، بل يدل على عدم القطع مطلقاً يسيراً أو كثيراً. ٧ - بابُ غَسْلِ الوَجْهِ باليَدَيْنِ مِنْ غَزْفَةٍ واحِدَةٍ أي: هذا باب في بيان غسل الوجه إلى آخره، والغرفة: بالفتح، بمعنى المصدر، وبالضم بمعنى المغروف، وهي ملء الكف. وقرأ أبو عمرو ﴿إلا من اغترف غرفة﴾ [البقرة: ٢٤٩] بفتحها. وفي (العباب): غرفت الماء بيدي غرفاً، فالغرفة المرة الواحدة، والغرفة، بالضم، اسم للمفعول منه، لأنك ما لم تغرفه لا تسميه غرفة، وقرأ ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو: ﴿إلا من اغترف غرفة﴾ [البقرة: ٢٤٩] بالفتح والباقون بالضم، وجمع المضمومة: غراف، كنطفة ونطاف. والغرفة بالضم أيضاً: العلية، والجمع: غرفات وغرف، والغرفة أيضاً الخصلة من الشعر، والحبل المعقود بالشوطة أيضاً. انتهى. ويحكى أن أبا عمرو تطلب شاهداً على قراءته من أشعار العرب، فلما طلبه الحجاج هرب منه إلى اليمن، فخرج ذات يوم فإذا هو برا کب ینشد قول أمية بن الصلت: ربما تكره النفوس من الأمـ ـرله فرجة كحل العقال قال: فقلت له: ما الخبر، قال: مات الحجاج. قال أبو عمرو: فلا أدري بأي الأمرين كان فرحي أكثر بموت الحجاج أو بقوله فرجة، لأنه شاهد لقراءته، أي كما أن مفتوح الفرجة هنا بمعنى المنفرج، كذا مفتوح الغرفة بمعنى المغروف، فقراءة الضم والفتح يتطابقان. فإن قلت: ما المراد من هذه الترجمة؟ قلت: التنبيه على عدم اشتراط الاغتراف باليدين جميعاً، فإن ابن عباس، رضي الله عنهما، لما توضأ كوضوء النبي عَ لّه أخذ غرفة من الماء بيده الواحدة، ثم ضم إليها يده الأخرى، ثم غسل بتلك الغرفة وجهه على ما يأتي الآن، إن شاء الله تعالى. فإن قلت: ما وجه المناسبة بين البابين؟ قلت: المناسبة بين البابين المذكورين، وبين 140% IML i i i i i ٣٩٨ ٤ - كِتابُ الوضوء / باب (٧) أكثر أبواب كتاب الوضوء غير ظاهرة، ولذلك قال الكرماني: فإن قلت: ما وجه الترتيب لهذه الأبواب، وأشار به إلى الأبواب المذكورة ههنا، ثم قال في باب التسمية: إذ التسمية إنما هي قبل غسل الوجه لا بعده، ثم إن توسط أمر الخلاء بين أبواب الوضوء لا يناسب ما عليه الوجوه، ثم أجاب عن ذلك بقوله: قلت: البخاري لا يراعي حسن الترتيب، وجملة قصده إنما هو في نقل الحديث وما يتعلق بتصحيحه لا غير، ونعم المقصد. انتهى. قلت: لا نسلم أن جملة قصده نقل الحديث وما يتعلق بتصحيحه فقط، بل معظم قصده ذلك مع سرده في أبواب مخصوصة، ولهذا بوب الأبواب على تراجم معينة، حتى وقع منه تكرار كثير لأجل ذلك، فإذا كان الأمر كذلك ينبغي أن تتطلب وجوه المناسبات بين الأبواب، وإن كانت غير ظاهرة بحسب الظاهر، فنقول، وجه المناسبة بين البابين المذكورين من حيث إن من جملة المذكور في الباب الأول بعض وصف وضوء النبي عَّة، وفي هذا الباب المذكور أيضاً وصف وضوء النبي عَّ له. فإن ابن عباس، رضي الله عنهما، لما توضأ على الوجه المذكور في الباب، قال: هكذا رأيت النبي عَلَّه يتوضأ فهذا المقدار من الوجه كاف على أن المناسبة العامة موجودة بين الأبواب كلها لكونها من واد واحد، ثم توجيه المناسبات الخاصة إنما يكون بقدر الإدراك. ١٤٠/٦ - حدّثنا مُحمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّحِيم قال: أخبرنَا أَبُو سَلَمَة الخُزَاعِيُّ مَنْصُورُ بنُ سَلَمَةَ قال: أخبرنا ابنُّ بِلالٍ - يَغْنِي: سُلَيْمانَ - عَنْ زَيْدِ بن أسْلَمَ عَنْ عَطاءَ بنِ يَسارٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسِ أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ، أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ ماءٍ فَمَضْمَضَ بِها واسْتَنْشَقَ، ثم أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ ماءٍ فَجَعَلَ بِها هكَذَا أضافَها إلى يَدِهِ الأُخْرَى فَغَسَلَ بِها وجْهَهُ ثم أخَذَ غَرْفَةً مِنْ ماءٍ فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ الهُمْنَى ثم أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ ماءٍ فَغَسَلَ بِها يَدَهُ الْيُشْرَى ثم مَسَحَ بِرَأْسِهِ ثم أخَذَ غَرْفَةً مِنْ ماءٍ فَرَشَّ عَلَى رِجْلِهِ اليُمْنَى حَتَّى غَسَلَها، ثمَّ أَخَذَ غَرْفَةٌ أُخْرَى فَغَسَلَ بِهَا رِجْلَهُ، يَغْنِي الْيُشْرَى، ثُمَّ قالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رسولَ اللَّهِ عَ لَّهِ يَتَوَضَّأُ. مطابقة الحديث للترجمة في قوله: ((ثم أخذ غرفة فجعل بها هكذا أضافها إلى يده الأخرى فغسل بها وجهه)). بيان رجاله: وهم ستة. الأول: محمد بن عبد الرحيم بن أبي زهير، أبو يحيى البغدادي المعروف بصاعقة، لقب بذلك لسرعة حفظه وشدة ضبطه، روى عن يزيد بن هارون وروح وطبقتهما، وعنه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وأبو حامد والمحاملي وآخرون، وكان بزازاً، مات سنة خمس وخمسين ومائتين. الثاني: أبو سلمة، بفتح السين المهملة: منصور بن سلمة الخزاعي البغدادي الحافظ، روى عن مالك وغيره، وعنه الصغاني وغيره، خرج إلى الثغر فمات بالمصيصة سنة عشرين ومائتين، وقيل: ستة عشر، وقيل: سنة سبع أو تسع ومائتين. الثالث: سليمان بن بلال: أبو محمد المدني، وقد مر في: باب أمور الإيمان. الرابع: زيد بن أسلم، وقد مر. الخامس: عطاء بن يسار، وقد مر. السادس: عبد الله بن عباس، رضي الله عنهما. ١٠ ٣٩٩ ٤ - كِتابُ الوضوءِ / باب (٧) بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي: يزيد عن عطاء. ومنها: أن رواته ما بين بغدادي ومدني. ومنها: أن فيه تفسيراً لبعض الرواة المجمل، وهو قوله: يعني سليمان، وهو يحتمل أن يكون كلام البخاري، ويحتمل أن يكون كلام شيخه محمد بن عبد الرحيم، وهذا الحديث مما شاهده ابن عباس، رضي الله عنهما، من رسول الله عَّدٍ وهي معدودة. قال الداودي: الذي صح مما سمع من النبي، عليه الصلاة والسلام، إثنا عشر حديثاً، وحكى غيره عن غندر عشرة أحاديث، وعن يحيى القطان وأبي داود تسعة، ووقع في (المستصفى) للغزالي أن ابن عباس، مع كثرة روايته، قيل: إنه لم يسمع من النبي، عليه الصلاة والسلام، إلا أربعة أحاديث لصغر سنه، وصرح بذلك في حديث: إنما الربا فيه النسيئة. وقال: حدثني به أسامة بن زيد، ولما روى حديث قطع التلبية حين رمى جمرة العقبة، قال: حدثني به أخي الفضل. جوة. بيان من أخرجه غيره: أخرجه أبو داود أيضاً في (الطهارة) عن عثمان بن أبي شيبة عن محمد بن بشر عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، قال: قال لنا ابن عباس: ((أتحبون أن أريكم كيف كان رسول الله عَ ليه يتوضأ، فدعى بإناء فيه ماء فاغترف غرفة ... )) وذكر الحديث نحوه بطوله. وأخرجه النسائي فيه عن الهيثم بن أيوب الطلقاني، وقتيبة بن سعيد، كلاهما عن عبد العزيز بن الدراوردي، وعن مجاهد بن موسى عن عبد الله بن إدريس عن أبي عجلان، كلاهما عن زيد بن أسلم نحوه، وحديث ابن عجلان أتم، وعن هناد بن السري عن ابن إدريس ببعضه: ((فمسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما)). وأخرجه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن ابن إدريس بمثل حديث هناد، وعن عبد الله بن الجراح وأبي بكر بن خلاد، كلاهما عن الدراوردي، ببعضه: ((مضمض واستنشق من غرفة واحدة)). وهذا الحديث انفرد به البخاري عن مسلم، ولم يخرج مسلم عن ابن عباس في صفة الوضوء شيئاً. بيان اللغات: قوله: ((فتمضمض)) من المضمضة، وهي تحريك الماء في الفم. وقال ابن سيده: مضمض وتمضمض وكماله أن يجعل الماء في فيه ثم يديره ويمجه، وأقله أن يجعل الماء في فيه ولا يشترط، إدارته على مشهور مذهب الشافعي. وقال جماعة من أصحابه: يشترط، وأصل المضمضة التحريك، ومنه مضمض النعاس في عينيه إذا تحرك، واستعمل في المضمضة لتحريك الماء في الفم. قوله: ((واستنشق)) من الاستنشاق، وهو إدخال الماء في الأنف. وقال ابن طريف: نثر الماء من أنفه دفعه. وقال ابن سيده: استنشق الماء في أنفه: صبه في أنفه. وقال في (الغريبين) يستنشق أي: يبلغ الماء خياشيمه. وذكر ابن الأعرابي وابن قتيبة: الاستنشاق والاستنثار واحد، وقال ابن سيده: يقال استنثر إذا استنشق الماء فى أنفه وصبه منه، وفي (جامع) القزاز: نثرت الشيء أنثره وأنثره نثراً إذا بددته، فأنت ناثر، والشيء منثور، والمتوضى يستنشق إذا جذب الماء بريح أنفه ثم يستنثره. وفي (العباب) استنشقت الماء وغيره إذا أدخلته في الأنف، واستنشقت الريح إذا شممتها، والتركيب يدل على نشوب i i i i. / ٤٠٠ ٤ - كِتابُ الوضوءِ / باب (٧) شيء في شي، والمنشق: الأنف، ونشقت منه ريحاً طيبة، بالكسر، أي: شممت، وهذه ريح مكروهة النشق، أي: الشم. وقال رؤبة الراجز يصف حماراً وحشياً: كأنه مستنشق من الشرق حراً من الخردل مكروه النشق بيان الإعراب: قوله: ((فغسل وجهه) عطف على قوله: ((توضأ)) وهو من قبيل عطف مفصل على مجمل كما في قوله تعالى: ﴿فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه﴾ [البقرة: ٣٦] وقوله: ﴿فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة﴾ [النساء: ١٥٣] وقد علم أن الفاء العاطفة تفيد ثلاثة أمور. أحدها: الترتيب وهو نوعان: معنوي كما في: قام زيد فعمر، وذكري: هو عطف مفصل على مجمل. الثاني: التعقيب وهو في كل شيء بحسبه. الثالث: السببية. قوله: ((أخذ غرفة) بدون حرف العطف، وإنما ترك لأنه بيان لقوله: ((غسل)) على وجه الاستئناف. فإن قلت: كيف يكون بياناً والمضمضة والاستنشاق ليستا من غسل الوجه؟ قلت: أعطى لهما حكم الوجه. قوله: ((ثم أخذ غرفة)) إنما عطف بثم لوجود المهلة بين الغرفتين، وقد علم أن: ثم، حرف عطف يقتضي ثلاثة أمور: التشريك في الحكم، والترتيب، والمهلة. قوله: ((أضافها)) بدون حرف العطف لأنه بيان لقوله: ((جعل بها هكذا). قوله: «ثم أخذ غرفة) عطف على: (ثم أخذ غرفة) المذكور أولاً. قوله: ((من ماء) كلمة: من، للبيان مع إفادة التبعيض. قوله: ((حتى غسلها) أي: إلى أن غسلها، وكلمة: حتى، للغاية. قوله: ((يتوضأ) جملة في محل النصب على الحال. بيان المعاني: قوله: ((عن ابن عباس أنه توضأ)) زاد أبو داود في أوله: ((أتحبون أن أريكم کیف کان رسول الله، عليه الصلاة والسلام، يتوضأ؟ فدعی یاناء فیه ماء). کما قد ذكرنا عن قريب. قوله: (أضافها) معناه: جعل الماء الذي في يده في يديه جميعاً، فإنه أمكن في الغسل. قوله: ((فغسل بها) أي بالغرفة، وفي رواية الأصيلي وكريمة: ((فغسل بهما))، أي: باليدين. قوله: (ثم مسح برأسه)) قال الكرماني: وههنا تقدیر، إذ لا يجوز المسح بماء غسل به يده، وذلك نحو أن يقدر: ثم بل يده فمسح برأسه. قلت: في رواية أبي داود: «ثم قبض قبضة من الماء، ثم نفض يده، ثم مسح رأسه وأذنيه)». ولو وقف الكرماني على هذه الرواية لقال: الحديث يفسر بعضه بعضاً، والتقدير ههنا هكذا، وذكر رواية أبي داود. وزاد النسائي من طريق الدراوردي عن زيد: ((وأذنيه مرة واحدة))، ومن طريق إبن عجلان: ((باطنهما بالسبابتين وظاهرهما بإبهاميه))، وزاد ابن خزيمة من هذا الوجه: ((وأدخل إصبعيه فيهما)). قوله: ((فرش على رجله اليمنى)) أي: صبه قليلاً قليلاً حتى صار غسلاً. وقوله: ((حتى غسلها) صريح في أنه لم يكتف بالرش، وقال الكرماني: فإن قلت: المشهور أن الرشّ والغسل يتمایزان بسيلان الماء وعدمه، فكيف قال أولاً: ((رش)) ثم قال ثانياً «حتى غسلها))؟ وأيضاً لا يمكن غسل الرجل بغرفة واحدة؟ قلت: الفرق ممنوع، وكذا عدم إمكان غسلها بغرفة، ولعل