Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ / باب (١٢)
٠ ٠٠٠٠
أيضاً: سعد بن أبي وقاص مالك وسعد بن مالك العذري قدم في وفد عذرة.
بيان الأنساب: القعنبي: هو عبد الله بن مسلمة، شيخ البخاري، ونسبته إلى جده
قعنب، والقعنب، في اللغة: الشديد، ومنه يقال للأسد، القعنب، ويقال: القعنب: الثعلب
الذكر. والمازني: في قبائل، ففي قيس بن غيلان: مازن بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن
قيس بن غيلان، وفي قيس بن غيلان أيضاً: مازن بن صعصعة. وفي فزارة: مازن بن فزارة،
وفي ضبة: مازن بن كعب، وفي مذحج: مازن بن ربيعة، وفي الأنصار: مازن بن النجار بن
ثعلبة بن عمرو بن الخزرج، وفي تميم: مازن بن مالك، وفي شيبان بن ذهل: مازن بن شيبان،
وفي هذيل: مازن بن معاوية، وفي الأزد: مازن بن الأزد. والخدري، بضم الخاء المعجمة
وسكون الدال المهملة، نسبة إلى خدرة: أحد أجداد أبي سعيد، وقال ابن حبان في (ثقاته)
في ترجمة أبي سعيد: إن خدرة من اليمن، ومراده أن الأنصار من اليمن فهم بطن من
الأنصار، وهم نفر قليل بالمدينة، وقال أبو عمر: خدرة وخدارة بطنان من الأنصار، فأبو
مسعود الأنصاري من خدارة، وأبو سعيد من خدرة، وهما إبنا عوف بن الحارث كما تقدم،
وضبط أبو عمر: خدارة بضم الخاء المعجمة وهو خلاف ما قاله الدارقطني من كونه بالجيم
المكسورة، وصوبه الرّشاطي، وكذا نص عليه العسكري في الصحابة، والحافظ أبو الحسن
المقدسي. واعلم أن الخدري، بالضم، يشتبه بالخدري، بالكسر، نسبة إلى: خدرة، بطن من
ذهل بن شيبان، وبالخدري، بفتح الخاء والدال، وهو محمد بن حسن متأخر، روى عن أبي
حاتم، وبالجدري بفتح الجيم والدال، وهو عمير بن سالم، وبكسر الجيم وسكون الدال:
الجدري، نسبة إلى جدرة بطن من كعب.
حدة
٠ جدد
وجدة
بيان لطائف الإسناد: منها: أن هذا الاسناد کله مدنيون، ومنها: أن فيه فرد تحديث
والباقي عنعنة، ومنها: أن فيه صحابي ابن صحابي.
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: هذا من أفراد البخاري عن مسلم، ورواه ههنا
عن القعنبي، وفي الفتن عن ابن يوسف، وفي إسناد الكتاب عن إسماعيل ثلاثتهم عن مالك
به، وفي الرقاق وعلامات النبوة عن أبي نعيم عن الماجشون عن عبد الرحمن به، وهو من
أحاديث مالك في (الموطأ)، وزعم الإسماعيلي في (مستخرجه) أن إسحاق بن موسى
الأنصاري رواه عن معن عن مالك، فجعله من قول أبي سعيد لم يجاوزه. وقال الإسماعيلي:
أسنده ابن وهب التنيسي، وسويد وغيرهم. والحديث أخرجه أبو داود والنسائي أيضاً.
بيان اللغات: قوله: ((يوشك))، بضم الياء وكسر الشين المعجمة. أي: يقرب، ويقال
في ماضيه: أوشك، ومن أنكر استعماله ماضياً فقد غلط، فقد كثر استعماله. قال الجوهري:
أوشك فلان يوشك إيشاكاً أي: أسرع، قال جرير:
إذا جهل النعيم ولم يقدر
لبعض الأمر أوشك أن يصابا
قال: والعامة تقول: يوشك، بفتح الشين، وهي لغة رديئة. وقال ابن السكيت: واشك
i
i

٠-٠
٢٦٢
٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ / باب (١٢)
يواشك وشاكاً. مثل: أوشك، ويقال: إنه مواشك أي: مسارع. وفي (العباب) قولهم: وشك ذا
خروجاً بالضم يوشك أي: يسرع، وقال ابن دريد: الوشك السرعة، ويقال: الوشك والوشك،
ودفع الأصمعي الوشك يعني: بالكسر، وقال الكسائي: عجبت من وشكان ذلك الأمر، ومن
وشكانه أي: من سرعته، وفي المثل: وشكان ماذا إذابةً وحقناً أي: ما أسرع ما أذيب هذا
السمن وحقن، ونصب إذابة، وحقناً على الحال، وإن كانا مصدرين كما يقال: سرع ذا مذاباً
ومحقوناً، ويجوز أن يحمل على التمييز، كما يقال: حسن زيد وجهاً يضرب في سرعة وقوع
الأمر، ولمن يخبر بالشيء قبل أوانه، ويقال: وشكان ذا إمالة. فإن قلت: هل يستعمل اسم
الفاعل؟ قلت: نعم، ولكنه نادر، قال كثير بن عبد الرحمن:
فإنك موشك أن لا تراها
وتغدو دون غاضرة العوادي
وغاضرة، بالمعجمتين، اسم جارية أم البنتين بنت عبد العزيز بن مروان، أخت عمر بن
عبد العزيز، رضي الله عنه، والعوادي: عوائق الدهر وموانعه. قوله: ((غنم)) الغنم اسم مؤنث
موضوع للجنس، يقع على الذكور والإناث جميعاً، وعلى الذكور وحدهم وعلى الإناث
وحدها. فإذا صغرتها ألحقتها الهاء، فقلت: غنيمة، لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من
لفظها إذا كانت لغير الآدميين، فالتأنيث لازم لها، ويقال: لها خمس من الغنم ذكور، فيؤنث
العدد لأن العدد يجري على تذكيره وتأنيثه على اللفظ لا على المعنى، قوله: ((يتبع)) بتشديد
التاء وتخفيفها، فالأول: من باب الافتعال من: اتبع اتباعاً، والثاني: من تبع بكسر الباء يتبع
بفتحها تبعاً بفتحتين وتباعة بالفتح، يقال: تبعت القوم إذا مشى خلفهم، أو مروا به فمضى
معهم. قوله: ((شعف الجبال) بشين معجمة مفتوحة وعين مهملة مفتوحة، جمع: شعفة،
بالتحريك، رأس الجبل، ويجمع أيضاً على شعوف وشعاف وشعفات قاله في (العباب). وفي
(الموعب) عن الأصمعي: إن الشعاف بالكسر، وعن ابن قتيبة شعفة كل شي أعلاه. قوله:
(مواقع القطر)) أي: المطر، والمواقع جمع موقع بكسر القاف، وهو موضع نزول المطر.
قوله: ((يفر)) من فر يفر فراراً ومفراً، إذا هرب، والمفر بكسر الفاء موضع الفرار، والفتن جمع
فتنة، وأصل الفتنة الاختبار، يقال: فتنت الفضة على النار، إذا خلصتها، ثم استعملت فيما
أخرجه الاختبار للمكروه، ثم كثر استعماله في أبواب المكروه، فجاء مرة بمعنى الكفر، كقوله
تعالى: ﴿والفتنة أكبر من القتل﴾ [البقرة: ٢١٧] ويجيء للإثم، كقوله تعالى: ﴿ألا في الفتنة
سقطوا﴾ [التوبة: ٤٩] ويكون بمعنى الإحراق، كقوله تعالى: ﴿إن الذين فتنوا المؤمنين
والمؤمنات﴾ [البروج: ١٠] أي: حرقوهم، ويجيء بمعنى الصرف عن الشيء، كقوله تعالى:
﴿وإن كادوا ليفتنونك﴾ [الإسراء: ٧٣].
بيان الإعراب: قوله: ((يوشك) من أفعال المقاربة عند النحاة وضع لدنو الخبر أخذاً
فيه، وهو مثل: كاد وعسى في الاستعمال، فيجوز: أوشك زيد يجيء، وأن يجيء، وأوشك أن
يجيء زيد على الأوجه الثلاثة، وخبره يكون فعلاً مضارعاً مقروناً بأن وقد يسند إلى: أن، كما
قلنا في الأوجه الثلاثة، والحديث من هذا القبيل حيث أسند يوشك إلى أن، والفعل

٢٦٣
٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ / باب (١٢)
المضارع، فسد ذلك مسد اسمه وخبره، ومثله قول الشاعر:
فـالــبــ لازم برجاووجل
يوشك أن يبلغ منتهى الأجل
قوله: ((خير) يجوز فيه الرفع والنصب، أما الرفع فعلى الابتداء وخبره، قوله: ((غنم)،
ويكون: في يكون، ضمير الشأن لأنه كلام تضمن تحذيراً وتعظيماً لما يتوقع، وأما النصب
فعلى كونه خبر يكون مقدماً على اسمه، وهو قوله: ((غنم)). ولا يضر كون غنم نكرة لأنها
وصفت بقوله: ((يتبع بها)) وقد روى غنماً بالنصب وهو ظاهر، والأشهر في الرواية نصب خبر،
وفي رواية الأصيلي بالرفع، والضمير في: بها، يرجع إلى الغنم، وقد ذكرنا أنه اسم جنس
يجوز تأنيثه باعتبار معنى الجمع. قوله: ((شعف الجبال)) كلام إضافي منصوب على أنه
مفعول يتبع؛ قوله: ((ومواقع القطر)) أيضاً، كلام إضافي منصوب عطفاً على شعف الجبال.
قوله: ((يفر بدينه من الفتن) أي: من فساد ذات البين وغيرها، وقوله: يفر، جملة من الفعل
والفاعل وهو الضمير المستتر فيه الذي يرجع إلى المسلم، وهي في محل النصب على
الحال، أما من الضمير الذي في يتبع أو من المسلم، ويجوز وقوع الحال من المضاف إليه
نحو قوله تعالى: ﴿فاتبع ملة إبراهيم حنيفاً﴾ [النساء: ١٢٥] فإن قلت: إنما يقع الحال من
المضاف إليه إذا كان المضاف جزءاً من المضاف إليه أو في حكمه كما في: رأيت وجه
هند قائمة، فإنه يجوز، ولا يجوز قولك: رأيت غلام هند قائمة، والمال ليس بجزء للمسلم.
قلت: المال لشدة ملابسته بذي المال كأنه جزء منه، وكذلك الملة ليس بجزء لإبراهيم
حقيقة، وإنما هي بمنزلة الجزء منه. ويجوز أن تكون هذه الجملة استئنافية، وهي في الحقيقة
جواب سؤال مقدر، ويقدر ذلك بحسب ما يقتضيه المقام، والباء في ((بدينه)) للسببية، وكلمة:
من في قوله: (من الفتن)) ابتدائية تقديره: يفر بسبب دينه ومنشأ فراره الدين، ويجوز أن تكون
الباء، للمصاحبة كما في قوله تعالى: ﴿اهبط بسلام﴾ [هود: ٤٨] أي: معه.
بيان استنباط الفوائد: وهو على وجوه. الأول: فيه فضل العزلة في أيام الفتن إلاَّ أن
يكون الإنسان ممن له قدرة على إزالة الفتنة، فإنه يجب عليه السعي في إزالتها، إما فرض عين
وإما فرض كفاية بحسب الحال والإمكان، وأما في غير أيام الفتنة فاختلف العلماء في العزلة
والاختلاط أيهما أفضل؟ قال النووي: مذهب الشافعي والأكثرين إلى تفضيل الخلطة لما فيها
من اكتساب الفوائد، وشهود شعائر الإسلام، وتكثير سواد المسلمين، وإيصال الخير إليهم ولو
بعيادة المرضى، وتشييع الجنائز، وإفشاء السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
والتعاون على البر والتقوى، وإعانة المحتاج، وحضور جماعاتهم وغير ذلك مما يقدر عليه
كل أحد، فإن كان صاحب علم أو زهد تأكد فضل اختلاطه. وذهب آخرون إلى تفضيل
العزلة لما فيها من السلامة المحققة، لكن بشرط أن يكون عارفاً بوظائف العبادة التي تلزمه
وما يكلف به، قال: والمختار تفضيل الخلطة لمن لا يغلب على ظنه الوقوع في المعاصي.
وقال الكرماني: المختار في عصرنا تفضيل الانعزال لندور خلو المحافل عن المعاصي. قلت:
أنا موافق له فيما قال، فإن الاختلاط مع الناس في هذا الزمان لا يجلب إلا الشرور. الثاني:
i
i
i
i.
i
يجر
١

٢٦٤
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (١٣)
فيه الاحتراز عن الفتن، وقد خرجت جماعة من السلف عن أوطانهم وتغربوا خوفاً من الفتنة،
وقد خرج سلمة بن الأكوع إلى الربذة في فتنة عثمان، رضي الله عنه. الثالث: فيه دلالة على
فضيلة الغنم واقتنائها على ما نقول عن قريب إن شاء الله تعالى. الرابع: فيه إخبار بأنه يكون
في آخر الزمان فتن وفساد بين الناس، وهذا من جملة معجزاته معَّله.
الأسئلة والأجوبة :. منها ما قيل: لِمَ قيد بالغنم؟ وأجيب: بأن هذا النوع من المال نموه
وزيادته أبعد من الشوائب المحرمة كالربا والشبهات المكروهة، وخصت الغنم بذلك لما فيها
من السكينة والبركة، وقد رعاها الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، مع أنها سهلة الانقياد خفيفة
المؤونة كثيرة النفع. ومنها ما قيل: لِمَ قيد الاتباع بالمواضع الخالية مثل شعف الجبال
ونحوها؟ وأجيب: بأنها أسلم غالباً من المعادلات المؤدية إلى الكدورات. ومنها ما قيل: ما
وجه كون الغنم خير مال المسلم؟ وأجيب: بأنه لما كان فيها الجمع بين الرفق والربح
وصيانة الدين، كانت خير الأموال التي يعنى بها المسلم. ومنها ما قيل: لِمَ قيد الاتباع
المذكور بقوله: ((يفر بدينه))؟ وأجيب: للإشعار بأن هذا الاتباع ينبغي أن يكون استعصاماً
للدين لا للأمر الدنيوي كطلب كثرة العلف وقلة أطماع الناس فيه. ومنها ما قيل: كيف
يجمع بين مقتضى هذا الحديث من اختيار العزلة، وبين ما ندب إليه الشارع من اختلاط أهل
المحلة لإقامة الجماعة، وأهل السواد مع أهل البلدة للعيد والجمعة، وأهل الآفاق لوقوف
عرفة؟ وفي الجملة اهتمام الشارع بالاجتماع معلوم، ولهذا قال الفقهاء: يجوز نقل اللقيط من
البادية إلى القرية ومن القرية إلى البلد لا عكسهما؛ وأجيب: بأن ذلك عند عدم الفتنة وعدم
وقوعه في المعاصي وعند الاجتماع بالجلساء الصلحاء، وأما اتباع الشعف والمقاطر وطلب
الخلوة والانقطاع إنما هو في أضداد هذه الحالات.
١٣ - باب قَوْلِ النبيِ عٍَّ: أَنَا أَعْلَمُكُمْ بالله، وأنَّ المَعْرِفَةَ فِعْلُ القَلْبِ لِقَوْلِ اللَّهِ
تعالى ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]
أي: هذا باب قول النبي عَّهِ، والإضافة ههنا متعينة. وقوله: ((أنا أعلمكم بالله)) مقول
القول، كذا في رواية أبي ذر، وهو لفظ الحديث الذي أورده في جميع طرقه، وفي رواية
الأصيلي: أعرفكم، فعن قريب يأتي الفرق بين المعرفة والعلم.
وجه المناسبة بين البابين: أن الباب الأول يبين فيه أن من الدين الفرار من الفتن، وهذا
لا يكون إلا على قدر قوة دين الرجل حيث يحفظ دينه ويعتزل الناس خوفاً من الفتن، وقوة
الدين تدل على قوة المعرفة بالله تعالى، فكلما كان الرجل أقوى في دينه كان أقوى في
معرفة ربه، ومن هذا الباب يبين أن أعرف الناس بالله تعالى هو النبي معَ له فلا جرم هو أقوى
ديناً من الكل. وبقي الكلام ههنا في ثلاثة مواضع. الأول: أن هذا كتاب الإيمان، فما وجه
تعلق هذه الترجمة بالإيمان؟ والثاني: ما مناسبة قوله: ((وأن المعرفة فعل القلب)) بما قبله، ولا
تعلق للحديث به أصلاً ولا دلالة له عليه لا عقلاً ولا وضعاً؟ والثالث: ما مناسبة ذكر قوله
:-.

٢٦٥
٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ / باب (١٣)
تعالى: ﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾ [البقرة: ٢٢٥] ههنا فلا تعلق له بالإيمان لأنه
في الإيمان، ولا تعلق له بالباب أيضاً؟ قلت: أما وجه الأول: فهو أن المعرفة بالله تعالى والعلم
به من الإيمان، فحينئذٍ دخل في كتاب الإيمان، وفيه رد على الكرامية لأنهم يقولون: إن الإيمان
مجرد الإقرار باللسان، وزعموا أن المنافق مؤمن في الظاهر وكافر في السريرة، فيثبت له حكم
المؤمنين في الدنيا وحكم الكافرين في الآخرة، وأشار البخاري بالرد عليهم: بأن الإيمان، هو
أو بعضه، فعل القلب بالحديث المذكور. وأما وجه الثاني: فهو أن الصحابة، رضي الله
عنهم، لما أرادوا أن يزيدوا أعمالهم على عمل رسول الله عَّله قال لهم: لا يتهيأ لكم لأني
أعلمكم، والعلم من جملة الأفعال، بل من أشرفها لأنه عمل القلب، فناسب قوله: ((وأن
المعرفة فعل القلب)) بما قبله. وأما وجه الثالث: فهو أنه أراد أن يستدل بالآية على أن الإيمان
بالقول وحده لا يتم، ولا بد من انضمام العقيدة إليه، ولا شك أن الاعتقاد فعل القلب فهو
مناسب لقوله: ((وأن المعرفة فعل القلب)). ولا يضر استدلاله كون مورد الآية في الإيمان
بالفتح، لأن مدار العلم فيها أيضاً على عمل القلب، فنبه البخاري ههنا على شيئين: أحدهما:
الرد على الكرامية الذي هو متفق عليه بالوجه الذي ذكرنا. والآخر: الدليل على زيادة الإيمان
ونقصانه على مقتضى مذهبه، لأن قوله عَّ الله: ((أنا أعلمكم بالله)) يدل ظاهراً على أن الناس
متفاوتون فى معرفة الله تعالى، وأن النبي عَّله هو أعلمهم، فإذا كان كذلك يكون الإيمان
قابلاً للزيادة والنقصان. قوله: ((وأن المعرفة)) بفتح الهمزة عطفاً على القول لا على المقول
وإلاَّ لكان تكراراً، إذ المقول وما عطف عليه حكمهما واحد، ويجوز كسر: إن ويكون كلاماً
مستأنفاً. قوله: ((لقول الله تعالى)) استدلال بهذه الآية على أن الإيمان بالقول وحده لا يتم.
قوله: ﴿بما كسبت قلوبكم﴾ [البقرة: ٢٢٥] أي: بما عزمت عليه قلوبكم وقصدتموه، إذ كسب
القلب عزمه ونيته، وفي الآية دليل لما عليه الجمهور، أن أفعال القلوب إذا استقرت يؤاخذ
بها، وقوله عليه السلام: ((إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو
يعملوا به))، محمول على ما إذا لم يستقر، وذلك معفو عنه بلا شك، لأنه لا يمكن الانفكاك
عنه بخلاف الاستقرار. فإن قلت: ما حقيقة المعرفة؟ قلت: في اللغة المعرفة: مصدر عرفته
أعرفه، وكذلك العرفان، وأما في اصطلاح أهل الكلام فهي معرفة الله تعالى بلا كيف ولا
تشبيه. والفرق بينهما وبين العلم: أن المعرفة عبارة عن الإدراك الجزئي، والعلم عن الإدراك
الكلي. وبعبارة أخرى: العلم إدراك المركبات، والمعرفة إدراك البسائط وهذا مناسب لما
يقوله أهل اللغة من: أن العلم يتعدى إلى مفعولين، والمعرفة إلى مفعول واحد. وقال إمام
الحرمين: أجمع العلماء على وجوب معرفة الله تعالى، وقد استدل عليه بقوله تعالى: ﴿فاعلم
أنه لا إله إلاّ الله﴾ [محمد: ١٩] واختلف في أول واجب على المكلف، فقيل: معرفة الله
تعالى، وقيل: النظر، وقيل: القصد إلى النظر الصحيح. وقال الإمام: الذي أراه أنه لا اختلاف
بينهما، فإن أول واجب خطاباً ومقصوداً: المعرفة، وأول واجب اشتغالاً وأداءً: القصد، فإن ما
لا يتوصل إلى الواجب إلاّ به فهو واجب، ولا يتوصل إلى المعارف إلاَّ بالقصد.
i
i
i
i

٠٠
٢٦٦
٠/٠
٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (١٣)
٢٠/١ - حدثنا مُحَمَّدُ بنُّ سَلاَم قال: أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ عنْ هِشامٍ عنْ أَبِيهِ عنْ عائِشَةً
قالتْ: كَانَ رسولُ اللَّهِ عَ لَّهِ إِذَا أَمَرَهُمْ أُمَّرَهُمْ مِنَ الأَعْمَالِ بِما يُطِيقُونَ. قَالُوا: إِنَّا لِسْنَا كَهْيَئِكَ
يا رسولَ اللَّهِ، إنّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وما تَأْخَّرَ، فَيَغْضَبُ حَتى يُعْرَفَ الغَضّبُ
في وجهِهِ ثم يَقُولُ: (إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللَّهِ أَنَا).
مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة، فإنها جزء منه.
بيان رجاله: وهم خمسة. الأول: أبو عبد الله محمد بن سلام بن الفرج السلمي،
مولاهم، البخاري البيكندي، سمع ابن عيينة وابن المبارك وغيرهما من الأعلام، وعنه الأعلام
الحفاظ: كالبخاري ونحوه، أنفق في العلم أربعين ألفاً، ومثلها في نشره، ويقال: إن الجن
كانت تحضر مجلسه، وقال: أدركت مالكاً ولم أسمع منه، وكان أحمد يعظمه، وعنه أحفظ
أكثر من خمسة آلاف حديث كذب، وله رحلة ومصنفات في أبواب من العلم، وانكسر قلمه
في مجلس شیخ فأمر أن ینادی: قلم بدینار، فطارت إليه الأقلام، توفي سنة خمس وعشرين
ومائتين، وانفرد البخاري به عن الكتب الستة. ثم اعلم أن: سلاماً، والد محمد المذكور
بالتخفيف على الصواب، وبه قطع المحققون، منهم: الخطيب وابن ماكولا، وهو ما ذكره
غبخار في (تاريخ بخارى)، وهو أعلم ببلاده، وحكاه أيضاً عنه فقال: قال سهل بن المتوكل:
سمعت محمد بن سلام يقول: أنا محمد بن سلام، بالتخفيف، ولست بمحمد بن سلام،
وذكر بعض الحفاظ أن تشديده لحن، وأما صاحب (المطالع) فادعى أن التشديد رواية
الأكثرين، ولعله أراد أكثر شيوخ بلده. وقال النووي: لا يوافق على هذه الدعوى، فإنها مخالفة
للمشهور. الثاني: أبو محمد عبدة، بسكون الباء، ابن سليمان بن حاجب بن زرارة بن عبد
الرحمن بن صرد بن سمير بن مليك بن عبد الله بن أبي بكر بن كلاب الكلابي الكوفي، هكذا
نسبه محمد بن سعد في (الطبقات)، وقيل: اسمه عبد الرحمن، وعبدة لقبه، سمع جماعة من
التابعين، منهم: هشام والأعمش، وعنه الأعلام: أحمد وغيره. قال أحمد: ثقة ثقة وزيادة مع
صلاح، وقال العجلي: ثقة رجل صالح صاحب قرآن، توفي بالكوفة في جمادى، وقيل: في
رجب سنة ثمان وثمانين ومائة؛ قال الترمذي: وقال البخاري: سنة سبع، روى له الجماعة.
الثالث: هشام بن عروة. الرابع: أبو عروة بن الزبير بن العوام. الخامس: عائشة رضي الله
عنها، وقد ذكروا في باب الوحي.
بيان الأنساب: السلمي، بضم السين وفتح اللام، في قيس غيلان، وفي الأزد، فالذي
في قيس غيلان: سليم بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس بن غيلان، والذي في الأزد:
سليم بن بهم بن غنم بن دوس، وهو من شاذ النسب، وقياسه: سليمي. البخاري: نسبة إلى
بخارى، بضم الباء الموحدة، مدينة مشهورة بما وراء النهر، خرجت منها العلماء والصلحاء،
ويشتمل على بخارى وعلى قراها ومزارعها سور واحد نحو اثني عشر فرسخاً، في مثلها،
وقال ابن حوقل: ورساتيق بخارى تزيد على خمسة عشر رستاقاً، جميعها داخل الحائط
المبني على بلادها، ولها خارج الحائط أيضاً عدة مدن منها: فربر وغيرها. البيكندي: بياء

٢٦٧
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (١٣)
موحدة مكسورة ثم ياء آخر الحروف ساكنة ثم كاف مفتوحة ثم نون ساكنة، نسبة إلى
بيكند، بلدة من بلاد بخارى على مرحلة منها، خربت، ويقال: الباكندي أيضاً، ويقال بالفاء
أيضاً: الفاكندي، وينسب إليها ثلاثة أنفس انفرد البخاري بهم، أحدهم: محمد بن سلام
المذكور، وثانيهم: محمد بن يوسف، وثالثهم: يحيى بن جعفر الكلابي في قیس غيلان
ینسب إلى: كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوزان بن منصور بن
عكرمة بن حفصة بن قيس بن غيلان.
بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه تحديثاً وإخباراً وعنعنة، والإخبار في قوله: أخبرنا
عبيدة بن سليمان، وفى رواية الأصيلي، حدثنا. ومنها: أن إسناده مشتمل على: بخاري
وكوفي ومدني، ومنها: أن رواته أئمة أجلاء.
بيان من أخرجه: هذا الحديث من أفراد البخاري عن مسلم، وهو من غرائب
الصحيح، لا يعرف إلاّ من هذا الوجه، وهو مشهور عن هشام، فرد مطلق من حديثه، عن
أبيه، عن عائشة.
بيان اللغات: قوله: ((بما يطيقون)) من: أطاق يطيق إطاقة، وطوقتك الشيء أي: كلفتك
به. (كهيئتك)) الهيئة الحالة والصورة، وفي (العباب) الهيئة الشاردة، وفلان حسن الهيئة،
والهيئة بالفتح والكسر، والهيء على فيعل: الحسن الهيئة من كل شيء يقال: هاء يهاء هيئة.
قوله: ((إن الله قد غفر)) الغفر في اللغة الستر. وفي (العباب): الغفر التغطية، والغفر والغفران
والمغفرة واحد، ومغفرة الله لعبده إلباسه إياه العفو، وستر ذنوبه. قوله: ((فيغضب)) من غضب
عليه غضباً ومغضبة أي: سخط، وقال ابن عرفة: الغضب من المخلوقين شيء يداخل قلوبهم،
ويكون منه محمود ومذموم، والمذموم ما كان في غير الحق، وأما غضب الله تعالى فهو
إنكاره على من عصاه فيعاقبه. وقال الصطاوي، رحمه الله: إن الله يغضب ويرضى لا كأحد
من الورى، قال في (العباب): وأصل التركيب يدل على شدة وقوة.
i
i
i
بيان الإعراب: قوله: ((رسول الله عَلٍ)) اسم كان، وخبره قوله: إذا أمرهم، قوله:
((قالوا))، جواب: إذا. قوله: ((لسنا كهيئتك))، ليس المراد نفي تشبيه ذواتهم بحالته، عليه
الصلاة والسلام، فلا بد من تأويل في أحد الطرفين، فقيل: المراد كهيئتك: كمثلك، أي:
كذاتك، أو: كنفسك، وزيد لفظ الهيئة للتأكيد، نحو: مثلك لا يبخل أو التقدير في لسنا:
ليس حالنا، فحذف الحال وأقيم المضاف إليه مقامه، واتصل الفعل بالضمير فقيل: لسنا،
فالنون اسم ليس، وخبره قوله: كهيئتك، قوله: (ما تقدم)) جملة في محل النصب على أنها
مفعول غفر، وكلمة: من، بيانية وقوله: ((وما تأخر)) عطف عليه، والتقدير: وما تأخر من ذنبك.
قوله: ((فيغضب)) على صورة المضارع، فهو وإن كان بلفظ المضارع ولكن المقصود حكاية
الحال الماضية، واستحضار تلك الصورة الواقعة للحاضرين، وفي أكثر النسخ: فغضب، بلفظ
الماضي، قوله: ((حتى يعرف الغضب)) على صيغة المجهول، والغضب مرفوع به، وإما يعرف
فإنه منصوب بتقدير: أن، أي: حتى أن يعرف الغضب، والنصب هو الرواية، ويجوز فيه الرفع
جوة
١٣٠

٢٦٨
٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (١٣)
بأن يكون عطفاً على: فيغضب، فافهم. قوله: ((إن أتقاكم)) أي: أكثركم تقوى وخشية من الله
تعالى، وأتقاكم: اسم إن، و: أعلمكم، عطف عليه، وقوله: أنا، خبره، وفي كتاب أبي نعيم:
((وأعلمكم بالله لأنا) بزيادة لام التأكيد.
بيان المعاني: قوله: ((إذا أمرهم من الأعمال) أي: إذا أمر الناس بعمل أمرهم بما
يطيقون ظاهره أنه كان يكلفهم بما يطاق فعله، لكن السياق دل على أن المراد أنه يكلفهم
بما يطاق الدوام على فعله، ووقع في معظم الروايات: ((كان إذا أمرهم أمرهم من الأعمال))
بتكرار أمرهم، وفي بعضها أمرهم مرة واحدة، وهو الذي وقع في طرق هذا الحديث من
طريق عبدة، وكذا من طريق ابن نمير وغيره، عن هشام عند أحمد، وكذا ذكره الإسماعيلي
من رواية أبي أسامة، عن هشام ولفظه: ((كان إذا أمر الناس بالشيء قالوا)) ... والمعنى على
التكرير: كان إذا أمرهم بعمل من الأعمال أمرهم بما يطيقون الدوام عليه، فأمرهم: الثاني
يكون جواب الشرط. فإن قلت: فعلى هذا ما يكون قوله: قالوا؟ قلت: يكون جواباً ثانياً.
قلت: ((إنا لسنا كهيئتك)) أرادوا بهذا الكلام طلب الإذن في الزيادة من العبادة، والرغبة في
الخير يقولون: أنت مغفور لك لا تحتاج إلى عمل، ومع هذا أنت مواظب على الأعمال،
فكيف بنا وذنوبنا كثيرة، فرد عليهم، وقال: أنا أولى بالعمل لأني أعلمكم وأخشاكم. قوله:
((إن الله قد غفر لك)) اقتباس من قوله تعالى: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾
[الفتح: ٢] وقد عرفت ما في هذا التركيب من المؤكدات. فإن قلت: النبي صَ لله معصوم عن
الكبائر والصغائر فما ذنبه الذي غفر له؟ قلت: المراد منه ترك الأولى والأفضل بالعدول إلى
الفاضل، وترك الأفضل كأنه ذنب لجلالة قدر الأنبياء، عليهم السلام، ويقال: المراد منه ذنب
أمته. قوله: ((أتقاكم) إشارة إلى كمال القوة العملية، وأعلمكم إلى كمال القوة العلمية ولما
كان - عليه السلام - جامعاً لأقسام التقوى حاوياً لأقسام العلوم، ما خصص التقوى ولا العلم،
وأطلق، وهذا قريب مما قال علماء المعاني: قد يقصد بالحذف إفادة العموم والاستغراق،
ويعلم منه أن رسول الله عة، كما أنه أفضل من كل واحد وأكرم عند الله وأكمل، لأن
كمال الإنسان منحصر في الحكمتين العلمية والعملية، وهو الذي بلغ الدرجة العليا والمرتبة
القصوى منهما، يجوز أن يكون أفضل وأكرم وأكمل من الجميع حيث قال: ((أتقاكم
وأعلمكم)) خطاباً للجميع.
بيان استنباط الفوائد: وهو على وجوه. الأول: أن الأعمال الصالحة ترقي صاحبها
إلى المراتب السنية من: رفع الدرجات ومحو الخطيئات، لأنه - عليه السلام - لم ينكر
عليهم استدلالهم من هذه الجهة، بل من جهة أخرى. الثاني: أن العبادة الأولى فيها
القصد وملازمة ما يمكن الدوام عليه. الثالث: أن الرجل الصالح ينبغي أن لا يترك الاجتهاد في
العمل اعتماداً على صلاحه. الرابع: أن الرجل يجوز له الإخبار بفضيلته إذا دعت إلى ذلك
حاجة. الخامس: أنه ينبغي أن يحرص على كتمانها فإنه يخاف من إشاعتها زوالها.
السادس: فيه جواز الغضب عند رد أمر الشرع ونفوذ الحكم في حال الغضب والتغير،

٢٦٩
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (١٤)
السابع: فيه دليل على رفق النبي عَّ له، بأمته، وأن الدين يسر، وأن الشريعة حنيفية سمحة.
الثامن: فيه الإشارة إلى شدة رغبة الصحابة في العبادة، وطلبهم الازدياد من الخير.
١٤ - باب مَنْ كَرِهَ أنْ يَعُودَ في الكُفْرِ كما يَكْرَهُ أن يُلْقَى في النارِ مِن الإِيمانِ
أي: هذا باب من كره، ويجوز في باب التنوين والوقف والإضافة إلى الجملة، وعلى
كل التقدير قوله: من، مبتدأ وخبره قوله: من الإيمان، و: أن في الموضعين مصدرية، وكذلك
كلمة: ما ومن، موصولة، وكره أن يعود: صلتها، وفيه حذف، تقدير الكلام: باب كراهة من
كره العود في الكفر ككراهة الإلقاء في النار من شعب الإيمان. والكراهة ضد الإرادة والرضى،
والعود بمعنى الصيرورة، وقال الكرماني: ضمن فيه معنى الاستقرار حتى عدى بفي، ونحوه
قوله تعالى: ﴿أو لتعودن في ملتنا﴾ [الأعراف: ٨٨] قلت: في، تجيء بمعنى: إلى، كما في
قوله تعالى: ﴿فردوا أيديهم في أفواههم﴾ [إبراهيم: ٩].
جوة
وجه المناسبة بين البابين: أن في الباب الأول أن النبي ◌َّ له. كان إذا أمر أصحابه بعمل
كانوا يسألونه أن يعملوا بأكثر من ذلك، وذلك لوجدانهم حلاوة الإيمان من شدة محبتهم
للنبي عَّه، وهذا الباب أيضاً يتضمن هذا المعنى لأن فيه؛ من أحب الله ورسوله أكثر مما
يحب غير الله ورسوله فإنه يفوز بحلاوة الإيمان.
٢١/١ - حدّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قال: حدثنا شُعْبَةُ عنْ قَتَادَةَ عنْ أَنَسِ، رضي الله
عنه، عنِ النبي ◌َّهِ قالَ: ((ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فيهِ وَجَدَ خَلاَوَةَ الإِيمانِ: مَنْ كانَ اَللَّهُ ورسولهُ
أَحَبَّ إِلَيْهِ ممَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ أَحَبَّ عَبْداً لاَ يُحِبُّهُ إِلاَّ اللَّهِ، ومَنْ يَكْرَهُ أنْ يَعُودَ في الكُفْرِ
بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ كما يَكْرَهُ أن يُلْقَى في النارِ). [أنظر الحديث رقم: ١٦ وأطرافه].
مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة، لأن الحديث مشتمل على ثلاثة أشياء، وفيما مضى
بوبه على جزء منه، وههنا بوب على جزء آخر، لأن عادته قد جرت في التبويب على ما
يستفاد من الحديث، ولا يقال: إنه تكرار، لأن بينه وبين ما سبق تفاوت كثير في الإسناد
والمتن، أما في الإسناد ففيما مضى عن محمد بن المثنى، عن عبد الوهاب، عن أيوب، عن
أبي قلابة، عن أنس. وههنا عن سليمان بن حرب، عن شعبة عن قتادة، عن أنس. وأما في
المتن: ففيما مضى لفظه: أن يكون الله ورسوله أحب، وأن يحب المرء، وأن يكره، وأن
يقذف موضع أن يلقى، وههنا كما تراه مع زيادة؛ ((بعد أن أنقذه الله))، على أن المقصود من
إيراده ههنا تبويب آخر غير ذلك التبويب لما قلنا، وأما شيخ البخاري ههنا فهو أبو أيوب
سليمان بن حرب بن بجيل، بفتح الباء الموحدة والجيم المكسورة بعدها الياء آخر الحروف
الساكنة وفي آخره لام، الأزدي الواشحي، بكسر الشين المعجمة والحاء المهملة، البصري،
و: واشح، بطن من الأزد، سكن مكة وكان قاضيها، سمع: شعبة والحمادين وغيرهم، وعنه:
أحمد والذهلي والحميدي والنجاري، وهؤلاء شيوخه، وقد شار کهم في الرواية عنه، وروى
جو٠
i
i
i
روب

٣٠
٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ / باب (١٥)
٢٧٠
عنه: أبو داود أيضاً، وروى مسلم والترمذي وابن ماجة عن رجل عنه، قال أبو حاتم: هو إمام
من الأئمة لا يدلس ويتكلم في الرجال والفقه، وظهر من حديثه نحو عشرة آلاف، ما رأيت
في يده كتاباً قط، ولقد حضرت مجلسه ببغداد فحرزوا من حضر مجلسه أربعين ألف رجل،
قال البخاري: ولد سنة أربعين ومائة، وتوفي سنة أربع وعشرين ومائتين، وكانت وفاته بالبصرة.
و کان قد عزل من قضاء مكة ورجع إليها.
ومن لطائف إسناده: أنهم كلهم بصريون، وهو أحد ضروب علو الرواية.
قوله: ((ثلاث)) أي: ثلاث خصال أو خلال، وقد مر الإعراب فيه، قوله: (من كان الله))
يجوز في إعرابه الوجهان: أحدهما: أن يكون بدلاً من ثلاث، أو بياناً، والآخر: أن يكون خبر
مبتدأ محذوف، وتقدير الأول: من الذين فيهم الخصال الثلاث من كان الله ... إلى آخره،
ويجوز أن يكون خبراً لقوله: ثلاث، على تقدير كون الجملة الشرطية صفة لثلاث. وقال
الكرماني: يقدر قبل من الأولى، والثانية لفظة: محبة، وقيل من الثالثة لفظ: كراهة، أي: محبة
من كان ومن أحب وكراهة من كره، ولشدة اتصال المضاف بالمضاف إليه وغلبة المحبة
والكراهة عليهم جاز حذف المضاف منها. قلت: لا حاجة إلى هذا التقدير لاستقامة الإعراب
والمعنى بدونه، على ما لا يخفى. قوله: ((بعد إذ أنقذه الله)) بعد، نصب على الظرف، وإذ،
كلمة ظرف كما في قوله تعالى: ﴿فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا﴾ [التوبة: ٤٠]
ومعنى أنقذه الله: خلصه ونجاه، وهو من الإنقاذ، وثلاثيه النقذ، قال ابن دريد: النقذ مصدر
نقذ بالكسر ينقذ نقذاً بالتحريك: إذا نجى، قال تعالى: ﴿فأنقذكم منها﴾ [آل عمران: ١٠٣]
أي: خلصكم، يقال: أنقذته واستنقذته وتنقذته: إذا خلصته ونجيته، قال تعالى: ﴿لا يستنقذوه
منه﴾ [الحج: ٧٣] وفي (العباب): والتركيب يدل على الاستخلاص.
١٥ - بابُ تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِيمانِ فِي الأَعْمَالِ
أي: هذا باب تفاضل أهل الإيمان، والأصل: هذا باب في بيان تفاضل أهل الإيمان في
أعمالهم، وتفاضل، مجرور بإضافة الباب إليه، ويجوز أن يكون مرفوعاً بالابتداء. وقوله: ((في
الأعمال)) خبره، ويكون الباب مضافاً إلى جملة، وقوله: في الأعمال يتعلق بتفاضل. أو يتعلق
بمقدر نحو: الحاصل، وكلمة: في، للسببية كما في قوله تعَ له: ((في النفس المؤمنة مائة
إبل)) أي: التفاضل الحاصل بسبب الأعمال.
وجه المناسبة بين البابين أن المذكور في الباب الأول ثلاث خصال، والناس متفاوتون
فيها، والفاضل من استكمل الثلاث فقد حصل فيه التفاضل في العمل، وهذا الباب أيضاً في
التفاضل في العمل.
٢٢/١ - حدّثنا إِسْمَاعِيلُ قال: حدّثني مَالِكٌ عن عَمْرِو بنِ يَحْتَى الْمَازِنيُّ عن أبِيهِ
عن أبي سَعِيدٍ الخُذْرِي، رضي الله عنه، عن النبيِّ عَّلَّمِ قالَ: ((يدْخُلُ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ
وأهلُ النَّارِ النَّارَ ثُم يَقُولُ اللَّهُ تعالى: أَخْرِبُوا مَن كان في قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ
١٠

٢٧١
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (١٥)
إيمانٍ، فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا قَدِ اسْوَدُّوا فَيُلْقَوْنَ فِي نَهْرِ الحَياءِ - أو الحَيَاةِ، شَكَّ مَالِكٌ -
فَيْبُتُونَ كما قَتْبُتُّ الجِبَّةُ في جانِب السَّيْلِ، أَلَمْ ثَرَ أَنَّها تَخْرُجُ صَفَرَاءَ مُلْتَوِيَةً)). [الحديث
٢٢ - أطرافه في: ٤٥٨١، ٤٩١٩، ٦٥٦٠، ٦٥٧٤، ٧٤٣٨، ٧٤٣٩].
مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة، وهي أن المذكور فيه هو: أن القليل جداً من الإيمان
يخرج صاحبه من النار والتفاوت في شيء فيه القلة والكثرة ظاهر وهو عين التفاضل، لا يقال:
الحديث إنما يدل على تفاضلهم في ثواب الأعمال لا في نفس الأعمال، إذ المقصود منه
بيان أن بعض المؤمنين يدخلون الجنة أول الأمر، وبعضهم يدخلون آخراً، لأنا نقول: يدل
على تفاوت الناس في الأعمال أيضاً، لأن الإيمان: إما التصديق وهو عمل القلب، وإما
التصديق مع العمل، وعلى التقديرين قابل للتفاوت، إذ مثقال الحبة إشارة إلى ما هو أقل منه
أو تفاوت الثواب مستلزم لتفاوت الأعمال شرعاً، ويحتمل أن يراد من الأعمال ثواب الأعمال،
إما تجوزاً بإطلاق السبب وإرادة المسبب، وإما إضماراً بتقدير لفظ الثواب مضافاً إليها.
بيان رجاله: وهم خمسة: الأول: إسماعيل بن عبد الله أبي أويس بن عبد الله بن
أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي، عم مالك بن أنس أخي الربيع وأنس وأبي سهيل نافع،
أولاد مالك بن أبي عامر؛ وإسماعيل هذا ابن أخت الإمام مالك بن أنس، سمع: خاله وأباه
وأخاه عبد المجيد وإبراهيم بن سعد وسليمان بن بلال وآخرين، روى عنه: الدارمي والبخاري
ومسلم وغيرهم من الجفاظ، وروى مسلم أيضاً عن رجل عنه، وروی له أبو داود والترمذي
وابن ماجة، ولم يخرج له النسائي لأنه ضعفه، وقال أبو حاتم: محله الصدق وكان مغفلاً،
وقال يحيى بن معين: هو ووالده ضعيفان، وعنه: يسرقان الحديث، وعنه: إسماعيل صدوق
ضعيف العقل ليس بذلك، يعني: أنه لا يحسن الحديث ولا يعرف أن يؤديه ويقرأ في غير
کتابه، وعنه: مختلط یکذب ليس بشيء، وعنه: يساوي فلسين، وعنه: لا بأس به. وكذلك
قال أحمد: قال أبو القاسم اللالكائي: بالغ النسائي في الكلام عليه بما يؤدي إلى تركه، ولعله
بان له ما لم يبن لغيره، لأن كلام هؤلاء كلهم يؤول إلى أنه ضعيف. وقال الدارقطني: لا
أختاره في الصحيح. وقال ابن عدي: روى عن خاله مالك أحاديث غرائب لا يتابعه أحد
عليها. وأثنى عليه ابن معين وأحمد، والبخاري يحدث عنه بالكثير وهو خير من أبيه، وقال
الحاكم: عيب على البخاري ومسلم إخراجهما حديثه وقد احتجا به معاً، وغمزه من يحتاج
إلى كفيل في تعديل نفسه، أعني: النضر بن سلمة، أي: فإنه قال: كذاب. قلت: قد غمزه
من لا يحتاج إلى كفيل، ومن قوله حجة مقبولة. وقد أخرجه البخاري عن غيره أيضاً، فاللين
الذي فيه يُجبر إذن. مات في سنة ست، ويقال: في رجب سنة سبع وعشرين ومائتين.
الثاني: مالك بن أنس، وقد تقدم ذكره. الثالث: عمرو، بفتح العين، ابن يحيى بن عمارة،
ووقع بخط النووي في (شرحه) عثمان وهو تحريف، ابن أبي حسن تميم بن عمرو، وقيل:
يحيى بن عمرو، حكاه الذهبي في الصحابة، ابن قيس بن يحرث بن الحارث بن ثعلبة بن
مازن بن النجار الأنصاري المازني المدني، روى عن أبيه وعن غيره من التابعين، وعنه:
١

٢٧٢
٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ / باب (١٥)
٤٠٠٠
يحيى بن سعيد الأنصاري وغيره من التابعين وغيرهم، والأنصاري من أقرانه، وروى عن
يحيى بن كثير وهو من أقرانه أيضاً، وثقه أبو حاتم والنسائي، توفي سنة أربعين ومائة. وعمار
صحابي بدري عقبي، ذكره أبو موسى وأبو عمر، وفيه نظر. نعم، أبوه صحابي عقبي بدري،
وقال ابن سعد: وشهد الخندق وما بعد هذا، وأم عمرو هذا هي أم النعمان بنت أبي حنة،
بالنون، ابن عمرو بن غزية بن عمرو بن عطية ابن خنساء بن مندول بن عمرو بن غانم بن
مازن بن النجار. الرابع: أبو يحيى بن عثمان بن أبي حسن الأنصاري المازني المدني، سمع:
أبا سعيد وعبد الله بن زيد، وعنه ابنه والزهري وغيرهما، روى له الجماعة. الخامس: أبو
سعید سعد بن مالك الخدري رضي الله عنه.
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري هنا عن إسماعيل عن مالك،
وفي صفة الجنة والنار عن وهيب بن خالد، وأخرجه مسلم في الإيمان عن هارون عن ابن
وهب عن مالك، وعن أبي بكر عن عفان عن وهيب، وعن حجاج ابن الشاعر عن عمرو بن
عون عن خالد بن عبد الله ثلاثتهم عن عمرو بن يحيى به، ووقع هذا الحديث للبخاري عالياً
برجل عن مسلم، وأخرجه النسائي أيضاً. وهذا الحديث قطعة من حديث طويل يأتي إن شاء
الله تعالى، وقد وافق إسماعيل على رواية هذا الحديث عبد الله بن وهب ومعن بن عيسى عن
مالك، وليس هو في (الموطأ)، قال الدارقطني: هو غريب صحيح، وفي رواية الدارقطني من
طريق إسماعيل: ((يدخل الله))، وزاد من طريق معن: ((يدخل من يشاء برحمته))، وكذا
الإسماعيلي على طريق ابن وهب.
بيان اللغات: قوله: (مثقال حبة)) المثقال: كالمقدار لفظاً ومعنى، مفعال من الثقل،
وفي (العباب): مثقال الشيء ميزانه من مثله، وقوله تعالى: ﴿مثقال ذرة﴾ [النساء: ٤٠] أي:
زنة ذرة، قال:
وكلا يوافيه الجزاء بمثقال
أي: بوزن. وحكى أبو نصر: ألقى عليه مثاقيله؛ أي مؤونته، والثقل ضد الخفة،
والمثقال في الفقه من الذهب عبارة عن اثنين وسبعين شعيرة، قاله الكرماني. قلت: ذكر في
(الاختيار) أن المثقال عشرون قيراطاً وكذا ذكر في (الهداية) وفي (العباب): القيراط معروف
ووزنه يختلف باختلاف البلاد، فهو عند أهل مكة، حرسها الله تعالى: ربع سدس الدينار،
وعند أهل العراق: نصف عشر الدينار. قلت: ذكر الفقهاء أن القيراط: طسوجتان، والطسوجة:
شعيرتان، والشعيرة: ذرتان، والذرة: فتيلتان، والفتيلة: شعرتان. وأما المراد ههنا من المثقال
فقد قيل: هو وزن مقدر، الله أعلم بقدره، وليس المراد المقدر هذا المعلوم، فقد جاء مبيناً،
وكان في قلبه من الخير ما يزن برة، والحبة، بفتح الحاء وتشديد الباء الموحدة: واحدة
الحب المأكول من الحنطة ونحوها، وفي (المحكم) وجمع الحبة حبات وحبوب وحب
وحبان، الأخيرة نادرة. قوله: (من خردل))، بفتح الخاء المعجمة: هو نبات معروف يشبه
الشيء القليل البليغ في القلة، بذلك يعني: يدخل الجنة من كان في قلبه أقل قدر من الإيمان،

١٣٠
٠٣٤
٢٧٣
٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ / باب (١٥)
وقال في (العباب): الخردل معروف واحدته: خردلة؛ قوله: ((في نهر الحياء)» كذا في هذه
الرواية بالمد، وهي رواية الأصيلي، ولا وجه له كما نبه عليه القاضي، وفي رواية كريمة
وغيرها بالقصر، وعليه المعنى، لأن المراد كل ما يحصل به الحياة، والحيا بالقصر هو المطر،
وبه يحصل حياة النبات، فهو أليق بمعنى الحياة من الحياء الممدود الذي بمعنى الخجل، ونهر
الحياة معناه الماء الذي يحيى من انغمس فيه. قوله: (( كما تنبت الجبّة)) بكسر الحاء وتشديد
الباء الموحدة، بذر العشب، وجمعه حبب، كقربة وقرب. ويحتمل أن يكون اللام للعهد،
ويراد به: حبة بقلة الحمقاء، لأن شأنه أن ينبت سريعاً على جانب السيل فيتلفه السيل، ثم
ينبت فيتلفه السيل، ولهذا سميت بالحمقاء، لأنه لا تمييز لها في اختيار المنبت. وقال
الجوهري: الحبة، بالكسر: بذور الصحراء مما ليس بقوت، وفي الحديث ينبتون كما تنبت
الحبة في حميل السيل، وتسمى: الرجلة، بكسر الراء والجيم، بقلة الحمقاء لأنها لا تنبت إلاَّ
في المسيل. وقال الكسائي: هو حب الرياحين، ففي بعض الروايات في حميل السيل: وهو ما
يحمله السيل من طين ونحوه، قيل: فإذا اتفق فيه الحبة واستقرت على شط مجرى السيل
تنبت في يوم وليلة، وهي أسرع نابتة نباتاً. وفي (المحكم): الحبة بذور البقول والرياحين،
واحدها حب، وقيل: إذا كانت الحبوب مختلفة من كل شيء فهي حبة، وقيل: الحبة نبت
ينبت في الحشيش صغار، وقيل: ما كان له حب من النبات فاسم ذلك الحب الحبة، وقال
أبو حنيفة الدينوري: الحبة، بالكسر: جميع بذور النبات، واحدتها حبة، بالفتح. وعن
الكسائي: أما الحب فليس إلاَّ الحنطة والشعير، واحدتها حبة بالفتح، وإنما افترقا في الجمع؛
والحبة: بذر كل نبات ينبت وحده من غير أن يبذر، وكل ما بذر فبذره حبة، بالفتح. وقال
الأصمعي: ما كان له حب من النبت فاسمه حبة إذا جمع الحبة، وقال أبو زياد: كل ما ييس
من البقل كله ذكوره وأحراره يسمى: الحبة إذا سقط على الأرض وتكسر، وما دام قائماً بعد
ييسه فإنه يسمى القت. وفي (الغريبين): حب الحنطة يسمى حبة بالتخفيف، والحبة، بكسر
الحاء وتشديد الباء اسم جامع لحبوب البقول التي تنتشر إذا هاجت، ثم إذا مطرت في قابل
تنبت. وفي (العباب): الحبة بالكسر بذور الصحراء، والجمع الحبب. قوله: في جانب
السيل، كذا ههنا، وجاء: حميل، بدل: جانب، وفي رواية وهيب: حماة السيل، والحميل،
بمعنى المحمول، وهو ما جاء به من طين أو غثاء، والحمأة ما تغير لونه من الطين، وكله
بمعنى. فإذا اتفق فيه حبة على شط مجراه فإنها تنبت سريعاً. قوله: ((صفراء)) تأنيث الأصفر
من الاصفرار، وهو من جنس الألوان للرياحين، ولهذا تسر الناظرين، وسيد رياحين الجنة:
الحناء، وهو أصفر. قوله: ((ملتوية)) أي: منعطفة منثنية، وذلك أيضاً يزيد الريحان حسناً، يعني
اهتزازه وتميله، والله تعالى أعلم.
بيان الإعراب: قوله: ((يدخل أهل الجنة)) فعل وفاعل. ولفظة: أهل، مضافة إلى
الجنة، والجنة الثانية بالنصب لأنه مفعول، وأصله في الجنة، وإنما قلنا ذلك لأن الجنة
محدودة، وكان الحق أن يقال: دخلت في الجنة، كما في قولك: دخلت في الدار لأنها
i
i
i
١٠

٢٧٤
٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (١٥)
محدودة، إلاَّ أنهم حذفوا حرف الجر اتساعاً، وأوصلوا الفعل إليه ونصبوه نصب المفعول به.
وذهب الجرمي: إلى أنه فعل متعد، نصب الدار كنحو: بنيت الدار، وقد دفعوا قوله بأن
مصدره يجيء على فعول، وهو من مصادر الأفعال اللازمة، نحو: قعد قعوداً، وجلس جلوساً،
ولأن مقابله لازم. أعني: خرجت، قلت: فيه نظر لأنه غير مطرد، لأن ذهب لازم وما يقابله
جاء متعدٍ، قال الله تعالى: ﴿أوجاؤوكم حصرت صدورهم﴾ [النساء: ٩٠] قوله: وأهل النار،
كلام إضافي عطف على الأهل الأول، والتقدير: ويدخل أهل النار النار، والكلام في النار
الثانية مثل الكلام في الجنة الثانية. قوله: ((ثم يقول الله عز وجل)) كلمة: ثم، ههنا واقعة في
موقعها، وهو الترتيب مع المهلة. قوله: ((أخرجوا)) بفتح الهمزة، لأنه أمر من الإخراج، وهو
خطاب للملائكة. وقوله: ((من كان في قلبه) إلى آخره ... جملة في محل النصب على أنها
مفعول لقوله: أخرجوا، و: ((من))، موصولة، وقوله: ((كان في قلبه مثقال حبة)) صلتها، و:
(مثقال حبة))، كلام إضافي مرفوع لأنه اسم كان وخبره هو: قوله: ((في قلبه)) مقدماً، وقيل:
يجوز أن يكون: أخرجوا، بضم الهمزة من الخروج، فعلى هذا يكون من، منادى قد حذف
منه حرف النداء، والتقدير: أخرجوا يا من كان في قلبه مثقال حبة، وقوله: (من خردل)) يتعلق
بمحذوف وهو: حاصلة، والتقدير: مثقال حبة حاصلة من خردل، وهي في محل الجر على
أنها صفة لمجرور، وقوله: ((من إيمان)) يتعلق بمحذوف آخر، والتقدير: من خردل حاصل من
إيمان، وهو أيضاً في محل الجر نحوها، ويجوز أن تتعلق: من، هذه بقوله: من كان، ولا
يجوز أن يتعلق بفعل واحد حرفا جرٍ من جنس واحد. فافهم. قوله: ((فيخرجون منها)) أي:
من النار، والفاء فيه للاستئناف، تقديره: فهم يخرجون، كما في قوله تعالى: ﴿كن فيكون﴾
[البقرة: ١١٧ وغيرها) قوله: ((قد اسودوا)) جملة قد وقعت حالاً، أي: صاروا سوداً كالفحم
من تأثير النار. قوله: ((فيلقون)) على صيغة المجهول، جملة معطوفة على الجملة الأولى.
بالفاء التي تقتضي الترتيب، قوله: ((شك مالك)) جملة معترضة بين قوله: ((فيلقون في نهر
الحياة)) وبين قوله: ((فينبتون))، وأراد أن الترديد بين الحياء والحياة إنما هو من مالك بن أنس
الإمام، وهو الذي شك فيه، وأخرج مسلم هذا الحديث من رواية مالك، فأيهم الشاك؟ وقد
فسر هنا قوله: ((فينبتون)) عطف على قوله: فيلقون. قوله: ((كما تنبت الحبة)) الكاف
للتشبيه، وما مصدرية، والتقدير: كنبات الحبة، ومحل الجملة: النصب على أنها صفة
لمصدر محذوف، أي: فينبتون نباتاً كنبات الحبة، قوله: ((ألم تر)) خطاب لكل من يتأتى منه
الرؤية. قوله: ((تخرج)) جملة في محل الرفع لأنها خبر إن، قوله: ((صفراء ملتوية) حالان
متداخلتان أو مترادفتان.
بيان المعاني والبيان: قوله: ((يدخل)) فعل مضارع وقد علم أنه صالح للحال
والاستقبال، فقيل: حقيقة في الحال، مجاز في الاستقبال، وقيل: بالعكس. وقال ابن
الحاجب: الصحيح أنه مشترك بينهما لأنه يطلق عليهما على السوية، وهو دليل الاشتراك.
وفي قوله: على السوية، نظر لا يخفى، ثم إنه لا يخلص للاستقبال إلاَّ بالسين ونحوه، وكان

٢٧٥
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (١٥)
القياس ههنا أن يذكر بأداة مخلصة للاستقبال، لأن دخول الجنة والنار إنما هو في الاستقبال،
ولكنه محقق الوقوع ذكره بصورة الحال. قوله: ((من إيمان)) ذكره منكراً لأن المقام يقتضي
التقليل، ولو عرف لم يفد ذلك، فإن قلت: فيكفيه الإيمان ببعض ما يجب الإيمان به، لأنه
إيمانٌ ما. قلت: لا يكفيه لأنه علم، من عرف الشرع أن المراد من الإيمان هو الحقيقة
المعهودة عرف أو نكر. قوله: ((مثقال حبة من خردل))، من باب التمثيل ليكون عياراً في
المعرفة، وليس بعيار في الوزن، لأن الإيمان ليس بجسم يحصره الوزن أو الكيل، لكن ما
يشكل من المعقول قد يرد إلى عيار المحسوس ليفهم، ويشبه به ليعلم، والتحقيق فيه أنه
يجعل عمل العبد، وهو عرض في جسم على مقدار العمل عند الله، ثم يوزن ويدل عليه ما
جاء مبيناً، وكان في قلبه من الخير ما يزن برة. وقال إمام الحرمين: الصحف المشتملة على
الأعمال يزنها الله تعالى على قدر أجور الأعمال، وما يتعلق بها من ثوابها وعقابها وجاء به
الشرع وليس في العقل ما يحيله، ويقال: للوزن معنيان: أحدهما هذا، والآخر تمثيل الأعراض
بجواهر، فيجعل في كفة الحسنات جواهر بيض مشرقة، وفي كفة السيئات جواهر سود
مظلمة. وحكى الزجاج وغيره من المفسرين من أهل السنة أنه: إنما يوزن خواتيم الأعمال، فإن
كانت خاتمة عمله حسناً جوزي بخير، ومن كانت خاتمة عمله شراً جوزي بشر. ثم علم: أن
المراد بحبة الخردل زيادة على أصل التوحيد، وقد جاء في الصحيح بيان ذلك، ففي رواية
فيه: (أَخرجوا من قال لا إله إلا الله وعمل من الخير ما يزن كذا))، ثم بعد هذا يخرج منها من
لم يعمل خيراً قط غير التوحيد، وقال القاضي: هذا هو الصحيح، إذ معنى الخير ههنا أمر زائد
على الإيمان، لأن مجرده لا يتجزى، وإنما يتجزى الأمر الزائد عليه وهي الأعمال الصالحة،
من: ذكر خفي، أو شفقة على مسكين، أو خوف من الله تعالى، ونية صادقة في عمل
وشبهه. وذكر القاضي عن قوم أن المعنى في قوله: من إيمان ومن خير: ما جاء منه أي: من
اليقين، إلاَّ أنه قال: المراد ثواب الإيمان الذي هو التصديق، وبه يقع التفاضل، فإن أتبعه بالعمل
عظم ثوابه، وإن كان على خلاف ذلك نقص ثوابه. فإن قلت: كيف يعلمون ما كان في
قلوبهم في الدنيا من الإيمان ومقداره؟ قلت: لعله بعلامات كما يعلمون أنهم من أهل التوحيد.
قوله: ((كما تنبت الحبة)) الخ فيه تشبيه متعدد، وهو التشبيه من حيث الإسراع، ومن حيث
ضعف النبات، ومن حيث الطراوة والحسن، والمعنى: من كان في قلبه مثقال حبة من الإيمان
يخرج من ذلك الماء نضّراً حسناً منبسطاً متبختراً كخروج هذه الريحانة من جانب السيل
صفراء متميلة، وهذا يؤيد كون اللام في الحبة للجنس، لأن بقلة الحمقاء ليست صفراء؛ إلاّ
أن يقصد به مجرد الحسن والطراوة، وقد ذكرنا وجه كونها للعهد.
.. بيان استنباط الفوائد: الأولى: فيه حجة لأهل السنة على المرجئة حيث علم منه
دخول طائفة من عصاة المؤمنين النار، إذ مذهبهم أنه لا يضر مع الإيمان معصية، فلا يدخل
العاصي النار. الثانية: فيه حجة على المعتزلة حيث دل على عدم وجوب تخليد العاصي في
النار. الثالثة: فيه دليل على تفاضل أهل الإيمان في الأعمال. الرابعة: ما قيل: إن الأعمال من
./
/٠٠٠
i
٦/٠٠٠

٢٧٦
.-.
٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ / باب (١٥)
الإيمان لقوله عَّ له: ((خردل من إيمان)، والمراد ما زاد على أصل التوحيد. قلت: لا دلالة فيه
على ذلك أصلاً على ما لا يخفى.
قال ؤُهَيْبٌ: حدثنا عَمْرٌّو الحَيَاةِ وقال: خَرْدَلٍ مِنْ خيْرٍ.
الكلام فيه من وجوه. الأول: أن هذا من باب تعليقات البخاري، ولكنه أخرجه مسنداً
في كتاب الرقاق عن موسى بن إسماعيل عن وهيب عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن أبي
سعید به، وسياقه أتم من سياق مالك، لكنه قال: (من خردل من إيمان)) كرواية مالك، وقد
اعترض على البخاري بهذا، ولا يرد عليه لأن أبا بكر بن أبي شيبة أخرج هذا الحديث في
مسنده عن عفان بن مسلم عن وهيب فقال: ((من خردل من خير))، كما علقه البخاري، وقد
أخرج مسلم عن أبي بكر هذا لكن لم يسق لفظه. الثاني: في إيراد البخاري هذه الزيادة من
حديث وهيب هنا فوائد. منها: قول وهيب: حدثنا عمرو آتياً بلفظ التحديث، بخلاف مالك
فإنه أتى بلفظة: عن، وفيها خلاف معروف، هل يدل على الاتصال والسماع أم لا؟ فأزال
البخاري بهذه الزيادة توهم الخلاف، مع أن مالكاً غير مدلس، والمشهور عند أهل هذا الفن
أن لفظة: عن، محمولة على الاتصال إذا لم يكن المعنعن مدلساً. ومنها: إزالة الشك الذي
جاء في حديث مالك عن عمرو في قوله: ((الحياء أو الحياة)) فأتى به وهيب مجرداً من غير
شك. فقال: نهر الحياة. ومنها: قوله: من خير، وتقدم الكلام عليه. الثالث: قوله: ((الحياة))
بالجر، على الحكاية، والمعنى أن وهيباً وافق مالكاً في روايته لهذا الحديث عن عمرو بن
يحيى بسنده، وجزم بقوله: في نهر الحياة ولم يشك كما شك مالك رحمه الله تعالى. قوله:
((وقال خردل من خير)) بجر خردل أيضاً على الحكاية، أي: قال وهيب في روايته: مثقال
حبة من خردل من خير، فخالف مالكاً أيضاً في هذه اللفظة كما ذكرنا.
قوله: ((وهيب))، بضم الواو وفتح الهاء وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره باء
موحدة، ابن خالد بن عجلان الباهلي، مولاهم، البصري، روى عن: هشام بن عروة وأيوب
وسهيل وعمرو بن يحيى وغيرهم، روى عنه: القطان وابن مهدي وأبو داود الطيالسي وخلق
كثير، اتفق على توثيقه، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث حجة، وكان يملي من
حفظه، مات وهو ابن ثمان وخمسين سنة، روى له الجماعة، وقد سجن فذهب بصره. قوله:
(حدثنا عمرو)) بفتح العين، هو عمرو بن يحيى المازني، وقد مر ذكره عن قريب.
٢٣/٢ - حدثنا مُحمدُ بنُ عُبَيْدِ اللَّهِ قال: حدّثنا إِبْرَاهِيمُ بنُ سَغدٍ عن صالِحِ عنِ ابن
شِهابٍ عن أبي أَمامَةَ بنِ سَهْلٍ أَنَّهُ سَمِعَ أبا سَعِيدٍ الخُذْرِيَّ يَقولُ قال رسولُ اللَّهِ مَ ظَلِّ: (بَيْنَا
أَنا نائِمٌ رَأَيْتُ الناسَ يُعْرَضُونَ عليَّ وَعَلَيهِمْ قُمُصٌ، مِنها ما يَتْلُغُ الثَّدِيَّ ومِنها ما دُونَ ذلِكَ،
وعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ) قالوا: فَمَا أَوَّلْتَ ذلكَ يا رسولَ اللَّهِ؟
قال: ((الدِّينَ)). [الحديث ٢٣ - أطرافه في: ٣٦٩١، ٧٠٠٨، ٧٠٠٩].
مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة من جهة تأويل القميص بالدين، وذكر فيه أنهم

٢٧٧
٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ / باب (١٥)
متفاضلون في لبسها فدل على أنهم متفاضلون في الإيمان. وقال النووي: دل الحديث على
أن الأعمال من الإيمان، وأن الإيمان والدين بمعنى واحد، وأن أهل الإيمان يتفاضلون. قلت:
تفاضلهم في الإيمان ليس في نفس الإيمان وحقيقته، وإنما هو في الأعمال التي يزداد بها نور
الإيمان، كما عرف فيما مضى. وقوله: الإيمان والدين بمعنى واحد، ليس كذلك، وقد أوضحنا
الفرق فيما مضى.
بیان رجاله: وهم ستة. الأول: محمد بن عبيد الله، بالتصغیر، ابن محمد بن زيد بن
أبي زيد القرشي الأموي، مولى عثمان بن عفان، رضي الله عنه، أبو ثابت المدني، سمع جمعاً
من الكبار، وعنه البخاري والنسائي عن رجل عنه وغيرهما من الأعلام، قال أبو حاتم: صدوق.
الثاني: إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن
كلاب، سمع: أباه والزهري وهشام بن عروة وغيرهم، روى عنه: شعبة وعبد الرحمن بن
مهدي وابناه يعقوب ومحمد وخلق كثير، قال أحمد ويحيى وأبو حاتم وأبو زرعة: ثقة، وقال
أبو زرعة: كثير الحديث وربما أخطأ في أحاديث، وقدم بغداد فأقام بها وولي بيت المال بها
لهارون الرشيد، وأبوه سعد ولي قضاء المدينة، وكان من جملة التابعين، وكان مولد إبراهيم
سنة عشرة ومائة، وتوفي ببغداد سنة ثلاث وثمانين ومائة، روى له الجماعة. الثالث: صالح
هو ابن كيسان أبو محمد الغفاري المدني التابعي، لقي جماعة من الصحابة، رضي الله
عنهم، ثم تلمذ بعد ذلك للزهري وتلقن منه العلم، وابتدأ بالتعلم وهو ابن تسعين سنة، ومات
وهو ابن مائة وستين سنة. الرابع: ابن شهاب، وهو محمد بن مسلم الزهري، وقد تقدم.
الخامس: أبو أمامة، بضم الهمزة، واسمه أسعد بن سهل بن حنيف، بضم المهملة؛ ابن
واهب بن العليم بن ثعلبة بن الحارث بن مجدعة بن عمرو بن خنيس بن عوف بن عمرو بن
عوف بن مالك بن الأوس، أخي الخزرج ابني حارثة بن ثعلبة العنقاء بن عمرو مزيقيا الخارج
من اليمن أيام سيل العرم بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرىء القيس البطريق بن
ثعلبة بن مازن وهو جماع غسان بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان، أخي
حمير، أمه حبيبة بنت أبي أمامة أسعد بن زرارة، وكان أبو أمامة أوصى ببناته إلى رسول الله،
عليه السلام فزوج رسول الله عَ له، حبيبة سهل بن حنيف فولدت له أسعد هذا، فسماه رسول
الله عَدٍ وكناه باسم جده لأمه، وكنيته، وبرك عليه، ومات سنة مائة وهو ابن نيف وتسعين
سنة، روى له الجماعة عن الصحابة، وروى له النسائي وابن ماجة عن النبي مَ له، وثبت في
رواية الأصيلي عن أبي أمامة بن سهل هو ابن حنيف، والحاصل أنه مختلف في صحبته ولم
يصح له سماع، وإنما ذكر في الصحابة لشرف الرواية. السادس: أبو سعيد الخدري، رضي
الله عنه، واسمه سعد بن مالك، وقد مر بيانه.
i
i
هو مـ
i
i
بيان لطائف أسناده: منها: أنه كالذي قبله في أن رجاله مدنيون، وهذا في غاية
الاستطراف إذ اقتران إسنادين مدنيين قليل جداً. ومنها: أن فيه التحديث والعنعنة والتصريح
بالسماع. ومنها: أن فيه رواية ثلاثة من التابعيين، أو تابعيين وصحابيين. فافهم.
١
i

١٠١٣٠
٢٧٨
٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ / باب (١٥)
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري هنا عن محمد بن عبيد الله
كما ترى، وأخرجه أيضاً في التفسير عن علي عن يعقوب عن صالح، وفي فضل عمر، رضي
الله عنه، عن يحيى بن بكير جميعاً عن الليث عن عقيل، وفي التعبير عن سعيد بن عفير عن
الليث عن عقيل عن الزهري عن أبي أمامة عنه، ورواه مسلم في الفضائل عن منصور عن
إبراهيم عن صالح، وعن الزهري والحلواني، وعبد بن حميد عن يعقوب عن أبيه عن صالح
عن الزهري به، وأخرجه الترمذي والنسائي أيضاً، وأخرجه الترمذي أيضاً عن أبي أمامة بن
سهل بن حنيف عن بعض أصحاب النبي عليه السلام، ولم يسمعه.
بيان اللغات :. قوله: ((يعرضون علي)) أي: يظهرون لي، يقال: عرض الشيء إذا أبداه
وأظهره، وفي (العباب) عرض له أمر كذا يعرض بالكسر، أي: ظهر وعرضت عليه أمر كذا،
وعرضت له الشيء أي: أظهرته له، وأبرزته إليه، يقال: عرضت له ثوباً، فكان حقه، وذكر في
هذه المادة معاني كثيرة جداً، ثم قال في آخره: والعين والراء والضاد تكثر فروعها، وهي مع
كثرتها ترجع إلى أصل واحد، وهو العرض الذي يخالف الطول، ومن حقق النظر ودققه علم
صحة ذلك. قوله: ((قمص)) بضم القاف والميم، جمع: قميص نحو: رغيف ورغف، ويجمع
أيضاً على قمصان وأقمصة، كرغفان وأرغفة. قوله: ((الثدي))، بضم الثاء المثلثة وكسر الدال،
وتشديد الياء، جمع: الثدي، وهو على وزن فعل، كفلس يجمع على فعول كفلوس، وأصل
الثدي الذي هو الجمع ثدوي، على وزن فعول، اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما
بالسكون فأبدلت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء فصارت: ثدي، بضم الدال، ثم أبدلت
كسرة من ضمة الدال لأجل الياء، فصار ثدياً، وجاء أيضاً: ثدي، بكسر الثاء أيضاً اتباعاً لما
بعدها من الكسرة، وجاء جمعه أيضاً على: أثد، وأصله: أثدي، على وزن أفعل: كيد تجمع
على أيدٍ، استثقلت الضمة على الياء فحذفت، فالتقى ساكنان فحذفت الياء، فصار: أثد،
وقال الجوهري: الثدي يذكر ويؤنث، وهي للمرأة والرجل جميعاً. وقيل: يختص بالمرأة،
والحديث يرد عليه، والمشهور ما نص عليه الجوهري، وفي (كتاب خلق الإنسان) وفي
الصدر ثديان وثلاثة أثد، فإذا كثرت فهي الثدي، يقال: امرأة ثدياء إذا كانت عظيمة الثديين،
ولا يقال رجل أثداً. قوله: ((أولت)) من التأويل، وهو تفسير ما يؤول إليه الشيء، والمراد هنا
التعبير، وفي اصطلاح الأصوليين التأويل تفسير الشيء بالوجه المرجوح، وقيل: هو حمل
الظاهر على المحتمل المرجوح بدليل يصيره راجحاً، وهذا أخص منه، وأما تفسير القرآن فهو
المنقول عن النبي عَّه أو عن الصحابة، وأما تأويله فهو ما يستخرج بحسب القواعد العربية.
بيان الإعراب: قوله: ((بينا)). أصله: بين، أشبعت الفتحة فصارت ألفاً، وقال
الجوهري: بينا، فعلى مشبعة الفتحة قال الشاعر:
فبينا نحن نرقبه أتانا
أي: بين أوقات رقبتنا إياه، والجمل يضاف إليها أسماء الزمان نحو: أتيتك زمن
الحجاج أمير، ثم حذف المضاف الذي هو: أوقات، وولي الظرف الذي هو: بين الجملة

:١٣
٢٧٩
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (١٥)
التي أقيمت مقام المضاف إليها، والأصمعي يستفصح طرح إذ وإذا في جوابه، وآخرون
يقولون: بينا أنا قائم إذ جاء أو إذا جاء فلان، والذي جاء في الحديث هو الفصيح، فلذلك
اختاره الأصمعي، رحمه الله تعالی. قوله: (أنا)) مبتدأ، و«نائم) خبره، وقوله: ((رأيت الناس))،
جواب بينا من الرؤية بمعنى: الإبصار فيقتضي مفعولاً واحداً، وهو قوله: الناس، فعلى هذا
يكون قوله: ((يعرضون علي)) جملة حالية، ويجوز أن يكون من الرؤيا بمعنى العلم فيقتضي
حينئذٍ مفعولين، وهما قوله: الناس يعرضون علي، ويجوز رفع الناس على أنه مبتدأ وخبره
قوله: يعرضون علي، والجملة مفعول قوله رأيت، كما في قول الشاعر:
رأيت الناس ينتجعون غيثاً
فقلت لصيدح: انتجعي بلالا
وحدة
i
ويروى: سمعت الناس، والقائل هو ذو الرمة الشاعر المشهور، وصيدح علم الناقة.
وينتجعون من: انتجعت فلاناً إذا أتيته تطلب معروفه، وأراد ببلال هو: بلال بن أبي بردة بن
أبي موسى الأشعري، قاضي البصرة، كان جواداً ممدوحاً رحمه الله. قوله: ((وعليهم قمص))
جملة اسمية وقعت حالاً. قوله: (منها)) أي: من القمص، وهو خبر لقوله: ما يبلغ الثدي، وما
موصولة في محل الرفع على الابتداء، و: الثدي، منصوب لأنه مفعول، يبلغ، وكذلك إعراب
قوله: ومنها دون ذلك، أي: أقصر، فيكون: فوق الثدي لم ينزل إليه ولم يصل به لقلته. قوله:
(((عرض)) على صيغة المجهول، وعمر بن الخطاب، مسند إليه مفعول ناب عن الفاعل. قوله:
((وعليه قميص)) جملة إسمية وقعت حالاً. وقوله: ((يجره))، جملة من الفعل والفاعل، وهو
الضمير المرفوع الذي فيه العائد إلى عمر، رضي الله عنه، والمفعول وهو الضمير المنصوب
الذي يرجع إلى القميص، والجملة في محل الرفع لأنها صفة للقميص، ويجوز أن يكون
محلها النصب على الحال من الأحوال المتداخلة، وقد علم أن الجملة الفعلية المضارعية إذا
وقعت حالاً وكانت مثبتة تكون بلا واو. قوله: ((قالوا))، أي: الصحابة. قوله: ((ذلك)) مفعول
قوله: أولت، قوله: ((الدين) بالنصب أي: أولت الدين.
بيان المعاني والبيان: فيه من الفصاحة استعمال جواب بينا بدون إذ وإذا. ومنها:
استعمال جمع الكثرة في الثدي لأجل المطابقة، وفيه من التشبيه البليغ، وهو أنه شبه الدين
بالقميص، ووجه التشبيه الستر، وذلك أن القميص يستر عورة الإنسان ويحجبه من وقوع النظر
عليها، فكذلك الدين يستره من النار ويحجبه عن كل مكروه، فالنبي عَّله، إنما أوله الدين
بهذا الاعتبار. وقال أهل العبارة: القميص في النوم معناه الدين، وجره يدل على بقاء آثاره
الجميلة وسنته الحسنة في المسلمين بعد وفاته ليُقتدى بها، وقال ابن بطال: معلوم أن عمر،
رضي الله عنه، في إيمانه أفضل من عمل من بلغ قميصه ثديه، وتأويله - عليه السلام - ذلك
بالدين يدل على أن الإيمان الواقع على العمل يسمى ديناً، كالإيمان الواقع على القول. وقال
القاضي: أخذ ذلك أهل التعبير من قوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾ [المدثر: ٤] يريد به نفسك،
وإصلاح عملك ودينك على تأويل بعضهم، لأن العرب تعبر عن العفة بنقاء الثوب والمئزر،
وجره عبارة عما فضل عنه وانتفع الناس به، بخلاف جره في الدنيا للخيلاء فإنه مذموم. فإن
i.
i
i
-٠
i
.

٢٨٠
٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (١٦)
قيل: يلزم من الحديث أن يكون عمر رضي الله عنه، أفضل من أبي بكر رضي الله عنه، لأن
المراد بالأفضل الأكثر ثواباً، والأعمال علامات الثواب، فمن كان دینه أكثر فثوابه أکثر، وهو
خلاف الإجماع. قلت: لا يلزم، إذ القسمة غير حاصرة لجواز قسم رابع سلمنا انحصار
القسمة، لكن ما خصص القسم الثالث بعمر رضي الله عنه، ولم يحصره عليه سلمنا
التخصيص به، لكنه معارض بالأحاديث الدالة على أفضلية الصديق رضي الله عنه، بحسب
تواتر القدر المشترك بینھا، ومثله یسمی بالمتواتر من جهة المعنى، فدلیلکم آحاد ودليلنا
متواتر، سلمنا التساوي بين الدليلين. لكن الإجماع منعقد على أفضليته وهو دليل قطعي،
وهذا دليل ظني، والظن لا يعارض القطع، وهذا الجواب يستفاد من نفس تقرير الدليل، وهذه
قاعدة كلية عند أهل المناظرة في أمثال هذه الإيرادات، بأن يقال: ما أردته إما مجمع عليه أو
لا، فإن كان فالدليل مخصوص بالإجماع وإلاَّ فلا يتم الإيراد إذ لا إلزام إلاَّ بالمجمع عليه.
لا يقال: كيف يقال: الإجماع منعقد على أفضلية الصديق رضي الله تعالى عنه، وقد أنكر
ذلك طائفة الشيعة والخوارج من العثمانية، لأنا نقول: لا اعتبار بمخالفة أهل الضلال، والأصل
إجماع أهل السنة والجماعة.
بيان استنباط الفوائد: منها: الدلالة على تفاضل أهل الإيمان، ومنها: الدلالة على
فضيلة عمر رضي الله عنه. ومنها: تعبير الرؤيا وسؤال العالم بها عنها. ومنها: جواز إشاعة
العالم الثناء على الفاضل من أصحابه إذا لم يحس به بإعجاب ونحوه، ويكون الغرض التنبيه
على فضله لتعلم منزلته ويعامل بمقتضاها، ويرغب الاقتداء به والتخلق بأخلاقه.
١٦ - باب الحَياءُ مِنَ الإِيمانِ
أي: هذا باب، والباب منون، والحياء مرفوع سواء أضفت إليه الباب أم لا، لأنه مبتدأ،
ومن الإيمان، خبر. فإن قلت: قد قلت: إن الباب منون ولا شك أنه خبر مبتدأ محذوف،
فيكون جملة، وقوله: الحياء من الإيمان، جملة أخرى، وعلى تقدير عدم الإضافة ما الرابطة
بين الجملتين؟ قلت: هي محذوفة تقدير الكلام: هذا باب فيه الحياء من الإيمان، يعني بيان
أن الحياء من الإيمان وبيان تفسير الحياء ووجه كونه من الإيمان قد تقدما في باب أمور
الإيمان.
وجه المناسبة بين البابين أن في الباب الأول بيان تفاضل الإيمان في الأعمال، وهذا
الباب أيضاً من جملة ما يفضل به الإيمان، وهو الحياء الذي يحجب صاحبه عن أشياء منكرة
عند الله وعند الخلق.
٢٤/١ - حدّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قال: أخبرنا مَالِكُ بنُ أَنَسٍ عن ابنِ شهابٍ عن
سالِمِ بنِ عبدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ أنّ رسولَ اللَّهِ مَ لِ مَرَّ عَلى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ أخاهُ في
الْحَيَّاءِ، فقالَ رَسُولُ اللَّهِ عَ لَّهِ: ((دَعْهُ فَإِن الْحياءَ مِنَ الإيمان)). [الحديث ٢٤ - طرفه في:
٦١١٨]
١٠٪
747 :