Indexed OCR Text

Pages 101-120

عري ؟
!١٧٧
١٠١
٣ - كتاب العلم / باب (١٨)
أحمد وابن حبان، ووقع في بعض نسخ ابن ماجه من طريق عبد الوهاب الثقفي عن خالد
الحذاء بلفظ: ((اللهم علمه الحكمة وتأويل الكتاب)). وهذه الرواية غريبة من هذا الوجه، وقد
رواها الترمذي والإسماعيلي وغيرهما من طريق عبد الوهاب بدونها، وروى ابن سعد من وجه
آخر عن طاوس عن ابن عباس قال: ((دعاني رسول الله عَّ له فمسح على ناصيتي وقال: اللهم
علمه الحكمة وتأويل الكتاب)). وقد رواه أحمد عن هشيم عن خالد في حديث الباب بلفظ:
(مسح على رأسي). فإن قلت: ما معنى تسمية الكتاب والسنة بالحكمة؟ قلت: أما الكتاب
فلأن الله تعالى أحكم فيه لعباده حلاله وحرامه، وأمره ونهيه. وأما السنة فحكمة فصل بها بين
الحق والباطل، وبيَّن بها مجمل القرآن. وقال الكرماني: فإن قلت: هل جاز أن لا يستجاب
دعاء النبي عَّ له؟ قلت: لكل نبي دعوة مستجابة، وإجابة الباقي في مشيئة الله تعالى، وأما
هذا الدعاء فمما لا شك في قبوله، لأنه كان عالماً بالكتاب، حبر الأمة، بحر العلم، رئيس
المفسرين، ترجمان القرآن. وكونه في الدرجة القصوى في المحل الأعلى منه، مما لا
يخفى. وقال ابن بطال: كان ابن عباس من الأحبار الراسخين في علم القرآن والسنة، أجيبت
فيه الدعوة، إلى هنا كلام الكرماني. قلت: هذا السؤال لا يعجبني، فإن فيه بشاعة، وأنا لا
أشك أن جميع دعوات النبي عَّهُ مستجابة. وقوله: ((لكل نبي دعوة مستجابة))، لا ينفي
ذلك، لأنه ليس بمحصور. فإن قلت: ما كان سبب هذا الدعاء لابن عباس؟ قلت: بيَّن ذلك
البخاري ومسلم في الرواية الأخرى عن ابن عباس. قال: ((دخل النبي، عليه الصلاة والسلام،
الخلاء فوضعت له وضوءاً. زاد مسلم: ((فلما خرج ثم اتفقا قال: من وضع هذا؟ فأخبر)).
ولمسلم: ((قالوا: ابن عباس)). وفي رواية أحمد وابن حبان من طريق سعيد بن جبير عنه أن
ميمونة هي التي أخبرته بذلك،، وأن ذلك كان في بيتها ليلاً. قلت: ولعل ذلك في الليلة التي
بات فيها ابن عباس عندها ليرى صلاة رسول الله عَّله، لما سيأتي في موضعه إن شاء الله
تعالی.
بيان استناط الأحكام: الأول: فيه بركة دعائه، عليه الصلاة والسلام، وإجابته. الثاني:
فيه فضل العلم والحض على تعلمه وعلى حفظ القرآن والدعاء بذلك. الثالث: فيه استحباب
الضم، وهو إجماع للطفل والقادم من سفر ولغيرهما، ومكروه عند البغوي، والمختار جوازه،
ومحل ذلك إذا لم يؤد إلى تحريك شهوة. هذا مذهب الشافعي، ومذهب أبي حنيفة أن ذلك
يجوز إذا كان عليه قميص، وقال الإمام أبو منصور الماتريدي: المكروه من المعانقة ما كان
على وجه الشهوة، وأما على وجه البر والكرامة فجائز.
ـةجوم
١٨ - باب متَى يَصِحُ سَماعُ الصَّغِيرِ
وفي رواية الكشمهيني: الصبي الصغير، أي: هذا باب، وهو منون، وكلمة: متى،
للاستفهام. إذا قلت: متى القتال؟ كان المعنى اليوم أم غداً أم بعد غد. وبني لتضمنه معنى
حرف الاستفهام، كما في المثال المذكور. قال الكرماني: معنى الصحة جواز قبول مسموعه.
ربسو،

١٠٢
٣ - كتاب العلم / باب (١٨)
وقال بعضهم هذا تفسير لثمرة الصحة لا لنفس الصحة. قلت: كأنه فهم: أن الجواز هو ثمرة
الصحة وليس كذلك، بل الجواز هو الصحة وثمرة الصحة عدم ترتب الشيء عليه عند
العمل. فإن قلت: ما وجه المناسبة بين البابين؟ قلت: من حيث إن ما ذكر في الباب الأول
من دعائه، عليه الصلاة والسلام، لابن عباس، إنما كان وابن عباس إذ ذاك غلام مميز،
والمذكور في هذا الباب حال الغلام المميز في السماع، على أن القضية ههنا لابن عباس
أيضاً، كما كانت في الباب الأول، ومراده الاستدلال على أن البلوغ ليس شرطاً في التحمل.
واختلفوا في السن الذي يصح فيه السماع للصغير، فقال موسى بن هارون الحافظ: إذا فرق
بين البقرة والدابة. وقال أحمد بن حنبل: إذا عقل وضبط. وقال يحيى بن معين: أقل سن
التحمل خمسة عشر سنة، لكون ابن عمر، رضي الله عنهما، رد يوم أحد، إذ لم يبلغها، ولما
بلغ أحمد أنكر ذلك. وقال: بئس القول. وقال عياض: حدد أهل الصفة ذلك أن أقله سن
محمود بن الربيع، ابن خمس. كذا ذكره البخاري. وفي رواية أخرى أنه كان ابن أربع، وقال
ابن الصلاح: والتحديد بخمس هو الذي استقر عليه عمل أهل الحديث من المتأخرین،
فيكتبون لابن خمس سنين فصاعداً سمع ولدون حضر أو أخضر، والذي ينبغي في ذلك
اعتبار التمييز، فإن فهم الخطاب ورد الجواب كان مميزاً وصحيح السماع، وإن كان دون
خمس. وإن لم یکن کذلك لم یصح سماعه ولو کان ابن خمس، بل ابن خمسین. وعن
إبراهيم بن سعيد الجوهري قال: رأيت صبياً، ابن أربع سنين، قد حمل إلى المأمون قد قرأ
القرآن ونظر في الآي، غير أنه إذا جاع بكى. وحفظ القرآن أبو محمد عبد الله بن محمد
الأصبهاني وله خمس سنين، فامتحنه فيه أبو بكر بن المقري وكتب له بالسماع وهو ابن أربع
سنین، وحديث محمود لا يدل على التحديد بمثل سنه.
٧٦/١٨ - حدّثنا إِسْمَاعِيلُ بنُ أبي أُوَيْسِ قال حدّثني مالِكٌ عن ابن شِهابٍ عنْ عُبَيدِ
اللّه بنِ عَبْدِ اللَّه بنِ عُثْبَةَ عنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَّاسٍ قَال: أقْبَلْتُ راكِباً عَلَى حِمارٍ أَتَانٍ، وأنَا يُؤْمَئِذٍ
قَدْ ناهَزْتُ الاخْتِلَامَ، ورَسولُ اللهِ عَّهِ يُصَلِّي بِنَّىّ إِلى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضٍ
الصَّفِّ وأرْسَلْتُ الأَتَانَ تَوْتَعُ، فَدَخَلْتُ في الصَّفِّ فَلَمْ يُنْكَوْ ذلك علَيَّ. [الحديث ٧٦ -
أطرافه في: ٤٩٣، ٨٦١، ١٨٥٧، ٤٤١٢].
مطابقة الحديث للترجمة من حيث إن العلماء جوزوا المرور بين يدي المصلي، إذا لم
يكن سترة، برواية ابن عباس هذه، وابن عباس تحمل هذا في حالة الصبى، فعلم منه قبول
سماع الصبي إذا أداه بعد البلوغ. فإن قلت: الترجمة في سماع الصغير وليس في هذا
الحديث سماع الصبي. قلت: المقصود من السماع هو وما يقوم مقامه لتقرير الرسول، عليه
السلام، في مسألتنا لمروره. فإن قلت: عقد الباب على الصبي الصغير، أو الصغير فقط، على
اختلاف الرواية، والمناهز للاحتلام ليس صغيراً، فما وجه المطابقة؟ قلت: المراد من الصغير
غير البالغ، وذكره مع الصبي من باب التوضيح والبيان.
بيان رجاله: وهم خمسة، كلهم قد ذكروا، وإسماعيل هو: ابن عبد اللَّه المشهور بابن

١٠٣
٣ - كتاب العلم / باب (١٨)
أبي أويس، ابن أخت مالك، وابن شهاب: هو محمد بن مسلم الزهري، وعتبة، بضم العين
المهملة وسكون التاء المثناة من فوق وفتح الباء الموحدة.
بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث بصيغة الجمع وصيغة الإفراد والعنعنة.
ومنها: أن رواته كلهم مدنيون. ومنها: أن فيه رواية التابعي عن التابعي.
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري هنا عن إسماعيل، وفي (الصلاة)
عن عبد الله بن يوسف والقعنبي، ثلاثتهم عن مالك، وفي (الحج) عن إسحاق عن يعقوب بن
إبراهيم بن سعد عن ابن أخي ابن شهاب، وفي(المغازى)، وقال الليث: حدثني يونس.
وأخرجه مسلم في (الصلاة) عن يحيى بن يحيى عن مالك، وعن يحيى بن يحيى، وعمرو
الناقد، وإسحاق بن إبراهيم، ثلاثتهم عن سفيان بن عيينة، وعن حرملة بن يحيى عن ابن وهب
عن يونس، وعن إسحاق بن إبراهيم، وعن عبد بن حميد كلاهما عند عبد الرزاق عن معمر،
خمستهم عنه به. وأخرجه أبو داود فيه عن عثمان بن أبي شيبة عن سفيان به. وأخرجه
الترمذي فيه عن محمد بن المالك أبي الشوارب عن يزيد بن زريع عن معمر نحوه. وأخرجه
النسائي فيه عن محمد بن منصور عن سفيان به، وفي (العلم) عن محمد بن سلمة عن ابن
القاسم عن مالك، وأخرجه ابن ماجه في (الصلاة) عن هشام بن عمار عن سفيان به.
بيان اللغات: قوله: ((على حمار))، قال في (العباب): الحمار العير، والجمع: حمير
وحمر وحمر وحمرات وأحمرة ومحمور، والحمارة: الأتان، والحمارة أيضاً: الفرس الهجين،
وهي بالفارسية: بالانى،، واليحمور حمار الوحش. ((أتان))، بفتح الهمزة وبالتاء المثناة من فوق
وفي آخره نون: وهي الأنثى من الحمر، وقد يقال، بكسر الهمزة، حكاه الصغاني في
(شوارده)، ولا يقال: أتانة. وحكى يونس وغيره: أتانة، وقال الجوهري: الاتان الحمارة ولا
يقال: أتانة. وثلاث أتن مثل: عناق وأعنق، والكثير أتن وإتن، والمأتونا الأتن مثل، المعبورا.
قوله: ((ناهزت الاحتلام))، أي: قاربت يقال: ناهز الصبي البلوغ إذا قاربه وداناه. قال صاحب
(الأفعال): ناهز الصبي الفطام دنا منه، ونهز الشيء أي: قرب، وقال شمر: المناهزة المبادرة،
فقيل للأسد: نهز، لأنه يبادر ما يفترسه، والنهزة بالضم: الفرصة. ونهزت الشيء دفعته، ونهزت
إليه: نهضت إليه. والاحتلام: البلوغ الشرعي، وهو مشتق من الحالم بالضم، وهو ما يراه
النائم. قوله: (بمنى)، مقصور: موضع بمكة تذبح فيه الهدايا وترمى فيه الجمرات. قال
الجوهري: مذكر مصروف؛ قلت: لأنه علم للمكان فلم يوجد فيه شرط المنع. وقال النووي:
فيه لغتان: الصرف والمنع، ولهذا يكتب بالألف والياء، والأجود صرفها وكتابتها بالألف،
سميت بها لما يمنى بها من الدماء أي: تراق. قوله: ((ترتع))، بتاءين مثناتين من فوق مفتوحتين
وضم العين أي: تأكل ما تشاء، من: رتعت الماشية ترتع رتوعاً. وقيل: تسرع في المشي وجاء
أيضاً، بكسر العين على وزن تفتعل، من: الرعي: وأصله: ترتعي، ولكن حذفت الياء تخفيفاً،
والأول أصوب ويدل عليه رواية البخاري في الحج: نزلت عنها فرتعت.
بيان الإعراب: قوله: ((أقبلت)) جملة من الفعل والفاعل. قوله: ((راكباً))
i
i
i
i

١٠٤
٣ - كتاب العلم / باب (١٨)
نصب على الحال. ((وعلى حمار) يتعلق به قوله: ((أَتان)): صفة للحمار أو بدل منه. فإن
قلت: من أي قسم من أقسام البدل؟ قلت: قيل: إنه بدل غلط، وقال القاضي: وعندي أنه بدل
البعض من الكل، إذ قد يطلق الحمار على الجنس فيشمل الذكر والأنثى، كما قالوا: بعير.
وقال النووي والقرطبي وغيرهما أيضاً: إن الحمار اسم جنس للذكر والأنثى، كلفظة الشاة
والإنسان. وقال الشيخ قطب الدين في بعض طرقه: على حمار، أراد به الجنس ولم يرد
الذكورة، وفي بعضها: أتان. وجمع البخاري بينهما، فقال: ((على حمار أتان)). وقال القاضي:
وجاء في البخاري ((على حمار أتان))، بالتنوين فيهما، إما على البدل أو الوصف. وقد ذكرناه،
وروي: ((على حمارٍ أتانٍ))، بالإضافة، أي: حمار أنثى، كفحل أتن. وقال ابن الأثير: إنما
استدرك الحمارة بالأنثى ليعلم أن الأنثى من الحمر لا تقطع الصلاة، فكذلك لا تقطعها
المرأة. وقال الكرماني: فإن قلت: لم قال: على حمارة، فيستغني عن لفظ: أتان؟ قلت: لأن
التاء في حمارة يحتمل أن تكون للوحدة وللتأنيث فلا تكون نصاً في الأنوثة. قلت: هنا قرينة
تدل على ترجيح المراد بأنوثته فلا يقع الجواب موقعه، والأحسن أن يقال في الجواب: إن
الحمارة قد تطلق على الفرس الهجين، كما نقلناه عن الصغاني عن قريب، فلو قال: على
حمارة، ربما كان يفهم أنه أقبل على فرس هجين، وليس الأمر كذلك، على أن الجوهري
حكى أن الحمارة في الأنثى شاذ. قوله: ((وأنا يومئذ))، الواو: فيه للحال و: أنا، مبتدأ وخبره
قوله: ((قد ناهزت الاحتلام). قوله: ((ورسول الله)) عَّاللّه الواو: فيه للحال، وهو مبتدأ وخبره
قوله: ((يصلي). قوله: (بمنى))، نصب على الظرف. قوله: ((إلى غير جدار)) في محل النصب
على الحال، وفيه حذف تقديره: يصلي غير متوجه إلى جدار. قوله: ((وأرسلت))، عطف على:
مررت، و: الأتان، بالنصب مفعوله. قوله: ((ترتع)) جملة في محل النصب على الحال من
الأحوال المقدرة، والتقدير: مقدراً رتوعها، قوله: ((ودخلت))، بالواو عطف على: ((أرسلت)).
وفي رواية الكشميهني: ((فد خلت))، وبالفاء التي للتعقيب. قوله: ((فلم ينكر)) على صيغة
المعلوم، أي: فلم ينكر النبي عَّ له ذلك علي، وروي بلفظ المجهول: أي لم ينكر أحد لا
رسول الله عګآ ولا غيره ممن كانوا معه.
بيان المعاني: قوله: ((أقبلت راكباً على حمار))، وزاد البخاري فيه في الحج: ((أقبلت
أسير على أتان حتى صرت بين يدي الصف ثم نزلت عنها)). ولمسلم: ((فسار الحمار بين
يدي بعض الصف)). قوله: ((إلى غير جدار)) يعني: إلى غير سترة. فإن قلت: لفظه إلى غير
حدار، لا ينفي شيئاً غيره، فكيف يفسر، بغير سترة؟ إخبار ابن عباس عن مروره بالقوم وعن
عدم جدار، مع أنهم لم ينكروا عليه، وأنه مظنة إنكار يدل على حدوث أمر لم يعهد قبل
ذلك، من كون المرور مع السترة غير منكر، فلو فرض سترة أخرى غير الجدار لم يكن لهذا
الإخبار فائدة. قوله: ((بين يدي بعض الصف)): هو مجاز عن القدام، لأن الصف لا يد له،
وبعض الصف يحتمل أن يكون المراد به صف من الصفوف، أو بعض من الصف الواحد،
يعني المراد به: إما جزء من الصف، وإما جزئي منه. قوله: ((ناهزت الاحتلام)) قال الشيخ تقي

١٠٥
٣ - كتاب العلم / باب (١٨)
الدين: فيه معنى يقتضي تأكيد الحكم، وهو عدم بطلان الصلاة بمرور الحمار، لأنه استدل
على ذلك بعدم الإنكار، وعدم الإنكار على من هو في مثل هذا السن أدل على هذا الحكم،
فإنه لو كان في سن عدم التمييز لاحتمل أن يكون عدم الإنكار عليه لعدم مؤاخذته لصغر
سنه، فعدم الإنكار دليل على جواز المرور، والجواز دليل على عدم إفساد الصلاة. وقال
عياض: وقوله: ((ناهزت الاحتلام)) يصحح قول الواقدي: إن النبي عَّ له، توفي وابن عباس ابن
ثلاث عشرة سنة. وقول الزبير بن بكار: إنه ولد في الشعب قبل الهجرة بثلاث سنين. وما
روي عن سعيد بن جبير عنه، توفي النبي، عليه الصلاة والسلام، وأنا ابن خمس عشرة سنة.
قال أحمد: هذا هو الصواب، وهو يرد رواية من يروي عنه، أنه قال: توفي النبي، عليه الصلاة
والسلام، وأنا ابن عشر سنين. وقد يتأول، إن صح، على أن معناه راجع إلى ما بعده، وهو
قوله وقد قرأت (المحكم).
بيان استنباط الأحكام: الأول: فيه جواز سماع الصغير، وضبطه السنن والتحمل لا
يشترط فيه كمال الأهلية، وإنما يشترط عند الأداء. ويلتحق بالصبي في ذلك: العبد والفاسق
والكافر. وقامت حكاية ابن عباس لفعل النبي عَ لّه وتقريره مقام حكاية قوله. الثاني: فيه إجازة
من علم الشيء صغيراً وأداه كبيراً، ولا خلاف فيه، وأخطأ من حكى فيه خلافاً، وكذا الفاسق
والكافر إذا أديا حال الكمال. الثالث: فيه احتمال بعض المفاسد لمصلحة أرجح منها، فإن
المرور أمام المصلين مفسدة، والدخول في الصلاة وفي الصف مصلحة راجحة، فاغتفرت
المفسدة للمصلحة الراجحة من غير إنكار. الرابع: فيه جواز الركوب إلى صلاة الجماعة.
الخامس: قال المهلب: فيه أن التقدم إلى القعود لسماع الخطبة إذا لم يضر أحداً والخطيب
يخطب جائز، بخلاف ما إذا تخطى رقابهم. السادس: أن مرور الحمار لا يقطع الصلاة،
وعليه بوب أبو داود، في (سننه)، وما ورد من قطع ذلك محمول على قطع الخشوع.
السابع: فيه صحة صلاة الصبي. الثامن: فيه أنه إذا فُعل بين يدي النبي عَُّله شيء ولم ينكره
فهو حجة. التاسع: جواز إرسال الدابة من غير حافظ أو مع حافظ غير مكلف. العاشر: قال
ابن بطال وأبو عمر والقاضي عياض: فيه دليل على أن سترة الإمام سترة لمن خلفه، وكذا
بوب عليه البخاري، وحكى ابن بطال وأبو عمر فيه الإجماع. قالا: وقد قيل: الإمام نفسه
سترة لمن خلفه، وأما وجه الدلالة فقال عياض: قوله: فلم ينكر ذلك أحد، لأنه إن كان النبي
عَّ رآه، وهو الظاهر لقوله، بين يدي الصف فهو حجة لتقريره، وإن كان بموضع لم يره فقد
رآه أصحابه بجملتهم فلم ينكروه، ولا أحد منهم، فدل على أنه ليس عندهم بمنكر، وقال
غيره: يحتمل أن لفظة: أحد، تشمل النبي عَّله وغيره، لما فيها من العموم، لكنه ضعيف بأنه
لا معنى لعدم إنكار غير النبي عَ ◌ّه مع حضوره عَ له، وعدم إنكاره أيضاً، فيجوز أن يكون
الصف ممتداً فلا يراه النبي عَّله، ولهذا أن ابن عباس ذكر الرائين ولم يذكر النبي عَّ}.
احترازاً منه. قلت: فعلى هذا لا يكون من باب المرفوع قطعاً، بل مما يتوجه فيه الخلاف،
ويحتمل كما قالوا في شبهه.
P
· حدة
جو.
i
i

١٠٦
٣ - كتاب العلم / باب (١٨)
وقال أبو عمر: حديث ابن عباس، رضي الله عنهما، هذا يخص بحديث ابن سعيد
الخدري، رضي الله عنه، يرفعه: ((إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحداً يمر بين يديه)). قال:
فحديث أبي سعيد هذا يحمل على الإمام والمنفرد، فأما المأموم فلا يضره من مر بين يديه
لحديث ابن عباس هذا، قال: وهذا كله لا خلاف فيه بين العلماء، ومما يوضحه حديث ابن
عمر رضي الله عنهما: ((أن النبي عَّهِ صلى بهم الظهر، أو العصر، فجاءت بهيمة تمر بين
يديه، فجعل يدرؤها حتى رأيته ألصق منكبيه بالجدار فمرت من خلفه)). قلت: أخرجه أبو
داود من أوله: ((كان يصلي إلى جدر))، وفيه: ((حتى ألصق بطنه بالجدر)). وبوب عليه: باب
سترة الإمام سترة لمن خلفه. قال: والمرور بين يدي المصلي مكروه إذا كان إماماً أو منفرداً
أو مصلياً إلى سترة، وأشد منه أن يدخل المار بين السترة وبينه، وأما المأموم فلا يضره من مر
بين يديه، كما أن الإمام أو المنفرد لا يضر واحد منهما ما مر من وراء سترته، لأن سترة
الإمام سترة لمن خلفه. وقد قيل: إن الإمام نفسه سترة لمن خلفه. قال: وهذا كله إجماع لا
خلاف فيه. وقال ابن بطال: اختلف أصحاب مالك فيمن صلى إلى غير سترة في فضاء يأمن
أن يمر أحد بين يديه، فقال ابن القاسم: يجوز ولا حرج عليه، وقال ابن الماجشون ومطرف:
السنة أن يصلي إلى سترة مطلقاً. قال: وحديث ابن عباس يشهد لصحة قول ابن القاسم وهو
قول عطاء وسالم وعروة والقاسم والشعبي والحسن، وكانوا يصلون في الفضاء إلى غير سترة،
وسيأتي بسط الكلام فيه في موضعه إن شاء الله تعالى.
٧٧/١٩ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قال: حدّثنا أَبُو مُشْهِرٍ قال: حدّثني مُحمَّدُ بنُ
حَرْب حدّثني الزُّبَيْدِيُّ عنِ الزُّهْرِيّ عنْ مَحمُودِ بنِ الرَّبيعِ قال: عَقَلْتُ منَ النَّبِيِّعَ لَّهِ مِجَةً
مجَّها في وجهي وأنا ابنُ خَمْسٍ سنِينَ مِنْ دَلْوٍ. [الحديث ٧٧ - أطرافه في: ١٨٩، ٨٣٩،
١١٨٥، ٦٣٥٤، ٦٤٢٢].
مطابقة الحديث للترجمة من حيث استدلالهم به على إباحة مج الريق على الوجه إذا
كان فيه مصلحة، وعلى طهارته وغير ذلك، وليس ذلك إلاّ لاعتبارهم نقل محمود بن الربيع،
فدل على أن سماع الصغير صحيح، والترجمة فيه، بل مطابقة هذا الحديث للترجمة أشد من
حديث ابن عباس، فإن من ناهز الاحتلام لا يسمى صغيراً عرفاً، ومحمود بن الربيع أخبر
بذلك وعمره خمس سنين.
بيان رجاله: وهم ستة. الأول: محمد بن يوسف البيكندي، أبو أحمد، نص عليه
البيهقي وغيره، وذلك لأن محمد بن يوسف الفريابي ليس له رواية عن أبي مسهر. الثاني:
أبو مسهر، بضم الميم وسكون السين المهملة وكسر الهاء وبالراء، واسمه عبد الأعلى أبو
مسهر الغساني الدمشقي. قيل: ما رُؤي أحد في كورة من الكور أعظم قدراً ولا أجلّ عند
أهلها من أبي مسهر بدمشق، وكان إذا خرج إلى المسجد اصطف الناس يسلمون عليه،
ويقبلون يده. وحمله المأمون إلى بغداد في أيام المحنة، فجرد للقتل على أن يقول بخلق
القرآن، ومد رأسه إلى السيف، فلما رأوا ذلك منه حمل إلى السجن، فمات ببغداد سنة ثمان

١٠٧
٣ - كتاب العلم / باب (١٨)
عشرة ومائتين، ودفن بباب التين، وقد لقيه البخاري وسمع منه شيئاً كثيراً، وحدث هنا
بواسطة، وذكر ابن المرابط فيما نقله ابن رشيد عنه أن أبا مسهر تفرد برواية هذا الحديث
وليس كما قال، فإن النسائي رواه في (سننه الكبرى) عن محمد بن المصفى عن محمد بن
حرب، وأخرجه البيهقي في (المدخل) من رواية ابن جوصا، بفتح الجيم والصاد المهملة،
عن سلمة بن الخليل وابن التقي، بفتح التاء المثناة من فوق وكسر القاف، كلاهما عن
محمد بن حرب، فهؤلاء ثلاثة غير أبي مسهر رووه عن محمد بن حرب، فكأنه المنفرد به
عن الزبيدي. الثالث: محمد بن حرب، بفتح الحاء وسكون الراء المهملتين وفي آخره باء
موحدة: هو الأبرش أي: الذي يكون فيه نكت صغار يخالف سائر لونه، الخولاني الحمصي
أبو عبد الله، سمع الأوزاعي وغيره، وتقضى بدمشق وهو ثقة، مات سنة أربع وسبعين ومائة،
روى له الجماعة. الرابع: أبو الهذيل محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي الشامي الحمصي
قاضيها، الثقة الكبير المفتي الكبير، روى عن مكحول والزهري وغيرهما، وعنه محمد بن
حرب ويحيى بن حمزة، وهو أثبت أصحاب الزهري، مات بالشام سنة سبع، وقيل: ثمان
وأربعين ومائة وهو شاب، قاله أحمد بن محمد بن عيسى البغدادي. وقال ابن سعد: ابن
سبعين، سنة، روى له الجماعة سوى الترمذي. الخامس: محمد بن مسلم الزهري. السادس:
محمود بن الربيع بن سراقة بن عمرو بن زيد بن عبدة بن عامر بن عدي بن كعب بن
الخزرج بن الحارث بن الخزرج، الأنصاري الخزرجي، أبو نعيم. وقيل: أبو محمد، مدني
مات سنة تسع وتسعين عن ثلاث وتسعين، وهو ختن عبادة ابن الصامت، نزل بيت المقدس
أومات بها.
بيان الأنساب: الغساني: نسبة إلى غسان، ماء بالمشلل قريب من الجحفة، والذين
شربوا منه تسموا به، وهم من ولد مازن بن الأزد، فإن مازن جماع غسان فمن نزل من بنيه
ذلك الماء فهو غسان، وذكر الرشاطي الغساني في الأزد. وقال ابن هشام: نسبوا إلى ماء بسد
مأرب كان شرباً لولد مازن فسموا به. الخولاني: في قبائل، حكى الهمداني في كتاب
(الإكليل) قال: خولان بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، وخولان بن عمرو بن مالك بن
الحارث بن مرة بن أدد، قال: وخولان حضور، وخولان ردع هو خولان بن قحطان، وقال
ابن قتيبة في كتاب (المعارف): وخولان بن سعد بن مذحج. الزبيدي، بضم الزاي المعجمة
وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف والدال المهملة: نسبة إلى زبيد، قبيلة من
مذحج، بفتح الميم وسكون الذال المعجمة. وذكر الرشاطي الزبيدي في قبائل مذحج
وغيرها، فالذي في مذحج: زبيد، واسمه منبه الأكبر بن صعب بن سعد العشيرة بن مالك،
ومالك هو جماع مذحج. قال ابن دريد: زبيد تصغير: زبد، والزبد العطية، زبدته أزبده زبداً.
وفي الأزد: زبيد بطن، وهو زبيد بن عامر بن عمرو بن كعب بن الحارث الغطريف الأصغر
ابن عبد اللَّه بن عامر الغطريف الأكبر بن بكر بن يشكر بن بشير بن كعب بن دهمان بن نصر
ابن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد اللَّه بن مالك بن نصر بن الأزد. وفي
i

١٠٨
٣ - كتاب العلم / باب (١٨)
خولان القضاعية: زبيد بطن ابن الخيار بن زياد بن سليمان بن الناجش بن حرب بن سعد بن
خولان.
بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث بصيغة الجمع وصيغة الإفراد والعنعنة.
ومنها: أن رواته إلى الزهري شاميون. ومنها: أن هذا الحديث من أفراد البخاري عن مسلم.
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في (الطهارة) عن علي بن
عبد اللَّه عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن صالح بن كيسان عن الزهري به، وفي
الدعوات عن عبد العزيز بن عبد اللَّه عن إبراهيم بن سعد به، وأخرجه النسائي في (العلم) عن
محمد بن مصفى عن محمد بن حرب به، وفي (اليوم والليلة) عن سويد بن نصر عن ابن
المبارك عن معمر عن الزهري نحوه، ولم يذكر: وأنا«ابن خمس سنين)). وأخرجه ابن ماجه
في (الطهارة) عن أبي مروان محمد بن عثمان العثماني عن إبراهيم بن سعد به.
بيان اللغات: قوله: ((عقلت)) أي: عرفت. ويقال: معناه حفظت، عن: عقل يعقل من
باب: ضرب يضرب، عقلاً ومعقولاً. وهو مصدر. وقال سيبويه: وهو صفة، وكان يقول: إن
المصدر لا يتأتى على وزن مفعول البتة. قوله: (مجة)) يقال: مج الشراب من فيه إذا رمى به.
وقال أهل اللغة: المج إرسال الماء من الفم مع نفخ. وقيل لا يكون مجاً حتى تباعد به.
وكذلك مج لعابه والمجاجة والمجاج الريق الذي تمجه من فيك، ومجاجة الشيء أيضاً
عصارته، ويقال: إن المطر مجاج المزن والعسل مجاج النحل والمجاج أيضاً اللبن، لأن
الضرع يمجه والتركيب يدل على رمي الشيء بسرعة.
بيان الإعراب: قوله: ((عقلت))، جملة من الفعل والفاعل مقول القول. قوله: ((مجة))
بالنصب مفعوله، قوله: ((مجها))، جملة من الفعل والفاعل والمفعول في محل النصب على
أنها صفة لمجة، والضمير فيها يرجع إلى المجة. قوله: ((في وجهي)) حال من مجه. قوله:
(من دلو))، أي: من ماء دلو والدلو يذكر ويؤنث. وقوله: ((وأنا ابن خمس سنين)) جملة إسمية
من المبتدأ والخبر معترضة وقعت حالاً: إمّا من: تاء، عقلت، أو من: ياء وجهي.
بيان المعاني: قوله: ((وأنا ابن خمس سنين))، قد ذكرنا أن المتأخرين قد حددوا أقل
سن التحمل بخمس سنين. وقال ابن رشيد: الظاهر أنهم أرادوا بتحديد الخمس أنها مظنة
لذلك، لا أن بلوغها شرط لا بد من تحققه، وليس في (الصحيحين) ولا في غيرهما من
الجوامع والمسانيد التقييد بالسن عند التحمل في شيء من طرقه إلاّ في طريق الزبيدي هذه،
وهو من كبار الحفاظ المتقنين عن الزهري، ووقع في رواية الطبراني والخطيب في (الكفاية)،
من طريق عبد الرحمن بن نمر، بفتح النون وكسر الميم، عن الزهري، قال: حدثني محمود بن
الربيع: وتوفي النبي، عليه الصلاة والسلام، وهو ابن خمس سنين، واستفيد من هذه الرواية أن
الواقعة التي ضبطها كانت في آخر سنة من حياة النبي، عليه الصلاة والسلام، وقد ذكر ابن
حباب وغيره أنه مات سنة تسع وتسعين، وهو ابن أربع وتسعين سنة، وهو مطابق لهذه الرواية.

١٠٩
٣ - كتاب العلم / باب (١٩)
وذكر عياض في (الإلماع) وغيره أن في بعض الروايات أنه كان ابن أربع سنين، وليس في
الروايات شيء يصرح بذلك، فكأن ذلك أخذ من قول ابن عمر أنه عقل المجة وهو ابن أربع
سنين أوخمس، وكأن الحامل له على هذا التردد قول الواقدي: إنه كان ابن ثلاث وتسعين
سنة لما مات، والأول أصح. قوله: ((من دلو))، وفي رواية النسائي: ((من دلو معلق))، وفي
(الرقاق) من رواية معمر: ((من دلو كانت في دارهم)). وفي ((الطهارة والصلاة)) وغيرهما: ((من
بثر))، بدل: (((لو)). ولا تعارض بينهما، لأنه يتأول بأن الماء أخذ بالدلو من البئر وتناوله النبي،
عليه الصلاة والسلام، من الدلو.
بيان استنباط الأحكام: الأول: فيه بركة النبي، عليه الصلاة والسلام، كما جاء من أنه
يحنك الصبيان بأن يأخذ التمرة يمضغها ويجعلها في فم الصبي، وحنك بها: حنكه بالسبابة
حتى تحللت في حلقه، وكانت الصحابة، رضي الله عنهم، يحرصون على ذلك إرادة بركته،
عليه الصلاة والسلام، لأولادهم، كما رأوا بركته في المحسوسات والأجرام من تكثير الماء
بمجه في فرلادين وفي بئر الحديبية. الثانى: فيه جواز سماع الصغير وضبطه بالسنن. الثالث:
قال التيمي: فيه جواز مداعبة الصبي، إذ داعبه النبي، عليه الصلاة والسلام، فأخذ ماء من
الدلو فمجه في وجهه.
فائدة: تعقب ابن أبي صفرة على البخاري من ذكره حديث محمود بن الربيع في
اعتبار خمس سنين، وإعقاله حديث عبد الله بن الزبير، رضي الله عنهما، أنه رأى أباه يختلف
إلى بني قريظة في يوم الخندق ويراجعهم، ففيه السماع منه وكان سنه إذ ذاك ثلاث سنين،
أو أربع، فهو أصغر من محمود، وليس في قصة محمود ضبطه لسماع شيء، فكان ذكره
حديث ابن الزبير أولى لهذين المعنيين. وأجيب: بأن البخاري إنما أراد نقل السنن النبوية لا
الأحوال الوجودية، ومحمود نقل سنة مقصودة في كون النبي، عليه الصلاة والسلام، مج
مجة في وجهه لإفادته البركة، بل في مجرد رؤيته إياه فائدة شرعية يثبت بها كونه صحابياً.
وأما قصة ابن الزبير فليس فيها نقل سنة من السنن النبوية حتى يدخل في هذا الباب. وقال
الزركشي في (تنقيحه): ويحتاج المهلب إلى ثبوت أن قضية ابن الزبير صحيحة على شرط
البخاري. قلت: هذا غفلة منه، فإن قضية ابن الزبير المذكورة أخرجها البخاري في مناقب
الزبير في (الصحيح)، والجواب ما ذكرناه. والله أعلم.
١٩ - بابُ الخُرُوجِ في طَلَبِ العِلْمِ
أي: هذا باب في بيان الخروج لأجل طلب العلم، وأطلق الخروج ليشمل سفر البحر
والبر. وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول إقبال ابن عباس إلى
رسول الله عَّةٍ وهو في الصلاة، ودخوله فيها معه، ثم إخباره ذلك كله لمن روى عنه
الحديث. وفي ذلك كله معنى طلب العلم، ومعنى الخروج في طلبه، ومع هذا كان ذكر هذا
الباب عقيب باب ما ذكره في ذهاب موسى إلى الخضر في البحر أنسب وأليق على ما لا
١/٨٠٠١/٠
٠ جدة
i
i.
i
..- ١
١٣٠

١١٠
٣ - كتاب العلم / باب (١٩)
يخفى.
ورَحَلَ جَائِرُ بنُ عَبدِ اللَّهِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ إِلى عَبْدِ اللَّهِ بنِ أَتَيْسِ في حَدِيثٍ واحِدٍ.
الكلام فيه على أنواع. الأول: أنه أراد بذكر هذا الأثر المعلق التنبيه على فضيلة السفر
والرحلة في طلب العلم براً وبحراً.
الثاني: أن جابر بن عبد اللَّه هو الأنصاري الصحابي المشهور، وعبد اللَّه بن أنيس،
بضم الهمزة، مصغر أنس ابن مسعد الجهني، بضم الجيم وفتح الحاء، حليف الأنصار، شهد
العقبة مع السبعين من الأنصار، وشهد أحداً وما بعدها من المشاهد، وبعثه رسول الله، عَئێ،
وحده سرية. واختلف في شهوده بدراً. له خمسة وعشرون حديثاً، روى له مسلم حديثاً
واحداً في ليلة القدر، وروى له الأربعة. ولم يذكره الكلاباذي وغيره فيمن روى له البخاري،
وقد ذكر البخاري في كتاب (الرد على الجهمية): ويذكر عن جابر بن عبد اللَّه عن عبد اللَّه
بن أنيس، فذكره. توفي بالشام سنة أربع وخمسين في خلافة معاوية، رضي الله عنه، وفي
(سنن أبي داود) والترمذي: عن عبد اللَّه بن أنيس الأنصاري، عنه ابنه عيسى، ولعله الأول.
وفي الصحابة، أو أنيس عبد اللَّه بن أنيس، أو أنيس. قيل: هو الذي رمى ماعزاً لما رجموه
فقتله، وعبد الله بن أنيس قتل يوم اليمامة، وعبد اللَّه بن أنيس العامري له وفادة، ومن رواية
يعلى بن الأشدق وعبد اللَّهُ بن أبي أنيسة، قال الوليد بن مسلم: ثنا داود بن عبد الرحمن
المكي عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر سمعت حديثاً في القصاص لم يبق أحد
يحفظه إلاّ رجل بمصر يقال له، عبد اللَّه بن أبي أنيسة.
الثالث: قوله: ((في حديث واحد)) أي لأجل حديث واحد، وكلمة: في، تجيء للتعليل
كما في قوله تعالى: ﴿فذلكن الذي لمتنني فيه﴾ [يوسف: ٣٢] وقوله :: ﴿لمسكم فيما
أفضتم﴾ [النور: ١٤] وفي الحديث: ((أن امرأة دخلت النار في هرة حبستها)).
الرابع: قال ابن بطال: أراد بقوله: ((في حديث واحد))، حديث الستر على المسلم،
قيل: فيه نظر، لأنه يقال: إن أبا أيوب خالد بن زيد الأنصاري، رحل إلى عقبة بن عامر،
أخرجه الحاكم: حدثنا علي بن حماد، حدثنا بشر بن موسى، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان
عن ابن جريج عن أبي سعيد الأعمى عن عطاء بن أبي رباح قال: خرج أبو أيوب إلى عقبة بن
عامر يسأله عن حديث سمعه من رسول الله عَّةٍ، لم يبق أحد سمعه من رسول الله عَ ليه
غيره وغير عقبة، فلما قدم أبو أيوب منزل سلمة بن مخالد الأنصاري، أمير مصر، فأخبره،
فعجل عليه فخرج إليه فعانقه، ثم قال: ما جاء بك يا أبا أيوب؟ قال: حديث سمعته من
رسول الله عَّ لم يبق أحد سمعه من رسول الله، عليه السلام، غيري وغيرك في ستر
المؤمن. قال عقبة: نعم، سمعت رسول الله عَّله، يقول: ((من ستر مؤمناً في الدنيا على عورة
ستره الله يوم القيامة)). فقال له أبو أيوب: صدقت، ثم انصرف أبو أيوب إلى راحلته، فركبها
راجعاً إلى المدينة. وفي (مسند عبد اللَّه بن وهب)، صاحب مالك: أنبأنا عبد الجبار بن

١١١
٣ - كتاب العلم / باب (١٩)
عمر، حدثنا مسلم بن أبي حرة عن رجل من الأنصار عن رجل من أهل قبا أنه قدم مصر على
مسلمة بن مخلد، فقال: أرسل معي إلى فلان، رجل من الصحابة، قال: حسبت أنه قال:
سرق، قال: فذهب إليه في قريته، فقال: هل تذكر مجلساً كنت أنا وأنت فيه مع النبي عَّه
ليس أحد معنا؟ قال: نعم. قال: كيف سمعته يقول؟ فقال: سمعته يقول: ((من أطلع من أخيه
على عورة ثم سترها، جعلها الله له يوم القيامة حجاباً من النار)). قال: كنت أعرف ذلك،
ولكن أوهمت الحديث فكرهت أن أحدث به على غير ما كان، ثم ركب راحلته ورجع.
وقال ابن وهب: أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبيه عن مولى لخارجة عن أبي صياد الأسود
الأنصاري، وكان عريفهم، أن رجلاً قدم على مسلمة بن مخلد، فلم ينزل، وقال: أرسل معي
إلى عقبة بن عامر، فأرسل معه أبا صياد، فقال الرجل لعقبة: هل تذكر مجلساً لنا فيه عند
النبي، عليه الصلاة والسلام؟ فقال: نعم. فقال: ((من ستر عورة مؤمن كانت له كموؤودة
أحياها) فقال عقبة: نعم، فكبر الرجل، قال: لهذا ارتحلت من المدينة، ثم رجع. والصحيح أن
المراد من قوله: في حديث واحد، هو الذي أخرجه البخاري في كتاب (الرد على الجهمية)
آخر الكتاب، فقال: ونذكر عن جابر بن عبد اللَّه عن عبد اللَّه بن أنيس: سمعت النبي، عليه
الصلاة والسلام، يقول: ((يحشر الله العباد فيناديهم، بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من
قرب: أنا الملك أنا الديان)) لم يزد البخاري على هذا، ورواه أحمد وأبو يعلى في
(مسنديهما) من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل أنه سمع جابر بن عبد اللَّه يقول: بلغني
عن رجل حديث سمعه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فاشتريت بعيراً، ثم شددت
رحلي فسرت إليه شهراً حتى قدمت الشام، فإذا عبد اللَّه بن أنيس، فقلت للبواب: قل له جابر
ابن عبد اللَّه على الباب. فقال: ابن عبد اللَّه؟ قلت: نعم. فخرج فاعتنقني، فقلت: حديث
بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله، عليه الصلاة والسلام، فخشيت أن أموت قبل أن
أسمعك. فقال: سمعت رسول الله عَ ليه يقول: ((يحشر الله الناس يوم القيامة عراة غرلاً بهماً،
فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان، لا ينبغي لأهل
الجنة أن يدخل الجنة واحد من أهل النار يطلبه بمظلمة حتى يقتصه منه حتى اللطمة قال:
وكيف، وإنما نأتي عراة غرلاً؟ قال: بالحسنات والسيئات)) وأخرجه ابن أبي عاصم في كتاب
العلم عن شيبان: حدثنا همام، حدثنا القاسم بن عبد الواحد، حدثني عبد الله بن محمد بن
عقيل أن جابراً حدثه ... إلى آخره. وأخرجه أيضاً الحارث بن أبي أسامة في مسنده عن هدية
عن همام بسنده نحوه.
وأخرجه أيضاً نصر المقدسي في كتاب (الحجة على تارك المحجة) عن علي ابن
طاهر: حدثنا الحسين بن خراش، حدثنا أحمد بن إبراهيم، ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا أبو
الوليد الطيالسي، ثنا همام إلى آخره. فإن قلت: ذكر أبو سعيد بن يونس بسنده عن جابر
قال: بلغني حديث في القصاص عن عقبة بن عامر، وهو بمصر، فاشتريت بعيراً فشددت عليه
رحلاً وسرت إليه شهراً حتى أتيت مصر وذكر الحديث. وأخرجه الطبراني في مسند
i
i
i
i

١١٢
٣ - كتاب العلم / باب (١٩)
الشاميين، وتمام في (فوائده) من طريق الحجاج بن دينار عن محمد بن المنكدر عن جابر،
قال: كان بلغني عن النبي عَّه حديث في القصاص، وكان صاحب الحديث بمصر،
فاشتريت بعيراً فسرت حتى وردت مصر، فقصدت إلى باب الرجل ... ، فذكر نحو الحديث
المذكور، وإسناده صالح. وروى الخطيب في كتاب (الرحلة)، من حديث عبدالوارث بن
سعيد عن القاسم بن عبد الواحد عن ابن عقيل عن جابر قال: تقدمت على ابن أنيس
بمصر ... ورواه أيضاً، من طريق عيسى الغنجار عن عمر بن صالح عن مقاتل بن حبان عن أبي
جارود العبسي عن جابر، فأتيت مصر فإذا هو بباب الرجل، فخرج إليَّ وفيه: ((والرب على
عرشه ينادي بصوت رفيع غير فظيع)) ... الحديث. قلت: يحتمل أن يكون واقعتين: إحداهما
لعبد الله بن أنيس، والأخرى: لعقبة بن عامر، رضي الله عنهما. قوله: ((عراة)) جمع عار. قوله:
(غرلا))، بضم الغين المعجمة وسكون الراء جمع أغرل وهو: الأقلف. وقوله: ((بهما))، بضم
الباء الموحدة، قال الجوهري: ليس معهم شيء، ويقال أصحاء. قلت: يعني ليس فيهم شيء
من العاهات: كالعمى والعور وغيرهما، وإنما أجساد صحيحة للخلود، إما في الجنة وإما في
النار. والبهم في الأصل الذي يخالط لونه لون سواد. قوله: ((فيناديهم بصوت)) قال القاضي
المعنى يجعل ملكاً ينادي، أو يخلق صوتاً ليسمعه الناس، وأما كلام الله تعالى فليس بحرف
ولا صوت، وفي رواية أبي ذر ((فينادي بصوت)) على ما لم يسم فاعله.
الخامس: ادعت جماعة أن البخاري قد نقض قاعدته، وذلك أن من قواعده أنه یذ کر
التعليق إذا كان صحيحاً بصيغة الجزم. وإذا كان ضعيفاً بصيغة التمريض، وهنا قال: ورحل
جابر بن عبد اللَّه بصيغة الجزم، وقال في أواخر (صحيحة): ويذكر جابر بصيغة التمريض،
وأجاب عنه الشيخ قطب الدين بأنه جزم: بالرحلة دون الحديث، فعند ما ذكر الحديث أتى
بصيغة التمريض، فقال: ويذكر عن جابر بن عبد اللَّه.
٧٨/٢٠ - حدّثنا أَبُو القاسِمِ خالِدُ بنُ خلِيٍّ قال: حدّثنا مُحمَّدُ بنُ حَزْبٍ قال: قال
الأَوْزَاعِيُّ: أخبرنا الزُّهْرَي عنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بِنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُثْبَةَ بنِ مَسْعُودٍ عن ابن عَبَّاس أنَّهُ
تَارَى هُوَ والحُرّ بِنُ قَيْسِ بنِ حصْنِ الفَزَاريُّ فِي صاحِبٍ مُوسَى، فَمَرَّ بِهِمَا أَبَيُّ بِنُ كَغْبٍ،
فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فقال: إِنِّي تَمَارَنتُ أنا وصاحِبِي هَذا فيٍ صاحِبٍ مُوسى الَّذِي سأَل السَّبِيلَ
إِلَى لُقِيِّه، هَلْ سَمِعْتَ رسولَ الله عَلْ يَذْكُرُ شَأْنَه؟ فقال أَبَيِّ: نَعَمْ! سَمِعْتُ النَّبِيَّ عَلَّهِ يَذْكُرُ
شأْنَهُ يَقُولُ: ((بَيْتَما مُوسَى فِي مَلأٍ مِنْ تَتِي إِسْرائيلَ إِذْ جاءَّهُ رَجُلٌ فقال: أَتَعْلَمُ أَحَداً أُعْلَمَ منْكَ؟
قال مُوسَى: لاَ. فَأَوْحَى الله - عَزَّ وجلَّ - إِلَى مُوسَى: بَلَى عَبْدُنا خَضِرٌ، فَسَأَلَ السَّبِيلَ إِلَىَّ لُّقِيُّهِ
فَجَعَلَ الله لَهُ الُوتَ آيَّةً وَقِيلَ لَهُ إِذَا فَقَدْتَ الُوتَ فَارْجِعْ فإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، فَكان مُوسَى مَِّ
يَتْبِعُ أَثَرَ الحُوتِ فِي البخرِ، فقال فَتَى مُوسَى لِمُوسَى: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلى الصَّخْرَةِ فانِّي
نَسيتُ الحُوتَ وما أَنْسانِيهِ إِلا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣] قال مُوسى ﴿ذَلِكَ ما كُنَّا
نَبْغِي، فَارْتَدًّا علَى آثارِهِما قَصَصَا﴾ [الكهف: ٦٤] فَوَجدا خَضِراً، فَكان مِنْ شَأنهمًا ما قَصَّ الله
في كتابه)). [انظر الحديث: ٧٤ وأطرافه].

١١٣
٣ - كتاب العلم / باب (١٩)
مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة، وقد عقد على هذا الحديث بابين بترجمتين. الأول:
باب ما ذكر في ذهاب موسى، عليه السلام، في البحر إلى الخضر. والثاني: هذا الباب.
والتفاوت في بعض الرواة، فإن هناك: عن محمد بن غرير عن يعقوب عن إبراهيم عن
أبيه عن صالح عن ابن شهاب هو الزهري: وههنا: عن أبي القاسم خالد بن خلي عن محمد
بن حرب عن الأوزاعي عن الزهري، وكذا التفاوت في بعض الألفاظ. فإن هناك: قال ابن
عباس: هو خضر، بعد قوله: في صاحب موسى، وقبل قوله: فمر بهما أبي بن كعب. وهناك:
هل سمعت النبي ◌َّله؟ وههنا: هل سمعت رسول الله عَّله؟ وهناك: قال: نعم، سمعت
رسول الله عٍَّ. وههنا: نعم، سمعت النبي عَّه يذكر شأنه. وهناك: جاء رجل في أكثر
الروايات، وههنا: إذ جاءه. وهناك: فقال: هل تعلم أحداً؟ وههنا: فقال: تعلم أحداً؟ وهناك:
فكان يتبع الحوت، وههنا: فكان موسى يتبع أثر الحوت. وهنالك: فقال لموسى فتاه: أريت؟
وههنا: فقال فتى موسى لموسى: أرأيت؟ ووقع ههنا في رواية ابن عساكر: تمارى والحر بغير
لفظه هو، وهو عطف على المرفوع المتصل بغير التأكيد بالمنفصل، وذلك جائز عند
الكوفيين وقد مر الكلام فيه هناك مستوفى.
وكذا الكلام في رجاله ما خلا شيخ البخاري والأوزاعي، أما شيخه فهو أبو القاسم
خالد بن خلي الحمصي الكلاعي من حديث عبد الوارث بن سعيد عن القاسم بن عبد
الواحد عن ابن عقيل عن جابر، انفرد به البخاري عن مسلم، وهو قاضي حمص، صدوق،
أخرج له ههنا، وفي (التعبير)، روى عن بقية وطبقته، وعنه ابنه محمد وأبو زرعة الدمشقي،
وأخرج له من أهل السنن: النسائي فقط. وخلي، بفتح الخاء المعجمة وكسر اللام وتشديد
الياء، على وزن: علي، وقال بعضهم: وقع عند الزركشي مضبوطاً بلام مشددة، وهو سبق
قلم، أو خطأ من الناسخ قلت: ليس الزركشي ضبطه هكذا، وإنما قال: بخاء معجمة مفتوحة
ولام مكسورة وياء مشددة بوزن علي. وأما الأوزاعي فهو أحد الأعلام أبو عمرو عبد الرحمن
بن عمرو بن يحمد، وقيل: كان اسمه عبد العزيز فسمى نفسه عبد الرحمن، أحد أتباع
التابعين، كان يسكن دمشق خارج باب الفراديس ثم تحول إلى بيروت فسكنها مرابطاً إلى أن
مات في سنة سبع وخمسين ومائة، آخر خلافة أبي جعفر، دخل الحمام فذهب الحمامي في
حاجة وأغلق عليه الباب، ثم جاء ففتح عليه الباب فوجده ميتاً متوسداً يمينه مستقبل القبلة،
رحمه الله. وكان مولده ببعلبك سنة ثمان وثمانين، وكان أصله من سبي الهند، روى عن
عطاء ومكحول وغيرهما، ورأى ابن سيرين، وعنه قتادة ويحيى بن أبي كثير وهما من
شيوخه، وكان رأساً في العبادة والعلم، وكان أهل الشام والمغرب على مذهبه قبل انتقالهم
إلى مذهب مالك، وسئل عن الفقه، يعني: استفتي، وهو ابن ثلاث عشرة، وقيل: إنه أفتى في
ثمانين ألف مسألة. ونسبته إلى الأوزاع، بفتح الهمزة، قيل: إنها قرية بقرب دمشق خارج باب
الفراديس، سميت بذلك لأنه سكنها في صدر الإسلام قبائل شتى، وقيل: الأوزاع، بطن من
حمير. وقيل: من همدان بسكون الميم، وقيل: هو نسبة إلى أوزاع القبائل: أي: فرقها
عمدة القاري/ج٨٥/٢
i
i
أجود
i

١١٤
٣ - كتاب العلم / باب (٢٠)
وبقاياها مجتمعة من قبائل شتى.
بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة. ومنها: أن فيه: حدثنا
محمد بن حرب قال الأوزاعي، وفي رواية الأصيلي: حدثنا الأوزاعي. ومنها: أن فيه: أخبرنا
الزهري، وفي الطريق السابقة عن صالح عن ابن شهاب، وابن شهاب هو الزهري، وهذا
الاختلاف من جملة ضبط البخاري وقوة احتياطه حيث يقول تارة: ابن شهاب، وتارة:
الزهري، وتارة: محمد بن مسلم، لأنه ينقله في كل موضع باللفظ الذي نقله شيخه.
٢٠ - باب فَضْل مَنْ عَلِمَ وعلَّمَ
أي: هذا باب في بيان فضل من علِم، بتخفيف اللام المكسورة، أي: صار عالماً،
وعلّم، بفتح اللام المشددة، من التعليم؛ أي: علم غيره.
وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول هو بيان حال العالم
والمعلم، وهذا الباب في بیان فضلهما.
٧٩/٢١ - حدّثنا مُحمَّدُ بنُ العَلاءِ قال: حدّثنا حَمَّادُ بنُ أُسامةَ عنْ بُرئِدِ بن عبد اللَّه
عنْ أبي بُرْدَةً عِنْ أَبي مُوسى عن النَّبيِّ عَ لَّهِ قال: ((مَثَلُ ما بَعثَنِي الله بِهِ مِنَ الهُدَى والعِلْمِ
كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أصابَ أَرْضاً، فَكَانَ مِنْها نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الماءَ فَأَنْبَتِ الكَلأُ والعُشْبَ الكَثِيرَ،
وكانَتْ مِنْها أجادبُ أمْسَكَتِ الماءَ فَتَفَعَ الله بِها النَّاسَ فَشَرُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصابَتْ مِنْها
طائِقَةٌ أُخْرَى إِنَّا هِيَ قِيعانٌ لاَ تُمْسِكُ ماءً ولا تُنْبِتُ كَلاً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُّهَ فِي دِينِ اللهِ ونَفَعَهُ
ما بَعَثَنِي الله بِ فَعَلِمَ وعَلَّمَ. وَمَثَلُ مَنْ لَم يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْساً وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللهِ الَّذِي أَرْسِلْتُ
به».
مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة، لأن الباب معقود على قوله في الحديث: فعلِم
وعلّم، وفضل من باشر العلم والتعليم ظاهر منه، لأنه في معرض المدح على سبيل التمثيل
على ما نبينه عن قريب، إن شاء الله تعالى.
بيان رجاله: وهم خسمة: الأول: محمد بن العلاء، بالمهملة وبالمد، ابن كريب
الهمداني، بسكون الميم والدال المهملة، المكنى بأبي كريب، بضم الكاف، مصغر کرب،
بالموحدة. وشهرته بالكنية أكثر. روى عنه الجماعة وآخرون، وهو صدوق لا بأس به، وهو
مكثر. قال أبو العباس بن سعيد: ظهر له بالكوفة ثلاث مائة ألف حديث، مات سنة ثمان
وأربعين ومائتين. الثاني: أبو أسامة حماد بن أسامة بن زيد الهاشمي القرشي الكوفي، مولى
الحسن بن علي أو غيره، وشهرته بكنيته أكثر. روى عن بريد وغيره، وأكثر عن هشام ابن
عروة، له عنه ستمائة حديث، وعنه الشافعي وأحمد وغيرهما، وكان ثقة ثبتاً صدوقاً حافظاً
حجةً إخبارياً، روي عنه أنه قال: كتبت بإصبعي هاتين مائة ألف حديث، مات سنة إحدى
ومائتين وهو ابن ثمانين سنة، فيما قيل، وليس في (الصحيحين) من هو بهذه الكنية سواه،

١١٥
٣ - كتاب العلم / باب (٢٠)
وفي النسائي أبو أسامة الرقي النخعي زيد بن علي بن دينار، صدوق، وليس في الكتب الستة
من اشتهر بهذه الكنية سواهما، روى له الجماعة. الثالث: بريد، بضم الباء الموحدة وفتح
الراء وسكون الياء آخر الحروف وبالدال المهملة: ابن عبد اللَّه بن أبي بردة بن أبي موسى
الأشعري، والمكنى بأبي بردة الكوفي وقد تقدم. الرابع: أبو بردة، بضم الباء الموحدة وسكون
الراء: عامر بن أبي موسى الأشعري، وقد تقدم. الخامس: أبو موسى عبد اللَّه بن قيس
الأشعري، وقد تقدم.
i
بيان لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة. ومنها: أن بريداً يروي عن جده،
وجده عن أبيه، وهذه لطيفة. ومنها: أن رواته كلهم كوفيون. ومنها: أن فيه عن أبي بردة عن
أبي موسى، ولم يقل: عن أبي بردة عن أبيه. قال بعضهم: إنما قال ذلك تفنناً. قلت: التفنن هوٍ
التنوع في أنواع الكلام وأساليبه من الفن واحد الفنون، وهي الأنواع، ولا يكون ذلك إلاّ
باختلاف العبارات، وليس ههنا إلاَّ عبارة واحدة فكيف يكون من هذا القبيل.
بيان من أخرجه غيره: أخرجه البخاري ههنا فقط. وأخرجه مسلم في (فضائل النبي
عَّه) عن أبي بكر بن أبي شيبة وعبد اللَّه بن براد وأبي كريب، والنسائي في (العلم) عن
القاسم بن زكريا الكوفي، ثلاثتهم عن أبي أسامة عنه به.
بيان اللغات: قوله: ((مثل))، بفتح الميم والثاء المثلثة: المراد به ههنا الصفة العجبية لا
القول السائر. قوله: ((من الهدى))، قال الجوهري: الهدى الرشاد، والدلالة، يذكر ويؤنث.
يقال: هداه الله للدين هدى، وهديته الطريق والبيت هداية، أي: عرفته، هذه لغة أهل الحجاز
وغيرهم. تقول: هديته إلى الطريق وإلى الدار، حكاها الأخفش، وهدى واهتدى بمعنى، وفي
الاصطلاح: الهدى: هو الدلالة الموصلة إلى البغية. قوله: ((والعلم)) هو صفة توجب تمييزاً لا
يحتمل متعلقه النقيض، والمراد به ههنا الأدلة الشرعية. قوله: ((الغيث)) هو المطر، وغيثت
الأرض فهي مغيثة ومغيوثة. يقال: غاث الغيث الأرض إذا أصابها. وغاث الله البلاد يغيثها غيئاً.
قوله: ((نقية))، بفتح النون وكسر القاف وتشديد الياء آخر الحروف: من النقاء، هكذا هو عند
البخاري في جميع الروايات، ووقع عند الخطابي والحميدي، وفي حاشية أصل أبي ذر:
ثغبة، بفتح الثاء المثلثة وكسر الغين المعجمة بعدها باء موحدة خفيفة مفتوحة، قال الخطابي:
هي مستنقع الماء في الجبال والصخور، وقال الصغاني: الثغب، بالتحريك: الغدير، يكون في
ظل جبل لا تصيبه الشمس فيبرد ماؤه، والجمع: ثغبان. مثل: شبث وشبثان. وقد يسكن
فيقال: ثغب، ويجمع على: ثغبان، مثل: ظهر وظهران. ويجمع على: ثغاب أيضاً. وقال
صاحب (المطالع): هذه الرواية غلط من الناقلين وتصحيف، وإحالة للمعنى لأنه إنما جعلت
هذه الطائفة الأولى مثلاً لما تنبت، والثغبة لا تنبت، ويروى: بقعة، ويروى: ((طيبة)). كما في
رواية مسلم. قوله:
١
((قبلت الماء)): من القبول، وهي بفتح القاف وكسر الباء الموحدة، قال الشيخ قطب
الدين: وهذا الموضع لا خلاف فيه. قلت: أشار به إلى أن الخلاف في قوله: قال إسحاق:
١

١١٦
٣ - كتاب العلم / باب (٢٠)
وكان منها طائفة قبلت الماء، يعني: هل يقال فيه بالباء الموحدة، أو بالياء آخر الحروف على
ما يجيء عن قريب إن شاء الله تعالى؟ وقال بعضهم: كذا هو في معظم الروايات. ووقع عند
الأصيلي: قيلت، بتشديد الياء آخر الحروف. قلت: ذكر هذا ههنا غير مناسب، لأن هذا
الموضع لا خلاف فيه، كما قاله الشيخ قطب الدين، وإنما يذكر هذا عند قول إسحاق. قوله:
((الكلا))، بفتح الكاف واللام، وفي آخره همزة بلا مد. قال الصغاني: الكلأ العشب، وقد
كلفت الأرض فهي كليئة، ثم قال في باب العشب: العشب الكلأ الرطب، ولا يقال له
حشيش حتى يهيج، وأعشبت الأرض إذا أنبتت العشب. وقال في باب الحشيش: الحشيس
الكلأ اليابس، ولا يقال له: رطب حشيش. قلت: علم من كلامه أن الكلأ يطلق على الرطب
من النبات واليابس منه، وكذا صرح به ابن فارس والجوهري والقاضي عياض: الكلا يطلق
على الرطب واليابس من النبات، وفهم من قول الصغاني أيضاً أن الحشيش لا يطلق على
الرطب، كذا صرح به الجوهري، وهو منقول عن الأصمعي ذكره البطليوسي في (أدب
الكتاب) ونقل عن أبي حاتم إطلاقه عليه. وقال الكرماني: الكلأ، بالهمزة: هو النبات يابساً
ورطباً، وأما العشب والخلاء مقصوراً فمختصان بالرطب، والحشيش مختص. باليابس. قلت:
قال الجوهري: الخلاء، مقصور: الحشيش اليابس، الواحدة خلاءة. والصواب مع الكرماني،
فالجوهري سهى فيه لأن الخلاء الرطب، فإذا يبس فهو حشيش. قوله: (أجادب))، بالجيم
وبالدال المهملة: جمع جدب على غير قياس، كما قالوا في: حسن، جمعه: محاسن.
والقياس أنه جمع: محسن، أو جمع: جديب. وهو من الجدب الذي هو القحط، والأرض
الجدبة التي لم تمطر، والمراد ههنا الأرض التي لا تشرب لصلابتها فلا تنبت شيئاً. وفي
(العباب): أرض جدية وجدوب أيضاً، وأرضون جدوب، ومكان جدب وجديب بين الجدوبة،
وعام جدب، وأجدب القوم أصابهم الجدب، وأجدبت أرض كذا أي: وجدتها جدبة. وقال
ابن السكيت: جادبت الإبل العام إذا كان العام محلاً، فصارت لا تأكل إلاَّ الدرين الأسود
ودرين الثمام، وهكذا هو عامة الروايات في البخاري، ورواية مسلم أيضاً هكذا، وضبطه
المازري بالذال المعجمة، وكذا ذكره الخطابي، وقال: هي صلاب الأرض التي تمسك الماء.
وقال القاضي: هذا وهم. قلت: إن صح ما قاله الخطابي يكون من الجذب، وهو انقطاع
الريق، قاله أبو عمرو. ويقال للناقة إذا قل لبنها: قد جذبت فهي جاذب، والجمع: جواذب،
وجذاب أيضاً، مثل: نائم ونيام، ورواها الإسماعيلي عن أبي يعلى عن أبي كريب: أحارب،
بحاء وراء مهملتين. قال الإسماعيلي: لم يضبطه أبو يعلى، وقال الخطابي: ليست هذه الرواية
بشيء. قلت: إن صح هذا يكون من الحرباء، وهي النشر من الأرض، ومثل هذه لا تمسك
الماء لأنه ينحدر عنها.
وقال الخطابي: قال بعضهم: أجارد، بجيم وراء ثم دال مهملة: جمع جرداء، وهي
البارزة التي لا تنبت شيئاً. قال: وهو صحيح المعنى إن ساعدته الرواية. وقال الأصمعي:
الأجارد من الأرض التي لا تنبت الكلاً، معناه: أنها جرداء بارزة لا يسترها النبات. وفي رواية
Fig+
١

١٣٩٢
١١٧
: ٣ - كتاب العلم / باب (٢٠)
أبي ذر: إخاذات، بكسر الهمزة والخاء والذال المعجمتين وفي آخره تاء مثناة من فوق،
جمع.، إخاذة: وهي الأرض التي تمسك الماء، ويقال: هي الغدران التي تمسك الماء. وقال
أبو الحسين عبد الغافر الفارسي: هو الصواب. وقال الشيخ مغلطاي: قال بعضهم: إنما هي
أخذات سقط منها الألف، والأخذات مساكات الماء، واحدتها أخذة. قلت: على ما قاله
البعض ينبغي أن تفتح الهمزة في الأخذات، وفي الأخذة أيضاً الذي هو مفردها وليس
كذلك، بل هي بكسر الهمزة في الجمع والمفرد. وفي (العباب): الأخذ جمع إخاذ وهو
كالغدير مثال: كتاب وكتب، وقال أبو عبيدة: الأخاذة والأخاذ، بالهاء وبغير الهاء، صنع للماء
ليجتمع فيه، وسمي إخاذاً لأنه يأخذ ماء السماء، ويقال له: المساكة لأنه تمسكه. ونهيا ونهيا
وتنهية: لأنه ينهاه ويحبسه ويمنعه من الجري، ويسمى حاجزاً لأنه يحجزه، حائراً لأنه يحار
الماء فيه فلا يدري كيف يجري. وقال صاحب (المطالع): هذه كلها منقولة مروية. قلت:
وليس في (الصحيحين) إلاّ روايتان. وقال القاضي عياض في (شرح مسلم): لم يُرو هذا
الحرف في مسلم وغيره إلاَّ بالدال المهملة، من الجدب الذي ضد الخصب، وعليه شرح
الشارحون. قوله: ((وسقوا)) قال أهل اللغة: سقى وأسقى بمعنى لغتان، وقيل: سقاه: ناوله
ليشرب، وأسقاه: جعل له سقيا. قوله: ((طائفة) أي قطعة أخرى من الأرض. قوله: ((قيعان))،
بكسر القاف: جمع القاع وهي الأرض المتسعة. وقيل: الملساء، وقيل: التي لا نبات فيها
وهذا هو المراد في الحديث. قلت: أصل قيعان: قوعان، قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما
قبلها، والقاع يجمع أيضاً على: قوع وأقواع. والقيعة بكسر القاف بمعنى القاع. قوله: ((من
فقه)) قال النووي: روي هنا بالوجهين، بالضم والكسر والضم أشهر، قلت: الفقه: الفهم، يقال
فقه بكسر القاف كفرح يفرح، وأما الفقه الشرعي فقالوا: يقال منه فقه، بضم القاف، وقال ابن
دريد بكسرها، والمراد به ههنا هو الثاني، فتضم القاف على المشهور، على قول ابن دريد
تکسر، وقد مر الكلام مستوفی.
بيان الإعراب: قوله: (مثل ما)) كلام إضافي مبتدأ وخبره، قوله: ((كمثل الغيث)) و: ما،
موصولة: ((وبعثني الله)) جملة صلتها، والعائد قوله: به. قوله: ((من الهدى)) كلمة من، بيانية.
قوله: ((والعلم) بالجر عطف عليه. قوله: ((أصاب أرضاً)) جملة من الفعل والفاعل والمفعول في
محل النصب على الحال، بتقدير: قد. قوله: ((فكان)) الفاء للعطف. ((ونقية)) بالرفع اسم كان.
((ومنها) مقدماً خبره، قوله: ((قبلت الماء)) جملة من الفعل والفاعل والمفعول في محال الرفع
على أنها صفة لنقية. قوله: ((فأنبتت)، عطف على: قبلت، و: الكلأ، منصوب به، و: العشب،
عطف عليه، و: الكثير، بالنصب صفة العشب. قوله: ((وكانت)) عطف على قوله: ((فكان))، و:
(أجادب))، بالرفع اسم: كان وخبره قوله: (منها)) مقدماً. قوله: ((أمسكت الماء)) جملة من
الفعل والفاعل والمفعول في محل الرفع على أنها صفة: أجادب. قوله: ((فنفع الله)) جملة
معطوفة على التي قبلها، و: الفاء، التعقيبية. يكون التعقيب فيها بحسب الشيء الذي يدخل
فيه. قوله: ((فشربوا وسقوا وزرعوا)) جمل عطف بعضها على بعض. قوله: ((وأصاب)) عطف
i

١١٨
٣ - كتاب العلم / باب (٢٠)
على قوله: ((أصاب أرضاً))، والضمير فيه يرجع إلى: الغيث. كما في: أصاب، الأول. و:
طائفة، منصوب به لأنه مفعول، و: أخرى، صفة طائفة.
قوله: (منها) حال متقدم من طائفة، وقد علم أن الحال إذا كان عن نكرة تتقدم على
صاحبها. وفي رواية الأصيلي وكريمة: ((أصابت))، والتقدير: أصابت طائفة أخرى. ووقع كذلك
صريحاً عند النسائي. قوله: ((إنما هي قيعان)) أي: ما هي إلاَّ قيعان لأن: إنما، من أدوات
الحصر، و: هي، مبتدأ، و: قيعان، خبره. قوله: ((لا تمسك ماء)) في محل الرفع لأنه صفة:
قيعان. قوله: ((ولا تنبت كلاً)) عطف عليه، وهو أيضاً صفته. قوله: ((فكذلك)) الفاء فيه
تفصيلية، وذلك إشارة إلى ما ذكر من الأقسام الثلاثة، وهو في محل الرفع على الابتداء.
وقوله: ((مثل من فقه)) كلام إضافي خبره. قوله: ((ونفعه))، جملة من الفعل والمفعول عطف
على: ((من فقه). وقوله: ((ما بعثني الله)) في محل الرفع على أنه فاعل لقوله: ونفعه، و: ما،
موصولة، ((وبعثني الله به)) جملة صلتها. قوله: ((فعلم) عطف على قوله: ((فقه))، و: علم،
عطف على: علم، قوله: ((ومثل من) كلام إضافي عطف على قوله: ((مثل من فقه)) و: من،
موصولة و: لم يرفع بذلك رأساً، صلتها. قوله: ((ولم يقبل)) عطف على: ((من لم يرفع)). و:
((هدى الله)) كلام إضافي مفعول: لم يقبل، وقوله: ((الذي أرسلت به))، في محل النصب لأنه
صفة هدى. و: أرسلت، مجهول، والضمير في: به، يرجع إلى: الذي. فافهم.
بيان المعاني: فيه عطف المدلول على الدليل: لأن الهدى هو الدلالة، والعلم هو
المدلول، وجهة الجمع بينهما هو النظر إلى أن الهدى بالنسبة إلى الغير أي التكميل، والعلم
بالنسبة إلى الشخص أي الكمال. ويقال: الهدى الطريقة، والعلم هو العمل، وفيه عطف
الخاص على العام: لأن العشب أعم من الكلأ، كما ذكرناه. والتخصيص بالذكر لفائدة
الاهتمام به لشرفه، ونحوه. وفيه حذف المفاعيل من قوله: ((فشربوا وسقوا وزرعوا))، لكونها
معلومة، ولأنها فضلة في الكلام. والتقدير: فشربوا من الماء وسقوا دوابهم وزرعوا ما يصلح
للزرع. وفيه ضرب الأمثال. وقال الخطابي: هذا مثل ضرب لمن قبل الهدى وعلم ثم علم
غيره فنفعه الله ونفع به، ومن لم يقبل الهدى فلم ينفع بالعلم ولم ينتفع به. قلت: فعلى هذا
لم يجعل الناس على ثلاثة أنواع، بل على نوعين. وقال الطيبي: القسمة الثنائية هي المتصورة،
وذلك أن: (أصاب منها طائفة))، معطوف على: أصاب أرضاً. و: كانت، الثانية معطوفة على:
كان، لا على: أصاب. وقسمت الأرض الأولى إلى النقية وإلى الأجادب، والثانية على
عكسها، وفي: كان، ضم وتر إلى وتر، وفي أصاب، ضم شفع إلى شفع، وهو نحو قوله
تعالى: ﴿إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات﴾ [الأحزاب: ٣٥] من جهة أنه
عطف الإناث على الذكور أولاً، ثم عطف الزوجين على الزوجين، وكذا ههنا عطف: كانت
على كانت، ثم عطف: أصاب على أصاب.
فالحاصل أنه قد ذكر في الحديث الطرفان العالي في الاهتداء والعالي في الضلال،
فعبر عمن قبل هدى الله والعلم بقوله: ((فقه))، وعمن أبى قبولها بقوله: ((لم يرفع بذلك رأساً)).

١١٩
٣ - كتاب العلم / باب (٢٠)
لأن ما بعدها وهو: نفعه ... إلى آخره، في الأول. ولم يقبل هدى الله ... إلى آخره، في الثاني
عطف تفسيري لفقه، ولقوله: ((لم يرفع)، وذلك لأن الفقيه هو الذي علم وعمل، ثم علّم غيره
وترك الوسط، وهو قسمان: أحدهما: الذي انتفع بالعلم في نفسه فحسب، والثاني: الذي لم
ينتفع هو بنفسه، ولكن نفع الغير. وقال المظهري في (شرح المصابيح): اعلم أنه ذكر في
تقسيم الأرض ثلاثة أقسام، وفي تقسيم الناس باعتبار قبول العلم قسمين: أحدهما من فقه
ونفع الغير، والثاني من لم يرفع به رأساً. وإنما ذكره كذلك لأن القسم الأول والثاني من أقسام
الأرض كقسم واحد من حيث إنه ينتفع به، والثاني هو ما لا ينتفع به، وكذلك الناس قسمان:
من يقبل ومن لا يقبل. وهذا يوجب جعل الناس في الحديث على قسمين: من ينتفع به ومن
لا ينتفع. وأما في الحقيقة فالناس على ثلاثة أقسام: فمنهم من يقبل من العلم بقدر ما يعمل
به ولم يبلغ درجة الإفادة، ومنهم من يقبل ويبلغ، ومنهم من لا يقبل. وقال الكرماني: ويحتمل
لفظ الحديث تثليث القسمة في الناس أيضاً، بأن يقدر قبل لفظة: نفعه، كلمة: من، بقرينة
عطفه على: من فقه، كما في قول حسان، رضي الله عنه:
٠٠٠٠
ـهجو رسول الله منكم ويمدحه وينصره سواء؟
أمن يـ
إذا تقديره: ومن يمدحه، وحينئذٍ يكون الفقيه بمعنى العالم بالفقه مثلاً في مقابلة
الأجادب، والنافع في مقابلة النقية على اللف والنشر غير المرتب، ومن لم يرفع في مقابلة
القيعان. فإن قلت: لمَ حذف لفظة: من؟ قلت: إشعاراً بأنهما في حكم شيء واحد، أي: في
كونه ذا انتفاع في الجملة كما جعل للنقية والأجادب حكماً واحداً، ولهذا لم يعطف بلفظ
أصاب في الأجادب. انتهى.
وقال النووي: معنى هذا التمثيل أن الأرض ثلاثة أنواع، فكذلك الناس. فالنوع الأول:
من الأرض ينتفع بالمطر فتحيي بعد أن كانت ميتة، وتنبت الكلا فينتفع به الناس والدواب.
والنوع الأول: من الناس يبلغه الهدى والعلم فيحفظه ويحيي قلبه ويعمل به ويعلمه غيره
فينتفع وينفع. والنوع الثاني: من الأرض: ما لا يقبل الانتفاع في نفسها، لكن فيها فائدة وهي
إمساك الماء لغيرها، فينتفع به الناس والدواب. وكذا النوع الثاني: من الناس: لهم قلوب
حافظة، لكن ليست لهم أذهان ثاقبة ولا رسوخ لهم في العلم يستنبطون به المعاني
والأحكام، وليس لهم اجتهاد في العمل به، فهم يحفظونه حتى يجيء أهل العلم للنفع
والانتفاع، فيأخذه منهم فينتفع به، فهؤلاء نفعوا بما بلغهم. والثالث: من الأرض: هو السباخ
التي لا تنبت، فهي لا تنتفع بالماء ولا تمسكه لينتفع به غيرها، وكذلك الثالث من الناس:
ليست لهم قلوب حافظة، ولا أفهام واعية، فإذا سمعوا العلم لا ينتفعون به ولا يحفظونه لنفع
غيرهم. الأول: المنتفع النافع، والثاني: النافع غير المنتفع. والثالث: غير النافع وغير المنتفع.
فالأول: إشارة إلى العلماء. والثاني إلى النقلة. والثالث: إلى من لا علم له ولا عقل. قلت:
الصواب مع الطيبي، لأن تقسيم الأرض، وإن كان ثلاثة بحسب الظاهر، ولكنه في الحقيقة
قسمان، لأن النوعين محمودان والثالث مذموم، وتقسيم الناس نوعان: أحدهما ممدوح، أشار
i
i
i
i
i

١٢٠
١٠٠٠
٣٥٢
٣٠!
٣ - كتاب العلم / باب (٢٠)
إليه بقوله: ((مثل من فقه في دين الله تعالى)) الخ والآخر مذموم، أشار إليه بقوله: ((ومثل من لم
يرفع بذلك رأساً)، وما ذكره الكرماني تعسف، وهذا التقدير الذي ذكره غير سائغ في
الاختيار. وباب الشعر واسع.
وأيضاً يلزمه أن يكون تقسيم الناس أربعة: الأول: قوله: (مثل من فقه في دين الله
تعالى)). والثاني: قوله: ((ونفعه ما بعثني الله به)) على قوله: والثالث: قوله: ((ومثل من لم يرفع
بذلك رأساً». والرابع: ((ولم يقبل هدى الله)). قوله: ((فتفع الله بها)) أي: بأجادب، وفي رواية
الأصيلي: به، وتذكيره الضمير باعتبار الماء. قوله: ((وزرعوا)) من الزرع، كذا رواية البخاري،
ولمسلم والنسائي وغيرهما: ((ورعوا))، من الرعي. قال النووي: كلاهما صحيح، ورجح
القاضي عياض رواية مسلم. وقال: هو راجع إلى الأولى، لأن الثانية لم يحصل منها نبات.
قلت: ويمكن أن يرجع إلى الثانية أيضاً، بمعنى أن الماء الذي استقر بها سقيت منه أرض
أخرى فأنبتت. وقال الشيخ قطب الدين: ويحتمل أن يريد بقوله: (ورعوا))، الناس الذي أخذوا
العلم عن الذين حملوه على الناس، وهم غير الأصناف الثلاثة على رأي جماعة. وروي:
ووعوا، وهو تصحيف. قوله: ((من لم يرفع بذلك رأساً) يعني: تكبر، يقال ذلك ويراد به أنه لم
يلتفت إليه من غاية تكبره.
بيان البيان: فيه تشبيه ما جاء به النبي، عليه الصلاة والسلام، من الدين بالغيث العام
الذي يأتي الناس في حال حاجتهم إليه، وتشبيه السامعين له بالأرض المختلفة. فالأول: تشبيه
المعقول بالمحسوس، والثاني: تشبيه المحسوس بالمحسوس، وعلى قول من يقول بتثليث
القسمة يكون ثلاث تشبيهات على ما لا يخفى، ويحتمل أن يكون تشبيهاً واحداً من باب
التمثيل، أي تشبيه صفة العلم الواصل إلى أنواع الناس من جهة اعتبار النفع وعدمه بصفة
المطر المصيب، إلى أنواع الأرض من تلك الجهة. قوله: ((فذلك مثل من فقه)) تشبيه آخر
ذكر كالنتيجة للأول، ولبيان المقصود منه. والتشبيه هو الدلالة على مشاركة أمر لأمر في
وصف من أوصاف أحدهما في نفسه: كالشجاعة في الأسد، والنور في الشمس. ولا بد فيه
من: المشبه، والمشبه به، وأداة التشبيه، ووجه الشبه. أما المشبه والمشبه به فظاهران، وكذا
أداة التشبيه وهي الكاف، وأما وجه الشبه فهو الجهة الجامعة بين العلم والغيث، فإن الغيث
يحيي البلد الميت، والعلم يحيي القلب الميت. فإن قلت: لم اختير الغيث من بين سائر
أسماء المطر؟ قلت: ليؤذن باضطرار الخلق إليه حينئذٍ، قال تعالى: ﴿وهو الذي ينزل الغيث
من بعد ما قنطوا﴾ [الشورى: ٢٨]. وقد كان الناس قبل المبعث قد امتحنوا بموت القلوب،
وتصوب العلم حتى أصابهم الله برحمة من عنده: وفيه التفصيل بعد الإجمال، فقوله: ((أصاب
أرضاً) مجمل، وقوله: ((فكان منها نقية)) إلى آخره ... تفصيل، فلذلك ذكره بالفاء. فإن قلت:
لِمَ كرر لفظة: مثل، في قوله: ((من لم يرفع))؟ أجيب: بأنه نوع آخر مقابل لما تقدم، فلذلك
کرره.
قال أبُو عَبْدِ اللَّهِ: قال إِسْحاقُ: وكانَ مِنْها طائفةٌ قَئِّلَتِ الماءَ أبو عبد اللَّه هو البخاري،