Indexed OCR Text
Pages 281-300
.-! ٢٨١ ٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (١٦) الحديث مطابق للترجمة لأنه أخذ جزءاً منه فبوب عليه كما هو عادته. بيان رجاله: وهم خمسة: الأول: عبد الله بن يوسف التنيسي، نزيل دمشق، وقد ذكره. الثاني: الإمام مالك بن أنس. الثالث: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري. الرابع: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي التابعي الجليل، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة على أحد الأقوال، وقال ابن المسيب: كان سالم أشبه ولد عبد الله بعبد الله، وعبد الله أشبه ولد عمر بعمر، رضي الله عنه، وقال مالك: لم يكن في زمن سالم أشبه بمن مضى من الصالحين في الزهد منه، كان يلبس الثوب بدرهمين. وقال ابن راهويه: أصح الأسانيد كلها: الزهري، عن سالم، عن أبيه. وكان أبوه يلام في إفراط حب سالم، وكان يقبله ويقول: ألا تعجبون من شيخ يقبل شيخاً؟ مات بالمدينة سنة ست ومائة، وقيل: خمس، وقيل: ثمان، وصلى عليه هشام بن عبد الملك، وله أخوة: عبد الله وعاصم وحمزة وبلال وواقد وزيد، وكان عبد الله وصى أبيهم فيهم، وروى عنه منهم أربعة: عبد الله وسالم وحمزة وبلال. الخامس: عبد الله بن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه. (بيان لطائف إسناده) ومنها: أن رجاله كلهم مدنيون ما خلا عبد الله. ومنها: أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة. ومنها: أن في رواية الأكثرين: أخبرنا مالك، وفي رواية الأصيلي: حدثنا مالك بن أنس، وفي رواية كريمة: مالك بن أنس، والحديث في الموطأ. (بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره:) أخرجه هنا عن عبد الله عن مالك، وأخرجه في البر والصلة عن أحمد بن يونس عن عبد العزيز بن أبي سلمة عن الزهري. وأخرجه مسلم هنا أيضاً عن الناقدي، وزهير عن سفيان، وعن عبد الله بن حميد عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري ولم يقع لمسلم لفظة: دعه، وأخرجه أبو داود والترمذي والنسائي أيضاً. (بيان اللغات): قوله: ((مر علي رجل)) يقال: مر عليه ومر به، بمعنى واحد. أي: اجتازه، وفي (العباب): مر عليه وبه يمر مراً، أي: اجتاز، وبنو يربوع يقولون: مر علينا بكسر الميم، ومر يمر مراً ومروراً وممراً أي ذهب، والممر موضع المرور أيضاً. والأنصار: جمع الناصر كالأصحاب جمع الصاحب، أو جمع النصير كالأشراف جمع الشريف. قوله: ((يعظ أخاه)) أي: ينصح أخاه من الوعظ وهو: النصح والتذكير بالعواقب. وقال ابن فارس: هو التخويف والإنذار. وقال الخليل بن أحمد هو التذكير بالخير فيما يرق القلب. وفي (العباب): الوعظ والعظة والموعظة مصادر قولك: وعظته عظة. قوله: ((دعه)) أي: اتركه، وهو أمر لا ماضي له، قالوا: أماتوا ماضي يدع ويذر. قلت: استعمل ماضي: دع، ومنه قراءة من قرأ ﴿ما ودعك ربك﴾ [الضحى: ٣] بالتخفيف فعلى هذا هو أمر من: ودع يدع، وأصل يدع: يودع، حذفت الواو فصار: يدع، والأمر: دع، وفي (العباب) قولهم: دع ذا أي: اتركه، وأصله، ودع يدع، وقد أميت ماضيه. لا يقال: ودعه، إنما يقال: تركه ولا: وادع، ولكن: تارك، وربما جاء في ضرورة الشعر: ودعه، فهو مودوع على أصله قال أنس بن زنيم: i • جزة٢٠ i i . جدر . ٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (١٦) ٢٨٢ غاله في الوعد حتى ودعه ليت شعري عن خليلي ما الذي ثم قال الصغاني: وقد اختار النبي عَّلِ أصل هذه اللغة فيما روي ابن عباس، رضي الله عنهما، أنه قال قرأ ﴿وما ودعك ربك﴾ [الضحى: ٣] بالتخفيف أعني؛ بتخفيف الدال، وكذلك قرأ بهذه القراءة: عروة ومقاتل وأبو حيوة وابن أبي عبلة ويزيد النحوي، رحمهم الله تعالی. بيان الإعراب: قوله: ((مر علي رجل)) جملة في محل الرفع لأنها وقعت خبراً، لأن قوله: ((من الأنصار)) صفة لرجل، والألف واللام فيه للعهد، أي: أنصار رسول الله عَّلِ الذين آووا ونصروا من أهل المدينة، رضي الله عنهم. قوله: ((وهو يعظ أخاه)) جملة إسمية محلها النصب على الحال. قوله: ((في الحياء)) يتعلق بقوله: يعظ، قوله: ((ودعه)) جملة من: الفعل والفاعل والمفعول لأنها وقعت مقول القول، قوله: ((فإن الحياء)) الفاء فيه للتعليل. بيان المعاني والبيان قوله: ((وهو يعظ أخاه)» يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون الرجل الذي وعظ أخاً للواعظ في الإسلام، على ما هو عرف الشرع، فعلى هذا يكون مجازاً لغوياً، أو حقيقة عرفية، والآخر وهو الظاهر: أن يكون أخاه في القرابة والنسب، فعلى هذا هو حقيقة، قوله: ((في الحياء)) فيه حذف، أي: في شأن الحياء وفي حقه ومعناه أنه ينهاه عنه ويخوفه منه، فزجره النبي عَ لُه عن وعظه، فقال: دعه، أي: اتركه على حيائه، فإن الحياء من الإيمان. وقال التيمي: الوعظ الزجر، يعني يزجره عن الحياء، ويقول له: لا تستحي، فقال رسول الله عَ له: دعه يستحي فإن الحياء من الإيمان، إذ الشخص يكف عن أشياء من مناهي الشرع للحياء، ويكثر مثل هذا في زماننا. وقال ابن قتيبة: معناه أن الحياء يمنع صاحبه من ارتكاب المعاصي، كما يمنع الإيمان فسمي إيماناً كما يسمى الشيء باسم ما قام مقامه، وقال بعضهم: الأولى أن نشرح يعني قوله: يعظ بما جاء عن المصنف في الأدب من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة عن ابن شهاب. ولفظه: ((يعاتب أخاه في الحياء يقول إنك لتستحي حتى كأنه يقول قد أضر بك)). انتهى. قلت: هذا بعيد من حيث اللغة، فإن معنى الوعظ الزجر، ومعنى العتب الوجد. وفي (العباب): عتبة عليه إذا وجد، يعتب عليه، ويعتب عتبا ومعتبا، على أن الروايتين تدلان على معنيين جليين ليس في واحد منهما خفاء حتى يفسر أحدهما بالآخر، غاية ما في الباب أن الواعظ المذكور وعظ أخاه في استعماله الحياء، وعاتبه عليه. والراوي حكى في إحدى روايتيه بلفظ الوعظ، وفي الأخرى بلفظ المعاتبة، وذلك أن الرجل كان كثير الحياء، وكان ذلك يمنعه من استيفاء حقوقه، فوعظه أخوه على مباشرة الحياء، وعاتبه على ذلك فقال النبي ◌َّهِ، ((دعه)) أي: اتركه على هذا الخلق الحسن لأن الحياء خير له في ذلك، بل في كل الأوقات وكل الحالات، يدل على ذلك، ما جاء في الرواية الأخرى: ((الحياء لا يأتي إلا بخير)). وفي رواية أخرى: ((الحياء خير كله)). فإن قلت: ما وجه التأكيد بأن في قوله: ((فإن الحياء من الإيمان)) وإنما يؤكد بأن ونحوها إذا كان المخاطب منكراً أو شاكاً؟ قلت: الظاهر أن المخاطب كان شاكاً بل كان ١٠٠٣٠ ٢٨٣ ٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (١٦) منكراً له، لأنه منعه من ذلك، فلو كان معترفاً بأنه من الإيمان لما منعه من ذلك، ولئن سلمنا أنه لم يكن منكراً لكنه جعل كالمنكر لظهور أمارات الإنكار عليه، ويجوز أن يكون هذا من باب التأكيد لدفع إنكار غير المخاطب، ويجوز أن يكون التأكيد من جهة أن القصة في نفسها مما يجب أن يهتم بها ويؤكد عليها، وإن لم يكن ثمة إنكار أو شك من أحد فافهم. وقال بعضهم: والظاهر أن الناهي ما كان يعرف أن الحياء من مكملات الإيمان، فلهذا وقع التأكيد. قلت: هذا كلام من لم يذق شيئاً ما من علم المعاني، فإن الخطاب لمثل هذا الناهي الذي ذكره لا يحتاج إلى تأكيد، لأنه ليس بمنكر ولا متردد، وإنما هو خالي الذهن، وهو لا يحتاج إلى التأكيد فإنه كما يسمع الكلام ينتقش في ذهنه على ما عرف في كتب المعاني والبيان. فإن قلت: ما معنى الحياء؟ قلت: قد فسرته فيما مضى عند قوله: ((والحياء شعبة من الإيمان)) وقال التيمي: الحياء الاستحياء، وهو ترك الشيء لدهشة تلحقك عنده، قال تعالى: ﴿ويستحيون نساءكم﴾ [البقرة: ٤٩، والأعراف: ١٤١، وإبراهيم: ٦] أي: يتركون، قال: وأظن أن الحياة منه لأنه البقاء من الشخص، وقال الكرماني: ليس هو ترك الشيء، بل هو دهشة تكون سبباً لترك الشيء قلت: التحقيق أن الحياء تغير وانكسار عند خوف ما يعاب أو يذم، وليس هو بدهشة ولا ترك الشيء، وإنما ترك الشيء من لوازمه. فإن قلت: يمنع ما قلت إسناده إلى الله تعالى في قوله: ﴿إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها﴾ [البقرة: ٢٦] قلت: هذا من باب المشاكلة، وهي أن يذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته، فلما قال المنافقون: أما يستحي رب محمد يذكر الذباب والعنكبوت في كتابه، أجيبوا: بأن الله لا يستحي، والمراد: لا يترك ضرب المثل بهذه الأشياء، فأطلق عليه الاستحياء على سبيل المشاكلة، كما في قوله: ﴿فيستحي منكم والله لا يستحي من الحق﴾ [الأحزاب: ٥٣] ومن هذا القبيل قوله، عليه السلام: ((إن الله حيي كريم يستحي إذا رفع إليه العبد يديه أن يردهما صفراً حتى يضع فيهما خيراً)، وهذا جار على سبيل الاستعارة التبعية التمثيلية، شبه ترك الله تعالى تخييب العبد ورد يديه صفراً بترك الكريم رد المحتاج حياء، فقيل: ترك الله رد المحتاج حياء، كما قيل: ترك الكريم رد المحتاج حياء، فأطلق الحياء ثمة كما أطلق الحياء ههنا، فلذلك استعير ترك المستحي لترك ضرب المثل، ثم نفى عنه. فإن قلت: ما معنى: من، في قوله: من الإيمان؟ قلت: معناه التبعيض، والدليل عليه قوله عَّ لم في الحديث السالف: ((الحياء شعبة من الإيمان)). فإن قلت: قد علم ذلك منه، فما فائدة التكرار؟ قلت: كان المقصود ثمة بيان أمور الإيمان، وأنه من جملتها، فذكر ذلك بالتبعية وبالعرض، وههنا ذكره بالقصد وبالذات مع فائدة مغايرة الطريق. فإن قلت: إذا كان الحياء بعض الإيمان فإن انتفى الحياء انتفى بعض الإيمان، وإذا انتفى بعض الإيمان انتفى حقيقة الإيمان، فينتج من هذه المقدمات انتفاء الإيمان عمن لم يستح، وانتفاء الإيمان كفر؟ قلت: لا نسلم صدق كون الحياء من حقيقة الإيمان، لأن المعنى: فإن الحياء من مكملات الإيمان، ونفي الكمال لا يستلزم نفي الحقيقة. نعم الإشكال قائم P i i i i ٢٨٤ ٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ / باب (١٧) على قول من يقول: الأعمال داخلة في حقيقة الإيمان، وهذا لم يقل به المحققون، كما ذكرنا فيما مضى، قلت: من فوائده الحض على الامتناع من قبائح الأمور ورذائلها، و کل ما يستحى من فعله، والدلالة على أن النصيحة إنما تعد إذا وقعت موقعها، والتنبيه على زجر مثل هذا الناصح. ١٧ - باب ﴿فَإِن ◌َابُوا وَأَقَّامُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: الكلام فيه على وجوه. الأول: أن قوله: باب، ينبغي أن لا يعرب، لأنه كتعديد الأسماء من غير تركيب، والإعراب لا يكون إلاّ بعد العقد والتركيب. وقال بعضهم: باب هو منون في الرواية، والتقدير: باب في تفسير قوله تعالى: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة﴾ [التوبة: ٥] وتجوز الإضافة، أي باب تفسير قوله، وإنما جعل الحديث تفسيراً للآية لأن المراد بالتوبة في الآية الرجوع عن الكفر إلى التوحيد ففسره قوله عَ له: ((حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله). قلت: فيه نظر من وجوه: الأول: أن قوله: باب، وهو منون في الرواية دعوى بلا برهان. فمن قال من المشايخ الكبار: إن هذه رواية ممن لا يعتمد على كلامهم على أن الرواية إذا خالفت الدراية لا تقبل، اللهم إلاّ إذا وقع نحو هذا في الألفاظ النبوية، فحينئذ يجب تأويلها على وفق الدراية، وقد قلنا: إن هذا بمفرده لا يستحق الإعراب إلاّ إذا قدرنا نحو: هذا باب، بالتنوين، أو بالإعراب بلا تنوين بتقدير الإضافة إلى الجملة التي بعده. الثاني: أن تقديره بقوله: باب في تفسير قوله تعالى، ليس بصحيح، لأن البخاري ما وضع هذا الباب في تفسير هذه الآية لأنه ليس في صدد التفسير في هذه الأبواب، وإنما هو في صدد بيان أمور الإيمان، وبيان أن الأعمال من الإيمان على ما يراه واستدل على ذلك في هذا الباب بالآية المذكورة وبالحديث المذكور، أما الآية فلأن المذكور فيها التوبة التي هي الرجوع من الكفر إلى التوحيد، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكذلك في الحديث المذكور فيه هذه الأشياء الثلاثة، فكما ذكر في الآية: أن من أتى بهذه الأشياء الثلاث فإنه يخلى، فكذلك ذكر في الحديث أن من أتى بهذه الأشياء الثلاثة فإنه قد يعصم دينه وماله إلا بحق، ومعنى التخلية والعصمة واحد ههنا، وهذا هو وجه المناسبة بين الآية المذكورة والحديث المذكور. النظر الثالث: أن قوله: ففسره قوله عليه السلام: ((حتى يشهدوا أن لا إلا الله وأن محمداً رسول الله عَّةٍ)) ليس كذلك، لأنه ما أخرج الحديث ههنا تفسيراً للآية، وإنما أخرجه ههنا لأجل الرد على المرجئة في قولهم: إن الإيمان غير مفتقر إلى الأعمال، على أنه قد روي عن أنس، رضي الله عنه، أن هذه الآية آخر ما نزل من القرآن ولا شك أن الحديث المذكور متقدم عليها، لأن النبي - عليه السلام - إنما أمر بقتال الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله في ابتداء البعثة، والمتقدم لا يكون مفسراً للمتأخر. الوجه الثاني في الكلام في الآية المذكورة وهو على أنواع: الأول: أن هذه الآية ١٠٠٠ ٢٨٥ ٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (١٧) الكريمة في سورة براءة، وأولها قوله عز وجل ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم﴾ [التوبة: ٥] نزلت في مشركي مكة وغيرهم من العرب. وذلك أنهم عاهدوا المسلمين ثم نكثوا إلاَّ ناساً منهم، وهم بنو ضمرة وبنو كنانة، فتبذوا العهد إلى الناكثين، وأمروا أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر آمنين إن شاؤوا لا يتعرض لهم، وهي الأشهر الحرم، وذلك لصيانة الأشهر الحرم من القتل والقتال فيها، فإذا انسلخت قاتلوهم، وهو معنى قوله ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين﴾ [التوبة: ٥] الآية. النوع الثاني في لغات الآية. فقوله: انسلخ، معناه: خرج يقال: انسلخ الشهر من سنته والرجل من ثيابه والحبة من قشرها، والنهار من الليل المقبل لأن النهار مكور على الليل فإذا انسلخ ضوؤه بقي الليل غاسقاً قد غشي الناس. وقال الزمخشري: انسلخ الشهر كقولهم انجرد الشهر، وسنة جرداء، والأشهر الحرم ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب الفرد الذي بين جمادى وشعبان. قوله: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ [التوبة: ٥] يعني: الذين نقضوكم وظاهروا عليكم. قوله: ﴿حيث وجدتموهم﴾ يعني من حل أو حرام. قوله ﴿وخذوهم﴾ [التوبة: ٥] يعني السروهم، والأخيذ: الأسير. قوله ﴿واحصروهم﴾ [التوبة: ٥] يعني: قيدوهم وامنعوهم من التصرف في البلاد، وعن ابن عباس، رضي الله عنهما: حصرهم أن يحال بينهم وبين المسجد الحرام. قوله: ﴿كل مرصد﴾ [التوبة: ٥] يعني: كل ممر ومجتاز ترصدونهم به. قوله ﴿فإن تابوا﴾ [التوبة: ٥] أي: عن الشرك ﴿وأقاموا الصلاة﴾ [التوبة: ٥] أي: أدوها في أوقاتها ﴿وآتوا الزكاة﴾ أي: أعطوها قوله: ﴿فخلوا سبيلهم﴾ يعني أطلقوا عنهم قيد الأسر والحصر، أو معناه: كفوا عنهم ولا تتعرضوا لهم لأنهم عصموا دماءهم وأموالهم بالرجوع عن الكفر إلى الإسلام وشرائعه، وعن ابن عباس: دعوهم وإتيان المسجد الحرام، إن الله غفور يغفر لهم ما سلف من الكفر والغدر، رحيم بالعفو عنهم. النوع الثالث: قوله: فإذا انسلخ، جملة متضمنة معنى الشرط وقوله: فاقتلوا، جوابه. قوله: كل مرصد، نصب على الظرف كقوله ﴿الأقعدن لهم صراطك المستقيم﴾ [الأعراف: ١٦] قوله: ﴿فخلوا سبيلهم﴾ [التوبة: ٥] جواب الشرط: أعني قوله: فإن تابوا. ٣٠٠٠ i i ـنوه i الوجه الثالث ذكر الآية والتبويب عليها للرد على المرجئة، كما ذكرنا، وللتنبيه على أن الأعمال من الإيمان، وأنه قول وعمل، كما هو مذهبه ومذهب جماعة من السلف. ٢٥/١ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحمَّدِ المُستَدِيُّ قال: حدّثنا أبُو رَوْحِ الْحَرَمِيُّ بْنُ عُمَارةَ قال: حدّثْنَا شُعْبَةُ عَنْ وَاقِدٍ بْنِ مُحمَّدٍ قال: سَمِعْتُ أبِي يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عمَرَ أنَّ رسول الله ◌َةِ قال: (أُمِرْتُ أَنْ أَقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إلاَّ الله وَأَنَّ مَحمَّداً رسُولِ اللهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وأَمْوالَهُمْ إِلاَّ بِحَقٌّ الإِسْلاَمِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ)). معنى الحديث مطابق لمعنى الآية فلذلك قرن بينهما، وتعلقهما بكتاب الإيمان يجعلها ٢٨٦ ١٧٧٠ ١٣٧٠ ٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (١٧) باباً من أبوابه، هو أن يعلم منه أن: من آمن صار معصوماً. وأن يعلم أن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاء من جملة الإيمان على ما ذهب إليه. بيان رجاله: وهم ستة: الأول: عبد الله بن محمد بن عبد الله بن جعفر بن اليمان، هو المسندي، بضم الميم وفتح النون، وقد تقدم. الثاني: أبو روح، بفتح الراء وسكون الواو، وهو كنيته، واسمه الحرمي، بفتح الحاء والراء المهملتين وكسر الميم وتشديد الياء آخر الحروف، وهو اسمه بلفظ النسبة، تثبت فيه الألف واللام، وتحذف كما في مكي بن إبراهيم، وهو ابن عمارة، بضم العين المهملة وتخفيف الميم ابن أبي حفصة، واسم أبي حفصة نابت بالنون، وقيل: بالثاء المثلثة، والأول أشهر، وقيل: اسمه عبيد العتكي مولاهم البصري، سمع شعبة وغيره، روى عنه عبيد الله بن عمر القواريري، وعنه مسلم وعلي بن المديني وعبد الله المسندي عند البخاري، توفي سنة إحدى ومائتين، روى له الجماعة إلاّ الترمذي. وقال يحيى بن معين: صدوق، ووهم الكرماني في هذا في موضعين: أحدهما: أنه جعل الحرمي نسبة وليس هو بمنسوب إلى الحرم أصلاً، لأنه بصري الأصل والمولد والمنشأ والمسكن والوفاة. والآخر: أنه جعل اسم جده اسمه حيث قال: أبو روح كنيته واسمه نابت وحرمي نسبته، والصواب ما ذكرناه. والمسمى بحرمي أيضاً اثنان: حرمي بن حفص العتكي روى له البخاري وأبو داود والنسائي. وحرمي بن يونس المؤدب، روى له النسائي. الثالث: شعبة بن الحجاج. الرابع: واقد بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمرو، وواقد أخو أبي بكر وعمر وزيد وعاصم، وكلهم رووا عن أبيهم محمد، ومحمد أبوهم هذا روى له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي. وواقد هذا بالقاف وليس في الصحيحين: وافد بالفاء. الخامس: أبوه محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، وثقه أبو حاتم وأبو زرعة، وروى له الجماعة. السادس: عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما. بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والعنعنة والسماع. ومنها: أن في رواية ابن عساكر: حدثنا عبد الله بن محمد المسندي، بزيادة المسندي، وفي رواية الأصيلي عن واقد بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر. ومنها: أن فيه رواية الأبناء عن الآباء، وهو كثير، لكن رواية الشخص عن أبيه عن جده أقل، وواقد هنا روى عن أبيه عن جد أبيه. ومنها: أن إسناد هذا الحديث غريب تفرد بروايته شعبة عن واقد، قاله ابن حبان، وهو عن شعبة عزيز، تفرد بروايته عنه الحرمي المذكور، وعبد الملك بن الصباح، وهو عزيز عن الحرمي، تفرد به عنه المسندي، وإبراهيم بن محمد بن عرعرة، ومن جهة إبراهيم أخرجه أبو عوانة وابن حبان الإسماعيلي وغيرهم، وهو غريب عن عبد الملك تفرد به عنه أبو غسان بن عبد الواحد شيخ مسلم، فاتفق الشيخان على الحكم بصحته مع غرابته. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به)) الحديث ... وأخرجه مسلم أيضاً وأخرجه البخاري أيضاً من حديث أنس رضي الله عنه كما ٢٨٧ ٢ - كِتابُ الإِيمانِ / باب (١٧) سيأتي في الصلاة، وأخرجه مسلم أيضاً من حديث جابر، والحديث المذكور أخرجه مسلم أيضاً من هذا الوجه، ولم يقل: ((إلا بحق الإسلام)). بيان اللغات قوله: ((أمرت)) على صيغة المجهول، والأمر هو قول القائل لمن دونه إفعل على سبيل الاستعلاء، وقال الكرماني: وأصح التعاريف للأمر هو القول الطالب للفعل، وليس كذلك على ما لا يخفى، والأمر في الحقيقة هو المعنى القائم في النفس، فيكون قوله: إفعل عبارة عن الأمر المجازي، تسمية للدال باسم المدلول. قوله: ((ويقيموا الصلاة)) معنى إقامة الصلاة: إما تعديل أركانها وحفظها من أن يقع زيغ في فرائضها وسننها وآدابها، من أقام العود إذا قومه، وإما المداومة عليها من قامت السوق إذا نفقت، وإما التجلد والتشمر في أدائها، من قامت الحرب على ساقها، وإما أداؤها تعبيراً عن الأداء بالإقامة، لأن القيام بعض أركانها، والصلاة هي العبادة المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم. قوله: ((ويؤتوا الزكاة)) أي: يعطوها، والزكاة هي القدر المخرج من النصاب للمستحق. قوله: ((عصموا)) أي: حفظوا وحقنوا، ومعنى العصم في اللغة المنع، ومنه العصام وهو الخيط الذي تشد به فم القربة. سمي به لمنعه الماء من السيلان. وقال الجوهري: العصمة الحفظ، يقال عصمه فانعصم، واعتصمت بالله إذا امتنعت بلطفه من المعصية، وعصم يعصم عصماً بالفتح إذا اكتسب. وقال بعضهم: العصمة مأخوذة من العصام؛ وهو الخيط الذي يشد به فم القربة. قلت: هذا القائل قلب الاشتقاق، وإنما العصام مشتق من العصمة، لأن المصادر هي التي يشتق منها، ولم يقل بهذا إلاّ من لم يشم رائحة علم الاشتقاق. والدماء، جمع: دم، نحو: جمال، جمع: جمل إذ أصل دم: دمو، بالتحريك، وقال سيبويه: أصله دمي على: فعل بالتسكين لأنه يجمع على دماء ودمي، مثل: ظباء وظبي، ودلو ودلاء ودلى، قال: ولو كان مثل قفا وعصى لما جمع على ذلك، وقال المبرد: أصله فعل بالتحريك، وإن جاء جمعه مخالفاً لنظائره، والذاهب منه الياء، والدليل عليها قولهم في تثنيته: دميان. بيان الإعراب: قوله: ((أمرت)) جملة من الفعل والمفعول النائب عن الفاعل، وقعت مقولاً للقول. قوله: (أن أقاتل)) أصله: بأن أقاتل وحذف الباء الجارة من أن كثير سائغ مطرد، وأن مصدرية، تقديره: مقاتلة الناس. قوله: ((حتى يشهدوا)) كلمة حتى ههنا للغاية، بمعنى إلى. فإن قلت: غاية لماذا؟ قلت: يجوز أن يكون غاية للقتال، ويجوز أن يكون غاية للأمر به. قوله: ((يشهدوا)) منصوب بأن المقدرة إذ أصله: أن يشهدوا، وعلامة النصب سقوط النون لأن أصله: يشهدون. قوله: ((أن لا إله إلاَّ الله)) أصله: بأن لا إله إلاَّ اللَّهُ، والدليل عليه ما جاء في الرواية الأخرى: حتى يقولوا. قوله: ((وأن محمداً) عطف على أن لا إله إلا الله، والتقدير: وحتى يشهدوا أن محمداً رسول الله، قوله: ((ويقيموا)) عطف على يشهدوا أيضاً، وأصله: وحتى يقيموا الصلاة، وأن يؤتوا الزكاة. قوله: ((فإذا)) للظرف، لكنه يتضمن معنى الشرط. قوله ((ذلك)) في محل النصب على أنه مفعول فعلوا، وهو إشارة إلى ما ذكر من شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمداً رسول الله وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وتذكير الإشارة باعتبار i /٦ i برة i جــ i ١٣٧٠ ٢٨٨ ٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (١٧) ١:٣٠ /٠ المذكور. قوله: ((عصموا) جملة من الفعل والفاعل جواب لإذا. وقوله: ((دماؤهم)) مفعول الجملة و((أموالهم) عطف عليه. قوله: ((إلا بحق الإسلام)) استثناء مفرغ، والمستثنى منه أعم عام الجار والمجرور، والعصمة متضمنة لمعنى النفي حتى يصح تفريغ الاستثناء، إذ هو شرطه، أي لا يجوز إهدار دمائهم، واستباحة أموالهم بسبب من الأسباب إلا بحق الإسلام، والتحقيق فيه أن الاستثناء، المفرع لا يكون إلاّ في النفي، وقال ابن مالك بجوازه في كل موجب في معنى النفي نحو: صمت إلاَّ يوم الجمعة، إذ معناه لم أفطر؟ والتفريغ: إما في نهي صريح، كقوله تعالى ﴿ولا تقولوا على الله إلا الحق﴾ [النساء: ١٧١] وفيما هو بمعناه: كالشرط في قوله تعالى: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره إلاَّ متحرفاً لقتال﴾ [الأنفال: ١٦] وإما في نفي صريح، كقوله تعالى: ﴿وما محمد إلا رسول﴾ [آل عمران: ١٤٤] أو فيما هو بمعناه، كقوله تعالى: ﴿فهل يهلك إلا القوم الفاسقون﴾ [الأحقاف: ٣٥] ثم الإضافة في ((بحق الإسلام))، يجوز أن تكون بمعنى اللام، ويجوز أن تكون بمعنى: من، وبمعنى: في، على ما لا يخفى. قوله ((وحسابهم)) كلام إضافي مبتدأ ((وعلى الله) خبره، والمعنى: حسابهم بعد هذه الأشياء على الله في أمر سرائرهم. بيان المعاني والبيان: قوله: ((أمرت)) أقيم فيه المفعول مقام الفاعل لشهرة الفاعل ولتعينه بذلك، إذ لا آمر للرسول عَّله، غير الله تعالى، والتقدير: أمرني الله تعالى بأن أقاتل الناس، وكذلك إذا قال الصحابي: أمرنا بكذا، يفهم منه أن الآمر هو الرسول عَله، إذ لا آمر بينهم إلاّ الرسول معَ ة، لأنه هو المشروع وهو المبين، وأما إذا قال التابعي: أمرنا بكذا، فإن ذلك محتمل، وقال الكرماني: إذا قال الصحابي: أمرنا بكذا فهم منه أن الرسول - عليه السلام - هو الآمر له، فإن من اشتهر بطاعة رئيسه إذا قال ذلك فهم منه أن الرئيس أمره به، وفائدة العدول عن التصريح دعوى اليقين والتعويل على شهادة العقل. وقال بعضهم: وقياسه في الصحابي إذا قال: أمرت، فالمعنى: أمرني رسول الله عَ ل من حيث إنهم مجتهدون، والحاصل أن من اشتهر بطاعة رئيس إذا قال ذلك فهم منهم أن الآمر له ذلك الرئيس. قلت: خذ كلام الكرماني، وقلّب معناه لأن الكرماني جعل قوله: فإن من اشتهر بطاعة رئيس إلى آخره علة لقوله: فهم منه أن الرسول - عليه السلام - هو الآمر له، وهذا القائل أوقع هذه العلة حاملاً وداعياً، وهو عكس المقصود، وقوله أيضاً: من حيث إنهم مجتهدون، لا دخل له في الكلام، لأن الحيثية تقع قيداً، وهذا القيد غير محتاج إليه ههنا، لأنا قلنا: إن الصحابي إذا قال: أمرت معناه: أمرني رسول الله عَ ليه، من حيث إنه هو الآمر بينهم وهو المشرع، وليس المعنى أمرني رسول الله عَ ليه من حيث إني مجتهد، وهذا كلام في غاية السقوط. قوله: ((أقاتل الناس)): إنما ذكر باب المفاعلة التي وضعت لمشاركة الإثنين، لأن الدين إنما ظهر بالجهاد، والجهاد لا يكون إلاَّ بين اثنين، والألف واللام في: الناس، للجنس يدخل فيه أهل الكتاب الملتزمين لأداء الجزية. قلت: هؤلاء قد خرجوا بدليل آخر مثل ﴿حتى يعطوا الجزية﴾ [التوبة: ٢٩] ونحوه، ويدل عليه رواية النسائي بلفظ: ((أمرت أن أقاتل المشركين)). / .WE ٢٨٩ ٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (١٧) قال الكرماني: والناس، قالوا: أريد به عبدة الأوثان دون أهل الكتاب، لأن القتال يسقط عنهم بقبول الجزية. قلت: فعلى هذا تكون اللام للعهد، ولا عهد إلاّ في الخارج، والتحقيق ما قلنا، ولهذا قال الطيبي: هو من العام الذي خص منه البعض، لأن القصد الأولي من هذا الأمر حصول هذا المطلوب، لقوله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات: ٥٦] فإذا تخلف منه أحد في بعض الصور لعارض لا يقدح في عمومه، ألا ترى أن عبدة الأوثان إذا وقعت المهادنة معهم تسقط المقاتلة وتثبت العصمة؟. قال: ويجوز أن يعبر بمجموع الشهادتين وفعل الصلاة والزكاة عن إعلاء كلمة الله تعالى، وإذعان المخالفين، فيحصل في بعضهم بذلك، وفي بعضهم بالجزية، وفي الآخرين بالمهادنة. قال: وأيضاً الاحتمال قائم في أن ضرب الجزية كان بعد هذا القول. قلت: بل الظاهر أن الحديث المذكور متقدم على مشروعية أخذ الجزية وسقوط القتال بها، فحينئذ تكون اللام للجنس كما ذكرنا، وأيضاً: المراد من وضع الجزية أن يضطروا إلى الإسلام، وسبب السبب سبب، فيكون التقدير: حتى يسلموا، أو يعطوا الجزية، ولكنه اكتفى بما هو المقصود الأصلي من خلق الخلائق، وهو قوله عز وجل: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلاَّ ليعبدون﴾ [الذاريات: ٥٦] أو نقول: إن المقصود هو القتال، أو ما يقوم مقامه، وهو: أخذ الجزية، أو المقصود هو الإسلام منهم، أو ما يقوم مقامه في دفع القتال وهو إعطاء الجزية، وكل هذه التأويلات لأجل ما ثبت بالإجماع سقوط القتال بالجزية، فافهم. قوله: ((فإذا فعلوا ذلك)) قد قلنا إن ذلك مفعول فعلوا، فإن قلت: المشار إليه بعضه قول، فكيف إطلاق الفعل عليه؟ قلت: إما باعتبار أنه عمل اللسان وإما على سبيل التغليب للإثنين على الواحد. قوله: ((وحسابهم على الله)) على سبيل التشبيه، أي هو كالواجب على الله في تحقق الوقوع، وذلك أن لفظة: على مشعرة بالإيجاب في عرف الاستعمال، ولا يجب على الله شيء، وكأن الأصل فيه أن يقال: وحسابهم لله أو إلى الله، وأما عند المعتزلة، فهو ظاهر لأنهم يقولون بوجوب الحساب عقلاً، والمعنى: أن أمور سرائرهم إلى الله تعالى، وأما نحن فنحكم بالظاهر، فنعاملهم بمقتضى ظاهر أقوالهم وأفعالهم، أو معناه: هذا القتال وهذه العصمة إنما هو من الأحكام الدنيوية، وهو مما يتعلق بنا، وأما الأمور الأخروية من دخول الجنة والنار والثواب والعقاب وكميتهما وكيفيتهما فهو مفوض إلى الله تعالى لا دخل لنا فيها. بيان استنباط الأحكام: وهو على وجوه. الأول: قال النووي: يستدل بالحديث على أن تارك الصلاة عمداً معتقداً وجوبها يقتل، وعليه الجمهور. قلت: لا يصح هذا الاستدلال لأن المأمور به هو القتال، ولا يلزم من إباحة القتال إباحة القتل، لأن باب المفاعلة يستلزم وقوع الفعل من الجانبين، ولا كذلك القتل فافهم. ثم اختلف أصحاب الشافعي: هل يقتل على الفور أم يمهل ثلاثة أيام؟ الأصح الأول، والصحيح أنه يقتل بترك صلاة واحدة إذا خرج وقت الضرورة لها، وأنه يقتل بالسيف، وهو مقتول حداً. وقال أحمد في رواية أكثر أصحابه عنه: تارك الصلاة عمداً يكفر ويخرج من وجدة i i i i ـةقوة بعد؟ ** / ٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ / باب (١٧) ٢٩٠ الملة، وبه قال بعض أصحاب الشافعي، فعلى هذا له حكم المرتد، فلا يغسل ولا يصلى عليه، وتبين منه امرأته. وقال أبو حنيفة، والمزني: يحبس إلى أن يحدث توبة ولا يقتل، ويلزمهم أنهم احتجوا به على قتل تارك الصلاة عمداً، ولم يقولوا بقتل مانع الزكاة، مع أن الحديث يشملها، ومذهبهم: أن مانع الزكاة تؤخذ منه قهراً ويعزر على تركها، وسئل الكرماني ههنا عن حكم تارك الزكاة ثم أجاب: بأن حكمهما واحد، ولهذا قاتل الصديق، رضي الله عنه، مانعي الزكاة، فإن أراد أن حكمهما واحد في المقاتلة فمسلم، وإن أراد في القتل فممنوع لأن الممتنع من الزكاة يمكن أن تؤخذ منه قهراً، بخلاف الصلاة، أما إذا انتصب صاحب الزكاة للقتال لمنع الزكاة فإنه يقاتل، وبهذه الطريقة قاتل الصديق، رضي الله عنه، مانعي الزكاة، ولم ينقل أنه قتل أحداً منهم صبراً، ولو ترك صوم رمضان حبس ومنع الطعام والشراب نهاراً، لأن الظاهر أنه ينويه لأنه معتقد لوجوبه كما ذكر في كتب الشافعية. الثاني: قال النووي يستدل به على وجوب قتال مانعي الصلاة والزكاة وغيرهما من واجبات الإسلام قليلاً كان أو كثيراً. قلت: فعن هذا قال محمد بن الحسن: إن أهل بلدة أو قرية إذا اجتمعوا على ترك الأذان، فإن الإمام يقاتلهم، وكذلك كل شيء من شعائر الإسلام. الثالث: فيه أن من أظهر الإسلام وفعل الأركان يجب الكف عنه، ولا يتعرض له. الرابع: فيه قبول توبة الزنديق، ويأتي، إن شاء الله تعالى، في المغازي. قول النبي ◌َ ◌ٍّ: (إني لم أؤمر أن أشق على قلوب الناس ولا عن بطونهم)) الحديث بطوله جواباً لقول خالد، رضي الله عنه: ألا أضرب عنقه؟ فقال عليه السلام: لعله يصلي، فقال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس بقلبه. ولأصحاب الشافعي، رحمه الله، في الزنديق الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر ويعلم ذلك بأن يطلع الشهود على كفر كان يخفيه، أو علم بإقراره خمسة أوجه: أحدها: قبول توبته مطلقاً، وهو الصحيح المنصوص عن الشافعي، والدليل عليه قوله عَّالله: ((أفلا شققت عن قلبه))؟ والثاني: به قال مالك: لا تقبل توبته ورجوعه إلى الإسلام، لكنه إن كان صادقاً في توبته نفعه ذلك عند الله تعالى، وعن أبي حنيفة روايتان كالوجهين. والثالث: إن كان من الدعاة إلى الضلال لم تقبل توبتهم وتقبل توبة عوامهم، والرابع: إن أخذ ليقتل فتاب لم تقبل، وإن جاء تائباً ابتداء وظهرت مخائل الصدق عليه قبلت، وحكي هذا القول عن مالك، وممن حكاه عبد الواحد السفاقسي قال: قال مالك: لا تقبل توبة الزنديق إلاّ إذا كان لم يطلع عليه وجاء تائباً فإنه تقبل توبته. والخامس: إن تاب مرة قبلت منه، وإن تكررت منه التوبة لم تقبل. وقال صاحب (التقريب) من أصحابنا: روى بشر بن الوليد، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة في الزنديق الذي يظهر الإسلام قال: إستتيبه كالمرتد، وقال أبو يوسف مثل ذلك زماناً، فلما رأى ما يصنع الزنادقة من إظهار الإسلام ثم يعودون، قال: إن أتيت بزنديق أمرت بقتله ولم استتبه، فإن تاب قبل أن أقتله خليته. وروى سليمان بن شعيب، عن أبيه، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة، رحمه الله، في نوادر له قال: قال أبو حنيفة: اقتلوا الزنديق المستتر، فإن توبته لا تعرف. ١٠٠ ٢٩١ ٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (١٧) الخامس: قالوا: فيه دليل على أن الإعتقاد الجازم كاف في النجاة، خلافاً لمن أوجب تعلم الأدلة وجعله شرطاً في الإسلام، وهو كثير من المعتزلة وقول بعض المتكلمين، وقال النووي: قد تظاهرت الأحاديث الصحيحة التي يحصل من عمومها العلم القطعي بأن التصديق الجازم كاف. قال الإمام المقترح: اختلف الناس في وجوب المعرفة على الأعيان، فذهب قوم إلى أنها لا تجب، وقوم إلى وجوبها، وادعى كل واحد من الفريقين الإجماع على نقيض ما ادعى مخالفه، واستدل النافون بأنه قد ثبت من الأولين قبول كلمتي الشهادة من كل ناطق بها، وإن كان من البله والمغفلين، ولم يقل له: هل نظرت أو أبصرت؛ واستدل المثبتون من الأولين الأمر بها مثل ابن مسعود وعلي ومعاذ رضي الله عنهم، وأجابوا عن الأول: بأن كلمتي الشهادة مظنة العلم، والحكم في الظاهر يدار على المظنة، وقد كان الكفرة يذبون عن دينهم، وما رجعوا إلا بعد ظهور الحق وقيام علم الصدق، والمقصود إخلاص العبد فيما بينه وبين الله تعالى، فلا بد أن يكون على بصيرة من أمره، ولقد كانوا يفهمون الكتاب العربي فهماً وافياً بالمعاني، والكتاب العزيز مشتمل على الحجج والبراهين. قلت: وهذا الثاني هو مختار إمام الحرمين، والإمام المقترح، والأول مختار الأكثرين والله أعلم. i السادس: فيه اشتراط التلفظ بكلمتي الشهادة في الحكم بالإسلام، وأنه لا يكف عن قتالهم إلاَّ بالنطق بهما. السابع: فيه عدم تكفير أهل الشهادة من أهل البدع. الثامن: فيه دليل على قبول الأعمال الظاهرة والحكم بما يقتضيه الظاهر. التاسع: فيه دليل على أن حكم النبي عَّ والأئمة بعده إنما كان على الظاهر، والحساب على السرائر إلى الله تعالى دون خلقه، وإنما جعل إليهم ظاهر أمره دون خفيه. العاشر: أن هذا الحديث مبين ومقيد لما جاء من الأحاديث المطلقة، منها ما جاء في حديث عمر، رضي الله عنه، ومناظرته مع أبي بكر، رضي الله عنه، في شأن قتال مانعي الزكاة، وفيه فقال عمر، رضي الله عنه لأبي بكر رضي الله عنه: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله عَّة: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني دمه وماله إلا بحقه وحسابهم على الله))؟ فقال أبو بكر، رضي الله عنه: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فانتقال أبي بكر، رضي الله عنه، إلى القياس، واعتراض عمر، رضي الله عنه، عليه أولى دليل على أنه خفي عليهما وعلى من حضرهما من الصحابة رضي الله عنهم، حديث ابن عمر، رضي الله عنهما، المذكور، كما خفي عليهم حديث جزية المجوس، وشأن الطاعون، لأنه لو استحضروه لم ينتقل أبو بكر، رضي الله عنه، إلى القياس، ولم ينكر عمر، رضي الله عنه، على أبي بكر، رضي الله عنه. قلت: ومن هذا قال بعضهم: في صحة حديث ابن عمر المذكور نظر، لأنه لو كان عند ابن عمر لما ترك أباه سے i هو٠ i i i. ٢٩٢ ٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ / باب (١٧) ينازع أبا بكر، رضي الله عنه، في قتال مانعي الزكاة، ولو كانوا يعرفونه لما كان أبو بكر يقر عمر على الاستدلال بقوله، عليه السلام: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله)، ولما انتقل من الاستدلال بهذا النص إلى القياس، إذ قال: لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة لأنها قرينتها في كتاب الله، عز وجل. وأجيب عن ذلك: بأنه لا يلزم من كون الحديث المذكور عند ابن عمر، رضي الله عنهما، أن يكون استحضره في تلك الحالة، ولو كان مستحضراً له فقد يحتمل أن لا يكون حضر المناظرة المذكورة ولا يمتنع أن يكون ذكره لهما بعد، وقالوا: لم يستدل أبو بكر، رضي الله عنه، في قتال مانعي الزكاة بالقياس فقط، بل استدل أيضاً من قوله عَّللمر في الحديث الذي ذكره: ((إلاَّ بحق الإسلام)) قال أبو بكر، رضي الله عنه: والزكاة حق الإسلام. وقالوا أيضاً: لم ينفرد ابن عمر، رضي الله عنه، بالحديث المذكور، بل رواه أبو هريرة، رضي الله عنه، بزيادة الصلاة والزكاة فيه كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى. قلت: في القصة دليل على أن السنة قد تخفى على بعض أكابر الصحابة، رضي الله عنهم، ويطلع عليها آحادهم. الحادي عشر: فيه أن من أتى بالشهادتين، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وإن كان لا يؤاخذ لكونه معصوماً، لكنه يؤاخذ بحق من حقوق الإسلام من نحو قصاص أو حدٍ أو غرامة متلف ونحو ذلك، وقال الكرماني: إلاّ بحق الإسلام من: قتل النفس وترك الصلاة ومنع الزكاة. قلت: قوله: من قتل النفس، لا خلاف فيه أن عصمة دمه تزول عند قتل النفس المحرمة. وأما قوله: وترك الصلاة، فهو بناء على مذهبه، وأما قوله: ومنع الزكاة، ليس كذلك، فإن مذهب الشافعي: أن مانع الزكاة لا يقتل، ولكنه يؤخذ منه قهراً، وأما إذا انتصب للقتال فإنه يقاتل بلا خلاف، وقد بيناه عن قريب. الثاني عشر: فيه وجوب قتال الكفار إذا أطاقه المسلمون حتى يسلموا أو يبذلوا الجزية إن كانوا من أهلها. الأسئلة والأجوبة: منها ما قيل: إذا شهد وأقام وأدى فمقتضى الحديث أن يترك القتال، وإن كفر بسائر ما جاء به النبي عَ ل، لكنه ليس كذلك. وأجيب: بأن الشهادة برسالته تتضمن التصديق بما جاء به، مع أنه يحتمل أنه ما جاء بسائر الأشياء إلاَّ بعد صدور هذا الحديث، أو علم ذلك بدليل آخر خارجي، كما جاء في الرواية الأخرى ((ويؤمنوا بي وبما جئت به)) ومنها ما قيل: لِمَ نص على الصلاة والزكاة مع أن حكم سائر الفرائض كحكمهما؟ وأجيب: لكونهما أَمَّا العبادات البدنية والمالية والعيار على غيرهما والعنوان له، ولذلك سمى الصلاة عماد الدين، والزكاة قنطرة الإسلام. ومنها ما قيل: إذا شهدوا عصموا وإن لم يقيموا ولم يؤتوا، إذ بعد الشهادة لا بد من الانكفاف عن القتال في الحال، ولا تنتظر الإقامة والإيتاء ولا غيرهما وكان حق الظاهر أن يكتفي بقوله: ((إلا بحق الإسلام))، فإن الإقامة والإيتاء منه. وأجيب: بأنه إنما ذكرهما تعظمياً لهما واهتماماً بشأنهما وإشعاراً بأنهما في حكم الشهادة، أو المراد ترك القتال مطلقاً مستمراً، لا ترك القتال في الحال الممكن إعادته بترك الصلاة ٢٩٣ ٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (١٨) والزكاة، وذلك لا يحصل إلاَّ بالشهادة وإيتاء الواجبات كلها. ١٨ - بابُ مَنْ قَالَ: إِنّ الإِيمَانَ هُوَ العَمَلُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِيِ أُورِقْتُمُوهَا بِمَا كَنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢] الكلام فيه على أنواع. الأول: إن لفظ باب مضاف إلى ما بعده ولا يجوز غيره قطعاً، وارتفاعه على أنه خبر مبتدأ محذوف أي: هذا باب من قال: إلخ. وأصل الكلام: هذا باب في بيان قول من قال: إن الإيمان هو العمل. الثاني: وجه المناسبة بين البابين من حيث إنه عقد الباب الأول للتنبيه على أن الأعمال من الإيمان رداً على المرجئة، وهذا الباب أيضاً معقود لبيان أن الإيمان هو العمل، رداً عليهم. وقال الشيخ قطب الدين، في شرحه في هذا الباب: إنما أراد البخاري الرد على المرجئة في قولهم: إن الإيمان قول بلا عمل، وقال القاضي عياض عن غلاتهم: إنهم يقولون: إن مُظهِر الشهادتين يدخل الجنة وإن لم يعتقده بقلبه. الثالث: وجه مطابقة الآية للترجمة هو: أن الإيمان لما كان هو السبب لدخول العبد الجنة والله، عز وجل، أخبر بأن الجنة هي التي أورثوها بأعمالهم حيث قال: ﴿بما كنتم تعملون﴾ [الزخرف: ٧٢] دل ذلك على أن الإيمان هو العمل، وفي الآية الأخرى أطلق على قول: لا إله إلا الله، العمل، فدل على أن الإيمان هو العمل، فعلى هذا معنى قوله: ﴿بما كنتم تعملون﴾ [الزخرف: ٧٢]: بما كنتم تؤمنون، على ما زعمه البخاري، على ما نقل عن جماعة من المفسرين، ولكن اللفظ عام ودعوى التخصيص بلا برهان لا تقبل، ولهذا قال النووي: هو تخصیص بلا دلیل. i وههنا مناقشة أخرى، وهي: إن إطلاق العمل على الإيمان صحيح، من حيث إن الإيمان هو عمل القلب، ولكن لا يلزم من ذلك أن يكون العمل من نفس الإيمان؛ وقصد البخاري من هذا الباب وغيره إثباته أن العمل من أداء الإيمان رداً على من يقول: إن العمل لا دخل له في ماهية الإيمان، فحينئذ لا يتم مقصوده على ما لا يخفى، وإن كان مراده جواز إطلاق العمل على الإيمان فهذا لا نزاع فيه لأحد، لأن الإيمان عمل القلب وهو التصديق. الرابع: قوله: وتلك الإشارة إلى الجنة المذكورة في قوله: (ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون﴾ [الزخرف: ٧٠] وهي مبتدأ والجنة خبره، وقوله: ﴿التي أورثتموها﴾ [الزخرف: ٧٢] صفة الجنة. وقال الزمخشري: أو الجنة صفة للمبتدأ الذي هو اسم الإشارة ﴿التي أورثتموها﴾ [الزخرف: ٧٢] خبر المبتدأ، والتي أو ﴿التي أورثتموها﴾ [الزخرف: ٧٢] صفة و﴿بما كنتم تعملون﴾ [الزخرف: ٧٢] الخبر والباء تتعلق بمحذوف كما في الظروف التي تقع أخباراً، وفي الوجه الأول تتعلق: بأورثتموها، وقرىء: ورثتموها. فإن قلت: الإيراث إبقاء المال بعد الموت لمن يستحقه، وحقيقته ممتنعة على الله تعالى، فما معنى الإيراث ههنا؟ قلت: هذا من باب التشبيه، قال الزمخشري: شبهت في بقائها على أهلها بالميراث i ! ٢٩٤ ١٠/ ٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (١٨) الباقي على الورثة، ويقال: المورث هنا الكافر، وكان له نصيب منها ولكن كفره منعه فانتقل منه إلى المؤمنين، وهذا معنى الإيراث. ويقال: المورث هو الله تعالى ولكنه مجاز عن الإعطاء على سبيل التشبيه لهذا الإعطاء بالإيراث. فإن قلت: كلمة: ما، في قوله ﴿بما كنتم﴾ [الزخرف: ٧٢] ما هي؟ قلت: يجوز أن تكون مصدرية، فالمعنى: بكونكم عاملين، ويجوز أن تكون موصولة، فالمعنى: بالذي كنتم تعملونه. فإن قلت: كيف الجمع بين هذه الآية، وقوله ◌َ ◌ّ: (لن يدخل أحدكم الجنة بعمله))؟ قلت: الباء في قوله: بما كنتم ليست للسببية، بل للملابسة أي: أورثتموها ملابسة لأعمالكم، أي: لثواب أعمالكم، أو للمقابلة نحو: أعطيت الشاة بالدرهم. وقال الشيخ جمال الدين: المعنى الثامن للباء المقابلة، وهي الداخلة على الأعواض: كاشترتيه بألف درهم، وقولهم: هذا بذاك، ومنه قوله تعالى ﴿ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون﴾ [الزخرف: ٧٢] وإنما لم نقدرها باء السببية كما قالت المعتزلة، وكما قال الجميع في: ((لن يدخل أحدكم الجنة بعمله)) لأن المعطي بعوض قد يعطي مجاناً، وأما المسبب فلا يوجد بدون السبب، وقد تبين أنه لا تعارض بين الحديث والآية لاختلاف محلي البابين جمعاً بين الأدلة. وقال الكرماني: أو إن الجنة في تلك الجنة جنة خاصة أي: تلك الجنة الخاصة الرفيعة العالية بسبب الأعمال، وأما أصل الدخول فبرحمة الله. قلت: أشير بهذه الجنة إلى الجنة المذكورة فيما قبلها، وهي الجنة المعهودة، والإشارة تمنع ما ذكره، وقال النووي، في الجواب: إن دخول الجنة بسبب العمل، والعمل برحمة الله تعالى. قلت: المقدمة الأولى ممنوعة لأنها تخالف صريح الحديث فلا يلتفت إليها. وقال عِدّةٌ مِنْ أهْلِ العِلْمِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَوَرَبِّكَ لَتَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢] عَنْ قولٍ: لاَ إِلَهَ إلاَّ اللَّهُ. الكلام فيه على وجوه. الأول: إن العدة، بكسر العين وتشديد الدال: هي الجماعة قلَّت أو كثرت؛ وفي (العباب) تقول: أنفدت عدة كتب، أي: جماعة كتب، ويقال: فلان إنما يأتي أهله العدة أي يأتي أهله في الشهر والشهرين، وعدة المرأة أيام إقرائها وأما العد بدون الهاء فهو: الماء الذي لا ينقطع، كماء العين وماء البئر. والعد أيضاً: الكثرة. قوله: ((عدة)) مرفوع بقال، ويجوز فيه قال وقالت لأن التأنيث في عدة غير حقيقي، وكلمة من في قوله: (من أهل العلم)) للبيان، قوله: ((في قوله)) يتعلق بقال، والخطاب في: ﴿فوربك﴾ [الحجر: ٩٢] للنبي عَّه، والواو فيه للقسم، وقوله: ﴿لنسألنهم﴾ [الحجر: ٩٢] جواب القسم مؤكداً باللام. قوله: ﴿عن قول﴾ [الحجر: ٩٢] يتعلق بقوله: ﴿لنسألنهم﴾ أي: لنسألنهم عن كلمة الشهادة التي هي عنوان الإيمان، وعن سائر أعمالهم التي صدرت منهم. الثاني: أن الجماعة الذين ذهبوا إلى ما ذكره نحو أنس بن مالك وعبد الله بن عمر ومجاهد بن جبر رضي الله عنهم، وأخرج الترمذي مرفوعاً، عن أنس: ﴿فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون﴾ [الحجر: ٩٢] قال: ((عن لا إله إلا الله)) وفي إسناده ليث بن أبي سليم وهو ضعيف لا يحتج به، والذي روى عن ابن عمر في (التفسير) للطبري وفي كتاب .جود ٢٩٥ ٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (١٨) (الدعاء) للطبراني، والذي روى عن مجاهد في تفسير عبد الرزاق وغيره. وقال النووي: في الآية وجه آخر وهو المختار، والمعنى: لنسألنهم عن أعمالهم كلها التي يتعلق بها التكليف؛ وقول من خص بلفظ التوحيد دعوى تخصيص بلا دليل فلا تقبل، ثم روى حديث الترمذي وضعفه، وقال بعضهم: لتخصيصهم، وجه من جهة التعميم في قوله: أجمعين، فيدخل فيه المسلم والكافر، فإن الكافر مخاطب بالتوحيد بلا خلاف، بخلاف باقي الأعمال ففيها الخلاف، فمن قال: إنهم مخاطبون، يقول: إنهم مسؤولون عن الأعمال كلها. ومن قال: إنهم غير مخاطبين، يقول: إنما يسألون عن التوحيد فقط، فالسؤال عن التوحيد متفق عليه، فحمل الآية عليه أولى بخلاف الحمل على جميع الأعمال لما فيها من الاختلاف. قلت: هذا القائل قصد بكلامه الرد على النووي، ولكنه تاه في كلامه، فإن النووي لم يقل بنفي التخصيص لعدم التعميم في الكلام، وإنما قال: دعوى التخصيص بلا دليل خارجي لا تقبل. والأمر كذلك، فإن الكلام عام في السؤال عن التوحيد وغيره، ثم دعوى التخصيص بالتوحيد يحتاج إلى دليل من خارج، فإن استدلوا بالحديث المذكور فقد أجاب عنه بأنه ضعيف، وهذا القائل فهم أيضاً أن النزاع في أن التخصيص والتعميم هنا إنما هو من جهة التعميم في قوله: ﴿أجمعين﴾ [الحجر: ٩٢] وليس كذلك، وإنما هو في قوله: ﴿عما كانوا يعملون﴾ [الحجر: ٩٢] فإن العمل هنا أعم من أن يكون توحيداً أو غيره، وتخصيصه بالتوحيد تحكم قوله فيدخل فيه المسلم، والكافر غير مسلم، لأن الضمير في لنسألنهم، يرجع إلى المستهزئين الذين جعلوا القرآن عضين، وهم ناس مخصوصون. ولفظة أجمعين، وقعت توكيداً للضمير المذكور في النسبة مع الشمول في أفراده المخصوصين، ثم تفريع هذا القائل بقوله: فإن الكافر ... إلخ ليس له دخل في صورة النزاع على ما لا يخفى. الثالث: ما قيل: إن هذه الآية أثبتت السؤال على سبيل التوكيد القسمي، وقال في آية أخرى ﴿فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان﴾ [الرحمن: ٣٩] فنفت السؤال. وأجيب: بأن في القيامة مواقف مختلفة وأزمنة متطاولة، ففي موقف أو زمان يسألون وفي آخر لا يسألون سؤال استخبار بل سؤال توبيخ، وقال الزمخشري: في هذه الآية: لنسألهم سؤال تقريع، ويقال: قوله: ﴿لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان﴾ [الرحمن: ٣٩] نظير قوله: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ [الأنعام: ١٦٤، الإسراء: ١٥، فاطر: ١٨، والزمر: ٧]. وقالَ: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١]. أي: قال الله تعالى: لمثل هذا، والإشارة بهذا إلى قوله ﴿إن هذا لهو الفوز العظيم) [الصافات: ٦٠] وذكر هذه الآية لا يكون مطابقاً للترجمة إلاّ إذا كان معنى قوله: ﴿فليعمل العاملون﴾ [الصافات: ٦١] فليؤمن المؤمنون، ولكن هذا دعوى تخصیص بلا دليل فلا تقبل، وإلى هذه الآية من قوله تعالى: ﴿فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون﴾ [الصافات: ٥٠] قصة المؤمن وقرينه، وذلك أنه كان يتصدق بماله لوجه الله، عز وجل، فاحتاج، فاستجدى بعض إخوانه، فقال: وأين مالك؟ قال: تصدقت به ليعوضني الله خيراً منه. فقال: أنك لمن و جاء i i ٢٩٦ 19 ٢ - کِتابُ الإِيمَانِ / باب (١٨) المصدقين بيوم الدين، أو: من المتصدقين لطلب الثواب، والله لا أعطيك شيئاً. وقوله تعالى: ﴿أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أثنا لمدينون﴾ [الصافات: ٥٣] حكاية عن قول القرین، ومعنى: المدينون: لمجزيون من الدين، وهو الجزاء. وقوله: ﴿قال هل أنتم مطلعون﴾ [الصافات: ٥٤] يعني: قال ذلك القائل: هل أنتم مطلعون إلى النار؟ ويقال: القائل هو الله تعالى، ويقال: بعض الملائكة يقول لأهل الجنة: هل تحبون أن تطلعوا فتعلموا أين منزلتكم من منزلة أهل النار؟ وقوله: ﴿فاطلع﴾ [الصافات: ٥٤] أي: فإن اطلع. قوله: ﴿في سواء الجحيم﴾ [الصافات: ٥٥] أي: في وسطها. قوله: ﴿تالله إن كدت﴾ [الصافات: ٥٦] إن مخففة من الثقيلة، وهي تدخل على: كاد كما تدخل على: كان، واللام، هي الفارقة بينها وبين النافية، والإرداء: الإهلاك، وأراد بالنعمة: العصمة والتوفيق والبراءة من قرين السوء، وإنعام الله بالثواب، وكونه من أهل الجنة. قوله: ﴿من المحضرين﴾ [الصافات: ١١] أي: من الذين أحضروا العذاب. وقوله: ﴿إن هذا لهو الفوز العظيم﴾ [الصافات: ٦٠] أي إن هذا الأمر الذي نحن فيه، ويقال: هذا من قول الله تعالى تقريراً لقولهم وتصديقاً له. وقوله: ﴿لمثل هذا فليعمل العاملون﴾ [الصافات: ٦١] مرتبط بقوله: إن هذا أي لأجل مثل هذا الفوز العظيم، وهو دخول الجنة والنجاة من النار فليعمل العاملون في الدنيا. وقال بعضهم: يحتمل أن يكون قائل ذلك المؤمن الذي رأى قرينه، ويحتمل أن يكون كلامه انقضى عند قوله: ﴿الفوز العظيم﴾ [الصافات: ٦٠] والذي بعده ابتداء من قول الله عز وجل لا حكاية عن قول المؤمن، ولعل هذا هو السر في إبهام المصنف القائل. قلت: المفسرون ذكروا في قائل هذا ثلاثة أقوال: الأول: إن القائل هو ذلك المؤمن. والثاني: إنه هو الله عز وجل. والثالث: إنه بعض الملائكة. ولا يحتاج أن يقال في ذلك بالاحتمال الذي ذكره هذا الشارح، لأن كلامه يوهم بأن هذا تصرف من عنده فلا يصح ذلك، ثم قوله: ولعل هذا هو السر في إبهام المصنف أراد به البخاري كلام غير صحيح أيضاً من وجهين أحدهما: أن البخاري لم يقصد ما ذكره هذا الشارح قط، لأن مراده من ذكره هذه الآية بيان إطلاق العمل على الإيمان ليس إلا، والآخر: ذكر فعل وإبهام فاعله من غير مرجع له ومن غير قرينة على تعيينه غير صحيح. ٢٦/١ - حدثنا أحمَدُ بْنُ يُونُسَ وَمُوسَى بْنُ إسمَاعِيلَ قالا: حدّثنا إبْراهِيمُ بْنُ سَعْدٍ قال: حدّثنا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ سَعِيد بْنِ المُسيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرةَ أن رسولَ اللَّهِ صَ لَّهِ سُئِلَ: أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ فقالَ: ((إيمانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) قِيلَ: ثُمَّ مَاذا؟ قالَ: ((الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) قِيل: ثُمَّ مَاذَا؟ قال: ((حَجّ مَبْرُورٌ)) [الحديث ٢٦ - طرفه في: ١٥١٩] مطابقة هذا الحديث للترجمة ظاهرة، وهي إطلاق العمل على الإيمان. وقال ابن بطال: الآية حجة في أن العمل به ينال درجات الآخرة، وأن الإيمان قول وعمل، ویشهد له الحديث المذكور، وأراد به هذا الحديث، ثم قال: وهو مذهب جماعة أهل السنة. قال أبو عبيدة: وهو قول مالك والثوري والأوزاعي ومن بعدهم. ثم قال: وهو مراد البخاري بالتبويب، وقال أيضاً في هذا الحديث: إن النبي عَُّ جعل الإيمان من العمل، وفرق في أحاديث أخر بين الإيمان ٢٩٧ ٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (١٨) والأعمال، وأطلق اسم الإيمان مجرداً على التوحيد، وعمل القلب، والإسلام على النطق وعمل الجوارح، وحقيقة الإيمان مجرد التصديق المطابق للقول والعقد، وتمامه بتصديق العمل بالجوارح، فلهذا أجمعوا أنه لا يكون مؤمن تام الإيمان إلا باعتقاد وقول وعمل، وهو الإيمان الذي ينجي رأساً من نار جهنم، ويعصم المال والدم، وعلى هذا يصح إطلاق الإيمان على جميعها، وعلى بعضها من: عقد أو قول أو عمل؛ وعلى هذا لا شك بأن التصديق والتوحيد أفضل الأعمال إذ هو شرط فيها. بيان رجاله: وهم ستة. الأول: أحمد بن يونس: هو أحمد بن عبد الله بن يونس بن عبد الله بن قيس اليربوعي التميمي، يكنى بأبي عبد الله، واشتهر بأحمد بن يونس منسوباً إلى جده. يقال: إنه مولى الفضيل بن عياض، سمع مالكاً وابن أبي ذئب والليث والفضيل وخلقاً كثيراً، روى عنه: أبو زرعة وأبو حاتم وإبراهيم الحربي والبخاري ومسلم وأبو داود، وروى البخاري عن يوسف بن موسى عنه، وروى الترمذي والنسائي وابن ماجة عن رجل عنه، قال أبو حاتم: كان ثقة متقناً، وقال أحمد فيه: شيخ الإسلام، وتوفي في ربيع الآخر سنة سبع وعشرين ومائتين، وهو ابن أربع وتسعين سنة. الثاني: موسى بن إسماعيل المنقري، بكسر الميم، وقد سبق ذكره. الثالث: إبراهيم بن سعد سبط عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، وقد سبق ذكره. الرابع: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، وقد سبق ذكره. الخامس: سعید بن المسیب، بضم الميم وفتح الياء علی المشهور، وقیل بالکسر، و کان یکره فتحها، وأما غير والد سعيد فبالفتح من غير خلاف: كالمسيب بن رافع، وابنه العلاء بن المسيب، وغيرهما. والمسیب هو ابن حزن، بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي المعجمة، ابن أبي وهب بن عمرو بن عايذ بالياء آخر بالحروف والذال المعجمة، ابن عمران بن مخزوم بن يقظة، بفتح الياء آخر الحروف والقاف والظاء المعجمة ابن مرة القرشي المخزومي المدني إمام التابعين وفقيه الفقهاء، أبوه وجده صحابيان أسلما يوم فتح مكة، ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر، رضي الله عنه، وقيل: لأربع؛ سمع عمر وعثمان وعلياً وسعد بن أبي وقاص وأبا هريرة، رضي الله عنهم، وهو زوج بنت أبي هريرة، وأعلم الناس بحديثه، وروى عنه خلق من التابعين وغيرهم، واتفقوا على جلالته وإمامته، وتقدمه على أهل عصره في العلم والتقوى، وقال ابن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علماً منه، وقال أحمد: سعيد أفضل التابعين، فقيل له: فسعيد عن عمر حجة. قال: فإذا لم يقبل سعيد عن عمر فمن يقبل؟ وقال أبو حاتم: ليس في التابعين أنبل من سعيد بن المسيب، وهو أثبتهم. وقال النووي في (تهذيب الأسماء): وأما قولهم: إنه أفضل التابعين، فمرادهم أفضلهم في علوم الشرع، وإلا ففي (صحيح) مسلم عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله عَ ليه، يقول: ((إن خير التابعين رجل يقال له أويس، وبه بياض، فمروه فليستغفر لكم)). وقال أحمد بن عبد الله: كان صالحاً فقيهاً من الفقهاء السبعة بالمدينة، وكان أعور. وقال ابن قتيبة: كان جده حزن أتى النبي عَّلِ فقال له أنت سهل، قال: لا بل أنا حزن، ثلاثاً، قال سعيد: فما زلنا نعرف تلك الحزونة فينا، ففي i i ٠٠٧ رج١٣ ٢٩٨ ٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (١٨) ولده سوء خلق، وكان حج أربعين حجة لا يأخذ العطاء، وكان له بضاعة أربع مائة دينار يتجر بها في الزيت، وكان جابر بن الأسود على المدينة، فدعى سعيداً إلى البيعة لابن الزبير فأبى، فضربه ستين سوطاً وطاف به المدينة، وقيل: ضربه هشام بن الوليد أيضاً حين امتنع للبيعة للوليد وحبسه وحلقه، مات سنة ثلاث أو أربع أو خمس وتسعين في خلافة الوليد بن عبد الملك بالمدينة، وكان يقال لهذه السنة: سنة الفقهاء، لكثرة من مات فيها منهم. وقال الشيخ قطب الدين في (شرحه) وفي نسب سعيد هذا: يتفاضل النساب في تحقيقه، فإن في بني مخزومَ عابداً، بالباء الموحدة والدال المهملة، وعايذاً بالمثناة آخر الحروف والذال المعجمة، فالأول: هو عابد بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، ومن ولده السائب والمسيب ابنا أبى السائب، واسم أبي السائب صيفي بن عابد بن عبد الله، وولده عبد الله بن السائب، شريك النبي صَ لّهِ، وعن النبي عَّلِ أنه قال فيه: ((نعم الشريك))، وقيل: الشريك أبوه السائب، وعتيق بن عابد بن عبد الله، وكان على خديجة أم المؤمنين، رضي الله عنها، قبل رسول الله عَ لل. وأما عايذ بن عمران فمن ولده: سعيد وأبوه كما تقدم، وفاطمة، أم عبد الله والد رسول الله عَ لّه، بنت عمرو بن عايذ بن عمران وهبيرة بن أبي وهيب بن عمرو بن عایذ بن عمران، وهبيرة هذا هو زوج أم هانىء بنت أبي طالب فر من الإسلام يوم فتح مكة، فمات كافراً بنجران، والله أعلم. السادس: أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر، رضي الله عنه، وقد مر ذكره. بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والعنعنة. ومنها: أن فيه شيخين للبخاري. ومنها: أن فيه أربعة كلهم مدنيون بيان من أخرجه غيره: أخرجه مسلم أيضاً في كتاب الإيمان، وأخرجه النسائي أيضاً نحوه، وفي رواية للنسائي: ((أي الأعمال أفضل؟ قال: الإيمان بالله ورسوله)) ولم يزد. وأخرجه الترمذي أيضاً ولفطه: ((قال: سئل رسول الله عَ لّهِ: أي الأعمال خير)»؟ وذكر الحديث وفيه قال: ((الجهاد سنام العمل)). بيان اللغات: قوله: ((أفضل)) أي: الأكثر ثواباً عند الله، وهو أفعل التفضيل من فضّل يفضُل، من باب: دخل يدخُل، ويقال: فضِل يفضَل من باب: سمِع يسمَع، حكاها ابن السكيت، وفيه لغة ثالثة: فضِل بالكسر، يفضُل بالضم، وهي مركبة شاذة لا نظير لها. قال سيبويه: هذا عند أصحابنا إنما يجيء على لغتين، قال: وكذلك: نعم ينعم، ومت تموت، ودمت تدوم، وكدت تكاد، وفي (العباب): فضلته فضلاً أي: غلبته بالفضل، وفضل منه شيء، والفضل والفضيلة خلاف النقص والنقيصة. قوله: ((الجهاد)) مصدر جاهد في سبيل الله مجاهدة وجهاداً، وهو من الجهد بالفتح، وهو المشقة وهو القتال مع الكفار لإعلاء كلمة الله؛ والسبيل: الطريق، يذكر ويؤنث. قوله: ((حج مبرور)) الحج في اللغة: القصد، وأصله من قولك: حججت فلاناً أحجه حجاً إذا عدت إليه مرة بعد أخرى، فقيل: حج البيت، لأن الناس يأتونه في كل سنة، قاله الأزهري. وفي (العباب): رجل محجوج أي: مقصود، وقد حج بنو فلان فلاناً إذا أطالوا الاختلاف إليه، قال المخبل السعدي: ١٣٠ ٢٩٩ ٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (١٨) وأشهد من عوف حلولاً كثيرة يحجون سب الزبرقان المزعفرا قال ابن السكيت: يقول: يكثرون الاختلاف إليه، هذا الأصل، ثم تعورف استعماله في القصد إلى مكة حرسها الله للنسك تقول: حججت البيت أحجه حجاً فأنا حاج، ويجمع على حجج، مثل: بازل وبزل، وعائذ وعوذ، انتهى. وفي الشرع: الحج، قصد زيارة البيت على وجه التعظيم. وقال الكرماني: الحج قصد الكعبة للنسك بملابسة الوقوف بعرفة. قلت: الحلول، بضم الحاء المهملة، يقال: قوم حلول، أي: نزول، وكذلك: حلال، بالكسر، والسب، بكسر السين المهملة وتشديد الباء الموحدة: العمامة والزبرقان، بكسر الزاي وسكون الباء الموحدة وكسر الراء المهملة وبالقاف: هو لقب، واسمه: الحصين. قال ابن السكيت: لقب الزبرقان لصفرة عمامته، والمبرور: هو الذي لا يخالطه إثم، ومنه: برت يمينه إذا سلم من الحنث. وقيل: هو المقبول، ومن علامات القبول أنه إذا رجع يكون حاله خيراً من الحال الذي قبله، وقيل: هو الذي لا رياء فيه، وقيل: هو الذي لا تتعقبه معصية، وهما داخلان فيما قبلهما، والبر، بالكسر: الطاعة والقبول، يقال: بر حجك، بضم الباء وفتحها لازمين، وبر الله حجك، وأبر الله أي قبله، فله أربعة استعمالات. وقال الأزهري: المبرور المتقبل، يقال: بر الله حجه بيره أي: تقبله، وأصله من البر، وهو اسم لجماع الخير، وبررت فلاناً أبره براً، إذا وصلته وكل عمل صالح بر، وجعل لبيد البر: التقوى، فقال: وما البر إلاَّ مضمرات من التقى وما المال إلاّ معمرات ودائع قوله: مضمرات، يعني الخفايا من التقى، قوله: وما المال إلّ معمرات: أي المال الذي في أيديكم ودائع مدة عمركم ثم يصير لغيركم. وأما قول عمرو ابن أم مكتوم: نجز رؤوسهم في غير بر فمعناه: في غير طاعة. وفي (العباب): المبرة والبر: خلاف العقوق، وقوله تعالى: ﴿أتأمرون الناس بالبر﴾ [البقرة: ٤٤] أي: بالاتساع في الإحسان والزيادة منه وقوله عز وجل: ﴿لن تنالوا البر﴾ [البقرة: ١٨٩] قال السدي: يعني الجنة، والبر أيضاً: الصلة، تقول منه: بررت والدي، بالكسر، و: بررته، بالفتح، أبره براً، والمبرور: الذي لا شبهة فيه ولا خلابة، وقال أبو العباس: هو الذي لا يدالس فيه ولا يوالس، يدالس فيه: يظلم فيه، ويوالس: يخون. بيان الإعراب: قوله: ((سئل)) جملة في محل الرفع لأنها خبر: إن، والسائل هو: أبو ذر رضي الله عنه، وحديثه في العتق. قوله: ((أي العمل))؟ كلام إضافي: مبتدأ وخبره: ((أفضل)) وأي، ههنا استفهامية، ولا تستعمل إلاَّ مضافاً إليه إلاَّ في النداء والحكاية، يقال: جاءني رجل، فتقول: أي يا هذا، وجاءني رجلان فتقول: أيان، ورجال فتقول: أيون. فإن قلت: ((أفضلْ)) أفعل التفضيل ولا يستعمل إلاَّ بأحد الأوجه الثلاثة، وهي: الإضافة، واللام، ومن، فلا يجوز أن يقال: زيد أفضل. قلت: إذا علم يجوز استعماله مجرداً نحو: الله أكبر، أي: أكبر من كل شيء، ومنه قوله تعالى: ﴿أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير﴾ [البقرة: ٦١]، وسواء في i i i i i i ١٠٠٠ جدة. ٣٠٠ ٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (١٨) ذلك كون أفعل خبراً كما في الآية، أو غير خبر كما في قوله تعالى: ﴿يعلم السر وأخفى﴾ [طه: ٧] وقد يجرد: أفعل عن معنى التفضيل ويستعمل مجرداً مؤولاً باسم الفاعل، نحو قوله تعالى: ﴿هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض﴾ [النجم: ٣٢]، وقد يؤول بالصفة كما في قوله تعالى: ﴿وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه﴾ [الروم: ٢٧]. قوله: ((قال)) أي: النبي، عليه السلام. وقوله: ((إيمان بالله)) مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو إيمان بالله، والتقدير: أفضل الاعمال الإيمان بالله. قوله: ((ورسوله)) بالجر تقديره: والإيمان برسوله. قوله: «قیل)، مجهول قال، وأصله: نقلت کسرة الواو إلى القاف بعد سلب حر کتها، فصار: قول، بكسر القاف وسكون الواو، ثم قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، فصار: قيل، والقائل هو السائل في الأول. قوله: ((ثم ماذا؟))، كلمة ثم للعطف مع الترتيب الذكري، وما مبتدأ و: ذا، خبره، وكلمة: ما، استفهامية، و: ذا، اسم إشارة والمعنى: ثم أي شيء أفضل بعد الإيمان بالله ورسوله؟ والتقدير: أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله ورسوله الجهاد، وكذلك الكلام في إعراب قوله: «ثم ماذا؟ قال: حج مبرور)). بيان المعاني والبيان: فيه حذف المبتدأ في ثلاث مواضع الذي هو المسند إليه لكونه معلوماً احترازاً عن العبث؛ وفيه تنكير الإيمان والحج وتعريف الجهاد، وذلك لأن الإيمان والحج لا يتكرر وجوبهما بخلاف الجهاد فإنه قد يتكرر، فالتنوين للإفراد الشخصي، والتعريف للكمال، إذ الجهاد لو أتى به مرة مع الاحتياج إلى التكرار لما كان أفضل. وقال بعضهم: وتعقب عليه بان التنكير من جملة وجوهه: التعظيم، وهو يعطي الكمال، وبأن التعريف من جملة وجوهه: العهد، وهو يعطي الإفراد الشخصي، فلا يسلم الفرق. قلت : هذا التعقيب فاسد، لأنه لا يلزم من كون التعظيم من جملة وجوه التنكير أن يكون دائماً للتعظيم، بل يكون تارة للإفراد، وتارة للنوعية، وتارة للتعظيم، وتارة للتحقير، وتارة للتكثير، وتارة للتقليل. ولا يعرف الفرق ولا يميز إلاّ بالقرينة الدالة على واحد منها، وههنا دلت القرينة أن التنكير للإفراد الشخصي. وقوله: وبأن التعريف من وجوهه العهد، فاسد عند المحققين، لأن عندهم أصل التعريف للعهد، وفرق كثير بين كونه للعهد وبين كون العهد من وجوهه، على أنا، وإن سلمنا ما قاله، ولكنا لا نسلم كونه للعهد ههنا، لان تعريف الإسم تارة يكون لواحد من أفراد الحقيقة الجنسية باعتبار عهديته في الذهن، لكونه فرداً من أفرادها، وتارة يكون لاستغراق جميع الأفراد، ولا يفرق بينهما إلاَّ بالقرينة. على أنا نقول: إن المعهود الذهني في المعنى كالنكرة، نحو: رجل، فإن بالسوق، في قولك: أدخل السوق، يحتمل كل فرد فرد من أفراد السوق على البدل، كما أن: رجلاً، يحتمل كل فرد فرد من ذكور بني آدم على البدل، ولهذا يقدر، يسبني، في قول الشاعر: فمضيت ثمت، قلت: لا يعنيني ولقد أمُرُ على اللئيم يسبّني وصفاً للعيم لا حالاً، لوجوب كون ذي الحال معروفة، واللئيم كالنكرة، فافهم. فإن قلت: قد وقع في (مسند الحارث بن أبي اسامة) عن ابراهيم بن سعد: ثم جهاد، بالتنكير، ١٠٠٠