Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ ٣ - كتاب العلم / باب (٤٣) في (الفتن) عن بندار عنهما به، وهذا قطعة من حديث أبي بكرة الطويل، ذكره البخاري في الخطبة أيام منى، ومسلم في (الجنايات) وقد تقدم قطعة من حديث أبي بكرة في (كتاب العلم) في موضعين أحدهما في: باب رب مبلغ أوعى من سامع. بيان الإعراب والمعنى: قوله: ((قال))، جملة في محل الرفع لأنها اسم. إن. قوله: ((في حجة الوداع)، متعلق: بقال، المشهور في الحاء والواو الفتح. قوله: ((استنصت الناس)) جملة من الفعل والفاعل وهو: أنت في اسنتصت، والمفعول وهو: الناس، وهو مقول القول، واستنصت، أمر من الاستنصات: استفعال من الإنصات، ومثله قليل، إذ الغالب أن الاستفعال يبنى من الثلاثي ومعناه طلب السكوت، وهو متعد، والإنصات جاء لازماً ومتعدياً، يعني استعمل أنصتوه وأنصتوا له لا أنه جاء بمعنى الإسكات. وسميت بحجة الوداع لأن النبي عَّه. ودع الناس فيها. فإن قلت: قد وقع في غالب النسخ أن النبي عَّه قال له: أي لجرير، وكيف يكون هذا وقد جزم ابن عبد البر بأن جريراً أسلم قبل موت النبي عَّله بأربعين يوماً؟ قلت: قد قيل: إن لفظة: له، ههنا زيادة لأجل هذا المعنى، ولكن وقع في رواية البخاري: لهذا الحديث في: باب حجة الوداع، أن النبي عَّهِ قال لجرير، وهذا يدل على أن لفظة، ههنا غير زائدة، وأن رواية جرير قبل ذلك، ويصححه ما قاله البغوي وابن ماجه: إنه أسلم في رمضان سنة عشر، فحينئذ يخدش ما ذكره ابن عبد البر، والله أعلم. قوله: ((لا ترجعوا)) معناه ههنا: لا تصيروا، قال ابن مالك: (رجع) هنا استعمل استعمال ((صار)) معنىّ وعملاً، أي: لا تصيروا بعدي كفاراً، فعلى هذا: كفاراً منصوب لأنه خبر: لا ترجعوا، أي: لا تصيروا، فتكون من الأفعال الناقصة التي تقتضي الاسم المرفوع والخبر المنصوب. قوله: ((بعدي)) قال الطبري أي بعد فراقي في موقفي هذا، وقال غيره: خلافي، أي لا تخلفوني في أنفسكم بعد الذي أمرتكم به، ويحتمل أنه، عليه الصلاة والسلام، علم أن هذا لا يكون في حياته فنهاهم عنه بعد وفاته. وقال المظهري: يعني إذا فارقت الدنيا فاثبتوا بعدي على ما أنتم عليه من الإيمان والتقوى، ولا تحاربوا المسلمين ولا تأخذوا أموالهم بالباطل. وقال محيي السنة. أي: لا تكن أفعالكم شبيهة بأفعال الكفار في ضرب رقاب المسلمين. جو. i وقال النووي: قيل في معناه ستة أقوال أخر. أحدها: إن ذلك كفر في حق المستحل بغير حق. ثانيها: المراد كفر النعمة وحق الإسلام. ثالثها: إنه يقرب من الكفر ويؤدي إليه. رابعها: إنه حقيقة الكفر ومعناه: دوموا مسلمين. خامسها: حكاه الخطابي، أن المراد بالكفار المتكفرون بالسلاح يقال: تكفر الرجل بسلاحه إذا لبسه، ويقال للابس السلاح: كافر. سادسها: معناه: لا يكفر بعضكم بعضاً فتستحلوا قتال بعضكم بعضاً. قوله: ((يضرب)) يرفع الباء، وهو الصواب وهو الرواية التي رواها المتقدمون والمتأخرون. وفيه وجوه: أحدها: أن يكون صفة لكفار أي: لا ترجعوا بعدي كفاراً متصفين بهذه الصفة القبيحة، يعني ضرب بعضكم رقاب آخرين. والثاني: أن يكون حالاً من ضمير: ١٣٠ ٠ -. ١٣٧ i i حمة ١٣٠ ٢٨٢ ٣ - كتاب العلم / باب (٤٣) لا ترجعوا، أي: لا ترجعوا بعدي كفاراً حال ضرب بعضكم رقاب بعض. والثالث: أن يكون جملة استئنافية، كأنه قيل: كيف يكون الرجوع كفاراً؟ فقال: يضرب بعضكم رقاب بعض، فعلى الوجه الأول: يجوز أن يكون معناه: لا ترجعوا عن الدين بعدي فتصيروا مرتدين مقاتلين يضرب بعضكم رقاب بعض بغير حق، على وجه التحقيق: وأن يكون: لا ترجعوا كالكفار المقاتل بعضكم بعضاً على وجه التشبيه بحذف أداته هو على الثاني، يجوز أن يكون معناه: لا تكفروا حال ضرب بعضكم رقاب بعض لأمر يعرض بينكم لاستحلال القتل بغير حق، وأن يكون: لا ترجعوا حال المقاتلة لذلك كالكفار في الانهماك في تهييج الشر وإثارة الفتن بغير إشفاق منكم بعضكم على بعض في ضرب الرقاب. وعلى الثالث: يجوز أن يكون معناه: لا يضرب بعضكم رقاب بعض بغير حق فإنه فعل الكفار، وأن يكون لا يضرب بعضكم رقاب بعض، كفعل الكفار على ما تقدم،؛ وجوز ابن مالك وأبو البقاء جزم الباء على أنه بدل من: لا ترجعوا، وأن يكون، جزاء لشرط مقدر على مذهب الكسائي، أي: فإن رجعتم يضرب بعضكم رقاب بعض. وقيل: يجوز الجزم بأن يكون جواب النهي على مذهب من يجوز: لا تكفر تدخل النار. وقال القاضي والنووي: ومن سكّن الباء ممن لم يضبطه أحال المعنى، لأن التقدير على الرفع: لا تفعلوا فعل الكفار فتشبهوا بهم في حالة قتل بعضهم بعضاً، ومحاربة بعضهم بعضاً. قال القاضي، وهذا أولى الوجوه التي يتناول عليها هذا الحديث. وقد جرى بين الأنصار كلام بمحاولة اليهود حتى ثار بعضهم إلى بعض في السلاح. فأنزل الله تعالى: ﴿وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله﴾ [آل عمران: ١٠١] أي تفعلون فعل الكفار، وسياق الخبر يدل على أن النهي عن ضرب الرقاب والنهي عما قبله بسببه، كما جاء في حديث أبي بكرة، رضي الله عنه: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام)). وذكر الحديث، ثم قال: ((ليبلغ الشاهد الغائب، لا ترجعوا بعدي كفاراً ... )) الحديث. فهو شرح لما تقدم من تحريم بعضهم على بعض. قوله: ((رقاب بعض)، وهو جمع رقبة، فإن قلت: ليس لكل شخص إلاّ رقبة واحدة، ولا شك أن ضرب الرقبة الواحدة منهي عنها. قلت: البعض وإن كان مفرداً لكنه في معنى الجمع، كأنه قال: رب لا يضرب فرقة منكم رقاب فرقة أخرى، والجمع في مقابلة الجمع: أو ما في معناه يفيد التوزيع. بيان استنباط الأحكام: الأول: قال ابن بطال: فيه أن الإنصات للعلماء والتوقير لهم لازم للمتعلمين، قال الله تعالى: ﴿لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾ [الحجرات: ٢] ويجب الإنصات عند قراءة حديث رسول الله عَّ له مثل ما يجب له عَطّله، وكذلك يجب الإنصات للعلماء لأنهم الذين يحيون سنته ويقومون بشريعته. الثاني: فيه تحذير الأمة من وقوع ما يحذر فيه. الثالث: تعلق به بعض أهل البدع في إنكار حجية الإجماع، كما قال المازري، لأنه نهى الأمة بأسرها عن الكفر، ولولا جواز إجماعها عليه لما نهاها، والجواب: إن الامتناع إنما جاء من جهة خبر الصادق لا من عدم الإمكان، وقد قال تعالى: ﴿لئن ٠٠٠٠ ٢٨٣ ٣ - كتاب العلم / باب (٤٤) أشركت ليحبطن عملك﴾ [الزمر: ٦٥] ومعلوم أنه معصوم. ٤٤ - بابُ ما يُسْتَحَبُّ لِلْعَالِمِ إِذَا سُئِلَ: أيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَيَكِلُ العِلْمَ إِلَى اللَّهِ أي: هذا باب في بيان: (ما يستحب للعالم إذا سئل ... )) الخ. وكلمة: ما، موصولة، ويجوز أن تكون مصدرية، والتقدير: استحباب العالم ... وكلمة: إذا، ظرفية، فتكون ظرفاً لقوله: ((يستحب))، والفاء في قوله: ((فيكل))، تفسيرية على أن قوله: يكل، في قوة المصدر بتقدير: أن، والتقدير: ما يستحب وقت السؤال هو الوكول، ويجوز أن تكون: إذا شرطية و: الفاء، حينئذ داخلة على الجزاء، والتقدير: فهو يكل، والجملة بيان لما يستحب. قوله: ((أي الناس)) أي: أي شخص من أشخاص الإنسان أعلم من غيره؟ وروي: ((إذا سئل أي الناس أعلم؟ أن يكل)). و: أن مصدرية. والتقدير: باب استحباب وكول العالم العلم إلى الله تعالى وقت السؤال عنه: أي الناس أعلم؟ قوله: ((يكل)) أصله: يوكل، لأنه من: وكل الأمر إلى نفسه وكلاً ووكولاً، وهذا أمر موكول إلى رأيك، حذفت الواو لوقوعها بين الياء والكسرة كما في: يعد، ونحوه. ومعنى أصل التركيب يدل على اعتماد غيرك في أمرك. وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول لزوم الإنصات للعالم، وهو في الحقيقة وكول أمره إليه في حالة السماع، وكذلك ههنا: لزوم وكول الأمر إلى الله تعالى إذا سئل عن الأعلم. ٦٣ / ١٢٢ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ مُحمَّدٍ قال: حدّثنا سُفْيانُ قالَ: حدّثنا عَمْرٌو قالَ: أخبرني سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلتُ لابنٍ عَبَّاسِ: إِنَّ نَوْفاً التَكَالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى لَيْسَ بِمُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِنَّا هُو مُوسَى آخَرُ. فَقالَ: كَذَبّ عَدُوُّ اللَّهِ. حدّثنا أَتَيُ بنُ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ عَ له قال: ((قامَ مُوسَى النَّبيُّ خَطِيباً فيِ بَنِي إِسْرَائِيلَ. فَشُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فقالَ: أَنَّا أَعْلَمُ، فَعَتَبَ اللَّهُ عليهِ إِذْ لَمْ تَهُدَّ العِلْمَ إِلَيْهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنَّ عَبْدَاً مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِثْكَ، قالَ: يا رَبِّ! وَكَيْفَ لِي بِهِ؟ فَقِيلَ لَهُ: اخيِلْ مُوتاً فِي مِكْتَلِ فَإِذَا فَقَدَّتَهُ فَهُوَ ثَمّ، فانْطَلَقَ واْطَلَقَ بِفَتَاهُ يُوشِعَ بِنُ نُونٍ وَحَمَلاَ حوتاً في مِكْتَلٍ حَتَّى كانا عِنْدَ الصَّخْرَةِ وَضَعَا رُؤُوسَهُمَا وَنَامًا، فَانْسَلَّ الحُوتُ مِنَ المِكْتَلِ ﴿﴿ فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً﴾ [الكهف: ٦١]، وكانَ لُمُوسَى وفَتَاهِ عَجَباً، فانْطَلَقَا بَقِيَّةَ لَئِلَتِهِمَا وَيَوْمِهَما فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ ﴿مُوسَى لِفَتَاهُ: آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرَنَا هَذَا نَصَبا﴾ [الكهف: ٦٢]، وَلَمْ يَجدْ مُوسَى مَشَّا مِنَ النَّصَبِ حَتَّى جاوَزَ المَكانَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ، فَقالَ لَهُ فَتَاهُ: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أُوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فإِنِّي نَسِيتُ الحُوتَ﴾ [الكهف: ٦٣] قالَ مُوسَى: ﴿ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ، فَارْتَدا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً﴾ [الكهف: ٦٤] فلمَّا انْتَهَيَا إلى الصَّخْرَةِ إِذَا رَجُلٌ مُسَبَجَّى بِثَوْبٍ - أوْ قالَ: تَسَجّى بِثَوْبِهِ - فَسَلَّمِ مُوسَى فَقَالَ الخَضِرُ: وأنَّى بِأَرْضِكَ السَّلامُ؟ فَقَالَ: أَنَا مُوسَى. فقالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أنْ تُعَلِّمنْ مِهَا عُلِّنْتَ رُشْداً. قالَ: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً﴾ [الكهف: ٦٦ - ٦٧] يا مُوسى إنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّه عَلِّمَنِيهِ لا تَعْلَئُهُ أَنْتَ، وأَنْتَ عَلَى i ٠٠٠ م جو: ٢٨٤ ٣ - كتاب العلم / باب (٤٤) عِلْم علّمَكَهُ لاَ أَعْلَمُهُ، قال: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاء اللَّهُ صابِراً وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمراً﴾ [الكهف: ٦٩] فانْطَلَقَا يَمْشِيَانٍ عَلَى سَاحِلِ البَحْرِ لَيْسَ لَهُمَا سَفِينةٌ، فَمَرَّتْ بِهِمَا سفِينَةٌ فَكَلِمُوهُمْ أَنْ يَخْمِلُوهُمَا، فَتُرِفَ الخَضِرُ فَحَمَلُوهُمَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَجَاءَ عُصْفُورٌ فَوقَعَ عَلَى حَوْفٍ السَّفِينَةِ، فَنَقَرَ نَقْرَةً أَو نَقْرَتَيْنِ في البَخْرِ، فقالَ الخَضِرُ: يا مُوسَى ما نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمَكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إلاّ كَتَقْرةٍ هَذَا العُصْفُورِ فِي البَخْرِ، فَعَمَّدَ الخَضِرُ إلى لوْحٍ مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ فَتَزَعَهُ، فقالٌ مُوسَى: قَوْمٌ حَمَلُونَا بغيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إلى سفينَتهم فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَها؟ قالَ: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ [الكهف: ٧٢] ﴿ قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ،﴾ [الكهف: ٧٣] فَكانَتِ الأَولَى مِنْ مُوسَى نِشْيَاناً فانْطَلَقَا، فإذَا غُلاَمٌ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ، فَأَخَذْ الخَضِرُ بِرَأْسِه مِنْ أعْلاَهُ فاقْتَلَعَ رَأْسَهُ بيدِهِ فقالَ مُوسَى: ﴿أَقْتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ [الكهف: ٧٤] ﴿قَالَ: أَلَمْ أقلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ [الكهف: ٧٥]. قالَ ابنُّ عُيَيْنَةَ: وَهَذَا أَوْكّد - فانْطَلَقَا﴿حَتَّى إِذا أَتَيَّا أَهْلَ قَرْيَةِ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضِيِّفُوهُما، فَوَجَدَا فِيها جِدَاراً تُرِيدُ أَنْ يَنْقِضَّ فَأَقَامَةُ. قَالَ الخَضِرُ بِيَدِهِ فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف: ٧٧] فقالَ لَهُ موسَى: ﴿لَوْ شِئْتَ لِتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً، قالَ: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْتَكَ﴾ [الكهف: ٧٧ - ٧٨] قال النَّبيُّ عَ لِّ: ((تَرْحَمُ الله مُوسَى، لَودِدْنَا لَوْ صَبْرَ حتَّى يُقَصَّ عَلَيْنا مِنْ أَمْرِهمَا)). [أنظر الحديث ٧٤ وأطرافه]. مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة. بيان رجاله: وهم سبعة. الأول: عبد الله بن محمد الجعفي المسندي، بفتح النون، وقد تقدم. الثاني: سفيان بن عيينة. الثالث: عمرو بن دينار. الرابع: سعيد بن جبير. الخامس: عبد الله بن عباس. السادس: نوف، بفتح النون وسكون الواو وفي آخره فاء: ابن فضالة، بفتح الفاء والضاد المعجمة: أبو يزيد، ويقال: أبو رشيد القاص البكالي، كان عالماً فاضلاً إماماً لأهل دمشق. وقال ابن التين: كان حاجباً لعلي، رضي الله عنه، وكان قاصاً، وهو ابن امرأة كعب الأحبار على المشهور، وقيل: ابن أخيه، والبكالي، بكسر الياء الموحدة وتخفيف الكاف: نسبة إلى بني بكال، بطن من حمير. وقال الرشاطي: البكالي في حمير ينسب إلى بكال بن دغمي بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد بن سدد بن زرعة بن سبأ الأصغر. قال الهمداني: وقيد دغمياً بالغين المعجمة، قال: وسائر ما في العرب بالعين المهملة، وضبط، بكالاً، بفتح الباء. وأصحاب الحديث يقولون بالفتح والكسر. وقال صاحب (المطالع): ونوف البكالي أكثر المحدثين يفتحون الباء ويشددون الكاف وآخره لام، وكذا قيدناه عن أبي بحر، وابن أبي جعفر عن العذري، وكذا قاله أبو ذر، وقيد عن المهلب بكسر الباء، وكذلك عن الصدفي وأبي الحسين بن سراج بتخفيف الكاف وهو الصواب نسبة إلى بكال من حمير .. وقال أبو بكر بن العربي في شرح الترمذي له: إنه منسوب إلى بكيل، بطن من همدان، ورد عليه بأن المنسوب إلى بكيل إنما هو أبو الوداك جبر بن نوف وغيره، وأما هذا نوف بن فضالة فهو منسوب إلى بكال بطن من حمير. السابع: أبي بن كعب الصحابي، رضي الله عنه. ٢٨٥ ٣ - كتاب العلم / باب (٤٤) بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والإخبار بصيغة الإفراد والسؤال. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي، وهما: عمرو وسعيد. ومنها: أن فيه رواية صحابي عن صحابي، وقد مر في باب: ما ذكر في ذهاب موسى، عليه الصلاة والسلام، في البحر إلى الخضر، أن البخاري أخرج هذا الحديث في أكثر من عشرة مواضع. بيان اللغات: قد مر في الباب المذكور تفسير: بني إسرائيل ويوشع بن نون والصخرة والقصص. قوله: ((في مكتل))، بكسر الميم وفتح التاء المثناة من فوق، وهو الزنبيل، ويقال: القفة. ويقال: فوق القفة والزنبيل. وفي (العباب): المكتل يشبه الزنبيل يسع خمسة عشر صاعاً. قوله: ((فانسل الحوت)) من: سللت الشيء أسله سلاً فانسلّ. وأصل التركيب يدل على مد الشيء في رفق وخفة. قوله: ((سربا) أي: ذهاباً، يقال: سرب سرباً في الماء إذا ذهب فيه ذهاباً. وقيل: أمسك الله جرية الماء على الحوت فصار عليه مثل الطاق، وحصل منه في مثل السرب، وهو ضد النفق، معجزة لموسى أو للخضر، عليهما الصلاة والسلام. والسرب في الأصل حفير تحت الأرض، والطاق: عند البناء وهو الأزج، وهو ما عقد أعلاه بالبناء وترك تحته خالياً. وجاء: فجعل الماء لا يلتئم حتى صار كالكوة، و: الكرة، بالضم والفتح: الثقب في البيت. قوله: ((نصباً) بفتح النون والصاد أي: تعباً. قوله: ((إذ أوينا)) من أوى لى منزله ليلاً أو نهاراً، إذا أتى. قوله: ((نبغي) أي: نطلب، من: بغيت الشيء: طلبته. قوله: ((فارتد)) أي: رجعا. قوله: ((مسجى)) أي: مغطى كله كتغطية وجه الميت ورجليه وجميعه، كذا جاء في البخاري، وقد جعل طرفه تحت رجله، وطرفه تحت رأسه، فسلم عليه موسى، فكشف عن وجهه. وقال الجوهري: وسجيت الميت تسجية إذا مددت عليه ثوباً. قوله: (رشدا) قال في (العباب): الرشد بالضم، والرشد بالتحريك، والرشاد والرشدى مثال: جمزى، وهذه عن ابن الأنباري: خلاف الغي. قال الله تعالى: ﴿قد تبين الرشد من الغي﴾ [البقرة: ٢٥٦] وقال جل ذكره: ﴿وهيء لنا من أمرنا رشداً﴾ [الكهف: ١٠] وقال: ﴿أهد كم سبيل الرشاد﴾ [غافر: ٣٨] وقد رشد یرشد، مثال: كتب يكتب، ورشد يرشد مثال: سمع يسمع، وفرق الليث بين اللغتين. فقال: رشد الإنسان يرشد رشداً ورشاداً، وهو نقيض الغي. ورشد يرشد رشداً وهو نقيض الضلال. قال: فإذا أصاب وجه الأمر والطريق فقد رشد. قوله: (سفينة)) فعيلة بمعنى فاعلة، كأنها تسفن الماء أي: تقشره. قاله ابن دريد. قوله: ((بغير نول)، بفتح النون أي، بغير أجر، والنول بالواو، والمنال والمنالة كله الجعل. وأما النيل والنوال فالعطية ابتداءً يقال: رجل نال إذا كان كثير النوال، كما قالوا: رجل مال إذا كان كثير المال. تقول: نلت الرجل أنوله نولاً، ونلت الشيء أناله نيلاً. وقال صاحب (العين): أنلته ونلته ونولته، والإسم: النول والنيل. يقال: نال ينال منالاً ومنالة. قوله: ((عصفور)) بضم العين: طير مشهور، وقيل: هو الصرد. قوله: (فعمد)، بفتح الميم: من عمدت للشيء أعمد من باب: ضرب يضرب عمداً: قصدت له، وفعلت ذلك عمداً على عين وعمد عين، أي: بجد ويقين. وعمدت الشيء: أقمته بعماد يعتمد عليه، وعمده المرض أي: فدحه وأضناه، وعمدت الرجل جدة i i i i i ١٣٠ دجى : im ٢٨٦ =TP. ٣ - كتاب العلم / باب (٤٤) إذا ضربته بالعمود، وعمدته أيضاً إذا ضربت عمود بطنه، وعمد الثرى، بالكسر، يعمد عمداً، بالتحريك: إذا بلله المطر. ويقال أيضاً: عمد البعير إذا انتضح داخل السنام من الركوب وظاهره صحیح، فهو بعیر عمد. وعمد الرجل إذا غضب، وعمد بالشيء إذا لزمه. قوله: ((بما نسيت)) أي: بما غفلت. وقيل: لم ينس ولكنه ترك، والترك يسمى نسياناً. قوله: ((ولا ترهقني)) قال الزجاج: لا تغشني. وقيل: لا تلحق بي وهماً، يقال: رهقه الشيء، بالكسر، يرهقه بالفتح رهقاً بفتح الهاء: إذا غشيه. وأرهقته: كلفته ذلك. يقال: لا ترهقني لا أرهقك الله، أي: لا تعسرني لا أعسرك الله. قوله: ((زكية)) أي: طاهرة لم تذنب، من الزكاة وهي الطهارة. قال تعالى: ﴿وتزكيهم بها﴾ [التوبة: ١٠٣] أي تطهرهم. قوله: ((قال الخضر بيده)) أي: أشار إليه بيده. ((فأقامه)): وهو من إطلاق القول على الفعل، وهذا في لسان العرب كثير. قال ابن الأعرابي: تقول العرب: قالوا بزيد أي: قتلوه، وقلنا به أي: قتلناه. وقال الرجل بالشيء أي: غلبه. قوله: ((لاتخذت))، قال مكي: التاء فاء الفعل. حكى أهل اللغة: تخذ يتخذ. قال الجوهري: الاتحاد افتعال من الأخذ، إلاّ أنه أدغم بعد تليين الهمزة وإبدالها تاءً، ثم لما كثر استعماله على لفظ الافتعال توهموا أن التاء أصلية، فبنوا منها: فعل يفعل. قالوا: تخد يتخذ، وقولهم: أخذت كذا يبدلون الذال تاء فيدغمونها، وبعضهم يظهرها. بيان الإعراب: قوله: ((إن نوفاً)، بكسر الهمزة و: نوفاً، بالنصب اسم: إن، هو منصرف في اللغة الفصيحة، وفي بعضها غير منصرف وكتبت بدون الألف. قال ابن الأعرابي: النوف السنام العالي، والجمع: أنواف. قال: والنوف: بظارة المرأة، وقال ابن دريد: ربما سمى ما تقطعه الخافضة من الجارية: نوفاً، زعموا والنوف: الصوت، يقال: نافت الضبعة تنوف نوفاً. وقال ابن دريد: بنو نوف بطن من العرب، أحسبه من همدان. وناف البعير ينوف نوفاً إذا ارتفع وطال. قلت: فعلى هذا: نوف، منصرف البتة لأنه لفظ عربي وليس فيه إلاَّ علة واحدة، وهي العلمية، ومن منعه الصرف ربما يزعم أنه لفظ أعجمي، فتكون فيه علتان: العجمة والعلمية، والأفصح فيه أيضاً الصرف، لأن سكون وسطه يقاوم إحدى العلتين، فيبقى الاسم بعلة واحدة، كما في: نوح ولوط. قوله: ((البكالي)) بالنصب صفة: لنوفاً. قوله: ((يزعم)) جملة من الفعل والفاعل في محل الرفع لأنها خبر: إن. قوله: ((أن موسى)) بفتح: أن، لأنه مفعول: يزعم، فإن قلت: يزعم من أفعال القلوب يقتضي مفعولين. قلت: إنما يكون من أفعال القلوب إذا كان بمعنى الظن، وقد يكون بمعنى القول من غير حجة فلا يقتضي إلاَّ مفعولاً واحداً، نحو قوله تعالى: ﴿زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا﴾ [التغابن: ٧] فههنا: يزعم، يحتمل المعنيين، فإن كان بمعنى: القول، فمفعوله: أن موسى، وهو ظاهر. وإن كان بمعنى: الظن، فإن مع اسمها وخبرها سدت مسد المفعولين، و: موسى، لا ينصرف للعلمية والعجمة. قوله: ((ليس موسى بني إسرائيل)، وفي رواية: ليس بموسى، والباء زائدة للتأكيد، وهي جملة في محل الرفع لأنها خبر إن. فإن قلت: موسى علم، والعلم لا يضاف، فكيف يضاف موسى إلى بني إسرائيل؟ ١٠٠٠٠٠ ٢٨٧ ٣ - كتاب العلم / باب (٤٤) قلت: قد نكر ثم أضيف، ومعنى التنكير أن يؤول بواحد من الأمة المسماة به. قوله: ((إنما هو موسى آخر» روي بتنوين موسى، وبغير تنوين. أما وجه التنوين فلأنه منصرف لكونه نكرة. وقال ابن مالك: قد ينكر العلم تحقيقاً أو تقديراً، فيجري مجرى نكرة، وجعل هذا مثال التحقيقي. وأما وجه ترك التنوين فظاهر. وأما لفظة: آخر. فإنه غير منصرف للوصفية الأصلية، ووزن الفعل، فلا ينون على كل حال. فإن قلت: هو أفعل التفضيل فلِمَ لا يستعمل بأحد الوجوه الثلاثة؟ قلت: غلب عليه الإسمية المحضة مضمحلاً عنه معنى التفضيل بالكلية. قوله: ((فقال) أي: ابن عباس. وقوله: ((كذب عدو الله))، جملة من الفعل والفاعل مقول القول. قوله: (أبي بن كعب)) فاعل: حدثنا. قوله: ((قام موسى)) جملة من الفعل والفاعل مقول القول. وقوله: (النبي)، بالرفع صفة موسى. قوله: ((خطيباً)) نصب على الحال. قوله: ((أي الناس)) كلام إضافي مرفوع بالابتداء، و((أعلم)) خبره، والتقدير: أعلم منهم، كما في قولك: الله أكبر، أي: من كل شيء. قوله: ((فقال) عطف على قوله: ((فسئل)). قوله: ((أنا أعلم)) مبتدأ وخبره مقول القول، والتقدير: أنا أعلم الناس. قوله: ((فعتب الله عليه))، الفاء تصلح للسببية. قوله: ((إذ)) بسكون الذال للتعليل. قوله: ((لم يرد)) يجوز فيه وفي أمثاله ضم الدال وفتحها وكسرها. أما الضم فلأجل ضمة الراء، وأما الفتح فلأنه أخف الحركات؛ وأما الكسر فلأن الأصل في الساكن إذا حرك أن يحرك بالكسر، ويجوز فك الإدغام أيضاً. وقوله: ((العلم) منصوب لأنه مفعول: ((لم يرد)). قوله: ((أن عبداً) بفتح: أن لأن أصله: بأن عبداً. قوله: (من عبادي)) في محل النصب لأنه صفة: عبداً. وقوله: ((بمجمع البحرين)) يتعلق بمحذوف، أي: كائناً بمجمع البحرين. قوله: (هو أعلم منك)). جملة إسمية في محل الرفع لأنها خبر: أن. قوله: ((رب)) أصله: يا ربي، فحذف حرف النداء وياء المتكلم للتخفيف اكتفاء بالكسر. قوله: ((وكيف لي به؟)) التقدير: كيف الالتقاء لي به؟ أي: بذلك العبد؟ وقوله: ((لي)، في محل الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، وهو الالتقاء المقدر، وكيف، وقع حالاً، إذ التقدير: على أي حالة الالتقاء لي؟ كما في قولك: كيف جاء زيد؟ فإن التقدير فيه: على أي حالة جاء زيد؟ وقد علم أن كيف، اسم لدخول الجار عليه بلا تأويل في قوله: جدة i ج٠٠ i علی کیف تبیع الأحمرین وللإخبار به مع مباشرة الفعل، نحو: وكيف كنت؟ فبالإخبار به انتفت الحرفية، وبمباشرته للفعل انتفت الفعلية، والغالب عليه أن يكون استفهاماً إما حقيقياً، نحو: وكيف زيداً، أو غيره نحوه ﴿كيف تكفرون بالله﴾ [البقرة: ٢٨] فإنه أخرج مخرج التعجب. قوله: (به) يتعلق بالمقدر الذي ذكرناه، والفاء في: ((فقيل)) عاطفة. قوله: ((احمل)) أمر، وفاعله: أنت، مستتر فيه (وحوتاً) مفعوله، والجملة مقول القول. قوله: ((في مكتل))، في موضع النصب على أنه صفة لحوتاً، أي: حوتاً كائناً في مكتل. قوله: ((فإذا))، للشرط و((فقدته)) جملة فعل الشرط. وقوله: ((فهو ثم))، جملة وقعت جواب الشرط، فلذلك دخلته الفاء. وقوله: ((ثم)) بفتح الثاء i i امور i ١٣٤٠ ١٣٠ .- ٢٨٨ ٣٠: ٣ - كتاب العلم / باب (٤٤) المثلثة ظرف بمعنى هناك. وقالت النحاة: هو اسم يشار به إلى المكان البعيد نحو: ﴿وأزلفنا ثم الآخرين﴾ [الشعراء: ٦٤] وهو ظرف لا يتصرف، فلذلك غلط من أعربه مفعولاً لرأيت في قوله تعالى: ﴿وإذا رأيت ثم رأيت﴾ [الإنسان: ٢٠]. قوله: (معه))، التصريح بالمعية للتأكيد وإلاَّ فالمصاحبة مستفادة من الباء في قوله: (بفتاه)). قوله: ((يوشع) في موضع الجر لأنه عطف بيان من: فتاه، ولم يظهر فيه الجر لكونه غير منصرف للعلمية والعجمة، و: ((نون)) منصرف على اللغة الفصحى كنوح، ولوط: فافهم. قوله: ((حتى)) للغاية. قوله: ((فناما)) عطف على: وضعا. قوله: ((فاتخذ) عطف على: فانسل. قوله: (سربا). قال الزجاج: نصب سرباً على المفعول، كقولك: اتخذت طريقي مكان كذا، واتخذت طريقي في السرب، واتخذت زيداً وكيلاً. قلت: يجوز أن يكون نصباً على المصدرية بمعنى: يسرب سرباً أي: يذهب ذهاباً يقال: سرب سرباً في الماء إذا ذهب ذهاباً. قوله: ((عجباً) نصب على أنه خبر: كان. قوله: ((بقية ليلتهما))، كلام إضافي، وانتصاب: بقية، على أنه بمعنى الظرف، لأن بقية الليل هي الساعات التي بقيت منه، وليلتهما مجرورة بالإضافة. قوله: ((ويومهما) يجوز فيه الجر والنصب. أما الجر فعطف على: ليلتهما، وأما النصب فعلى إرادة سير جميع اليوم. ووقع في التفسير: فانطلقا بقية يومهما وليلتهما. قال القاضي: وهو الصواب، لقوله: ((فلما أصبح). وفي رواية: ((حتى إذا كان من الغد))، وكذا وقع في مسلم بتقديم يومهما ولهذا قال بعض الأذكياء: إنه مقلوب، والصواب تقديم اليوم لأنه قال: فلما أصبح، ولا يصبح إلاّ عن ليل. وقال بعضهم: ويحتمل أن يكون المراد بقوله: ((فلما أصبح)) أي: من الليلة التي تلي اليوم الذي سارا جميعه. قلت: هذا احتمال بعيد لأنه يلزم أن يكون سيرهما بقية الليلة واليوم الكامل والليلة الكاملة من اليوم الثاني، وليس كذلك. قوله: ((قال موسى)) جواب: لما. قوله: ((آتنا))، جملة من الفعل والفاعل والمفعول، وآت، أمر من الإيتاء. وقوله: ((غداءنا)) بفتح الغين مفعول آخر، واللام في: لقد للتأكيد. و: قد، للتحقيق. قوله: ((نصباً)، نصب لأنه مفعول: لقينا. قوله: ((مساً) نصب لأنه مفعول: لم يجد. ق له: (من النصب)) في محل النصب لأنه صفة: مساً، أي: مسا حاصلاً أو واقعاً من النصب. قوله: ((حتى))، بمعنى الغاية أي إلى أن جاوز .. قوله: ((فتاه) مرفوع لأنه فاعل: قال له. قوله: «أرأيت) أي: أخبرني، وقد مر الكلام فيه عن قريب. قوله: (إذ) ظرف بمعنی حین، وفيه حذف تقديره: أرأيت ما دهاني إذ أوينا إلى الصخرة؟ قوله: ((فإني)) الفاء فيه تفسيرية يفسر به ما دهاه من نسيان الحوت حين أويا إلى الصخرة. قوله: ((ذلك)) مبتدأ وخبره قوله: (ما كنا نبغي) وكلمة: ما، موصولة والعائد محذوف، أي: نبغيه ويجوز حذف الياء من نبغي للتخفيف، وهكذا قرىء أيضاً في القرآن، وإثباتها أحسن، وهي قراءة أبي عمرو. قوله: ((قصصاً) نصب على تقدير: يقصان قصصاً أعني نصب على المصدرية. قوله: (إذا رجل مسجى)) كلمة إذا، للمفاجأة، ورجل، مبتدأ تخصص بالصفة وهي قوله: ((مسجى بثوب)) والخبر محذوف. ٢٨٩ ٣ - كتاب العلم / باب (٤٤) والتقدير: فإذا رجل مسجى بثوب نائم. أو نحو ذلك. قوله: ((وأنَّى بأرضك السلام؟» كلمة: أنى، بهمزة مفتوحة ونون مشددة تأتي بمعنى: كيف ومتى وأين وحيث، وههنا فيها وجهان. أحدهما: أن يكون بمعنى: كيف يعني للتعجب. والمعنى: السلام بهذه الأرض عجيب. ويؤيده ما في التفسير: ((هل بأرضي من سلام!)) وكأنها كانت دار كفر أو كانت تحيتهم بغير السلام. والثاني: أن يكون بمعنى: من أين؟ كقوله تعالى: ﴿أَنَّى لكِ هذا﴾ [آل عمران: ٣٧] فهي ظرف مكان، ((والسلام))، مبتدأ، و: أنَّى، مقدماً خبره، وهو نظير ما قيل في قوله تعالى: ﴿أنى لكِ هذا﴾ [آل عمران: ٣٧]. فإن: هذا، مبتدأ و: أنى، مقدماً خبره. ووجه هذا الاستفهام أنه لما رأى الخضر موسى، عليه السلام، في أرض قفر استبعد علمه بكيفية السلام. فإن قلت: i جدة ما موقع بأرضك من الإعراب؟ قلت: نصب على الحال من السلام، والتقدير: من أين استقر السلام حال كونه بأرضك؟ قوله: ((موسى بني إسرائيل؟)) خبر مبتدأ محذوف، أي: أنت موسى بني إسرائيل. قوله: ((نعم) مقول القول نائب على الجملة تقديره: نعم أنا موسى بني إسرائيل. قوله: ((هل)) للاستفهام، و: أن مصدرية أي: على اتباعي، إياك. قوله: ((علمت)) أي: من الذي علمك الله. قوله: ((رشداً) نصب على أنه صفة لمصدر محذوف أي: علماً رشداً، أي: ذا رشد، وهو من قبيل: رجل عدل. قوله: ((لن تستطيع)) في محل الرفع على أنه خبر: أن. قوله: ((صبراً)) مفعول: لن تستطيع. قوله: ((من علم الله)) كلمة من للتبعيض. قوله: ((علمنيه)) جملة من الفعل والفاعل والمفعولين أحدهما ياء المفعول، والثاني: الضمير الذي يرجع إلى العلم. فإن قلت: موقعها من الإعراب؟ قلت: الجر، لأنها صفة لعلم، وكذلك قوله: ((لا تعلمه أنت)) فالأول من الصفات الإيجابية، والثاني من الصفات السلبية. قوله: ((وأنت على علم) مبتدأ وخبر عطف على قوله: (إني على علم)). قوله: ((علمك الله)) جملة من الفعل والفاعل والمفعول، والمفعول الثاني محذوف تقديره: علمك الله إياه. والجملة صفة: لعلم، وكذا قوله: لا أعلمه، صفة أخرى. قوله: ((صابراً) مفعول ثان: لستجدني. وقوله: ((إن شاء الله)) معترض بين المفعولين. قوله: ((ولا أعصي لك أمراً). قال الزمخشري: و: لا أعصي، في محل النصب عطف على: صابراً أي: ستجدني صابراً وغير عاص. قوله: ((يمشيان)) حال وقد علم أن المضارع إذا وقع حالاً وكان مثبتاً لا يجوز فيه الواو. وقوله: ((أن يحملوهما)) أي: لأن يحملوهما أي: لأجل حملهم إياهما. قوله: ((نقرة)) نصب على المصدرية، و: (أو نقرتين)) عطف عليه. قوله: ((قوم) مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هؤلاء قوم، أو: هم قوم. قوله: ((حملونا)) جملة في محل الرفع على أنها صفة لقوم. قوله. ((فخرقتها)) عطف على: عمدت. قوله: ((لتغرق)) أي: لأن تغرق، وأهلها، منصوب به. قوله: ((بما نسيت)) كلمة: ما، يجوز أن تكون موصولة أي: بالذي نسيت، والعائد محذوف، أي: نسيته. ويجوز أن تكون مصدرية أي: بنسياني. ويجوز أن تكون نكرة بمعنى شيء أي: بشيء نسيته. قوله: ((الأولى) صفة موصوفها محذوف، أي: المسألة الأولى من موسى. و((نسياناً) عمدة القاري/ ج٢ /م١٩ ٠٠٠٠ i .IF !. ٢٩٠ ٣ - كتاب العلم / باب (٤٤) نصب لأنه خبر: كانت، وفي بعض النسخ: نسيان بالرفع. ووجهه إن صح أن يكون: كانت تامة، و: الأولى، مبتدأ ونسيان، خبره. أو يكون: كانت، زائدة والتقدير: فالأولى من موسى نسيان. قوله: ((فإذا)) للمفاجأة. وقوله: ((غلام)) مرفوع بالإبتداء، وقد تخصص بالصفة وهو قوله: (يلعب مع الغلمان)) والخبر محذوف والتقدير فإذا غلام يلعب مع الغلمان بالخضرة أو نحوها. قوله: ((برأسه)) الباء فيه زائدة، والأولى أن يقال: إنها على أصلها لأنه ليس المعنى أنه تناول رأسه ابتداءً، وإنما المعنى أنه جره إليه برأسه ثم اقتلعه، ولو كانت زائدة لم يكن لقوله: ((فاقتلع)) معنى زائد على أخذه. قوله: ((أقتلت)) الهمزة ليست للاستفهام الحقيقي، ونظيرها الهمزة في قوله تعالى: ﴿ألم يجدك يتيماً فآوى﴾ [الضحى: ٦]. قوله: ((بغير نفس)) الباء، فيه للمقابلة. قوله: (أن يضيفوهم)) أي: من أن يضيفوهما، و: أن، مصدرية أي: من تضييفهما. قوله: ((يريد أن ينقض)) أي: يريد الانقضاض أي الإسراع بالسقوط. وأن مصدرية. قوله: ((قال الخضر بيده)) جملة من الفعل والفاعل، ومعناه: أشار بيده فأقامه. قوله: ((يرحم الله موسى) إخبار، ولكن المراد منه الإنشاء لأنه دعاء له بالرحمة. قوله: (لوددنا)) اللام فيه جواب قسم محذوف، وكلمة: لو، ههنا بمعنى: أن الناصبة للفعل كقوله تعالى: ﴿ودوا لو تدهن فيدهنون﴾ [القلم: ٩] والتقدير: والله لوددنا صبر موسى، أي: لأنه لو صبر لأبصر أعجب الأعاجيب، وهكذا حكم كل فعل وقع مصدراً بلو بعد فعل المودة. وقال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿ودوا لو تدهن﴾ [القلم: ٩] ودوا إدهانك. قوله: ((حتى يقص)) على صيغة المجهول. قوله: ((من أمرهما) مفعول ما لم يسمَّ فاعله. بيان المعاني: قوله: ((يزعم أن موسى ليس موسى بني إسرائيل))، يعني: يزعم نوف أن موسى صاحب الخضر، عليهما السلام، الذي قص الله تعالى علينا في سورة الكهف ليس موسى بن عمران الذي أرسل إلى فرعون، وإنما هو موسى بن ميشا، بكسر الميم وسكون الياء آخر الحروف بالشين المعجمة، وميشا بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، عليهم السلام، وهو أول موسى، وهو أيضاً نبي مرسل. وزعم أهل التوراة أنه هو صاحب الخضر، والذي ثبت في الصحيح أنه موسى بن عمران، عليه الصلاة والسلام، والسائل ها هنا هو سعيد بن جبير، والمجيب ابن عباس، وفيما تقدم أن ابن عباس تمارى هو والحر بن قيس في صاحب موسى الذي سأل موسى السبيل إلى لقيه، فقال ابن عباس: هو خضر، فمر بهما أبي ابن كعب، رضي الله عنه، فسأله ابن عباس فأخبره، فيحتمل أن يكون سعيد بن جبير سأل ابن عباس بعد الوقعة الأولى المتقدمة لابن عباس والحر، فأخبره ابن عباس لما سأله عن قول نوف أن موسى ليس موسى بني إسرائيل، وجاء أن السائل غير سعيد بن جبير. ١١٣٢/١ روي عن سعيد أنه قال: جلست عند ابن عباس وعنده قوم من أهل الكتاب، فقال بعضهم: يا أبا عبد الله إن نوفاً ابن امرأة كعب يزعم عن كعب أن موسى النبي الذي طلب الخضر إنما هو موسى بن ميشا؟ فقال ابن عباس: كذب نوف، وحدثني أبي ... وذكر الحديث. قوله: ((كذب عدو الله))، هكذا وقع من ابن عباس على طريق الإغلاظ على القائل، /١٠٢٠ ٢٩١ ٣ - كتاب العلم / باب (٤٤) بخلاف قوله، وألفاظ الغضب تجيء على غير الحقيقة في الغالب، وابن عباس قاله على وجه الزجر عن مثل هذا القول، لأنه يعتقد أنه عدو الله ولدينه حقيقة، إنما قاله مبالغة في إنكاره، وكان ذلك في حال غضب ابن عباس لشدة الإنكار، وحال الغضب تطلق الألفاظ ولا يراد بها حقائقها. وقال ابن التين: لم يرد ابن عباس إخراج نوف عن ولاية الله، ولكن قلوب العلماء تنفر إذا سمعت غير الحق، فيطلقون أمثال هذا الكلام لقصد الزجر والتحذير منه وحقيقته غير مرادة. قوله: ((فسئل: أي الناس أعلم؟ قال: أنا أعلم)) وفيما تقدم: هل تعلم أحداً أعلم منك؟ قال: لا. وفي مسلم: ما أعلم في الأرض رجلاً خيراً مني وأعلم، من غير تقدم ذكر سؤال، فأوحى الله إليه: إني أعلم بالخير عند من هو. إن في الأرض رجلاً هو أعلم منك. وقال ابن بطال: كان ينبغي أن يقول: الله أعلم، إذا قيل له: أي الناس أعلم؟ لأنه لم يحط علماً بكل عالم في الدنيا. وقد قالت الملائكة: ﴿سبحانك لا علم لنا إلاّ ما علمتنا﴾ [البقرة: ٣٢] وسئل النبي عن الروح وغيره، فقال: لا أدري حتى أسأل الله تعالى. وقال بعض الفضلاء، رداً على ابن بطال في حصر الصواب في ترك الجواب بقوله: الله أعلم: بل الجواب أن رد العلم إلى الله، سبحانه وتعالى، متعين أجاب أم لا، فإن أجاب قال: أنا والله أعلم، فإن لم يجب قال: الله أعلم، وبهذا تأدب المفتون عقب أجوبتهم: والله أعلم. ولعل موسى عليه السلام لو قال: أنا والله أعلم، أي: هذا لكان جواباً، وإنما وقعت المؤاخذة على الاقتصار على قوله: ((أنا أعلم). وقال المازري في الجواب: أما على رواية من روى: هل تعلم؟ فلا عتب عليه إذا أخبر عما يعلم، وأما على رواية: أي الناس أعلم؟ وقد أخبر الله تعالى أن الخضر أعلم منه، فمراد موسى عليه الصلاة والسلام؛ أنا أعلم، أي: فيما ظهر لي واقتضاه شاهد الحال، ودلالة النبوة لأن موسى في النبوة، بالمكان الأرفع، والعلم من أعلى المراتب، فقد يعتقد أن يكون أعلم لهذه الأمور. وقيل: المراد أنه أعلم بما تقتضيه وظائف النبوة وأمور الشريعة، والخضر أعلم منه على الخصوص بأمور أخر غير عينية، وكان موسى أعلم على العموم والخضر أعلم منه على الخصوص. قوله: (فعتب الله عليه)) أي: لم يرض قوله شرعاً، فإن العتب بمعنى المؤاخذة وتغير النفس، وهو مستحيل على الله سبحانه، وهو من باب: ضرب يضرب. ويقال: أصل العتب المؤاخذة، يقال منه: عتب عليه، فإذا واخذه بذلك وذكر له قيل: عاتبه، والتغير والمؤاخذة في حق الله تعالى محال، فيراد به: لم يرض قوله شرعاً وديناً. وروي عن أبي، رضي الله تعالى عنه، أنه قال: أعجب موسى بعلمه فعاتبه الله بما لقي من الخضر. قال العلماء: هذا من باب التنبيه لموسى والتعليم لمن بعده لئلا يقتدي به غيره في تزكية نفسه والعجب بحالها فيهلك. قوله: (إن عبداً) أي الخضر، (بمجمع البحرين)) أي: ملتقى بحري فارس والروم مما يلي المشرق. وحكى الثعلبي عن أبي بن كعب أنه بأفريقية. وقيل: طنجة. قوله: (حوتاً) أي: سمكة. قيل: حمل سمكة مملوحة، وقيل: ما كانت إلاّ شق سمكة. قوله: i ١ ٢٩٢ مصرية ٣ - كتاب العلم / باب (٤٤) (فإذا فقدته)) أي: الحوت. قوله: ((فهو ثم) أي: العبد الأعلم منك. ثم أي: هناك. قوله: ((حتى كانا عند الصخرة وضعا رؤوسهما فناما))، وفي طريق للبخاري: وفي أصل الصخرة عين يقال لها الحياة لا يصيب من مائها شيء إلا حيي، فأصاب الحوت من ماء تلك العين فتحرك وانسل في المكتل فدخل البحر. وفي بعضها: فقال فتاه: لا أوقظه، حتى إذا استيقظ نسي أن يخبره وأمسك الله عن الحوت حتى كان أثره في حجر. وفي بعضها: فأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق، فلما استيقظ نسي يوشع أن يخبره، فنسي يوشع وحده ونسب النسيان إليهما. فقال تعالى: ﴿نسيا حوتهما﴾ [الكهف: ٦١] كما قال تعالى: ﴿يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان﴾ [الرحمن: ٢٢] وإنما يخرج من الملح. وقيل: نسي موسى أن يتقدم إلى يوشع في أمر الحوت، ونسي يوشع أن يخبره بذهابه ﴿فاتخذ سبيله في البحر سربا﴾ [الكهف: ٦١] صار عليه الماء مثل الطاق. قال ابن عباس، رضي الله عنهما: أحيى الله الحوت ﴿فاتخذ سبيله في البحر سرباً﴾ [الكهف: ٦١] وجاء فجعل لا يلتئم عليه الماء حتى صار كالكوة. والضمير في: اتخذ، يجوز أن يكون للحوت كما هو الظاهر، ويجوز أن يكون لموسى على معنى: فاتخذ موسى سبيل الحوت في البحر سرباً، أي: مذهباً ومسلكاً، كما يأتي أنهما اتبعا أثر الحوت وقد يبس الماء في ممره، فصار طريقاً. لكن ما جاء في الحديث يضعفه، وهو قوله: ((فكان للحوت سرباً ولموسى عجباً)). قوله: ((عجباً)) قال الزجاج: يجوز أن يكون من قول يوشع ومن قول موسى، وانتهى كلام يوشع عند قوله: واتخذ سبيله في البحر، ثم قال موسى: عجبت من هذا عجباً، فيحسن على هذا الوقف على البحر، ويبتدىء من: عجباً. وقال غيره: يجوز أن يكون إخباراً من الله تعالى، أي: اتخذ موسى طريق الحوت في البحر عجباً. قوله: ((ذلك)) أي: فقدان الحوت هو الذي كنا نبغيه أي نطلبه، لأنه علامة وجدان المقصود. قوله ((فارتدا على آثارهما قصصاً)) أي: يقصان قصصاً، يعني: رجعا يقصان آثارهما حتى أتيا الصخرة. وفي مسلم ((فارتدا على آثارهما قصصا)). ((فأراه مكان الحوت فقال: ههنا وصف لي))، ويروى: أن موسى ويوشع اتبعا أثر الحوت وقد يبس الماء في ممره فصار طريقاً، فأتيا جزيرة فوجدا الخضر قائماً يصلي على طنفسة خضراء على كبد البحر، أي وسطه. قوله: ﴿إنك لن تستطيع معي صبراً﴾ [الكهف: ٧٢] أي سترى شيئاً ظاهره منكر فلا تصبر عليه. قوله: (ما نقص علمي وعلمك)) هذا الباب من النقص متعد، ومن النقصان لازم، وهذا هو المراد. قالوا: لفظ النقص هنا ليس على ظاهره، وإنما معناه: أن علمي وعلمك بالنسبة إلى علم الله تعالى كنسبة ما نقر العصفور إلى ماء البحر، وهذا على التقريب إلى الأفهام، وإلاّ فنسبة علمهما أقل. وقيل: نقص بمعنى أخذ، لأن النقص أخذ خاص. قال عياض: يرجع ذلك في حقهما. أي: ما نقص علمنا مما جهلناه من معلومات إلاّ مثل هذا في التقدير. وجاء في البخاري: ((ما علمي وعلمك - في جنب علم الله تعالى - إلاّ كما أخذ هذا العصفور)) أي: في جنب معلوم الله تعالى، ويطلق العلم ويراد به المعلوم، من باب إطلاق المصدر لإرادة المفعول، كما قالوا: درهم ضرب الأمير، أي: مضروبه. وقيل: إن، إلاّ، ههنا ٠٠ ١٣٩٢ ٢٩٣ ٣ - كتاب العلم / باب (٤٤) بمعنى: ولا، كأنه قال: ما نقص علمي وعلمك من علم الله ولا ما أخذ هذا العصفور من هذا البحر، لأن علم الله لا ينقص بحال. قوله: ((فعمد الخضر إلى لوح من ألواح السفينة)) قال المفسرون: قلع لوحين مما يلي الماء. وفي البخاري: فوتد فيها وتداً، وفيه: فعمد إلى قدوم فخرق به. ويقال: أخذ فأساً فخرق لوحاً حتى دخل الماء فحشاها موسى بثوبه. وقال ابن عباس: لما خرق الخضر السفينة فنحى موسى، عليه الصلاة والسلام، بناحية، ثم قال في نفسه: ما كنت أصنع بمصاحبة هذا الرجل؟ كنت أتلو في بني إسرائيل كتاب الله غدوة وعشية، وآمرهم فيطيعوني. فقال له الخضر: يا موسى! أتريد أن أخبرك بما حدثت به نفسك؟ قال: نعم. قال: قلت كذا وكذا. قال: صدقت، ثم انطلقا يمشيان فإذا غلام يلعب مع الغلمان، وكانوا عشرة وهو أطرفهم وأوضؤهم، قال ابن عباس: كان غلاماً لم يبلغ الحنث، وقال الضحاك: كان غلاماً يعمد بالفساد ويتأذى منه أبواه. وقال الكلبي: كان الغلام يسرق المتاع بالليل، فإذا أصبح لجأ إلى أبويه فيحلفان دون شفقة عليه، ويقولان: لقد بات عندنا. واختلفوا في اسمه، فقال الضحاك: جيسون. وقال شعبة: جيسور، وقال ابن وهب: كان اسم أبيه ملاس، واسم أمه رحمى، فأخذه الخضر برأسه من أعلاه فاقتلعه، كذا في البخاري. وجاء فيه في (بدء الخلق): فأخذ الخضر برأسه فقطعه بيده هكذا، وأومأ سفيان بأطراف أصابعه كأنه يقطف شيئاً. وجاء فيه، في (التفسير): ((ثم خرجا من السفينة، فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلاماً مع الغلمان، فاقتلع رأسه فقتله)). وجاء: ((فوجد غلماناً يلعبون، فأخذ غلاماً كافراً ظريفاً، فأضجعه ثم ذبحه بالسكين)). وقال الكلبي: صرعه ثم نزع رأسه من جسده فقتله. وقيل: رفصه برجله فقتله. وقيل: ضرب رأسه بالجدار حتى قتله. وقيل: أدخل أصبعه في سرته فاقتلعها فمات، فلما قتله قال موسى: ﴿أقتلت نفساً زكية﴾ [الكهف: ٧٤] أي: طاهرة ﴿بغير نفس لقد جئت شيئاً نكراً﴾ [الكهف: ٧٤] أي منكراً. قال: فغضب الخضر فاقتلع كتف الصبي الأيسر، وقشر اللحم عنه فإذا في عظم كتفه مكتوب كافر لا يؤمن بالله أبداً. وفي مسلم: ((وأما الغلام فطبع يوم طبع كافراً، وكان أبواه قد عطفا عليه، فلو أنه أدرك أرهقهما طغياناً وكفراً). والطغيان: الزيادة في الإضلال. قال البخاري: وكان ابن عباس يقرأ: ﴿وكان أبواه مؤمنين﴾ [الكهف: ٧٨] وهو كان كافراً. وعنه: وأما الغلام فكان كافراً وكان أبواه مؤمنين. وقوله: غلاماً، يدل على أنه كان غير بالغ، والغلام اسم للمولود إلى أن يبلغ، وزعم قوم أنه كان بالغاً يعمل الفساد، واحتجوا بقوله: بغير نفس، إن القصاص إنما يكون في حق البالغ. وأجاب الجمهور عن ذلك: بأنا لا نعلم كيف كان شرعهم، فلعله كان يجب على الصبي في شرعهم كما يجب في شرعنا عليهم غرامة المتلفات، ويقال: المراد به التنبيه على أنه قتل بغير حق. فإن قلت: في أين كان قضية قتل الغلام؟ قلت: في أَبُلَّه، بضم الهمزة والباء الموحدة وتشديد اللام المفتوحة بعدها هاء، وهي مدينة بالقرب من بصرة وعبادان، ويقال: أيلاء، بفتح الهمزة وسكون الياء واللام المعدودة: مدينة كانت على ساحل بحر القلزم على طريق حجاج مصر. قوله: ((قال ابن عيينة)) أي: i ١ P ٢٩٤ ٣ - كتاب العلم / باب (٤٤) سفيان بن عيينة، وهذا أوكد، والاستدلال عليه إنما هو بزيادة: لك، في هذه المرة. قال العلامة جار الله: فإن قلت: ما معنى زيادة لك؟ قلت: زيادة المكافحة بالعتاب على رفض الوصية والوسم بقلة الصبر عند الكرة الثانية. قوله: ((حتى إذا أتيا)) وفي بعض النسخ: ((حتى أتيا)) بدون لفظة: إذا. قوله: ((أهل قرية)) هي: أنطاكية، قاله ابن عباس. وقال ابن سيرين: أبلة وهي أبعد الأرض من السماء، وجاء أنهم كانوا من أهل قرية لئام. وقيل: قرية من قرى الروم يقال لها ناصرة وإليها تنسب النصارى. وقال السهيلي: قيل: إنها برقة، وقيل: إنها باجروان وهي مدينة بنواحي أرمينية من أعمال شروان، عندها فيما قيل عين الحياة التي وجدها الخضر، عليه السلام، فوافياها بعد غروب الشمس، فاستطعما أهلها واستضافاهم فأبوا أن يضيفوهما، ولم يجدا في تلك الليلة في تلك القرية قرىّ ولا مأوى، وكانت ليلة باردة، فالتجآ إلى حائط على شاطىء الطريق يريد أن ينقض، أي: يكاد أن يسقط، وإسناد الإرادة إلى الجدار مجاز، إذ لا إرادة له حقيقة، والمراد ههنا: المشارفة على السقوط. وقال الكسائي: إرادة الجدار ههنا ميله، وفي البخاري: مائل، وكان أهل القرية يمرون تحته على خوف قوله: ((قال الخضر بيده فأقامه)) قد قلنا: إن معناه: أشار بيده فأقامه. وفي رواية قال: ((فمسحه بيده))، وذكر الثعلبي أن سمك الجدار مائتا ذراع بذراع تلك القرى، وطوله على وجه الأرض خمسمائة ذراع، وعرضه خمسون ذراعاً. قيل: إنه مسحه كالطين يمسحه القلاَّل فاستوى. وعن ابن عباس: هدمه ثم قعد یینیه. وقيل: أقامه بعمود عمده به. فقال له موسى: لو شئت لاتخذت عليه أجراً فيكون لنا قوتاً وبلغة على سفرنا إذ استضفناهم فلم يضيفونا. فقال الخضر: ﴿هذا فراق بيني وبينك﴾ الآية. [الكهف: ٧٨] فإن قلت: هذا إشارة إلى ماذا؟ قلت: قد تصور فراق بينهما عند حلول ميعاده على ما قاله: فلا تصاحبني، فأشار إليه وجعله مبتدأ، ويجوز أن يكون إشارة إلى السؤال الثالث أي: هذا الاعتراض سبب الفراق. بيان استنباط الأحكام: وهو على وجوه. الأول: فيه استحباب الرحلة للعلم. الثاني: فيه جواز التزود للسفر. الثالث: فيه فضيلة طلب العلم والأدب مع العالم، وحرمة المشايخ، وترك الاتراض عليهم وتأويل ما لم يفهم ظاهره من أقوالهم وأفعالهم، والوفاء بعهودهم، والاعتذار عند المخالفة. الرابع: فيه إثبات كرامات الأولياء وصحة الولاية. الخامس: فيه جواز سؤال الطعام عند الحاجة. السادس: فيه جواز الإجارة. السابع: فيه جواز ركوب البحر ونحو ذلك بغير أجرة برضى صاحبه. الثامن: فيه الحكم بالظاهر حتى يتبين خلافه. التاسع: فيه أن الكذب الإخبار على خلاف الواقع عمداً أو سهواً خلافاً للمعتزلة. العاشر: إذا تعارضت مفسدتان يجوز دفع أعظمهما بارتكاب أخفهما، كما في خرق الخضر السفينة لدفع غصبها وذهاب جملتها. الحادي عشر: فيه بيان أصل عظيم وهو: وجوب التسليم لكل ما جاء به الشرع، وإن كان بعضه لا تظهر حكمته للعقول ولا يفهمه أكثر الناس، وقد لا يفهمونه كلهم: كالقدر، وموضع الدلالة قتل الغلام، وخرق السفينة فإن صورتيهما صورة المنكر، وكان صحيحاً في نفس الأمر له حكمة بينة، لكنها لا تظهر للخلق فإذا علمهم الله تعالى بها ٢٩٥ ٣ - كتاب العلم / باب (٤٤) علموها، ولهذا قال: ﴿وما فعلته عن أمري﴾ [الكهف: ٨٢]. الثاني عشر: قال ابن بطال: وفيه أصل وهو: ما تعبد الله تعالى به خلقه من شريعته يجب أن يكون حجة على العقول، ولا تكون العقول حجة عليه، ألا ترى أن إنكار موسى، عليه الصلاة والسلام، كان صواباً في الظاهر، وكان غير ملوم فيه، فلما بيَّن الخضر وجه ذلك صار الصواب الذي ظهر لموسى في إنكاره خطأ، والخطأ الذي ظهر له من فعل الخضر. صواباً، وهذا حجة قاطعة أنه يجب التسليم لله تعالى في دينه ولرسوله في سنته، واتهام العقول إذا قصرت عن إدراك وجه الحكمة فيه. الثالث عشر: فيه أن قوله: ﴿وما فعلته عن أمري﴾ [الكهف: ٨٢] يدل على أنه فعله بالوحي، فلا يجوز لأحد أن يقتل نفساً لما يتوقع وقوعه منها، لأن الحدود لا تجب إلا بعد الوقوع، وكذا لا يقطع على أحد قبل بلوغه، لأنه إخبار عن الغيب، وكذا الإخبار عن أخذ الملك السفينة، وعن استخراج الغلامين الكنز، لأن هذا كله لا يدرك إلاَّ بالوحي. الرابع عشر: فيه حجة لمن قال بنبوة الخضر، عليه الصلاة والسلام. الخامس عشر: قال القاضي: فيه جواز إفساد بعض المال لإصلاح باقيه، وخصاء الأنعام، وقطع بعض آذانها لتميز. الأسئلة والأجوبة: منها ما قيل: في قوله: ((فإني نسيت الحوت)) كيف نسي ذلك ومثله لا ينسى لكونه أمارة على المطلوب، ولأن ثمة معجزتين: حياة السمكة المملوحة المأكول منها على المشهور، وانتصاب الماء مثل الطاق ونفوذها في مثل السرب منه؟ أجيب: بأنه قد شغله الشيطان بوسواسه والتعود بمشاهدة أمثاله عند موسى، عليه الصلاة والسلام، من العجائب والاستئناس بأخواته موجب لقلة الاهتمام به. ومنها ما قيل: في قوله: ((على أن تعلمني مما علمت رشداً) أما دلت حاجته إلى التعلم من آخر في عهده أنه كما قيل: موسى بن ميشا لا موسى بن عمران، لأن النبي يجب أن يكون أعلم أهل زمانه وإمامهم المرجوع إليه في أبواب الدين؟ أجيب: لا غضاضة بالنبي في أخذ العلم من نبي مثله، وإنما يغض منه أن يأخذ ممن دونه. وقال الكرماني: هذا الجواب لا يتم على تقدير ولايته. قلت: هذا الجواب للزمخشري، وهو قائل بنبوته، كما ذهب إليه الجمهور، بل هو رسول وينبغي انتقاد ذلك لئلا يتوسل به أهل الزيغ والفساد من المبتدعة الملاحدة في دعواهم: أن الولي أفضل من النبي، نعوذ بالله تعالى من هذه البدعة. وقال بعضهم: وفي هذا الجواب نظر، لأنه يستلزم نفي ما أوجب. قلت: هذه الملازمة ممنوعة، فلو بين وجهها لأجيب عن ذلك. ومنها ما قيل: في قوله: فحملوهما، وهم ثلاثة. فقال: كلموهم بلفظة الجمع، فلم قال: فحملوهما بالتثنية؟ أجيب: بأن يوشع كان تابعاً فاكتفى بذكر الأصل عن الفرع. ومنها ما قيل: إن نسبة النقرة إلى البحر نسبة المتناهي إلى المتناهي، ونسبة علمهما إلى علم الله نسبة المتناهي إلى غير المتناهي، وللنقرة إلى البحر في الجملة نسبة ما بخلاف علمهما، فإنه لا نسبة له إلى علم الله. أجيب: بأن المقصود منه التشبيه في القلة والحقارة، لا المماثلة من كل الوجوه. ومنها ما قيل: متى · كانت قصة الخضر مع موسى عليهما السلام؟ أجيب: حيث كان موسى في التيه، فلما فارقه i وز i i ٢٩٦ ٠٠٠ ٣ - كتاب العلم / باب (٤٥) الخضر رفع إلى قومه وهم في التيه. وقيل: كانت قبل خروجه من مصر. والله أعلم. ٤٥ - بابُ مَنْ سَأَلَ وَهُوَ قَائِمٌ عالِماً جالِساً أي: هذا باب في بيان من سأل، والحال أنه قائم، عالماً جالساً. و: من، موصولة، و: الواو، للحال. و: عالماً، مفعول: سأل. و: جالساً، صفة: عالماً. ومقصود البخاري أن سؤال القائم العالم الجالس ليس من باب من يتمثل له الناس قياماً، بل هذا جائز إذا سلمت النفس فيه من الإعجاب. وجه المناسبة بين البابين من حيث إن في كل منهما سؤالاً عن العالم، وهذا لأن في الأول سؤال موسى عن الخضر، وفي هذا سؤال القائم عن العالم الجالس. ٦٤/ ١٢٣ - حدثنا عُثْمانُ قالَ: أخبرني ◌َرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أبي وائلٍ عن أبي مُوسَى قال: جاءَ رَجُلٌ إِلى النَّبِيِّ عََّلِ فِقالَ: يا رسول اللَّهِ! ما القتالُ فيِ سَبِيلِ اللَّهِ؟ فإنّ أَحَدَنَا يُقَاتِلُ غَضَباً ويُقَاتِلُ حَمِيَّةً، فَرَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ، قال: وما رَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ إلاَّ أنَّهُ كَانَ قائِماً، فقالَ: (مَنْ قاتَلَ لِتَكونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عِزَّ وَجَلَّ)). [الحديث ١٢٣ - أطرافه في: ٢٨١٠، ٣١٢٦، ٧٤٥٨]. مطابقة الحديث للترجمة في قوله: ((وما رفع إليه رأسه إلاّ أنه كان قائماً)). بيان رجاله: وهم خمسة قد ذكروا كلهم، وعثمان هو ابن أبي شيبة، وجرير هو ابن عبد الحميد، ومنصور هو ابن المعتمر، وأبو وائل شقيق بن سلمة، وأبو موسى عبد الله بن قيس الأشعري. بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والعنعنة. ومنها: أن رواته كلهم كوفیون. ومنها: أنهم أئمة أجلاء. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في (الجهاد) عن سليمان ابن حرب عن شعبة، وفي كتاب الخمس في: (باب من قاتل للمغنم) هل ينقص من أجره عن بندار عن غندر عن شعبة عن عمرو بن مرة، وفي (التوحيد) عن محمد بن كثير عن الثوري عن الشعبي. وأخرجه مسلم في (الجهاد) عن أبي موسى وبندار وعن غندر عن شعبة بن عمرو بن مرة وعن أبي بكر بن أبي شيبة وابن نمير وابن راهويه عن جرير عن منصور، ثلاثتهم عن أبي وائل عن أبي موسى. وأخرجه أبو داود في (الجهاد) عن حفص بن عمرو عن شعبة، وعن علي بن مسلم عن أبي داود عن شعبة عن عمرو بن مرة، قال: سمعت عن أبي وائل حديثاً أعجبني، فذكر معناه. وأخرجه الترمذي فيه عن هناد عن أبي معاوية به، وقال: حسن صحيح. وأخرجه النسائي فيه عن إسماعيل بن مسعود عن خالد بن الحارث عن شعبة به. وأخرجه ابن ماجه فيه عن محمد بن عبد الله بن نمير به. بيان اللغات والإعراب: قوله: ((إلى النبى عَـةٍ)) إنما عداه بكلمة الانتهاء مع أن: جاء، ٣٥٠: ٢٩٧ ٣ - كتاب العلم / باب (٤٥) جاء متعدياً بنفسه إشعاراً بأن المقصود بيان انتهاء المجيء إليه. قوله: ((فقال)) عطف على قوله: ((فجاء)). قوله: (ما القتال؟)) مبتدأ وخبر وقع مقولاً للقول. قوله: ((فإن أحدنا)) الفاء فيه للتعليل. قوله: ((يقاتل))، جملة في محل الرفع لأنها خبر: إن. قوله: ((غضباً) نصب على أنه مفعول له، والغضب حالة تحصل عند غليان الدم في القلب الإرادة الانتقام. قوله: ((حمية))، بفتح الحاء وكسر الميم وتشديد الياء آخر الحروف: نصب على أنه مفعول له أيضاً. قال الجوهري: حميت عن كذا حمية، بالتشديد، وتحمية إذا أنفت منه وداخلك عار وأنفت أن تفعله. وقال غيره: الحمية هي المحافظة على الحرم. وقيل: هي الأنفة والغيرة والمحاماة عن العشيرة، والأول: إشارة إلى مقتضى القوة الغضبية، والثاني: إلى مقتضى القوة الشهوانية. أو الأول: لأجل دفع المضرة، والثاني: لأجل جلب المنفعة. قوله: ((فرفع إليه) أي: فرفع رسول الله عَّله إلى السائل. قوله: ((وما رفع إليه رأسه إلا أنه كان قائماً»، ظاهره أن القائل هو أبو موسى، ويحتمل أن يكون من دونه فيكون مدرجاً في أثناء الخبر، وهو استثناء مفرغ وأن مع اسمها وخبرها في تقدير المصدر أي: ما رفع لأمر من الأمور إلا لقيام الرجل. قوله: ((قال) أي النبي عَّ له، وهو الجواب عن سؤال السائل المذكور. فإن قلت: السؤال عن ماهية القتال، والجواب ليس عنها بل عن المقاتل. قلت: فيه الجواب وزيادة، أو أن القتال بمعنى اسم الفاعل أي: المقاتل، بقرينة لفظ: فإن أحدنا. ولفظة: ما إن قلنا: إنه عام للعالم ولغيره فظاهر، وإن قلنا إنه لغيره فكذلك إذا لم يعتبر معنى الوصفية فيه إذ صرحوا بنفي الفرق بين العالم وغيره عند اعتبارها. وقال الزمخشري، في قوله تعالى: ﴿بل له ما في السموات وما في الأرض كل له قانتون﴾ [البقرة: ١١٦] فإن قلت: كيف جاء بما الذي لغير أولي العلم مع قوله: ﴿قانتون﴾؟ قلت: هو كقوله: سبحان ما سخركن لنا، أو نقول: ضمير ((فهو)) راجع إلى القتال الذي في ضمن قاتل، أي: فقتاله قتال في سبيل الله. فإن قلت: فمن قتل لطلب ثواب الآخرة أو لطلب رضى الله تعالى عنه فهل هو في سبيل الله؟ قلت: نعم لأن طلب إعلاء الكلمة، وطلب الثواب والرضى كلها متلازمة، وحاصل الجواب أن القتال في سبيل الله قتال منشؤه القوة العقلية لا القوة الغضبية أو الشهوانية، وانحصار القوى الإنسانية في هذه الثلاث مذكور في موضعه. قوله: ((لتكون))، أي: لأن تكون، واللام: لام كي. قوله: ((كلمة الله)) أي: دعوته إلى الإسلام. وقيل: هي قوله: لا إله إلا الله. قوله: (هي)، فصل، أو مبتدأ. وفيها تأكيد فضل كلمة الله تعالى في العلو، وأنها المختصة به دون سائر الكلام. قوله: ((فهو)) مبتدأ. و((في سبيل الله)) خبر لقوله: (من)، وإنما دخلت الفاء لتضمن من معنى الشرط. بيان استنباط الأحكام: الأول: فيه بيان أن الأعمال إنما تحسب بالنيات الصالحة. الثاني: فيه أن الإخلاص شرط في العبادة، فمن كان له الباعث الدنياوي فلا شك في بطلان عمله، ومن إذا كان الباعث الديني أقوى فقد حكم الحارث المحاسبي بإبطال العمل تمسكاً بهذا الحديث، وخالفه الجمهور وقالوا: العمل صحيح. وقال محمد بن جرير الطبري: إذا ت جون i ٫٠٠٠ i ٢٠٠٠ ٢٩٨ ٣ - كتاب العلم / باب (٤٦) ابتدأ العمل به لا يضره ما عرض بعده من عجب يطرأ عليه. الثالث: فيه أن الفضل الذي ورد في المجاهدين يختص بمن قاتل لإعلاء كلمة الله تعالى. الرابع: فيه أنه لا بأس أن يكون المستفتي واقفاً إذا كان هناك عذر، وكذلك طلب الحاجة. الخامس: فيه إقبال المتكلم على المخاطب. السادس: فيه ما أعطي النبي، عليه الصلاة والسلام، من الفصاحة وجوامع الكلم لأنه أجاب السائل بجواب جامع لمعنى سؤاله لا بلفظه من أجل أن الغضب والحمية قد يكون الله عز وجل، وقد يكون لغرض الدنيا، فأجابه، عليه السلام، بالمعنى مختصراً إذ لو ذهب يقسم وجوه الغضب لطال ذلك ولخشي أن يلبس عليه. وجاء أيضاً في الصحيح: ((يقاتل للمغنم والرجل يقاتل للذِكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله تعالى، فقال: عليه السلام: من قاتل لتكون كلمة الله أعلى فهو في سبيل الله)). ٤٦ - بابٌّ السُّؤَال والفُتْيا عِنْدَ رَمْي الجِمارِ أي: هذا باب في بيان السؤال والفتيا، فالسؤال من جهة المستفتي والفتيا من جهة المفتي، وقد ذكرنا أن الفتيا، بضم الفاء، والفتوى بفتحها إسم من: استفتيت الفقيه فأفتاني، وهي جواب الحادثة، والجمار جمع جمرة وهي: الحصاة. والمراد جمرات المناسك. وقال ابن بطال: معنى هذا الباب أنه يجوز أن يُسأل العالم عن العلم، ويجيب وهو مشتغل في طاعة الله لا يترك الطاعة التي هو فيها، إلاّ إلى طاعة أخرى. فإن قلت: ليس فيه معنى ما ترجم له. فإن قوله في الحديث: ((عند الجمرة) ليس فيه إلاّ السؤال، وهو بموضع الجمرة وليس فيه أنه في خلال الرمي. قلت: لا نسلم ذلك. فإن قوله: ((عند رمي الجمار)) أعم من أن يكون مقارناً بشروعه في رمي الجمار، أو في خلال رميه، أو عقيب الفراغ منه. فإن قلت: ما وجه المناسبة بين البابين؟ قلت: المناسبة بينهما ظاهرة لأن كلاً منهما مشتمل على السؤال عن العالم وهو ظاهر لا يخفى. ١٣٤/٦٥ _ حدّثنا أَبُو نُعَيْم قال: حدّثنا عَبْدُ العَزِيز بنُ أبي سَلَمَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عِيسَى ابْنِ طَلْحَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْرِو قال: رأيتُ النَّبِيَّ عََّلَّهِ عِنْدَ الجَمْرَةِ وَهُوَ يُسألُ فقالَ رَجُلٌ: يا رسولَ اللَّهِ! نَحَرْتُ قَبْلَ أنْ أَزْمِيَ. قالَ: «ارمٍ وَلاَ حَرَجٌ» قالَ آخَرُ: يا رسولَ اللَّهِ! حَلَقْتُ قَبْلَ أنْ أَنْحَر. قال: (انْحَزْ ولاَ حَرَجَ) فَمَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ ولا أُحِّرَ إلاَّ قالَ: ((افْعَلْ ولاَ حَرَج». [انظر الحديث ٨٣ وأطرافه]. مطابقة الحديث للترجمة في قوله: ((عند الجمرة)) وهو يسأل وهذا من جانب المستفتي، وقوله: ((ارم ولا حرج وافعل ولا حرج)). من جهة المفتي فطابق الترجمة بجزئيها. بيان رجاله: وهم خمسة. الأول: أبو نعيم الفضل بن دكين. الثاني: عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، نسب إلى جده أبي سلمة الماجشون، بفتح الجيم وكسرها: أبو عبد الله المدني الفقيه التيمي، سكن بغداد ومات بها سنة أربع وستين ومائة، وصلى عليه المهدي ٣ - كتاب العلم / باب (٤٧) ٢٩٩ ودفن في مقابر قريش. قال يحيى بن معين: كان يقول بالقدر ثم أقبل إلى السنة ولم يكن من شأنه الحديث، فلما قدم بغداد كتبوا عنه، وقال: جعلني أهل بغداد محدثاً، وقال بشر بن السري: لم يسمع الماجشون من الزهري، وقال أحمد بن سنان: معناه عندي أنه عرض. وقال ابن أبي خيثمة: أنه كان من أصفهان فنزل المدينة، وكان يلقى الناس فيقول: جوني جوني. وسئل أحمد بن حنبل، فقال: تعلق بالفارسية بكلمة إذا لقي الرجل يقول: شوني شوني، فلقب به. وقال إبراهيم الحربي: الماجشون فارسي، وإنما سمي به لأن وجنتيه كانتا حمراوين، فسمي بالفارسية: الماي كون، ثم عرب أهل المدينة بذلك، وهو: بفتح الجيم وضم المعجمة وبالنون. وقال الغساني: الماجشون اسمه يعقوب بن أبي سلمة، وابن أبي سلمة: ميمون، والماجشون بالفارسية: ماه كون، فعرب. ومعناه الورد. ويقال: الأبيض الأحمر. وقال البخاري في (التاريخ الأوسط): الماجشون هو يعقوب بن أبي سلمة أخو عبد الله بن أبي سلمة، فجرى على بنيه وعلى بني أخيه. وقال الدارقطني: إنما لقب الماجشون لحمرة في وجهه، وقال: إن سكينة، بضم المهملة: بنت الحسين بن علي، رضي الله تعالى عنهم، لقبت بذلك. الثالث: محمد بن مسلم الزهري. الرابع: عيسى بن طلحة بن عبيد الله القرشي التيمي. الخامس: عبد الله بن عمرو بن العاص. بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والعنعنة. ومنها: أن رواته ما بين كوفي ومدني ومصري، وقد مر الكلام في هذا الحديث مستوفى في باب: الفتيا وهو واقف على الدابة. قوله: ((عند الجمرة)) اللام: إما للجنس فيشمل كل جمرة كانت من الجمرات الثلاث، للعهد فالمراد جمرة العقبة لأنها إذا أطلقت كانت هي المرادة. ٤٧ - بابُ قَوْلِ اللَّهِ تعالى ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء أي: هذا باب قول الله تعالى: ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً﴾ [الإسراء: ٨٥] وأراد بإيراد هذا الباب المترجم بهذه الآية التنبيه على أن من العلم أشياء لم يطلع الله عليها نبياً ولا غيره. ووجه المناسبة بين البابين من حيث إن كلاً منهما مشتمل على سؤال عن عالم، غير أن المسؤول قد بيَّن في الأول لكونه مما يحتاج إلى علمه السائل، ولم يبين في هذا لعدم الحاجة إلى بيانه لكونه مما اختص الله سبحانه فيه، ولأن في عدم بيانه تصديقاً لنبوة النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم. حيث قال الواحدي: قال المفسرون إن اليهود اجتمعوا فقالوا: نسأل محمداً عن الروح، وعن فتية فقدوا في أول الزمان، وعن رجل بلغ مشرق الشمس ومغربها، فإن أجاب في ذلك كله فليس بنبي وإن لم يجب في ذلك كله فليس بنبي، وإن أجاب عن بعض وأمسك عن بعض فهو نبي فسألوه عنها فأنزل الله تعالى في شأن الفتية: حسبت أن أصحاب الكهف﴾ [الكهف: ٩] إلى آخر القصة. وأنزل في شأن الرجل الذي بلغ مشرق الأرض ومغربها: ﴿ويسألونك عن ذي القرنين﴾ [الكهف: ٨٣] إلى آخر القصة، وأنزل ٠ ٥٠. i i ٠٠٠١/ i i ٣٠٠ ٣ - كتاب العلم / باب (٤٧) في الروح قوله تعالى: ﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً﴾ [الإسراء: ٨٥]. قوله: ﴿وما أوتيتم﴾ [الإسراء: ٨٥] الخطاب عام، وروي أن رسول الله عَ ليه لما قال لهم ذلك قالوا: نحن مختصون بهذا الخطاب أم أنت معنا فيه؟ فقال: ((بل نحن وأنتم لم نؤت من العلم إلاَّ قليلاً)). فقالوا: ما أعجب شأنك؟ ساعة تقول: ﴿ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً﴾ [البقرة: ٢٦٩] وساعة تقول هذا! فنزلت: ﴿ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفذت كلمات الله﴾ [لقمان: ٢٧] وليس ما قالوه بلازم، لأن القلة والكثرة يدوران مع الإضافة، فيوصف الشيء بالقلة مضافاً إلى ما فوقه، والكثرة مضافاً إلى ما تحته، فالحكمة التي أوتيها العبد خير كثير في نفسها، إلا أنها إذا أضيفت إلى علم الله تعالى فهي قليلة. وقيل: هو خطاب لليهود خاصة لأنهم قالوا للنبي عٍَّ: قد أوتينا التوراة فيها الحكمة، وقد تلوت: ﴿ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً﴾ [البقرة: ٢٦٩] فقيل لهم: إن علم التوراة قليل في جنب علم الله تعالى. قوله: ﴿إلا قليلاً﴾ [الإسراء: ٨٥] استثناء من العلم، أي: إلا علماً قليلاً، أو من الإيتاء، أي إلا إيتاءً قليلاً، أو من الضمير أي إلاّ قليلاً منكم. ٦٦ / ١٢٥ - حدّثنا قَيْسُ بنُ حَفْصِ قالَ: حدّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ قال: حدّثنا الأَعْمَشُ سُلَيْمَانُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قال: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ عَلَّهِ فِي خَرِبٍ المَدِينَةِ، وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عسيبٍ مَعَهُ، فَمَرَّ بِنَفَرٍ مِنَ اليَهُودِ. فقالِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُّوهُ عنِ الرُّوح؟ وقالَ بَعْضُهُمْ: لا تَسْألُوهُ! لاَ يجيءُ فِيهِ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ. فقالَ بَعْضُهِمْ: ولِمَسْألَنَّهُ. فقامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فقالَ: يا أبا القاسِمِ! ما الرُّوحُ؟ فَسَكَت، فَقُلْتُ: إِنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ فَقُمْتُ، فَلَمَّا انْجَلَى عَنْهُ فقالَ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنَ الروحِ قلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وما أوتوا مِنَ العِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٨٥] قالَ الأعْمَشُ: هَكَذَا فِي قِرَاءَتنَا. [الحديث ١٢٥ - أطرافه في: ٤٧٢١، ٧٢٩٧، ٧٤٥٦، ٧٤٦٢]. مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة لأنها بعض آية من القرآن، والحديث يبين سبب نزولها مع ما فيها من التنبيه على أن علم الروح علم قد استأثر الله به ولم يطلع عليه أحداً، كما قد ذ کرناه. بيان رجاله: وهم ستة: الأول: قيس بن حفص بن القعقاع الدارمي، أبو محمد البصري، روى عنه أحمد بن سعيد الدارمي وأبوزرعة وأبو حاتم. قال يحيى بن معين: ثقة. وقال أحمد ابن عبد الله: لا بأس به. وقال أبو حاتم: شيخ، وهو شيخ البخاري، انفرد بالإخراج عنه عن أئمة الكتب الخمسة، وليس في مشايخهم من اسمه قيس سواه، توفي سنة سبع وعشرين ومائتين. الثاني: عبد الواحد بن زياد أبو بشر البصري. الثالث: سليمان بن مهران الأعمش الكوفي. الرابع: إبراهيم بن يزيد النخعي. الخامس: علقمة بن قيس النخعي. السادس: عبد