Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ ٣ - كتاب العلم / باب (٢٨) من ارتكب ما ينهى عنه، وإن كان مكروهاً غير محرم. الخامس: فيه التعزير على إطالة الصلاة إذا لم يرض المأموم به وجواز التعزير بالكلام. السادس: فيه الأمر بتخفيف الصلاة. وقال ابن بطال: وإنما غضب رسول الله، عليه الصلاة والسلام، لأنه كره التطويل في الصلاة من أجل أن فيهم المريض ونحوه، فأراد الرفق والتيسير بأمته ولم يكن نهيه، عليه الصلاة والسلام، من التطويل لحرمته، لأنه، عليه الصلاة والسلام، كان يصلي في مسجده ويقرأ بالسور الطوال مثل سورة يوسف، وذلك لأنه كان يصلي معه أجلة أصحابه، ومَن أكثر همه طلب العلم والصلاة. أقول: ولهذا خفف في بعض الأوقات، كما: فيما سمع صوت بكاء الصبي ونحوه. ٩١/٣٣ - حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ مُحمَّدٍ قال: حدّثنا أبُو عامِرٍ قال: حدّثنا سُلَيْمانُ بنُ بِلاَلِ المدِينيُّ عنْ رَبِيعَةَ بنِ أبي عَبْدِ الرَّحِمِنِ عِنْ يَزِيدَ مَوْلَى المُنْتَعِثِ عن زَيْدِ بنِ خالِدٍ الجُهَنِيِّ أنّ النَّبِيَّ عَّهِ سألَّهُ رَجُلٌ عِنِ اللُّقَطَةِ فقالَ: ((اعْرِفْ وكّاءَها)) - أوْ قال: وِعاءَها. وعِفَاصَهَا ثُمَّ عَرَّفْهَا سَنَةً ثُمَّ اسْتَمْتِعْ بِها، فَإِنْ جاءَ رَبَّها فَأَدِّها إليهِ قال: فَضَالَّةُ الإِبِلِ؟ فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّتْ وجْنَتَاهُ - أَوْ قال: أحْمَرَّ وجْهُهُ - فقال: ((وما لَكَ ولَهَا؟ مَعَها سِقَاؤُها وحذَاؤُها، تَّرِدُ الماءَ وتَرْعَى الشَّجَرَ، فَذَرْها حَتَّى يَلْقَاها رَبُّها)) قال: فَضَالَّةُ الغنم؟ قال: ((لكَ أَوْ لأَخِيكَ أُوْ للْدِّقْبِ)). [الحديث ٩١ - أطرافه في: ٢٣٧٢، ٢٤٢٧، ٢٤٢٨، ٢٤٢٩، ٢٤٣٦، ٢٤٣٨، ٥٢٩٢، ٦١١٢]. مطابقة الحديث للترجمة في قوله: ((فغضب حتى احمرت وجنتاه)). بيان رجاله: وهم ستة: الأول: عبد اللَّه بن محمد أبو جعفر المسندي، بفتح النون، وقد تقدم. الثاني: أبو عامر عبد الملك، وقد تقدم. الثالث: سليمان بن بلال المديني، وقد تقدم. وفي بعض النسخ: المدني. قال الجوهري: إذا نسبت إلى مدينة النبي، عليه الصلاة والسلام، قلت: مدني، وإلى مدينة المنصور: مديني، وإلى مدائن كسرى: مدائني. قلت: فعلى هذا التقدير لا يصح المديني، لأنه من مدينة رسول الله عَّله. وقال الحافظ أبو الفضل المقدسي في كتاب (الأنساب): قال البخاري: المديني هو الذي أقام بمدينة رسول الله، عليه الصلاة والسلام، ولم يفارقها. والمدني هو الذي تحول عنها وكان منها. الرابع: ربيعة بن أبي عبد الرحمن المعروف: بربيعة الرأي، وقد يقال: الرئي، بالتشديد منسوباً إلى الرأي، وهو شيخ مالك وقد تقدم. الخامس: يزيد - من الزيادة - مولى المنبعث، اسم فاعل من الانبعاث، بالنون والموحدة والمهملة والمثلثة، المدني. روى عن أبي هريرة وزيد بن خالد، وعن ربيعة ويحيى بن سعيد، ثقة، روى له الجماعة. السادس: زيد بن خالد الجهني، بضم الجيم وفتح الهاء والنون، منسوب إلى جهينة بن زيد بن لوث بن سود بن أسلم، بضم اللام، بن الحاف بن قضاعة، يكنى أبا طلحة، وقيل: أبا عبد الرحمن. وقيل: أبا زرعة. وكان معه لواء جهينة يوم الفتح، روي له عن رسول الله، عليه الصلاة والسلام، أحد وثمانون حديثاً، ذكر البخاري منها خمسة، نزل الكوفة ومات بها سنة ثمان وسبعين وهو ابن خمس وثمانين. قيل: مات بالمدينة. وقيل: بمصر، روى له الجماعة وليس في الصحابة زيد بن خالد، سواه. عمدة القاري/ ج١١٥/٢ ٠-٠. ١/٠ ١٦٢ ٣ - كتاب العلم / باب (٢٨ ) بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والعنعنة. ومنها: أن رواته ما بين بخاري وبصري ومدني. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري هنا عن المسندي عن العقدي عن المديني، وفي (اللقطة) عن عبد اللَّه بن يوسف، وفي (الشرب) عن إسماعيل بن عبد اللَّه، كلاهما عن مالك. وفي (اللقطة) عن قتيبة، وفي (الأدب) عن محمد، كلاهما عن إسماعيل بن جعفر، وفي (اللقطة) عن محمد بن يوسف، وعن عمرو بن العباس عن عبد الرحمن بن المهدي، كلاهما عن سفيان الثوري، أربعتهم عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وفي (اللقطة) عن إسماعيل بن عبد اللَّه عن سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد، كلاهما عنه به، وفي (الطلاق) عن علي بن عبد اللَّه عن سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد عنه به مرسلاً: إن النبي، عليه الصلاة والسلام، سئل عن ضالة الغنم، قال يحيى: ويقول ربيعة عن يزيد، مولى المنبعث، عن زيد بن خالد قال سفيان: فلقيت ربيعة ولم أحفظ عنه شيئاً غير هذا. قلت: أرأيت حديث يزيد مولى المنبعث في أمر الضالة هو عن يزيد بن خالد؟ قال: نعم. وأخرجه مسلم في (القضاء) عن يحيى بن يحيى عن مالك،، وعن يحيى بن أيوب وقتيبة وعلي بن حجر، ثلاثتهم عن إسماعيل بن جعفر، وعن أحمد بن عثمان بن حكيم الأزدي عن خالد بن مخلد عن سليمان بن بلال، وعن أبي الطاهر بن السرح عن ابن وهب عن الثوري ومالك وعمرو بن الحارث وغيرهم، كلهم عن ربيعة به، وعن القعنبي عن سليمان ابن بلال عن يحيى بن سعيد به متصلاً، وعن إسحاق بن منصور عن حبان بن هلال عن حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد وربيعة به. وأخرجه أبو داود في (اللقطة) عن قتيبة وعن أبي الطاهر بن السرح عن ابن وهب عن مالك به، وعن موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة به، وعن أحمد بن حفص عن أبيه عن إبراهيم بن طهمان عن عباد بن إسحاق عن عبد اللَّه بن يزيد، مولى المنبعث، عن أبيه. وأخرجه الترمذي في (الأحكام) عن قتيبة به، وقال: حسن صحيح. وأخرجه النسائي في (الضوال) و(اللقطة) عن قتيبة به، وقال: حسن صحيح، وعلي بن حجر به مقطعاً، وعن أحمد بن حفص به. وأخرجه ابن ماجه في (الأحكام) عن إسحاق بن إسماعيل ابن العلاء الأيلي عن سفيان عن يحيى عن ربيعة. بيان اللغات: قوله: ((عن اللقطة))، بضم اللام وفتح القاف: الشيء الملقوط. وقال القاضي: لا يجوز فيه غير ضم اللام وفتح القاف. وقال النووي: هو المشهور. قال الأزهري: قال الخليل بالإسكان، قال: والذي سمع من العرب، وأجمع عليه أهل اللغة ورواة الأخبار فتحها، وكذا قال الأصمعي والفراء وابن الأعرابي، وقال النووي: ويقال لها: لقطة، بالضم، ولقط بفتح اللام والقاف بغير هاء، وهو من الالتقاط، وهو وجود الشيء من غير طلب. فإن قلت: ما هذه الصيغة؟ قلت: قال بعض الشارحين: هو اسم الفاعل للمبالغة، وبسكون القاف اسم المفعول: كالضحكة، وهو اسم للمال الملتقط، وسمي باسم المال مبالغة لزيادة معنى اختص به، وهو أن كل من رآها يميل إلى رفعها، فكأنه يأمره بالرفع لأنها حاملة إليه، فأسند ٠ ١٦٣ ٣ - كتاب العلم / باب (٢٨) إليها مجازاً فجعلت كأنها هي التي رفعت نفسها، ونظيره قولهم: ناقة حلوب، ودابة ركوب. وهو اسم فاعل، سميت بذلك لأن من رآهما يرغب في الركوب والحلب، فنزلت كأنها أحلبت نفسها، أو أركبت نفسها، وفيه تعسف، وليس كذلك بل اللقطة سواء كان بفتح القاف أو سكونها اسم موضوع على هذه الصيغة للمال الملتقط، وليس هذا مثل ضحكة ولا مثل ناقة حلوب ودابة ركوب، لأن هذه صفات تدل على الحدوث والتجدد. غير أن الأول في المبالغة في وصف الفاعل أو المفعول، والثاني والثالث بمعنى المفعول للمبالغة. وقال الكرماني: قال الخليل، بالفتح: هو اللاقط، وبالسكون الملقوط. وقال الأزهري: هذا هو القياس في كلام العرب، لأن فعلة: كالضحكة، جاء فاعلاً، وفعلة كالضحكة مفعولاً، إلاَّ أن اللقطة على خلاف القياس إذ أجمعوا على الهاء بالفتح هو الملقوط، وقال ابن مالك: فيها أربع لغات: اللقطة بالفتح وبالسكون واللقاطة بضم اللام واللقطة بفتح اللام والقاف. قوله: (إعرف)) بكسر الهمزة من المعرفة لا من الإعراف، قوله: ((وكاءها)) بكسر الواو وبالمد: هو الذي تشد به رأس الصرة والكيس ونحوهما. ويقال: هو الخيط الذي يشد به الوعاء: يقال: أوكيته إيكاءً فهو موكئ، مقصور، والفعل منه معتل اللام بالياء، يقال: أوكى على ماء في سقائه أي: شده بالوكاء، ومنه أوكوا قربكم، وأوكى يوكي مثل: أعطى يعطي إعطاء. وأما المهموز فمعنى آخر، يقال: أوكأت الرجل: أعطيته ما يتوكأ عليه، واتكأ على الشيء بالهمزة فهو متكىء. قوله: ((وعاءها)) بكسر الواو، وهو الظرف. ويجوز ضمها وهو قراءة الحسن: ﴿وعاء أخيه﴾ [يوسف: ٧٦] وهو لغة، وقرأ سعيد بن جبير: (إِعاء أخيه). بقلب الواو همزة، ذكره الزمخشري. وقال الجوهري: الوعاء واحد الأوعية، يقال: أوعيت الزاد والمتاع إذا جعلته في الوعاء. قال عبيد بن الأبرص: i الخير يبقى وإن طال الزمان به والشر أخبث ما أوعيت من زاد قوله: ((وعفاصها))، بكسر العين المهملة وبالفاء، وقال الكرماني: وبالقاف، والظاهر أنه غلط من الناسخ أو سهو منه، أو يكون ذهنه بادر إلى ما قيل: العقاص، بالقاف: الخيط يشد به أطراف الذوائب. قال فى (العباب): العفاص الوعاء الذي يكون فيه النفقة إن كان جلداً أو خرقة أو غير ذلك، عن أبي عبيد. وكذلك يسمى الجلد الذي يكبس رأس القارورة: العفاص، لأنه كالوعاء لها، ومنه الحديث، ثم ذكر هذا الحديث. وقال الليث: عفاص القارورة صمامها، ويقال أيضاً: عفاص القارورة غلافها، وهو فعال من العفص، وهو الثني والعطف لأن الوعاء ينثني على ما فيه وينعطف، وقد عفصت القارورة أعفصها بالكسر عفصاً إذا شددت عليها العفاص. وقال الفراء: عفصت القارورة إذا جعلت لها عفاصاً، والصمام بكسر الصاد المهملة هو الجلد الذي يدخل في فم القارورة، وكذا أيضاً يقال لكل ما سددت به شيئاً: السداد، بالكسر وهو البلغة أيضاً، ومنه قول الشاعر: أضاعوني وأي فتى أضاعوا ليوم كريهة وسداد ثغر i i ١٦٤ ٣ - كتاب العلم / باب (٢٨ ) وأما السداد، بالفتح: فالقصد في الدين والسبيل. قوله: ((ربها)) أي: مالكها، ولا يطلق الرب على غير الله إلاّ مضافاً مقيداً. قوله: ((فضالة الإبل)) قال الأزهري: لا يقع اسم الضالة إلاّ على الحيوان. يقال: ضل الإنسان والبعير وغيرهما من الحيوان وهي الضوال. وأما الأمتعة وما سوى الحيوان فيقال له: لقطة، ولا يقال: ضال. ويقال للضوالي أيضاً: الهوامي والهوافي، واحدتها هامية وهافية، وهمت وهفت وهملت: إذا ذهبت على وجهها بلا راع. قوله: ((وجنتاه))، الوجنة: ما ارتفع من الخد. ويقال ما علا من لحم الخدين، يقال فيه: وجنة، بفتح الواو وكسرها وضمها، وأجنة بضم الهمزة، ذكره الجوهري وغيره. قوله: ((سقاؤها»، بکسر السين: هو اللبن والماء، والجمع القليل: أسقية، والكثير: أساقي، كما أن الرطب للبن خاصة، والنحي للسمن والقربة للماء. قوله: ((وحذاؤه))، بكسر الحاء المهملة وبالمد: ما وطىء عليه البعير من خفه، والفرس من حافره، والحذاء: النعل أيضاً. قوله: ((ترد)) من الورود. قوله: ((فذرها) أي: دعها، من: يذر، وأميت ماضيه، قوله: ((الغنم)) وهو اسم مؤنث موضوع للجنس يقع على الذكور وعلى الإناث، وعليهما جميعاً. فإذا صغرتها ألحقتها الهاء، قلت: غنيمة، لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كانت لغير الآدمين فالتأنيث لها لازم، يقال: خمس من الغنم ذكور، فتؤنث العدد وإن عنيت الكباش إذا كان يليه من الغنم، لأن العدد يجري تذكيره وتأنيثه على اللفظ لا على المعنى، والإبل كالغنم في جميع ذلك. قوله: (للذئب))، بالهمزة وقد تخفف بقلبها ياء، والأنثى ذئبة. بيان الإعراب: قوله: ((رجل)) فاعل: سأله. قوله: ((وكاءها)) بالنصب مفعول: اعرف. وقوله: ((ثم عرفها) عطف على: ((اعرفها)). قوله: ((سنة))، نصب بنزع الخافض، أي مدة سنة. قوله: (ثم استمتع) عطف علی: (ثم عرفها). قوله: ((فأدما))، جواب ا شرط، فلذلك دخلته الفاء. قوله: ((فضالة الإبل)) كلام إضافي: مبتدأ وخبره محذوف أي: ما حكمها؟ أكذلك أم لا؟ وهو من باب إضافة الصفة إلى الموصوف. قوله: ((فغضب)): الفاء، فيه للسببية كما في قوله تعالى: ﴿فوكزه موسى فقضى عليه﴾ [القصص: ١٥]، قوله: ((حتى)) للغاية بمعنى: إلى أن. وقوله: ((وجنتاه)) فاعل: احمرت، وعلامة الرفع الألف. قوله: (مالك ولها)) وفي بعض النسخ: ومالك بالواو، وفي بعضها: فمالك بالفاء. وكلمة: ما، استفهامية، ومعناه: ما نصنع بها؟ أي: لم تأخذها ولم تتناولها، وإنها مستقلة بأسباب تعيشها. قوله: ((سقاؤها) مبتدأ و: معها، مقدماً خبره. و: حذاؤها، عطف على: سقاؤها. قوله: ((ترد الماء)) جملة يجوز أن تكون بياناً لما قبلها فلا محل لها من الإعراب، ويجوز أن يكون محلها الرفع على أنها خبر مبتدأ محذوف أي: هي ترد الماء وترعى الشجر. قوله: ((فذرها)) جملة من الفعل والفاعل والمفعول، والفاء فيها جواب شرط محذوف، التقدير: إذا كان الأمر كذلك فذرها، فكلمة حتى للغاية. قوله: ((فضالة الغنم)) كلام إضافي مبتدأ خبره: أي: ما حكمها؟ أهي مثل ضالة الإبل أم لا؟ قوله: ((لك أو لأخيك أو للذئب))، فيه حذف تقديره: ليست ضالة الغنم مثل ضالة الإبل هي لك إن أخذتها، أو هي لأخيك إن لم تأخذها، يعني ١٦٥ ٣ - كتاب العلم / باب (٢٨ ) يأخذها غيرك من اللاقطين، أو يكون المار من الأخ صاحبها. والمعنى: أو هي لأخيك الذي هو صاحبها إن ظهر؟ أو هي للذئب إن لم تأخذها ولم يتفق أن يأخذها غيرك أيضاً؟ لأنه يخاف عليها من الذئب ونحوه فيأكلها غالباً، فإذا كان المعنى على هذا يكون محل: لك، من الإعراب الرفع لأنه: خير مبتدأ، وكذلك: لأخيك وللذئب. بيان المعاني: قوله: ((سأله رجل)) هو عمير والد مالك. قوله: ((أو قال)) شك من الراوي. قال الكرماني: هو زيد بن خالد. قلت: ويجوز أن يكون ممن دونه من الرواة، وفي بعض طرقه عند البخاري: ((اعرف عفاصها ووكاءها))، من غير شك. ((ثم عرفها سنة فإن جاء صاحبها وإلاَّ فشأنك بها)) إنما أمر بمعرفة العفاص والوكاء ليعرف صدق واصفها من كذبه، ولئلا يختلط بماله، ويستحب التقييد بالكتابة خوف النسيان. وعن ابن داود، من الشافعية، أن معرفتها قبل حضور المالك مستحب. وقال المتولي: يجب معرفتها عند الالتقاط، ويعرف أيضاً الجنس والقدر وطول الثوب وغير ذلك ودقته وصفاقته. قوله: ((ثم عرفها)) أي للناس، بذكر بعض صفاتها في المحافل: ((سنة))، أي: متصلة، كل يوم مرتين ثم مرة ثم في كل أسبوع ثم في كل شهر في بلد اللقط. فإن قلت: جاء في حديث أبي: ثلاث سنين، وفي بعض طرقه الشك في سنة أو ثلاث؟ قلت: جمع بينها بطرح الشك والزيادة، وترد الزيادة لمخالفتها باقي الأحاديث. وقيل: هي قصتان: الأولى للأعرابي، والثانية لأبي، أفتاه بالورع بالتربص ثلاثة أعوام إذ هو من فضلاء الصحابة. قوله: ((ثم استمتع بها)) قالوا: الإتيان هنا: بثم، دال على المبالغة في التثبت على العفاص والوكاء. إذا كان وضعها للتراخي والمهلة، فكأنه عبارة عن قوله: لا تعجل وتثبت في عرفان ذلك. قوله: ((فغضب)) أي: رسول الله، عليه الصلاة والسلام، قال الخطابي: إنما كان غضبه استقصاراً لعلم السائل وسوء فهمه، إذ لم يراع المعنى المشار إليه ولم يتنبه له، فقاس الشيء على غير نظيره، فإن اللقطة إنما هي اسم للشيء الذي يسقط من صاحبه ولا يدري أين موضعه، وليس كذلك الإبل، فإنها مخالفة للقطة إسما وصفة، فإنها غير عادمة أسباب القدرة على العود إلى ربها لقوة سيرها، وكون الحذاء والسقاء معها، لأنها ترد الماء ربعاً وخمساً، وتمتنع من الذئاب وغيرها من صغار السباع، ومن التردي وغير ذلك، بخلاف الغنم فإنها بالعكس، فجعل سبيل الغنم سبيل اللقطة. قلت: في بعض من ذكره نظر، وهو قوله: اللقطة اسم للشيء الذي يسقط من صاحبه إلى قوله: وصفة. فإن الغنم أيضاً ليس كذلك، فينبغي أن يكون مثل الإبل على هذا الكلام، مع أنه ليس مثل الإبل. وقوله أيضاً: وتمتنع من الذئاب، فإن الجواميس تمتنع من كبار السباع فضلاً عن صغارها، وتغيب عن صاحبها أياماً عديدة ترعى وتشرب ثم تعود، فينبغي أن تكون مثل الإبل مع أنه ليس كذلك. قوله: ((ما لك ولها)) فيه نهي عن أخذها. وقوله: ((لك أو لأخيك)) فيه إذن لأخذها. ومن البيان فيه: التشبيه، وهو في قوله: ((معها سقاؤها وحذاؤها))، فإنه شبه الإبل بمن كان معه حذاء وسقاء في السفر. i ؛ بھی ے ١٦٦ SOF ٠٠٠٠ ب جد). ٣ - كتاب العلم / باب (٢٨) ومن البديع: فيه الجناس الناقص: وهو في قوله: إعرف وعرف، والحرف المشدد في حكم المخفف في هذا الباب. فافهم. بيان استنباط الأحكام: وهو على وجوه: الأول: حكى القاضي عن بعضهم الإجماع على أن معرفة العفاص والوكاء من إحدى علامات اللقطة. قلت: فإن وصفها وبيّتها، قال أصحابنا الحنفية: حل للملتقط أن يدفعها إليه من غير أن يجبر عليه في القضاء. وقال الشافعي ومالك: يجبر على دفعها لما جاء في رواية مسلم: ((فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها وعددها ووكاءها فأعطها إياه، وإلاَّ فهي لك)). وهذا أمر، وهو للوجوب. قالت الحنفية: هذا مدع وعليه البينة، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((البينة على من ادعى)). والعلامة لا تدل على الملك ولا على اليد، لأن الإنسان قد يقف على مال غيره ويخفى عليه مال نفسه، فلا عبرة بها. والحديث محمول على الجواز توفيقاً بين الأخبار، لأن الأمر قد يراد به الإباحة، وبه نقول، وقال الشيخ قطب الدين: إذا وصفها، فهل يجب إعطاؤها بالوصف أم لا؟ ذهب مالك إلى وجوبه، واختلف أصحابه: هل يحلف؟ قال ابن القاسم: لا يحلف. وقال أشهب وسحنون: يحلف، وألحقوا به السارق إذا سرق مالاً ونسي المسروق منه، ثم أتى من وصفه فإنه يعطى. وأما الوديعة إذا نسي من أودعها إياه فمن أصحابه من أجراها مجرى اللقطة والسرقة، ومنهم من فرق بينهما، بأن كل موضع يتعذر فيه على المالك إقامة البينة اكتفى فيه بالصفة. وفي المثالين الأولين يتعذر إقامة البينة بخلاف الوديعة، ثم في الإعطاء بالوصف منهم من شرط الأوصاف الثلاثة، ومنهم من اقتصر على البعض. وعند مالك خلاف. قيل عنده: لا بد من معرفة الجميع. وقيل: يكفي وصفان. وقيل: لا بد من العفاص والوكاء. وفي (شرح السنة): اختلفوا في أنه لو ادعى رجل اللقطة وعرف عفاصها ووكاءها فذهب مالك وأحمد إلى أنه: يدفع إليه من غير بينة أقامها عليه، وهو المقصود من معرفة العفاص والوكاء. وقال الشافعي والحنفية: إذا وقع في النفس صدق المدعي فله أن يعطيه وإلاَّ فبينة. الثاني: هل يجب على اللاقط التقاط اللقطة؟ فروي عن مالك الكراهة، وروي عنه أن أخذها أفضل فيما له بال، وللشافعي ثلاثة أقوال: أصحها: يستحب الأخذ ولا يجب. والثاني: يجب. والثالث: إن خاف عليها وجب، وإن أمن عليها استحب. وعن أحمد: يندب تركها. وفي (شرح الطحاوي): إذا وجد لقطة، فالأفضل له أن يرفعها إذا كان يأمن على نفسه، وإذا كان لم يأمن لا يرفعها، وفي (شرح الأقطع): يستحب أخذ اللقطة ولا يجب، وفي (النوازل) قال أبو نصر محمد بن محمد بن سلام: ترك اللقطة أفضل في قول أصحابنا من رفعه ورفع اللقيط أفضل من تركه، وفي (خلاصة الفتاوى): إن خاف ضياعها يفترض الرفع، وإن لم يخف يباح رفعها، أجمع العلماء عليه، والأفضل الرفع في ظاهر المذهب، وفي (فتاوي الولوالجي): اختلف العلماء في رفعها، قال بعضهم رفعها أفضل من تركها، وقال بعضهم: يحل رفعها، وتركها أفضل. وفي (شرح الطحاوي): ولو رفعها ووضعها في مكانه ذلك فلا ضمان عليه في ظاهر الرواية. وقال بعض مشايخنا: هذا إذا لم يبرح من ذلك المكان حتى ١٣ ١٦٧ ٣ - كتاب العلم / باب (٢٨) وضع هناك، فأما إذا ذهب عن مكانه ذلك ثم أعادها ووضعها فيه فإنه يضمن. وقال بعضهم: يضمن مطلقاً، وهذا خلاف ظاهر الرواية. P موز الثالث: احتج به من يمنع التقاط الإبل إذا استغنت بقوتها عن حفظها، وهو قول الشافعي ومالك وأحمد، ويقال عند الشافعي: لا يصح في الكبار ويصح في الصغار، وعند مالك: لا يصح في الإبل والخيل والبغل والحمار فقط، وعند أحمد: لا يصح في الكل حتى الغنم، وعنه: يصح في الغنم. وفي بعض شروح البخاري: وعند الشافعية يجوز للحفظ فقط، إلاَّ أن يوجد بقرية أو بلد فيجوز على الأصح. وعند المالكية ثلاثة أقوال في التقاط الإبل. ثالثها: يجوز في القرى دون الصحراء. وقالت الشافعية: في معنى الإبل كل ما امتنع بقوته عن صغار السباع كالفرس والأرنب والظبي. وعند المالكية خلاف في ذلك. وقال ابن القاسم: يلحق البقر بالإبل دون غيرها إذا كانت بمكان لا يخاف عليها فيه من السباع. وقال القاضي: اختلف عند مالك في الدواب والبقر والبغال والحمير، هل حكمها حكم الإبل أو سائر اللقطات؟ وقالت الحنفية: يصح التقاط البهيمة مطلقاً من أي جنس كان، لأنها مال يتوهم ضياعه، والحديث محمول على ما كان في ديارهم، إذ كان لا يخاف عليها من شيء، ونحن نقول في مثله بتركها، وهذا لأن في بعض البلاد الدواب يسيبها أهلها في البراري حتى يحتاجوا إليها فيمسكوها وقت حاجتهم، ولا حاجة في التقاطها في مثل هذه الحالة، والذي يدل على هذا ما رواه مالك في (الموطأ) عن ابن شهاب قال: كان ضوال الإبل في زمن عمر، رضي الله عنه، إبلاً مؤبلة، تتناتج لا يمسكها أحد، حتى إذا كان زمن عثمان، رضي الله عنه، أمر بمعرفتها ثم تباع، فإذا جاء صاحبها أعطي ثمنها. قلت: قال الجوهري: إذا كانت الإبل للقنية فهي إبل مؤبلة. الرابع: التعريف باللقطة. قال أصحابنا: يعرفها إلى أن يغلب على ظنه أن ربها لا يطلبها، وهو الصحيح، لأن ذلك يختلف بقلة المال وكثرته، وروى محمد بن أبي حنيفة: إن كانت أقل عن عشرة دراهم عرفها أياماً، وإن كانت عشرة فصاعدا عرفها حولاً، وقدره محمد في الأصل بالحول من غير تفصيل بين القليل والكثير، وهو قول الشافعي ومالك. وروى الحسن عن أبي حنيفة أنها إن كانت مائتي درهم فصاعداً يعرفها حولً، وفيما فوق العشرة إلى مائتين شهراً، وفي العشرة جمعة، وفي ثلاثة دراهم ثلاثة أيام، وفي درهم يوماً، وإن كانت تمرة ونحوها تصدق بها مكانها، وإن كان محتاجاً أكلها مكانها. وفي (الهداية): إذا كانت اللقطة شيئاً يعلم أن صاحبها لا يطلبها كالنواة وقشر الرمان يكون القاؤه مباحاً، ويجوز الانتفاع به من غير تعريف، لكنه مبقي على ملك مالكه لأن التمليك من المجهول لا يصح. وفي (الواقعات): المختار في القشور والنواة تملكها، وفي الصيد لا يملكه، وإن جمع سنبلاً بعد الحصاد فهو له لإجماع الناس على ذلك، وإن سلخ شاة ميتة فهو له، ولصاحبها أن يأخذها منه، وكذلك الحكم في صوفها. وقال القاضي: وجوب التعريف سنة إجماع، ولم يشترط أحد تعريف ثلاث سنين إلاّ ما روي عن عمر، رضي الله عنه، ولعله لم يثبت عنه. ١٦٨ ٣ - كتاب العلم / باب (٢٨ ) قلت: وقد روي عنه أنه يعرفها ثلاثة أشهر. وعن أحمد: يعرفها شهراً، حكاه المحب الطبري في أحكامه عنه، وحكى عن آخرين أنه يعرفها ثلاثة أيام، حكاه عن الشاشي وقال بعض الشافعية هذا إذا أراد تملكها، فإن أراد حفظها على صاحبها فقط فالأكثرون من أصحابنا على أنه لا يجب التعريف والحالة هذه، والأقوى الوجوب، وظاهر الحديث أنه لا فرق بين القليل والكثير في وجوب التعريف، وفي مدته، والأصح عند الشافعية أنه لا يجب التعريف في القليل منه، بل يعرفه زمناً يظن أن فاقده يتركه غالباً. وقال الليث: إن وجدها في القرى عرفها، وإن وجدها في الصحراء لا يعرفها. وقال المازري: لم يجر مالك اليسير مجرى الكثير، واستحب فيه التعريف ولم يبلغ به سنة، وقد جاء أنه عليه السلام: ((مر بتمرة، فقال: لولا أني أخاف أن يكون من الصدقة لأكلتها)). فنبه على أن اليسير الذي لا يرجع إليه أهله يؤكل. وفي (سنن أبي داود) عن جابر، رضي الله عنه: رخص رسول الله عَّم في العصا والسوط والحبل وأشباهه، يلتقطه الرجل وينتفع به. وقد حد بعض العلماء اليسير بنحو الدينار تعلقاً بحديث علي، رضي الله عنه، في التقاط الدينار. وكون النبي عَّلِ لم يذكر له تعريفاً، رواه أبو داود أيضاً في (سننه)، ويمكن أن يكون اختصرها الراوي، هكذا كلام المازري. وقال القاضي: حديث أبي، رضي الله عنه، يدل على عدم الفرق بين اليسير وغيره لاحتجاجه في السوط بعموم الحديث. وأما حديث علي، رضي الله عنه، فعرفه علي ولم يجد من يعرفه. قلت: أراد بحديث أبي، هو قوله: ((وجدت صرة، مائة دينار، فقال النبي ، عرفها حولاً، فعرفتها فلم أجد من يعرفها، ثم أتيته فقال: عرفها حولاً، فعرفتها فلم أجد، ثم أتيته ثلاثاً فقال: احفظ وعاءها وعددها ووكاءها فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع)). قال الراوي: فلقيت، يعني أبي بن كعب، فقال: لا أدري ثلاثة أحوال أو حولاً واحداً. وقال بعض العلماء: إن السوط والعصا والحبل ونحوه ليس فيه تعريف، وإنه مما يعفى عن طلبه، وتطيب النفس بتركه كالتمرة وقليل الطعام. وقال أصحاب الشافعى: اليسير التافه الذي لا يتمول كالحبة من الحنطة والزبيب وشبهها لا يعرف، وإن كان قليلاً متمولاً يجب تعريفه، واختلفوا في القليل، فقيل: ما دون نصاب السرقة، وقيل: الدينار فما فوقه، وقيل: وزن الدرهم. واختلفوا أيضاً في تعريفه. فقيل: سنة كالكثير، وقيل: مدة يظن في مثلها طلب الفاقد لها، وإذا غلب على ظنه إعراضه عنها سقط الطلب، فعلى هذا يختلف بكثرة المال وقلته، فدائق الفضة يعرف في الحال، ودانق الذهب يوماً أو يومين. الخامس: الاستمتاع بها إن كان فقيراً، ولا يتصدق بها على فقير أجنبي أو قريب منه، وأباح الشافعي للغني الواجد لحديث أبي بن كعب فيما رواه مسلم وأحمد: ((عرفها، فإن جاء أحد يخبرك بعدتها ووعائها ووكاءها فاعطها إياه وإلاَّ فاستمتع بها)). وبظاهر ما في هذا الحديث أعني حديث الباب: ((ثم استمتع بها)). قال الخطابي: في لفظ: ((ثم استمتع))، بيان أنها له بعد التعريف، يفعل بها ما شاء بشرط أن يردها إذا جاء صاحبها إن كانت باقية، أو قيمتها إن كانت تالفة، فإذا ضاعت اللقطة نظر، فإن كان في مدة السنة لم يكن عليه شيء، ٠٣٠ ١٦٩ ٣ - كتاب العلم / باب (٢٨) لأن يده يد أمانة، وإن ضاعت بعد السنة فعليه الغرامة لأنها صارت ديناً عليه. وأغرب الكرابيسي من الشافعية، فقال: لا يلزمه ردها بعد التعريف، ولا رد بدلها، وهو قول داود، وقول مالك في الشاة. وقال سعيد بن المسيب والثوري: يتصدق بها ولا يأكلها، وروي ذلك عن علي وابن عباس. وقال مالك: يستحب له أن يتصدق بها مع الضمان. وقال الأوزاعي: المال الكثير يجعل في بيت المال بعد السنة. وحجة الحنفية فيما ذهبوا إليه قوله عَ ◌ّه: ((فليتصدق به))، ومحل الصدقة الفقراء وأجابوا عن حديث أبي، رضي الله عنه، وأمثاله بأنه حكاية حال، فيجوز أنه، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، عرف فقره، إما لديون عليه، أو قلة ماله أو يكون إذناً منه، عليه الصلاة والسلام، بالانتفاع به، وذلك جائز عندنا من الإمام على سبيل القرض، ويحتمل أنه، عليه الصلاة والسلام، عرف أنه في مال كافر حربي. السادس: استدل المازري لعدم الغرامة بقوله، عليه الصلاة والسلام: ((هي لك))، وظاهره التمليك، والمالك لا يغرم. ونبه بقوله: ((للذئب)) أنها كالتالفة على كل حال، وأنها مما لا ينتفع صاحبها ببقائها. وأجيب: لأبي حنيفة والشافعي، رحمهما الله تعالى، بأن اللام للاختصاص، أي: إنك تختص بها، ويجوز لك أكلها وأخذها، وليس فيه تعرض للغرم ولا لعدمه، بل بدليل آخر، وهو قوله: (فإن جاء ربها يوماً فأدها إليه)). السابع: فيه دليل على جواز الحكم والفتيا في حال الغضب، وأنه نافذ. لكن يكره في حقنا بخلاف النبي، عليه الصلاة والسلام، لأنه يؤمن عليه في الغضب ما يخاف علينا. وقد حكم، عليه الصلاة والسلام، للزبير، رضي الله عنه، في شراج الحرة في حال غضبه. الثامن: فيه جواز قول الإنسان: رب المال ورب المتاع. ومنهم من كره إضافته إلى ما له روح. التاسع: في قوله: ((إعرف عفاصها ووكاءها)) دليل بين على إبطال قول من ادعى علم الغيب في الأشياء كلها من الكهنة والمنجمين وغيرهم، لأنه، عليه الصلاة والسلام، لو علم أنه يوصل إلى علم ذلك من هذه الوجوه لم يكن في قوله في معرفة علاماتها وجه. العاشر: إن صاحب اللقطة إذا جاء فهو أحق بها من ملتقطها إذا ثبت أنه صاحبها، فإن وجدها قد أکلها الملتقط بعد الحول، وأراد أن يضمنه کان له ذلك، وإن كان قد تصدق بها فصاحبها مخير بين التضمين وبين أن يترك على أجرها، روي ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر، رضي الله عنهم، وهو قول طاوس وعكرمة وأبي حنيفة وأصحابه وسفيان الثوري والحسن بن حي رحمهم الله. الحادي عشر: احتجت الشافعية بقوله: ((استمتع بها))، وبما جاء في بعض طرق الحديث: ((فإن جاء من يعرفها وإلاّ فاخلطها بمالك)). وفي بعضها: ((عرفها سنة ثم اعرف ووكاءها وعفاصها، ثم استنفق بها، فإن جاء ربها فأدها إليه)). وبما جاء في مسلم: ((فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها وعددها وكاءها فاعطها إياه، وإلاّ فهي لك)). وفي بعض طرقه: ((ثم حدة جدة i i E i انج ١٧٠ ٣ - كتاب العلم / باب (٢٨ ) عرفها سنة، فإن لم تعرف فاستنفقها، ولتكن وديعة عندك. فإن جاء طالبها يوماً من الدهر فأدها إليه))، على أن من عرفها سنة ولم يظهر صاحبها كان له تملكها، سواء كان غنياً أو فقيراً، ثم اختلفوا: هل تدخل في ملكه باختياره أو بغير اختياره؟ فعند الأكثرين تدخل بغير الاختيار، وقد مر الكلام فيه عن قريب مستوفی. ٩٢/٣٤ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ العَلاءِ قال: حدّثنا أبُو أُسَامَةَ عنْ بُرَيْدٍ عنْ أَبِي بُرْدَةَ عنْ أبي مُوسَى قال: سُئِلَ النَّبِيُّ عَ لِ عنْ أشياءَ كَرھَھا، فَلَمَّا أَكْثِرَ عليه غَضِبَ ثُمَّ قال للِنَّاسِ: (سَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ)) قال رَجُلٌ: مَنْ أَبي؟ قال: (أَبُوكُ محذَافَةُ)) فَقامُ آخرُ فقال: مَنْ أبي يا رسولَ الله! فقال: (أَبُوكَ سَالِمٌ مَوْلَى شَيْئَةً)). فَلمَّا رَأَى عُمَرُ ما فِي وجْهِهِ قال: يا رسولَ الله! إِنَّا نَتُوبُ إِلَى الله عَزَّ وجَلَّ. [الحديث ٩٢ - طرقة في: ٧٢٩١]. مطابقة الحديث للترجمة في قوله: ((فلما أكثر عليه غضب)). بيان رجاله: هم خمسة قد ذكروا أعيانهم بهذه السلسلة في: باب فضل من علم وعلم، وكلهم كوفيون، وأبو أسامة حماد بن أسامة. وبريد، بضم الباء الموحدة: ابن عبد اللَّه، وأبو بردة، بضم الباء الموحدة، عامر بن أبي موسى، وأبو موسى عبد اللّه بن قيس الأشعري. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري ههنا عن أبي كريب محمد بن العلاء، وفي كتاب (الاعتصام) في: باب ما يكره من كثرة السؤال، عن يوسف بن موسى، وفي (الفضائل) عن أبي كريب وعبد اللَّه بن براد، ثلاثتهم عن أسامة عنه به. بيان اللغات والإعراب والمعاني: قوله: ((عن أشياء)): هو غير منصرف، قال الخليل: إنما ترك صرفه لأن أصله: فعلاء كالشعراء جمع على غير الواحد، فنقلوا الهمزة الأولى إلى أول الكلمة، فقالوا: أشياء، فوزنه: أفعاء. وقال الأخفش والفراء: هو أفعلاء كالأنبياء، فحذفت الهمزة التي بين الياء والألف للتخفيف، فوزنه أفعاء. وقال الكسائي: هو أفعال كأفراخ، وإنما تركوا صرفها لكثرة استعمالهم لها، ولأنها شبهت بفعلاء. وقال في (العباب): الشيء تصغيره شيء، وشييء بكسر الشين، ولا تقل: شويء، والجمع: أشياء، غير مصروفة. والدليل على قول الخليل أنها لا تصرف أنها تصغر على اشياء وأنها تجمع على أشاوي، وأصلها: أشائي، قلبت الهمزة ياء فاجتمعت ثلاث ياآت فحذفت الوسطى، وقلبت الأخيرة ألفاً فأبدلت من الأول واو. وحكى الأصمعي أنه سمع رجلاً من فصحاء العرب يقول لخلف الأحمر: إن عندك لأشاوي مثال الصحاري، ويجمع أيضاً على: أشايا وأشياوات، ويدخل على قول الكسائي أن لا تصرف: أبناء وأسماء، وعلى قول الأخفش أن لا تجمع على: أشاوى. قوله: ((كرهها))، جملة في محل الجر لأنها صفة الأشياء، وإنما كره لأنه ربما كان سبباً لتحريم شيء على المسلمين فتلحقهم به المشقة، أو ربما كان في الجواب ما يكره السائل ويسوؤه، أو ربما أحفوه، عليه الصلاة والسلام، وألحقوه المشقة والأذى، فيكون ذلك سبباً لهلاكهم، وهذا في الأشياء التي لا ضرورة ولا حاجة إليها أو لا يتعلق بها تكليف ونحوه. وفي غير ذلك لا ١٧١ ٣ - كتاب العلم / باب (٢٨ ) تتصور الكراهة لأن السؤال حينئذٍ إما واجب أو مندوب لقوله تعالى: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ [النحل: ٤٣، والأنبياء: ٧]. قوله: ((فلما أكثر عليه))، على صيغة المجهول، أي: فلما أكثر السؤال على النبي، عليه الصلاة والسلام، غضب. وهو جواب: لما. وسبب غضبه تعنتهم في السؤال وتكلفهم فيما لا حاجة لهم فيه، ولهذا قال، عليه الصلاة والسلام: ((إن أعظم المسلمين جرماً من سأل عن شي فحرم من أجل مسألته)). أخرجه البخاري من حديث سعد. قوله: ((سلوني)) جملة من الفعل والفاعل والمفعول. قال بعض العلماء: هذا القول منه، عليه الصلاة والسلام، محمول على أنه أوحي إليه به، إذ لا يعلم كل ما يسأل عنه من المغيبات إلاّ بإعلام الله تعالى. وقال القاضي عياض: ظاهر الحديث أن قوله، عليه السلام: (سلوني)) إنما كان غضباً. قوله: ((عما شئتم). وفي بعض النسخ: ((عم شئتم)). بحذف الألف. قلت: إنه يجب حذف ألف: ما، الاستفهامية إذا جرَّت، وإبقاء الفتحة دليلاً عليها، نحو: فيم وإلام وعلام. وعلة الحذف الفرق بين الاستفهام والخبر، فلهذا حذفت في نحو: ﴿فيم أنت من ذكراها﴾ [النازعات: ٤٣]. ﴿فناظرة بم يرجع المرسلون﴾ [النمل: ٣٥]. ﴿لم تقولون ما لا تفعلون﴾ [الصف: ٢] وثبت في «لمسكم فيما افضتم فيه عذاب عظيم﴾ [النور: ١٤] ﴿يؤمنون بما أنزل إليك﴾ [البقرة: ٤، النساء: ١٦٢] ﴿ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾ [ص: ٧٥]. وكما لا تحذف الألف في الخبر لا تثبت في الاستفهام، وأما قراءة عكرمة وعيسى: ﴿عما يتساءلون﴾ [النبأ: ١]، فنادرة. وأما قول حسان، رضي الله عنه: كخنزير تمرغ في رماد علاما قام يشتمني لئيم فضرورة. ويروى: في دمان، وهو كالرماد وزناً ومعنى. قوله: ((قال رجل)) هو عبد الله ابن حذافة. وقد تقدم تعريفه في: باب ما يذكر من المناولة. قوله: ((من أبي) جملة من المبتدأ والخبر مقول القول، وكذلك قوله: ((أبوك حذافة)) بضم الحاء المهملة وبالذال المعجمة المخففة. فإن قلت: لم سأله عن ذلك؟ قلت: لأنه كان ينسب إلى غير أبيه إذا لاحى أحداً، فنسبه، عليه الصلاة والسلام، إلى أبيه. فإن قلت: من أين عرف رسول الله، عليه الصلاة والسلام، أنه ابنه؟ قلت: إما بالوحي، وهو الظاهر، أو بحكم الفراسة، أو بالقياس، أو بالاستلحاق. قوله: ((فقام إليه)) أي إلى النبي، عليه الصلاة والسلام، ((آخر)) أي: رجل آخر. قوله: ((أبوك سالم)) مبتدأ وخبر مقول القول. قوله: (ما في وجهه)) أي: من أثر الغضب. وما، موصولة، والجملة في محل النصب على أنها مفعول: رأى، وهو من الرؤية بمعنى الإبصار، ولهذا اقتصر على مفعول واحد. قوله: ((قال: يا رسول الله)) جواب: لما. قوله: ((إنا نتوب إلى الله)) جملة وقعت مقول القول، أي: نتوب من الأسئلة المكروهة مما لا يرضاه رسول الله عَ ◌ّه، إنما قال ذلك عمر، رضي الله عنه، لأنه لما رأى حرصهم، وقدر ما علمه الله، خشي أن يكون ذلك كالتعنت له والشك في أمره، فقال: إنا نتوب إلى الله. وفي الحديث: فهمُ عمر وفضلُ علمه، فإن العالم لا يسأل إلاَّ فيما يحتاج إليه، وفيه i i ٠جوة i i ٠٠٠٠ ١٧٢ ٣ - كتاب العلم / باب (٢٩) الله كراهة السؤال للتعنت، وفيه معجزة النبي ٢٩ - بابُ مَنْ بَرَكَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ عِنْدَ الإِمام أو المُحِدِّثِ أي: هذا باب في بيان من برك، بتخفيف الراء، يقال: برك البعير بروكاً، أي استناخ، وكل شيء ثبت وأقام فقد برك. قال الصغاني: وبرك بروكاً اجتهد، والتركيب يدل على ثبات الشيء، ثم يتفرع فروع يقارب بعضها بعضاً، وإسناده إلى الإنسان على طريقة المجاز المسمى بغير المقيد، وهو أن تكون الكلمة موضوعة لحقيقة من الحقائق مع قيد، فيستعملها لتلك الحقيقة لا مع ذلك القيد بمعونة القرينة، مثل أن يستعمل المشفر وهو لشفة البعير لمطلق الشفة. فيقول: زيد غليظ المشفر. وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول غضب العالم على السائل لعدم جريه على موجب الأدب، وفي هذا الباب يذكر أدب المتعلم عند العالم، فتناسبا من هذه الحيثية. ٩٣/٣٥ - حدّثنا أبو اليمان قالَ: أخبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال: أخبرني أنَّسُ بنُ مالِكِ أنّ رسولَ الله عَ لِّ خِرَجَ، فقامَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ حُذَافَةَ فقال: مَنْ أبي؟ فقال: (أَبوكَ مُذَافَةُ)) ثُمَّ أَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ: (سَلُونِي) فَبَرَكَ عُمَرُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فقال: رضِينَا بالله ربًّا وبالإِسْلامِ دِيناً وُمُحَمَّدٍ عَّلِ نَبِيًّا، فَسَكَتَ. [الحديث ٩٣ - أطرافه في: ٥٤٠، ٧٤٩، ٤٦٢١، ٦٣٦٢، ٦٤٦٨، ٦٤٨٦، ٧٠٨٩، ٧٠٩٠، ٧٠٩١، ٧٢٩٤، ٧٢٩٥]. مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة. ورجاله أربعة قد ذكروا غير مرة، وأبو اليمان: الحكم بن نافع، وشعيب بن أبي حمزة، والزهري وهو محمد بن مسلم. وأخرجه البخاري في العلم، وفي الصلاة، وفي الاعتصام عن أبي اليمان عنه به، وأخرجه مسلم في فضائل النبي، عليه الصلاة والسلام، عن عبد الله بن عبد الرحمن الداري عن أبي اليمان به. قوله: ((فقال رضينا بالله)) معناه: رضينا بما عندنا من كتاب الله وسنة نبينا، واكتفينا به عن السؤال أبلغ كفاية. وقوله هذه المقالة إنما كان أدباً وإكراماً لرسول الله عَ له وشفقة على المسلمين لئلا يؤذوا النبي، عليه الصلاة والسلام. فيدخلوا تحت قوله: ﴿إِن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذاباً مهيناً﴾ [الأحزاب: ٥٧]. وعن ابن عباس، رضي الله عنهما: كان قوم يسألون رسول الله، عليه الصلاة والسلام، استهزاء فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل تضل ناقته: أين ناقتي؟ فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية. فإن قلت: بماذا نصب: رباً وديناً ونبياً؟ قلت: على التمييز، وهو، وإن كان الأصل أن يكون في المعنى فاعلاً، يجوز أن يكون مفعولاً أيضاً، كقوله تعالى: ﴿وفجرنا الأرض عيوناً﴾ [القمر: ١٣ ١٧٣ ٣ - كتاب العلم / باب (٣٠) ١٢] ويجوز أن يكون نصبها على المفعولية، لأن: رضي إذا عدي بالباء يتعدى إلى مفعول آخر، والمراد من الدين ههنا التوحيد، وبه فسر الزمخشري في قوله تعالى: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام ديناً﴾ [آل عمران: ٨٥] يعني التوحيد، وأما في حديث عمر، رضي الله تعالى عنه، قال: ((بينما نحن عند رسول الله عَّل ذات يوم إذ طلع علينا رجل ... )) الحديث، فقد أطلق رسول الله، عليه الصلاة والسلام، الدين على الإسلام والإيمان والإحسان. بقوله: «إنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)). وإنما علمهم هذه الثلاثة، والحاصل أن الدين تارة يطلق على الثلاثة التي سأل عنها جبريل، عليه السلام. وتارة يطلق على الإسلام كما في قوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً﴾ [المائدة: ٣] وهذا يمنع قول من يقول: بين الآية والحديث معارضة حيث أطلق الدين في الحديث على ثلاثة أشياء، وفي الآية على شيء واحد. واختلاف الإطلاق إما بالاشتراك أو بالحقيقة أو المجاز أو بالتواطىء، ففي الحديث أطلق على مجموع الثلاثة وهو أحد مدلوليه، وفي الآية أطلق على الإسلام وحده، وهو مسماه الآخر. فإن قلت: لم قال: بالإسلام، ولم يقل: بالإيمان؟ قلت: الإسلام والإيمان واحد، فلا يرد السؤال. قوله: ((فسكت)) أي: رسول الله، عليه الصلاة والسلام، وفي بعض النسخ وجد قبل لفظة ثلاثاً أي: قاله ثلاث مرات. وفي بعض الروايات: ((فسكن غضبه)) موضع ((فسكت)). وكان ذلك من أثر ما قاله عمر، رضي الله تعالى عنه، فلم يزل موفقاً في رأيه ينطق الحق على لسانه، رضي الله عنه، والله أعلم. ٣٠ - باب مَنْ أَعادَ الحَدِيثَ ثَلاثاً لِيَفْهَمَ عَنْهُ أي هذا باب في بيان من أعاد كلامه في أمور الدين ثلاث مرات لأجل أن يفهم عنه، وفي بعض النسخ: ليفهم، بكسر الهاء بدون لفظة: عنه. أي: ليفهم غيره. قال الخطابي: إعادة الكلام ثلاثاً إما لأن من الحاضرين من يقصر فهمه عن وعيه فيكرره ليفهم، وإما أن يكون القول فيه بعض الإشكال فيتظاهر بالبيان. وقال أبو الزناد: أو أراد الإبلاغ في التعليم والزجر في الموعظة. وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول يرجع إلى شأن السائل المتعلم، وهذا الباب أيضاً في شأن المتعلم، لأن إعادة النبي عَّ لل ثلاث مرات إنما كانت لأجل المتعلمين والسائلين ليفهموا كلامه حق الفهم، ولا يفوت عنهم شيء من كلامه الكريم. فقال: ألاَ وقَوْلُ الزُّورِ، فَمَا زَالَ يُكَرُِّها هذه قطعة من حديث ذكرها على سبيل التعليق، وذكره في كتاب الشهادات موصولاً بتمامه، وهو أنه معَُّلِّ قال: ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ثلاثاً، قالوا: بلى يا رسول الله. قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وجلس وكان متكئاً، فقال: «2» ألا وقول الزور، فما زال هوة احدة ٥٠٠١ i i i i ٠ ٫٠٠ ١٧٤ ٣ - كتاب العلم / باب (٣٠) يكررها حتى قلنا: ليته سكت)). قوله: ((ألا)) مخفف حرف التنبيه، ذكر ليدل على تحقيق ما بعده وتأكيده. قوله: ((وقول الزور)) في الحديث مرفوع عطفاً على قوله: ((الإشراك بالله)) ههنا أيضاً مرفوع لأنه حكاية عنه، و: الزور، بضم الزاي: الكذب والميل عن الحق، والمراد منه الشهادة، فلذلك أنث الضمير في قوله: يكررها، وأنثه باعتبار الجملة، أو باعتبار الثلاثة. ومعنى قوله: ((فما زال يكررها) أي: ما دام في مجلسه لا مدة عمره. وقال ابنُ عُمَّرَ: قال النَّبيِّ، عَِّ: هَلْ بَلَّغْتُ ثَلاثَاً هذا أيضاً، تعليق وصله في خطبة الوداع عن عبد اللَّه بن عمر، رضي الله عنهما، قال رسول الله عَّلّهِ في حجة الوداع: ((ألا أي شهر تعلمونه أعظم حرمة؟ قالوا: ألا شهرنا هذا. قال: ألا أي بلد تعلمونه أعظم حُرمة؟ قالوا: ألا بلدنا هذا. قال: ألا أي يوم تعلمونه أعظم حرمة؟ قالوا: ألا يومنا هذا. قال: فإن الله تبارك وتعالى حرم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم إلاَّ بحقها كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا. في شهركم هذا ألا هل بلغت؟ ثلاثاً. كل ذلك يجيبونه: ألا نعم. قال: ويحكم - أو: ويلكم - لا ترجعن بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)). قوله: ((ثلاثا)). يتعلق بقوله: ((قال)). لا بقوله: ((بلغت)). والمعنى: قال: هل بلغت؟ ثلاث مرات. ٩٤/٣٦ - حدّثنا عَبْدَةُ قال: حدّثنا عَبْدُ الصَّمَدِ قال: حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ المُثَنَّى قال: حدّثنا ثُمامَةُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ عنْ أَنَسِ عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَلَّمَ سَلَّمَ ثَلاثاً وإذَا تَكَلَّمَ بكلِمَةٍ أعادَها ثلاثاً. [الحديث ٩٤ - طرفاه في: ٩٥، ٦٢٤٤]. ٩٥/٣٧ - حدّثنا عَبْدَةُ بنُّ عَبْدِ اللَّهِ حدّثنا عَبْدُ الصَّمَدِ قال: حدّثنا عَبْدُ اللَّه بنُ المُثَنَّى قال: حدّثنا ثُمَامَةُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ عنْ أنْسِ عنِ النَّبِيِّ عَ لَّهِ أَنَّهُ كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أُعادَها ثَلاثَاً حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ، وإذَا أَتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَّيْهْم سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلاثاً. [انظر الحديث: ٩٤ وطرفه]. مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة. بيان رجاله: وهم خمسة: الأول: عبدة، بفتح العين المهملة وسكون الباء الموحدة: ابن عبد اللَّه بن عبدة الصفار الخزاعي البصري، أبو سهل، أصله كوفي، روى عنه الجماعة إلاَّ مسلماً. قال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: ثقة، توفي سنة ثمان وخمسين ومائتين. وفي الكتب الستة: عبدة، ثلاثة أخر: عبدة بن سليمان المروزي روى له أبو داود. وعبدة ابن عبد الرحمن المروزي روى له النسائي. وعبدة بن أبي لبابة روى له خلاد. الثاني: عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان التميمي العنبري البصري، أبو سهل الحافظ الحجة، مات سنة سبع ومائتين. وفي الكتب الستة: عبد الصمد، ثلاثة هذا أحدهم. الثاني: عبد الصمد بن حبيب العوذي، أخرج له أبو داود وفيه لين. الثالث: عبد الصمد بن سليمان البلخي الحافظ، ١٧٥ ٣ - كتاب العلم / باب (٣٠) روى عند الترمذي. الثالث: عبد اللَّه بن المثنى بن عبد اللَّه بن أنس بن مالك الأنصاري والد محمد القاضي بالبصرة، روى عن عمومته والحسن، وعنه ابنه وغيره. قال أبو حاتم وغيره: صالح. وقال أبو داود: لا أخرج حديثه. روى له البخاري والترمذي وابن ماجه. الرابع: ثمامة، بضم الثاء المثلثة وتخفيف الميمين: ابن عبد اللَّه بن أنس بن مالك الأنصاري البصري، قاضيها. روى عن جده والبراء، وعنه عبد اللَّه ابن المثنى ومعمر وعدة، وثقه أحمد والنسائي، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، وأشار ابن معين إلى تضعيفه. وقيل: إنه لم يحمد في القضاء. وذكر حديث الصدقات لابن معين فقال: لا يصح، يرويه ثمامة عن أنس وهو في (صحيح البخاري) كما سيأتي، وانفرد بحديث: كان قيس بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير، وهو في البخاري أيضاً كما سيأتي، إن شاء الله تعالى. وروى حماد عنه عن أنس (أنه عَّه. صلى على صبي فقال: لو نجى أحد من ضمة القبر لنجى هذا الصبي))، وهذا منكر، روى له الجماعة. وليس في الكتب الستة ثمامة بن عبد اللَّه غير هذا، فافهم. وفيهم ثمامة ستة عشر. بيان لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة. ومنها: أن فيه من هو منفرد في البخاري ليس غيره. ومنها: أن رواته كلهم بصريون. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في (الاستئذان) عن إسحاق ابن منصور عن عبد الصمد. وأخرجه الترمذي فيه أيضاً عن إسحاق بن منصور أيضاً، وفي (المناقب) عن محمد بن يحيى عن سالم بن قتيبة عن عبد اللَّه بن المثنى ببعضه: كان يعيد الكلمة ثلاثاً لتعقل عنه، وقال: حسن صحيح غريب، إنما نعرفه من حديث عبد الله بن المثنى. بيان الإعراب والمعاني: قوله: ((كان)) قال الأصوليون: مثل هذا التركيب يشعر بالاستمرار. قلت: لأن: كان، تدل على الثبوت والدوام بخلاف: صار، فإنه يدل على الانتقال. فلهذا يجوز أن يقال: كان الله، ولا يجوز: صار الله. واسم: كان، مستتر فيه، والجملة التي بعده خبره. قوله: ((بكلمة)) أي: بكلام هذا من باب إطلاق اسم البعض على الكل، کما في قوله:«إن أصدق» كلمة قالها شاعر قول لبيد: ألا كل شيء ماخلا الله باطل قوله: ((أعادها) خبر: إذا. قوله: ((ثلاثاً)) أي: ثلاث مرات. قوله: ((حتى تفهم منه)) أي: حتى تعقل منه، كما في رواية الترمذي، وهو على صيغة المجهول، و: حتى، هنا مرادفة: لكي، التعليلية وقد ذكرنا عن قريب وجه الإعادة والتكرار. قوله: ((فسلم) ليس جواب: إذا، وإنما هو عطف على قوله: ((أتى) من تتمة الشرط، والجواب هو قوله: ((سلم) ووجه الثلاث في التسليم يشبه أن يكون عند الاستئذان، وقد روي عن سعد(أن النبي ګ جاءه وهو في بيته، فسلم فلم يجبه، ثم سلم ثانياً ثم سلم ثالثاً، فانصرف. فخرج سعد فتبعه وقال: يا رسول الله بأبي تسليمك، ولكن أردت أن أستكثر من i i ١٧٦ ٣ - كتاب العلم / باب (٣١) بركة تسليمك)). وفيه نظر، لأن تسليمة الاستئذان لا تثنى إذا حصل الإذن بالأولى ولا تثلث إذا حصل بالثانية. ثم إنه ذكره بحرف ((إذا)) المقتضية لتكرار الفعل كرة بعد أخرى وتسليمه، عليه الصلاة والسلام، على باب سعد نادر، ولم يذكر عنه في غير هذا الحديث. والوجه فيه أن يقال معناه: كان، عليه الصلاة والسلام، إذا أتى على قوم سلم عليهم تسليمة الاستئذ ان، وإذا دخل سلم تسليمة التحية، ثم إذا قام من المجلس سلم تسليمة الوداع. وهذه التسليمات كلها مسنونة. وكان النبي، عليه الصلاة والسلام، يواظب عليها ولا يزيد عليها في هذه السنة على الأقسام. وقال الكرماني: حرف: ((إذا))، لا يقتضي تكرار الفعل إنما المقتضى له من الحروف: ((كلما))، فقط. نعم التركيب مفيد للاستمرار، ثم ما قال هو أمر نادر لم يذكر في غيره ممنوع، وكيف وقد صح حديث: ((إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع»؟ قلت: نعم: ((إذا)) لا يقتضي تكرار الفعل، ولكن من اقتضائه الثبات والدوام، ويصدق عليه التكرار. وقوله: ((إذا استأذن أحدكم ثلاثاً)) أعم من أن يكون بالسلام وغيره. وقال ابن بطال: وفيه أن الثلاث غاية ما يقع به البيان والأعذار. قلت: اختلف فيما إذا ظن أنه لم يسمع هل يزيد على الثلاث؟ فقيل: لا يزيد أخذاً بظاهر الحديث. وقيل: يزيد. والسنة أن يسلم ثلاثاً، فيقول: السلام عليكم، أدخل. ٩٦/٣٨ - حدثنا مُسَدَّدُ قال: حدّثنَا أَبُو عَوَانَةَ عنْ أبي بِشْرٍ عِنْ يُوسُفَ بنِ مِاهِكٍ عنْ عَبْدِ اللَّه بنِ عَمْرٍوَ قال: تخَلَّفَ رسول الله عَّ ◌َلِ فِي سَفَرٍ سافَرْنَاهُ فأدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهقنا الصَّلاةُ، صلاةَ العَصْرِ، ونَحْنُ نَتَوَضَّأُ، فَجَعَلْنا تَمْسَحُ عَلى أَرْجُلْنَا، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: ((وَئِلٌ لْلأَعْقابٍ مِنَ النّارِ)) مَرَّتَيْنِ أو ثَلاثاً. [انظر الحديث ٦٠ وطرفيه]. مطابقة الحديث للترجمة في قوله: ((مرتين أو ثلاثاً). وهذا الحديث بعينه بهذا الإسناد قد مر في: باب من رفع صوته بالعلم، غير أنه أخرجه هناك عن أبي النعمان عن أبي عوانة، وهنا عن مسدد عن أبي عوانة، واسمه: الوضاح، وأبو بشر اسمه: جعفر بن إياس. والاختلاف في المتن في موضعين: أحدهما: قوله: ((في سفر سافرناه))، وهناك: ((في سفرة سافرناها)) والآخر: قوله: ((صلاة العصر)): ليس بمذكور هناك. قوله: ((فأدركنا)، بفتح الراء أي: النبي، عليه الصلاة والسلام، أدركنا، والحال أن صلاة العصر قد أدركتنا. قوله: ((أرهقنا الصلاة)) بوجهين. أحدهما: بسكون القاف، ونصب الصلاة على المفعولية. والآخر: بتحريك القاف ورفع الصلاة على الفاعلية. وقوله: ((صلاة العصر) بالرفع والنصب بدل من الصلاة، أو بيان. والواو في: ونحن، أيضاً للحال. وقد مر الكلام فيه هناك مستوفى. ٣١ - باب تَعْلِيم الرَّجُلِ أَمَتَهُ وَأهْلَهُ أي: هذا باب في بيان تعليم الرجل جاريته وأهل بيته. الأمة: أصله: أموة بالتحريك لأنه يجمع على آم، وهو أفعل، مثل ناقة وأنيق، ولا يجمع فعلة بالتسكين على ذلك، ويجمع على إماء أيضاً. ويقال: أموت أموة، والنسبة إليها أموى بالفتح، وتصغيرها: أمية، وهو اسم ١٧٧ ٣ - كتاب العلم / باب (٣١) قبيلة أيضاً، والنسبة إليها أموى أيضاً بالفتح، وربما تضم. والفرق بين الجمعين أن الأول جمع قلة، والثاني جمع كثرة. وأصل آم: أومؤ، على وزن أفعل، كأكلب، فأبدل من ضمة الواو ياء فصار: اءمى، ثم أعل إعلال قاضٍ، فصار: اءم، ثم قلبت الهمزة الثانية ألفا فصار: آم، وأصل إماء: إماو، كعقاب، فأبدلت الواو همزة لوقوعها طرفاً بعد ألف زائدة، ويجمع أيضاً على: إموان، مثل إخوان. قال الشاعر: إذا تـرامـى بـنـو الإموان بالعار فإن قلت: الأمة من أهل البيت فكيف عطف عليه الأهل؟ قلت: هو من عطف العام على الخاص، فإن قلت: ما وجه المناسبة بين البابين؟ قلت: من حيث إن المذكور في الباب الأول هو التعليم العام، والمذكور في هذا الباب هو التعليم الخاص، فتناسبا من هذه الجهة. i ٩٧/٣٩ - حدّثنا مُحَمَّدٌ هُوَ ابنُ سَلاَمِ حدّثنا المُحَارِبِيُّ قال: حدّثنا صالِحُ بنُ حَيَّانَ قالَ: قالَ عامِرٌ الشَّعْبِيُّ: حدّثني أَبُو ◌ُرْدَةَ عنْ أَبِيهِ قال: قال رسولُ اللهِ عَ له: ((ثَلاَثَةٌ لَهُمْ أَجْرَانِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الكِتابِ آمَنٍ، بِنَبِيَّهِ وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ عَلَهِ، وَالعَبْدُ المَمْلُوكُ إِذَا أَدَّى حَقَّ الله تعالى وَحق مَوالِيهِ، وَرَجُلٌ كانَتْ عِنْدَهُ أُمَّةٌ فَأَدَّبَها فأحسَنَ تَأْدِيبِهَا وعَلَّمَها فأحسَنَ تَعْلِيمَها ثم أُعْتَقها فَتَزَّوَّجَها فَلَهُ أَجْرَانٍ)) ثم قالَ عامِرٌ: أَعْطَيناكَهَا بَغْيرِ شَيْءٍ قَدْ كانَ يُركَبُ فِيما دُونَها إِلَى المَدِينَةِ. [الحديث ٩٧ - أطرافه في: ٢٥٤٤، ٢٥٤٧، ٢٥٥١، ٣٠١١، ٣٤٤٦، ٥٠٨٣]. مطابقة الحديث للترجمة في الأمة فقط بحسب الظاهر لأنه ليس فيه ما يدل على تعليم الأهل، وأما ذكر الأهل فيحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون بطريق القياس على الأمة المنصوص عليها بالنص، والاعتناء بتعليم الحرائر الأهل من الأمور الدينية أشد من الإماء. والآخر: أن یکون قد أراد أن يضع فيه حديثاً يدل عليه فما اتفق له. بيان رجاله: وهم ستة. الأول: محمد بن سلام، بتخفيف اللام على الأصح، وقد تقدم. الثاني: المحاربي، بضم الميم وبالحاء المهملة وبالراء المكسورة بعدها ياء آخر الحروف مشددة: وهو عبد الرحمن بن محمد بن زياد الكوفي. قال يحيى بن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق إذا حدث عن الثقات، ويروي عن المجهولين أحاديث منكرة فيفسد حديثه بروايته عنهم، مات سنة خمس وتسعين ومائة، روى له الجماعة. الثالث: صالح بن حيان، بفتح الحاء المهملة وتشديد الياء آخر الحروف: وهو اسم جد أبيه نسب إليه وهو صالح بن صالح بن مسلم بن حيان، ولقبه: حي، وهو أشهر به من اسمه، وفي طبقته آخر كوفي أيضاً يقال له: صالح بن حيان القرشي، لكنه ضعيف وهذا ثقة مشهور، وقد طعن من لا خبرة له في البخاري أنه أخرج الصالح بن حيان وظنه صالح بن حيان القرشي، وليس كذلك، وإنما أخرج الصالح بن حيان الذي يلقب أبوه بالحي، وهذا الحديث معروف بروايته عن الشعبي دون رواية القرشي عنه، وقد أخرج البخاري من حديثه من طرق، منها في (الجهاد) من طريق ابن عيينة، قال: حدثنا صالح بن حي، قال: سمعت الشعبي وصالح بن عمدة القاري/ج١٣٥/٢ i i. /١٣٤ ١٧٨ ٣ - كتاب العلم / باب (٣١) حي الهمداني الكوفي الثوري، ثور همدان، وهو ثور بن مالك بن معاوية بن دومان بن بكيل · ابن جشم بن حيوان بن نوف بن همدان، وهو والد الحسن وعلي، قال الكلاباذي: مات هو وابنه علي سنة ثلاث وخمسين ومائة، وابنه الحسن سنة سبع وستين ومائة. الرابع: عامر بن شراحيل الشعبي، وقد تقدم. الخامس: أبو بردة عامر الأشعري الكوفي قاضيها. السادس: أبوه أبو موسى عبد اللَّه بن قيس الأشعري، رضي الله عنه. بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة. ومنها: أن رواته كلهم كوفيون ما خلا ابن سلام. ومنها: أن فيه رواية التابعي عن التابعي. قوله: ((حدثنا محمد بن سلام))، كذا هو في رواية أبي ذر، وفي رواية كريمة: ((حدثنا محمد هوابن سلام)). وفي رواية الأصيلي: ((حدثنا محمد)) فحسب، واعتمده المزي في (الأطراف) فقال: رواه البخاري عن محمد، قيل: هو ابن سلام. قوله: ((أنبأنا المحاربي)، وفي رواية كريمة: ((حدثنا المحاربي))، وليس عند البخاري سوى هذا الحديث وحديث آخر في العيدين. قوله: ((قال عامر» تقديره: قال صالح: قال عامر. وعادتهم حذف قال إذا تكررت خطاً لا نطقاً. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في (العتق) عن محمد بن كثير عن سفيان الثوري، وفي (الجهاد) عن علي بن عبد اللَّه عن سفيان بن عيينة، وفي (أحاديث الأنبياء) عن محمد بن مقاتل عن عبد الله بن المبارك، وفي (النكاح) عن موسى ، ابن إسماعيل عن عبد الواحد بن زياد، ثلاثتهم عن صالح بن حيان. وأخرجه مسلم في (الإيمان) عن يحيى بن يحيى عن هشيم، وعن أبي بكر بن أبي شيبة عن عبدة بن سليمان، وعن ابن أبي عمر عن سفيان بن عيينة، وعن عبد الله بن معاذ عن أبيه عن شعبة، أربعتهم عن صالح بن حيان. وأخرجه الترمذي في(النكاح) عن ابن أبي عمر به، وعن هناد بن السري عن علي بن مسهر عن الفضل بن يزيد عنه، وقال: حسن. وأخرجه النسائي فيه عن يعقوب ابن إبراهيم عن يحيى بن أبي زائدة عن صالح به، وعن هناد بن السري عن أبي زبيد عشير ابن القاسم عن مطرف عن عامر به. وأخرجه ابن ماجه عن أبي سعيد الأشج عن عبدة بن سلیمان به. بيان الإعراب: قوله: (ثلاثة)) مبتدأ تقديره: ثلاثة رجال أو رجال ثلاثة. وقوله: ((لهم أ ران)) مبتدأ وخبر، والجملة خبر المبتدأ الأول. قوله: ((رجل)) قال الكرماني: بدل من ثلاثة أو الجملة صفته، و: رجل، وما عطف عليه خبره. ثم قال: فإن قلت: إذا كان بدلاً أهو بدل البعض أو بدل الكل؟ قلت: بالنظر إلى كل رجل بدل البعض، وبالنظر إلى المجموع بدل الكل. قلت: الأولى أن يقال: رجل، خبر مبتدأ محذوف تقديره: أو لهم، أو: الأول رجل من أهل الكتاب. وقوله: ((من أهل الكتاب)) في محل الرفع لأنه صفة لرجل. قوله: (آمن))، حال بتقدير: قد. و((آمن))، الثاني، عطف عليه. قوله: ((والعبد))، عطف على قوله: رجل، قوله: ((حق الله)) كلام إضافي مفعول. ((أدى)) و: ((حق مواليه)) عطف عليه. قوله: ((ورجل)، عطف على: رجل، الأول. قوله: ((كانت عنده أمة))، جملة في محل الرفع لأنها ١٠٠٠ ١٧٩ ٣ - كتاب العلم / باب (٣١) صفة لرجل، وارتفاع أمة لكونها اسم: كانت. قوله: ((يطؤها)) جملة من الفعل والفاعل والمفعول في محل الرفع لأنها صفة، أمة. قوله: ((فأدبها) عطف على: يطؤها. قوله: ((فأحسن تأديبها)) عطف على: فأدبها، وكذلك قوله: ((وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها فتزوجها)) بعضها معطوف على بعض، وإنما عطف الجميع بالفاء ما خلا: ((ثم أعتقها))، فإنه عطفه: بثم، وذلك لأن التأديب والتعليم يتعقبان على الوطء، بل لا بد منهما في نفس الوطء بل قبله أيضاً لوجوبهما على السيد بعد التملك، بخلاف الإعتاق. أو لأن الإعتاق نقل من صنف من أصناف الأناسي إلى صنف آخر منها، ولا يخفى ما بين الصنفين: المنتقل منه، والمنتقل إليه من البعد، بل من الضدية في الأحكام والمنافاة في الأحوال، فناسب لفظ دال على التراخي بخلاف التأديب. قوله: ((فله اجران))، قال الكرماني: الظاهر أن الضمير يرجع إلى الرجل الثالث، ويحتمل أن يرجع إلى كل من الثلاث. قلت: بل يرجع إلى الرجل الأخير، وإنما لم يقتصر على قوله أولاً: ((لهم أجران))، مع كونه داخلاً في الثلاثة بحكم العطف، لأن الجهة كانت فيه متعددة، وهي التأديب والتعليم والعتق والتزوج، وكانت مظنة أن يستحق الأجر أكثر من ذلك، فأعاد قوله: ((فله أجران))، إشارة إلى أن المعتبر من الجهات أمران. فإن قلت: لِمَ لِمْ يعتبر إلاَّ اثنتان ولم يعتبر الكل؟ قلت: لأن التأديب والتعليم يوجبان الأجر في الأجنبي والأولاد وجميع الناس فلم يكن مختصاً بالإماء، فلم يبق الاعتبار إلاَّ في الجهتين، وهما: العتق والتزوج. فإن قلت: إذا كان المعتبر أمرين، فما فائدة ذكر الأمرين الآخرين؟ قلت: لأن التأديب والتعليم أكمل للأجر، إذ تزوج المرأة المؤدبة المعلمة أكثر بركة وأقرب إلى أن تعين زوجها على دينه. وقال الكرماني: فإن قلت: ينبغي أن يكون لهذا الأخير أجور أربعة: أجر التأديب والتعليم والإعتاق والتزوج، بل سبعة. قلت: المناسبة بين هذه الصورة وأخواتها الجمع بين الأمرين اللذين هما كالمتنافيين، فلهذا لم يعتبر فيها إلاَّ الأجر الذي من جهة الأحوال التي للرقية، والذي من جهة الأحوال التي للحرية، ولهذا ميز بينهما: ثم، دون غيرهما. قلت: هذا كلام حسن، ولكن في قوله: ((هما كالمتنافيين))، نظر لايخفى. بيان المعاني: قوله: (من أهل الكتاب)) اختلفوا فيه، فقال بعضهم: هم الذين بقوا على ما بعث به نبيهم من غير تبديل ولا تحريف، فمن بقي على ذلك حتى بعث نبينا محمد سَّه فآمن به فله الأجر مرتين، ومن بدل منهم أو حرف لم يبق له أجر في دينه فليس له أجر إلاّ بإيمانه بمحمد، عليه الصلاة والسلام، وقال بعضهم: يحتمل إجراؤه على عمومه إذ لا يبعد أن يكون طريان الإيمان به سبباً لإعطاء الأجر مرتين: مرة على أعمالهم الخير الذي فعلوه في ذلك الدين، وإن كانوا مبدلين محرفين. فإنه قد جاء أن مبرات الكفار وحسناتهم مقبولة بعد الإسلام. ومرة على الإيمان بمحمد عَّه. وقال بعضهم: المراد به هنا أهل الإنجيل خاصة إن قلنا: إن النصرانية ناسخة لليهودية. قلت: لا يحتاج إلى اشتراط النسخ لأن عيسى، عليه الصلاة والسلام، كان قد أرسل إلى بني إسرائيل بلا خلاف، فمن أجابه منهم نسب إليه ومن كذبه منهم واستمر على يهوديته لم يكن مؤمناً، فلا يتناوله الخير، لأن شرطه أن يكون مؤمناً i ٠٠٠ ١٨٠ ٣ - كتاب العلم / باب (٣١) بنبيه. والتحقيق فيه أن الألف واللام في: الكتاب، للعهد، إما من التوراة والإنجيل، وإما من الإنجيل. قال الله عز وجل: ﴿الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون﴾ [القصص: ٥٢] إلى قوله: ﴿أولئك يؤتون أجرهم مرتين﴾ [القصص: ٥٤] فالآية موافقة لهذا الحديث، وهي نزلت في طائفة آمنوا منهم: كعبد اللَّه بن سلام وغيره. وفي الطبراني من حديث رفاعة القرظي، قال: نزلت هذه الآية فيّ وفي من آمن معي، وروى الطبراني بإسناد صحيح عن علي ابن رفاعة القرظي، قال: خرج عشرة من أهل الكتاب منهم أبو رفاعة إلى النبي عَ لَّه فآمنوا به فأوذوا فنزلت: ﴿الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون﴾ [القصص: ٥٢] الآيات، فهؤلاء من بني إسرائيل، ولم يؤمنوا بعيسى، عليه الصلاة والسلام، بل استمروا على اليهودية إلى إلى أن آمنوا بمحمد، عليه الصلاة والسلام، وقد ثبت أنهم يؤتون أجرهم مرتين، ويمكن أن يقال في حق هؤلاء الذين كانوا بالمدينة: إنهم لم تبلغهم دعوة عيسى، عليه الصلاة والسلام، لأنها لم تنشر في أكثر البلاد، فاستمروا على يهوديتهم مؤمنين بنبيهم موسى، عليه الصلاة والسلام، إلى أن جاء الإسلام فآمنوا بمحمد، عليه الصلاة والسلام، وفي (شرح ابن التين) أن هذه الآية نزلت في كعب الأحبار وعبد الله ابن سلام. قلت: عبد الله بن سلام صواب، وقوله: كعب الأحبار خطأ، لأن كعباً ليست له صحبة ولم يسلم إلاَّ في زمن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه. وقال القرطبي: الكتابي الذي يضاعف أجره هو الذي كان على الحق في فعله عقداً وفعلاً إلى أن آمن بنبينا عَ لِ فيؤجر على اتباع الحق الأول والثاني، وفيه نظر، لأن النبي، عليه الصلاة والسلام، كتب إلى هرقل: ((أسلم يؤتك الله أجرك مرتين))، وهرقل كان ممن دخل في النصرانية بعد التبديل. وقال أبو عبد الملك البوني وغيره: إن الحديث لا يتناول اليهود البتة، وفيه نظر أيضاً كما ذكرناه. وقال الداودي: إنه يحتمل أن يتناول سائر الأمم فيما فعلوه من خير، كما في حديث حكيم بن حزام: ((أسلمت على ما أسلفت من خير)). وفيه نظر، لأن الحديث مقيد بأهل الكتاب فلا يتناول غيرهم. وأيضاً فقوله: ((آمن بنبيه)) إشعار بعلية الأجر، أي أن سبب الأجرين من الإيمان بالنبيين، والكفار ليسوا كذلك، وقال الكرماني: فإن قلت: أهذا مختص بمن آمن منهم في عهد البعثة أم شامل لمن آمن منهم في زماننا أيضاً؟ قلت: مختص بهم لأن عيسى، عليه الصلاة والسلام، ليس بنبيهم بعد البعثة، بل نبيهم محمد عَّ له بعدها. وقال بعضهم: هذا لا يتم بمن لم تبلغهم الدعوة، وما قاله شيخنا أظهر، أراد به ما قاله من قوله: إن هذه الثلاثة المذكورة في الحديث مستمرة إلى يوم القيامة. قلت: ليس بظاهر ما قاله هو،، ولا ما قاله شيخه، أما عدم ظهور ما قاله فهو أن ببعثة نبينا محمد عَّ له انقطعت دعوة عيسى عَّ له وارتفعت شريعته، فدخل جميع الكفار، أهل الكتاب وغيرهم، تحت دعوة النبي عَّله، سواء بلغتهم الدعوة أو لا. ولهذا يقال: هم أهل الدعوة، غاية ما في الباب أن من لم تبلغه الدعوة لا تطلق عليهم بالفعل، وأما بالقوة فليسوا بخارجين عنها. وأما عدم ظهور ما قاله شيخه فهو أنه دعوى بلا دليل، لأن ظاهر