Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ ٣ - كتاب العلم / باب (٣٥) مسلم في(الأدب) عن أبي كامل الجحدري عن أبي عوانة، وعن أبي موسى وبندار، كلاهما عن غندر به، وذكر الزيادة عن أبي حازم عن أبي هريرة، وعن عبيد اللَّه بن معاذ عن أبيه عن شعبة به، وذكر الزيادة أيضاً. وأخرجه النسائي في (العلم) عن أبي موسى وبندار به، وعن أحمد ابن سلمان عن عبيد الله بن موسی عن إسرائيل عنه به نحوه. ٠ ٠٠٠ بيان الإعراب: قوله: ((قال: قال النساء)) أي: قال أبو سعيد الخدري: قال النساء. كذا في رواية أبي ذر: قال، بتذكير الفعل، وفي رواية الباقين: ((قالت النساء)) بالتأنيث، وكلاهما جائز في كل إسناد إلى ظاهر الجمع. قوله: ((غلبنا))، بفتح الباء جملة من الفعل والمفعول و: ((الرجال)) بالرفع فاعله. قوله: (فاجعل لنا يوماً)) عطف على محذوف تقديره: انظر لنا فاجعل لنا يوماً، ونحو ذلك، و: اجعل، جملة من الفعل والفاعل، والجعل يستعمل متعدياً إلى مفعول واحد بمعنى: فعل، وإلى مفعولين بمعنى: صير، والمراد به هنا لازمه وهو التعيين، أي: عين لنا يوماً. و: يوماً، مفعول به لا لأجله. ولا مفعول فيه، وكلمة: من، في قوله: ((من نفسك)) ابتدائية تتعلق باجعل، يعني هذا الجعل منشؤه اختيارك يا رسول الله لا اختيارنا، ويحتمل أن يكون المراد من: وقت نفسك، بإضمار الوقت، والظرف صفة ليوماً، وهو ظرف مستقر على هذا الاحتمال، ويجوز أن يكون التقدير: اجعل لنا يوماً من أيام نفسك، يعني: اليوم الذي تتفرغ فيه. قوله: ((فوعدهن) جملة من الفعل والفاعل، وهو الضمير المستتر فيه الذي يرجع إلى النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، والمفعول وهو الضمير المنصوب الذي يرجع إلى النساء. فإن قلت: كيف يعطف الجملة الخبرية على الجملة الإنشائية؟ قلت: هذا باب فيه خلاف، فمنعه البيانيون وابن مالك وابن عصفور في (شرح الإيضاح)، ونقله عن الأكثرين. وأجازه الصفار وجماعة مستدلين بقوله تعالى: ﴿وبشر الذين آمنوا﴾ [يونس: ٢] واستدل الصفار بقول الشاعر: i وقائلة خولان فانكح فتاتهم فإن تقديره: هذه خولان، هكذا نقل عن سيبويه، وأجابوا عن الآية بما قاله الزمخشري: ليس المعتمد بالعطف، الأمر حتى يطلب له مشاكل، بل المراد عطف جملة: ثواب المؤمنين، على جملة: عذاب الكافرين، كقولك: زيد يعاقب بالقيد، وبشر فلاناً بالإطلاق. وعن البيت: إنه ضرورة، وفيه تعسف والأصح عدم الجواز. وأما ههنا فالعطف ليس على قوله: ((فاجعل لنا يوماً) بل العطف على جميع الجملة، أعني من قوله: ((غلبنا عليك الرجال فاجعل لنا يوماً من نفسك)). قوله: ((يوماً)، مفعول ثان: لوعد. قوله: ((لقيهن فيه)) أي: في اليوم الموعود به، واللقاء فيه إما بمعنى الرؤية، وإما بمعنى الوصول، ومحل الجملة النصب لأنها صفة: ليوماً. ويحتمل أن يكون استئنافاً. قوله: ((فوعظهن)) الفاء فيه فصيحة لأن المعطوف عليه محذوف أي: فوفى بوعدهن ولقيهن فوعظهن. وقوله: ((وأمرهن)) عطف على: وعظهن، وحذف المأمور به لإرادة التعميم، والتقدير: فوعظهن بمواعظ، وأمرهن بالصدقة أو بأمور دينية. ويجوز أن يكون: فوعظهن وأمرهن من تتمة الصفة لليوم. قوله: ((فكان)) الفاء فيه فصيحة. i i ٢٠٢ ٣ - كتاب العلم / باب (٣٥) واسم: كان، هو قوله: ((ما منكن امرأة)) وخبره، قوله: ((فيما قال لهن)) أي: الذي قاله لهن. وفي رواية الأصيلي: (ما منكن من امرأة))، وكلمة: من، زائدة لفظاً. وقوله: امرأة، مبتدأ. ومنكن، حال منها مقدم عليها، وخبر المبتدأ الجملة التي بعد آلة الاستثناء، لأنه استثناء مفرغ، إعرابه على حسب العوامل،. فإن قلت: كيف يقع الفعل مستثنى؟ قلت: على تقدير الاسم، أي: ما امرأة مقدمة إلا كائناً لها حجاب. وقوله: ((تقدم)) جملة في محل الرفع لأنها صفة لامرأة. وقوله: ((ثلاثاً) مفعول مقدم، وكلمة: من، بيانية. قلت: ((حجاباً) في رواية الأكثرين هكذا بالنصب، وفي رواية الأصيلي: ((حجاب))، بالرفع. أما وجه النصب فعلى أنه خبر لكان، واسم كان التقديم الذي يدل عليه قوله: تقدم. وأما وجه الرفع فعلى كون: كان، تامة على معنى: إلاَّ وقع لها حجاب أو حصل، أو وجد ونحو ذلك. وفي رواية البخاري في الجنائز: (إلاَّ كن لها حجاباً) على تقدير الأنفس التي تقدم، وفي الاعتصام: ((إلا كانوا لها حجاباً) أي: الأولاد. قوله: ((واثنين)، وهو أيضاً عطف على المنصوب بالتقدير المذكور، أي: ومن قدم اثنين. قال الكرماني: ومثله يسمى بالعطف التلقيني، ونحوه في القرآن: ﴿إِني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي﴾ [البقرة: ١٢٤]. قلت: قال الزمخشري: ومن ذريتي، عطف على: الكاف، كأنه قال: وجاعل بعض ذريتي، كما يقال لك: سأكرمك، فتقول: وزيداً، وإنما أورد هذا المثال إشارة إلى جواب عما يقال إن: من ذريتي، مقول قول إبراهيم، و: جاعلك للناس، مقول قول الله تعالى، فكيف يعطف أحدهما على الآخر؟ فكأنه أجاب بإيراد المثال المذكور أنه عطف تلقين، كأنه قال: قل وجاعل بعض ذريتي. بيان المعاني: قوله: ((غلبنا عليك الرجال)) معناه: أن الرجال يلازمونك كل الأيام ويسمعون العلم وأمور الدين، ونحن نساء ضعفة لا نقدر على مزاحمتهم، فاجعل لنا يوماً من الأيام نسمع العلم ونتعلم أمور الدين. قوله: ((ثلاثة)) أي: ثلاثة أولاد. فإن قلت: الثلاثة مذكر فهل يشترط أن يكون الولد الميت ذكراً حتى يحصل لها الحجاب؟ قلت: تذكيره بالنظر إلى لفظ الولد، والولد يقع على الذكر والأنثى، وفي بعض النسخ: ثلاثاً بدون الهاء، فإن صح فمعناه ثلاث نسمة، والنسمة تطلق على الذكر والأنثى. قوله: ((فقالت امرأة)) هي: أم سليم، وقيل غيرها والله أعلم. قوله: ((قال: واثنين)) دليل على أن حكم الإثنين حكم الثلاثة لاحتمال أنه أوحي إليه في الحين بأن يجيب، عليه الصلاة والسلام، بذلك. ولا يمتنع أن ينزل الوحي. عليه الصلاة والسلام، بذلك حين السؤال، ولا يمتنع أن ينزل الوحي على رسول الله، عليه الصلاة والسلام، طرفة عين. وقال النووي: ويجوز أن يكون أوحي إليه قبله. وقال أبو الحسن القابسي، وغيره: قد أخرج البخاري في كتاب الرقاق من حديث أبي هريرة ما يدل على أن الواحد كالاثنين، وهو قوله، عليه الصلاة والسلام، يقول تعالى: ((ما لعبدي المؤمن جزاء إذا قبضت صفيّه من أهل الدنيا، ثم احتسبه، إلاَّ الجنة)). وأي صفّي أعظم من الولد؟ قلت: قد جاء في غير الصحيح ما يدل صريحاً على أن الواحد كالاثنين والثلاثة، وهو ما رواه الترمذي وابن ماجه عن ابن مسعود، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله عَ له: ((من قدم ثلاثة من الولد ٦ ٢٠٣ ٣- كتاب العلم / باب (٣٥) لم يبلغوا الحنث كانوا له حصناً حصيناً من النار. فقال أبو ذر، رضي الله عنه: قدمت اثنين. قال: واثنين. قال أبي بن كعب، رضي الله تعالى عنه: قدمت واحداً. قال: وواحداً). قال ابن بطال وعياض وغيرهما في قول المرأة: ((واثنين يا رسول الله))؟ وهي من أهل اللسان دليل على أن تعلق الحكم بعدد ما لا يدل من جهة دليل الخطاب على انتفائه عن غيره من العدد، لا أقل ولا أكثر. فإن قلت: هل للرجل مثل ما للمرأة إذا قدم الولد؟ قلت: نعم، لأن حكم المكلفين على السواء إلاَّ إذا دل دليل على التخصيص. بيان استنباط الأحكام: الأول: فيه سؤال النساء عن أمر دينهن وجواز كلامهن مع الرجال في ذلك، وفيما لهن الحاجة إليه. الثاني: فيه جواز الوعد. الثالث: فيه جواز الأجر للثكلى. الرابع: قال المهلب وغيره: فيه دليل على أن أولاد المسلمين في الجنة، لأن الله سبحانه إذا أدخل الآباء الجنة بفضل رحمته للأبناء، فالأبناء أولى بالرحمة. قال المازري: أما أطفال الأنبياء، عليهم السلام، فالإجماع منعقد على أنهم في الجنة، وكذلك قال الجمهور في أولاد من سواهم من المؤمنين، وبعضهم لا يحكي خلافاً، بل يحكي الإجماع على دخولهم الجنة، وبعض المتكلمين يقف فيهم، ولم يثبت الإجماع عندهم فيقال به، وسيأتي الكلام فيه مستوفى في موضعه من كتاب الجنائز إن شاء الله تعالى. ١٠٢/٤٤ - حدثنا مُحمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قالَ: حدثنا غُنْدَرٌّ قال: حدثنا شُعْبَةُ عِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابنِ الأَصْبهَانِيّ عنْ ذَكْوانَ عنْ أبي سَعِيدِ الخُدْرِيّ عنِ النَّبِيِّ عَ لَّهِ بِهِذَا، وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ الأصبْهَانِيّ قالَ: سمِعْتُ أبا حازِمٍ عنْ أبي هُرَيْرةَ قالَ: ثَلاثَةً لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ. [الحديث ١٠٢ - طرفه في: ١٢٥٠]. الكلام فيه على أنواع: الأول: أن البخاري قصد بإخراج هذا فائدتين: إحداهما: تسمية ابن الأصبهاني لأنه كان مبهماً في الحديث الأول، وهذه الرواية فسرته، وإنما لم يصرح باسمه هناك محافظة على لفظ الشيوخ، وهو من غاية احتياطه حيث وضعه كما سمعه عن شيخه، الأخرى: التنبيه على زيادة في طريق أبي هريرة، وهي قوله: (لم يبلغوا الحنث)). النوع الثاني: أن حديث أبي هريرة موصول وليس بتعليق، كما قاله الكرماني: فإنه قال: وهذا تعليق من البخاري عن عبد الرحمن، وذلك لأن شعبة يرويه عن عبد الرحمن بإسنادين، لأن قوله: ((وعن عبد الرحمن بن الأصبهاني))، عطف على قوله أولاً: عن عبد الرحمن، تقدير الإسناد الأول: حدثني محمد بن بشار، قال: حدثنا غندر، قال: حدثنا شعبة عن عبد الرحمن بن الأصبهاني عن ذكوان عن أبي سعيد عن النبي، عليه الصلاة والسلام: (ما منكن امرأة تقدم ثلاثة من ولدها إلاَّ كان لها حجاباً من النار. فقالت امرأة: واثنين؟ فقال: واثنين)). أشار إلى هذا بقوله: بهذا، أي: بهذا الحديث المذكور، وتقدير الإسناد الثاني: حدثني محمد بن بشار، قال: حدثنا غندر، قال: حدثنا شعبة عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، قال: سمعت أبا حازم عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي عَّ ل أنه قال: ((ما منكن امرأة ٠٥٠٠ i i i i ٢٠٤ ٣ - كتاب العلم / باب (٣٦) تقدم ثلاثة لم يبلغوا الحنث من ولدها إلاَّ كان لها حجاباً ... )) الحديث. فإن قلت: هل فائدة في تقديمه الحديث الأول على الثاني؟ قلت: نعم، لأن الحديث الأول أعلى درجة من الثاني، إذ فيه بين شعبة والبخاري رجل واحد وهو آدم، بخلاف الثاني، فإن بينهما رجلين وهما: محمد بن بشار وغندر. النوع الثالث: في رجال الإسنادين، وهم ثمانية، وقد مضى منهم ما خلا أبو حازم، بالمهملة والزاي، وهو سلمان الأشجعي الكوفي، مولى عزة، بالمهملة المفتوحة وبالزاي المشددة: الأشجعية، توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه، قال يحيى بن معين: هو كوفي ثقة روى له الجماعة، وربما يشتبه بأبي حازم سلمة بن دينار الزاهد، فإنهما تابعيان مشتركان في الكنية. قال أبو علي الجياني: أبو حازم، رجلان تابعيان، يكنيان بأبي حازم يرويان عن الصحابة. فالأول: الأشجعي اسمه: سلمان، يروي عن أبي هريرة، رضي الله عنه، روى عنه الأعمش ومنصور وفضيل بن غزوان. والثاني: سلمة بن دينار الأعرج، يروي عن سهل بن سعد، روى عنه مالك والثوري وابن عيينة وسليمان بن بلال. قلت: ومن الفرق بينهما أن الأول توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز، والثاني توفي في سنة خمس وثلاثين ومائة. والأول: لم يرو في البخاري ومسلم إلاَّ عن أبي هريرة، والثاني: لم يرو في الصحابة إلاّ عن سهل بن سعد، وكلاهما ثقتان، فالأول وثقه يحيى، والثاني وثقه أبو حاتم. النوع الرابع: قوله: ((لم يبلغوا الحنث)) أي: الإثم. المعنى: أنهم ماتوا قبل بلوغهم التكليف فلم يكتب عليهم الآثام، ويقال: معناه لم يبلغوا زمان التكليف وسن العقل. والحنث، بكسر الحاء: الإثم. قال الجوهري: يقال: بلغ الغلام الحنث: أي المعصية والطاعة. وقال الصغاني: وبلغ الغلام الحنث أي بلغ مبلغاً جرى عليه القلم بالطاعة والمعصية. والحنث: الزنا أيضاً، والحنث في اليمين، والحنث: العدل الكبير الثقيل، والحنث: الميل من باطل إلى حق أو من حق إلى باطل. ويقال: قد حنثت علي أي: ملت إلى هوانٍ علي. فإن قلت: لِمَ خص الحكم بالذين لم يبلغوا الحنث وهم الصغار؟ قلت: لأن قلب الوالدين على الصغير أرحم وأشفق دون الكبير، لأن الغالب على الكبير عدم السلامة من مخالفة والديه وعقوقهم. ٣٦ - بابُ مَنْ سَمِعَ شَيْئاً فَرَاجَعَهُ حَتَّى يَعْرِفَهُ أي: هذا باب في بيان من سمع شيئاً فراجع الذي سمعه منه حتى يعرف ما سمعه كما هو حقه، وفي رواية أبي ذر: ((باب من سمع شيئاً فلم يفهمه فراجعه)). وفي رواية الأصيلي: ((فراجع فيه)). وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب السابق وعظ النساء وتعليمهن، وفي فهمهن قصور: وربما يحتجن إلى مراجعة العالم، وهذا الباب أيضاً في مراجعة العالم لعدم الفهم فيما سمع منه، ومن هذه الحيثية تناسبا. 7.94 ٢٠٥ ٣ - كتاب العلم / باب (٣٦) ١٠٣/٤٥ - حدّثنا سَعيدُ بنُ أبي مَرْيَمَ قالَ: أخبرنا نافِعُ بنُ عُمَرَ قالَ: حدّثني ابنُ أبي مُلَيْكَةً أن عائِشَة زوْجَ النَّبيَّ عَلِ كانَتْ لا تَسْمَعُ شَيْئاً لا تَعْرِفُهُ إِلاَّ رَاجَعَتْ فِيهِ حَتَّى تَعْرِفَهُ، وأن النبيَّ عَّللهِ قالَ: (مَنْ مُحوسِبَ مُذِّبَ)) قالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: أوَ لَيْسَ يَقُولُ الله تَعالى: ﴿فَسوفَ يُحاسَبُ حِساباً بِسيراً﴾ [الانشقاق: ٨] قالَتْ: فقال: «إِنّا ذَلِكَ العَرْضُ، ولكِنْ مَنْ نُوقِشَ الحِسابَ يَهْلِكْ)). [الحديث ١٠٣ - أطرافه في: ٤٩٣٩، ٦٥٣٦، ٦٥٣٧]. ٠٠٠٠ مطابقة الحديث للترجمة في قوله: ((لا تسمع شيئاً لا تعرفه إلاَّ راجعت فيه حتى تعرفه). بيان رجاله: وهم أربعة: الأول: سعيد بن أبي مريم، هو سعيد بن الحكم بن محمد ابن أبي مريم الجمحي أبو محمد المصري، سمع مالكاً وغيره، وروى عنه البخاري هنا وغيره، وروى بقية الجماعة عن رجل عنه، وروى البخاري في تفسير سورة الكهف عن محمد بن عبد اللَّه عنه عن أبي غسان محمد بن مطرف وسليمان بن بلال ومحمد بن أبي كثير. قال الحاكم النيسابوري: يقال: إن محمد بن عبد اللَّه هذا هو محمد بن يحيى الذهلي، وروى عنه أبو حاتم الرازي، وقال: ثقة. وقال ابن معين: ثقة الثقات، توفي سنة أربع وعشرين ومائتين. الثاني: نافع بن عمر بن عبد اللَّه القرشي الجمحي المكي، قال أحمد بن حنبل: ثبت ثبت صحيح الحديث. وقال يحيى بن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة يحتج بحديثه، مات بمكة سنة تسع وستين ومائة، روى له الجماعة. الثالث: عبد اللَّه بن عبيد الله بن أبي مليكة، بضم الميم، وقد تقدم. الرابع: الصديقة عائشة، رضي الله عنها. بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث بصيغة الجمع وصيغة الإفراد والإخبار. ومنها: أن رواته ما بين مصري ومكي. ومنها: أنه رباعي صحيح. فإن قلت: هذا الإسناد مما استدركه الدارقطني على البخاري ومسلم، فقال: اختلفت الرواية فيه عن ابن أبي مليكة فروي عنه عن عائشة، وروي عنه عن القاسم عن عائشة، وقد اختلف الناس في الحديث إذا روي موصولاً، وروي منقطعاً هل علة فيه؟ فالمحدثون يثبتونه علة، والفقهاء ينفون العلة عنه، ويقولون: يجوز أن يكون سمعه عن واحد عن آخر ثم سمعه عن ذلك الآخر بغير واسطة. قلت: هذا هو الجواب عن استدراك الدارقطني، وهو استدراك مستدرك لأنه محمول على أنه سمعه عنها بالواسطة، وبدون الواسطة فرواه بالوجهين، وأكثر استدراكات الدارقطني على البخاري ومسلم من هذا الباب. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في (التفسير) و(الرقاق) عن عمرو بن علي عن يحيى عن عثمان بن الأسود، وفي (الرقاق) أيضاً عن عبيد اللَّه بن موسى عن عثمان بن الأسود، وفي (التفسير) عن سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن أيوب، وقال في عقب حديث عمرو بن علي: تابعه ابن جريج محمد بن سليم وصالح وأيوب بن رستم عن ابن أبي مليكة سمعت عائشة. وأخرجه مسلم في أواخر الكتاب عن أبي بكر وابن حجر عن ابن علية عن أيوب، وعن أبي الربيع وأبي كامل عن حماد عن أيوب، وعن عبد الرحمن بن بشر عن يحيى القطان عن عثمان بن الأسود، كلاهما عن ابن أبي مليكة، i ٢٠٦ ١٫٠٠٠٠ ١٠٫٥٠٠ ٣ - كتاب العلم / باب (٣٦) وأخرجه في (التفسير) عن مسدد عن يحيى، وفي (الرقاق) عن إسحاق بن منصور عن روح، وأخرجه أيضاً عن عبد الرحمن بن بشر عن يحيى، كلاهما عن أبي يونس حاتم عن ابن أبي مليكة عن القاسم عن عائشة، وزاد فيه القاسم بن أبي مليكة وعائشة. وأخرجه النسائي في (التفسير) عن العباس بن محمد بن يونس عن محمد عن نافع بن عمر بإسناده: ((من حوسب يومئذٍ عذب)). فذكره ولم يذكر أول الحديث. بيان اللغات: قوله: ((زوج النبي، عليه السلام)) زوج الرجل امرأته، وزوج المرأة بعلها، قال الله تعالى: ﴿اسكن أنت وزوجك الجنة﴾ [البقرة: ٣٥، الأعراف: ١٩] ويقال أيضاً: هي زوجته. والأول هو الأفصح. قوله: ((العرض)) بفتح العين، من عرضت إليه أمر كذا، وعرضت له الشيء أي أظهرته وأبرزته إليه. قوله: (من نوقش) من المناقشة وهي الاستقصاء في الحساب حتى لا يُترك منه شيء. وقال ابن دريد: أصل النقش استقصاؤك الكشف عن الشيء، ومنه نقش الشوكة إذا استخرجها. وقال الهروي: انتقشت منه حتى استقصيته منه. بيان الإعراب: قوله: ((أن عائشة))، بفتح الهمزة: وأصله بأن عائشة، ظاهر هذا الإرسال لأن ابن أبي مليكة تابعي لم يدرك مراجعة عائشة زوج النبي عَّه، لكن ظهر وصله بعد في قوله: قالت عائشة: فقلت. قوله: ((زوج النبي، عليه الصلاة والسلام)) كلام إضافي في منصوب لأنه صفة عائشة. قوله: ((كانت)) في محل الرفع لأنه خبر: أن. قوله: ((لا تسمع ... )) إلى آخره في محل النصب لأنه خبر: كأن. قوله: ((لا تعرفه) جملة في محل النصب لأنها صفة لقوله: ((شيئاً)). قوله: (إلاَّ راجعت فيه) استثناء متصل. وقوله: ((راجعت)) صفة لموصوف محذوف، والتقدير: لا تسمع شيئاً مجهولاً موصوفاً بصفة إلاَّ موصوفاً بأنه مرجوع فيه. قوله: ((حتى) للغاية بمعنى: إلى. قوله: ((تعرفه)) منصوب بأن المقدرة. قوله: ((وأن النبي، عليه الصلاة والسلام)) عطف على قوله: ((أن عائشة)). قال الكرماني: واعلم أن هذا القدر من كلام ابن أبي مليكة مرسل، إذ لم يسنده إلى صحابي. قلت: قد ذكرت أن قول عائشة: فقلت، يدل على الوصل، وإن كان ذاك بحسب الظاهر يدل على الإرسال. قوله: ((قال)) في محل الرفع لأنه خبر: أن. قوله: ((من حوسب عذب)) مقول القول و: من، موصولة، و: حوسب، جملة صلتها. وقوله: (عذب)) خبر: من، لأنه مبتدأ. قوله: ((فقلت)) عطف على قوله: ((قال: من حوسب عذب)). وقوله: ((قالت عائشة) معترض بينهما من كلام الراوي. قوله: ((أو ليس يقول الله؟)) الهمزة للاستفهام. فإن قلت: همزة الاستفهام تقتضي الصدارة، وحرف العطف يقتضي تقدم الصدارة، فما تقديره؟ قلت: ههنا وفي أمثاله يقدر المعطوف عليه هو مدخول الهمزة نحو: أكان كذلك وليس يقول الله تعالى؟ وفي بعض النسخ: أو ليس الله يقول؟ فلفظة الله اسم ليس وخبره يقول. فإن قلت: ما اسم ليس في الرواية المشهورة؟ قلت: إما أن يكون ليس بمعنى: لا، فكأنه قيل: أو لا يقول الله؟ وإما أن يكون فيه ضمير الشأن. قوله: ((حساباً) نصب على أنه مفعول مطلق. و((يسيرا)، صفته. قوله: ((قالت)) أي: عائشة. فقال: أي النبي، عليه الصلاة والسلام. قوله: ((إنما ذلك)) ٠٠٠ ٢٠٧ ٣ - كتاب العلم / باب (٣٦) بكسر الكاف لأنه خطاب للمؤنث، والأصل فيه: ذا، وهو اسم يشار به إلى المذكر، فإن خاطبت جئت بالكاف، فقلت: ذاك وذلك، فاللام زائدة والكاف للخطاب وفيها دليل على أن ما يومىء إليه بعيد ولا موضع له من الإعراب، وهو ههنا مبتدأ وخبره قوله: ((العرض)). قوله: ((ولكن) للاستدراك. قوله: (من) موصولة تتضمن معنى الشرط. وقوله: ((نوقش)) فعل الشرط. قوله: ((يهلك)، بكسر اللام: جواب الشرط، ويجوز فيه الرفع والجزم، وذلك لأن الشرط إذا كان ماضياً يجوز الوجهان في الجواب، وهو من: هلك يهلك، لازم. وتيم تقول: هلكه يهلكه هلكاً بمعنى أهلكه، والمعنى ههنا على اللزوم، وإن احتمل التعدي أيضاً. قوله: (الحساب)) نصب لأنه مفعول ثان لناقش، لأن أصل باب المفاعلة لنسبة أصل الفعل إلى أحد الأمرين متعلقاً بالآخر صريحاً، ويجيء عكس ذلك ضمناً، فلأجل تعلقه بالآخر جاء غير المتعدي إذا نقل إلى فاعل متعدياً نحو: كارمته، فإن أصله لازم وقد تعدى ههنا، والمتعدي إلى مفعول واحد إذا نقل إلى فاعل يتعدى إلى مفعولين نحو: جاذبته الثوب، لكن بشرط أن لا يصلح مفعول أصل الفعل أن يكون مشاركاً للفاعل كما في المثال المذكور، فإن الثوب لمّا لم يصلح لأن يكون مشاركاً للفاعل في المجاذبة احتيج إلى مفعول آخر يكون مشاركاً له فيها، فيتعدى إلى اثنين، وأما إذا صلح مفعوله للمشاركة فلا يتعدى إلى اثنين، بل يكتفي بمفعول كما في: شاتمت زيداً. فإن قلت: أين المفعول الأول ههنا؟ قلت: الضمير الذي نوقش فإنه مفعول ناب عن الفاعل، والمعنى: من ناقشه الله الحساب يهلك. وقال الكرماني: الظاهر أن الحساب منصوب بنزع الخافض، أي: في الحساب، أي: من جرى في حسابه المضايقة يهلك. قلت: الظاهر ما ذكرناه. جدة جدة. جدة i i بيان المعاني: قوله: ((كانت لا تسمع)) إنما جمع بين: كانت، الذي هو الماضي، وبين: لا تسمع، الذي هو المضارع لأن كانت هنا لثبوت خبرها والمضارع للاستمرار فيتناسبان، أو جيء بلفظ المضارع استحضاراً للصورة الماضية وحكاية عنها، فلفظه، وإن كان مضارعاً، لكن معناه على الماضي. قوله: ((عذب)) له معنيان: أحدهما: إن نفس مناقشة الحساب يوم عرض الذنوب والتوقيف على قبيح ما سلف له تعذيب وتوبيخ. والآخر أنه مفض إلى استحقاق العذاب، إذ لا حسنة للعبد يعملها إلاَّ من عند اللَّه وبفضله وإقداره له عليها وهدايته لها، وأن الخالص لوجهه تعالى من الأعمال قليل، ويؤيده قوله: يهلك مکان عذب. قوله: ((يسيراً) أيَّ سهلاً هيناً لا يناقش فيه ولا يعترض بما يشق عليه كما يناقش أصحاب الشمال. جود i فإن قلت: ما وجه المعارضة ههنا أعني بين الحديث والآية؟ قلت: وجهها أن الحديث عام في تعذيب من حوسب، والآية تدل على عدم تعذيب بعضهم، وهم أصحاب اليمين، وجوابها أن المراد من الحساب في الآية العرض يعني: الإبراز والإظهار. وعن عائشة، رضي الله عنها، هو أن يعرف ذنوبه ثم يتجاوز عنه. قوله: (من نوقش)) المعنى: أن التقصير غالب على العباد، فمن استقصي عليه ولم يسامح هلك وأدخل النار، ولكن الله تعالى يعفو ويغفر ما دون الشرك لمن شاء. وقيل إن المناقشة في الحساب نفسها هو العذاب، لما روي : .- ٣ - كتاب العلم / باب (٣٧) ٢٠٨ عن النبي، عليه الصلاة والسلام، أنه قال: ((من يحاسب يعذب. فقيل: يا رسول الله فسوف يحاسب حساباً يسيراً. قال: <2> ذلكم العرض، من نوقش في الحساب عذب)). <1> وفيه نظر، لأن قوله، عليه الصلاة والسلام: ((من يحاسب يعذب)). <1» وقوله: ((من نوقش في الحساب عذب» يدل على أن من حوسب عذب سواء بمناقشة أو لا، ولا يدل على أن المناقشة في الحساب نفسها عذاب، بل المعهود خلافه، فإن الجزاء لا بد وأن يكون سبباً عن الشرط، والجواب: أن التألم الحاصل للنفس بمطالبة الحساب غير الحساب ومسبب عنه، فجاز أن يكون بذلك الاعتبار جزاء. بيان استنباط الأحكام: الأول: فيه بيان فضيلة عائشة، رضي الله عنها، وحرصها على التعلم والتحقيق، فإن رسول الله عَ ليه ما كان يتضجر من المراجعة إليه. الثاني: فيه إثبات الحساب والعرض. الثالث: فيه إثبات العذاب يوم القيامة. الرابع: فيه جواز المناظرة ومقابلة السنة بالكتاب. الخامس: فيه تفاوت الناس في الحساب. ٣٧ - بابٌ لِيُبَّغِ العِلْمَ الشَّاهِدُ الغائبَ أي: هذا باب، وهو منون قطعاً. قوله: ((ليبلغ)) أمر للغائب، ويجوز في الغين الكسر لأن الأصل في الساكن تحريكه بالكسر إذا حرك، والفتح لأنه أخف الحركات، ولا يجوز غير ذلك، و: الشاهد، بالرفع لأنه فاعل: ليبلغ، وقوله: العلم والغائب، منصوبان على أنهما مفعولان له. والتقدير: ليبلغ الشاهد الغائب العلم والشاهد الحاضر من شهد إذا حضر. وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب السابق مراجعة المتعلم أو السامع لضبط ما يسمعه من العالم، وفيه معنى التبليغ من المراجع إليه إلى المراجع، فكأن المراجع كان كالغائب عند سماعه حتى لم يفهم ما سمعه وراجع فيه، وهذا الباب أيضاً فيه تبليغ الشاهد الغائب، فتناسبا من هذه الحيثية. صَلَ الـ قَالَهُ ابنُ عَبَّاسٍ عن النبيِّ أي: رواه عبد اللَّه بن عباس، رضي الله عنهما، وهذا تعليق، ولكنه أسنده في كتاب(الحج) في: باب الخطبة أيام منى، عن علي بن يحيى بن سعيد عن سعيد بن غزوان عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله عَّله: ((خطب الناس يوم النحر فقال: أيها الناس! أي يوم هذا؟ قالوا: يوم حرام ... )) وفي آخره: ((اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟) قال ابن عباس: فوالذي نفسي بيده إنها لوصية إلى أمته فليبلغ الشاهد الغائب، وذكر الحديث. وقال أبو داود: حدثنا زهير بن حرب وعثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير عن الأعمش عن عبد اللَّه ابن عبد اللَّه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله عَّ له: (تسمعون ويسمع منکم ویسمع من یسمح منکم). وقال بعضهم: وليس في شيء من طرق حديث ابن عباس بهذه الصورة، وإنما هو في روايته ورواية غيره بحذف العلم، وكأنه أراد بالمعنى، لأن ٢٠٩ ٣ - كتاب العلم / باب (٣٧) المأمور بتبليغه هو العلم. قلت: ليس كذلك، بل هو مثل ما في الحديث المذكور، غاية ما في الباب أنه أبرز أحد المفعولين الذي هو مقدر في الحديث، وهو لفظة: العلم. ١٠٤/٤٦ - حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قَالَ: حدّثني اللَّيْثُ قالَ: حدّثني سَعِيدٌ عنْ أبي شُرَيْحِ أَنَّهُ قالَ لِعَمْرِو بنِ سعِيدٍ، وَهْوَ يَبْعَثُ البُّعُوثَ إِلى مَكّة: ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الأمِيرُ أَحَدّثْكَ قَوْلاً قَامَ بِهِ النبيُّ عَ لَّهِ الغَدَ مِنْ بَوْمِ الفَتْحِ، سَجِعَتْهُ أَذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكلَّمَ بِهِ، حمد الله وأثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قال: (إِن مكّةَ حَرَّمَهَا الله وَلَمْ يُحَرَّمْهَا النَّاسُ، فَلاَ يَحِلُّ لإِمْرِىءٍ يُؤْمِنُ بالله واليَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَشْفِكَ بِهاِ دَماً، ولا يَعْضِدَ بِها شَجَرَةً، فإِنْ أُحَدٌ تَرَخصّ القتالٍ رسولِ اللهِ عٍَّ فِيَها فَقُولُوا: إِنّ الله قدْ أَذِنَ لِرِسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنََّا أَذِنَ لِي فيها ساعَةً مِنْ نَهَارٍ ثم عادَتْ مُزْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُزْمَتِها بِالأَمْسِ، ولْيُبلّغِ الشَّاهِدُ الغائِبَ)). فَقِيلَ لأَبِي شَرَيْحِ ما قالَ عَمروٌّ قالَ: أَنَا أَعْلَمُ منْكَ يا أبا شُرَيْح! إِنَّ مَكّْةَ لاَ تُعِيذُ عاصِياً ولا فارّاً بدَمٍ ولا فارَّاً بخّرْبَةٍ. [الحديث ١٠٤ - طرفاه في ١٨٣٢، ٤٢٩٥]. مطابقة الحديث للترجمة في قوله: ((وليبلغ الشاهد الغائب)). بيان رجاله: وهم أربعة. الأول: عبد اللَّه بن يوسف التنيسي. الثاني: الليث بن سعد المصري. الثالث: سعيد بن أبي سعيد المقبري، وقد تقدم ذكرهم. الرابع: أبو شريح، بضم الشين المعجمة وفتح الراء وبالحاء المهملة: الخزاعي الكعبي. قيل: اسمه خويلد، قال أبو عمر: قيل: اسمه عمرو بن خالد. وقيل: كعب بن عمرو. قال: والأصح عند أهل الحديث أن اسمه خويلد بن عمرو بن صخر بن عبد العزى بن معاوية بن المحترش بن عمرو بن مازن بن عدي بن عمرو بن ربيعة الخزاعي العدوي الكعبي، أسلم قبل فتح مكة، و کان يحمل حينئذٍ أحد ألوية بني كعب بن خزاعة، روي له عن رسول الله عَّلِ عشرون حديثاً، اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بحديث، وهو: ((والله لا يؤمن (ثلاثاً) من لا يؤمن جاره بوائقه)). والمتفق عليه: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره)). الحديث، وهذا الحديث. قال الواقدي: وكان أبو شريح من عقلاء أهل المدينة، توفي سنة ثمان وستين، روى له الجماعة. وفي الصحابة من يشترك معه في كنيته اثنان: أبو شريح هانىء بن يزيد الحارثي، وأبو شريح راوي حديث: ((أعتى الناس على الله تعالى ... )) الحديث. قالوا: الخزاعي، وقالوا: غيره. وفي الرواية أيضاً أبو شريح الغفاري، أخرج له ابن ماجه. ٠٠٠٠٠ i i بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث بصيغة الجمع وصيغة الإفراد والعنعنة. ومنها: أن رواته ما بين مصري ومدني. ومنها: أنه من الرباعيات. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري في (الحج) عن قتيبة عن الليث، وفي (المغازي) عن سعيد بن شرحبيل عن الليث. وأخرجه مسلم في (الحج) عن قتيبة به. وأخرجه الترمذي فيه عن قتيبة به، وقال: حسن صحيح، وفي (الديات) عن ابن بشار عن يحيى بن سعيد عن ابن أبي ذئب عن سعيد في معناه. وأخرجه النسائي في (الحج)، وفي مية القيارياح × سام١٤ i i i ٢١٠ ٣ - كتاب العلم / باب (٣٧) العلم عن قتيبة به. بيان اللغات: قوله: ((البعوث))، بضم الباء الموحدة. جمع البعث بمعنى المبعوث، وهو الجند الذي يبعث إلى موضع. ومعنى: يبعث البعوث أي: يرسل الجيوش، والبعث الإرسال. وفي (العباب) بعثه أي أرسله، وقولهم: كنت في بعث فلان، أي: في جيشه الذي بعث معه. والبعوث الجيوش، ومصدر بعثه بعث وبعث بالتحريك أيضاً، والبعثة المرة الواحدة. قوله: (إيذن)) أمر من: أذن يأذن، وأصله: إئذن، قلبت الهمزة الثانية ياء لسكونها وانكسار ما قبلها. قوله: ((لامرىء) قد مر أن هذا اللفظ من النوادر، حيث كانت عينه دائماً تابعة للامه في الحركة. قوله: ((أن يسفك)) بكسر الفاء على المشهور، وحكي ضمها، ومعنى السفك إراقة الدم. وفي (العباب): سفكت الدم أسفُكه وأسفِكه سفكاً، أي: هرقته. وقرأ ابن قطيب وابن أبي عبلة وطلحة بن مصرف وشعيب بن أبي حمزة: ((ويسفك الدماء)»، بضم الفاء، وكذلك الدمع. وقال المهدي: لا يستعمل السفك إلاّ في صب الدم، وقد يستعمل في نشر الكلام إذا نشره. قوله: (ولا يعضد)) من العضد، بالعين المهملة والضاد المعجمة، وهو القطع: يقال: عضد الشجرة، بالفتح في الماضي، يعضد، بالكسر في المضارع: إذا قطعها بالمعضد، وهو سيف يمتهن في الشجر، فهو معضود، والمعنى: لا يعضد أغصانها. قال المازري: يقال: عضد واستعضد. وقال الطبري: معنى لا يعضد: لا يفسد ولا يقطع، وأصله من عضد الرجل إذا أصاب عضده، لكنه يقال منه: عضده يعضده بالضم في المضارع، وكذلك يقال: إذا أعانه بخلاف العضد بمعنى القطع. وفي (العباب): عضدته أعضده، بالضم، أي أعنته، وكذلك إذا أصبت عضده، وعضدت الشجرة أعضدها، بالكسر، أي: قطعتها، والمعضد، بكسر الميم: ما يعضد به الشجرة، والشجر ما له ساق. قوله: ((ترخص)) من باب تفعل من الرخصة، وهو حكم ثبت لعذر مع قيام المحرم. قوله: ((لا تعيذ))، بضم التاء المثناة من فوق: من الإعاذة، بالذال المعجمة أي لا تعصم العاصي من إقامة الحد عليه. قوله: ((ولا فاراً)) أي: ملتجئاً إلى الحرم بسبب خوفه من إقامة الحد عليه، وهو بالفاء والراء المشددة، ومعناه في الأصل: الهارب. قوله: ((بخربة))، بفتح الخاء المعجمة وسكون الراء بعدها باء موحدة، وهي السرقة، كذا ثبت تفسيرها في رواية المستملي، أعني في روايته: ((ولا فاراً بخربة)). يعني: السرقة. وقال ابن بطال: الخربة، بالضم: الفساد، وبالفتح: السرقة. وقال القاضي: وقد رواه جميع رواة البخاري غير الأصيلي: (بخربة))، بالخاء المعجمة المفتوحة، وهو الذي جاء في مسلم، ورواه الأصيلي: ((بخربة)، بضم الخاء، وقيل: بضم الخاء العورة، وبالفتح يصح على أن المراد الفعلة الواحدة. وقال الخليل: الخربة، بالضم: الفساد في الدين، مأخوذ من الخارب وهو اللص، ولا يكاد يستعمل إلاَّ في سارق الإبل. وقال غيره: الخربة، بالفتح: السرقة والعيب. وقال الخطابي: الخربة هنا السرقة، والخرابة: سرقة الإبل خاصة، كما قال الخليل، وأنشد: والخارب اللص يحب الخاربــا ١٣٨٢ ٢١١ ٣ - كتاب العلم / باب (٣٧) وقال غيره: وأما الحرابة، بالحاء المهملة، فيقال في كل شيء. يقال في الأول: خرب فلان بالمعجمة وفتح الراء إبل فلان يخرب خرابة، مثل: كتب يكتب كتابة، وروي في بعض النسخ: بجزية، بكسر الجيم وسكون الزاي وفتح الياء آخر الحروف. وفي (العباب): الخربة يعني، بالفتح: السرقة والعيب والبلية، والخربة أيضاً: أعنى بالفتح: الغربال. والخربة، بالضم: ثقب الورك وكل ثقب مستدير. والخرابة، بالضم: جبل من ليف أو نحوه، وخرابة الإبرة: خرقها، وخرابة الورك: ثقبه، وقد تشدد راؤها. والخارب: اللص. قال الأصمعي: هو سارق البعران خاصة، والجمع الخراب، بضم الخاء وتشديد الراء. قال: والحربة، بضم الحاء المهملة: الغرارة السوداء. وقال الليث: الوعاء. والحربة، بفتحتين: الطلعة إذا كانت بقشرها. بيان الإعراب: قوله: ((وهو يبعث البعوث)) جملة إسمية وقعت حالاً. قوله: ((إيذن لي)) مقول القول. قوله: ((أيها الأمير))، أصله: يا أيها الأمير، حذف منه حرف النداء. قوله: ((أحدثك)) جملة من الفعل والفاعل والمفعول، و: ((قولاً)) منصوب لأنه مفعول ثان. قوله: ((قام به)) أي النبي، عليه الصلاة والسلام، جملة من الفعل والمفعول، أعني: قوله: به، والفاعل أعني قوله: النبي، وهي في محل النصب لأنها صفة لقوله: ((قولاً)). قوله: ((الغد)) بالنصب على الظرفية، وهو اليوم الثاني من فتح يوم مكة. قوله: ((سمعته))، جملة من الفعل والمفعول، وهو الضمير الذي يرجع إلى القول. وقوله: ((أذناي)) فاعله، وأصله أذنان لي، فلما أضيف إلى ياء المتكلم سقطت نون التثنية. فإن قلت: ما موقع هذه الجملة من الإعراب؟ قلت: النصب، لأنها صفة أخرى للقول. قوله: ((ووعاه قلبي))، عطف على: سمعته أذناي، من الوعي وهو: الحفظ. قوله: ((وأبصرته عيناي)) أيضاً عطف على ما قبله، وأصله: عينان لي، فلما أضيف إلى ياء المتكلم سقطت نون التثنية، واعلم أن كل ما في الإنسان اثنان من الأعضاء تحو: الأذن والعين، فهو مؤنث بخلاف الأنف ونحوه. قوله: ((حين)، نصب على الظرف: لقام، وسمعت، ووعاه، وأبصرت. قوله: ((حمد الله)) جملة وقعت بياناً لقوله: تكلم. قوله: ((وأثنى عليه) عطف على: حمد، من قبيل عطف العام على الخاص. قوله: ((حرمها الله)) جملة وقعت في محل الرفع لأنها خبر: إن. قوله: ((ولم يحرمها الناس)) عطف على خبر: إن. قوله: ((فلا يحل))، الفاء فيه جواب شرط محذوف تقديره: إذا كان كذلك فلا يحل. قوله: ((يؤمن بالله))، جملة في محل الجر لأنها صفة لامرىء. قوله: ((أن يسفك)) فاعل لا يحل، و: أن، مصدرية تقديره: فلا يحل سفك دم. قوله: (بها)) أي بمكة، و: الباء، بمعنى: في، أي: فيها، كما هي رواية المستملي. قوله: ((دماً)) مفعول ليسفك. قوله: ((ولا يعضد)) بالنصب أيضاً لأنه عطف على: يسفك. والتقدير: وأن لا يعضد. فإن قلت: فعلى هذا يكون المعنى: لا يحل أن لا يعضد؟. قلت: لا، زيدت لتأكيد معنى النفي، فمعناه: لا يحل أن يعضد. قوله: ((بها)) أي: فيها، وهكذا في بعض النسخ، و: شجرة، بالنصب مفعول: يعضد. وذكر بعض شراح (المشارق) للصغاني أن قوله: لا يعضد، بالرفع ابتداء كلام، وفاعله ضمير فيه يرجع إلى أمرىء، وعطفه على: لا يحل، بأن يكون تقديره: إن مكة حرمها الله لا يعضد بها امرؤ ٠٠ ١٣٠ ٢١٢ ٣ - كتاب العلم / باب (٣٧) شجرة جائز. قلت: هذا توجيه حسن إن ساعدته الرواية. قوله: ((فإن أحد)): إن للشرط، وأحد، مرفوع بفعل محذوف تقديره: فإن ترخص أحد، ويفسره قوله: ترخص، إنما حذف لئلا يجتمع المفسر والمفسر، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك﴾ [التوبة: ٦] تقديره: وإن استجارك من المشركين. قوله: ((لقتال رسول الله عليه الصلاة والسلام))، اللام فيه للتعليل. قوله: ((فقولوا)) جواب الشرط، فلذلك دخلت فيه الفاء. قوله: ((قد أذن)) خبر: إن. وقوله: ((لم يأذن لكم)) عطف عليه. قوله: ((وإنما أذن لي)، روي بصيغة المجهول والمعلوم. قوله: (ساعة))، نصب على الظرف. قوله: ((حرمتها) بالرفع فاعل: عادت. قوله: ((اليوم)، نصب على الظرف. قوله: ((وليبلغ) يجوز بكسر اللام وتسكينها، و: الشاهد، بالرفع فاعله، و: الغائب، بالنصب مفعوله. قوله: ((يا باشريح)) أصله يا أبا شريح حذفت الهمزة للتخفيف. قوله: ((لا تعيذ)) جملة في محل الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف. أي: مكة لا تعيذ. قوله: ((عاصياً) مفعول: لا تعيذ، ويروى بالياء آخر الحروف، أي: الحرم لا يعيذ عاصياً. قوله: ((ولا فاراً بدم)) عطف على: عاصياً، والباء في: بدم، للمصاحبة، أي: مصاحبا بدم وملتسباً به. قوله: ((ولا فاراً بخربة))، عطف على ما قبله، والباء فيه للسببية. بيان المعاني: قوله: ((لعمرو بن سعيد))، بفتح العين: وهو عمرو بن سعيد بن العاص ابن أمية القرشي الأموي، يعرف بالأشدق، ليست له صحبة ولا كان من التابعين بإحسان. ووالده مختلف في صحبته. وقال ابن الأثير: يكنى أبا أمية، وكان أمير المدينة، وغزا ابن الزبير، متزاآر. رضي الله عنهما، ثم قتله عبد الملك بن مروان بعد أن آمنه. ويقال: إنه الذي رأى النبي عليه، وروى عن عمر وعثمان، روى عنه بنوه وأمية وسعيد. قلت: كان قتله سنة سبعين من الهجرة. قوله: ((وهو يبعث البعوث إلى مكة) يعني: كان عمرو بن سعيد يبعث الجند إلى مكة لقتال ابن الزبير، وذلك أنه لما توفي معاوية توجه يزيد إلى عبد الله بن الزبير يستدعي منه بیعته، فخرج إلى مكة ممتنعاً من بیعته، فغضب یزید وأرسل إلى مكة يأمر واليها يحيى بن حكيم بأخذ بيعة عبد اللَّه، فبايعه وأرسل إلى يزيد بيعته، فقال: لا أقبل حتى يؤتى به في وثاق، فأتى ابن الزبير، وقال: أنا عائذ بالبيت، فأبى يزيد، وكتب إلى عمرو بن سعيد أن يوجه إليه جنداً، فبعث هذه البعوث. قال ابن بطال: وابن الزبير، رضي الله عنهما، عند علماء السنة أولى بالخلافة من يزيد وعبد الملك لأنه بويع لابن الزبير قبل هؤلاء، وهو صاحب النبي عَّ، وقد قال مالك: ابن الزبير أولى من عبد الملك. قوله: ((من يوم الفتح)) يعني فتح مكة، وكان في عشرين من رمضان في السنة الثامنة من الهجرة. قوله: ((سمعته أذناي ... )) إلى آخره، إشارة منه إلى مبالغته في حفظه من جميع الوجوه، ففي قوله: «سمعته أذناي» نفي أن یکون سمعه من غيره، کما جاء في حديث النعمان بن بشير، وأهوى النعمان بأصبعيه إلى أذنيه. وقوله: ((ووعاه قلبي)) تحقيق لفهمه والتثبت في تعقل معناه. وقوله: ((وأبصرته عيناي)) زيادة في تحقق السماع والفهم عنه بالقرب منه والرؤية، وأن سماعه منه ليس اعتماداً على الصوت دون حجاب، بل الرؤية والمشاهدة، .١٠ .-.. ٠٠٠ ٢١٣ ٣- كتاب العلم / باب (٣٧) والهاء في قوله: تكلم به، عائدة على قوله: أحدثك. قوله: ((حرمها الله)) إما أن يراد به مطلق التحريم، فيتناول كل محرماتها، وإما أن يراد به ما ذكر بعده من سفك الدم وعضد الشجر. ويقال: معناه تفهيم المخاطبين بعظيم قدر مكة بتحريم الله إياها، ونفي ما تعتقده الجاهلية وغيرهم من أنهم حرموا وحللوا، كما حرموا أشياء من قبل أنفسهم، وأكد ذلك المعنى بقوله: ((ولم يحرمها الناس))، أي: فتحريمها ابتداءً أي من غير سبب يعزى لأحد لا مدخل فيه لا لنبي ولا لعالم، ثم بيّ التحريم بقوله: «فلا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما ... )) إلى آخره، لأن من آمن بالله لزمته طاعته، ومن آمن بالله واليوم الآخر لزمه القيام بما وجب عليه، واجتناب ما نهى عنه، تخلصاً خوف الحساب عليه، ويقال: معنى: ولم يحرمها الناس: ليس من محرمات الناس، حتى لا يعتد به، بل هي من محرمات الله. أو معناه: إن تحريمها بوحي الله تعالى، لا أنه اصطلح الناس على تحريمها بغير إذن الله تعالى. قوله: ((فإن أحد ترخص لقتال رسول الله عَ له)) معناه: إن قال أحد بأن ترك القتال عزيمة، والقتال رخصة يتعاطى عند الحاجة مستدلاً بقتال رسول الله عَّ لَّه فيها، فقولوا له: ليس الأمر كذلك، فإن الله أذن لرسوله عَ لّه ولم يأذن لكم، وإنما أذن له فيها ساعة من نهار، يعني في إراقة دم كان مباحاً خارج الحرم، والحرمة كانت للحرم في إراقة دم محرم الإراقة، فكان الحرم في حقه عَّةٍ وفي تلك الساعة بمنزلة الحل، ثم عادت حرمتها كما كانت، وإنما قال: فإن أحد ترخص لقتال رسول الله عَّةٍ، ولم يقال: لقتالي بياناً لاستظهار الترخص، فإن الرسول المبلغ للشرائع، إذا فعل ذلك كان دليلاً على جواز الترخص. وإنما التفت ثانياً بقوله: ((وإنما أذن لي)) ولم يقل: أذن له، بياناً لاختصاصه بذلك بالإضافة إلى ضميره كما في قول امرىء القيس: ١ i وخبرته عن أبي الأسود وذلك من نبأ جاءني قوله: (ساعة من نهار)) أراد به مقداراً من الزمان من يوم الفتح وهو زمان الدخول فيها، ولا يعلم من الحديث إباحة عضد الشجر لرسول الله عَ ليه في تلك الساعة. قوله: ((حرمتها)) أي الحكم الذي في مقابلة الإباحة المستفادة من لفظ الإذن، ولفظ اليوم يطلق ويراد به يومك الذي أنت فيه. أي: من يوم وقت طلوع الشمس إلى غروبها، ويطلق ويراد به الزمان الحاضر المعهود، وقد يكون أكثر من يوم واحد وأقل، وكذا حكم الأمس. فإن قلت: ما المراد به ههنا؟ قلت: الظاهر أنه الحاضر ويحتمل أيضاً المعنى الآخر أي ما بين الطلوع إلى الغروب. وتكون حينئذٍ اللام للعهد من يوم الفتح، إذ عود حرمتها كان في يوم الفتح لا في غيره الذي هو يوم صدور هذا القول، وكذا اللام في الأمس يكون معهوداً من أمس يوم الفتح. قوله: (ما قال عمرو)) أي في جوابك، فقال أبو شريح: قال، أي عمرو: أنا أعلم منك: قال ابن بطال: ما قاله ليس بجواب لأنه لم يختلف معه في أن من أصاب حداً في غير الحرم ثم لجأ إلى الحرم هل يقام عليه؟ وإن ما أنكره عليه أبو شريح بعثه الخيل إلى مكة واستباحته حرمتها بنصب الحرب عليها، فحاد عمرو عن الجواب، واحتج أبو شريح بعموم الحديث، وذهب إلى أن مثله لا يجوز أن يستباح نفسه ولا ينصب الحرب عليها بقتال بعدما وحده ج -. i P ٢١٤ ٣ - كتاب العلم / باب (٣٧) حرمها رسول الله عَ ادٍ. وقال الطيبي: لما سمع عمرو ذلك رده بقوله: أنا أعلم، ويعني: إن صح سماعك وحفظك لكن ما فهمت المعنى المراد من المقاتلة، فإن ذلك الترخص كان بسبب الفتح عنوة وليس بسبب قتل من استحقه خارج الحرم، والذي أنا بصدده من القبيل الثاني لا من الأول، فكيف تنكر علي؟ فهو من القول بالموجب، يعني: الجواب مطابق وليس مجاوبة من غير سؤاله. قلت: كونه جواباً على اعتقاد عمرو في ابن الزبير، والله أعلم، وقد شنع عليه ابن حزم في ذلك في (المحلى) في كتاب الجنايات، فقال: لا كرامة للثيم الشيطان الشرطي الفاسق، يريد أن يكون أعلم من صاحب رسول الله، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وهذا الفاسق هو العاصي لله ولرسوله ومن والاه أو قلده، وما حامل الخزي في الدنيا والآخرة إلاَّ هو ومن أمره وصوب قوله، وكأن ابن حزم إنما ذكر ذلك لأن عمراً ذكر ذلك عن اعتقاده في ابن الزبير، رضي الله عنهما. وقال ابن بطال: اختلف العلماء في الصحابي إذا روى الحديث هل يكون أولى بتأويله ممن يأتي بعده أم لا؟ فقالت طائفة تأويل الصحابي أولى لأنه الراوي للحديث، وهو أعلم بمخرجه وسببه. وقال آخرون: لا يلزم تأويله إذا لم يصب التأويل. وقال المازري في (شرح كتاب البرهان): مخالفة الراوي لما رواه على أقسام: مخالفة بالكلية، ومخالفة ظاهرة على وجه التخصيص، وتأويل محتمل أو مجمل. وكل هذه الأقسام فيها الخلاف. قال إمام الحرمين: مذهب الشافعي اتباع روايته لا عمله، ومذهب أبي حنيفة اتباع عمله لا روايته، فإذا كان الحديث عاماً فهل يخص بعمل راويه، وكذا إذا كان لفظ الحديث مجملاً فصرفه الراوي إلى أحد محتملاته، هل يصار إلى مذهبه؟ ففي ذلك خلاف. وقال الخطيب: ظاهر مذهب الشافعي أنه إن كان تأويل الراوي يخالف ظاهر الحديث رجع إلى الحديث، وإن كان أحد محتملاته الظاهرة رجع إليه، ومثله إمام الحرمين بقوله عَّله: ((الذهب بالذهب ربا إلاَّ ها وها))، حمله ابن عمر، رضي الله عنهما، على التقابض في المجلس، وحديث ابن عمر: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا)) حمله ابن عمر على فرقة الأبدان، وذكر الحنفية حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، في ولوغ الكلب سبعاً، وأن مذهب أبي هريرة جواز الاقتصار على الثلاث. وأن السبع مندوبة. وقال المازري، وغيره: ينبغي أن يعد حديث أبي هريرة من باب المخالفة التي هي بمعنى النسخ لا بمعنى التخصيص، فإن الاقتصار على الثلاث مخالفة للعدد المحدود وهو السبع. قلت: إنما خالف أبو هريرة العدد السبع لثبوت انتساخه عنده، والحمل عليه تحسين الظن في حق الصحابي. وقال المازري: وينبغي أن يكون مثله حديث عائشة، رضي الله عنها، وقول أبي القعيس لها: أتحتجبين مني وأنا عمك؟ قالت: كيف ذلك؟ فقال: أرضعتك امرأة أخي بلبن أخي. قالت: فسألت عن ذلك رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: ((فقال: صدق أفلح إيذني له)) فروته وأفتته بخلافه، فكان يدخل عليها من أرضعه أخواتها وبنات أختها، ولا يدخل عليها من أرضعه نساء إخوتها. ولم يحرم بلبن الفحل هي وابن عمر وابن الزبير والنخعي وابن المسيب والقاسم وأبو سلمة وأهل الظاهر، واحتجوا بأن ١٠٠٠/ ٢١٥ ٣ - كتاب العلم / باب (٣٧) عائشة روته ولم تعمل به ولم يأخذ به الكوفيون ولا الشافعي ولا التفتوا إلى تأويلها، وأخذوا بحديثها وأفتوا بتحريم لبن الفحل. وحديث ابن عباس، رضي الله عنهما، في بريرة، أن النبي عَّلل خيرها بعد أن اشترتها عائشة وأعتقتها، وأن ابن عباس يفتي أن بيعها طلاق، وما رواه مخالف لفتياه، لأنه لو كان بيعها طلاقاً لم يخير وهي مطلقة؟ وروت عائشة، قالت: فرضت الصلاة ركعتين فزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر، وكانت عائشة تتم. فترك الكوفيون والقاضي إسماعيل قولها وأخذوا بحديثها، وقالوا: قصر الصلاة في السفر فريضة، ورواه أشهب عن مالك، وروى عنه أبو مصعب أنه سنة، وذهب جماعة والشافعي إلى التخيير بين القصر والإتمام، والله أعلم. بيان استنباط الأحكام: وهو على وجوه. الأول: في قول أبي شريح: ((ائذن لي أيها الأمير)) محسن التلطف في الإنكار لا سيما مع الملوك فيما يخالف مقصودهم، لأن التلطف بهم أدعى لقبولهم لا سيما من عرف منه بارتكاب هواه، وأن الغلظة عليهم قد تكون سبباً لإثارة فتنة ومعاندة. الثاني: فيه وفاء أبي شريح، رضي الله عنه، بما أخذه الله على العلماء من الميثاق في تبليغ دينه ونشره حتى يظهر، وقد روى ابن إسحاق في آخره أنه قال له عمرو بن سعيد: نحن أعلم بحرمتها منك، فقال له أبو شريح: إني كنتُ شاهداً وكنتَ غائباً، وقد أمرنا رسول الله عَّ له أن يبلغ شاهدُنا غائبنا، وقد أبلغتك فأنت وشأنك. وقال ابن بطال: كل من خاطبه النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، بتبليغ العلم من كان في زمنه فالتبليغ عليه متعين، وأما من بعدهم فالتبليغ عليهم فرض كفاية. قلت: فيه نظر، فقد ذكر أبو بكر بن العربي أن التبليغ عن النبي، عليه الصلاة والسلام، فرض كفاية إذا قام به واحد سقط عن الباقين، وقد كان النبي، عليه الصلاة والسلام، إذا نزل عليه الوحي والحكم لا يبوح به في الناس، لكن يخبر به من حضره ثمة على لسان أولئك إلى مَن وراءهم قوماً بعد قوم، قال: فالتبليغ فرض كفاية والإصغاء فرض عين، والوعي والحفظ يترتبان على معنى ما يستمع به، فإن كان ما يخصه تعين عليه، وإن كان يتعلق به وبغيره كان العمل فرض عين، والتبليغ فرض كفاية، وذلك عند الحاجة إليه، ولا يلزمه أن يقول ابتداء ولا بعده، فقد كان قوم من الصحابة يكثرون الحديث: قال رسول الله، عليه الصلاة والسلام، فحبسهم عمر، رضي الله عنه، حتى مات وهم في سجنه. هذا آخر کلامه. i i الثالث: استدل بقوله: ((لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر ... )) الحديث، بعضهم على أن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة، والصحيح عند الأصوليين خلافه. وأجيب: بأنه لا مفهوم له، وقد استعمل منطوقه بتحريم القتال على المؤمن فيها. الرابع: استدل بعضهم بقوله: ((أن يسفك بها دماً)) على تحريم القتال بمكة، وهو الذي جات i i i ٢١٦ ٣ - كتاب العلم / باب (٣٧) يدل عليه السياق، وهو قوله: ((فإن أحد ترخص ... )) الخ. وقوله في بعض طرق الحديث: ((وإنه لم يحل القتال لأحد قبلي))، والضمير في: إنه، للشأن. وهذه الأحاديث ظاهرها يدل على حكم الله تعالى أن لا يقاتل من كان بمكة، ويؤمن من استجار بها ولا يتعرض له، وهو قول قتادة وغيره في تفسير قوله تعالى: ﴿أو لم يروا إنا جعلنا حرما آمنا﴾ [العنكبوت: ٦٧] وكانت عادة العرب احترام مكة. وقال الماوردي: من خصائص الحرم أن لا يحارب أهله، فإن بغوا على أهل العدل، قال بعض الفقهاء: يحرم قتالهم ويضيقوا عليهم حتى يرجعوا إلى الطاعة. وقال جمهور الفقهاء: يقاتلون على بغيهم إذا لم يمكن ردهم إلاّ بالقتال، لأن قتال أهل البغي من حقوق الله تعالى التي لا تجوز إضاعتها، فحفظها في الحرم أولى من إضاعتها. قال النووي: هذا هو الصواب، وقد نص عليه الشافعي في كتاب: اختلاف الحديث، في (الأم). وأجاب الشافعي عن الأحاديث المذكورة بأن التحريم يعود إلى نصب القتال وقتالهم بما يعم كالمنجنيق وغيره إذا لم يمكن إصلاح الحال بدونه، بخلاف ما إذا تحصن الكفار ببلد آخر، فإنه يجوز قتالهم على كل وجه بكل شيء. وقال القفال، من أصحاب الشافعي، في (شرح التلخيص) في أول كتاب النكاح: لا يجوز القتال بمكة، ولو تحصنت جماعة من الكفار فيها لم يجز قتالهم. قال النووي: الذي قاله القفال غلط، نبهت عليه. قلت: بل هو موافق للقول الأول الذي حكاه الماوردي. وظاهر الحديث يعضده، فإن قوله: ((لا يحل لأحد)) نكرة في سياق النفي فتعم. الخامس: استدل أبو حنيفة بقوله: ((لا يحل لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما)) على أن الملتجىء إلى الحرم لا يقتل لأنه عام يدخل فيه هذه الصورة، وحكى ابن بطال اختلاف العلماء فيمن أصاب حداً من قتل أو زناً أو سرقة، فقال ابن عباس وعطاء والشعبي: إن إصابه في الحرم أقيم عليه وإن أصابه في غير الحرم لا يجالس ولا يدانى حتى يخرج فيقام عليه، لأن الله تعالى جعله آمناً دون غيره فقال: ﴿ومن دخله كان آمنا﴾ [آل عمران: ٩٧] وقال آخرون: إذا أصابه في غير الحرم ثم لجأ إليه يخرج ويقام عليه الحد، ولم يحضروا مجالسته ولا مسامعته، وهو مذهب ابن الزبير والحسن ومجاهد. وقال آخرون: لا يمنع من إقامة الحد فيه، والملتجىء إليه عليه الحد الذي وجب عليه قبل أن يلجأ إليه، وهو مذهب عمرو بن سعيد كما ذكر في الحديث. وحكى القرطبي أن ابن الجوزي حكى الإجماع فيمن جنى في الحرم: أنه يقاد منه، وفيمن جنى خارجه ثم لجأ إليه عن أبي حنيفة وأحمد أنه لا يقام عليه. قلت: مذهب مالك والشافعي يقام عليه. ونقل ابن حزم عن جماعة من الصحابة المنع، ثم قال: ولا مخالف لهم من الصحابة، ثم نقل عن جماعة من التابعين موافقتهم، ثم شنع على مالك والشافعي، فقال: قد خالفا في هذا هؤلاء الصحابة والكتاب والسنة، واحتج بعضهم لمذهبهما بقصة ابن خطل. وأجيب عنها بأوجه. أحدها: أنه ارتد وقتل مسلماً وكان يهجو النبي، عليه الصلاة والسلام. الثاني: أنه لم يدخل في الأمان فإنه استثناه وأمر بقتله وإن وجد معلقاً بأستار الكعبة. الثالث: أنه كان ممن قاتل، وأجاب بعضهم مور. .-. ١٣٠ ١٣ ٢١٧ ٣ - كتاب العلم / باب (٣٧) بأنه إنما قتل في تلك الساعة التي أبيحت له، وهو غريب، فإن ساعة الدخول حين استولى عليها وأذعن أهلها، وقتل ابن خطل بعد ذلك، وبعد قوله: ((من دخل المسجد فهو آمن))، وقد دخل لكنه استثناه مع جماعة غيره. السادس: في قوله: ((فإن أحد ترخص لقتال رسول الله، عليه الصلاة والسلام» دليل على أن مكة فتحت عنوة، وهو مذهب الأكثرين. قال القاضي عياض: وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والأوزاعي، لكن من رآها عنوة يقول: إن النبي، عليه الصلاة والسلام، منَّ على أهلها وسوغهم أموالهم ودورهم ولم يقسمها ولم يجعلها فيئاً. قال أبو عبيد: ولا يعلم مكة يشبهها شيء من البلاد. وقال الشافعي وغيره: فتحت صلحاً، وتأولوا الحديث بأن القتال كان جائزاً، له، عليه الصلاة والسلام، لو احتاج إليه، ويضعف هذا التأويل قوله في الحديث: ((فإن أحد ترخص لقتال رسول الله، عليه الصلاة والسلام)) فإنه يدل على وجود القتل. وقوله: ((من دخل دار أبي سفيان فهو آمن)، وكذلك غيره من الناس المعلق على أشياء مخصوصة، وقال الماوردي: عندي أن أسفل مكة دخله خالد بن الوليد، رضي الله عنه عنوة، وأعلاها دخله الزبير بن العوام، رضي الله عنه، صلحاً، ودخلها الشارع من جهته، فصار حكم جهته الأغلب. i السابع: في قوله: ((ولا يعضد بها شجرة)) دليل على حرمة قطع شجر الحرم، وفي رواية: ((ولا يعضد شوكه))، وفي رواية: ((ولا يخبط شوكها)). قال النووي: اتفق العلماء على تحريم قطع أشجارها التي لا ينبتها الآدميون في العادة وعلى تحريم خلاها، واختلفوا فيما ينبته الآدميون، وكذلك اختلفوا في ضمان الشجرة إذا قلعها، فقال مالك: يأثم ولا فدية عليه، وقال الشافعي: الواجب في الكبيرة بقرة وفي الصغيرة شاة، وكذا جاء عن ابن عباس وابن الزبير، رضي الله عنهم، وبه قال أحمد. وقال أبو حنيفة: الواجب في الجمع القيمة، ويجوز عند الشافعي ومن وافقه رعي البهائم في كلاًّ الحرم، وقال أبو حنيفة ومحمد: لا يجوز، والكلأ والعشب اسم الرطب، والحشيش اسم لليابس منه، والكلأ يطلق عليهما. قوله: ((ولا يعضد شوكه)) دليل على تحريم قطع الشوك المؤذي وغيره، وقد أخذ به بعضهم عملاً بعموم الحديث وقال بعضهم لا يحرم الشوك لأذاه تشبيهاً بالفواسق الخمس، وخصوا الحديث بالقياس. قال الخطابي: أكثر العلماء على إباحة الشوك، ويشبه أن يكون المحظور منه ما ترعاه الإبل، وهو ما رق منه دون الصلب الذي لا ترعاه، فيكون ذلك كالحطب وغيره. قلت: صحح المتولي، من الشافعية، التحريم مطلقاً، والقياس المذكور ضعيف لقيام الفارق وهو أن الفواسق الخمس تقصد الأذى بخلاف الشوك. (١ i i الثامن: في قوله: ((وليبلغ الشاهد الغائب)) صراحة بنقل العلم وإشاعة السنن والاحكام، وهو إجماع. التاسع: أن الحديث يدل صريحاً على تحريم الله مكة، وأبعد من قال: إن إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، أول من افتتح ذلك، والصواب، أنها محرمة من يوم خلق الله السموات i .* r ٣ - كتاب العلم / باب (٣٧) ٢١٨ والأرض. العاشر: فيه النصيحة لولاة الأمور وعدم الغش لهم والإغلاظ عليهم. الحادي عشر: فيه ذكر التأكيد في الكلام. الثاني عشر: فيه تقديم الحمد على المقصود. الثالث عشر: فيه إثبات القيمة. الرابع عشر: فيه اختصاص الرسول، عليه الصلاة والسلام، بخصائص. الخامس عشر: فيه جواز القياس عليه، عليه الصلاة والسلام، لولا العلم يكون الحكم من خصائصه. السادس عشر: فيه جواز النسخ، إذ نسخ الإباحة للرسول، عليه الصلاة والسلام، بالحرمة. السابع عشر: فيه جواز المجادلة. الثامن عشر: فيه مخالفة التابعي للصحابي بالاجتهاد. التاسع عشر: فيه فضل أبي شريح لاتباعه أمر النبي، عليه الصلاة والسلام، بالتبليغ عنه. العشرون: فيه وجوب الإنكار من العالم على الأمير إذا رأى أنه غيّر شيئاً من الدين، وإن لم يسأل عنه. الحادي والعشرون: في قوله: ((ووعاه قلبي)) دليل على أن العقل محله القلب لا الدماغ، وهو قول الجمهور، لأنه لو كان محله الدماغ لقال: ووعاه رأسي، وفي المسألة قول ثالث إنه مشترك بينهما. الثاني والعشرون: فيه أن التحليل والتحريم من عند الله لا مدخل لبشر فيه، وأن ذلك لا يعرف إلاَّ منه فعلاً وقولاً وتقريراً. الأسئلة والأجوبة: منها ما قيل: إن قوله: ((إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس) يعارضه قوله: عليه السلام: ((إن إبراهيم حرم مكة ... )) الحديث. وأجيب: بأن نسبة الحكم لإبراهيم على معنى التبليغ، فيحتمل أن تحريم إبراهيم لها بإعلام الله تعالى أنه حرمها، فتحريمه لها بتحريم الله لا باجتهاده، أو كل الله إليه تحريمها فكان عن أمر الله، فأضيف إلى الله مرة لذلك، ومرة لإبراهيم، أو أنه دعى إليه فكان تحريم الله لها بدعوته. قال الماوردي وغيره من العلماء: قيل: إن مكة ما زالت محرمة من يوم خلق الله السموات والأرض. وقيل: كانت حلالاً إلى زمن إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، والأول قول الأكثرين وأوفق للحديث. وأجيب: عن حديث إبراهيم بأن التحريم كان خفياً ثم أظهره إبراهيم، عليه السلام، وقال أصحاب القول الثاني: إن معنى الحديث أن الله كتب في اللوح المحفوظ وغيره يوم خلق السموات والأرض، إن إبراهيم سيحرم مكة، بإذن الله تعالى. ومنها ما قيل: لِمَ خصص من ٢١٩ ٣ - كتاب العلم / باب (٣٧) بين ما يجب به الإيمان هذين اللفظين: الإيمان بالله واليوم الآخر أي القيامة؟ أجيب: بأن الأول إشارة إلى المبدأ والثاني إلى المعاد، والبواقي داخلة تحتهما. ومنها ما قيل: لِمَ سمي يوم القيامة اليوم الآخر؟ أجيب: بأنه لا ليل بعده، ولا يقال: يوم إلاَّ لما تقدمه ليل. ومنها ما قيل: هل أحل للنبي، عليه الصلاة والسلام، في الساعة التي أحلت له مكة سائر الأشياء؟ أجيب: بأنه أحلت له في تلك الساعة: الدم دون الصيد، وقطع الشجر، وسائر ما حرم الله على الناس. ٤٦م/١٠٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ قالَ: حدّثنا حَمَّادٌ عنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحمَّدٍ عنِ ابنِ أَبِي بَكْرَةَ، عِنْ أَبِي بَكْرَةَ ذُكِرَ النبيُّ عَلِ قَالَ: (فإنّ دِمَاءَكُمْ وأموَالَكُمْ)). قالَ مُحمَّدٌ: وأحْسِبُهُ قالَ: وأغْرَاضَكُمْ: ((عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُزْمَة يَؤْمِكُمْ هَذَا في شَهْرِكُمْ هَذَا، أَلا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الغَائِبَ)) وكانَ مُحَمَّدٌ يَقُولَ: صَدَقَ رسولُ اللَّهِ عَ لَّهِ، كَانَ ذَلِكَ، ((أَلاَ هَلَّ بَلَّغْتُ)). مَرَّتَيْنِ. [انظر الحديث: ٦٧ وأطرافه] مطابقة الحديث للترجمة في قوله: ((ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب)). بيان رجاله: وهم خمسة: الأول: عبد الله بن عبد الوهاب أبو محمد الحجبي، بفتح الحاء المهملة والجيم والباء الموحدة البصري انفرد البخاري بالإخراج عنه، وروى النسائي عن رجل عنه، ولم يخرج له مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه، وهو ثقة ثبت، وثقه يحيى وآخرون. وقال أبو حاتم: صدوق ثقة، توفي سنة ثمان وعشرين ومائتين. الثاني: حماد بن زيد البصري، وقد تقدم. الثالث: أيوب السختياني، وقد تقدم. الرابع: محمد بن سيرين وقد مر. الخامس: أبو بكرة، بفتح الباء الموحدة، واسمه نفيع، وقد تقدم. بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والعنعنة. ومنها: أن رجاله كلهم بصريون. ومنها: أنه وقع في بعض النسخ: عن محمد عن أبي بكرة بحذف ابن أبي بكرة بينهما، وفي بعضها: عن محمد بن أبي بكرة بتبديل: عن، بلفظ ابن، وكلاهما وهم فاحش. وقال الشيخ قطب الدين: وأما سند هذا الحديث فقد وقع في البخاري فيه اضطراب من الرواة عن الفربري. قال أبو علي الغساني: وقع في نسخة أبي ذر الهروي، فيما قيده عن الحموي وأبي الهيثم عن الفربري: عن محمد عن أبي بكرة، هنا سقط ابن أبي بكرة. ورواه سائر رواة الفربري، بإثبات ابن أبي بكرة بين محمد وأبي بكرة، ووقع الخلل فيه أيضاً في كتاب (بدء الخلق والمغازي)، وقال أبو الحسن القابسي: في نسخة أبي زيد أيوب: عن محمد بن أبي بكرة، وفي نسخة الأصيلي: محمد عن أبي بكرة على الصواب. وذكر الدارقطني في (كتاب العلل): إن إسماعيل بن علية وعبد الوارث روياه عن أيوب عن محمد عن أبي بكرة، لم يذكرا بينهما أحداً، وكذا رواه يونس: عن عبيد عن محمد بن سيرين عن أبي بكرة، ورواه قرة بن خالد: عن محمد بن سيرين. قال: حدثني عبد الرحمن بن أبي بكرة ورجل آخر أفضل من عبد الرحمن. وسماه أبو عامر العقدي: حميد بن عبد الرحمن الحميري. انتهى كلامه. وقال الغساني: اتصال هذا الإسناد وصوابه أن يكون: عن محمد بن سيرين عن عبد i i i i i الأخوة تصوہ ١٣٠ ١٣٠ ٢٢٠ ٣ - كتاب العلم / باب (٣٧) الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه وعن محمد بن سيرين أيضاً عن حميد بن عبد الرحمن الحميري عن أبي بكرة، رضي الله عنه. قلت: الصواب الذي ذكره هو رواية المستملي والكشميهني كما تقدم في أوائل (كتاب العلم) من طريق أخرى: عن محمد عن عبد الرحمن ابن أبي بكرة عن أبيه، وقد تقدم هناك أكثر ما يتعلق بهذا الحديث. بيان الإعراب واللغات: قوله: ((ذكر النبي، عليه الصلاة والسلام. قال: فإن دماء كم) أي: ذكر أبو بكرة النبي، عليه الصلاة والسلام، وليس هذا من الذكر الذي بعد النسيان. وقوله: ((قال)، أي النبي، عليه الصلاة والسلام، المعنى: ذكر أبو بكرة النبي، عليه الصلاة والسلام، ثم قال: قال النبي، عليه الصلاة والسلام، و: الفاء، في فإن، عاطفة والمعطوف عليه محذوف، لأن هذا الحديث مخروم، لأنه بعض حديث طويل وقد سبق بعضه في باب: قول النبي، عليه الصلاة والسلام: ((رب مبلغ أوعى من سامع)، حيث قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: ((أي يوم هذا؟ فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه قال: أليس يوم النحر؟ فقلنا: بلى، قال: فأي شهر هذا؟ فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليس بذي الحجة؟ قلنا: بلى. قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا ... )) إلى آخره، وقد خرم الحديث ههنا اقتصاراً على المقصود وهو بيان التبليغ. قوله: (قال محمد)) أي: ابن سيرين أحد الرواة. قوله: ((وأحسبه)) أي: أظنه، أي: أظن ابن أبي بكرة، قال: ((وأعراضكم)، بالنصب عطف على قوله: ((وأموالكم). وقوله: ((قال محمد وأحسبه قال)، جمل معترضة. قوله: ((حرام)) خبر: إن، وقال الكرماني: جمل معترضة بين اسم إن وخبرها بحسب الظاهر. قلت: بحسب الظاهر اعتراضها بين المعطوف والمعطوف عليه، وإن كان في الحقيقة بين اسم إن وخبرها. فإن قلت: كيف روى محمد بن سيرين ههنا ظاناً في هذا اللفظ، وفيما تقدم جاز ما فيه كما هو مذكور في ذلك الباب؟ قلت: إما لأنه كان عند روايته لأيوب ظاناً في تلك اللفظة، وبعدها تذكر فحصل له الجزم بها، فرواها لابن عون جازماً. وإما بالعكس لطرو تردّد له أو لغير ذلك، والله أعلم. فإن قلت: ما معنى قوله: (عليكم) إذ معلوم أن أموالنا ليست حراماً علينا؟ قلت: العقل مبين للمقصود وهو: أموال كل أحد منكم حرام على غيره، وذلك عند فقدان شيء من أسباب الحل، ويؤيده الرواية الأخرى: وهي بينكم بدل: عليكم. قوله: ((وأعراضكم)) جمع عرض بالكسر، وقد فسرناه هناك مستوفى. وحاصله أنه يقال للنفس وللحسب. وقال في (شرح السنة) لو كان المراد من الأعراض النفوس لكان تكراراً، لأن ذكر الدماء کاف، إذ المراد بها النفوس فيتعين الأحساب. وقال الطيبي: الظاهر أن المراد بالأعراض: الأخلاق النفسانية. قوله: ((ألا))، بتخفيف اللام، كأنه قال: ألا يا قوم هل بلغت؟ يعني: هل عملت بمقتضى ما قال الله تعالى: ﴿بلغ ما أنزل إليك﴾ [المائدة: ٦٧] قوله: ((وكان محمد))، أي: ابن سيرين. قوله: «كان ذلك))، قال الكرماني: فإن قلت: ذلك إشارة إلى ماذا؟ إذ لا يحتمل أن يشار به إلى: ليبلغ الشاهد، وهو أمر، لأن التصديق والتكذيب من لوازم الخبر. قلت: إما