Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
٣ - كتاب العلم / باب (٥٠)
مسلم أحاديث الثلاثة. وحديث أنس، رضي الله عنه: ((جاءت أم سليم إلى رسول الله عَ ليه
فقالت له، وعائشة عنده: يا رسول الله! المرأة ترى ما يرى الرجل في المنام، وترى من نفسها
ما يرى الرجل من نفسه. فقالت عائشة، رضي الله عنها: فضحت النساء تربت يمينك)).
وحديث عائشة رواه عروة عنها «أنها أخبرته أن أم سليم دخلت على رسول الله عَ لّه)) وذكر
الحديث ... وفيه: ((قالت عائشة: فقالت لها أفّ لك! أترى المرأة ذلك؟)).
قلت: أم سليم، بضم السين وفتح اللام: بنت ملحان، بكسر الميم وسكون اللام
وبالحاء المهملة وبالنون، النجارية الأنصارية، اسمها سهلة أو رميلة أو رميثة، بالراء فيهما
وبالمثلثة في الثاني أو مليكة أو الغميصاء أو الرميصاء بالصاد المهملة فيهما، والخمسة
الأخيرة بصيغة التصغير، تزوجها مالك بن النضر، بالضاد المعجمة، أبو أنس بن مالك، فولدت
له أنساً ثم قتل عنها مشركاً، فأسلمت فخطبها أبو طلحة وهو مشرك فأبت ودعته إلى الإسلام
فأسلم، فقالت: إنني أتزوجك ولا آخذ منك صداقاً لإسلامك، فتزوجها أبو طلحة. روي لها
عن رسول الله عَّله أربعة عشر حديثاً، أخرج البخاري منها ثلاثة، وأخرج مسلم حديثين،
واتفقا على واحد. روى لها الجماعة سوى ابن ماجه.
بيان استنباط الأحكام: الأول: فيه ترك الاستحياء لمن عرضت له مسألة. الثاني: فيه
وجوب الغسل على المرأة إذا وجدت الماء، وكذا على الرجل، لأن حكمه، عليه الصلاة
والسلام، على واحد حكمه على الجماعة، إلاَّ إذا دل دليل على تخصيصه به. وقال أبو
القاسم عبد الكريم القزويني الشافعي: حكم المرأة في ثبوت الغسل بخروج منيّها كالرجل،
والرجل لمنيُّه خواص ثلاث. إحداها: الرائحة المشبهة برائحة الطلع أو العجين إذا كان رطباً،
وإذا جف أشبه رائحة البيض. الثانية: التدفق بدفقات. الثالثة: اللذة بخروجه ويعقبه فتور. وقال
الإمام أبو المعالي، والغزالي في (الوسيط) لا يعرف في حقها إلا بالشهوة. وقال في كتابه
(الوجيز) إذا تلذذت بخروج مائها لزمها الغسل، وهذا إشعار منهما أن طريقة معرفة المني في
حقها الشهوة والتلذذ لا غير، وقال الأكثرون بالتسوية بين مني الرجل ومني المرأة في طرد
الخواص الثلاث؛ قال البغوي: إذا خرج مني المرأة بشهوة أو غير شهوة وجب الغسل كمني
الرجل. وقال الرافعي: وإذا وجب مع انتفاء الشهوة كان الاعتماد على بقية الخواص. وقال
الشيخ أبو عمرو بن الصلاح، معترضاً على القزويني في قوله: إن قول الأكثرين التسوية بين
مني الرجل ومني المرأة في الخواص الثلاث، وأنكر أنه قول الأكثرين. قال: وإنما له
خاصيتان: الرائحة والشهوة. فالشهوة ذكرها الإمام والغزالي، والرائحة ذكرها الروياني، وأنكر
الثالثة، وهي التدفق بدفقات للمرأة. وقال الشيخ محيي الدين: والمرأة كالرجل إلاّ أنها إن
كان المني ينزل إلى فرجها ووصل إلى الموضع الذي يجب عليها غسله في الجنابة
والاستنجاء، وهو الذي يظهر حال قعودها لقضاء الحاجة يجب عليها الغسل، لأنه في حكم
الظاهر، وإن كانت بكراً لم يلزمها ما لم يخرج من فرجها، لأن داخل فرجها كداخل إحليل
الرجل. قلت: لا خلاف في مذهب الشافعي أنه لا يجب عليها الغسل، إلاّ برؤية الماء، ومراد
عمدة القاري/ ج٢ /م٢١
٦°م.
٠٠٠

٣٢٢
٣ - كتاب العلم / باب (٥١)
الغزالي وغيره بقوله: لا يعرف من جهتها، إلاَّ بالشهوة والتلذذ يريد به تعيين هذه الخاصة في
حقها دون الخاصيتين الموجودتين في مني الرجل على اختياره لا غير ذلك، وقد ذكر
الغزالي في (الوجيز) إذا تلذذت المرأة بخروج منيها، فأثبت خروجه. قلت: هذا تحرير مذهب
الشافعي في هذا الموضع، وطول الكلام فيه لغلط جماعة من الشافعية فيه. الثالث: فيه إثبات
أن المرأة لها ماء. الرابع: فيه إثبات القياس وإلحاق حكم النظير بالنظير.
١٣١/٧٠ - حدّثنا إِسْمَاعِيلُ قال: حدّثني مالِكٌ عنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ دِينارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن
عُمَرَ أنَّ رسولَ اللَّهِ عَ ظَلِ قال: ((إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لا يَسْقُطُ وَرَقُها وهيَ مَثَلُ المُسْلِمِ،
حدِّثُونِي ما هِيَ؟)) فَوَقَعُ النَّاسُ فِي شَجَرِ البَادِيَةِ، ووقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّها النَّخْلَةُ، قال عَبْدُ اللّهِ:
فاسْتَحْيَيْتُ فقالُوا: يا رسولِ اللَّهِ أَخْبِرْنا بها، فقالَ رسولُ اللَّهِ عَ لَّهِ: ((هِيَ النَّخْلَةُ)) قال عَبْدُ اللَّهِ:
فَحَدَّثْتُ أَبِي بِمَا وَقَعَ فِي نَفْسِي، فقالَ: لأُنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أحَبُّ إليَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لي كَذَا
وكَذَا. [أنظر الحديث ٦١ وأطرافه].
مطابقة هذا الحديث للترجمة كمطابقة الحديث السابق، وقد مر هذا الحديث في:
باب قول المحدث: حدثنا وأخبرنا. وذكرنا هناك جميع تعلقاته.
:/
وإسماعيل هو ابن أبي أويس ابن أخت الإمام مالك بن أنس، رضي الله عنه.
قوله: ((فحدثت أبي)) أي: عمر بن الخطاب، رضي الله عنه. قوله: (لأن تكون))، بفتح
اللام، وإنما قال: قلتها بالماضي مع قوله: ((تكون)) وهو مضارع، لأن الغرض منه لأن تكون في
الحال موصوفاً بهذا القول الصادر في الماضي. قوله: ((أحب إلي من أن يكون لي كذا
وكذا)). أي: من حمر النعم وغيرها، ولفظ: كذا، موضوع للعدد المبهم، وهو من الكنايات.
قال ابن بطال: وفي تمني عمر، رضي الله عنه، أن يجاوب ابنه النبي، صلى الله تعالى عليه
وآله وسلم، بما وقع في نفسه فيه من الفقه، أن الرجل يباح له الحرص على ظهور ابنه في
العلم على الشيوخ وسروره بذلك. وقيل: وإنما تمنى ذلك رجاء أن يسر النبي، رسول الله،
صلی الله تعالی عليه وآله وسلم، بإصابته فيدعو له.
وفيه أن الابن الموفق العالم أفضل مكاسب الدنيا، لقوله: ((لأن تكون قلتها أحب إلي
من أن يكون لي كذا وكذا)).
٥١ - بابُ مَنِ اسْتَخْيَا فَأَمَرَ غيْرَهُ بِالسُّؤَالِ
أي: هذا باب في بيان الشخص الذي استحيى من العالم أن يسأل عنه بنفسه، فأمر
غيره بالسؤال عنه.
وجه المناسبة بين البابين ظاهر لأن كلاً منهما مشتمل على الحياء.
١٣٢/٧١ - حدثنا مُسَدَّدٌ قال: حدّثنَا عَبْدُ اللَّهِ بنُ دَاوُد عنِ الأَعْمَشِ عنْ مُنْذِرِ الثَوْرِيِّ
عَنْ مُحَمَّدٍ بنِ الحَنَفِيَّةِ عَنْ عِلي قالَ: كُنْتُ رَجُلاً مِذَّاءَ، فأمَوْتُ المِقْدَادَ أَنْ يَسْألَ النَّبيَّ عَلَّهِ،
..

٣٢٣
٣ - كتاب العلم / باب (٥١)
فَسَأْلَهُ فقال: ((فِيهِ الوُضُوءُ)). [الحديث ١٣٢ - طرفاه في: ١٧٨، ٢٦٩].
مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة.
بيان رجاله: وهم ستة. الأول: مسدد بن مسرهد. الثاني: عبد الله بن داود بن عامر بن
الربيع الخريبي نسبة إلى خريبة، بضم الخاء المعجمة وفتح الراء وسكون الياء آخر الحروف
وفتح الباء الموحدة: وهي محلة بالبصرة، أبو محمد، أو أبو عبد الرحمن الهمداني الكوفي
الأصل. قال يحيى بن معين: ثقة مأمون، وقال أبو زرعة ومحمد بن سعد: كان ثقة ناسكاً،
ويقال عنه أنه قال: ما كذبت كذبة قط إلاَّ مرة في صغري، قال لي أبي: ذهبت إلى المكان؟
فقلت: بلىٍ، ولم أكن ذهبت. وقال أبو حاتم: كان يميل إلى الرأي، وكان صدوقاً. روى له
الجماعة إلاّ مسلماً، توفي سنة ثلاث عشرة ومائتين، وليس في البخاري والكتب الأربعة عبد
الله بن داود غير هذا، نعم في الترمذي آخر واسطي مختلف فيه. الثالث: سليمان بن
الأعمش. الرابع: منذر بضم الميم وسكون النون وكسر الذال المعجمة: ابن يعلى، بفتح الياء
آخر الحروف وسكون العين المهملة وفتح اللام: أبو يعلى الثوري بالثاء المثلثة الكوفي، وثقه
أحمد بن عبد الله وعبد الرحمن، روى له الجماعة. الخامس: محمد بن الحنفية هو محمد
ابن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو القاسم، والحنفية أمه. وهي خولة بنت جعفر الحنفي
اليمامي، وكانت من سبي بني حنيفة، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر، رضي الله عنه، مات
سنة ثمانين، أو إحدى وثمانين أو أربع عشرة ومائة ودفن بالبقيع، روى له الجماعة. السادس:
علي بن أبي طالب، رضي الله عنه.
بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والعنعنة. ومنها: أن رواته ما بين بصري
وكوفي وحجازي. ومنها: أن فيه رواية التابعي وهو الأعمش، يروي عن غير التابعي وهو منذر.
ومنها: ما قيل لا يعلم أحد أسند عن علي، رضي الله عنه، عن النبي عَّل أكثر ولا أصح مما
أسند محمد بن الحنفية، رضي الله تعالى عنه.
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في (الطهارة) عن قتيبة عن
جرير قال: ورواه شعبة. وأخرجه مسلم في (الطهارة) عن أبي بكر عن وكيع وأبي معاوية
وهشيم، وعن يحيى بن حبيب بن عربي عن خالد بن الحارث عن شعبة، خمستهم عن
الأعمش عن المنذر. وأخرجه النسائي في (الطهارة)، وفي (العلم) عن محمد بن عبد الأعلى
عن خالد بن الحارث، وهذا الحديث روي من وجوه مختلفة، فأخرجه مسلم من حديث عبد
الله بن وهب عن مخرمة بن بكير عن أبيه عن سليمان بن يسار عن ابن عباس قال: قال علي
رضي الله عنه: ((أرسلت المقداد بن الأسود إلى رسول الله عَّ الم فسأله عن المذي يخرج من
الإنسان، كيف يفعل به؟ فقال رسول الله عَّله: ((توضأ وانضح فرجك)). وأخرج النسائي عن
هناد بن السري عن أبي بكر بن عياش عن أبي حصين عن أبي عبد الرحمن، قال: قال علي
رضي الله عنه: ((كنت رجلاً مذاء، وكانت ابنة النبي عَ لم تحتي، فاستحييت أن أسأل، فقلت
الرجل جالس إلى جنبي: سله، فسأله، فقال: فيه الوضوء)). وأخرج الترمذي عن محمد بن
٦

٣٢٤
٣ - كتاب العلم / باب (٥١)
عمرو، حدثنا هشيم عن يزيد بن أبي زياد وعن محمود بن غيلان، حدثنا حسين بن علي عن
زائدة عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي قال: ((سألت النبي ◌َّه
عن المذي فقال: من المذي الوضوء ومن المني الغسل)). قال: حديث حسن صحيح.
وأخرج أحمد في (مسنده) عن أسود بن عامر حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن هانىء بن
هانىء عن علي، رضي الله عنه، قال: ((كنت رجلاً مذاء، فإذا مذيت اغتسلت، وأمرت
المقداد فسأل النبي عَّ له فضحك، فقال: فيه الوضوء)). وأخرج أبو داود: حدثنا قتيبة عن
سعيد حدثنا عبيدة بن حميد الحذاء عن أبي بكر بن الربيع عن حصين بن قبيصة عن علي،
رضي الله عنه قال: ((كنت رجلاً مذَّاء فجعلت اغتسل حتى تشقق ظهري، قال: فذكرت ذلك
للنبي، عليه الصلاة والسلام، أو ذكر له، فقال رسول الله عَ لّه، لا تفعل، إذا رأيت المذي
فاغسل ذكرك وتوضأ وضوءك للصلاة، فإذا نضحت الماء فاغتسل)). وأخرجه أحمد والطبراني
أيضاً. وأخرح النسائي عن قتيبة عن سفيان عن عمرو بن دينار عن عطاء عن عايش بن أنس
قال: ((سمعت علياً، رضي الله عنه، على المنبر يقول: كنت رجلاً مذَّاء، فأردت أن أسأل
النبي عَ لّ فاستحييت عنه لأن ابنته كانت تحتي، فأمرت عماراً فسأله، فقال: يكفي منه
الوضوء». وأخرج الطحاوي عن إبراهيم بن أبي داود حدثنا أمية بن بسطام قال: حدثنا يزيد بن
زريع، قال: حدثنا روح بن القاسم عن ابن أبي نجيح عن عطاء عن إياس بن خليفة عن رافع
بن خديج ((أن علياً، رضي الله عنه، أمر عماراً أن يسأل رسول الله عَّطلم عن المذي قال:
((يغسل مذاكيره ويتوضأ)). وأخرجه النسائي عن عثمان بن عبد الله بن أمية بن بسطام ... إلى
آخره نحوه.
بيان اللغة والإعراب: قوله: ((رجلاً) خبر: كان، ومذاء، بالنصب صفته وهو على وزن
فعال، بالتشديد للمبالغة في كثرة المذي، وقد مذى الرجل يمذي من باب: ضرب يضرب،
وأمذى، والمذاء المماذاة فعال منه، ويقال: مذى بالتشديد أيضاً، والمذي بفتح الميم
وسكون الذال المعجمة وبكسر الذال وتشديد الياء، وبكسر الذال المعجمة وتخفيف الياء،
حكي ذلك عن ابن الأعرابي وهو الماء الرقيق الذي يخرج عند الملاعبة والتقبيل. وقال ابن
الأثير: هو البلل اللزج الذي يخرج من الذكر عند ملاعبة النساء ولا يعقبه فتور، وربما لا يحس
بخروجه، وهو في النساء أكثر منه في الرجال. وقال الأموي: المذي والودي مشددتان
كالمني. قلت: المشهور أن الودي، بفتح الواو وسكون الدال: هو البلل اللزج يخرج من
الذكر بعد البول. يقال: ودى، ولا يقال: أودى، قال الجوهري، وقال غيره: يقال أودى أيضاً،
وقيل: التشديد أصح وأفصح من السكون. والمني، بتشديد الياء: ماء خائر أبيض يتولد منه
الولد وينكسر به الذكر، يقال: منى الرجل وأمنى ومنَّى مشدداً، الكل بمعنى. قوله: ((فأمر
المقداد) جملة من الفعل والفاعل والمفعول. والمقداد، بكسر الميم وسكون القاف
وبالمهملتين: ابن عمرو بن ثعلبة البهراني الكندي، ويقال له: ابن الأسود، لأن الأسود بن عبد
يغوث رباه أو تبناه أو حالفه أو تزوج بأمه. ويقال له: الكندي، لأنه أصاب دماً في بهراء فهرب

٣٢٥
٣ - كتاب العلم / باب (٥١)
منهم إلى كندة فحالفهم، ثم أصاب فيهم دماً فهرب إلى مكة، فخالف الأسود، وهو قديم
الصحبة من السابقين في الإسلام، قيل: إنه سادس ستة شهد بدراً ولم يثبت أنه شهد فيه
فارس مع رسول الله عَّدٍ غيره، وقيل: إن الزبير، رضي الله عنه، أيضاً كان فارساً. روي له
عن رسول الله عَ ل اثنان وأربعون حديثاً، اتفقا على حديث واحد، ولمسلم ثلاثة. مات
بالجرف وهو على عشرة أميال من المدينة، ثم حمل على رقاب الرجال إليها سنة ثلاث
وثلاثين في خلافة عثمان، وصلى عليه عثمان، رضي الله عنه، وهو ابن سبعين سنة، روى له
الجماعة. قوله: ((أن يسأل)) أي: بأن يسأل، و: أن، مصدرية أي: بالسؤال عن رسول الله،
صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. قوله: ((فيه الوضوء)) جملة إسمية، لأن الوضوء مبتدأ وقوله:
فيه، مقدماً خبره، ويتعلق فيه بمحذوف تقديره الوضوء واجب فيه، ويجوز أن يكون ارتفاع
الوضوء على الفاعلية، والتقدير: يجب فيه الوضوء.
بيان المعاني: قوله: ((فأمرت المقداد)) ليس هو أمر الوجوب للقرينة الدالة على عدم
الوجوب، وأيضاً الدال على الوجوب هو صيغة الأمر لا لفظة أمر، وليست ههنا صيغة فافهم.
قوله: ((فسأله) أي عن حكم المذي من وجوب الوضوء، يقال: سألته الشيء، وسألته عن
الشيء سؤالاً، وقد تعدى بنفسه إلى المفعول الأول، وبعن وبفي إلى الثاني، وبالعكس. وقد
تخفف همزته فيقال سأله. قوله: ((فقال) أي النبي عَّهِ: ((فيه)) أي: في المذي الوضوء، لا
يقال إنه إضمار قبل الذكر لأنا نقول: إن قوله: ((مذاء)) يدل على المذي، وهذه العبارة تدل
على أن علياً، رضي الله عنه، سمعه من رسول الله عَ ◌ّه حيث لم يقل: قال المقداد: قال
رسول الله عَ لَّه. ولئن قلنا إنه لم يسمعه من النبي، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، فحكمه
حكم مرسل الصحابي، رضي الله عنه.
بيان استنباط الأحكام: الأول: فيه دليل على أن المذي لا يوجب الغسل بل يوجب
الوضوء، فإنه نجس، ولهذا يجب منه غسل الذكر. والمراد: منه، عند الشافعي غسل ما أصابه
منه، واختلف عن مالك في غسل الذكر كله. قال عياض: والخلاف مبني على أنه هل يتعلق
الحكم بأول الاسم أو بآخره؟ لقوله، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: ((يغسل ذكره)) واسم
الذكر يطلق على البعض وعلى الكل، واختلف عن مالك أيضاً هل يحتاج إلى النية أم لا،
وعن الزهري: لا يغسل الانثيين من المذي إلاَّ أن يكون أصابهما شيء، وفي (المغني) لابن
قدامة: المذي ينقض الوضوء وهو ما يخرج لزجاً متسبسباً عند الشهوة، فيكون على رأس
الذكر. واختلفت الرواية في حكمه، فروي أنه لا يوجب الاستنجاء والوضوء، والرواية الثانية:
يجب غسل الذكر والأنثيين مع الوضوء. وقال أبو عمر: المذي عند جميعهم يوجب الوضوء
ما لم يكن خارجاً عن علة باردة وزمانة، فإن كان كذلك فهو أيضاً كالبول عند جميعهم، فإن
كان سلساً لا ينقطع فحكمه حكم سلس البول عند جميعهم أيضاً، إلاَّ أن طائفة توجب
الوضوء على من كانت هذه حاله لكل صلاة قياساً على المستحاضة عندهم، وطائفة تستحبه
ولا توجبه. وأما المذي المعهود والمتعارف، وهو الخارج عند ملاعبة الرجل أهله لما يجري
i
i
١
حدة
i
٠٠٠٠

٣٢٦
٣ - كتاب العلم / باب (٥١)
من اللذة أو لطول عزبة، فعلى هذا المعنى خروج السؤال في حديث علي، رضي الله تعالى
عنه، وعليه يقع الجواب، وهو موضع إجماع لا خلاف بين المسلمين في إيجاب الوضوء
منه، وإيجاب غسله لنجاسته.
الثاني: فيه جواز الاستنابة في الاستفتاء، وأنه يجوز الاعتماد على الخبر المظنون مع
القدرة على المقطوع، لأن علياً، رضي الله تعالى عنه، بعث من يسأل مع القدرة على
المشافهة. قال بعضهم: لعل علياً، رضي الله تعالى عنه، كان حاضراً وقت السؤال، فلا دليل
عليه، لكن يضعف هذا قوله في بعض طرفه: فأرسلنا المقداد، وفي هذا إشارة إلى أنه لم
يحضر مجلس السؤال. قلت: فيه نظر لأنه يجوز أن يكون قد حضره بعد إرساله المقداد.
وقال المازري: لم يتبين في هذا الحديث كيف أمره أن يسأل، ولا كيفية سؤال المقداد: هل
سأله سؤالاً يخص المقداد أو يعمهُ وغيره؟ فإن كان علي، رضي الله عنه، لم يسأل على أي
وجه وقع السؤال، ففيه دليل على أن علياً، رضي الله عنه، كان يرى أن القضايا تتعدى وقد
اختلف أهل الأصول، لأنه لو كان لا يتعدى لأمره أن يسميه، إذ قد يجوز أن يبيح له ما يبيح
لغيره، لكنه قد جاء مبيناً في الصحيح: ((فسأله المقداد عن المذي يخرج من الإنسان كيف
يفعل به؟ فقال: توضأ وانضح فرجك)). قلت: قد جاء مبيناً كلاهما أمر علي وسؤال المقداد،
أما الأول ففي (الموطأ): ((أن علياً رضي الله عنه، أمر المقداد أن يسأل له رسول الله، عليه
الصلاة والسلام، عن الرجل: إذا دنا من أهله فخرج منه المذي ماذا عليه؟ قال المقداد: فسألته
عن ذلك)). وجاء أيضاً في النسائي ما يثبت الاحتمال المتقدم، ((فقلت لرجل جالس إلى جنبي
سله! فقال: فيه الوضوء)).
الثالث: فيه استحباب حسن العشرة مع الأصهار، وأن الزوج ينبغي أن لا يذكر ما يتعلق
بالجماع والاستمتاع بحضرة أبوي المرأة وأختها وغيرهما من أقاربهما، لأن المعنى أن المذي
يكون غالباً عند ملاعبة الزوجة.
الرابع: احتج به أبو حنيفة والشافعي على وجوب الوضوء من المذي مطلقاً، سواء كان
عند ملاعبة أو استنكاح أو غيره. وقال أصحاب مالك: المراد به ما كان عن ملاعبة، واستدل
عياض وغيره لذلك بما وقع في (الموطأ) في الحديث أنه قال في السؤال عن الرجل: إذا دنا
من أهله وأمذى، ماذا عليه؟ قال: فجواب النبي عَّ له في مثله في المعتاد بخلاف المستنكح
والذي به علة فإنه لا وضوء عليه. قالوا: وإنما يتوضأ مما جرت العادة به أن يخرج من لذة.
وقال القاضي عبد الوهاب مؤيداً لمذهبهم: السؤال صدر عن المذي الخارج على وجه اللذة،
لقوله: إذا دنا من أهله. وأيضاً مما يدل عليه استحياء علي، رضي الله عنه، لأنه لو كان على
مرض أو سلس لم يستح من ذلك. قلت: فيما قالوه نظر، لأن سؤال المقداد النبي، عليه
الصلاة والسلام، أولاً مطلق غير مقيد، فإنه جاء في الصحيح: فسأله عن المذي يخرج من
الإنسان كيف يفعل به؟ قال: ((اغسل ذكرك وتوضأ)). فالحكم متعلق بسؤال المقداد الذي وقع
الجواب عنه، فصار أمر علي، رضي الله عنه، أجنبياً عن الحكم، وقول القاضي عبد الوهاب

٣٢٧
٣ - كتاب العلم / باب (٥٢)
حكاية قول علي للمقداد وهو حاضر، وأما سؤال المقداد فكان عاماً، وهو من فقه المقداد،
فوقع السؤال من المقداد عاماً. والجواب من النبي، عليه الصلاة والسلام مترتب عليه،
والتمسك بقول المقداد: فسألته عن ذلك، لا يعارض النص بصريح سؤاله، والأول محتمل
للتأويل في تعيين ما يرجع الإشارة إليه. وأما ثانياً: فإنه قد جاء في (سنن أبي داود) ما يدل
على خلافه، وهو من علي، رضي الله عنه قال: ((كنت رجلاً مذاءٍ فجعلت أغتسل حتى تشقق
ظهري))، فهذا يدل على كثرة وقوعه منه ومعاودته، وجاء فيه أيضاً: ((إن علياً أمر عماراً أن
يسأل رسول الله، عليه الصلاة والسلام، فقال: يغسل مذاكيره ويتؤضأ)). وفي بعضها: ((كنت
رجلاً مذاء، فأمرت عمار بن ياسر يسأل رسول الله، عليه الصلاة والسلام، من أجل ابنته
عندي)). وفي بعض طرقه في أبي داود: ((فليغسل ذكره وأنثييه)). وروي عن عائشة، رضي الله
عنها، وغيرها أنه: يجب غسل أنثييه، وهذا خلاف قول الجمهور، وأول الجمهور هذه الرواية
على الاستظهار، وفي بعض أحوال انتشاره ويقال: إن الماء البارد إذا أصاب الأنثيين رد
المذي وكسره، على أن الحديث الذي فيه هذه الزيادة قد علل بالإرسال وغيره.
فائدة: فإن قلت: قد جاء أنه أمر مقداداً، وجاء أنه أمر عماراً، وجاء أنه سأل بنفسه،
فكيف التوفيق بينهما؟ قلت: يحتمل على أنه أرسلهما، ثم سأل بنفسه. والله أعلم.
٥٢ - بابُ ذكْرِ العِلْمِ والفُنْيَا فِي المَسْجِدِ
أي: هذا باب في بيان ذكر العلم في المسجد، وبيان ذكر الفتيا في المسجد، وقد
مر أن الفتيا الفتوى جواب الحادثة.
وجه المناسبة بين البابين من حيث اشتمال كل منهما على السؤال، أما في الأول فلأنه
فيه سؤال المقداد عن حكم المذي، وفي هذا الباب سؤال ذاك الرجل في المسجد عن
حكم الإهلال للحج، وكل منهما سؤال عن أمر ديني.
١٣٣/٧٢ - حدّثني قُتَيْبَةُ بنُ سَعيدٍ قال: حدّثنا اللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ قال: حدّثنا نافِعٌ
مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَّرَ بنِ الخَطَّابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بِنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلاً قامَ في المسْجِدِ فقال: يا
رسُولَ اللَّهِ! مِنْ أَنْنَ تَأْمُرْناَ أَنْ نُهِلَّ؟ فقال رسولُ اللَّهِ عَ لَّهِ: ((يُهِلُّ أَهْلُ المَدِينَةِ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ،
وثُهِلٌ أهلُ الشّام منِ البُخْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَوْنٍ)). وقال ابنُ عُمَرَ ويَزْعُمُونَ أنّ رسولَ
اللَّهِ عَ لَّهِ قالَ: (وَيُهِلُّ أَهلُ اليَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ)) وكانَ ابنُ عُمَرَ يَقُولُ: لَمْ أَفْقَهْ هَذه مِنْ رَسولِ اللَّهِ
عَّ الله. [الحديث ١٣٣ - أطرافه في: ١٥٢٢، ١٥٢٥، ١٥٢٧، ١٥٢٨، ٧٣٣٤].
مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة، وهو أنه مشتمل على ذكر العلم أعني علم إهلال
الحج في المسجد واستفتاء ذلك الرجل عن النبي، عليه الصلاة والسلام، وفتواه، عليه الصلاة
والسلام، كل ذلك في المسجد.
بيان رجاله: وهم أربعة. الأول: قتيبة بن سعيد. الثاني: الليث بن سعد.
١١٠
٠٠٠
i

٣٢٨
٣ - كتاب العلم / باب (٥٢)
الثالث: نافع بن سرجس، بفتح السين المهملة وسكون الراء وكسر الجيم وفي آخره سين
أخرى: أصله من المغرب، وقيل: من نيسابور، وقيل: من سبي كابل، وقيل: من جبال
الطلقان، أصابه عبد الله بن عمر فى بعض غزواته، وبعثه عمر بن عبد العزيز إلى مصر يعلمهم
السنن. مات بالمدينة سنع سبع عشرة ومائة، روى له الجماعة. الرابع: عبد الله بن عمر، رضي
الله عنهما.
بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والعنعنة. قوله: ((حدثني قتيبة)، وفي بعض
النسخ: ((حدثنا)). ومنها: أن رواته أئمة أجلاء. ومنها: أنهم ما بين بلخي ومصري ومدني.
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في (الحج). وأخرجه
النسائي أيضاً في(العلم) وفي (الحج) جميعاً عن قتيبة عنه به، وثبت هذا الحديث أيضاً من
رواية ابن عباس. أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي، وعن جابر أيضاً أخرجه مسلم؛
وأكمل الأحاديث حديث ابن عباس لأنه ذكر فيه المواقيت الأربعة وحديث ابن عمر لم
يحفظ فيه ميقات أهل اليمن، وحديث جابر، رضي الله عنه، لم يجزم برفعه.
بيان اللغات: قوله: ((أن نهل)، من الإهلال، والإهلال بالحج رفع الصوت بالتلبية، ومنه
قيل للصبي إذا فارق أمه: أهل واستهل، لرفعه صوته. قوله: (من ذي الحليفة))، بضم الحاء
وفتح اللام: تصغير الحلفة، باللام المفتوحة، كالقصبة. وهي تنبت في الماء، وجمعها حلفاء،
كذا قال الكرماني. وقال الصغاني: الحلفاء نبت. قال الدينوري: قال أبو زياد: من الأغلاث
الحلفاء؛ وقيل: ما ينبت إلاّ قريباً من ماء أو بطن واد، وهي سلسلة غليظة المس لا يكاد أحد
يقبض عليها مخافة أن تقطع يده، وقد تأكل منها الغنم والإبل أكلاً قليلاً. وهي أحب شجرة
إلى البقرة، والواحد منها: حلفاة. وقال الأصمعي: حلفة بكسر اللام، وقال الأخفش وأبو زيد:
حلفة بفتح اللام، وقيل: يقال: حلفة وحلفاء وحلف، مثال: قصبة وقصباء وقصب؛ وطرفة
وطرفاء وطرف؛ وشجرة وشجراء وشجر. وقال أبو عمر: الحلفاء واحدة وجمع، وقد يجمع
على: حلافي، على وزن: بخاتي، وقال الكرماني: وذو الحليفة موضع على عشر مراحل من
مكة. وقال الرافعي: على ميل من المدينة. وقال النووي: ستة أميال. وقال عياض: سبعة أميال.
وقال ابن حزم: من المدينة على أربعة أميال، ومن مكة على مائتي ميل غير ميلين. وقال
الكرماني الحنفي في (مناسكه): بينها وبين المدينة ميل أو ميلان، والميل ثلاث فراسخ وهو
أربعة آلاف ذراع؛ ومنها إلى مكة عشر مراحل وهي الشجرة. وفي موضع آخر منها إلى
المدينة خمسة أميال ونصف، مكتوب على الميل الذي وراءها: قريب من ستة أميال من
البريد، ومن هذا البريد أهلَّ رسول الله عَ لَه، وبذي الحليفة عدة آبار ومسجدان لرسول الله
عَّل: المسجد الكبير الذي يحرم منه الناس، والمسجد الآخر مسجد المعرس. وقال ابن
التين: هي أبعد المواقيت من مكة تعظيماً لإحرام النبي عَّ له. قوله: (من الجحفة))، بضم
الجيم وسكون الحاء المهملة: وهو موضع بين مكة والمدينة من الجانب الشامي، يحاذي ذا
الحليفة، وكان اسمها: مهيعة، بفتح الميم وسكون الهاء وفتح الياء آخر الحروف، فأجحف

٣٢٩
٣ - كتاب العلم / باب (٥٢)
السيل بأهلها أي: أذهب، فسميت: جحيفة، وهي على ست أو سبع مراحل من مكة. قال
النووي: على ثلاث مراحل منها، وهي قريبة من البحر، وكانت قرية كبيرة. وقال: عبيد هي
قرية جامعة بها منبر، بينها وبين البحر ستة أميال، وغدير خم على ثلاثة أميال منها، وهي
ميقات المتوجهين من الشام ومصر والمغرب، وهي ثلاثة مراحل من مكة أو أكثر، وعلى
ثمانية مراحل من المدينة. وقال الكلبي: أخرجت العماليق بني عيل، وهم أخوة عاد، من
يثرب فنزلوا الجحفة، وكان اسمها: مهيعة، فجاءهم السيل فأجحفهم فسميت الجحفة. وفي
كتاب (أسماء البلدان): لأن سيل الجحاف نزل بها فذهب بكثير من الحاج وبأمتعة الناس
ورحالهم، فمن ذلك سميت الجحفة. وقال أبو عبيد، رحمه الله: وقد سماها رسول الله
مهيعة. قال القرطبي: قيل: بكسر الحاء،. وقال ابن حرم: الجحفة ما بين المغرب والشمال
من مكة، ومنها إلى مكة اثنان وثمانون ميلاً. قوله: ((أهل نجد)) النجد في اللغة ما أشرف من
الأرض واستوى، ويجمع على أنجد وأنجاد ونجود ونجد بضمتين. وقال القراز: سمي نجداً
لعلوه، وقيل: سمي بذلك لصلابة أرضه وكثره حجارته وصعوبته، من قولهم: رجل نجد، إذا
كان قوياً شديداً. وقيل: سمي نجداً لفزع من يدخله لاستيحاشه واتصال فزع السالكين من
قولهم: رجل نجد، إذا كان فزعاً، ونجد مذكر. قال الشاعر:
ألم تر أن الليل يقصر طوله
بنجد ويزداد النطاف به نجدا
ولو أنثه أحد وردّه على البلد لجاز له ذلك، والعرب تقول: نَجد ونُجد، بفتح النون
وضمها، لغتان. وقال الكلبي في (أسماء البلدان): النجد ما بين الحجاز إلى الشام إلى
العذيب إلى الطائف، فالطائف من نجد، والمدينة من نجد، وأرض اليمامة والبحرين إلى
عمان. وقال أبو عمر: نجد ما بين جرش إلى سواد الكوفة، وحده مما يلي المغرب: الحجاز
وعن يساره الكعبة: اليمن، ونجد كلها من عمل اليمامة. وقال ابن الأثير: نجد ما بين
العذيب إلى ذات عرق وإلى اليمامة وإلى جبل طي وإلى وجرة وإلى اليمن، والمدينة لا
تهامية ولا نجدية، فإنها فوق الغور ودون نجد. قال الحازمي: نجد اسم للأرض العريضة التي
أعلاها تهامة واليمن والعراق والشام. وقال البكري: حد نجد ذات عرق من ناحية الحجاز،
كما يدور الجبال معها إلى جبال المدينة وما وراء ذلك ذات عرق إلى تهامة. وقال القتبي:
حدثنا الرياشي عن الأصمعي قال: العرب تقول: إذا علوت نجداً مصعداً فقد أنجدت ولا تزال
منجداً حتى تنحدر في ثنايا ذات عرق، فإذا فعلت ذلك فقد انتهيت إلى البحر، فإذا عرض
لك الحرار وأنت تنجد فتلك الحجاز، وقال ياقوت: نجد تسعة مواضع، ونجد المشهورة
فيها اختلاف كثير، والأكثر أنها اسم للأرض التي أعلاها تهامة وأسفلها العراق والشام. وقال
الخطابي: نجد ناحية المشرق، ومن كان بالمدينة كان نجده بادية العراق ونواحيها، وهي
مشرق أهلها. وذكر في (المنتهى) نجد من بلاد العرب، وهو خلاف الغور، أعني: تهامة
وكل ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق فهو نجد، وقال أبو عبيد البكري، عن الكلبي: نجد
ما بين الحجاز إلى الشام إلى العذيب، والطائف من نجد، والمدينة من نجد. وقال في
i
جقور
* همات
• جدة
ءهو.

٢
٣٣٠
٣ - كتاب العلم / باب (٥٢)
موضع آخر: ونجد كلها من عمل اليمامة. وقال عمارة بن عقيل: ما سال من ذات عرق
مقبلاً فهو نجد، وحد نجد أسافل الحجاز. قال: سمعت الباهلي يقول: كل ما رواه الخندق،
خندق كسرى الذي خندقه على سواد العراق، فهو نجد إلى أن تميل إلى الحرة، فإذا ملت
إلى الحرة فأنت في الحجاز حتى تغور، وعن الأصمعي: ما ارتفع من بطن الرمة فهو نجد
إلى ثنايا ذات عرق، والسرف كبد نجد، وكانت منازل الملوك من بني آكل المرار، وفيه
اليوم حمى خربة، وفيه الربذة، وما كان منه إلى الشرق فهو نجد. قوله: ((من قرن)) هو بفتح
القاف وسكون الراء: وهو جبل مدور أملس كأنه هضبة مطل على عرفات. وقال ابن حزم: إن
من جاء على طريق نجد من جميع البلاد فميقاته قرن المنازل، وهو شرق مكة، شرفها الله
تعالى، ومنه إلى مكة اثنان وأربعون ميلاً. وقال ابن قرقول: هو قرن المنازل، وقرن الثعالب،
وقرن غير مضاف، وهو على يوم وليلة من مكة. وقال القابسي: من قال: قرن، بالإسكان، أراد
الجبل المشرف على الموضع. ومن قال بالفتح أراد الطريق الذي يفرق منه، فإنه موضع فيه
طرق متفرقة. وقال ابن الأثير، في (شرح المسند): وكثيراً ما يجيء في ألفاظ الفقهاء وغيرهم
بفتحها. وليس بصحيح. قلت: غلط الجوهري في (صحاحه) غلطين: أحدهما: أنه بفتح
الراء، والآخر: زعم أن أويساً القرني منسوب إليه، والصواب سكون الراء، وأويس منسوب إلى
قبيلة يقال لهم: بنو قرن، وليس هو بمنسوب إلى مكان. فافهم. قوله: ((من يلملم)) بفتح الياء
آخر الحروف وفتح اللامين، وهو جبل من جبال تهامة على مرحلتين من مكة، وقال ابن حزم:
هو جنوب مكة، ومنه إلى مكة ثلاثون ميلاً وفي (شرح المهذب) يصرف ولا يصرف. قلت:
إن أريد الجبل فمنصرف، وإن أريد البقعة فغير منصرف البتة بخلاف: قرن، فإنه على تقدير
إرادة البقعة يجوز صرفه لأجل سكون وسطه. وقال عياض: ويقال: ألملم، يعني بقلب الياء
همزة. وفي (المحكم) يلملم وألملم جبل. وقال البكري: أهله كنانة، وتنحدر أوديته إلى
البحر، وهو في طريق اليمن، وهو من كبار جبال تهامة. وقال الزمخشري: هو وادٍ به مسجد
رسول الله عَّةٍ، وبه عسكرت هوازن يوم حنين. فإن قلت: ما وزنه؟ قلت: فعنعل
كصمحمح، وليس هو من لملمت، لأن ذوات الأربعة لا يلحقها الزيادة في أولها إلاَّ في
الأسماء الجارية على أفعالها نحو: مدحرج. قلت: فلأجل هذا حكمنا بأن الميم الأولى واللام
الثانية زائدتان، ولهذا قال الجوهري في باب الميم وفصل الياء: يلم، ثم قال: يلملم، لغة في
ألملم، وهو ميقات أهل اليمن.
بيان الإعراب: قوله: ((قام في المسجد) في محل الرفع على أنه خبر: إن. قوله: ((فق
ل)) عطف على قوله: قام. قوله: ((من أين) يتعلق بقوله: ((تأمرنا)) وكلمة: أين، استفهام عن
المكان. قوله: (أن نهل) أصله: بأن نهل، و: أن مصدرية، والتقدير: بالإهلال. قوله: ((يهل أهل
المدينة)) جملة من الفعل والفاعل وقعت مقول القول. قوله: (من ذي الحليفة)) يتعلق: بيهل،
وكلمة: من، ابتدائية أي: ابتداء إهلالهم من ذي الحليفة. قوله: (ويهل أهل الشام)) عطف
على قوله: ((يهل أهل المدينة)) وكذا قوله: ((ويهل أهل نجد)) عطف عليه، والتقدير في الكل:
٠٫٠٠٠

٣٣١
٣ - كتاب العلم / باب (٥٢)
ليهل، لأنه، وإن كان في الظاهر على صورة الخبر، ولكنه في المعنى على صورة الأمر. قوله:
((وقال ابن عمر، رضي الله عنهما)) عطف على لفظ: عن عبد الله بن عمر، عطفاً من جهة
المعنى على صورة الأمر، كأنه قال: قال نافع: قال ابن عمر. وقال: ويزعمون والواو: في:
ويزعمون، عطف على مقدر وهو: قال رسول الله عَ لّم ذلك، ولا بد من هذا التقدير لأن الواو
لا تدخل بين القول والمقول. والمراد من الزعم إما القول المحقق، أو المعنى المشهور.
قوله: ((أن رسول الله، عليه الصلاة والسلام)) بفتح همزة: أن، لأن: أن مع اسمها وخبرها
سدت مسد مفعولي زعم. قوله: ((يقول)) جملة في محل النصب لأنها خبر: كان.
بيان المعاني: قوله: ((في المسجد) أي: مسجد رسول الله عَّ له. قوله: ((أن نهل)) أي:
نحرم، والإهلال في الأصل رفع الصوت، ولكن المراد هنا الإحرام مع التلبية. قوله: ((قال ابن
عمر: ويزعمون)) قال الكرماني: يحتمل احتمالاً بعيداً أن يكون هذا تعليقاً من البخاري،
وهكذا حكم، وكان ابن عمر، رضي الله عنهما. قلت: هذا مثل ما قاله احتمال بعيد، لأنه
قال: ويزعمون، ولا يريد من هؤلاء الزاعمين إلاَّ أهل الحجة والعلم بالسنة، ومحال أن يقولوا
ذلك بآرائهم، لأن هذا ليس مما يقال من جهة الرأي، ولكنهم زعموا بما وقفهم عليه رسول
الله عَّهُ وفي رواية مالك قال: وبلغني أن رسول الله عَّه قال: ((ويهل أهل اليمن من
يلملم). قوله: ((لم أفقه)) أي: لم أفهم ولم أعرف ((هذه) أي: هذه المقالة من رسول الله عَ لم
وهي: ((ويهل أهل اليمن من يلملم). وفي رواية أخرى للبخاري في الحج: لم أسمع هذه من
رسول الله، عليه الصلاة والسلام.
بيان استنباط الأحكام: الأول: فيه بيان المواقيت الثلاثة بالقطع، وهي: ميقات أهل
المدينة، وميقات أهل الشام، وميقات أهل نجد، والرابع شك فيه ابن عمر، رضي الله عنهما،
وهو ميقات أهل اليمن، وقد ثبت هذا أيضاً بالقطع في حديث ابن عباس، أخرجه الشيخان
وآخرون. وفي رواية مسلم عن جابر، وزاد مسلم فيه: ((ومهل العراق ذات عرق)). وفي رواية
أبي داود والترمذي من حديث ابن عباس: ((وقَّت رسول الله عَّلِ لأهل المشرق العقيق)) قال
أبو العباس القرشي: أجمع العلماء على المواقيت الأربعة واختلفوا في ذات عرق لأهل العراق،
والجمهور على أنها ميقات. واستحب الشافعي لأهل العراق أن يحرموا من العقيق معتمداً
على حديث أبي داود المذكور. وأخرجه الترمذي أيضاً، وقال: حديث حسن. قلت: وفي
إسناده يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف، وإنما استحبه الشافعي لأنه أحوط عملاً بالحديثين على
تقدير الصحة، فإن العقيق فوق ذات عرق. وقال النووي: اختلف العلماء هل صارت ذات
عرق ميقاتاً لأهل العراق بالنص أو الاجتهاد من عمر، رضي الله عنه؟ وفيه وجهان لأصحاب
الشافعي المنصوص عليه في (الأم): إنه بتوقيت عمر واجتهاده لحديث البخاري المذكور،
ودليل الثاني حديث جابر، لكنه لم يجزم الراوي برفعة. قلت: قد أخرج هذه الزيادة أبو داود
بالجزم عن عائشة رضي الله تعالى عنها: ((أن رسول الله عَّةٍ وقَّت لأهل العراق ذات عرق)).
وأخرجه النسائي أيضاً، لكن في حديث أبي داود أفلح بن حميد، وكان أحمد بن حنبل ينكر
i
i
i

٣٣٢
٣ - كتاب العلم / باب (٥٣)
عليه قوله هذا، ولأهل العراق ذات عرق. قال ابن عدي: تفرد به عنه المعافى بن عمران.
قلت: قد أخرج لأفلح مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه، ووثقه يحيى وأبو حاتم، وقال
يحيى بن معين وأحمد بن عبد الله وغيرهما: المعافى بن عمران ثقة، وروى للمعافى البخاري
وأبو داود والنسائي، وقال بعضهم: هذه الزيادة رواها أبو داود وغيره من حديث عائشة وجابر،
رضي الله عنهما، وغيرهما بأسانيد ضعيفة، لكن يقوي بعضها بعضاً لما تقرر من أن الضعف
إذا كان بغير فسق الراوي، فإن الحديث ينتقل إلى درجة الحسن، ويحتج به.
وأما تعليل الدارقطني للحديث بقوله: إنه لم يكن عراق يومئذ، فقد ضعفه العلماء،
وقالوا: مثل هذا لا يعلل به الحديث، فقد أخبر عَّلِ عما لم يكن في زمانه مما كان ويكون.
وهذا كان من معجزاته عَ ليه مع ما أخبر به أنه سيكون لهم مهل ويسلمون ويحجون، فكان
ذلك، وكان النبي عَِّ وقَّت لأهل الشام الجحفة ولم يكن فتح، وقد أقطع النبي عَّه بلد
الخليل، عليه الصلاة والسلام، لتميم الداري، وكتب له بذلك ولم يكن الشام إذ ذاك. قلت:
قال الطحاوي: ذهب قوم إلى أن أهل العراق لا وقت لهم كوقت سائر أهل البلاد، وأراد بهم:
طاوس بن كيسان وابن سيرين وجابر بن زيد، واحتجوا في ذلك بالحديث المذكور، لأنه لم
يذكر فيه العراق. وقالوا: أهل العراق يهلون من الميقات الذي يأتون عليه من هذه المواقيت
المذكورة. قال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على القول بظاهر حديث ابن عمر،
واختلفوا فيما يفعل من مر بذات عرق، فثبت أن عمر، رضي الله عنه، وقَّته لأهل العراق، ولا
يثبت فيه عن النبي ڭھے سنة. انتهى.
قلت: الصحيح هو الذي وقته النبي عَّهِ، كذا ذكره في (مطامح الأفهام) ثم قال ابن
المنذر: اختلفوا في المكان الذي يحرم من أتى من العراق على ذات عرق، فقال أنس، رضي
الله عنه: يحرم من العقيق، واستحب ذلك الشافعي، وكان مالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور
وأصحاب الرأي يرون الإحرام من ذات عرق، قال أبو بكر: الإحرام من ذات عرق یجزىء،
وهو من العقيق أحوط، وقد كان الحسن بن صالح يحرم من الربذة، وروي ذلك عن خصيف
والقاسم بن عبد الرحمن. قلت: أخرج الطحاوي في كون الميقات لأهل العراق ذات عرق
أحاديث أربعة من الصحابة، وهم عبد الله بن عمر، وأنس، وجابر، وعائشة، رضي الله عنهم،
وفي الباب عن ابن عباس عند الترمذي والحارث بن عمرو السهمي عند أبي داود، وعمرو بن
العاص عند الدارقطني. الثاني: فيه أن هذه المواقيت لا تجوز مجاوزتها بغير إحرام، سواءً أراد
حجاً أو عمرةً، فإن جاوزها بغير إحرام يلزمه دم، ويصح حجه. الثالث: فيه معجزة النبي عَ لّم.
حيث أخبر في زمانه عن أمر سيكون بعده، وقد كان.
٥٣ - بابُ مَنْ أجابَ السَّائِلَ بِأَكْثَرَ مِما سأَلَهُ
أي: هذا باب في بيان من أجاب الشخص الذي سأل عنه بأكثر مما سأله.
وجه المناسبة بين البابين من حيث اشتمال كل منهما على السؤال والجواب، وهو

٣- كتاب العلم / باب (٥٣)
٣٣٣
ظاهر.
١٣٤/٧٣ - حدّثنا آدمُ قالَ: حدّثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ عنْ نافِعٍ عَنِ ابنِ عُمَرَ، رضي الله
عنهما، عَنِ النَّبِيِّ مَّهِ.
وعَنِ الزُّهْريِّ عن سالِمٍ عَنِ ابنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ عَ لَّهِ أَنَّ رَبجلاً سأَلَّهُ: ما يَلْبَسُ المُخرِمُ؟
فقالَ: ((لا يَلْبَسُ القَمِيصَ وَلا العِمَامَةَ ولا السَّرَاوِيلَ ولا البُرْنُسَ ولا ثَوْباً مَسَّهُ الوَرْسُ أو
الزَّعْفَرَانُ، فإِنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْن ولْيَقْطَعْهُما حَتَّى يَكُونَا تَخْتَ الكَغْبَيْنِ)).
[الحديث ١٣٤ - أطرافه في: ٣٦٦، ١٥٤٢، ١٨٣٨، ١٨٤٢، ٥٧٩٤، ٥٨٠٣، ٥٨٠٥،
٥٨٠٦، ٥٨٤٧، ٥٨٥٢].
مطابقة الحديث للترجمة في قوله: ((فإن لم يجد النعلين فليلبس الخفين)) إلى آخره،
لأن هذا المقدار زائد على السؤال. وقيل: إنه نبه على مسأله أصولية، وهي: أن اللفظ يحمل
على عمومه لا على خصوص السبب، لأنه جواب وزيادة، فكأنه أشار إلى أن مطابقة الجواب
للسؤال حين يكون عاماً، أما إذا كان السؤال خاصاً فغير لازم لا سيما إذا كان الزائد له تعلق.
بيان رجاله: وهم ستة كلهم ذكروا. وآدم هو ابن أبي إياس. وابن أبي ذئب، بكسر
الذال المعجمة وبالهمزة الساكنة: هو محمد بن عبد الرحمن المدني. ونافع هو مولى ابن
عمر. والزهري هو محمد بن مسلم بن شهاب. وسالم هو ابن عبد الله بن عمر، رضي الله
عنهم.
وهنا إسنادان. أحدهما: عن آدم عن ابن أبي ذئب عن نافع عن ابن عمر. والآخر: عن
آدم عن ابن أبي ذئب عن الزهري عن سالم عن ابن عمر. وقوله: ((وعن الزهري)) عطف على
قوله: عن نافع. وفي بعض النسخ وقع لفظة: (ح)، قبل قوله: ((وعن الزهري)) إشارة إلى
التحويل من إسناد إلى إسناد آخر قبل ذكر المتن.
بيان لطائف إسناده: ومنها: أن فيه التحديث والعنعنة. ومنها: أن رواته كلهم مدنيون
ما خلا آدم. ومنها: ما قيل: أصح الأسانيد الزهري عن سالم عن أبيه، ونسب هذا القول إلى
أحمد بن حنبل، رحمه الله. ومنها: أن فيه رواية التابعي عن التابعي، وهما: الزهري وسالم.
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري من طريق نافع ههنا عن آدم عن
ابن أبي ذئب عنه به، ومن طريق سالم ههنا أيضاً عن آدم عن ابن أبي ذئب عن الزهري عن
سالم به، وفي (اللباس) أيضاً عن آدم عنه به، وفي (الصلاة) عن عاصم بن علي عنه به.
وأخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى عن مالك عن نافع عن ابن عمر. وأبو داود عن عبد الله
بن مسلمة عن مالك. وابن ماجه عن أبي مصعب عن مالك. والنسائي عن محمد بن
إسماعيل وعمرو بن علي كلاهما عن يزيد عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمر بن نافع
عن أبيه عن ابن عمر، رضي الله عنهما.
بيان اللغات: قوله: ((لا يلبس)) من اللبس، بضم اللام، يقال: لبس الثوب يلبس من
هود
(١
ـةمو.
٦٣٢
..
i

٣٣٤
١٠٠٠٠
٣ - كتاب العلم / باب (٥٣)
باب: علم يعلم، وأما اللبس، بالفتح، فهو من باب: ضرب يضرب، يقال: لبست عليه الأمر
أليس، بالفتح في الماضي والكسر في المستقبل: إذا خلطت عليه، ومنه التباس الأمر وهو:
اشتباهه. قوله: ((العمامة)) بكسر العين، قال الجوهري: العمامة واحدة العمائم، وعممته ألبسته
العمامة، وعمم الرجل سود لأن العمائم تيجان العرب، كما قيل في العجم: توج. واعتم
بالعمامة وتعمم بها بمعنى، وفلان حسن العمة، أي: الاعتمام. قوله: ((ولا السراويل)) قال
الكرماني: السراويل أعجمية عربت، وجاء على لفظ الجمع وهو واحد، تذكر وتؤنث، ولم
يعرف الأصمعي فيها إلا التأنيث، ويجمع على السراويلات، وقد يقال: هو جمع، ومفرده:
سروالة. قال الشاعر:
فليس يرق لمستضعف
عليه من اللؤم سيروالة
وهو غير منصرف على الأكثر. وقال سيبويه: سراويل واحدة وهي أعجمية، فأعربت
فأشبهت في كلامهم ما لا ينصرف في معرفة ولا نكرة، فهي مصروفة في النكرة. وقال: وإن
سميت بها رجلاً لم تصرفها، ومن النحويين من لا يصرفه أيضاً في النكرة، ويزعم أنه جمع
سروال وسروالة، ويجتمع في ترك صرفه بقوله ابن الرومي:
فنبحي فارسي في سراويل رامح
والعمل على القول الأول والثاني أقوى، وسرولته ألبسته السراويل فتسرول. قوله: ((ولا
البرنس)) بضم الباء الموحدة وسكون الراء وضم النون وهو ثوب رأسه منه ملتزق به وقيل:
قلنسوة طويلة، وكان النساك يلبسونها في صدر الإسلام، وهو من البرس بكسر الباء، وهو
القطن، والنون زائدة. وقيل: غير عربي. وقال ابن حزم: كل ما جب فيه موضع لإخراج الرأس
منه فهو جبة في لغة العرب، وكل ما خيط أو نسج في طرفيه ليتمسك على اللابسين فهو
برنس، كالغفارة ونحوها. ويقال: هو ثوب رأسه متصل به من دراعة أو جبة أو ممطر أو غيره.
قوله: ((الورس))، بفتح الواو وسكون الراء في آخره سين مهملة: وهو نبت أصفر يكون باليمن
تصبغ به الثياب ويتخذ منه الغمرة للوجه، وقال أبو حنيفة الدينوري: الورس يزرع باليمن زرعاً
ولا يكون بغير اليمن، ولا يكون منه شيء برياً ونباته مثل حب السمسم، فإذا جف عند
إدراكه يفتق فينفض منه الورس، ويزرع سنة فيجلس عشر سنين، أي: يقيم في الأرض ينبت
ويثمر، وفيه جنس يسمى: بالحبشي وفيه سواد، وهو أكبر الورس، وللعرعر ورس، وللريث
ورس. وقال أبو حنيفة: لست أعرفه بغير أرض العرب، ولا من أرض العرب غير بلاد اليمن.
وقال الأصمعي: ثلاثة أشياء لا تكون إلاَّ باليمن، وقد ملأت الأرض: الورس واللبان والعصب.
وأخبرني ابن بنت عبد الرزاق، وقال: الورس عندنا باليمن بجفاش وملجان وطمام وسحبان
والرقعة وجواز وهوزن وجبال ابن أبي جعفر كلها. ويقال له: الحض، وقال ابن بيطار في
(جامعه): يؤتى بالورس من الصين واليمن والهند، وليس بنبات يزرع كما زعم من زعم، وهو
يشبه زهر العصفر، ومنه شيء يشبه نشارة البابونج، ومنه شيء يشبه البنفسج. ويقال: إن

.75
٣٣٥
٣ - كتاب العلم / باب (٥٣)
الكركم عروقة. انتهى. ويقال: أورس المكان، وورست الثوب توريساً: صبغته بالورس،
وريسته: صبغته بالورس. قوله: ((والزعفران)) بفتح الزاي والفاء جمعه: زعافر، وهو اسم أعجمي،
وقد صرفته العرب، يقال: ثوب مزعفر، وقد زعفر ثوبه يزعفره زعفرةً. وقال أبو حنيفة
الدينوري: لا أعلمه ينبت بشيء من أرض العرب، وفي (كتاب الطب) للمفضل بن سلمة:
يقال: إن الكركم عروق الزعفران. وقال مؤرج: يقال لورق الزعفران الفيد، ومنه يسمى مؤرج:
أبا فيد. قوله: ((النعلين)) تثنية نعل، وهو الحذاء، بكسر الحاء وبالمد، يقال: احتذى إذا انتعل،
وهي مؤنثة. قوله: ((الكعبين)) تثنية كعب، والمراد به ههنا هو المفصل الذي في وسط القدم
عند معقد الشراك، لا العظم الناتىء عند مفصل الساق فإنه في: باب الوضوء.
بيان الإعراب: قوله: ((سأله)) جملة في محل الرفع لأنها خبر: إن. قوله: (ما يلبس))
كلمة: ما، استفهامية أو موصولة أو موصوفة في محل النصب على أنه مفعول ثان: لسأل.
قوله: ((فقال)) عطف على: سأله. قوله: ((لا يلبس)) يجوز بضم السين على أن تكون: لا، نافية،
وبكسرها على أن تكون: لا، ناهية. ((والقميص)) بالنصب مفعوله، وما بعده من المذكورات
معطوفات عليه. قوله: (ولا ثوباً) بالنصب، وروي: ((ولا ثوب)) بالرفع فوجهه أن يكون مرفوعاً
بتقدير فعل ما لم يسم فاعله، أي: ولا يلبس ثوب. قوله: ((مسه)) فعل ومفعول و ((الورس))
بالرفع فاعله، والجملة في محل النصب أو الرفع صفة للثوب. قوله: ((فليلبس الخفين) جواب
الشرط فلذلك دخله الفاء. قوله: ((وليقطعهما)) بكسر اللام وسكونها، وهو عطف على قوله:
((فليلبس)). فإن قلت: اللبس بعد القطع فكيف وجه هذا العطف؟ قلت: الواو لا تدل على
الترتيب، ومعناها الشركة والجمع مطلقاً من غير دلالة على تقديم أو مصاحبة، ولهذا صح:
جاء زيد وبكر قبله وعمرو معه وخالد بعده. وقال تعالى في سورة البقرة: ﴿وادخلوا الباب
سجدا وقولوا حطة﴾ [البقرة: ٥٨] وفي الأعراف: ﴿وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا﴾
[الأعراف: ١٦١] والقصة واحدة. قال سيبويه: الواو للشركة، تقول: مررت برجل وحمار،
ولم يفد تقدم رجل في المعنى شيئاً، وإنما هو شيء في اللفظ، فكأنك قلت: مررت بهما.
قوله: ((حتى يكون)) التقدير: حتى أن يكونا، وكلمة: حتى، للغاية والمعنى: حتى يكون غايته
القطع تحت الكعبين.
بيان المعاني: قوله: ((ما يلبس المحرم)) قال المازري وغيره: سئل عما يلبس فأجاب بما
لا يلبس، لأن المتروك منحصر والملبوس لا ينحصر، لأن الإباحة هي الأصل، فحصر ما يترك
ليبين أن ما سواه مباح، وهذا من بديع كلامه وجزله وفصاحته. قلت: وفائدة أخرى وهو:
مراعاة المفهوم، فإنه لو أجاب بما يلبس لتوهم المفهوم، وهو أن غير المحرم لا يلبسه، فانتقل
إلى ما لا يلبسه، لأن مفهومه ومنطوقه مستعمل، فكان أفصح وأبلغ وأوجه. وقد أجيب: بأن
السؤال كان من حقه أن يكون عما لا يلبس لأن الحكم العارض المحتاج إلى البيان هو
الحرمة، وأما جواز ما يلبس فثابت في الأصل معلوم بالاستصحاب. فلذلك أتى بالجواب
على وفقه تنبيهاً عليه. وقال القاضي عياض: أجمع المسلمون على أن ما ذكر في الحديث

٠٤٣٩٠.
*19:
٣ - كتاب العلم / باب (٥٣)
٣٣٦
لا يلبسه المحرم، وأنه نبه بالقميص والسراويل على كل مخيط، فنبه بالسراويل على كل ما
يعم العورة من المخيط، وبالعمائم والبرانس على كل ما يغطى به الرأس مخيطاً أو غيره،
وبالخفاف على ما يستر الرّجل وأن لباس ذلك جائز للرجال في غير الإحرام، لأن الخطاب
إنما كان لهم، ولأن النساء مأمورات بستر رؤوسهن. قلت: وفي عطف البرانس على العمامة
دليل على أن المحرم ينبغي أن لا يغطي رأسه بالمعتاد وغيره، وكذا نبه بالورس والزعفران
على ما سواهما من أنواع الطيب، وهو حرام على الرجل والمرأة.
فإن قلت: ما تقدم عليه وما تأخر عنه خاص بالرجال، فمن أين علم عمومه
وخصوصهما؟ قلت: الخصوص من حيث إن الألفاظ كلها للمذكرين، وأما العموم فمن الأدلة
الخارجة عن هذا الحديث، ولو كانت الرواية برفع: ولا ثوب، فالجواب أظهر. قال العلماء:
والحكمة في تحريم اللباس المذكور على المحرم أن يبعد من الترفه ويتصف بصفة الخاشع
الذليل، وليتذكر أنه محرم في كل وقت. فيكون أقرب إلى كثرة أذكاره، وأبلغ في مراقبته
وصيانته لعبادته، وامتناعه من ارتكاب المحظورات، وليتذكر به الموت، ولباس الأكفان،
والبعث يوم القيامة حفاة عراة مهطعين إلى الداعي، والحكمة في تحريم الطِّيب أن يبعد من
زينة الدنيا، ولأنه داع إلى الجماع، ولأنه ينافي الحاج، فإنه أشعث أغبر، ومحصله إرادة أن
يجمع همه لمقاصد الآخرة. قوله: ((ولا ثوباً مسه الورس)) فإن قلت: فلم عدل عن طريقة
أخواته؟ قلت: لأن الطيب حرام على الرجل والمرأة، فأراد أن يعمم الحكم للمحرم
والمحرمة بخلاف الثياب المذكورة، فإنها حرام على الرجال فقط. قوله: ((فليقطعهما)) قال
الكرماني: فإن قلت: فإذا فقد النعل فهل يجب لبس الخف المقطوع، لأن ظاهر الأمر
الوجوب؟ قلت: لا، إذ هو شرع للتسهيل، فلا يناسب التثقيل. قلت: هذا الذي ذكره ليس
مذهب إمامه، فإن القطع واجب بظاهر الأمر عند جمهور العلماء إلاَّ أن أحمد جوزه بدون
القطع، وزعم أصحابه أن القطع إضاعة، وهو القول بالرأي بعينه ومنازعة السنة به، وأوجب أبو
حنيفة الفدية على من لم يقطعه.
بيان استنباط الأحكام: الأول: قال ابن بطال: فيه من الفقه أنه يجوز للعالم إذا سئل
عن الشيء أن يجيب بخلافه إذا كان في جوابه بيان ما يسأل عنه. وأما الزيادة على السؤال
فحكم الخف، وإنما زاد، عليه الصلاة والسلام، لعلمه بمشقة السفر، ومما يلحق الناس من
الحفي بالمشي رحمة لهم، ولذلك يجب على العالم أن ينبه الناس في المسائل على ما
ينتفعون به ويتسعون فيه ما لم يكن ذريعة إلى ترخيص شيء من حدود الله تعالى.
الثاني: فيه بيان حرمة لبس الأشياء المذكورة على المحرم، وهذا إجماع.
الثالث: فيه حرمة لبس الثوب الذي مسه ورس أو زعفران، وأطلق حرمته جماعة منهم:
مجاهد وهشام بن عروة وعروة بن الزبير ومالك في رواية ابن القاسم عنه، فإنهم قالوا: كل
ثوب مسه ورس وزعفران لا يجوز لبسه للمحرم سواء كان مغسولاً أو لم يكن لإطلاق
الحديث، وإليه ذهب ابن حزم الظاهري، وخالفهم جماعة وهم: سعيد بن جبير وعطاء بن
/١٠٢٠

٣٣٧
٣ - كتاب العلم / باب (٥٣)
أبي رباح والحسن البصري وطاوس وقتادة وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري وأبو حنيفة ومالك
والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور، فإنهم أجازوا للمحرم لبس الثوب
بالورس أو الزعفران إذا كان غسيلاً لا ينفض، لأنه ورد في حديث ابن عمر المذكور: ((إلاَّ أن
يكون غسيلاً)، وأورد هذه الزيادة الطحاوي في (معاني الآثار) قال: حدثنا يحيى بن عبد
الحميد قال: حدثنا أبو معاوية (ح) وحدثنا ابن أبي عمران قال: حدثنا عبد الرحمن بن صالح
الأزدي قالٍ: حدثنا أبو معاوية عن عبيد الله بن نافع عن ابن عمر، رضي الله عنهما، عن النبي
عَُّلِّ، مثل الحديث المذكور، وزاد: ((إلاَّ يكون غسيلاً)). قال ابن أبي عمران: رأيت يحيى بن
معين وهو يتعجب من الحماني إذ يحدث بهذا الحديث، فقال له عبد الرحمن: هذا عندي،
ثم وثب من فوره فجاء بأصله، فأخرج منه هذا الحديث عن أبي معاوية كما ذكره يحيى
الحماني، فكتب عنه يحيى بن معين، فقد ثبت بما ذكرنا استثناء رسول الله، عليه الصلاة
والسلام، الغسيل مما قد مسه ورس أو زعفران. انتهى كلامه. فإن قلت: قال ابن حزم: ولا
نعلمه صحيحاً. وقال أحمد بن حنبل: أبو معاوية مضطرب الحديث في أحاديث عبيد الله،
ولم يجىء بهذا أحد غيره: إلا أن يكون غسيلاً، قلت: هذا يحيى بن معين كان أولاً ينكر
على يحيى بن عبد الحميد الحماني، يقول: كيف يحدث بهذا الحديث؟ ثم لما قال له عبد
الرحمن بن صالح الأزدي: هذا الحديث عندي، وأخرج له من أصله عن أبي معاوية، كما
ذكره الحماني بهذه الزيادة، كتب عنه يحيى بن معين، وكفى حجة لصحة هذه الزيادة:
شهادة عبد الرحمن، وكتابة يحيى بن معين، ورواية أبي معاوية. وأبو معاوية ثقة ثبت. وقول
ابن حزم: ولا نعلمه صحيحاً، نفي علمه بصحته وهذا لا يستلزم نفي صحته في علم غيره.
فافهم.
الرابع: فيه جواز لبس الخفين إذا لم يجد النعلين، ولكن بشرط قطعهما، فالجمهور
على وجوب القطع كما ذكرنا، وجوزه أحمد بغير قطع، وهو مذهب عطاء أيضاً. واستدلا في
ذلك بظاهر حديث جابر. وأخرجه مسلم: ((من لم يجد نعلين فليلبس خفين)). وبحديث ابن
عباس أخرجه البخاري: ((ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين)). واختلف العلماء في هذين
الحديثين، أعني حديث ابن عمر المذكور وحديث ابن عباس وجابر، فزعم أصحاب أحمد
أن حديث ابن عباس وجابر ناسخ لحديث عبد الله بن عمر بالقطع لأنه إضاعة مال. وقال
الجمهور: المطلق محمول على المقيد، وزيادة الثقة مقبولة، والإضاعة إنما تكون فيما نهي
عنه، أما ما ورد الشرع به فليس إضاعة بل هو حق يجب الإيمان به، وادعاء النسخ ضعيف
جداً. فإن قلت: قال ابن قدامة: يحتمل أن يكون الأمر بقطعهما قد نسخ، فإن عمرو بن دينار
روى الحديثين جميعاً، وقال: انظروا أيهما كان قبل، وقال الدارقطني: قال أبو بكر
النيسابوري: حديث ابن عمر قبل لأنه قد جاء في بعض رواياته: نادى رجل رسول الله عَّله.
في المسجد، يعني في المدينة، فكأنه كان قبل الإحرام، وحديث ابن عباس يقول: سمعته
يخطب بعرفات ... الحديث، فيدل على تأخره عن حديث ابن عمر، فيكون ناسخاً له، لأنه
٢
٢٠١
عمدة القاري/
١/٠١/٠
i
ـةهو ،

٫٠٠٠
٣ - كتاب العلم / باب (٥٣)
٣٣٨
لو كان القطع واجباً لبينه للناس، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه. قلت: يفسر
هذا كله ما ذكره ابن خزيمة في (صحيحه) عن ابن عباس: ((سمعت النبي، صلى الله تعالى
عليه وآله وسلم، وهو يخطب ويقول: السراويل لمن لا يجد الإزار)). وحدثنا أحمد بن
المقداد، حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر: ((أن رجلاً سأل النبي صَ لّه
وهو بذاك المكان فقال: يا رسول الله! ما يلبس المحرم؟» الحديث، كأنه يشير بذلك المكان
إلى عرفات، فإذا كان كذلك فليس فيه دلالة على ما ذكروه وادعوه من النسخ، والله أعلم.
مے
فإن قلت: قد قيل: إن قوله: وليقطعهما، من كلام نافع، وكذا فى (أمالي أبي قاسم
ابن بشر) بسند صحيح أن نافعاً قال بعد روايته لهذا الحديث: وليقطع الخفين أسفل الكعبين.
وذكر ابن العربي وابن التين أن جعفر بن برقان قال في روايته: قال نافع: ويقطع الخفان أسفل
من الكعبين. وقال ابن الجوزي: روى حديث ابن عمر مالك وعبيد الله وأيوب في آخرين،
فوقفوه على ابن عمر، وحديث ابن عباس سالم من الوقف مع ما عضده من حديث جابر،
وقد أخذ بحديث عمر وعلي وسعيد وابن عباس وعائشة، رضي الله عنهم، ثم إنا نحمل قوله:
((وليقطعهما)) على الجواز من غير كراهة لأجل الإحرام، وينهى عن ذلك في غير الإحرام لما
فيه من الفساد. قلت: قال أبو عمر: قد اتفق الحفاظ من أصحاب مالك على
لفظة: ((وليقطعهما))، أنها من لفظ الحديث، وأما جعفر بن برقان فوهم فيه في موضعين:
الأول: جعله هذا من قول نافع أنه قال فيه: من لم يجد إزاراً فليلبس سراويل، وليس هذا
حديث ابن عمر. والثاني: جعله هذا موقوفاً، وقد روى أحمد بن حنبل حديث ابن عمر
مرفوعاً، وفيه ذكر القطع، وقال: ليس نجد أحداً رفعه غير زهير. قال: وكان زهير من معادن
الصدق، ذكره عنه الميموني.
الخامس: قوله في هذا الحديث: ((ولا السراويل)) أطلق المنع فيه، وجاء في حديث
ابن عباس إباحة لبس السراويل لمن لم يجد الإزار بقوله: ((من لم يجد إزاراً فليلبس
السراويل))، فأخذ به الشافعي والجمهور منهم: عطاء والثوري وأحمد وإسحاق وداود، ومنعه
أبو حنيفة ومالك. قال: فالشافعي أخذ بظاهر الحديث، وأبو حنيفة، رضي الله تعالى عنه،
يقول: إن هذا الحديث ليس بحجة علينا ولا نحن نخالفه ولا تركنا العمل به، فنحن أيضاً
نقول به، ونجوّز لبس السراويل للضرورة كما جوَّزتم أنتم، ولكنا نقيد الجواز بالكفارة؛ فإذا
لبس وجب عليه الكفارة لأنه ليس في الحديث ما يدل على نفي وجوب الكفارة. غاية ما
في الباب الذي يدل عليه الحديث: جواز لبس الخفين عند عدم النعلين، وجواز لبس
السراويل عند عدم الإزار، ثم أوجبنا عليه الكفارة لدلائل أخرى دلت عليه. وقال أبو عمر في
(التمهيد): وأجمعوا أن المحرم إذا وجد إزاراً لم يجز له لبس السراويل، واختلفوا فيه إذا لم
يجد الإزار، هل يلبس السراويل؟ وإن لبسها على ذلك، هل عليه فدية أم لا؟ فكان مالك وأبو
حنيفة يريان على من لبس السراويل وهو محرم الفدية، وسواء عند مالك وجد الإزار أو لم
يجد، وفي (البدائع): المحرم إذا لم يجد الإزار وأمكنه فتق السراويل والتستر فيه فتقه، فإن
١

٣٣٩
٣ - كتاب العلم / باب (٥٣)
لبسه ولم يفتقه فعليه دم في قول أصحابنا. وقال الشافعي: يلبسه ولا شيء عليه، وإن لم يجد
رداء وله قميص فلا بأس أن يشق قميصه ويرتدي به، لأنه لما شقه صار بمنزلة الرداء، وكذا إذا
لم يجد إزاراً فلا بأس أن يفتق سراويله خلاف موضع التكة ويأتزر به، لأنه إذا فتقه صار بمنزلة
الإزار، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
• هوة

بسم الله الرحمن الرحيم
٤ - كِتابُ الوضوء
قد ذكرنا أنه افتتح الكتاب أولاً بالمقدمة وهو باب الوحي، ثم ذكر الكتب المشتملة
على الأبواب، وقدم كتاب الإيمان، وكتاب العلم للمعنى الذي ذكرناه عند كتاب الإيمان، ثم
شرع بذكر الكتب المتعلقة بالعبادات وقدمها على غيرها من الكتب المتعلقة بنحو المعاملات
والآداب والحدود وغير ذلك، لأن ذكرها عقيب كتاب العلم والإيمان أنسب، لأن أصل
العبادات ومبناها الإيمان، ومعرفتها على ما يجب وينبغي بالعلم، ثم قدم كتاب الصلاة بأنواعها
على غيرها من كتب العبادات لكونها تالية الإيمان في الكتاب والسنة، ولأن الاحتياج إلى
معرفتها أشد لكثرة دورانها، ثم قدم كتاب الوضوء لأنها شرط الصلاة، وشرط الشيء يسبقه.
ووقع في بعض النسخ كتاب الطهارة وبعده: باب ما جاء في الوضوء، وهذا أنسب،
لأن الطهارة أعم من الوضوء، والكتاب الذي يذكر فيه نوع من الأنواع ينبغي أن يترجم بلفظ
عام حتى يشمل جميع أقسام ذلك الكتاب، ثم الكلام في لفظ الكتاب قد مر عند كتاب
الإيمان.
والطهارة في اللغة مصدر من: طهر الشيء، بضم الهاء وفتحها، وفي (العباب): طهر
الشيء وطهر أيضاً، بالضم وبالفتح أعلى، طهارة، والطهر، بالضم، الاسم. والطهرة اسم من
التطهير، والطهر نقيض الحيض، والتركيب يدل على نقاء وإزالة دنس. وفي الشرع: الطهارة
هي النظافة.
والوضوء بضم الواو من الوضاءة وهو الحسن والنظافة. تقول: وضوء الرجل أي: صار
وضيئاً، والمرأة وضيئة، والوضوء، بالفتح: الماء الذي يتوضأ به. وفي (العباب): الوضوء أيضاً
يعني، بالفتح: مصدر من توضأت للصلاة، مثل القبول. وأنكر أبو عمرو بن العلاء الفتح في
غير القبول، وقال الأصمعي: قلت لأبي عمرو: ما الوضوء بالفتح؟. قال: الماء الذي يتوضأ به.
قلت: فما الوضوء بالضم؟ قال: لا أعرفه. وأما إسباغ الوضوء فبفتح الواو لا غير، لأنه في
معنى إبلاغ الوضوء مواضعه. وذكر الأخفش في قوله تعالى: ﴿وقودها الناس والحجارة﴾
[البقرة: ٢٢٤، التحريم: ٦] فقال: الوقود، بالفتح: الحطب، والوقود بالضم: الإيقاد، وهو
المصدر. قال: ومثل ذلك الوضوء: وهو الماء، والوضوء: وهو المصدر. ثم قال: وزعموا أنهما
لغتان بمعنى واحد، تقول: الوقود والوقود يجوز أن يعني بهما: الحطب، ويجوز أن يعني بهما:
المصدر. وقال غيره: القبول والولوع مفتوحان، وهما مصدران شاذان، وما سواهما من
المصادر فمبني على الضم. قلت: الحاصل أن في الوضوء ثلاث لغات. أشهرها أنه بضم
الواو اسم للفعل، وبفتحها: اسم للماء الذي يتوضأ به، ونقلها ابن الأنباري عن الأكثرين.
الثاني: أنه بفتح الواو فيهما، وهو قول جماعات منهم الخليل، وقال: والضم لا يعرف.
٣٤٠