Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
١ - کتاب بدء الوحي / باب (١)
لا يصلح سنداً للمنع، لأن التوقف على الرواية، إنما يكون في متن الكتاب أو السنة، وأما في
غيرهما من التراكيب يتصرف مهما يكون، بعد أن لا يكون خارجاً عن قواعد العربية. ووقع
في رواية أبي ذر عن مشايخه الثلاثة هكذا: ((كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله عَّهِ)) الخ
بدون لفظة باب. (فإن قلت): ما يكون محل كيف من الإعراب على هذا الوجه؟ قلت:
يجوز أن يكون حالاً كما في قولك: كيف جاء زيد؟ أي على أي حالة جاء زيد. والتقدير
ههنا: على أي حالة كان ابتداء الوحي إلى رسول الله عَ ليه. وقول بعضهم ههنا: والجملة في
محل الرفع، لا وجه له، لأن الجملة من حيث هي لا تستحق من الإعراب شيئاً إلاَّ إذا وقعت
في موقع المفرد، وهو في مواضع معدودة قد بينت في موضعها، وليس ههنا موقع يقتضي
الرفع، وإنما الذي يقتضي هو النصب على الحالية كما ذكرنا، وهو من جملة تلك المواضع
فافهم. قوله: (عٍَّ)) جملة خبرية، ولكنها لما كانت دعاء صارت إنشاءً، لأن المعنى: اللهم
صل على محمد. وكذا الكلام في: سلم، قوله: ((وقول الله تعالى)، يجوز فيه الوجهان:
الرفع على الابتداء وخبره. قوله: ﴿إنا أوحينا إليك﴾)) [النساء: ١٦٣] الخ. والجر عطف على
الجملة التي أضيف إليها الباب. والتقدير: باب كيف كان ابتداء الوحي، وباب معنى قول الله
عز وجل، وإنما لم يقدر: وباب كيف قول الله، لأن قول الله تعالى لا يكيف. وقال بعض
الشراح: قال النووي في (تلخيصه): وقول الله، مجرور ومرفوع معطوف على كيف. قلت
وجه العطف في كونه مجروراً ظاهر. وأما الرفع كيف يكون بالعطف على كيف وليس فيه
الرفع؟ فافهم. قوله: ﴿إِليك﴾ [النساء: ١٦٣] في محل النصب على المفعولية. قوله: ﴿كما
أوحينا﴾ [النساء: ١٦٣] كلمة ما هنا مصدرية، والتقدير: كوحينا، ومحلها الجر بكاف
التشبيه. قوله: ﴿إلى نوح﴾ [النساء: ١٦٣] بالصرف وكان القياس فيه منع الصرف للعجمة
والعلمية، إلا أن الخفة فيها قاومت أحد السببين فصرفت لذلك، وقوم يجرون نحوه على
القياس فلا يصرفونه لوجود السببين، واللغة الفصيحة التي عليها التنزيل.
بيان المعاني: اعلم أن: كيف، متضمنة معنى همزة الاستفهام لأنه سؤال عن الحال،
وهو الاستفهام، وقد يكون للإنكار والتعجب كما في قوله تعالى: ﴿كيف تكفرون بالله وكنتم
أمواتاً﴾ [البقرة: ٢٨] المعنى: أتكفرون بالله ومعكم ما يصرف عن الكفر ويدعو إلى الإيمان؟
وهو الإنكار والتعجب، ونظيره قولك: أتطير بغير جناح؟ وكيف تطير بغير جناح؟. قوله: ﴿إنا
أوحينا﴾ [النساء: ١٦٣] كلمة إن، للتحقيق والتأكيد، وقد علم أن المخاطب إذا كان خالي
الذهن من الحكم بأحد طرفي الخبر على الآخر نفياً وإثباتاً، والتردد فيه استغنى عن ذكر
مؤكدات الحكم، وإن كان متصوراً لطرفيه، متردداً فيه، طالباً للحكم حسن تقويته بمؤكد
واحد من إن أو اللام أو غيرهما، كقولك: لزيد عارف، أو إن زيداً عارف. وإن كان منكراً
للحكم الذي أراده المتكلم وجب توكيده بحسب الإنكار، فكلما زاد الإنكار استوجب زيادة
التأكيد، فتقول لمن لا يبالغ في إنكار صدقك: إني صادق، ولمن بالغ فيه: إني لصادق،
ولمن أوغل فيه: والله إني لصادق. ويسمى الضرب الأول: ابتدائياً، والثاني: طلبياً، والثالث:
ے
٠٠٠
.TH
i
i
i
.
i

٠٣٠
٠ ٫٠٠
٢
٤٢
١ - كتاب بدء الوحي / باب (١)
إنكارياً. ويسمى إخراج الكلام على هذه الوجوه إخراجاً على مقتضى الظاهر؛ وكثيراً ما يخرج
على خلافه لنكتة من النكات كما عرف في موضعه، والنكتة في تأكيد قوله ﴿أوحينا إليك﴾
[النساء: ١٦٣] بقوله: إن، لأجل الكلام السابق، لأن الآية جواب لما تقدم من قوله تعالى:
﴿يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء﴾ [النساء: ١٥٣] الآية، فأعلم الله
تعالى أن أمره كأمر النبيين من قبله يوحى إليه كما يوحى إليهم. وقال عبد القاهر في نحو
قوله تعالى: ﴿وما أبرىء نفسي إن النفس الأمارة بالسوء﴾ [يوسف: ٥٣]. ﴿وصلّ عليهم إن
صلاتك سكن لهم﴾ [التوبة: ١٠٣] و﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء
عظيم﴾ [الحج: ١] وغير ذلك مما يشابه هذه، إن التأكيد في مثل هذه المقامات لتصحيح
الكلام السابق، والاحتجاج له، وبيان وجه الفائدة فيه، ثم النون في قوله: ﴿أوحينا﴾ [النساء:
١٦٣] للتعظيم، وقد علم أن: نا، وضعت للجماعة فإذا أطلقت على الواحد يكون للتعظيم،
فافهم.
بيان البيان: الكاف في قوله ﴿كما أوحينا﴾ [النساء: ١٦٣] للتشبيه، وهي الكاف
الجارة. والتشبيه هو الدلالة على مشاركة أمر لأمر في وصف من أوصاف أحدهما في نفسه،
كالشجاعة في الأسد، والنور في الشمس. والمشبه ههنا: الوحي إلى محمد - عليه السلام.
والمشبه به الوحي إلى نوح والنبيين من بعده، ووجه التشبيه: هو کونه وحي رسالة لا وحي
إلهام، لأن الوحي ينقسم على وجوه، والمعنى: أوحينا إليك وحي رسالة كما أوحينا إلى
الأنبياء - عليهم السلام - وحي رسالة لا وحي إلهام.
بيان التفسير: هذه الآية الكريمة في سورة النساء، وسبب نزول الآية وما قبلها: أن
اليهود قالوا للنبي عليه السلام: إن كنت نبياً فآتنا بكتاب جملة من السماء، كما أتى به
موسى، عليه السلام. فأنزل الله تعالى: ﴿يسألك أهل الكتاب﴾ [النساء: ١٥٣] الآيات، فأعلم
الله تعالى أنه نبي يوحى إليه كما يوحى إليهم، وأن أمره كأمرهم. (فإن قلت): لم خصص
نوحاً - عليه السلام - بالذكر ولم يذكر آدم - عليه السلام - مع أنه أول الأنبياء المرسلين؟
قلت: أجاب عنه بعض الشراح بجوابين. الأول: أنه أول مشرع عند بعض العلماء. والثاني:
أنه أول نبي عوقب قومه. فخصصه به تهديداً لقوم محمد عَّ له، وفيهما نظر. أما الأول: فلا
نسلم أنه أول مشرع، بل أول مشرع هو آدم - عليه السلام - فإنه أول نبي أرسل إلى بنيه،
وشرع لهم الشرائع، ثم بعده قام بأعباء الأمر شيث - عليه السلام - وكان نبياً مرسلاً، وبعده
إدريس - عليه السلام - بعثه الله إلى ولد قابيل، ثم رفعه الله إلى السماء. وأما الثاني: فلأن
شيث - عليه السلام - هو أول من عذب قومه بالقتل. وذكر الفربري في (تاريخه) أن شيث -
عليه السلام - سار إلى أخيه قابيل فقاتله بوصية أبيه له بذلك، متقلداً بسيف أبيه، وهو أول
من تقلد بالسيف، وأخذ أخاه أسيراً وسلسله، ولم يزل كذلك إلى أن قبض كافراً. والذي
يظهر لي من الجواب الشافي عن هذا، أن نوحاً - عليه السلام - وهو الأب الثاني، وجميع
أهل الأرض من أولاد نوح الثلاثة لقوله تعالى: ﴿وجعلنا ذريته هم الباقين﴾ [الصافات: ٧٧]

٤٣
١ - كتاب بدء الوحي / باب (١)
فجميع الناس من ولد سام وحام ويافث، وذلك لأن كل من كان على وجه الأرض قد هلكوا
بالطوفان إلا أصحاب السفينة. وقال قتادة: لم يكن فيها إلاّ نوح - عليه السلام - وامرأته وثلاثة
بنيه: سام وحام ويافث ونساؤهم، فجميعهم ثمانية. وقال ابن إسحاق: كانوا عشرة سوى
نسائهم. وقال مقاتل: كانوا اثنين وسبعين نفساً. وعن ابن عباس: كانوا ثمانين إنساناً، أحدهم
جرهم. والمقصود لما خرجوا من السفينة ماتوا كلهم ما خلا نوحاً وبنيه الثلاثة وأزواجهم، ثم
مات نوح - عليه السلام - وبقي بنوه الثلاثة، فجميع الخلق منهم. وكان نوح عليه السلام أول
الأنبياء المرسلين بعد الطوفان، وسائر الأنبياء عليهم السلام بعده. ما خلا آدم وشيث وإدريس،
فلذلك خصه الله تعالى بالذكر، ولهذا عطف عليه الأنبياء لكثرتهم بعده.
بيان تصدير الباب بالآية المذكورة: اعلم أن عادة البخاري، رحمه الله تعالى، أن
يضم إلى الحديث الذي يذكره ما يناسبه من قرآن أو تفسير له، أو حديث على غير شرطه، أو
أثر عن بعض الصحابة، أو عن بعض التابعين بحسب ما يليق عنده ذلك المقام. ومن عادته
في تراجم الأبواب ذكر آيات كثيرة من القرآن، وربما اقتصر في بعض الأبواب عليها، فلا
يذكر معها شيئاً أصلاً. وأراد بذكر هذه الآية في أول هذا الكتاب الإشارة إلى أن الوحي سنة
الله تعالى في أنبيائه، عليهم السلام.
١/١ - حدّثنا الحُمَيْدِيُّ، عَبدُ الله بنُ الزُّبَيرِ قال: حدَّثَنَا سُفْيَانُ قال: حدَّثَنا يحيى بنُ
سَعيدٍ الأَنْصارِيَّ قال: أَخبرَني محمدُ بنُّ إِبراهيمَ التَّبْيِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بنَ وقَّاصِ اللَّيْثِيَّ
يقولُ: سمعتُ عمرَ بنَ الخَطّابِ، رضي الله عنه، على المِنْتَرِ قَال: سَمِعْتُ رَسولَ الله عَِّ
يَقولُ: (إِنَّا الأَعْمَالُ بالنِّيّاتِ، وإِنَّمَا لِكُلِّ آمْرِئٍ مَا نَوَى؛ فَمَنْ كانتْ هِجْرَتُه إِلی دُنْيَا
يُصِيبُها، أَوْ إِلى آمْرَأَةٍ يَنْكِحُها، فَهِجْرَتُهُ إِلى مَا هاجَرَ إِلَيه)) [الحديث ١ - أطرافه في: ٥٤،
٢٥٢٩، ٣٨٩٨، ٥٠٧٠، ٦٦٨٩، ٦٩٥٣].
بيان تعلق الحديث بالآية: إن الله تعالى أوحى إلى نبينا وإلى جميع الأنبياء، عليهم
السلام، أن الأعمال بالنيات. والحجة له قوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له
الدين﴾ [البينة: ٥] وقوله تعالى: ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا
إليك﴾ [الشورى: ١٣] الآية. والإخلاص: النية. قال أبو العالية: وصاهم بالإخلاص في
عبادته. وقال مجاهد: أوصيناك به والأنبياء ديناً واحداً. ومعنى: شرع لكم من الدين: دين نوح
ومحمد ومن بينهما من الأنبياء. عليهم السلام، ثم فسر الشرع المشترك بينهم فقال: ﴿أن
أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه﴾ [الشورى: ١٣].
بيان تعلق الحديث بالترجمة: ذكر فيه وجوه، الأول: أن النبي - عليه السلام -
خطب بهذا الحديث لما قدم المدينة حين وصل إلى دار الهجرة، وذلك كان بعد ظهوره
ونصره واستعلائه. فالأول: مبدأ النبوة والرسالة والاصطفاء، وهو قوله باب بدء الوحي.
والثاني: بدء النصر والظهور، ومما يؤيده أن المشركين كانوا يؤذون المؤمنين بمكة، فشكوا
إلى النبي - عليه السلام - وسألوه أن يغتالوا من أمكنهم منهم ويغدروا به، فنزلت: ﴿إن الله
i
i
عجوة.
i
i
!
i
i
i

٤٤
١ - کتاب بدء الوحي / باب (١)
يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور﴾ [الحج: ٣٨] فنهوا عن ذلك وأمروا
بالصبر، إلى أن هاجر النبي - عليه السلام - فنزلت: ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا﴾
[الحج: ٣٩] الآية، فأباح الله قتالهم، فكان إباحة القتال مع الهجرة التي هي سبب النصرة
والغلبة وظهور الاسلام.
الثاني: أنه لما كان الحديث مشتملا على الهجرة، وكانت مقدمة النبوة في حقه -
عليه السلام - هجرته إلى الله تعالى ومناجاته في غار حراء، فهجرته إليه كانت ابتداء فضله
باصطفائه ونزول الوحي عليه مع التأييد الإلهي والتوفيق الرباني.
الثالث: أنه إنما أتى به على قصد الخطبة والترجمة للكتاب، وقال محمد بن إسماعيل
التيمي: لما كان الكتاب معقوداً على أخبار النبي عَ لِّ، طلب المصنف تصديره بأول شأن
الرسالة، وهو: الوحي، ولم ير أن يقدم عليه شيئاً، لا خطبة ولا غيرها، بل أورد حديث: ((إنما
الأعمال بالنيات)) بدلاً من الخطبة، وقال بعضهم: ولهذه النكتة اختار سياق هذه الطريق،
لأنها تضمنت أن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، خطب بهذا الحديث على المنبر، فلما
صلح أن يدخل في خطبة المنابر، كان صالحاً أن يدخل في خطبة الدفاتر. قلت: هذا فيه
نظر، لأن الخطبة عبارة عن كلام مشتمل على البسملة والحمدلة والثناء على الله تعالى بما هو
أهله والصلاة على النبي عَ ه، ويكون في أول الكلام، والحديث غير مشتمل على ذلك،
وكيف يقصد به الخطبة مع أنه في أوسط الكلام؟. وقول القائل: فلما صلح أن يدخل في
خطبة المنابر إلى آخره ... غير سديد، لأن خطبة المنابر غير خطبة الدفاتر، فكيف تقوم
مقامها؟ وذلك لأن خطبة المنابر تشتمل على ما ذكرنا مع اشتمالها على الوصية بالتقوى
والوعظ والتذكير ونحو ذلك، بخلاف خطبة الدفاتر فإنها بخلاف ذلك. أما سمع هذا القائل:
لكل مكان مقال؟ غاية ما في الباب أن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، خطب للناس
وذكر في خطبته في جملة ما ذكر هذا الحديث، ولم يقتصر على ذكر الحديث وحده.
ولئن سلمنا أنه اقتصر في خطبته على هذا الحديث، ولكن لا نسلم أن تكون خطبته به دليلاً
على صلاحه أن تكون خطبة في أوائل الكتب لما ذكرنا، فهل يصلح أن يقوم التشهد موضع
القنوت أو العكس ونحو ذلك؟ وذكروا فيه أوجهاً أخرى، كلها مدخولة.
بیان رجاله: وهم ستة. الأول: الحميدي: هو أبو بكر عبد الله بن الزبير بن عيسى بن
عبد الله بن الزبير بن عبد الله بن حميد بن أسامة بن زهير بن الحرث بن أسد بن عبد العزى بن
قصي القرشي الأسدي، يجتمع مع رسول الله ګے في قصي، ومع خديجة بنت خويلد بن
أسد زوج النبي عَّ في أسد بن عبد العزى، من رؤساء أصحاب ابن عيينة، توفي بمكة سنة
تسع عشرة ومائتين، وروى أبو داود، والنسائي عن رجل عنه، وروى مسلم في المقدمة عن
سلمة بن شبيب عنه. الثاني: سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون، مولى محمد بن مزاحم
أخي الضحاك، إمام جليل في الحديث والفقه والفتوى، وهو أحد مشايخ الشافعي، ولد سنة
سبع ومائة، وتوفي غرة رجب سنة ثمان وتسعين ومائة. الثالث: يحيى بن سعيد بن قيس بن

٤٥
١ - کتاب بدء الوحي / باب (١)
عمرو بن سهل بن ثعلبة بن الحارث بن زيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري
المدني، تابعي مشهور، من أئمة المسلمين، ولي قضاء المدينة، وأقدمه المنصور العراق وولاه
القضاء بالهاشمية، وتوفي بها سنة ثلاث، وقيل: أربع وأربعين ومائة، روى له الجماعة. الرابع:
محمد بن إبراهيم بن الحرث بن خالد بن صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تميم بن مرة،
كان كثير الحديث، توفي سنة عشرين ومائة. روى له الجماعة. الخامس: علقمة بن وقاص
الليثي، يكنى بأبي واقد، ذكره أبو عمرو بن منده في الصحابة، وذكره الجمهور في التابعين،
توفي بالمدينة أيام عبد الملك بن مروان. السادس: عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد
العزى بن رياح، بكسر الراء وفتح الياء آخر الحروف، ابن عبد الله بن قرط بن رزاح، بفتح
الراء أوله ثم زاي مفتوحة أيضاً، ابن عدي، أخي مرة وهصيص ابني كعب بن لؤي العدوي
القرشي، يجتمع مع رسول الله عَّله في كعب، الأب الثامن، وأمه حنتمة، بالحاء المهملة،
بنت هاشم بن المغيرة بن عبد الله بن عمر، أخي عامر وعمران ابني مخزوم بن يقظة بن مرة بن
كعب، وقال أبو عمرو: الصحيح أنها بنت هاشم، وقيل: بنت هشام. فمن قال: بنت هشام
فهي أخت أبي جهل، ومن قال: بنت هاشم فهي ابنة عم أبي جهل.
بيان ضبط الرجال: الحميدي: بضم الحاء وفتح الميم، وسفيان: بضم السين على
المشهور، وحكي كسرها وفتحها أيضاً، وأبوه عيينة: بضم العين المهملة وفتح الياء آخر
الحروف وبعدها ياء أخرى ساكنة ثم نون مفتوحة وفي آخره هاء، ويقال: بكسر العين أيضاً،
وعلقمة: بفتح العين المهملة، والوقاص: بتشديد القاف.
بيان الأنساب: الحميدي: نسبة إلى جده حميد المذكور بالضم، وقال السمعاني:
نسبة إلى حميد، بطن من أسد بن عبد العزى بن قصي، وقيل: منسوب إلى الحميدات، قبيلة،
وقد يشتبه هذا بالحميدي المتأخر صاحب (الجمع بين الصحيحين) وهو العلامة أبو عبد الله
محمد بن أبي نصر فتوح بن عبد الله بن فتوح بن حميد بن يصل، بكسر الياء آخر الحروف
والصاد المهملة المكسورة ثم لام، الأندلسي الإمام، ذو التصانيف في فنون، سمع الخطيب
وطبقته، وبالأندلس ابن حزم وغيره، وعنه: الخطيب وابن ماكولا وخلق، ثقة متقن، مات
ببغداد سابع عشر ذي الحجة سنة ثمان وثمانين وأربع مائة، وهو يشتبه بالحميدي، بالفتح
وكسر الميم، نسبة لإسحاق بن تكينك الحميدي، مولى الأمير الحميد الساماني،
والأنصاري: نسبة إلى الأنصار، واحدهم نصير: كشريف وأشراف، وقيل: ناصر كصاحب
وأصحاب، وهو وصف لهم بعد الإسلام، وهم قبيلتان: الأوس والخزرج ابنا حارثة، بالحاء
المهملة، ابن ثعلبة بن مازن ابن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زید بن کھلان بن سبأ بن
یشحب بن یعرب بن قحطان بن عامر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، عليه السلام.
والتيمي: نسبة إلى عدة قبائل اسمها تيم، منها: تيم قريش منها خلق كثير من الصحابة فمن
بعدهم، منها محمد بن إبراهيم المذكور. والليثي: نسبة إلى ليث بن بكر.
i
i
بيان فوائد تتعلق بالرجال: ليس في الصحابة من اسمه عمر بن الخطاب غيره، وفي
20.
٠٠٠٠
i
٠٠٨٠

٤٦
١ - كتاب بدء الوحي / باب (١)
الصحابة: عمر، ثلاثة وعشرون نفساً على خلاف في بعضهم، وربما يلتبس بعمرو، بزيادة واو
في آخره، وهم خلق فوق المائتين بزيادة أربعة وعشرين، على خلاف في بعضهم، وفي
الرواة: عمر بن الخطاب، غير هذا الاسم ستة. الأول: كوفي، روى عنه خالد بن عبد الله
الواسطي. الثاني: راسبي، روى عنه سويد، أبو حاتم. الثالث: اسكندري، روى عن ضمام بن
إسماعيل. الرابع: عنبري، روى عن أبيه عن يحيى بن سعيد الأنصاري. الخامس: سجستاني،
روى عن محمد بن يوسف الفريابي. السادس: سدوسي بصري، روى عن معتمر بن سليمان.
وليس في الكتب الستة من اسمه: علقمة بن وقاص، غيره. وجملة من اسمه: يحيى بن سعيد،
في الحديث ستة عشر، وفي الصحيح جماعة: يحيى بن سعيد بن أبان الأموي الحافظ،
ويحيى بن سعيد بن حيان أبو التيمي الإمام، ويحيى بن سعيد بن العاص الأموي تابعي،
ويحيى بن سعيد بن فروخ القطاني التيمي الحافظ أحد الأعلام، ولهم يحيى بن سعيد العطار،
براء في آخره، واهٍ، وعبد الله بن الزبير في الكتب الستة ثلاثة: أحدهم الحميدي المذكور،
والثاني: حميدي الصحابي، والثالث: البصري، روى له ابن ماجه، والترمذي في الشمائل.
وفي الصحابة أيضاً: عبد الله بن الزبير بن المطلب بن هاشم، وليس لهما ثالث في الصحابة،
رضي الله عنهم.
بيان لطائف إسناده: منها أن رجال إسناده ما بين مكي ومدني، فالأولان مكيان،
والباقون مدنيون، ومنها رواية تابعي عن تابعي، وهما: يحيى ومحمد التيمي، وهذا كثير، وإن
شئت قلت: فيه ثلاثة تابعيون بعضهم عن بعض بزيادة علقمة على قول الجمهور كما قلنا إنه
تابعي لا صحابي. ومنها رواية صحابي عن صحابي على قول من عده صحابياً. وألطف من
هذا أنه يقع رواية أربعة من التابعين بعضهم عن بعض، ورواية أربعة من الصحابة بعضهم عن
بعض، وقد أفرد الحافظ أبو موسى الأصبهاني جزءاً لرباعي الصحابة وخماسيهم، ومن الغريب
العزيز رواية ستة من التابعين بعضهم عن بعض، وقد أفرده الخطيب البغدادي بجزء جمع
اختلاف طرقه، وهو حديث منصور بن المعتمر، عن هلال بن يساف، عن الربيع بن خيثم،
عن عمرو بن ميمون الأودي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن امرأة من الأنصار عن أبي
أيوب، عن النبي عَّهُ في أن: ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١] تعدل ثلث القرآن. وقال
يعقوب بن شيبة: وهو أطول إسناد روي. قال الخطيب: والأمر كما قال، قال: وقد روي هذا
الحديث أيضاً من طريق سبعة من التابعين، ثم ساقه من حديث أبي إسحاق الشيباني، عن
عمرو بن مرة، عن هلال، عن عمرو، عن الربيع، عن عبد الرحمن فذكره.
ومنها: انه أتى فيه بأنواع الرواية، فأتى: بحدثنا الحميدي، ثم: بعن، في قوله: عن
سفيان، ثم بلفظ: أخبرني محمد، ثم: بسمعت عمر، رضي الله عنه، يقول، فكأنه يقول: هذه
الألفاظ كلها تفيد السماع والاتصال، كما سيأتي عنه في باب العلم، عن الحميدي، عن ابن
عيينة أنه قال: حدثنا، وأخبرنا، وأنبأنا، وسمعت، واحد. والجمهور قالوا: أعلى الدرجات لهذه
الثلاثة: سمعت، ثم حدثنا، ثم أخبرنا. واعلم أنه إنما وقع عن سفيان في رواية أبي ذر، وفي

١٣٠
٤٧
١ - کتاب بدء الوحي / باب (١)
رواية غيره: حدثنا سفيان، وعن هذا اعترض على البخاري في قوله: عن سفيان، لأنه قال
جماعة بأن الإسناد المعنعن يصيّر الحديث مرسلاً. وأجيب: بأن ما وقع في البخاري ومسلم
من العنعنة فمحمول على السماع من وجه آخر، وأما غير المدلس فعنعنته محمولة على
الاتصال عند الجمهور مطلقاً في الكتابين وغيرهما، لكن بشرط إمكان اللقاء. وزاد البخاري
اشتراط ثبوت اللقاء. قلت: وفي اشتراط ثبوت اللقاء، وطول الصحبة، ومعرفته بالرواية عنه
مذاهب. أحدها: لا يشترط شيء من ذلك، ونقل مسلم في مقدمة صحيحه الإجماع عليه.
والثاني: يشترط ثبوت اللقاء وحده، وهو قول البخاري والمحققين. والثالث: يشترط طول
الصحبة. والرابع: يشترط معرفته بالرواية عنه، والحميدي مشهور بصحبة ابن عيينة، وهو أثبت
الناس فیه. قال أبو حاتم: هو رئيس أصحابه، ثقة، إمام. وقال ابن سعد: هو صاحبه وراويته،
والأصح أن: إن، كعن بالشرط المتقدم؛ وقال أحمد وجماعة: يكون منقطعاً حتى يتبين
السماع.
ومنها: أن البخاري قد ذكر في هذا الحديث الألفاظ الأربعة وهي: إن، وسمعت،
وعن، وقال؛ فذكرها ههنا، وفي الهجرة، والنذور، وترك الحيل، بلفظ: سمعت رسول الله
حَّدٍ، وفي باب العتق بلفظ: عن، وفي باب الإيمان، بلفظ: إن، وفي النكاح، بلفظ: قال. وقد
قام الاجماع على أن الإسناد المتصل بالصحابي لا فرق فيه بين هذه الألفاظ.
ومنها: أن البخاري، رحمه الله، ذكر في بعض رواياته لهذا الحديث: سمعت رسول
الله، عليه السلام؛ وفي بعضها: سمعت النبي، عليه السلام؛ ويتعلق بذلك مسألة وهي: هل
يجوز تغيير قال النبي، إلى: قال الرسول، أو عكسه؟ فقال ابن الصلاح: والظاهر أنه لا يجوز،
وإن جازت الرواية بالمعنى لاختلاف معنى الرسالة والنبوة، وسهل في ذلك الإمام أحمد،
رحمه الله، وحماد بن سلمة، والخطيب؛ وصوبه النووي. قلت: كان ينبغي أن يجوز التغيير
مطلقاً لعدم اختلاف المعنى ههنا، وإن كانت الرسالة أخص من النبوة، وقد قلنا: إن كل
رسول نبي من غير عكس، وهو الذي عليه المحققون، ومنهم من لم يفرق بينهما، وهو غير
صحيح. ومن الغريب ما قاله الحليمي في هذا الباب: إن الإيمان يحصل بقول الكافر: آمنت
بمحمد النبي دون محمد الرسول، وعلل بأن النبي لا يكون إلاّ لله، والرسول قد يكون لغيره.
بيان نوع الحديث: هذا فرد غريب باعتبار مشهور باعتبار آخر، وليس بمتواتر، خلافاً
لما يظنه بعضهم، فإن مداره على يحيى بن سعيد. فإن الصحيح أنه لم يروه عن النبي - عليه
السلام - سوى عمر، ولم يروه عن عمر إلاَّ علقمة، ولم يروه عن علقمة إلاّ محمد بن إبراهيم،
ولم يروه عن محمد إلاّ يحيى بن سعيد الأنصاري، ومنه انتشر، فهو مشهور بالنسبة إلى آخره،
غريب بالنسبة إلى أوله، وهو مجمع على صحته وعظم موقعه. وروينا عن أبي الفتوح الطائي،
بسند صحيح متصل أنه قال: رواه عن يحيى بن سعيد أكثر من مائتي نفس، وقد اتفقوا على
أنه لا يصح مسنداً إلاَّ من هذه الطريق المذكورة. وقال الخطابي: لا أعلم خلافاً بين أهل
العلم أن هذا الحديث لا يصح مسنداً عن النبي - عليه السلام - إلاّ من حديث عمر، رضي
- --

٤٨
١ - کتاب بدء الوحي / باب (١)
الله عنه. قلت: يريد ما ذكره الحافظ أبو يعلى الخليل حيث قال: غلط فيه عبد المجيد بن
عبد العزيز بن أبي رواد المكي في الحديث الذي يرويه مالك والخلق عن يحيى بن سعيد
الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم، عن علقمة بن وقاص، عن عمر، رضي الله عنه، فقال: فيه
عبد المجيد، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري،
رضي الله عنه، عن النبي عَّلَ﴾ قال: ((الأعمال بالنية)). قال: ورواه عنه نوح بن حبيب،
وإبراهيم بن عتيق، وهو غير محفوظ من حديث زيد بن أسلم بوجه من الوجوه. قال: فهذا
مما أخطأ فيه الثقة عن الثقة. قالوا: إنما هو حديث آخر ألصق به هذا. قلت: أحال الخطابي
الغلط على نوح، وأحال الخليل الغلط على عبد المجيد. انتهى.
قلت: قد رواه عن النبي - عليه السلام - غير عمر من الصحابة، رضي الله عنهم، وإن
كان البزار قال: لا نعلم روي هذا الحديث إلاّ عن عمر، عن رسول الله - عليه السلام -
وبهذا الإسناد، وكذا قال ابن السكوني في كتابه المسمى (بالسنن الصحاح المأثورة): لم
يروه عن النبي - عليه السلام - بإسناد غير عمر بن الخطاب، وكذا الإمام أبو عبد الله
محمد بن عتاب حيث قال: لم يروه عن النبي، عليه الصلاة والسلام، غير عمر، رضي الله
عنه. وقال ابن منده: رواه عن النبي، عليه الصلاة والسلام، غير عمر، سعد بن أبي وقاص،
وعلي بن أبي طالب، وأبو سعيد الخدري، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وأنس،
وابن عباس، ومعاوية، وأبو هريرة، وعبادة بن الصامت، وعتبة بن عبد الأسلمي، وهزال بن
سويد، وعتبة بن عامر، وجابر بن عبد الله، وأبو ذر، وعتبة بن المنذر، وعقبة بن مسلم، رضي
الله تعالى عنهم. وأيضاً قد توبع علقمة، والتيمي، ويحيى بن سعيد على روايتهم. قال ابن
منده: هذا الحديث رواه عن عمر، غير علقمة ابنه عبد الله، وجابر، وأبو جحيفة، وعبد الله بن
عامر بن ربيعة، وذو الكلاع، وعطاء بن يسار، وواصل بن عمرو الجذامي، ومحمد بن
المنكدر. ورواه عن علقمة غير التيمي: سعيد بن المسيب، ونافع مولى ابن عمر، وتابع
يحيى بن سعيد على روايته عن التيمي: محمد بن محمد بن علقمة، أبو الحسن الليثي،
وداود بن أبي الفرات، ومحمد بن إسحاق، وحجاج بن أرطأة، وعبد الله بن قيس الأنصاري.
ولا يدخل هذا الحديث في حد الشاذ. وقد اعترض على بعض علماء أهل الحديث
حيث قال: الشاذ ما ليس له إلاَّ إسناد واحد، تفرد به ثقة أو غيره، فأورد عليه الإجماع على
العمل بهذا الحديث وشبهه، وأنه في أعلى مراتب الصحة، وأصل من أصول الدين، مع أن
الشافعي، رضي الله عنه، حده بكلام بديع، فإنه قال هو وأهل الحجاز: الشاذ هو أن يروي
الثقة مخالفاً لرواية الناس، لا أن يروي ما لا يروي الناس. وهذا الحديث وشبهه ليس فيه
مخالفة، بل له شواهد تصحح معناه من الكتاب والسنة. وقال الخليلي: إن الذي عليه
الحفاظ، أن الشاذ ما ليس له إلاّ إسناد واحد يشذ به ثقة أو غيره، فما كان عن غير ثقة
فمردود، وما كان عن ثقة توقف فيه، ولا يحتج به. وقال الحاكم: إنه ما آنفرد به ثقة وليس
له أصل يتابع. قلت: ما ذكروه يشكل بما ينفرد به العدل الضابط، كهذا الحديث، فإنه لا

٤٩
١ - كتاب بدء الوحي / باب (١)
يصح إلاَّ فرداً أو له متابع أيضاً، كما سلف. ثم اعلم أنه لا يُشك في صحة هذا الحديث،
لأنه من حديث الإمام يحيى بن سعيد الأنصاري. رواه عنه حفاظ الإسلام وأعلام الأئمة:
مالك بن أنس، وشعبة بن الحجاج، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، والثوري، وسفيان بن
عيينة، والليث بن سعد، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الله بن المبارك، وعبد الوهاب،
وخلايق لا يحصون كثرة؛ وقد ذكره البخاري من حديث سفيان ومالك وحماد بن زيد وعبد
الوهاب كما سيأتي. قال أبو سعيد محمد بن علي الخشاب الحافظ: روى هذا الحديث،
عن یحیی بن سعید، نحو مائتين وخمسين رجلاً. وذكر ابن منده في (مستخرجه) فوق
الثلاثمائة. وقال الحافظ أبو موسى الأصبهاني: سمعت الحافظ أبا مسعود عبد الجليل بن
أحمد يقول في المذاكرة: قال الإمام عبد الله الأنصاري: كتبت هذا الحديث عن سبعمائة
رجل من أصحاب يحيى بن سعيد. وقال الحافظ أبو موسى المديني، وشيخ الإسلام أبو
إسماعيل الهروي، أنه: رواه عن یحیی سبع مائة رجل. فإن قيل: قد ذكر في تهذيب مستمر
الأوهام لابن ماكولا أن يحيى بن سعيد لم يسمعه من التيمي، وذكر في موضع آخر أنه: يقال
لم يسمعه التيمي من علقمة. قلت: رواية البخاري عن يحيى بن سعيد: أخبرني محمد بن
إبراهيم التيمي أنه سمع علقمة ترد هذا، وبما ذكرنا أيضاً يرد ما قاله ابن جرير الطبري في
(تهذيب الآثار): إن هذا الحدیث قد یکون عند بعضهم مردوداً لأنه حديث فرد.
٠٠
بیان تعدد الحدیث في الصحيح: قذ ذکره في ستة مواضع أخرى من صحيحه عن
ستة شيوخ آخرين أيضاً. الأول في الإيمان، في: باب ما جاء ((إن الأعمال بالنية))، عن عبد
الله بن مسلمة القعنبي، ثنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، عن علقمة، عن
عمر، رضي الله عنه، أن رسول الله ګ قال: ((الأعمال بالنية، ولكل امرىء ما نوى، فمن
كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها،
أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه)».
الثاني: في العتق، في باب: الخطأ والنسيان في العتاقة والطلاق ونحوه، عن محمد بن
کثیر، عن سفيان الثوري: حدثنا يحيى بن سعيد، عن محمد، عن علقمة، قال: سمعت عمر،
رضي الله عنه، يقول عن النبي عَ لّم قال: ((الأعمال بالنية، ولامرىء ما نوى، فمن كانت
هجرته)) ... الحديث، بمثل ما قبله.
الثالث: في باب: هجرة النبي، عليه الصلاة والسلام، عن مسدد: حدثنا حماد بن زيد،
عن يحيى، عن محمد، عن علقمة: سمعت عمر، رضي الله عنه، قال: سمعت النبي، عليه
الصلاة والسلام، يقول: ((الأعمال بالنية، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة
يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه، ومن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله
ورسوله».
الرابع: في النكاح، في باب من هاجر أو عمل خيراً لتزويج امرأة فله ما نوى، عن
يحيى بن قزعة: حدثنا مالك، عن يحيى، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن علقمة، عن
i
i
i
boo's
i
i
عمدة القاري
/٠ ١-٤٠

٥٠
+ صويا
١ - کتاب بدء الوحي / باب (١)
عمر، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله عٍَّ: ((العمل بالنية، وإنما لامرىء ما نوى ... )):
الحديث بلفظه في الإيمان، إلاّ أنه قال: ((ينكحها))، بدل: ((يتزوجها)).
الخامس: في الأيمان والنذور، في: باب النية في الأيمان، عن قتيبة بن سعيد: حدثنا
عبد الوهاب، سمعت يحيى بن سعيد يقول: أخبرني محمد بن إبراهيم أنه سمع علقمة بن
وقاص الليثي يقول: سمعت عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، يقول: سمعت رسول الله، عليه
الصلاة والسلام، يقول: ((إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرىء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى
الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها
فهجرته إلى ما هاجر إليه).
السادس: في: باب ترك الحيل. عن أبي النعمان محمد بن الفضل: حدثنا حماد بن
زيد، عن يحيى، عن محمد، عن علقمة قال: سمعت عمر يخطب، قال: سمعت النبي - عليه
السلام - يقول: ((يا أيها الناس: إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرىء ما نوى، فمن كانت
هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن هاجر لدنيا يصيبها أو امرأة
یتزوجها. فهجرته إلى ما هاجر إليه)).
بيان من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في ((صحيحه)) في آخر كتاب الجهاد، عن عبد
الله بن مسلمة، عن مالك بلفظ: ((إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرىء ما نوى ... )) الحديث
مطولاً؛ وأخرجه أيضاً عن محمد بن رمح بن المهاجر، عن الليث؛ وعن ابن الربيع العتكي،
عن حماد بن زيد، وعن محمد بن المثنى، عن عبد الوهاب الثقفي؛ وعن إسحاق بن إبراهيم،
عن أبي خالد الأحمر؛ وعن ابن نمير، عن حفص بن غياث، ويزيد بن هارون؛ وعن محمد بن
العلاء، عن ابن المبارك؛ وعن ابن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة، كلهم عن يحيى بن سعيد،
عن محمد عن علقمة، عن عمر. وفي حديث سفيان: سمعت عمر على المنبر يخبر عن
رسول الله عَ ﴾. وأخرجه أبو داود في الطلاق عن محمد بن كثير، عن سفيان. والترمذي في
الحدود عن ابن المثنى، عن الثقفي. والنسائي عن يحيى بن حبيب، عن حماد بن زيد؛ وعن
سليمان بن منصور، عن ابن المبارك؛ وعن إسحاق بن إبراهيم، عن أبي خالد الأحمر؛ وعن
عمرو بن منصور، عن القعنبي؛ وعن الحارث عن أبي القاسم جميعاً عن مالك، ذكره في
أربعة أبواب من سننه: الإيمان، والطهارة، والعتاق، والطلاق. ورواه ابن ماجه في الزهد من
(سنته) عن أبي بکر، عن یزید بن هارون؛ وعن ابن رمح، عن اللیث کل هؤلاء عن یحیی،
عن محمد، عن علقمة، عن عمر به. ورواه أيضاً أحمد في (مسنده)، والدارقطني، وابن
حبان، والبيهقي؛ ولم يبق من أصحاب الكتب المعتمد عليها من لم يخرجه سوى مالك،
فإنه لم يخرجه في (موطئه)، ووهم ابن دحية الحافظ، فقال في (إملائه) على هذا الحديث:
أخرجه مالك في (الموطأ) ورواه الشافعي عنه؛ وهذا عجيب منه.
بيان اختلاف لفظه: قد حصل من الطرق المذكورة أربعة ألفاظ: ((إنما الأعمال
بالنيات))، ((الأعمال بالنية))، (العمل بالنية)) وادعى النووي في (تلخيصه) قلتها، والرابع: ((إنما

٥١
١ - كتاب بدء الوحي / باب (١)
الأعمال بالنية)). وأورده القضاعي في (الشهاب) بلفظ خامس: ((الأعمال بالنيات)) بحذف:
إنما، وجمع الأعمال والنيات. قلت: هذا أيضاً موجود في بعض نسخ البخاري، وقال الحافظ
أبو موسى الأصبهاني: لا يصح إسنادها، وأقره النووي على ذلك في (تلخيصه) وغيره، وهو
غريب منهما، وهي رواية صحيحة أخرجها ابن حبان في (صحيحه) عن علي بن محمد
العتابي: ثنا عبد الله بن هاشم الطوسي، ثنا يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد، عن علقمة،
عن عمر قال: قال رسول الله عَّله: ((الأعمال بالنيات ... )). الحديث. وأخرجه أيضاً الحاكم
في كتابه (الأربعين في شعار أهل الحديث) عن أبي بكر ابن خزيمة: ثنا القعنبي، ثنا مالك،
عن يحيى بن سعيد به سواء، ثم حكم بصحته. وأورده ابن الجارود في (المنتقى) بلفظ
سادس عن ابن المقري: حدثنا سفيان عن يحيى به: ((إن الأعمال بالنية، وإن لكل امرىء ما
نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسول فهجرته إلى الله ورسوله. ومن كانت هجرته
إلى دنيا ... )). الحديث وأورده الرافعي في (شرحه الكبير) بلفظ آخر غريب، وهو: ((ليس
للمرء من عمله إلاَّ ما نواه)). وفي البيهقي من حديث أنس مرفوعاً: ((لا عمل لمن لا نية
له)) وهو بمعناه، لكن في إسناده جهالة.
i
بيان اختياره هذا في البداية: أراد بهذا إخلاص القصد وتصحيح النية، وأشار به إلى
أنه قصد بتأليفه (الصحيح) وجه الله تعالى، وقد حصل له ذلك، حيث أعطي هذا الكتاب من
الحظ ما لم يعط غيره من كتب الإسلام، وقبله أهل المشرق والمغرب. وقال ابن مهدي
الحافظ: من أراد أن يصنف كتاباً فليبدأ بهذا الحديث. وقال: لو صنفت كتاباً لبدأت في كل
باب منه بهذا الحديث. وقال أبو بكر بن داسة: سمعت أبا داود يقول: كتبت عن النبي، عليه
الصلاة والسلام، خمسمائة ألف حديث، انتخبت منها أربعة آلاف حديث وثمانمائة حديث
في الأحكام، فأما أحاديث الزهد والفضائل فلم أخرجها، ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أربعة
أحاديث: (الأعمال بالنيات)) و((الحلال بيِّن والحرم بيِّن)) ((ومن حسن إسلام المرء تركه
ما لا يعنيه)) و((لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه)). وقال القاضي
عياض: ذكر الأئمة أن هذا الحديث ثُلث الإسلام، وقيل: ربعه، وقيل: أصول الدين ثلاثة
أحاديث، وقيل: أربعة. قال الشافعي وغيره: يدخل فيه سبعون باباً من الفقه. وقال النووي: لم
يرد الشافعي، رحمه الله تعالى، انحصار أبوابه في هذا العدد، فإنها أكثر من ذلك، وقد نظم
طاهر بن مفوز الأحاديث الأربعة:
i
أربع من كلام خير البرية
عمدة الدين عندنا كلمات
اتق الشبهات، وآزهد، ودع ما
ليس يعنيك، واعملنَّ بنية
فإن قيل: ما وجه قولهم: إن هذا الحديث ثلث الإسلام؟ قلت: لتضمنه النية.
والإسلام: قول، وفعل، ونية، ولما بدأ البخاري كتابه به، لما ذكرنا من المعنى، ختمه
بحديث التسبيح، لأن به تتعطر المجالس، وهو كفارة لما قد يقع من الجالس. فإن قيل: لم
اختار من هذا الحديث مختصره ولم يذكر مطوله ههنا؟ قلت: لما كان قصده التنبيه على أنه
i

٥٢
١ - كتاب بدء الوحي / باب (١)
قصد به وجه الله تعالى، وأنه سيجزى بحسب نيته، ابتدأ بالمختصر الذي فيه إشارة إلى أن
الشخص يجزى بقدر نيته. فإن كانت نيته وجه الله تعالى يجزى بالثواب والخير في الدارين،
وإن كانت نيته وجهاً من وجوه الدنيا، فليس له حظ من الثواب ولا من خير الدنيا والآخرة.
وقال بعض الشارحين: سئلت عن السر في ابتداء البخاري بهذا الحديث مختصراً، ولم يذكره
مطولاً كما ذكر في غيره من الأبواب؟ فأجبته في الحال: بأن عمر قاله على المنبر، وخطب
به، فأراد التأسي به. قلت: قد ذكره البخاري أيضاً مطولاً في: ترك الحيل، وفيه أنه خطب به،
كما سيأتي، فإذن لم يقع كلامه جواباً. فإن قلت: لم قدم رواية الحميدي على غيره من
مشايخه الذين روى عنهم هذا الحديث؟ قلت: هذا السؤال ساقط. لأنه لو قدم رواية غيره
لكان يقال: لم قدم هذا على غيره؟ ويمكن أن يقال: إن ذاك لأجل كون رواية الحميدي
أخصر من رواية غيره، وفيه الكفاية على دلالة مقصوده. وقال بعضهم: قدم الرواية عن
الحميدي لأنه قرشي مكي، إشارة إلى العمل بقوله، عليه الصلاة والسلام: «قدموا قريشاً ولا
تقدموها))، وإشعاراً بأفضلية مكة على غيرها من البلاد، ولأن ابتداء الوحي كان منها، فناسب
بالرواية عن أهلها في أول بدء الوحي. ومن ثمة ثنى بالرواية عن مالك، لأنه فقيه الحجاز،
ولأن المدينة تلو مكة في الفضل، وقد بينتها في نزول الوحي. قلت: ليس البخاري ههنا في
صدد بيان فضيلة قريش، ولا في بيان فضيلة مكة حتى يبتدىء برواية شخص قرشي مكي،
ولئن سلمنا، فما وجه تخصيص الحميدي من بين الرواة القرشيين المكيين؟ وأيضاً قوله، عليه
الصلاة والسلام: ((قدموا قريشاً))، إنما هو في الإمامة الكبرى ليس إلاَّ. وفي غيرها، يقدم
الباهلي العالم على القرشي الجاهل، وقوله: ولأن ابتداء الوحي، إلى آخره، إنما يستقيم ان لو
كان الحديث في أمر الوحي، وإنما الحديث في النية فلا يلزم من ذلك ما قاله. فافهم.
بيان اللغة: قوله: (سمعت)) من سمعت الشيء: سمعاً وسماعاً، وسماعة. والسمع
سمع الإنسان، فيكون واحداً وجمعاً. قال الله تعالى: ﴿ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم﴾
[البقرة: ٧] لأنه في الأصل مصدر كما ذكرنا، ويجمع على أسماع، وجمع القلة أسمع،
وجمع الأسمع أسامع، ثم النحاة اختلفوا في: سمعت، هل يتعدى إلى مفعولين؟ على قولين:
أحدهما: نعم، وهو مذهب الفارسي، قال: لكن لا بد أن يكون الثاني مما يسمع، كقولك:
سمعت زيداً يقول كذا، ولو قلت: سمعت زيداً أخاك، لم يجز. والصحيح أنه لا يتعدى إلاَّ
إلى مفعول واحد، والفعل الواقع بعد المفعول في موضع الحال، أي: سمعته حال قوله كذا.
قوله: ((على المنبر)): بكسر الميم، مشتق من النبر، وهو الارتفاع. قال الجوهري: نبرت
الشيء أنبره نبراً، رفعته. ومنه سمي: المنبر، قلت: هو من باب: ضرب يضرب وفي (العباب):
نبرت الشيء أنبره، مثل: كسرته أكسره، أي: رفعته. ومنه سمي المنبر لأنه يرتفع، ويرفع
الصوت عليه. فإن قلت: هذا الوزن من أوزان الآلة، وقد علم أنها ثلاثة: مفعل: كمحلب،
ومفعال: كمفتاح، ومفعلة: كمكحلة، وكان القياس فيه فتح الميم لأنه موضع العلو
والارتفاع. قلت: هذا ونحوه من الأسماء الموضوعة على هذه الصيغة وليست على القياس.

٥٣
١ - كتاب بدء الوحي / باب (١)
وقال الكرماني: وهو بلفظ الآلة لأنه آلة الارتفاع، وفيه نظر، لأن الآلة هي ما يعالج بها الفاعلُ
المفعولَ: كالمفتاح ونحوه، والمنبر ليس كذلك، وإنما هو موضع العلو والارتفاع، والصحيح
ما ذكرناه. قوله: ((الأعمال)): جمع عمل، وهو مصدر قولك: عمل يعمل عملاً، والتركيب
يدل على فعل يفعل. فإن قلت: ما الفرق بين العمل والفعل؟ قلت: قال الصغاني: وتركيب
الفعل يدل على إحداث شيء من العمل وغيره، فهذا يدل على أن الفعل أعم منه، والفعل
بالكسر الاسم، وجمعه: فعال وأفعال، وبالفتح مصدر قولك: فعلت الشيء أفعله فعلاً وفعالاً.
قوله: ((بالنيات)): جمع نية، من نوى ينوي، من باب: ضرب يضرب. قال الجوهري: نويت
نية ونواة أي: عزمت. وانتويت مثله، قال الشاعر:
صرمت أميمة خلتي وصلاتي
ونوت، ولما تنتوي كنواتي
i
دة.
تقول: لو تنوٍ فيَّ كما نويت فيها وفي مودتها، والنيَّات بتشديد الياء: هو المشهور،
وقد حكى النووي تخفيف الياء، وقال بعض الشارحين: فمن شدد - وهو المشهور - كانت
من: نوى ينوي إذا قصد. ومن خفف كان من ونى يني إذا أبطأ وتأخر، لأن النية تحتاج في
توجيهها وتصحيحها إلى إبطاء وتأخر. قلت: هذا بعيد، لأن مصدر ونى يني ونياً، قال
الجوهري: يقال: ونيت في الأمر أني ونياً، أي: ضعفت، فأنا وانٍ. ثم اختلفوا في تفسير
النية، فقيل: هو القصد إلى الفعل، وقال الخطابي: هو قصدك الشيء بقلبك وتحري الطلب
منك له؛ وقال التيمي: النية ههنا وجهة القلب، وقال البيضاوي: النية عبارة عن انبعاث القلب
نحو ما يراه موافقاً لغرض من: جلب نفع أو دفع ضر حالاً أو مالاً. وقال النووي: النية القصد،
وهو عزيمة القلب. وقال الكرماني: ليس هو عزيمة القلب لما قال المتكلمون: القصد إلى
الفعل هو ما نجده من أنفسنا حال الإيجاد والعزم، قد يتقدم عليه؛ ويقبل الشدة والضعف
بخلاف القصد، ففرقوا بينهما من جهتين، فلا يصح تفسيره به. قلت: العزم هو إرادة الفعل
والقطع عليه، والمراد من النية ههنا هذا المعنى، فلذلك فسر النووي القصد الذي هو النية
بالعزم، فافهم. على أن الحافظ أبا الحسن علي بن المفضل المقدسي قد جعل في (أربعينه)
النية، والإرادة، والقصد، والعزم بمعنى، ثم قال: وكذا: أزمعت على الشيء، وعمدت إليه.
وتطلق الإرادة على الله تعالى، ولا تطلق عليه غيرها.
قوله: ((امرىء)): الامرىء الرجل، وفيه لغتان: امرىء: كزبرج، ومرء: كفلس، ولا جمع
له من لفظه، وهو من الغرائب، لأن عين فعله تابع للأم في الحركات الثلاث دائماً، وكذا في
مؤنثه أيضاً لغتان: امرأة ومرأة، وفي الحديث استعمل اللغة الأولى منهما من كلا النوعين إذ
قال: ((لكل امرىء)) و((إلى امرأة)). قوله: ((هجرته))، بكسر الهاء، على وزن فعلة، من الهجر،
وهو ضد الوصل، ثم غلب ذلك على الخروج من أرض إلى أرض، وترك الأولى للثانية. قاله
في (النهاية). وفي (العباب) الهجر: ضد الوصل، وقد هجره يهجره، بالضم، هجراً أو هجراناً،
والاسم الهجرة. ويقال: الهجرة الترك، والمراد بها هنا ترك الوطن والانتقال إلى غيره، وهي
في الشرع: مفارقة دار الكفر إلى دار الإسلام خوف الفتنة، وطلب إقامة الدين. وفي الحقيقة:
i
i
i
i

٥٤
١ - کتاب بدء الوحي / باب (١)
مفارقة ما يكرهه الله تعالى إلى ما يحبه، ومن ذلك سمى الذين تركوا توطن مكة، وتحولوا
إلى المدينة من الصحابة: بالمهاجرين، لذلك.
قوله: ((إلى دنيا)) بضم الدال، على وزن: فعلى، مقصورة غير منونة، والضم فيه أشهر.
وحكى ابن قتيبة وغيره كسر الدال، ويجمع على: دنى، ككبر جمع كبرى، والنسبة إليها:
دنيوي ودنيي، بقلب الواو ياءً، فتصير ثلاث یاءات. وقال الجوهري: سميت الدنيا لدنوها من
الزوال، وجمعها دنی، کالکبری والکبر، والصغرى والصغر، وأصله: دنو، فحذفت الواو
الاجتماع الساكنين، والنسبة إليها دنياوي. قلت: الصواب أن يقال: قلبت الواو ألفاً. ثم
حذفت لالتقاء الساكنين. وقال بعض الأفاضل: ليس فيها تنوين بلا خلاف نعلمه بين أهل
اللغة والعربية؛ وحكى بعض المتأخرين من شراح البخاري أن فيها لغة غريبة بالتنوين، وليس
بجيد، فإنه لايعرف في اللغة. وسبب الغلط أن بعض رواة البخاري رواه بالتنوين، وهو أبو
الهيثم الكشميهني، وأنكر ذلك عليه، ولم يكن ممن يرجع إليه في ذلك؛ وأخذ بعضهم
یحکي ذلك لغة، كما وقع لهم نحو ذلك في خلوف فم الصائم، فحكوا فيه لغتين، إنما
يعرف أهل اللغة الضم، وأما الفتح فرواية مردودة لا لغة. قلت: رجاء التنوين في: دنيا، في
اللغة، قال العجاج:
في جمع دنيا طال ما قد عنت
وقال المثلم بن رياح بن ظالم المري:
إني مقسم ما ملكت فجاعلٌ
أجراً لآخرة ودنيا تنفع
فإن ابن الأعرابي أنشده بتنوين دنيا، وليس ذلك بضرورة على ما لا يخفى. وقال ابن
مالك: استعمال دنيا منكراً فيه إشكال، لأنها أفعل التفضيل، فكان حقها أن يستعمل باللام
نحو: الكبرى والحسنى، إلاّ أنها خلعت عنها الوصفية رأساً، وأجرى مجرى ما لم يكن
وصفاً. ونحوه قول الشاعر:
وإنْ دعوْتٍ إلى مجلّى ومكرمة يوماً سراةَ كرامِ الناس فادعينا
فإن الجلى مؤنث الأجلُ، فخلعت عنها الوصفية، وجعلت اسماً للحادثة العظيمة.
قلت: من الدليل على جعلها بمنزلة الاسم الموضوع قلب الواو ياء، لأنه لا يجوز ذلك إلاَّ في
الفعلي الاسم، وقال التيمي: الدنيا تأنيث الأدنى لا ينصرف، مثل حبلى، لاجتماع أمرين فيها
أحدهما: الوصفية، والثاني: لزوم حرف التأنيث. وقال الكرماني: ليس ذلك لاجتماع أمرين
فيها، إذ لا وصفية ههنا، بل امتناع صرفه للزوم التأنيث للألف المقصورة، وهو قائم مقام
العلتين، فهو سهو منه. قلت: ليس بسهو منه لأن الدنيا في الأصل صفة، لأن التقدير: الحياة
الدنيا، كما في قوله تعالى؛ ﴿وما الحياة الدنيا إلاَّ متاع الغرور﴾ [آل عمران: ١٨٥] وتركهم
موصوفها، واستعمالهم إياها نحو الاسم الموضوع لا ينافي الوصفية الأصلية. ثم في حقيقتها
قولان للمتكلمين: أحدهما: ما على الأرض مع الهواء والجو. والثاني: كل المخلوقات من

٥٥
١ - کتاب بدء الوحي / باب (١)
i
الجواهر والأعراض الموجودة قبل الدار الآخرة. قال النووي: هو الأظهر.
قوله: ((يصيبها): من أصاب يصيب إصابةً، والمراد بالإصابة: الحصول أو الوجدان.
وفي (العباب): أصابه أي: وجده. ويقال: أصاب فلان الصواب فأخطأ الجواب، أي: قصد
الصواب فأراده فأخطأ مراده. وقال أبو بكر بن الأنباري في قوله تعالى: ﴿تجرى بأمره رخاء
حيث أصاب﴾ [ص: ٣٨] أي: حيث أراد. وتجيء هذه المعاني كلها ههنا. قوله:
(ينكحها)): أي يتزوجها، كما جاء هكذا في الرواية الأخرى، وقد يستعمل بمعنى الاقتران
بالشيء، ومنه قوله تعالى: ﴿وزوجناهم بحور عين﴾ [الطور: ٢٠] أي: قرناهم. قاله الأكثرون.
وقال مجاهد وآخرون: أنكحناهم، وهو من باب ضرب يضرب، تقول: نكح ينكح نكحاً
ونكاحاً إذا تزوج، وإذا جامع أيضاً. وفي (العباب): النكح والنكاح: الوطء، والنكح والنكاح:
التزوج، وأنكحها: زوجها. قال: والتركيب يدل على البضع.
بيان الإعراب: قوله: ((يقول)): جملة من الفعل والفاعل محلها النصب على الحال من
رسول الله، عليه الصلاة والسلام؛ والباء في قوله: ((بالنيات)) للمصاحبة، كما في قوله تعالى:
﴿اهبط بسلام﴾ [هود: ٤٨] ﴿وقد دخلوا بالكفر﴾ [المائدة: ٦١] ومعلقها محذوف،
والتقدير: إنما الأعمال تحصل بالنيات أو توجد بها. ولم يذكر سيبويه فى معنى الباء إلا
الإلصاق، لأنه معنى لا يفارقها، فلذلك اقتصر عليه. ويجوز أن تكون للاستعانة على ما لا
يخفى. وقول بعض الشارحين: الباء تحتمل السببية، بعيد جداً، فافهم. قوله: ((لكل امرىء))،
بكسر الراء، وهي لغة القرآن، معرب من وجهين، فإذا كان فيه ألف الوصل كان فيه ثلاث
لغات. الأولى: وهي لغة القرآن، قال الله تعالى: ﴿إِن امرؤ هلك﴾ [النساء: ١٧٦] ﴿ويحول
بين المرء وقلبه﴾ [الأنفال: ٢٤] وهو إعرابها على كل حال تقول: هذا امرؤ، ورأيت امرأً
ومررت بامرىءٍ، معرب من مكانين. الثانية: فتح الراء على كل حال. الثالثة: ضمها على
كل حال؛ فإن حذفت ألف الوصل قلت؛ هذا مرء، ورأيت مراً ومررت بمرءٍ وجمعه من غير
لفظه: رجال، أو قوم. قوله: ((ما نوى)) أي: الذي نواه، فكلمة: ما موصولة. ونوى: صلتها،
والعائد محذوف، أي: نواه. فإن جعلت: ما، مصدرية، لا تحتاج إلى حذف، إذ ما المصدرية
عند سيبويه حرف، والحروف لا تعود عليها الضمائر، والتقدير: لكل امرىء نيته. قوله: ((فمن
كانت هجرته ... )) الفاء ههنا لعطف المفصل على المجمل، لأن قوله: ((فمن كانت هجرته))
إلى آخره تفصيل لما سبق من قوله: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)).
قوله: ((إلى دنيا)) متعلق بالهجرة إن كانت لفظة كانت تامة أو خبر لكانت إن كانت ناقصة.
قال الكرماني: فإن قلت: لفظ: كانت، إن كان باقياً في المضي فلا يعلم أن الحكم بعد
صدور هذا الكلام من الرسول أيضاً كذلك أم لا، وإن نقل بسبب تضمين: من، لحرف
الشرط إلى معنى الاستقبال، فبالعكس. ففي الجملة الحكم إما للماضي أو للمستقبل. قلت:
جاز أن يراد به أصل الكون، أي: الوجود مطلقاً من غير تقييد بزمان من الأزمنة الثلاثة، أو
يقاس أحد الزمانين على الآخر، أو يعلم من الإجماع على أن حكم المكلفين على السواء أنه
٠٠٠
٠٠.
٠٠٠
٠٠٠٠

.- r
١ - کتاب بدء الوحي / باب (١)
٥٦
لا تعارض، انتهى. قلت: في الجواب الأول نظر لا يخفى، لأن الوجود من حيث هو هو لا
يخلو عن زمن من الأزمنة الثلاثة. قوله: ((يصيبها)) جملة في محل الجر لأنها صفة لدنيا،
وكذلك قوله: ((يتزوجها)). قوله: ((فهجرته)): الفاء فيه هي الفاء الرابطة للجواب لسبق الشرط،
وذلك لأن قوله: ((هجرته)) خبر، والمبتدأ: أعني قوله: ((فمن كانت)) يتضمن الشرط.
قوله: ((إلى ما هاجر إليه) إما أن يكون متعلقاً بالهجرة، والخبر محذوف؛ أي هجرته إلى ما
هاجر إليه غير صحيحة أو غير مقبولة، وإما أن يكون خبر: ((فهجرته))، والجملة خبر المبتدأ
الذي هو من كانت(١)، لا يقال: المبتدأ أو الخبر بحسب المفهوم متحدان، فما الفائدة في
الإخبار؟ لأنا نقول: ينتفي الاتحاد ههنا، لأن الجزاء محذوف، وهو: فلا ثواب له عند الله،
والمذكور مستلزم له دال عليه، أو التقدير: فهي هجرة قبيحة. فإن قلت: فما الفائدة حينئذٍ
في الإتيان بالمبتدأ والخبر بالاتحاد وكذا في الشرط والجزاء؟ قلت: يعلم منه التعظيم، نحو:
أنا أنا وشعري شعري. ومن هذا القبيل: ((فمن كانت هجرته إلى اله وإلى رسوله، فهجرته
إلى الله وإلى رسوله) وقد يقصد به التحقير نحو قوله: ((فهجرته إلى ما هاجر إليه)). وقدر
أبو الفتح القشيري: فمن كانت هجرته نية وقصداً، فهجرته حكماً وشرعاً؛ واستحسن بعضهم
هذا التأويل، وليس هذا بشيء، لأنه على هذا التقدير يفوت المعنى المشعر على التعظيم في
جانب، والتحقير في جانب، وهما مقصودان في الحديث.
بيان المعاني: قوله: ((إنما)) للحصر، وهو إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه.
وقال أهل المعاني: ومن طرق القصر إنما، والقصر تخصيص أحد الأمرين بالآخر وحصره فيه.
وإنما يفيد: إنما، معنى القصر لتضمنه معنى: ما وإلاَّ من وجوه ثلاثة. الأول: قول المفسرين في
قوله تعالى: ﴿إنما حرم عليكم الميتة﴾ [المائدة: ٣] بالنصب، معناه: ما حرم عليكم إلاّ
الميتة، وهو مطابق لقراءة الرفع لأنها تقتضي انحصار التحريم على الميتة بسبب: إن: ما، في
قراءة الرفع يكون موصولاً، صلته حرم عليكم واقعاً اسماً لإن، أي: إن الذي حرمه عليكم
الميتة، فحذف الراجع إلى الموصول، فيكون في معنى: إن المحرم عليكم الميتة، وهو يفيد
الحصر، كما إن المنطلق زيد، وزيد المنطلق، كلاهما يقتضي انحصار الانطلاق على زيد.
الثانى: قول النحاة: إن: إنما، لإثبات ما يذكر بعده، ونفي ما سواه. الثالث: صحة انفصال
الضمير معه كصحته مع ما، وإلاَّ فلو لم يكن: إنما، متضمنة لمعنى: ما، وإلاَّ، لم يصح
انفصال الضمير معه، ولهذا قال الفرزدق:
يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي
أنا الذائد الحامي الزمار وإنما
ففصل الضمير وهو: أنا مع إنما، حيث لم يقل: وإنما أدافع، كما فصل عمرو بن معدي
کرب مع إلاّ في قوله:
ما قطر الفارس إلاَّ أنا
قد علمت سلمى وجاراتها
(١) هذه عبارة الكرماني في (الشرح) ونسبها إليه الحافظ في (الفتح) وقال: وهذا الثاني هو الراجح فانظره.

٥٧
١ - كتاب بدء الوحي / باب (١)
وهذا الذي ذكرناه هو قول المحققين. ثم اختلفوا فقيل: أفادته له بالمنطوق، وقيل:
بالمفهوم، وقال بعض الأصوليين، إنما، لا تفيد إلاَّ التأكيد. ونقل صاحب (المفتاح) عن أبي
عيسى الربعى أنه: لما كانت كلمة: إن، لتأكيد إثبات المسند للمسند إليه، ثم اتصلت بها:
ما، المؤكدة التي تزاد للتأكيد، كما في: حيثما، لا النافية على ما يظنه من لا وقوف له على
علم النحو ضاعفت تأكيدها فناسب أن يضمن معنى القصر، أي: معنى ما وإلاَّ، لأن القصر
ليس إلاَّ لتأكيد الحكم على تأكيد، ألا تراك متى قلت لمخاطب يردد المجيء الواقع بين
زيد وعمرو: وزيد جاء لا عمرو، كيف يكون قولك: زيد جاء إثباتاً للمجيء لزيد صريحاً،
وقولك: لا عمرو إثباتاً للمجيء لزيد ضمناً، لأن الفعل وهو المجيء واقع، وإذا كان كذلك
وهو مسلوب عن عمرو فيكون ثابتاً لزيد بالضرورة.
قلت: أراد: بمن لا وقوف له على علم النحو، الإمام فخر الدين الرازي، فإنه قال: إن
ما في إنما هي النافية، وتقرير ما قاله هو أن: إن للإثبات وما للنفي، والأصل بقاؤهما على ما
كانا، وليس إن لإثبات ما عدا المذكور، وما لنفي المذكور وفاقاً، فتعين عكسه، ورد بأنها:
لو كانت النافية لبطلت صدارتها مع أن لها صدر الكلام، واجتمع حرفا النفي والإثبات بلا
فاصل، ولجاز نصب: إنما زيد قائماً. وكان معنى: إنما زيد قائم، تحقق عدم قيام زيد، لأن ما
يلي حرف النفي منفي، ووجه الكرماني قول من يقول: إن ما نافية بقوله: وليس كلاهما
متوجهين إلى المذكور، ولا إلى غير المذكور، بل الإثبات متوجه إلى المذكور، والنفي إلى
غير المذكور، إذ لا قائل بالعكس اتفاقاً. ثم قال: واعترض عليه بأنه لا يجوز اجتماع ما
النفيية بأن المثبتة لاستلزام اجتماع المتصدرين على صدر واحد، ولا يلزم من إثبات النفي،
لأن النفي هو مدخول الكلمة المحققة، فلفظة: ما هي المؤكدة لا النافية، فتفيد الحصر،
لأنه يفيد التأكيد على التأكيد، ومعنى الحصر ذلك. ثم أجاب عن هذا الاعتراض بقوله:
المراد بذلك التوجيه أن: إنما، كلمة موضوعة للحصر، وذلك سر الوضع فيه، لأن الكلمتين،
والحالة هذه، باقيتان على أصلهما، مرادتان بوضعهما، فلا يرد الاعتراض. وأما توجيهه بكونه
تأكيداً على تأكيد فهو من باب إيهام العكس، إذ لما رأى أن الحصر فيه تأكيد على تأكید،
ظن أن كل ما فيه تأكيد على تأكيد حصر وليس كذلك، وإلا لكان: والله إن زيداً لقائم،
حصراً، وهو باطل. قلت: الاعتراض باق على حاله ولم يندفع بقوله: إن: إنما، كلمة موضوعة
للحصر إلى آخره ... على ما لا يخفى، ولا نسلم أنها موضوعة للحصر ابتداء، وإنما هي تفيد
معنى الحصر من حيث تحقق الأوجه الثلاثة التي ذكرناها فيها.
وقوله: ظن أن كل ما فيه تأكيد إلى آخره ... غير سديد، لأنه لم يكن ذلك أصلاً، لأنه
لا يلزم من کون الحصر تأکیداً علی تأکید کون کل ما فيه تأکید علی تأکید حصراً حتى
يلزم الحصر في نحو: والله إن زيداً لقائم، فعلى قول المحققين: كل حصر تأكيد على
تأكيد، وليس كل تأكيد على تأكيد حصراً، فافهم، وإذا تقرر هذا، فاعلم أن: إنما، تقتضي
الحصر المطلق وهو الأغلب الأكثر، وتارة تقتضي حصراً مخصوصاً كقوله تعالى: ﴿إنما أنت
i
i
i
i

٥٨
١ - كتاب بدء الوحي / باب (١)
منذر﴾ [الرعد: ٧ والنازعات: ٤٥] وقوله: ﴿إنما الحياة الدنيا لعب ولهو﴾ [محمد عَّ﴾:
٣٦، الحديد: ٢٠] فالمراد حصره في النذارة لمن لا يؤمن، وإن كان ظاهره الحصر فيها،
لأن له صفات غير ذلك؛ والمراد في الآية الثانية الحصر بالنسبة إلى من آثرها، أو هو من
باب تغليب الغالب على النادر. وكذا قوله، عليه الصلاة والسلام: ((إنما أنا بشر)): أراد
بالنسبة إلى الاطلاع على بواطن الخصوم، وبالنسبة إلى جواز النسيان عليه، ومثل ذلك يفهم
بالقرائن والسياق. فإن قلت: ما الفرق بين الحصرين؟ قلت: الأول أعني قوله، عليه الصلاة
والسلام: ((إنما الأعمال بالنيات))، قصر المسند إليه على المسند. والثاني: أعني قوله: ((وإنما
لكل امرئ ما نوى)) قصر المسند على المسند إليه، إذ المراد: إنما يعمل كل امرىء ما
نوى، إذ القصر بإنما لا يكون إلاَّ في الجزء الأخير، وفي الجملة الثانية حصران: الأول: من
إنما، والثاني: من تقديم الخبر على المبتدأ، قوله: ((وإنما لكل امرئ ما نوى)). تأكيد للجملة
الأولى، وحمله على التأسيس أولى لإفادته معنى لم يكن في الأول على ما يجيء عن قريب،
إن شاء الله تعالى؛ وكل اسم موضوع لاستغراق إفراد المنكر نحو: ﴿كل نفس ذائقة
الموت﴾ [آل عمران: ١٨٥ والأنبياء: ٣٥، والعنبكوت: ٥٧]، والمعرف المجموع نحوه:
﴿وكلهم آتيه﴾ [مريم: ٩٥]، وأجزاء المفرد المعرف نحو: كل زيد حسن، فإذا قلت: أكلت
كل رغيف لزيد، كانت لعموم الإفراد، فإن أضفت الرغيف لزيد صارت لعموم أجزاء فرد
واحد، والتحقيق: إن كلاً إذا أضيفت إلى النكرة تقتضي عموم الإفراد، وإذا أضيفت إلى
المعرفة تقتضي عموم الأجزاء. تقول: كل رمان مأكول، ولا تقول: كل الرمان مأكول.
بيان البيان: في قوله: ((إلى دنيا يصيبها)) تشبيه، وهو الدلالة على مشاركة أمر لأمر
في معنى أو في وصف من أوصاف أحدهما في نفسه: كالشجاعة في الأسد، والنور في
الشمس؛ وأركانه أربعة: المشبه، والمشبه به، وأداة التشبيه، ووجهه؛ وقد ذكرنا أن المراد
بالإصابة الحصول، فالتقدير: فمن كانت هجرته إلى تحصيل الدنيا، فهجرته حاصلة لأجل
الدنيا غير مفيدة له في الآخرة، فكأنه شبه تحصيل الدنيا بإصابة الغرض بالسهم بجامع
حصول المقصود.
بيان البديع: فيه من أقسامه: التقسيم بعد الجمع، والتفصيل بعد الجملة. وهو
قوله: ((فمن كانت هجرته إلى دنيا)) إلى آخره. لا سيما في الرواية التي فيها: ((فمن كانت
هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا)) إلى آخره.
وهذه الرواية في غير رواية الحميدي على ما بينا، وأثبتها الداودي في رواية الحميدي أيضاً،
وقال بعضهم: غلط الداودي في إثباتها. وقال الكرماني: ووقع في روايتنا وجميع نسخ
أصحابنا مخروماً قد ذهب شطره، وهو قوله: ((فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته
إلى الله ورسوله)، ولست أدري كيف وقع هذا الإغفال من أي جهة من عرض من
رواته. وقد ذكره البخاري في هذا الكتاب، في غير موضع من غير طريق الحميدي فجاء
به مستوفيّ مذكوراً بشطريه، ولا شك في أنه لم يقع من جهة الحميدي، فقد رواه لنا

٥٩
١ - كتاب بدء الوحي / باب (١)
الأثبات من طريقه تاماً غير ناقص.
جنة.
الأسئلة والأجوبة. الأول: ما قيل: ما فائدة قوله: ((وإنما لكل امرئ ما نوى» بعد
قوله: (إنما الأعمال بالنيات))؟ وأجيب عنه من وجوه. الأول: ما قاله النووي: إن فائدته
اشتراط تعيين المنوي، فإذا كان على الإنسان صلاة فائتة لا يكفيه أن ينوي الصلاة الفائتة، بل
يشترط أن ينوي كونها ظهراً أو عصراً أو غيرها، ولولا اللفظ الثاني لاقتضى الأول صحة النية
بلا تعيين. وفيه نظر، لأن الرجل إذا فاتته صلاة واحدة في يوم معين، ثم أراد أن يقضي تلك
الصلاة بعينها، فإنه لا يلزمه ذكر كونها ظهراً أو عصراً. الثاني: ما ذكره بعض الشارحين من
أنه لمنع الاستنابة في النية، لأن الجملة الأولى لا تقتضي منع الاستنابة في النية، إذ لو نوى
واحد عن غيره صدق عليه أنه عمل بنية، والجملة الثانية منعت ذلك انتهى. وينتقض هذا
بمسائل: منها نية الولي عن الصبي في الحج على مذهب هذا القائل فإنها تصح. ومنها: حج
الإنسان عن غيره فإنه يصح بلا خلاف. ومنها: إذا وكل في تفرقة الزكاة، وفوض إليه النية،
ونوى الوكيل فإنه يجزيه كما قاله الإمام، والغزالي، والحاوي الصغير. الثالث: ما ذكره ابن
السمعاني في (أماليه) أن فيه دلالة على أن الأعمال الخارجة عن العبادة قد تفيد الثواب، إذا
نوى بها فاعلها القربة: كالأكل والشرب إذا نوى بهما التقوية على الطاعة. والنوم إذا قصد به
ترويح البدن للعبادة، والوطء إذا أراد به التعفف عن الفاحشة، كما قال عليه الصلاة والسلام:
(في بضع أحدكم صدقة)) الحديث. الرابع: ما ذكره بعضهم: أن الأفعال التي ظاهرها
القربة، وموضوع فعلها للعبادة، إذا فعلها المكلف عادة لم يترتب الثواب على مجرد الفعل،
وإن كان الفعل صحيحاً حتى يقصد بها العبادة، وفيه نظر لا يخفى. الخامس: تكون هذه
الجملة تأكيداً للجملة الأولى، فذكر الحكم بالأولى وأكده بالثانية تنبيهاً على شرف
الإخلاص، وتحذيراً من الرياء المانع من الإخلاص.
السؤال الثاني: هو أنه لم يقل في الجزاء: فهجرته إليهما، وإن كان أخصر، بل أتى
بالظاهر فقال: ((فهجرته إلى الله ورسوله). وأجيب: بأن ذلك من آدابه، عليه الصلاة والسلام،
في تعظيم اسم الله، عز وجل، أن لا يجمع مع ضمير غيره، كما قال للخطيب: ((بئس خطيب
القوم أنت))، حين قال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، وبين له وجه
الإنكار فقال له: قل: ﴿ومن يعص الله ورسوله﴾ [النساء: ١٤، والأحزاب: ٣٦ والجن: ٢٣]
فإن قيل: فقد جمع رسول الله ﴾﴾ الضمير، وذلك فيما رواه أبو داود من حديث ابن
مسعود، رضي الله عنه، أن رسول الله عَ لم كان إذا تشهد ... الحديث وفيه: ((ومن يطع الله
ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً». قلت: إنما كان
إنكاره - عليه السلام - على الخطيب لأنه لم يكن عنده من المعرفة بتعظيم الله، عز وجل، ما
كان - عليه السلام - يعلمه من عظمته وجلاله، ولا كان له وقوف على دقائق الكلام، فلذلك
منعه، والله أعلم.
السؤال الثالث: ما فائدة التنصيص على المرأة مع كونها داخلة في مسمى الدنيا؟
i
١٣٤

٦٠
١ - کتاب بدء الوحي / باب (١)
وأجيب: من وجوه. الأول: أنه لا يلزم دخولها في هذه الصيغة، لأن لفظة دنيا نكرة، وهي لا
تعم في الإثبات، فلا تقتضي دخول المرأة فيها. الثاني: أنه للتنبيه على زيادة التحذير،
فيكون من باب ذكر الخاص بعد العام، كما في قوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات
والصلاة الوسطى﴾ [البقرة: ٢٣٨] وقوله: ﴿من كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل
وميكال﴾ [البقرة: ٩٨] الآية. وقال بعض الشارحين وليس منه قوله تعالى: ﴿ونخل ورمان﴾
[الرحمن: ٦٨] بعد ذكر الفاكهة، وإن غلط فيه بعضهم، لأن: فاكهة، نكرة في سياق الإثبات
فلا تعم؛ لكن وردت في معرض الامتنان. قلت: الفاكهة اسم لما يتفكه به، أي: يتنعم به
زيادة على المعتاد، وهذا المعنى موجود في النخل والرمان، فحينئذٍ يكون ذكرهما بعد ذكر
الفاكهة من قبيل عطف الخاص على العام، فعلمت أن هذا القائل هو الغالط. إن قلت: أبو
حنيفة، رضي الله عنه، لم يجعلها من الفاكهة، حتى لو حلف لا يأكل فاكهة فأكل رطباً أو
رماناً أو عنباً لم يحنث؟ قلت: أبو حنيفة لم يخرجهما من الفاكهة بالكلية، بل إنما قال: إن
هذه الأشياء إنما يُتغذى بها أو يُتداوى بها، فأوجب قصوراً في معنى التفكه للاستعمال في
حاجة البقاء، ولهذا كان الناس يعدونها من التوابل أو من الأقوات. الثالث: ما قاله ابن بطال
عن ابن سراج: إنه إنما خص المرأة بالذكر من بين سائر الأشياء في هذا الحديث، لأن العرب
كانت في الجاهلية لا تزوج المولى العربية، ولا يزوجون بناتهم إلاّ من الأكفاء في النسب،
فلما جاء الإسلام سؤَى بين المسلمين في مناكحهم، وصار كل واحد من المسلمين كفؤاً
لصاحبه، فهاجر كثير من الناس إلى المدينة ليتزوج بها حتى سمي بعضهم: مهاجر أم قيس.
الرابع: إن هذا الحديث ورد على سبب وهو: أنه لما أمر بالهجرة من مكة إلى المدينة
تخلف جماعة عنها فذمهم الله تعالى بقوله: ﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا
فيم كنتم﴾ [النساء: ٩٧] الآية. ولم يهاجر جماعة لفقد استطاعتهم، فعذرهم واستثناهم
بقوله: ﴿إِلا المستضعفين من الرجال﴾ [النساء: ٩٨] الآية. وهاجر المخلصون إليه فمدحهم
في غير ما موضع من كتابه، وكان في المهاجرين جماعة خالفت نيتهم نية المخلصين.
منهم: من كانت نيته تزوج امرأة كانت بالمدينة من المهاجرين، يقال لها: أم قيس، وادعى
ابن دحية أن اسمها قيلة، فسمي: مهاجر أم قيس، ولا يعرف اسمه، فكان قصده بالهجرة من
مكة إلى المدينة نية التزوج بها، لا لقصد فضيلة الهجرة، فقال النبي، عليه الصلاة والسلام،
ذلك، وبين مراتب ((الأعمال بالنيات))، فلهذا خص ذكر المرأة دون سائر ما ينوي به الهجرة
من أفراد الأغراض الدنيوية لأجل تبين السبب، لأنها كانت أعظم أسباب فتنة الدنيا، قال
النبي، عليه الصلاة والسلام: ((ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء))(١) وذكر
الدنيا معها من باب زيادة النص على السبب، كما أنه لما سئل عن طهورية ماء البحر زاد:
حل ميتته، ويحتمل أن يكون هاجر لمالها مع نكاحها، ويحتمل أنه هاجر لنكاحها وغيره
لتحصيل دنيا من جهة ما، فعرض بها.
(١) رواه البخاري ومسلم وغيرهما.