Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
١ - كتاب بدء الوحي / باب (٦)
من كان من ولد النضر فهو قرشي دون ولد كنانة ومن فوقه، وقال قوم: سميت قريش
بقريش بن يخلد بن غالب بن فهر، وكان صاحب عيرهم، فكانوا يقولون: قدمت عير قريش،
وخرجت عير قريش. قال الصغاني: ذكر إبراهيم الحربي في (غريب الحديث) من تأليفه في
تسمية قريش قريشاً سبعة أقوال، وبسط الكلام، وأنا أجمع ذلك مختصراً، فقال: سأل عبد
الملك أباه عن ذلك فقال: لتجمعهم إلى الحرم، والثاني: أنهم كانوا يتقرشون البياعات
فيشترونها، والثالث: أنه جاء النضر بن كنانة في ثوب له، يعني اجتمع في ثوبه، فقالوا قد
تقرش في ثوبه. والرابع: قالوا: جاء إلى قومه فقالوا: كأنه جمل قريش أي شديد. والخامس:
أن ابن عباس سأله عمرو بن العاص، رضي الله عنهم: لم سميت قريشاً؟ قال بدابة في البحر
تسمى قريشاً. والسادس: قال عبد الملك بن مروان: سمعت أن قصيا كان يقال له: القرشي،
لم يسم قرشي قبله. والسابع: قال معروف بن خربوذ: سميت قريشاً لأنهم كانوا يفتشون
الحاج عن خلتهم فيسدونها. انتهى. وقال الزهري: إنما نبذت فهراً أمه بقريش، كما يسمى
الصبي: غرارة وشملة وأشباه ذلك، وقيل: من القرش: وهو الكسب. وقال الزبير: قال عمي:
سميت قريش برجل يقال له: قريش بن بدر بن يخلد بن النضر، كان دليل بني كنانة في
تجاراتهم، فكان يقال: قدمت عير قريش، وأبوه بدر صاحب بدر الموضع، وقال غير عمي:
سميت بقريش بن الحارث بن يخلد، اسمه بدر التي سميت به بدر، وهو احتفرها. وقال
الكرماني: وسأل معاوية ابن عباس، رضي الله عنهما، بم سميت قريش؟ قال: بدابة في البحر
تأكل ولا تؤكل، وتعلو ولا تعلى، والتصغير للتعظيم. وقال الليث: القرش الجمع من ههنا
وههنا، وضم بعض إلى بعض، يقال: قرش يقرش قرشاً، وقال ابن عباد: قرش الشيء خفيفه
وصوته. يقال: سمعت قرشه، أي: وقع حوافر الخيل، وقرش الشيء إذا قطعه وقرضه، وقال
غيره: قرش، بكسر الراء، جمع لغة في فتحها، والقرش: دابة من دواب البحر، وأقرشت
الشجة: إذا صدعت العظم ولم تهشمه، والتقريش: التحريش والإغراء. والتقريش: الاكتساب،
وتقرشوا: تجمعوا، وتقرش فلان الشيء إذا أخذه أولاً فأولاً، فإن أردت بقريش الحي صرفته،
وإن أردت به القبيلة لم تصرفه، والأوجه صرفه. قال تعالى: ﴿لإيلاف قريش﴾ [قريش: ١].
والنسبة إليه: قرشي وقریشي، بالياء وحذفها.
i
ومنها: قوله إلى صاحب له يقال هو: صفاطر الأسقف الرومي، وقيل في اسمه: يقاطر.
بيان أسماء الأماكن فيه قوله: ((بالشأم)) مهموز، ويجوز تركه، وفيه لغة ثالثة: شآم
بفتح الشين والمد، وهو مذكر ويؤنث أيضاً، حكاه الجوهري. والنسبة إليه شامي. وشآم بالمد
على فعال، وشاءمي بالمد والتشديد، حكاها الجوهري عن سيبويه، وأنكرها غيره، لأن الألف
عوض من ياء النسب فلا يجمع بينهما، سمي بشامات هناك حمر وسود، وقال الرشاطي:
الشام جمع شامة، سميت بذلك لكثرة قراها، وتداني بعضها ببعض، فشبهت بالشامات.
وقيل: سميت بسام بن نوح - عليه السلام - وذلك لأنه أول من نزلها، فجعلت السين شيئاً،
وقال أبو عبيد: لم يدخلها سام قط، وقال أبو بكر بن الأنباري: يجوز أن يكون مأخوذاً من
i

١٤٢
١ - کتاب بدء الوحي / بابا(٦)
اليد الشومي، وهي: اليسرى، لكونها من يسار الكعبة. وحد الشام طولاً: من العريش إلى
الفرات، وقيل: إلى بالس، وقال أبو حيان في (صحيحه): أول الشام بالس، وآخره العريش،
وأما حده عرضاً: فمن جبل طيء من نحو القبلة إلى بحر الروم. وما يسامت ذلك من البلاد.
وقال ابن حوقل: أما طول الشام فخمس وعشرون مرحلة، من ملطية إلى رفح. وأما عرضه
فأعرض ما فيه طرفاه، فأحد طرفيه من الفرات من جسر منبج على منبج، ثم على قورص في
حد قنسرين، ثم على العواصم في حد انطاكية، ثم مقطع جبل اللكام، ثم على المصيصة، ثم
على أذنه، ثم على طرطوس، وذلك نحو عشر مراحل وهذا هو السمت المستقيم. وأما
الطرف الآخر فهو من حد فلسطين، فيأخذ من البحر من حد يافا حتى ينتهي إلى الرملة ثم
إلى بيت المقدس، ثم إلى أريحا، ثم إلى زعز، ثم إلى جبل الشراه إلى أن ينتهي إلى معان،
ومقدار هذا ست مراحل. فأما ما بين هذين الطرفين من الشام فلا يكاد يزيد عرضه موضعاً من
الأردن ودمشق وحمص علی أکثر من ثلاثة أيام، وقال الملك المؤيد، وقد عد ابن حوقل
ملطية من جملة بلاد الشام، وابن خرداذيه جعلها من الثغور الجزيرية، والصحيح أنها من
الروم. ودخله النبي عَّلي قبل النبوة وبعدها، ودخله أيضاً عشرة آلاف صحابي، قاله ابن
عساكر في (تاريخه) وقال الكرماني: دخله نبينا، عليه الصلاة والسلام، مرتين قبل النبوة: مرة
مع عمه أبي طالب وهو ابن ثنتي عشرة سنة حتى بلغ بصرى، وهو حين لقيه الراهب والتمس
الرد إلى مكة. ومرة في تجارة خديجة، رضي الله تعالى عنها، إلى سوق بصرى، وهو ابن
خمس وعشرين سنة، ومرتين بعد النبوة، إحداهما ليلة الإسراء وهو من مكة، والثانية في غزوة
تبوك، وهو من المدينة. قوله: ((بإيلياء)» وهي بيت المقدس، وفيه ثلاث لغات أشهرها: كسر
الهمزة واللام وإسكان الياء آخر الحروف بينهما وبالمد، والثانية: مثلها إلا أنه بالقصر،
والثالثة: إلياء بحذف الياء الأولى وإسكان اللام وبالمد، حكاهن ابن قرقول. وقال: قيل: معناه
بيت الله، وفي (الجامع) أحسبه عبرانياً، ويقال: الإيلياء، كذا رواه أبو يعلى الموصلي في
مسنده في مسند ابن عباس، رضي الله عنهما، ويقال: بيت المقدس، وبيت المقدس. قوله:
(بصرى)) بضم الباء الموحدة، مدينة حوران مشهورة، ذات قلعة وهي قريبة من طرف العمارة
والبرية التي بين الشام والحجاز، وضبطها الملك المؤيد بفتح الباء، والمشهور على ألسنة
الناس بالضم، ولها قلعة ذات بناء وبساتين، وهي على أربعة مراحل من دمشق، مدينة أولية
مبنية بالحجارة السود، وهي من ديار بني فزارة وبني مرة وغيرهم، وقال ابن عساكر: فتحت
صلحاً في ربيع الأول لخمس بقين سنة ثلاث عشرة، وهي أول مدينة فتحت بالشام. قوله:
(إلى مدائن ملكك)) جمع: مدينة، ويجمع أيضاً على مدن، بإسكان الدال وضمها. قالوا:
المدائن، بالهمز أفصح من تركه وأشهر، وبه جاء القرآن. قال الجوهري: مدن بالمكان: أقام
به، ومنه سميت المدينة، وهي فعيلة. وقيل: مفعلة من دينت، أي: ملكت، وقيل: من جعله
من الأول همزه، ومن الثاني حذفه كما لا يهمز معايش. وقال الجوهري: والنسبة إلى المدينة
النبوية: مدني، وإلى مدينة المنصور مديني، وإلى مداين كسرى مدايني، للفرق بين النسب
26

١٤٣
١ - كتاب بدء الوحي / باب (٦)
لئلا تختلط. قلت: ما ذكره محمول على الغالب وإلاّ فقد جاء فيه خلاف ذلك كما يجيء
فى أثناء الكتاب، إن شاء الله تعالى. قوله: ((بالرومية)) بضم الراء وتخفيف الياء، مدينة معروفة
للروم، وكانت مدينة رياستهم، ويقال: إن روماس بناها. قلت: قد ذكرت في (تاريخي) أنها
تسمى: رومة أيضاً، وهي الرومية الكبرى، وهي مدينة مشهورة على جانبي نهر الصغر، وهي
مقرة خليفة النصارى المسمى بالباب، وهي على جنوبي حوز البنادقة وبلاد رومية غربي
قلفرية، وقال الإدريسي: طول سورها أربعة وعشرون ميلاً، وهو مبني بالآجر، ولها واد يشق
وسط المدينة، وعليه قناطير يجاز عليها من الجهة الشرقية إلى الغربية، وقال أيضاً: امتداد
كنيستها ستمائة ذراع في مثله، وهى مسقفة بالرصاص ومفروشة بالرخام، وفيها أعمدة كثيرة
عظيمة، وفي صدر الكنيسة كرسي من ذهب يجلس عليه البابا، وتحته باب مصفح بالفضة
يدخل منه إلى أربعة أبواب، واحد بعد آخر، يفضي إلى سرداب فيه مدفن بطرس، حواري
عيسى، عليه الصلاة والسلام، وفي الرومية كنيسة أخرى فيها مدفن بولص. قوله: ((إلى
حمص)). بكسر الحاء وسكون ألميم، بلدة معروفة بالشام، سميت باسم رجل من العمالقة
اسمه: حمص بن المهر بن حافٍ، كما سميت، حلب: بحلب بن المهر، وكانت حمص في
قديم الزمان أشهر من دمشق، وقال الثعلبي: دخلها تسعمائة رجل من الصحابة. افتتحها أبو
عبيدة بن الجراح سنة ست عشرة. قال الجواليقي: وليست عربية تذكر وتؤنث، قال البكري:
ولا يجوز فيها الصرف، كما يجوز في هند، لأنه اسم أعجمي. وقال ابن التين: يجوز الصرف
وعدمه لقلة حروفه وسكون وسطه، قلت: إذا أنثته تمنعه من الصرف، لأن فيه حينئذٍ ثلاث
علل: التأنيث، والعجمة، والعلمية. فإذا كان سكون وسطه يقاوم أحد السببين يبقى بسببين
أيضاً، وبالسببين يمنع من الصرف، كما في: ماه وجور. ويقال: سميت برجل من عاملة، هو
أول من نزلها وقال ابن حوقل: هي أصح بلاد الشام تربة، وليس فيها عقارب وحيات. قوله:
«في دسكرة» بفتح الدال والكاف وسكون السين المهملة، وهو بناء کالقصر، حوله بيوت،
وليست بعربي، وهي بيوت الأعاجم، وفي (جامع القزاز) الدسكرة: الأرض المستوية. وقال
أبو زكريا التبريزي: الدسكرة: مجتمع البساتين والرياض، وقال ابن سيده: الدسكرة: الصومعة،
وأنشد الأخطل:
حولها الزيتون قد ينعا
في قِباب حول بسكرةٍ
وفي (المغيث) لأبي موسى: الدسكرة، بناء على صورة القصر فيها منازل وبيوت
للخدم والحشم، وفي (الجامع) الدسكرة، تكون للملوك تتنزه فيها، والجمع: الدساكرة،
وقيل: الدساكر: بيوت الشراب، وفي (الكامل) للمبرد: قال أبو عبيدة: هذا الشعر مختلف
فيه، فبعضهم ينسبه إلى الأحوص، وبعضهم إلى يزيد بن معاوية، وقال علي بن سليمان
الأخفش: الذي صح أنه ليزيد، وزعم ابن السيد في كتابه المعروف (بالغرر شرح كامل
المبرد) إنه لأبي دهبل الجمحي، وقال الحافظ مغلطاي، بعد أن نقل: إن البيت المذكور
للأخطل: وفيه نظر من حيث إن هذا البيت ليس للأخطل، وذلك أني نظرت عدة روايات من:
حدةـ
قهوة
٠٠٠
i
مؤ°م
i
ـة حدم
٠٠
i
i

١٤٤
١٣٢٠
١ - كتاب بدء الوحي / باب (٦)
شعره: ليعقوب، وأبي عبيدة، والأصمعي، والسكري، والحسن بن المظفر النيسابوري، فلم أرَ
فيها هذا البيت، ولا شيئاً على راويه، قلت: قائله يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، من قصيدة
يتغزل بها في نصرانية كانت قد ترهبت في دير خراب عند الماطرون، وهو بستان بظاهر
دمشق يسمى اليوم المنطور، وأولها:
وأمر النوم فامتنعا
آب هذا الليل فاكتنعا
فإذا ما كوكب طلعا
راعياً للنجم أرقبه
أنه بالغور قد رجعا
حان حتى أنني لا أرى
أكل النمل الذي جمعـا
ولها بالماطرون إذا
ذكرت من جلق بيعا
خزفة حتى إذا ارتبعت
حولها الزيتون قد ينعا
في قباب حول دسكرة
وهي من الرمل. آب، أي: رجع، قوله: فاكتنعا، أي: فرسا، قوله: خزفة، بكسر الخاء
المعجمة: ما يخترق من التمر، أي: يجتنى. قوله: ينعا، بفتح الياء آخر الحروف والنون، من:
ينع التمر بينع، من باب: ضرب يضرب، ينعا وينعا وينوعا: إذا نضج، وكذلك: أينع.
بيان لطائف إسناده: منها: أن فيها رواية حمصي عن حمصي عن شامي عن مدني،
ومنها: أنها قال أولاً: حدثنا، وثانياً: أخبرنا، وثالثاً: بكلمة عن، ورابعاً: بلفظ أخبرني، محافظة
على الفرق الذي بين العبارات، أو حكاية عن ألفاظ الرواة بأعيانها، مع قطع النظر عن الفرق،
أو تعليماً لجواز استعمال الكل إذا قلنا بعدم الفرق بينها. ومنها: ليس في البخاري مثل هذا
الإسناد، يعني عن أبي سفيان، لأنه ليس له في (الصحيحين) و(سنن أبي داود)، والترمذي،
والنسائي، حديث غيره، ولم يرو عنه إلاَّ ابن عباس، رضي الله تعالى عنهم.
بيان تعدد الحديث: قال الكرماني: قد ذكر البخاري حديث هرقل في كتابه في
عشرة مواضع. قلت: ذكره في أربعة عشر موضعاً. الأول: ههنا كما ترى. الثاني: في
الجهاد عن إبراهيم بن حمزة، عن إبراهيم بن سعد، عن صالح. الثالث: في التفسير عن
إبراهيم بن موسى، عن هشام. الرابع: فيه أيضاً عن عبد الله بن محمد، عن عبد الرزاق، قالا:
حدثنا معمر، كلهم عن الزهري به. الخامس: في الشهادات عن إبراهيم بن حمزة، عن
إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن الزهري، مختصراً: ((سألتك هل يزيدون أو ينقصون))؟.
السادس: في الجزية عن يحيى بن بكير، عن الليث، عن يونس، عن الزهري مختصراً.
السابع: في الأدب عن أبي بكير، عن الليث، عن عقيل، عن الزهري مختصراً أيضاً. الثامن:
فيه أيضاً عن محمد بن مقاتل، عن عبد الله، عن يونس، عن الزهري مختصراً. التاسع: في
الإيمان. العاشر: في العلم. الحادي عشر: في الأحكام. الثاني عشر: في المغازي. الثالث
عشر: في خبر الواحد. الرابع عشر: في الاستئذان.
بيان من أخرجه غيره أخرجه مسلم في المغازي عن خمسة من شيوخه: إسحاق بن

١٤٥
١ - كتاب بدء الوحي / باب (٦)
إبراهيم، وابن أبي عمرو، وأبي رافع، وعبد بن حميد، والحلواني، عن عبد الرزاق، عن معمر،
عن الزهري به بطوله، وعن الآخرين، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن صالح،
عن الزهري به وأخرجه أبو داود في الأدب، والترمذي في الاستئذان، والنسائي في التفسير،
ولم يخرجه ابن ماجه.
بيان اللغات: قوله: ((في ركب)) بفتح الراء، جمع: راكب، كتجر: وتاجر، وقيل: اسم
جمع: كقوم وذود، وهو قول سيبويه، وهم أصحاب الإبل في السفر، العشرة فما فوقها، قاله
ابن السكيت، وغيره. وقال ابن سيده: أرى أن الركب يكون للخيل، والإبل. وفي التنزيل:
﴿والركب أسفل منكم﴾ [الأنفال: ٤٢] فقد يجوز أن يكون منهما جميعاً، وقول علي، رضي
الله عنه: ما كان معنا يومئذٍ فرس إلاَّ فرس عليه المقداد بن الأسود، يصحح أن الركب ههنا:
ركاب الإبل. قالوا: والركبة، بفتح الراء والكاف: أقل منه، والأركوب بالضم: أكثر منه،
وجمع الركب: أركب وركوب، والجمع أراكب. والركاب: الإبل، واحدها: راحلة، وجمعها:
ركب. وفي بعض طرق هذا الحديث: أنهم كانوا ثلاثين رجلاً، منهم أبو سفيان، رواه
الحاكم في (الإكليل). وفي رواية ابن السكن: نحو من عشرين، وسمى منهم: المغيرة بن
شعبة في (مصنف) ابن أبي شيبة بسند مرسل. وفيه نظر، لأنه إذ ذاك كان مسلماً، قاله
بعضهم، ولكن إسلامه لا ينافي مرافقتهم وهم كفار إلى دار الحرب. قوله: ((تجار)) بضم التاء
المثناة من فوق وتشديد الجيم وكسرها وبالتخفيف، جمع: تاجر، ويقال: أيضاً تجر،
كصاحب: وصحب. قوله: ((وحوله)) بفتح اللام، يقال: حوله وحواله وحوليه وحواليه. أربع
لغات، واللام مفتوحة فيهن، أي: يطوفون به من جوانبه. قال الجوهري: ولا تقل حواليه
بكسر اللام. قوله: ((عظماء الروم)) جمع: عظيم. قوله: ((وترجمانه))، وفي (الجامع):
الترجمان: الذي يبين الكلام، يقال: بفتح التاء وضمها، والفتح أحسن عند قوم، وقيل: الضم
يدل على أن التاء أصل لأنه يكون فعللان: كعقربان. ولم يأت فعللان. وفي (الصحاح)
والجمع: التراجم مثل: زعفران وزعافر، ولك أن تضم التاء كضمة الجيم، ويقال: الترجمان،
هو المعبر عن لغة بلغة، وهو معرب، وقيل: عربي والتاء فيه أصلية، وأنكر على الجوهري
قوله: إنها زائدة، وتبعه ابن الأثير فقال في (نهايته): والتاء والنون زائدتان. قوله: ((فإن
كذبني)) بالتخفيف من: كذب، يكذب كذباً وكذباً وكذبة. وفي (العباب): وأكذوبة وكاذبة
ومكذوباً ومكذوبة، وزاد ابن الأعرابي: مکذبة و کذباناً، مثل: غفران، و کذبی مثل بشری،
فهو: كاذب وكذاب وكذوب وكيذبان وكيذبان ومكذبان وكذبة، مثل: تؤدة، وكذبذب
وكذبذبان بالضمات الثلاث، ولم يذكر سيبويه فيما ذكره من الأمثلة، وكذبذب بالتشديد.
وجمع: الكذوب: كذب مثال: صبور وصبر، ويقال كذب كذاباً بالضم والتشديد، أي:
متناهياً. وقرأ عمر بن العزيز: ﴿وكذبوا بآياتنا كذابً﴾ [النبأ: ٢٨] ويكون صيغة على المبالغة
كوضاء، وحسان. والكذب: نقيض الصدق. ثم معنى قوله: ((فإن كذبني)، أي: نقل إلي
الكذب وقال لي خلاف الواقع، وقال التيمي: كذب يتعدى إلى المفعولين، يقال: كذبني
i
i
i
i
هوة

١٤٦
/١٣٠
r
١ - کتاب بدء الوحي / باب (٦)
الحديث، وكذا نظيره صدق. قال الله تعالى: ﴿لقد صدق الله رسوله الرؤيا﴾ [الفتح: ٢٧]
وهما من غرائب الألفاظ، ففعل، بالتشديد يقتصر على مفعول واحد، وفعل بالتخفيف يتعدى
إلى مفعولين. قوله: (من أن يأثروا))، بكسر الثاء المثلثة وضمها، من: أثرت الحديث، بالقصر:
آثره، بالمد وضم المثلثة وكسرها، أثراً، ساكنة الثاء، حدثت به، ويقال: أثرت الحديث، أي:
رويته، ومعناه: لولا الحياء من أن رفقتي يروون عني، ويحكون في بلادي عني كذباً فأعاب
به، لأن الكذب قبيح، وإن كان على العدو، لكذبت. ويعلم منه قبح الكذب في الجاهلية
أيضاً. وقيل: هذا دليل لمن يدعي أن قبح الكذب عقلي، وقال الكرماني: لا يلزم منه لجواز
أن يكون قبحه بحسب العرف، أو مستفاداً من الشرع السابق. قلت: بل العقل يحكم بقبح
الكذب، وهو خلاف مقتضى العقل، ولم تنقل إباحة الكذب في ملة من الملل. قوله:
(الكذبت عنه)) أي: لأخبرت عن حاله بكذب لبغضي إياه ولمحبتي نقصه. قوله: ((قط)) فيها
لغتان: أشهرهما فتح القاف وتشديد الطاء المضمومة. قال الجوهري: معناها الزمان. يقال: ما
رأيته قط، قال: ومنهم من يقول: قط، بضمتين، وقط، بتخفيف الطاء، وفتح القاف وضمها
مع التخفيف، وهي قليلة. قوله: (فأشراف الناس)) أي: كبارهم وأهل الإحسان، وقال
بعضهم: المراد بالأشراف هنا أهل النخوة والتكبر منهم لا كل شريف، حتى لا يرد مثل أبي
بكر وعمر، رضي الله تعالى عنهما، وأمثالهما ممن أسلم قبل هذا السؤال. قلت: هذا على
الغالب وإلاّ فقد سبق إلى اتباعه أكابر أشراف زمنه: كالصديق والفاروق وحمزة وغيرهم، وهم
أيضاً كانوا أهل النخوة. والأشراف: جمع شريف، من الشرف، وهو العلو والمكان العالي؛
وقد شرف، بالضم، فهو: شريف. وقوم شرفاء وأشراف، وقال ابن السكيت: الشرف والمجد
لا يكونان، إلاَّ بالآباء، والحسب والكرم يكونان في الرجل وإن لم يكن له آباء، وقال ابن
دريد: الشرف علو الحسب. قوله: ((سخطة))، بفتح السين، وهو: الكراهة للشيء وعدم الرضى
به، وقال بعضهم: سخطة، بضم أوله وفتحه، وليس بصحيح، بل: السخطة، بالتاء، إنما هي
بالفتح فقط، والسخط، بلا تاء، يجوز فيه الضم والفتح، مع أن الفتح يأتي بفتح الخاء،
والسخط، بالضم، يجوز فيه الوجهان: ضم الخاء معه وإسكانها، وفي (العباب): السخط
والسخط مثال: خلق وخلق، والسخط بالتحريك، والمسخط: خلاف الرضى، تقول منه:
سخط يسخط، أي غضب، وأسخطه أي: أغضبه، وتسخط أي: تغضب، وفي بعض الشروح:
والمعنى أن من دخل في الشيء على بصيرة يمتنع رجوعه، بخلاف من لم يدخل على
بصيرة، ويقال: أخرج بهذا من ارتد مكرهاً أو غير مكره، لا لسخط دين الإسلام، بل لرغبة في
غيره لحظ نفساني، كما وقع لعبد الله بن جحش. قوله: ((يغدر)) بكسر الدال، والغدر ترك
الوفاء بالعهد، وهو مذموم عند جميع الناس. قوله: ((سجال)) بكسر السين وبالجيم، وهو
جمع: سجل، وهو: الدلو الكبير، والمعنى: الحرب بيننا وبينه نوب، نوبة لنا ونوبة له، كما
قال الشاعر:
فيومٌ علينا ويوم لنا
ويومٌ تُساء ويوم نسـ
١٠٠٠
٠/١

٠٠.
ولد
١ - كتاب بدء الوحي / باب (٦)
١٤٧
والمساجلة: المفاخرة بأن تصنع مثل صنعه في جري أو سعي. قوله: ((ينال)) أي:
يصيب من: نال ينال نيلاً ونالاً. قوله: ((ويأمرنا بالصلاة)) أراد بها: الصلاة المعهودة التي
مفتتحها التكبير ومختمها التسليم. قوله: ((والصدق)) وهو القول المطابق للواقع، ويقابله
الكذب. قوله: ((والعفاف)) بفتح العين، الكف عن المحارم وخوارم المروءة، وقال صاحب
(المحكم): العفة: الكف عما لا يحل ولا يجمل، يقال: عف يعف عفا وعفافا وعفافة وعفة،
وتعفف واستعف، ورجل عف وعفيف، والأنثى عفيفة، وجمع العفيف: أعفة وأعفاء. قوله:
((والصلة))، وهي كل ما أمر الله تعالى أن يوصل، وذلك بالبر والإكرام وحسن المراعاة، ويقال:
المراد بها صلة الرحم، وهي تشريك ذوي القرابات في الخيرات. واختلفوا في الرحم، فقيل:
هو كل ذي رحم محرم بحيث لو كان أحدهما ذكراً والآخر أنثى حرمت مناكحتهما، فلا
يدخل أولاد الأعمام فيه. وقيل: هو عام في كل ذي رحم في الميراث، محرماً أو غيره.
قوله: ((يأتسي)) أي: يقتدي ويتبع، وهو بهمزة بعد الياء. قوله: ((بشاشة القلوب)) بفتح الباء،
وبشاشة الإسلام وضوحه، يقال: بش به وتبشبش، ويقال: بش بالشيء يبش بشاشة إذا أظهر
بشرى عند رؤيته. وقال الليث: البش اللطف في المسألة والإقبال على أخيك، وقال ابن
الأعرابي: هو فرح الصدر بالصديق، وقال ابن دريد: بشه إذا ضحك إليه ولقيه لقاء جميلاً.
قوله: ((الأوثان)) جمع وثن، وهو الصنم، وهو معرب شنم. قوله: ((أخلص)) بضم اللام، أي
أصل، يقال: خلص إلى كذا، أي وصل إليه. قوله: (لتجشمت)) بالجيم والشين المعجمة،
أي لتكلفت الوصول إليه، ولتكلفت على خطر ومشقة. قوله: ((إلى عظيم بصرى» أي:
أميرها، وكذا عظيم الروم أي الذي يعظمه الروم، وتقدمه. قوله: ((إن توليت)) أي: أعرضت
عن الإسلام. قوله: ((اليريسين)) بفتح الياء آخر الحروف، وكسر الراء، ثم الياء الأخرى
الساكنة، ثم السين المهملة المكسورة، ثم الياء الأخرى الساكنة. جمع: يريس، على وزن،
فعيل، نحو كريم، وجاء: الأريسين بقلب الياء الأولى همزة وجاء: اليريسيين، بتشديد الياء بعد
السين، جمع یريسي، منسوب إلى يريس، وجاء أيضاً بالنسبة كذلك إلاَّ أنه بالهمزة في أوله
موضع الياء أعني: الأريسين، جمع: أريس، منسوب إلى أريس، فهذه أربعة أوجه. وقال ابن
سيده: الأريس: الأكار، عند ثعلب، والأريس: الأمير، عن كراع، حكاه في باب فعيل، وعدله
بأبيل، والأصل عنده أريس، فعيل من الرياسة، فقلب. وفي (الجامع): الأريس: الزارع،
والجمع أراراسة. قال الشاعر:
أراراسة ترعون دين الأعاجم
إذا فاز فیکم عبدود فلیتکم
فوزن أريس: فعيل، ولا يمكن أن تكون الهمزة فيه من غير أصله، لأنه كأن تبقى عينه
وفاؤه من لفظ واحد، وهذا لم يأت في كلامهم إلاَّ في أحرف يسيرة، نحو: كوكب وديدن
وبابوس. والأريس عند قوم الأمير كأنه من الأضداد وفى (الصحاح) أرس يأرس أرساً، صار:
أريساً، وهو الأكار، وأرس مثله، وهو الأريس، وجمعه: الأريسون وأراريس، وهي شامية. وقال
ابن فارس: الهمزة والراء والسين ليست عربية. وفي (العباب) والأريس مثل جليس، والأريس
١
i
i
i

١٤٨
١ - كتاب بدء الوحي / باب (٦)
مثل سكيت: الأكار، فالأول: جمعه أريسون، والثاني: أريسيون وأرارسة وأراريس والفعل منه:
أرس يأرس ارسا. وقال ابن الأعرابي: أرس تأرساً، صار أكاراً مثل أرس أرساً. قال: ويقال إن
الأراريس الزارعون، وهي شامية، وبئر أريس من آبار المدينة، وهي التي وقع فيها خاتم النبي
عَ له. وقال بعض الشراح: والصحيح المشهور أنهم: الأكارون أي: الفلاحون والزارعون أي:
عليك إثم رعايا الذين يتبعونك وينقادون لأمرك، ونبه بهؤلاء على جميع الرعايا لأنهم الأغلب
في رعاياهم، وأسرع انقياداً، وأكثر تقليداً، فإذا أسلم أسلموا، وإذا امتنع امتنعوا. ويقال: إن
الأريسين الذين كانوا يحرثون أرضهم كانوا مجوساً، وكان الروم أهل كتاب، فیرید: إن عليك
مثل وزر المجوس إن لم تؤمن وتصدق. وقال أبو عبيدة: هم الخدم والخول، يعني: بصده
إياهم عن الدين كما قال تعالى: ﴿ربنا إنا أطعنا سادتنا﴾ [الأحزاب: ٦٧] أي: عليك مثل
إثمهم، حكاه ابن الأثير، وقيل: المراد الملوك والرؤساء الذين يقودون الناس إلى المذاهب
الفاسدة. وقيل: هم المتبخترون. قال القرطبي: فعلى هذا يكون المراد: عليك إثم من تكبر
عن الحق. وقيل: هم اليهود والنصارى أتباع عبد الله بن إريس الذي ينسب إليه الأريسية من
النصارى، رجل كان في الزمن الأول، قتل هو ومن معه نبياً بعثه الله إليهم. قال أبو الزناد:
وحذره النبي عَّ﴾ إذا كان رئيساً متبوعاً مسموعاً أن يكون عليه إثم الكفر وإثم من عمل بعمله
واتبعه. قال، عليه الصلاة والسلام: ((من عمل سيئة كان عليه إثمها وإثم من عمل بها إلى
يوم القيامة)). قوله: ((الصخب)) بفتح الصاد والخاء المعجمة، ويقال بالسين أيضاً بدل الصاد،
وضعفه الخليل، وهو: اختلاط الأصوات وارتفاعها. وقال أهل اللغة: الصخب هو أصوات
مبهمة لا تفهم. قوله: ((أمر)) بفتح الهمزة وكسر الميم، قال ابن الأعرابي: كثر وعظم، وقال
ابن سيده: والاسم منه الأمر، بالكسر. وقال الزمخشري: الإمرة على وزن بركة: الزيادة، ومن
قول أبي سفيان: أمِرَ أمرُ محمد، عليه السلام. وفي (الصحاح) عن أبي عبيدة: آمرته بالمد
وامرته، لغتان بمعنى: كثرته، وأمر هو أي: كثر. وقال الأخفش: أمِر أمره يأمر أمراً: اشتد،
والاسم الأمر، وفي (أفعال ابن القطاع): أمر الشيء أمراً وأمر، أي: كثر. وفي (المجرد)
لكراع، يقال: زرع أمر وأمر: كثير، وفي (أفعال ابن ظريف): أمر الشيء امراً وامارة، وفي
أمثال العرب: من قل ذل ومن أمر قل، وفي (الجامع): أمر الشيء إذا كثر، والأمرة: الكثرة
والبركة والنماء، وامرته: زيادته وخيره وبركته. قوله: ((على نصارى الشام)) سموا نصارى
لنصرة بعضهم بعضاً، أو لأنهم نزلوا موضعاً يقال له: نصرانة، ونصرة أو ناصرة. أو لقوله: ﴿من
أنصاري إلى الله﴾ [آل عمران: ٥٢] وهو جمع نصراني. قوله: ((خبيث النفس)) أي: كسلها
وقلة نشاطها، أو سوء خلقها. قوله: ((بطارقته)) بفتح الباء هو جمع بطريق، بكسر الباء، وهم:
قواد الملك وخواص دولته وأهل الرأي والشورى منه، وقيل: البطريق المختال المتعاظم، ولا
يقال ذلك للنساء. وفي (العباب) قال الليث: البطريق القائد بلغة أهل الشام والروم، فمن هذا
عرفت أن تفسير بعضهم البطريق بقوله: وهو خواص دولة الروم، تفسير غير موجه. قوله: («قد
استكرنا هيئتك)) أي: أنكرناها ورأيناها مخالفة لسائر الأيام، والهيئة: السمت والحالة
١٠٠/١

٠-٠
٠٠٠.
١٤٩
١ - كتاب بدء الوحي / باب (٦)
والشكل. قوله: ((حزاء) بفتح الحاء المهملة وتشديد الزاي المعجمة وبالمد، على وزن فعال،
أي: كاهناً، ويقال فيه: الحازي، يقال: حزى يحزي، حزا يحزو وتحزى: إذا تمكن. قال
الأصمعي: حزيت الشيء أحزيه حزياً وحزواً، وفي (الصحاح): حزى الشيء يحزيه ويحزوه:
إذا قدر وخرص، والحازي: الذي ينظر في الأعضاء، وفي خيلان الوجه يتكهن؛ وفي
(المحكم): حزى الطير حزواً: زجرها. قوله: ((فلا يهمنك شأنهم))، بضم الياء، يقال: أهمني
الأمر: أقلقني وأحزنني، والهم: الحزن، وهمني: آذاني. أي: إذا بالغ في ذلك. ومنه المهموم.
قال الأصمعي: هممت بالشيء أهم به إذا أردته وعزمت عليه، وهممت بالأمر أيضاً إذا
قصدته يهمني، وهمَّ يَهِمُّ بالكسر، هميماً: ذاب، ومراده أنهم أحقر من أن يهتم لهم أو يبالي
بهم، والشأن: الأمر. قوله: ((فلم يرم)) بفتح الياء آخر الحروف وكسر الراء، أي: لم يفارقها.
يقال: ما رمت ولم أرم، ولا يكاد يستعمل إلاَّ مع حرف النفي. ويقال: ما يريم يفعل أي: ما
يبرح، ويقال: رامه يريمه ريماً، أي: يريحه. ويقال: لا يرمه أي: لا يبرحه، قال ابن ظريف: ما
رامني ولا يريمني: لم يبرح؛ ولا يقال إلاَّ منفياً. قوله: ((يا معشر الروم) قال أهل اللغة: هم
الجمع الذين شأنهم واحد، والإنس معشر، والجن معشر، والأنبياء معشر، والفقهاء معشر،
والجمع معاشر. قوله: ((الفلاح والرشد)) الفلاح: الفوز والتقى والنجاة والرشد. بضم الراء
وإسكان الشين وبفتحهما أيضاً، لغتان، وهو خلاف الغي. وقال أهل اللغة: هو إصابة الخير.
وقال الهروي: هو الهدى والاستقامة، وهو بمعناه. يقال: رشد يرشد ورشد يرشد لغتان. قوله:
(فحاصوا)) بالحاء والصاد المهملتين: أي نفروا وكروا راجعين. يقال: حاص يحيص إذا نفر،
وقال الفارسي وفي (مجمع الغرائب) هو الروغان والعدول عن طريق القصد. وقال الخطابي:
يقال حاص وجاض بمعنى واحد يعني، بالجيم والضاد المعجمة، وكذا قال أبو عبيد وغيره،
قالوا: ومعناه عدل عن الطريق. وقال أبو زيد: معناه بالحاء رجع، وبالجيم عدل. قوله: ((آنفاً)
أي: قريباً، وهذه الساعة، والآنف أول الشيء، وهو بالمد والقصر، والمد: أشهر، وبه قرأ
جمهور القراء السبعة، وروى البزار عن ابن كثير القصر، وقال المهدوي: المد هو المعروف.
قوله: ((أختبر)) أي: أمتحن شدتكم: أي رسوخكم في الدين. قوله: ((فقد رأيت)) أي: شدتكم.
بيان اختلاف الروايات: قوله: ((حدثنا أبو اليمان)). وفي رواية الأصيلي وكريمة:
((حدثنا الحكم بن نافع))، وأبو اليمان كنية الحكم. قوله: ((وحوله عظماء الروم)) وفي رواية
ابن السكن ((فأدخلت عليه وعنده بطارقته والقسيسون والرهبان)). وفي بعض السير: دعاهم
وهو جالس في مجلس ملكه عليه التاج، وفي (شرح السنة): دعاهم لمجلسه. قوله: ((ودعا
ترجمانه)). وفي رواية الأصيلي وغيره: ((بترجمانه)). قوله: ((بهذا الرجل)) ووقع في رواية
مسلم: ((من هذا الرجل)، وهو على الأصل، وعلى رواية البخاري ضمن أقرب معنى أبعد،
فعداه بالباء. قوله: ((الذي يزعم)) وفي رواية ابن إسحاق عن الزهري: يدعي. قوله: ((فكذبوه
فوالله لولا الحياء)» سقط فيه لفظة: ((قال))، من رواية كريمة وأبي الوقت، تقديره: فكذبوه،
قال: فوالله. أي أبو سفيان، فبالإسقاط يحصل الإشكال على ما لا يخفى. ولذا قال
i
i
أجود
٠٣٠

إجره
٧ ٢٠١٠٠
سيبوي
١٥٠
١ - كتاب بدء الوحي / باب (٦)
الكرماني: فوالله. كلام أبي سفيان لا كلام الترجمان. قوله: ((لكذبت عنه)» رواية الأصيلي،
وفي رواية غيره: لكذبت عليه، ولم تقع هذه اللفظة في مسلم، ووقع فيه: ((لولا مخافة أن
يؤثروا علي الكذب)). وعلى يأتي بمعنى: عن، كما قال الشاعر:
إذا رَضِيَتْ عليّ بنوقشير
أي: عني، ووقع لفظه: عني: أيضاً في البخاري في التفسير قوله: ثم كان أول
بالنصب، في رواية، وسنذكر وجهه. قوله: ((فهل قال هذا القول منكم أحد قبله)) وفي رواية
الكشميهني، والأصيلي بدل ((قبله: مثله)). قوله: ((فهل كان من آبائه من ملك)) فيه ثلاث
روايات: إحداها: إن كلمة من حرف جر، وملك صفة مشبهة أعني، بفتح الميم وكسر
اللام، وهي رواية: كريمة والأصيلي وأبي الوقت. والثانية: إن كلمة من موصولة، وملك فعل
ماض، وهي رواية ابن عساكر. والثالثة: بإسقاط حرف الجر، وهي رواية أبي ذر، والأولى
أصح وأشهر، ويؤيده رواية مسلم: «هل کان في آبائه ملك)، بحذف: من، کما هي رواية أبي
ذر، وكذا هو في كتاب التفسير في البخاري. قوله: ((فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟
فقلت: بل ضعفاؤهم)) ووقع في رواية ابن إسحاق: ((تبعه منا الضعفاء والمساكين والأحداث،
فأما ذوو الأنساب والشرف فما تبعه منهم أحد)). قوله: ((ولا تشركوا به)). وفي رواية
المستملي: ((لا تشركوا به)) بلا واو، فيكون تأكيداً لقوله: ((وحده). قوله: ((ويأمرنا بالصلاة
والصدق)) وفي رواية البخاري: ((ويأمرنا بالصلاة والصدقة))، وفي مسلم: ((ويأمرنا بالصلاة
والزكاة)). وكذا في رواية البخاري في التفسير، والزكاة، وفي الجهاد من رواية أبي ذر عن
شيخه الكشميهني، والسرخسي: ((بالصلاة والصدق والصدقة)). وقال بعضهم: ورجحها شيخنا
أي رجح الصدقة على الصدق، ويقويها رواية المؤلف في التفسير: ((الزكاة))، واقتران الصلاة
بالزكاة معتاد في الشرع. قلت: بل الراجح لفظة الصدق، لأن الزكاة والصدقة داخلتان في
عموم قوله: ((والصلة))، لأن الصلة: اسم لكل ما أمر الله تعالى به أن يوصل، وذلك يكون
بالزكاة والصدقة وغير ذلك من أنواع البر والإكرام، وتكون لفظة: الصدق، فيه زيادة فائدة.
وقوله: واقتران الصلاة بالزكاة معتاد في الشرع، لا يصلح دليلاً للترجيح على أن أبا سفيان لم
يكن يعرف حينئذٍ اقتران الزكاة بالصلاة ولا فرضيتها. قوله: ((يأتسي)) بتقديم الهمزة في رواية
الكشميهني، وفي رواية غيره: ((يتأسى))، بتقديم التاء المثناة من فوق. قوله: ((حين يخالط
بشاشة القلوب)). هكذا وقع في أكثر النسخ: ((حين))، بالنون وفي بعضها: ((حتى))، بالتاء
المثناة من فوق، ووقع في (المستخرج) للإسماعيلي: ((حتى أو حين)) على الشك، والروايتان
وقعتا في مسلم أيضاً، ووقع في مسلم أيضاً: (إذا)) بدل ((حين)). وقال الشيخ قطب الدين
رحمه الله: كذا رويناه فيه على الشك. وقال القاضي: الروايتان وقعتا في البخاري ومسلم،
وروي أيضاً: ((بشاشة القلوب)) بالإضافة ونصب البشاشة على المفعولية، أي: حين يخالط
الإيمان بشاشة القلوب. وروي: ((بشاشة)) بالرفع وإضافتها إلى الضمير، أعني: ضمير الإيمان،
وبنصب القلوب، وزاد البخاري في الإيمان: ((حين يخالط بشاشة القلوب لا يسخطه أحد)».

١٥١
١ - کتاب بدء الوحي / بابا(٦)
وزاد ابن السكن في روايته في (معجم الصحابة): ((يزداد فيه عجباً وفرحاً). وفي رواية ابن
إسحاق: ((وكذلك حلاوة الإيمان لا تدخل قلباً فتخرج منه)). قوله: ((لتجشمت لقاءه)) وفي
مسلم: ((لأحببت لقاءه))، والأول أوجه. قوله: ((لغسلت عن قدميه)). وفي رواية عبد الله بن
شداد عن أبي سفيان: ((لو علمت أنه هو لمشيت إليه حتى أقبل رأسه وأغسل قدميه))، وزاد
فيها: ((ولقد رأيت جبهته يتحادر عرقها من كرب الصحيفة)) يعني: لما قرىء عليه كتاب
النبي عَّله، قوله: ((سلام على من اتبع الهدى)، وفي رواية البخاري في الاستئذان: ((السلام))
بالتعريف. قوله: ((بدعاية الإسلام)، وفي مسلم: ((بداعية الإسلام)). وكذا رواية البخاري في
الجهاد: ((بداعية الإسلام)). قوله: ((فإنما عليك إلم اليريسين)). وفي رواية ابن إسحاق عن
الزهري بلفظ: ((فإن عليك إثم الأكارين)). وكذا رواه الطبراني والبيهقي في (دلائل النبوة)،
وزاد البرقاني في روايته: يعني الحراثين. وفي رواية المديني من طريق مرسلة: ((فإن عليكم
إثم الفلاحين)، والإسماعيلي: ((فإن عليك إثم الركوسيين))، وهم أهل دين النصارى والصابئية،
يقال لهم: الركوسية. وقال الليث بن سعد، عن يونس، فيما رواه الطبراني في (الكبير) من
طريقه: الأريسيون: العشارون، يعني: أهل المكس. قوله: ((يا أهل الكتاب)) هكذا هو ياثبات
الواو في أوله، وذكر القاضي: أن الواو ساقطة في رواية الأصيلي وأبي ذر. قلت: إثبات الواو
وهو رواية عبدوس والنسفي والقابسي. قوله: ((عنده الصخب)) ووقع في مسلم: ((اللغط)). وفي
البخاري في الجهاد: ((وكثر لغطهم). وفي التفسير: ((وكثر اللغط))، وهو الأصوات المختلفة.
قوله: «فما زلت موقنا)):زاد في حديث عبد الله بن شداد عن أبي سفيان: ((فما زلت مرعوباً
من محمد حتى أسلمت)). أخرجه الطبراني. قوله: ((ابن الناطور)) بالطاء المهملة، وفي رواية
الحموي، بالظاء المعجمة، ووقع في رواية الليث، عن يونس: ابن ناطورا، بزيادة الألف في
آخره، فعلى هذا هو اسم أعجمي. قوله: ((صاحب إيلياء)) بالنصب، وفي رواية أبي ذر بالرفع.
قوله: ((أسقف على نصارى الشام)) على صيغة المجهول من الثلاثي المزيد فيه، وهو رواية
المستملي والسرخسي، وفي رواية الكشميهني: ((سقف))، على صيغة المجهول أيضاً من
التسقيف، وفي رواية وقع هنا: سقفا، بضم السين والقاف وتشديد الفاء، ويروى: ((أسقفا)
بضم الهمزة وسكون السين وضم القاف وتخفيف الفاء، ويروى: ((أسقف))، مثله إلاَّ أنه بتشديد
الفاء، ذكرهما الجواليقي وغيره؛ وقال الاسماعيلي فيه: من أساقفة نصارى الشام، موضع
سقف، وقال صاحب (المطالع): وفي رواية أبي ذر والأصيلي عن المروزي: سقف، وعند
الجرجاني: سقفا، وعند القابسي: أسقفا، وهذا أعرفها، مشدد الفاء فيهما، وحكى بعضهم:
اسقفا وسقفا، وهو من النصارى رئيس الدين فيما قاله الخليل، وسقف قدم لذلك، وقال ابن
الأنباري: يحتمل أن يكون سمي بذلك لانحنائه وخضوعه لتدينه عندهم، وإنه قيم شريعتهم،
وهو دون القاضي، والأسقف: الطويل في انحناء في العربية، والاسم منه: السقف والسقيفي؛
وقال الداودي: هو العالم، ويقال: سقف كفعل أعجمي معرب ولا نظير لأسقف إلاَّ أسرب.
قلت: حكى ابن سيده ثالثاً وهو الأسكف للصانع، ولا يرد الأترج لأنه جمع، والكلام في
i
i.
i
i
i
i
i
٦

١٥٢
١ - كتاب بدء الوحي / باب (٦)
المفرد. وقال النووي: الأشهر بضم الهمزة وتشديد الفاء، وقال ابن فارس: السقف بالتحريك:
طول في انحناء، ورجل أسقف. قال ابن السكيت: ومنه اشتقاق أسقف النصارى. قوله:
(أصبح يوماً خبيث النفس) وصرح في رواية ابن إسحاق بقولهم له: لقد أصبحت مهموماً.
قوله: (ملك الختان)) ضبط على وجهين أحدهما بفتح الميم وكسر اللام، وهو رواية
الكشميهني، والآخر ضم الميم وإسكان اللام، وكلاهما صحيح. قوله: ((هم يختتتون)) وفي
رواية الأصيلي: ((يختنون))، والأول أفيَّد وأشمل. قوله: ((فقال هرقل: هذا يملك هذه الأمة))
هذا رواية أبي ذر عن الكشميهني وحده على صورة الفعل المضارع، وأكثر الرواة على: ((هذا
ملك هذه الأمة)). بضم الميم وسكون اللام، وفي رواية القابسي: ((هذا ملك هذه الأمة))، بفتح
الميم وكسر اللام. وقال صاحب (المطالع): الأكثرون على رواية القابسي، هذا هو الأظهر.
وقال عياض: أرى رواية أبي ذر مصحفة، لأن ضمة الميم اتصلت بها فتصحفت، ولما
حكاها صاحب (المطالع) قال: اظنه تصحيفاً، وقال النووي: كذا ضبطناه عن أهل التحقيق،
وكذا هو في أكثر أصول بلادنا، قال: وهي صحيحة أيضاً، ومعناها: هذا المذكور يملك هذه
الأمة وقد ظهر. والمراد بالأمة هنا أهل العصر. قوله: ((فأذن)) بالقصر من الأذن، وفي رواية
المستملي وغيره بالمد، ومعناه: أعلم، من الإيذان وهو الإعلام. قوله: ((فتبايعوا) بالتاء المثناة
من فوق، والباء الموحدة، وبعد الألف ياء آخر الحروف، وفي رواية الكشميهني: ((فتتابعوا»،
بتاعين مثناتين من فوق وبعد الألف باء موحدة، وفي رواية الأصيلي: ((فنبايع)) بنون الجماعة
بعدها الباء الموحدة. قوله: ((لهذا النبي)، باللام في رواية أبي ذر، وفي رواية غيره: هذا،
بدون اللام. قوله: ((وأيس)) بالهمزة ثم الياء آخر الحروف هكذا في رواية الكشميهني، وفي
رواية الأصيلي: ((يئس)، بتقديم الياء على الهمزة، وهما بمعنى، والأول مقلوب من الثاني
فافهم.
بيان الصرف: قوله: ((سفيان)) من سفی الريح التراب تسفيه سفياً، إذا: ذرته، وفاؤه
مثلثة. قوله: «حرب) مصدر في الأصل. قوله: «ماد فيها)) بتشديد الدال من باب المفاعلة،
وأصله مادداً، دغمت الدال في الدال وجوباً لاجتماع المثلين، ومضارعه: يماد، وأصله يمادد،
ومصدره: مماددة ومماد، وأصل هذا الباب أن يكون بين اثنين. وأصله من المدة وهي القطعة
من الزمان، يقع على القليل والكثير، أي: اتفقوا على أصلح مدة من الزمان، وهذه المدة هي
صلح الحديبية الذي جرى بين النبي صَّدٍ وكفار قريش سنة ست من الهجرة، لما خرج -
عليه السلام - في ذي القعدة معتمراً قصدته قريش وصالحوه على أن يدخلها في العام القابل
على وضع الحرب عشر سنين، فدخلت بنو بكر في عهد قريش، وبنو خزاعة في عهده -
، فأمر الله تعالى
عليه السلام - ثم نقضت قريش العهد بقتالهم خزاعة، حلفاء رسول الله
بقتالهم بقوله: ﴿ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم﴾ [التوبة: ١٣] وفي كتاب أبي نعيم، في مسند
عبد الله بن دينار: كانت مدة الصلح أربع سنين، والأول أشهر. قوله: ((أدنوه)) بفتح الهمزة من
الإدناء، وأصله: ادنيو، استثقلت الضمة على الياء فحذفت فالتقى ساكنان وهما: الياء والواو.

١٢٢/١
1 **
١٥٣
١ - كتاب بدء الوحي / باب (٦)
فحذفت الياء لأن الواو علامة الجمع ثم أبدلت كسرة النون ضمة لتدل على الواو المحذوفة،
فصار: ادنوا، على وزن: افعوا. قوله: ((تتهمونه)) من باب الافتعال، تقول: اتهم يتهم اتهاماً،
وأصله: أوتهم، لأنه من الوهم، قلبت الواو تاء، وأدغمت التاء في التاء، واصل: تتهمونه:
توتهمونه، ففعل به مثل ما ذكرنا، وكذا سائر مواده. قوله: ((بالكذب)) بفتح الكاف وكسر
الذال، مصدر: كذب، وكذلك الكذب، بكسر الكاف وسكون الذال، وقد ذكرناه مرة. قوله:
((يأتسي)) من الإيتساء، من الافتعال، ومادته همزة وسين وياء. قوله: ((ليذر الكذب)) أي: ليدع
الكذب، وقد أماتوا ماضي هذا الفعل. وفي (العباب): تقول ذره أي: دعه، وهو يذره أي:
يدعه، واصله: وذره يذره، مثال: وسعه يسعه، وقد أميت صدره، ولا يقال: وذره، ولا: واذره.
ولكن تركه وهو تارك إلاَّ أن يضطر إليه شاعر. وقيل: هو من باب منع يمنع، محمولاً على:
ودع يدع، لأنه بمعناه. قالوا: ولو كان من باب: وحل يوحل، لقيل في مستقبله: يوذر
كيوحل، ولو لم يكن محمولاً لم تخل عينه أو لامه من حروف الحلق، وهذا القول أصح،
وإذا أردت ذكر مصدره فقل: ذره تركاً، ولا تقل: ذره وذراً. قوله: ((دحية)) أصله من دحوت
الشيء دحواً أي: بسطته، قال تعالى: ﴿والأرض بعد ذلك دحاها﴾ [النازعات: ٣٠] أي
بسطها. قوله: ((الهدى)) مصدر من: هداه يهديه، وفى (الصحاح) الهدى: الرشاد والدلالة
يذكر ويؤنث، يقال: هداه الله للدين هدى، وهديته الطريق والبيت هداية، أي: عرفته، هذه لغة
أهل الحجاز وغيرهم، تقول: هديته إلى الطريق، وإلى الدار، حكاهما الأخفش، وهدى
واهتدى بمعنى. قوله: (بدعاية الإسلام)) بكسر الدال أي: يدعوه، وهو مصدر كالشكاية من
شكى، والرماية من رمى، وقد تقام المصادر مقام الأسماء. وفي رواية: ((بداعية الإسلام))، على
ما ذكرنا وهي أيضاً بمعنى الدعوة. وقد يجيء المصدر على وزن فاعلة کقوله تعالى: ﴿لیس
لوقعتها كاذبة﴾ [الواقعة: ٢] أي كذب. قوله: ((استنكرنا)) من الاستنكار، من باب الاستفعال،
وأصل باب الاستفعال أن يكون للطلب. وقد يخرج عن بابه، وهذه اللفظة من هذا القبيل،
يقال: استنكرت الشيء إذا أنكرته، وقال الليث: الاستنكار استفهامك أمراً تنكره. قوله:
((حزَّاء»، مبالغة: حاز على وزن فعال، بالتشديد. قوله: ((فلم يرم)) أصله: يريم، فلما دخل عليه
الجازم حذفت الياء لالتقاء الساكنين، وقد ذكرنا تفسيره. قوله: ((أيس)) على وزن فعل بكسر
العين، وقال ابن السكيت: أيست منه يئيس إياساً، أي: قنطت، لغة في: يئست منه أيأس يأساً،
والإياس: انقطاع الطمع.
بيان الإعراب: قوله: ((إن عبد الله بن عباس)) كلمة: إن، ههنا وفي: ((أن أبا
سفيان))، وفي ((أن هرقل))، مفتوحات في محل الجر بالباء المقدرة، كما في قولك: أخبرني
أن زيداً منطلق، والتقدير: بأن زيداً منطلق، أي: أخبرني بانطلاق زيد. قوله: ((في ركب))،
جملة في موضع النصب على الحال، والتقدير: أرسل هرقل إلى أبي سفيان حال كونه كائناً
في جملة الركب. وقوله: (من قريش)) في محل الجر على أنه صفة للركب، وكلمة: من
تصلح أن تكون لبيان الجنس، كما في قوله تعالى: ﴿يلبسون ثياباً خضراً من سندس﴾
حدة
i
قهوة

١٥٤
١ - كتاب بدء الوحي / باب (٦)
[الكهف: ٣٠] ویجوز أن تكون للتبعيض. قوله: «و کانوا تجاراً): الواو فيه تصلح أن تكون
للحال، بتقدير: قد، فإن قلت في حال الطلب: لم يكونوا تجاراً. قلت: تقديره ملتبسين بصفة
التجار. قوله: ((في المدة)) جملة في محل النصب على الحال، والألف واللام فيها بدل من
المضاف إليه، أي: في مدة الصلح بالحديبية. قوله: ((أبا سفيان)) بالنصب، مفعول لقوله:
«ماذا)). قوله: ((وكفار قريش))، كلام إضافي منصوب عطفاً على: أبا سفيان، ويجوز أن يكون
مفعولاً معه. قوله: ((فأتوه)) الغاء فيه فصيحة، إذ تقدير الكلام: فأرسل إليه في طلب إتيان
الركب إليه، فجاء الرسول، فطلب إنيانهم فأتوه، ونحوه قوله تعالى: ﴿فقلنا اضرب بعصاك
الحجر فانفجرت﴾ [البقرة: ٦٠] أي: فضرب فانفجرت. فإن قلت: ما معنى فاء الفصيحة؟
قلت: سميت بها لأنها يستدل بها على فصاحة المتكلم، وهذا إنما سموها بها على رأي
الزمخشري، وهي تدل على محذوف، هو سبب لما بعدها، سواء كان شرطاً أو معطوفاً.
وقال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿فانفجرت﴾: الفاء متعلقة بمحذوف. أي: فضرب
فانفجرت، أو: فإن ضربت فقد انفجرت، كما ذكرنا في قوله تعالى: ﴿فتاب علیکم﴾
[البقرة: ٥٤ و ١٨٧] وهي على هذا: فاء فصيحة، لا تقع إلاّ في كلام فصيح. فإن قلت: هم
في أي موضع كانوا حتى أرسل إليهم أبو سفيان؟ قلت: في الجهاد في البخاري: إن الرسول
وجدهم ببعض الشام، وفي رواية أبي نعيم في (الدلائل) تعيين الموضع، وهي: غزة. قال:
وكانت وجه متجرهم، وكذا رواه ابن إسحاق في (المغازي) عن الزهري. قوله: ((وهم
بإيلياء)) الواو فيه للحال، والباء في: بإيلياء، بمعنى في. قوله: («فدعاهم في مجلسه)): الضمير
المرفوع في: فدعاهم، يرجع إلى هرقل، والمنصوب إلى أبي سفيان ومن معه. وقوله: ((في
مجلسه)) حال، أي: في حال كونه في مجلسه، فإن قلت: دعا يستعمل بكلمة: إلى، يقال
دعا إليه. قال الله تعالى: ﴿والله يدعو إلى دار السلام﴾ [يونس: ٢٥] وكان ينبغي أن يقال:
فدعاهم إلى مجلسه؟ قلت: دعا ههنا من قبيل قولهم: دعوت فلاناً، أي: صحت به، وكلمة:
في، لا تتعلق به ولا هي صلته، وإنما هي حال كما ذكرنا تتعلق بمحذوف، وتقديره: كما
ذكرنا، أو تكون: في بمعنى إلى كما في قوله تعالى: ﴿فردوا أيديهم في أفواههم﴾ [إبراهيم:
٩] أي: إلى أفواههم، ويدل عليه رواية (شرح السنة): دعاهم لمجلسه. قوله: ((وحوله عظماء
الروم)» الواو فيه للحال، وحوله نصب على الظرف، ولكنه في تقدير الرفع لأنه خبر المبتدأ،
أعني قوله: ((عظماء الروم)). قوله: ((ثم دعاهم)) عطف على قوله: فدعاهم، فإن قلت: هذا
تكرار، فما الفائدة فيه؟ قلت: ليس بتكرار، لأنه أولاً دعاهم بأن أمر بإحضارهم من الموضع
الذي كانوا فيه، فلما حضروا استأذن لهم، فتأمل زماناً حتى أذن لهم، وهو معنى قوله: ((ثم
دعاهم))، ولهذا ذكره بكلمة: ثم، التي تدل على التراخي، وهكذا عادة الملوك الكبار إذا
طلبوا شخصاً يحضرون به، ويوقفونه على بابهم زماناً حتى يأذن لهم بالدخول، ثم يؤذن لهم
بالدخول؛ ولا شك أن ههنا لا بد من دعوتين: الدعوة في الحالة الأولى، والدعوة في الحالة
الثانية. قوله: ((ودعا ترجمانه)) بنصب الترجمان لأنه مفعول، وعلى رواية: ((بترجمانه))، تكون

١٥٥
١ - كتاب بدء الوحي / باب (٦)
الباء زائدة، لأن: دعا يتعدى بنفسه، كما في قوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾
[البقرة: ١٩٥]. قوله: ((فقال: أيكم؟)) الفاء فيه فصيحة أيضاً، والضمير في: قال، يرجع إلى
الترجمان، والتقدير: أي فقال هرقل للترجمان: قل أيكم أقرب؟ فقال الترجمان: أيكم أقرب؟
ثم إن لفظة: أقرب، إن كان أفعل التفضيل فلا بد أن تستعمل بأحد الوجوه الثلاثة: الإضافة،
واللام، ومن. وقد جاء ههنا مجرداً عنها، وأيضاً: معنى القرب لا بد أن يكون من شيء، فلا
بد من صلة. وأجيب: بأن كليهما محذوفان، والتقدير: أيكم أقرب من النبي من غيركم.
قوله: ((فقلت: أنا أقربهم نسباً)) أي: من حيث النسب، وإنما كان أبو سفيان أقرب لأنه من
بني عبد مناف، وقد أوضح ذلك البخاري في الجهاد بقوله: قال: ((ما قرابتك منه؟ قلت: هو
ابن عمي، قال أبو سفيان: ولم يكن في الركب من بني عبد مناف غيري)). انتهى. وعبد
مناف هو الأب الرابع للنبي - عليه السلام - وكذا لأبي سفيان، وأطلق عليه: ابن عم، لأنه
نزل كلا منهما منزلة جده، فعبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، وأبو سفيان بن حرب بن
أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وإنما خص هرقل الأقرب لأنه أحرى بالاطلاع على أموره،
ظاهراً وباطناً، أكثر من غيره، ولأن الأبعد لا يؤمن أن يقدح في نسبه بخلاف الأقرب. قوله:
((فقال)) أي هرقل ((ادنوه مني) وإنما أمر بإدنائه ليمعن في السؤال. قوله: ((فاجعلوهم عند
ظهره)) أي: عند ظهر أبي سفيان، إنما قال ذلك لئلا يستحيوا أن يواجهوه بالتكذيب إن
كذب، وقد صرح بذلك الواقدي في روايته. قوله: ((قل لهم)): أي: لأصحاب أبي سفيان.
قوله: (هذا) أشار به إلى أبي سفيان، وأراد بقوله: ((عن الرجل))، النبي عَّةِ، والألف واللام
فيه للعهد. قوله: ((فإن كذبني)) بالتخفيف ((فكذِّبوه)) بالتشديد، أي: فإن نقل إلي الكذب
وقال لي خلاف الواقع. قوله: ((فوالله)) من كلام أبي سفيان، كما ذكرناه. قوله: ((لكذبت
عنه)) جواب لولا. قوله: ((ثم كان أول)) بالرفع، اسم كان وخبره قوله: ((أن قال))، وأن
مصدرية تقديره: قوله، وجاء النصب، ووجهه أن يكون خبراً لكان فإن قلت: أين اسم كان
على هذا التقدير، وما موضع قوله: ((أن قال))؟ قلت: يجوز أن يكون اسم كان ضمير الشأن،
ويكون قوله: (أن قال)، بدلاً من قوله: ((ما سألني عنه))، أو يكون التقدير: بأن قال، أي:
بقوله، ويجوز أن يكون: (أن قال)) اسم كان، وقوله: ((أول ما سألني)) خبره، والتقدير: ثم
كان قوله: كيف نسبه فيكم؟ أول ما سألني منه. قوله: ((ذو نسب)) أي: صاحب نسب
عظيم، والتنوين للتعظيم. كما في قوله تعالى: ﴿ولكم في القصاص حياة﴾ [البقرة: ١٧٩]
أي: حياة عظيمة. قوله: ((قط)) قد ذكرنا أنه لا يستعمل إلاّ في الماضي المنفي. فإن قلت:
فأين النفي ههنا؟ قلت: الاستفهام حكمه حكم النفي. قوله: ((قبله)) قبله نصب على الظرف،
وإما على رواية مثله بدل قبله يكون بدلاً عن قوله: هذا القول. قوله: (منكم)) أي: من قومكم،
فالمضاف محذوف. قوله: ((فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟» فيه حذف همزة
الاستفهام، والتقدير: أتبعه أشراف الناس أم اتبعه ضعفاؤهم؟ وفي رواية البخاري في التفسير
بهمزة الاستفهام، ولفظه: اتبعه أشراف الناس وأم، ههنا، متصلة معادلة لهمزة الاستفهام. قوله:
• حدد
٠٠٥٢
١٣٤

١٥٦
١ - کتاب بدء الوحي / باب (٦)
((بل ضعفاؤهم) أي: بل اتبعه ضعفاء الناس، وكذلك الكلام في قوله: ((أيزيدون أم ينقصون؟))
قوله: ((سخطة) نصب على التعليل، ويجوز أن يكون نصباً على الحال على تأويل ساخطاً،
قوله: ((ونحن منه)) أي: من الرجل المذكور، وهو النبي عَّةِ. ((في مدة)) أراد بها مدة
الهدنة، وهي صلح الحديبية نص عليه النووي وليس كذلك، وإنما يريد غيبته عن الأرض
وانقطاع أخباره - عليه السلام - عنه. ولذلك قال: ولم يمكني كلمة أدخل فيها شيئاً، لأن
الإنسان قد يتغير، ولا يدري الآن هل هو على ما فارقناه أو بدل شيئاً. وقال الكرماني: في
قوله: لا ندري، إشارة إلى أن عدم غدره غير مجزوم به، قلت: ليس كذلك، بل لكون الأمر
مغيباً عنه وهو في الاستقبال تردد فيه بقوله: لا ندري. قوله: ((فيها)) أي في المدة. قوله:
((قال)) أي: أبو سفيان. قوله: ((كلمة)) مرفوع لأنه فاعل لقوله: لم يمكني. قوله: ((أُدخل))
بضم الهمزة، من الإدخال. قوله: ((فيها)) أي: في الكلمة، ذكر الكلمة وأراد بها: الكلام.
قوله: ((شيئاً) مفعول لقوله أدخل. قوله: ((غير هذه الكلمة)) يجوز في غير الرفع والنصب، أما
الرفع فعلى كونه صفة لكلمة، وأما النصب فعلى كونه صفة لقوله: شيئاً، واعترض كيف
يكون غير صفة لهما وهما نكرة وغير مضاف إلى المعرفة؟ وأجيب: بأنه لا يتعرف بالإضافة
إلاَّ إذا أشهر المضاف بمغايرة المضاف إليه، وههنا ليس كذلك. قوله: ((وكيف كان قتالكم
إياه))؟ قال بعض الشارحين: فيه انفصال ثاني الضميرين، والاختيار أن لا يجيء المنفصل إذا
تأتى مجيء المتصل، وقال شارح آخر: قتالكم إياه، أفصح من: قتالكموه، باتصال الضمير،
فلذلك فصله. قلت: الصواب معه نص عليه الزمخشري. قوله: (الحرب)) مبتدأ. وقوله:
((سجال)) خبره، لا يقال الحرب مفرد، والسجال جمع، فلا مطابقة بين المبتدأ والخبر، لأنا
نقول: الحرب اسم جنس. وقال بعضهم: الحرب اسم جمع، ولهذا جعل خبره اسم جمع.
قلت: لا نسلم أن السجال اسم جمع، بل هو جمع، وبين الجمع واسم الجمع فرق كما علم
في موضعه، ويجوز أن یکون سجال بمعنی المساجلة، ولا یکون جمع سجل، فلا يرد السؤال
أصلاً. قوله: ((قال: ماذا يأمركم)) أي: قال هرقل، وكلمة: ما، استفهام و: ذا، إشارة، ويجوز
أن يكون كله استفهاماً على التركيب. كقولك: لماذا جئت؟ ويجوز أن يكون: ذا، موصولة
بدليل افتقاره إلى الصلة، كما في قول لبيد.
ألا تسألان المرء: ماذا يحاول؟
ويجوز أن يكون: ذا، زائدة، أجاز ذلك جماعة منهم ابن مالك في نحو: ماذا صنعت؟
قوله: ((لم يكن ليذر الكذب)) اللام فيه تسمى لام الجحود لملازمتها للجحد، أي: النفي،
وفائدتها توكيد النفي وهي الداخلة في اللفظ على الفعل مسبوقة بما كان. أو: لم يكن،
ناقصتين مسندتين لما أسند إليه الفعل المقرون باللام نحو: ﴿وما كان الله ليطلعكم على
الغيب﴾ [آل عمران: ١٧٩]. ﴿لم يكن الله ليغفر لهم﴾ [النساء: ١٣٧ و١٦٨]. وقال
النحاس: الصواب تسميتها لام النفي، لأن الجحد في اللغة إنكار ما تعرفه لا مطلق الإنكار.
قوله: (حين تخالط بشاشته القلوب)) قد ذكرنا التوجيه فيه. قوله: ((فذكرت أنه)) أي: بأنه،
٠٥٧.٦
bar
٠ ١٧٧

١٥٧
ام الم٥٢
١ - کتاب بدء الوحي / باب (٦)
ومحل: أن جر بهذه، وكذلك: أن في قوله ((أن تعبدوا الله)). قوله: ((ثم دعا بكتاب رسول
الله عَّةٍ)) فيه حذف تقديره؛ قال أبو سفيان: ثم دعا هرقل. ومفعول، دعا، أيضاً محذوف،
قدره الكرماني بقوله: ثم دعا هرقل الناس بكتاب رسول الله مَّ له، وقدره بعضهم؛ ثم دعا من
وكل ذلك إليه. قلت: الأحسن أن يقال: ثم دعا من يأتي بكتاب رسول الله عَ ليه. وإنما احتيج
إلى التقدير لأن الكتاب مدعو به وليس بمدعو، فلهذا عدى إليه بالباء، ويجوز أن تكون الباء
زائدة، والتقدير: ثم دعا الكتاب على سبيل المجاز، أو ضمن: دعا، معنى: اشتغل، ونحوه.
قوله: «بعث به مع دحية)) أي: أرسله معه، ويقال أيضاً: بعثه وابتعثه، بمعنى: أرسله، وكلمة
مع، بفتح العين على اللغة الفصحى، وبها جاء القرآن، ويقال أيضاً بإسكانها، وقيل: مع: لفظ
معناه الصحبة، ساكن العين ومفتوحها، غير أن المفتوحة تكون إسماً وحرفاً، والساكنة حرف
لا غير. قوله: (فإذا فيه)) كلمة: إذا، هذه للمفاجأة. قوله: ((من محمد» يدل على أن: من
تأتي في غير الزمان والمكان، ونحوه قوله: ﴿من المسجد الحرام﴾ [الإسراء: ١] ﴿إنه من
سليمان﴾ [النمل: ٣٠]. قوله: ((سلام)) مرفوع على الابتداء، وهذا من المواضع التي يكون
المبتدأ فيها نكرة بوجه التخصيص، وهو مصدر في معنى الدعاء، وأصله: سلم الله، أو سلمه
سلاماً، إذ المعنى فيه ثم حذف الفعل للعلم به، ثم عدل عن النصب إلى الرفع لغرض الدوام
والثبوت، وأصل المعنى على ما كان عليه، وقد كان سلاماً في الأصل مخصوصاً بأنه صادر
من الله تعالى، ومن المتكلم لدلالة فعله وفاعله المتقدمين عليه، فوجب أن يكون باقياً على
تخصيصه. قوله: ((أما بعد)) كلمة: أما، فيها معنى الشرط، فلذلك لزمتها الفاء، وتستعمل في
الكلام على وجهين. أحدهما: يستعملها المتكلم لتفصيل ما أجمله على طريق الاستئناف،
كما تقول: جاءني إخوتك أما زيد فأكرمته وأما خالد فأهنته، وأما بشر فأعرضت عنه.
والآخر: أن يستعملها أخذاً في كلام مستأنف من غير أن يتقدمها كلام، وأما، ههنا من هذا
القبيل. وقال الكرماني: أما، للتفصيل، فلا بد فيه من التكرار، فأين قسيمه؟ ثم قال: المذكور
قبله قسيمه، وتقديره: أما الابتداء: فباسم الله تعالى؛ وأما المكتوب: فمن محمد ونحوه؛ وأما
بعد ذلك هكذا. انتهى. قلت: هذا كله تعسف وذهول عن القسمة المذكورة، ولم يقل أحد
إن: أما، في مثل هذا الموضع تقتضي التقسيم، والتحقيق ما قلنا. وكلمة: بعد مبنية على
الضم إذ أصلها: أما بعد كذا وكذا، فلما قطعت عن الإضافة بنيت على الضم، وتسمى
حينئذٍ: غاية. قوله: (بدعاية الإسلام)) أي: ادعوك بالمدعو الذي هو الإسلام؛ والباء، بمعنى إلى
وجوزت النحاة إقامة حروف الجر بعضها مقام بعض، أي: ادعوك إلى الإسلام. قوله: ((اسلم
تسلم) كلاهما مجزومان. الأول: لأنه أمر، والثاني: لأنه جواب الأمر، والأول: بكسر اللام
لأنه من: اسلم. والثاني: بفتحها لأنه مضارع من: سلم. قوله: ((يؤتك الله) مجزوم أيضاً: إما
جواب ثان للأمر، وإما بدل منه؛ وإما جواب لأمر محذوف تقديره: أسلم يؤتك الله. على ما
صرح به البخاري في الجهاد: أسلم يؤتك الله. وقال بعضهم: يحتمل أن يكون الأمر الأول
للدخول في الإسلام، والثاني للدوام عليه كما في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله
i
١
i.
i
i
١

١٥٨
١ - كتاب بدء الوحي / باب |(٦)
ورسوله﴾ [النساء: ١٣٦] الآية. قلت: الأصوب أن يكون من باب التأكيد، والآية في حق
المنافقين، معناها: يا أيها الذين آمنوا نِفاقاً آمنوا إخلاصاً. كذا في التفسير. قوله: ويا أهل
الكتاب، عطف هذا الكلام على ما قبله بالواو، والذي يدل على الجمع والتقدير: أدعوك
بدعاية الإسلام، وأدعوك بقول الله: ﴿يا أهل الكتاب﴾ [آل عمران: ٦٤] إلى آخره، وأما
الرواية التي سقطت فيها الواو فوجهها أن يكون قوله: ﴿يا أهل الكتاب﴾ [آل عمران: ٦٤]
بياناً لقوله: بدعاية الإسلام، قوله: ﴿تعالوا﴾ [آل عمران: ٦٤] بفتح اللام، وأصله: تعاليوا،
تقول: تعال تعاليا تعاليوا، قلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، ثم حذفت لالتقاء
الساكنين، فصار: تعالوا، والمراد من أهل الكتاب أهل الكتابين: اليهود والنصارى، وقيل: وفد
نجران، وقيل: يهود المدينة. قوله: ﴿سواء﴾ [آل عمران: ٦٤] أي مستوية بيننا وبينكم لا
يختلف فيها القرآن والتوراة والإنجيل، وتفسير الكلمة قوله: ﴿أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به
شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله﴾ [آل عمران: ٦٤] يعني: تعالوا إليها حتى لا
نقول: عزيز ابن الله، ولا المسيح ابن الله، لأن كل واحد منهما بشر مثلنا، ولا نطيع أحبارنا
فيما أحدثوا من التحريم والتحليل من غير رجوع إلى ما شرع الله. قوله: ﴿فإن تولوا﴾ [آل
عمران: ٦٤] أي: عن التوحيد: ﴿فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون﴾ [آل عمران: ٦٤] أي:
لزمتكم الحجة، فوجب عليكم أن تعترفوا وتسلموا، فإنا مسلمون دونكم. وقال الزمخشري:
يجوز أن يكون من باب التعريض، ومعناه: اشهدوا: اعترفوا بأنكم كافرون توليتم عن الحق
بعد ظهوره. قوله: ((فلما قال)) أي: هرقل. قوله: (ما قال)) جملة في محل النصب، لأنها
مفعول قال: وما، موصولة والعائد محذوف تقديره: ما قاله من السؤال والجواب. قوله:
((أخرجنا)) على صيغة المجهول في الموضعين، ويجوز أن يكون الثاني على صيغة المعلوم
بفتح الراء. فافهم. قوله: ((لقد أمر)) جواب القسم المحذوف أي: والله لقد أمر. قوله: ((إنه
يخافه)) بكسر إن، لأنه كلام مستأنف، ولا سيما جاء في رواية باللام في خبرها، وقال
بعضهم: إنه يخافه، بكسر الهمزة لا يفتحها لثبوت اللام في خبرها. قلت: يجوز فتحها أيضاً
وإن كان على ضعف على أنه مفعول من أجله، وقد قرىء في الشواذ. ﴿إلا انهم ليأكلون﴾
[الفرقان: ٢٠] بالفتح في أنهم، والمعنى على الفتح في الحديث: عظم أمره عليه السلام،
لأجل أنه يخافه ملك بني الأصفر. قوله: ((وكان ابن الناطور)) الواو فيه عاطفة لما قبلها،
داخلة في سند الزهري، والتقدير عن الزهري: أخبرني عبيد الله ... إلى آخره، ثم قال الزهري:
وكان ابن الناطور يحدث، فذكر هذه القصة، فهي موصولة إلى ابن الناطور لا معلقة، كما
توهمه بعضهم، وهذا موضع يحتاج فيه إلى التنبيه على هذا، وعلى أن قصة ابن الناطور غير
مروية بالإسناد المذكور عن أبي سفيان عنه، وإنما هي عن الزهري، وقد بين ذلك أبو نعيم في
(دلائل النبوة) أن الزهري قال: لقيته بدمشق في زمن عبد الملك بن مروان. وقوله: ((ابن
الناطور)) كلام إضافي، اسم كان، وخبره قوله: أسقف، على اختلاف الروايات فيه. وقوله:
((صاحب إيلياء)) كلام إضافي يجوز فيه الوجهان: النصب على الاختصاص، والرفع على أنه
...
٦٤٠٤٤
/
٠٫٠٠.٠٠٠
- مطامك ٤٧١

١٥٩
١ - كتاب بدء الوحي / باب |(٦)
صفة لابن الناطور، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هو صاحب إيلياء. وقال بعضهم: نصب على
الحال، وفيه بُعدٌ. قوله: ((وهرقل)، بفتح اللام في محل الجر على أنه معطوف على إيلياء،
أي: صاحب إيلياء وصاحب هرقل. قوله: ((يحدث)) جملة في محل الرفع لأنها خبر ثان:
لكان. قوله ((أصبح)) خبر إن ويوماً نصب على الظرف. و: خبيث النفس، نصب على أنه
خبر: أصبح. قوله: ((قال ابن الناطور)) إلى قوله: ((فقال لهم)) جمل معترضة بين سؤال بعض
البطارقة وجواب هرقل إياهم. قوله: ((وكان هرقل جزاء)» عطف على مقدر تقديره: قال ابن
الناطور: كان هرقل عالماً وكان حزاء، فلما حذف المعطوف عليه أظهر هرقل في
المعطوف، وحزاء نصب لأنه خبر كان. قوله: ((ينظر في النجوم)) خبر بعد خبر، فعلى هذا
محلها الرفع، ويجوز أن يكون تفسيراً لقوله: حزاء، فحينئذٍ يكون محلها النصب. قوله: ((ملك
الختان) كلام إضافي: مبتدأ وخبره قوله: قد ظهر. قوله: ((فمن يختتن)) فمن، ههنا استفهامية.
قوله: ((فبينما هم) أصله بين أشبعت الفتحة فصار: بينا، ثم زيدت عليها: ما والمعنى واحد،
وقوله: ((هم) مبتدأ: ((وعلى أمُرُهم) خبره؛ وقوله: ((أتي هرقل)) جوابه، وقد يأتي: إذ، وإذا،
والأفصح تركهما، والتقدير بين أوقات أمرهم، إذ أتى، واراد بالأمر مشورتهم التي كانوا فيها.
قوله: ((أُرسل به)) جملة في محل الجر، لأنها صفة لرجل، ولم يسم هذا الرجل من هو، ولا
سمى من أحضره أيضاً. قوله: ((أمختتن؟)) الهمزة فيه للاستفهام. قوله: «هذا ملك هذه الأمة
قد ظهر)) قد ذكرنا أن فيه ثلاث روايات يحتاج إلى توجيهها على الوجه المرضي، ولم أر
أحداً من الشراح، قديماً وحديثاً، شفى الغليل ههنا، ولا أروي الغليل، وإنما رأيت شارحاً نقل
عن السهيلي، وعن شيخ نفسه. أما الذي نقل عن السهيلي فهو قوله: ووجه السهيلي في
(أماليه) بأنه مبتدأ وخبر، أي: هذا المذكور يملك هذه الأمة، وهذا توجيه الرواية التي فيها:
هذا يملك هذه الأمة، بالفعل المضارع، وهذا فيه خدش، لأن قوله: قد ظهر يبقى سائباً من
هذا الكلام. وأما الذي نقل عن شيخه، فهو أنه قد وجه قول من قال: إن: يملك، يجوز أن
يكون نعتاً، أي: هذا رجل يملك هذه الأمة، فقال في توجيهه: يجوز أن يكون المحذوف،
وهو الموصول على رأى الكوفيين، أي: هذا الذي يملك، وهو نظير قوله:
٠٠٠٠
.جوة
i
i
وهذا تحملين طليق
وهذا أيضاً فيه خدش من وجهين: أحدهما: ما ذكرنا، والآخر: أن قوله: وهو نظير
قوله:
وهذا تحملين طـليق
قياس غير صحيح، لأن البيت ليس فيه حذف، وإنما فيه أن الكوفيين قالوا: إن لفظة
هذا ههنا بمعنى: الذي تقديره: والذي تحملين طليق. وأما البصريون فيمنعون ذلك، ويقولون:
هذا، إسم إشارة، و: تحملين، حال من ضمير الخبر، والتقدير وهذا طليق محمولاً. فنقول
بعون الله تعالى: أما وجه الرواية التي فيها يملك، بالفعل المضارع، فإن قوله: هذا مبتدأ وقوله
يملك جملة من الفعل والفاعل في محل الرفع خبره، وقوله: هذه الأمة، مفعول يملك، وقوله:
i
i
-
177
٢١٠٠
357.5
i

٠ -.
١٦٠
١ - كتاب بدء الوحي / باب (٦)
قد ظهر، جملة وقعت حالاً، وقد علم أن الماضي المثبت إذا وقع حالاً لا بد أن يكون فيه:
قد، ظاهرة أو مقدرة، وأما وجه الرواية التي فيها: ملك هذه الأمة، بضم الميم وسكون اللام،
فإن قوله هذا يحتمل وجهين من الإعراب: أحدهما: إن يكون مبتدأ محذوف الخبر تقديره:
هذا الذي نظرته في النجوم، والآخر: أن يكون فاعلاً لفعل محذوف تقديره: جاء هذا، أشار
به إلى قوله: ملك الختان قد ظهر، ويكون قوله: ملك هذه الأمة، مبتدأ وقوله: قد ظهر،
خبره، وتكون هذه الجملة كالكاشفة للجملة الأولى، فلذلك ترك العاطف بينهما. وأما وجه
الرواية التي فيها: هذا ملك هذه الأمة قد ظهر، بفتح الميم وكسر اللام، فإن قوله: هذا،
یکون إشارة إلى رسول الله پے، ويكون مبتدأ، وقوله: ((ملك هذه الأمة)) خبره، وقوله: قد
ظهر، حال منتظرة، والعالم فيها معنى الإشارة في: هذا؛ وروي هنا أيضاً: هذا يملك هذه
الأمة، بالباء الجارة، فإن صحت هذه الرواية تكون الباء متعلقة بقوله: قد ظهر، ويكون التقدير:
هذا الذي رأيته في النجوم قد ظهر يملك هذه الأمة التي تختتن، فافهم. قوله: ((بالرومية)) صفة
لصاحب، والباء ظرفية. قوله: ((إلى حمص)) مفتوح في موضع الجر، لأنه غير منصرف
للعلمية والتأنيث والعجمة؛ وقال بعضهم: يحتمل أن يجوز صرفه. قلت: لا يحتمل أصلاً، لأن
هذا القائل إنما غره فيما قاله سكون أوسط حمص، فإن ما لا ينصرف إذا سكن أوسطه يكون
في غاية الخفة، وذلك يقاوم أحد السببين، فيبقى الاسم بسبب واحد، فيجوز صرفه، ولكن
هذا فيما إذا كان الاسم فيه علتان، فبسكون الأوسط يبقى بسبب واحد، وأما إذا كانت فيه
ثلاث علل مثل: ماء، وجور، فإنه لا ينصرف البتة، لأن بعد مقاومة سكونه أحد الأسباب يبقى
سببان، وحمص، كما ذكرنا فيها ثلاث علل. فافهم. قوله: ((أنه نبي)) بفتح أن، عطف على
قوله: ((على خروج النبي، عليه السلام)) وأراد بالخروج الظهور. قوله: (له)) في محل الجر
لأنه صفة لدسكرة أي: كائنة له. وقوله: ((بحمص))، يجوز أن يكون صفة لدسكرة، ويجوز أن
يكون حالاً من هرقل. قوله: ((ثم اطلع)) أي: خرج من الحرم وظهر على الناس. قوله: ((وأن
يثبت)). بفتح أن وهي مصدرية، عطف على قوله: ((في الفلاح)) أي: وهل لكم في ثبوت
ملككم؟ قوله: ((وأيس من الإيمان). جملة وقعت حالاً بتقدير: قد قوله: ((آنفاً)) قال بعضهم:
منصوب على الحال. قلت: لا يصح أن يكون حالاً بل هو نصب على الظرف لأن معناه
ساعة، أو: أول وقت، كما ذكرنا. قوله: ((اختبر بها)) حال، وقد علم أن المضارع المثبت إذا
وقع حالاً لا يجوز فيه الواو. قوله: ((آخر شأن هرقل)) أي: آخر أمره في النبي صَّله، في هذه
القضية، لأنه وقعت له قصص أخرى بعد ذلك، وآخر، بالنصب هو الصحيح من الرواية، لأنه
خبر كان، وقوله: ذلك إسمه، وهو إشارة إلى ما ذكر من الأمور، فإن صحت الرواية بالرفع
فوجهه أن يكون اسم كان، وخبره: ذلك مقدماً.
بيان المعاني والبيان: قوله: ((الحرب بيننا وبينه سجال)) هذا تشبيه بليغ، شبه
الحرب بالسجال، مع حذف أداة التشبيه لقصد المبالغة كما فى قولك: زيد أسد، إذا أردت
به المبالغة في بيان شجاعته، فصار كأنه عين الأسد، ولهذا حمل الأسد عليه، وذكر السجال