Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ كتاب التفسير/ باب ٧ من سورة الأنعام [المعجم ٤ - التحفة تابع ٧] ٣٠٦٧ - حدثنا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَم. أخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لمَّا نَزَلَتْ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شَقَّ ذلِكَ على المُسْلِمِينَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَيُّنَا لاَ يَظْلِمُ نَّفْسَهُ. قَالُ: (لَيْسَ ذلِكَ إِنَّمَا هُوّ الشّرْكُ، أَلَمْ تَسْمَعُوا مَا قَالَ لُقْمَانُ لايْنِهِ: ﴿يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكُ بِاللَّهِ إِنَّ الشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]»(١). قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. بأنهم لا يردون ما جئت به عن حقيقة في نفوسهم، فقد علموا أن الذي جئت به حق، ولكنهم يُظهِرون الرد نفاسة، ويكون تقدير الكلام: فإنهم لا يكذبونك بحقيقة يجدونها في أنفسهم من تكذيبك، ولكن الظالمين يجحدون بآيات الله وقد استيقنوها ظلما وعلوًّا، وقد حققناه بزيادة في التفسير. حديث حسن صحيح: ابن مسعود (لما نزلت ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾ إلى آخر الآية). قال ابن العربي: قول النبي صل#: (ليس ذلك، إنما هو الشرك، ألم تسمعوا قول لقمان) بيان أن الآية ليست على عمومها في كل طارىء، إنما هي في بعض أنواع الظلم وهو الشرك، فإن قيل فهذا يقتضي من دليل الخطاب أن مَن لبس إيمانه بمعاصي أن له الأمن وأنه مهتدٍ، قلنا: كذلك نقول قطعًا ونعلمه، والحمد لله يقينًا بما تقرر من الأدلة في أصول الملّة، وليس هذا معلومًا من دليل الخطاب، فإنه وإن كان عندنا من جملة الأدلة ولكنه لا يستقلّ بهذه المسألة، وليس الأمن والهدى بمنافيين للذنوب، فإنه بالتوحيد قد أمِنَ من الخلود في النار، وحصل في قسم المهتدين إلى الإقرار بالصانع وصفاته وأفعاله، وما يقترف من الذنوب لا يوجب له الخلود في النار، ولا يثبت له وصف الضلال ولا الخذلان، وإنما هو من العصاة الظالمين لأنفسهم. (١) (البخاري) الإيمان: باب ظلم دون ظلم. والتفسير: باب تفسير ﴿ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾ من سورة الأنعام وباب تفسير ﴿لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم﴾ من سورة لقمان. وأحاديث الأنبياء: باب قول الله تعالى: ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلاً﴾ وباب قول الله تعالى: ﴿ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر الله﴾ ـ إلى قوله -: ﴿إن الله يحب كل مختال فخور﴾ واستتابة المرتدين: باب إثم مَن أشرك بالله وعقوبته في الدنيا والآخرة. وباب ما جاء في المتأولين. (مسلم) الإيمان: باب صدق الإيمان وإخلاصه . ١٤٢ كتاب التفسير/ باب ٧ من سورة الأنعام [المعجم ٥ - التحفة تابع ٧] ٣٠٦٨ - حقّثنا أحْمَدُ بْنُ مَنِيع. حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ يُوسُفَ. حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أبِي هِنْدٍ عَنِ الشّغْيِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: كُنْتُ مُتْكِئًا عِنْدَ عَائِشَةً فَقَالَتْ: يَا أَبَا عَائِشَةَ ثَلاَثْ مَنْ تَكَلَّمَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فَقَدْ أعْظَمَ على اللَّهِ الفِرْيَةَ، مَنْ زَعَمَ أنَّ مُحمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ الفِرْيَةَ على اللَّهِ، وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُذْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَخيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١] وَكُنْتُ مُتْكِنًا فَجَلَسْتُ، فَقُلْتُ: يَا أُمّ المُؤْمِنِينَ أَنْظِرِينِي وَلاَ تُعْجِلِ أَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةٌ أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣] ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفِّقِ المُبِينٍ﴾ [التكوير: ٢٣] قَالَتْ: أَنَا أوَّلُ مَنْ سَأَلَ عَنْ هذا رَسُولَ اللَّهِنَ﴿ قَالَ: ((إِنَّمَا ذَاكَ جِبْرِيلُ، مّا رَأيْتُهُ فِي الصَّورَةِ التي خُلِقَ فِيهَا غَيْرَ هَاتَيْنِ المَرَّتَيْنِ، رَأيْتُهُ مُنْهَبِطًا مِنَ السَّمَاءِ سَادًا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّماءِ وَالأرْضِ))، وَمَنْ زَعَمَ أنَّ مُحَمَّدًا كَتَمَ شَيئًا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَقَدْ أعْظَمَ الفِرْيّةَ على اللَّهِ، يقُولُ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلْغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ فَقَدْ أَعْظَمَ الفِرْيَةَ على اللَّهِ، وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿قُلْ لاَ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ الغَيْبَ إلاَّ اللَّهُ﴾ [النحل: ٦٥](١). قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ، وَمَسْرُوقُ بْنُ الأجْدَعِ يُكَنَّى أبَا عَائِشَةً، وَهُوَ مَسْرُوقُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَكَذَا كَانَ اسْمُهُ في الدِّيوَانِ. حديث مسروق عن عائشة (مَن تكلم بثلاث فقد أعظم الفرية على الله، مَن زعم أن محمدًا رأى ربّه فقد أعظم الفرية، والله يقول: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ إلى قوله: ﴿الخبير﴾، وقال: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلاّ وحيًا أو من وراء حجاب﴾ إلى ﴿حكيم)). قال ابن العربي: قد تكلمنا على هذه الآية في مواضع من التفسير والأصول، وحرّرنا فيها وجوهًا أمهاتها سبع: الأولى: أن الله سبحانه لم ينزل هذه الآية لنفي الرؤية لله، ولا جاءت بها عائشة في هذا المعرض، فإنه سبحانه يرى في الدنيا والآخرة جوازًا ووقوعًا، وقد دللنا عليه في مواضع ذلك، وبيّنّاه في مظانه وعائشة رضي الله عنها اعتقدت حمل الآية على أن معناها: لا تدركه الأبصار في الدنيا، ولو كان هذا مرادًا بها لكان (١) (البخاري) التفسير: باب تفسير سورة النجم. والتوحيد: باب قول الله تعالى: ﴿عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدًا﴾ الآية مختصرًا. (مسلم) الإيمان: باب معنى قول الله عزّ وجلّ: ﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾ وهل رأى النبي * ربه ليلة الإسراء؟ ١٤٣ كتاب التفسير / باب ٧ من سورة الأنعام [المعجم ٦ - التحفة ٧] ٣٠٦٩ - هقثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى البَصْرِيُّ الحَرْشِيِّ. حَدْثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ البَكَّائِيُّ. حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَائِبِ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَتَى أُنَاسِّ النَّبِيَّ وَّهِ، فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَتَأْكُلُ مَا نَقْتُلُ وَلاَ تَأْكُلُ مَا يَقْتُلُ اللَّهُ؟ فَأَنْزَّلَ اللَّهُ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ١١٨] - إلى قَوْلِهِ - ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١](١) . قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَقَدْ رُوِيّ هذا الحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ هذا الوَجْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أيْضًا، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ عَطَّاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ مُرْسَلاً . [المعجم ٧ - التحفة تابع ٧] ٣٠٧٠ - حدّثنا الفَصْلُ بْنُ الصَّبَّاحِ البَغْدَادِيُّ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ دَاوُدَ الأَوَدِيِّ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَلْقَمَةً عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: مَنْ سَرَّهُ أنْ يَنْظُرَ إلى الصَّحِيفَةِ التي عَلَيْهَا خَاتَمُ مُحَمَّدٍ وَ﴿ فَلْيَقْرَأْ هذِهِ الْآيَاتِ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ٥١] الآيَةَ إِلى قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. عمومًا عرضة للتخصيص ونهزه للتأويل بغيره من الأدلة أمثاله أو أقوى منه. فإن قيل: ففي صحيح مسلم عن أبي ذر أنه قال: سألت رسول الله *: هل رأيت ربك؟ قال: (أنّى أراه؟ رأيت نورًا)، قلنا: يحتمل أن يكون رآه بعد سؤال أبي ذر له، بدليل أنه قد ورد الخبر قرآنًا وسُنّة برؤية الله للنبي ولغيره قبل اليوم الآخر، حسب ما تقدم في حديث والد جابر بن عبد الله الذي شرحناه آنفًا في سورة النساء، وبدليل قوله: ﴿وما كان لبشر أن يكلّمه الله إلاّ وحيًا أو من وراء حجاب﴾ [الشورى: ٥١] الآية وبها احتج الشيخ أبو الحسن أن النبي عليه السلام رأى ربّه، فقال: إن الله سبحانه قسم الرؤية في هذه الآية على ثلاثة أقسام، فوجب أن تكون متعاقدة المعاني مستوفية وجوه التقسيم، فالقسم الأول: تكليمه للخلق بإرسال رسول، كتكليمه للأنبياء بواسطة الملك، وللخلق بإرسال الرّسل إليهم، وأما تكليمه من وراء الحجاب فكتكليمه لموسى، وتكليمه وحيًا هو تكليمه بغير واسطة مع الرؤية، ومتى لم تكن الأقسام هكذا تداخلت وذهبت (١) (أبو داود) الأضاحي: باب في ذبائح أهل الكتاب. ١٤٤ كتاب التفسير/ باب ٧ من سورة الأنعام [المعجم ٨ - التحفة تابع ٧] ٣٠٧١ - حدثنا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ. حَدَّثَنَا أَبِي عَنِ ابْنِ أبِي لَيْلَى عَنْ عَطِيَّةٌ عَنْ أَبِي سَعيدٍ عَنِ النّبيِّ ﴿ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلٌ: ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] قَالَ: ◌ُلُوعُ الشّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا. قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ. [المعجم ٩ - التحفة تابع ٧] ٣٠٧٢ - حدثنا عَبْدُ بْنُ مُمَيْدٍ. حَدْثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ فُضَيْلٍ بْنِ غَزْوَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبيِّ وَزَ قَالَ: ((ثَلاَثٌ إِذَا خَرَجْنَ لَمْ يَنْفَعْ ﴿نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنعام: ١٥٨] الآية: الدَّجَّالُ وَالذّابَةُ وَطُلُوعُ الشّمْسِ مِنَ المَغْرِبِ أَوْ مِنْ مَغْرِبِهَا))(١). قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَأَبُو حَازِمٍ هُوَ الأشْجَعِيُّ الُوفِيُّ، وَاسْمُهُ سَلْمَانُ مَوْلَى عَزَّةَ الأشْجَعِيَّةِ. [المعجم ١٠ - التحفة تابع ٧] ٣٠٧٣ - حدّثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزّنَادِ عَنِ الأعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ قَالَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلٌّ، وَقَوْلُهُ الحَقُّ: ((إذَا هَمَّ عَبْدِي بِحَسَنَةٍ فَاكْتُبُوَهَا لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِعَشْرٍ أَمْثَالِهَا، وَإِذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلاَ تَكْتُبُوهَا، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا بِمِثْلِهَا، فَإِنْ تَرَكّهَا)) وَرُبَّمَا قَالَ (لَمْ يَعْمَلْ بِهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً ثُمَّ قَرَأَ: ﴿مِّنْ جَاءَ بِالْحَسَنَّةِ فَلَّهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٨])](٢). الفصاحة وزال نظام الدلالة، ولا يجوز على الله سبحانه ذلك، وهو القسم الآخر ليس إلا لمحمد وأصحابه في الدنيا، وستكون للمؤمنين بأجمعهم في الجنة، وتمام القول في كتب الأصول والتفسير(٣). (١) (مسلم) الإيمان: باب بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان. (٢) (مسلم) الإيمان: باب إذا همّ العبد بحسنة كتبت وإذا همّ بسيئة لم تكتب. (النسائي في الكبرى) التفسير. (٣) كما الملاحظ، لم يحتوِ كلام ابن العربي حول آية: ﴿ما كان لبشر ... ﴾ إلا على مسألة واحدة بدل سبع كما ذكر. ١٤٥ كتاب التفسير/ باب ٨ من سورة الأعراف قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ٨ - باب ((ومن سورة الأعراف)) [المعجم ١ - التحفة ٨] ٣٠٧٤ - هقتنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسِ أنَّ النَّبِيَّ ◌َِ ﴿ قَرَأْ هذِهِ الْآيَةَ: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًا﴾ [الأعراف: ١٤٣] قَالَ حَمَّادٌ: هكَذَا، وَأمْسَكَ سُلَيْمانُ بِطَرَفٍ إِنْهَامِهِ عَلى أَثْمُلَةِ إصْبَعِهِ اليُمْنَى قَالَ: فَسَاخَ الجَبَلُ ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣]. قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ. لاَ نَعْرِفُهُ إلاَّ مِنْ حَدِيثٍ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةً. حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ الوَرَّاقُ. حَدَّثَنَا مَعَاذُ بْنُ مَعَاذٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةً عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ وَ﴿ نَحْوَهُ. هذا حَدِيثٌ حَسَنَّ. سورة الأعراف ثابت عن أنس قال: (قرأ النبي ## هذه الآية ﴿فلما تجلى ربه للجبل جعله دكًا﴾ قال حماد: هكذا، وأمسك سليمان بطرف إبهامه على أصبعه اليمنى، قال: فساخ الجبل وخز موسى صعقًا)، حسن صحيح. قال ابن العربي: هذا من الأحاديث المتشابهة، لكن أمره هيّن والمخرج عنه سهل بيِّن، لأن تمثيل سليمان بن حرب وأمثاله ما تجلى للجبل بالأهلة لا ينظر إليه، لأنه كلام غير معصوم ولا واجب الأتباع، ومعنى الآية أن التجلّي هو الظهور، والباري سبحانه هو الظاهر الباطن بالمعاني البديعة التي بيّها في الأمد الأقصى، وظهوره بآياته وأفعاله وما أخبر عنه من ذلك يكون من أظهر من أفعاله بديعة، خلق عند وجودها في الجبل دكدكة، فإن قيل فكيف يكون هذا لموسى جوابًا عمّا سأل عنه من الرؤية، قلنا: هو الجواب الشافي، لأنه إذا كان من أظهر من آياته يتدكدك الجبل الذي هو أشدّ ذاتًا من موسى، فموسى بظهور ذات الله تعالى بذلك أولى. عارضة الأحوذي/ ج ١١ / م ١٠ ١٤٦ كتاب التفسير/ باب ٨ من سورة الأعراف [المعجم ٢ - التحفة تابع ٨] ٣٠٧٥ - حدّثنا الأنْصَارِيُّ. حَدَّثَنَا مَعْنٌ. حَدْثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنِ ابْنِ أَبِي أَنَسٍ عَنْ عَبْدِ الحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الخَطَّابِ عَنْ مُسْلِمٍ بْنِ يَسَارِ الجُهَنِيِّ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ سُئِلَ عَنْ هذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَإِذْ أَخْذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ على أنْفُسِهِمْ أَسْتُ بِرَبَّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غَافِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] قَالَ عُمّرُ بْنُ الخَطَّابِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يُسْئَلُ عَنْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴾: ((إنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ، فَأَخْرَجٌ مِنْهُ ذُرِّيَّةٌ؛ فَقَالَ: حديث عمر في قوله: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم﴾ الإسناد: خرّج أبو عيسى هذا الحديث من طريق مالك، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، عن مسلم بن يسار، (أن عمر) الخ. وخزج بعضه بعد ذلك عن عبد الرحمن، عن أبي نعيم، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. وقال في الأول: مسلم بن يسار لم يسمع من عمر، فصار الحديث مقطوعًا، وقال في الثاني: حسن صحيح. وذكر ابن أبي خيثمة أن يحيى بن معين قال: مسلم بن يسار كذا، مكرر في الأصل لا يعرف، والرجل الذي بينه وبين عمر هو نعيم بن ربيعة الأزدي، ذكر ذلك البخاري وأسنده، وهذا لا ينتفع به، لأن مسلم بن يسار ممّن خرّج عنه مالك فكفاه ذلك تعديلاً وإن لم يعرفه يحيى. ومن يحيى بالإضافة إلى مالك، لا سيما ومسلم هذا من كبار العباد ممن تطوى له الأرض، ويقرب له البعيد، وهو هو بعينه. ومَن قال: إن هذا الذي روى عنه مالك رجل آخر مدني لا يلتفت إليه. وقد روى البخاري من طرق كثيرة بيّنّاها في الكتاب الكبير. الفوائد: في عشرين مسألة: الأولى: قوله: (أخذ) هو في اللسان عبارة عن التناول والمراد به في حق الباري وجود الفعل بقدرته على الوجه الذي أراد، وهو عبارة عن قوله: (مسح ظهره) فإن المسح عليه مُحال، لکن فائدة المسح من وجود المراد یعبّر عنه به. الثانية: قوله: (مَن بني آدم)، وفي الحديث أنه مسح ظهر آدم، ووجه الجمع بينهما ظاهر بأن أخرج من ظهر آدم ذريته ومن ظهر ذريته ذريتهم هكذا إلى آخر الحال بالترتيب. الثالثة: في بعض الحديث (كهيئة الذر) إخبار عن صغر أجسامهم، لكن أحياهم وجعل فيهم العقول وألهمهم إلى ذلك وأنطقهم به، أو نصب لهم الدليل عليه حتى علموه وأخبروا عنه. ١٤٧ كتاب التفسير/ باب ٨ من سورة الأعراف خَلَقْتُ هؤلاءٍ لِلْجَنَّةِ وَبِعَمَلٍ أهْلِ الجَنَّةِ يَعْمَلُونَ، ثمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةٌ فِقَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاَءِ لِلنَّارِ وَبِعَمَلٍ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ))، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَفِيمَ العَمَلُ؟ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِنَّ اللَّهَ إذا خَلَقَ العَبْدَ لِلْجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمّلِ أهْلِ الجَنَّةِ حتى يَمُوتَ على عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أهْلِ الجَنَّةِ فَيُدْخِلَهُ الجَنَّةَ. وَإِذَا خَلَقَ العَبْدَ لِلنَّارِ اسْتَعْمَلَّهُ بِعَمَلٍ أهْلِ النَّارِ حتى يَمُوتَ على عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أهْلِ النَّارِ، فَيُدْخِلَهُ اللّهُ النَّارَ)) (١). الرابعة: قوله: (﴿وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم﴾ [الأعراف: ١٧٢]) قرّرهم على توحيده فاعترفوا به عن آخرهم. الخامسة: وهي قوله: قالوا: (بلى) وهذا إقرار محض واعتراف صرف. السادسة: قوله: ﴿أن تقولوا يوم القيامة إنّا كنّا عن هذا غافلين﴾ [الأعراف: ١٧٣]. اعلموا وفقكم الله أنه ليس لأحد على الباري حجة، ولا يتصور لمخلوق عليه اعتراض، لأنه الفعال لما يريد من غير حجر ولا تخصيص بفعل دون فعل، بيد أنه أجرى العادة بالتنبيه على المطلوب حتى يرتفع عذر المكلّف، فتخلّف من طريق العادة، فتجري على الحكمة ولا تخرج من طريق الحجة. السابعة: أن الذي قيل عنهم قالوه يوم القيامة، وأنكر مّن أنكر وعقل مّن عقل، فيحتمل قوله: ﴿إِنّا كنّا عن هذا غافلين﴾ [الأعراف: ١٧٢] أن يكون المراد به أن يقولوه بحق، فلما اطلعوا عليه قالوه بباطل، فإن قيل: وكيف يقولونه بباطل وقد وجدت الغفلة؟ قلنا: معناه الغفلة التي تقوم بها الحجة في العادة، والغفلة التي لا تقترن بها أسباب الذكرى، وقد اقترنت بهذه الغفلة أدلة العقول المقتضية للتوحيد، فأعرضوا عنها مع حضورها. الثامنة: قوله: ﴿إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنّا ذرية من بعدهم﴾ [الأعراف: ٧٣] فيقولون كما قالوا: ﴿ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين﴾ [المؤمنون: ٢٤] ﴿وإنّا وجدنا آبائنا على أمة وإنّا على آثارهم مقتدون﴾ [الزخرف: ٢٣] فهم بذلك المطلوبون، فيقال له: دليلك أقعد بك من أبيك، والحقيقة أولى من العادة، وكم خالفتم آباءكم فيما ظهر إليكم فيه منفعتكم فيها أولى بذلك منكم. التاسعة: مع أن جميعهم اعترف ونفذ فيهم الحكم بعد الاعتراف بما سبق فيهم العلم قبله بحق ملك المالك الذي لا معارض له، ولا يجري أمره على مقتضى حال خلقه بينهم لتنزهه عن مماثلتهم له، فقال: هؤلاء منهم للجنة وهؤلاء منهم للنار. العاشرة: لما قيل: (فقيم العمل) وقد سبق من القضاء ما سبق؟ قال الحق للخلق عن الحق إن العمل علامة على ما سبق من شقاوة أو سعادة. (١) (أبو داود) السّنّة: باب في القدر. (النسائي في الكبرى) التفسير. ١٤٨ كتاب التفسير/ باب ٨ من سورة الأعراف قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَمُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُمَرَ. وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ في هذا الإسْنَادِ بَيْنَ مُسْلِمٍ بْنِ يَسَارٍ وَبَيْنَ عُمَّرَ رَجُلاً مَجْهُولاً . [المعجم ٢ - التحفة تابع ٨] ٣٠٧٦ - حدثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. حَدَّثَنَا أَبُو نَعِيمٍ. حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أُسْلَمَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُّ اللّهِ ﴿َ: ((لمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مَسْحَ ظَهْرَهُ، فَسَقَطَ مِنْ ظَهْرِهِ كُلُّ نَسَمَةٍ هُوَ خَالِقُهَا مِنْ ذُرِّيَتِهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَجَعَلَ بَيْنَ عَيْنَيْ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ وَبِيصًا مِنْ نُورٍ، ثُمَّ عَرَضَهُمْ على آدَمَ، فقَالَ: أَيْ رَبِّ مَنْ هؤُلاَءِ؟ قَالَ: هؤلاءٍ ذُرِّيْتُكَ، فَرَأَى رَجُلاً مِنْهُمْ فَأَعْجَبَهُ وَبِيصُ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ مَنْ هذا؟ فقّالَ: هذا رَجُلٌ مِنْ آخِرِ الأُمَم مِنْ ذُرِيْتِكَ يُقَالُ لَّهُ دَاوُدُ فقَالَ: رَبِّ كَمْ جَعَلْتَ عُمْرَهُ؟ قَالَ: سِتِّينَ سَنَّةً، قَالَ: أَيْ رَبَّ زِدْهُ مِنْ عُمْرِي أَرْبَعِينَ سَنَةٌ، فَلَمَّا قُضِيَ عُمْرُ آدَمَ جَاءَهُ مَلَكُ المَوْتِ، فَقَالَ: أَوَلّمْ يَبْقَ مِنْ عُمْرِي أَرْبَعُونَ سَنَةً؟ قَال: أوَلَمْ تُعْطِهَا ابْنَكٌ دَاوُدَ؟ قَالَ: فَجَحَدَ آدَمُ فَجَحَدَتْ ذُرِّيْتُهُ، وَنُسِّيَ آدَمُ فَتُسِّيَتْ ذُرِّيَّتُهُ، وخَطِىءَ آدَمْ فَخَطِئَتْ ذُرِّيَتُهُ». الحادية عشرة: أنه أخبر أنه لمّا (أسقطهم من ظهره جعل بين عيني كل إنسان منهم وبيضًا)، يحتمل أن يكون على عمومه في المؤمن والكافر، ثم محا نور الكافر فلا يجدد كما ينوّر الله قلب العبد بالإيمان، ثم يختم له بالكفر فيظلمه، ونعوذ بالله من ذلك، ويحتمل أن يكون النور في وجوه المؤمن خاصة. وقد روى الحارث بن أبي أسامة أن النور إنما كان في وجوه الأنبياء، والتقدير جعل بين عيني كل إنسان من الأنبياء. الثانية عشرة: (قول آدم في داود: زده من عمري). الأعمار وإن كانت مكتوبة كالأرزاق، ولكن قد تكتب مبرمة، وقد تكتب بشروط محكمة فترتب على الشروط، وقد بيناه في مسائل الآجال، فيسأل آدم أن يعطيه من عمره وذلك غاية الجود والكرم، فالجود بالنفس أقصى غاية الجود. الثالثة عشرة: قوله: (جاءه ملك الموت) إذا كمل عمره، هذا لأن كل نبي لا تقبض نفسه حتى يخيّر. الرابعة عشرة: (فقال لملك الموت: بقي من عمري، فقال: ألم تهبه لداود)؟ قال ابن العربي: قيل لو كان الرب تعالى هو المخاطب لآدم لما راجعه، ولكن ملك الموت يمكن ذلك فيه، والذي عندي أن آدم جحد الهبة جحود ذاهل لا جحود متعسف. الخامسة عشرة: قوله: (فجحد آدم ونسي وخطىء فجحدت ذريته) بيان أن الصفات موروثة وأخلاق الآباء مكتسبة للأبناء. ١٤٩ كتاب التفسير/ باب ٨ من سورة الأعراف قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً عَنِ النّبِيِّ ◌َّد. [المعجم ٤ - التحفة تابع ٨] ٣٠٧٧ - حقثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الوَارِثِ. حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ عَنِ النَّبِيِّ بَ قَالَ: ((لمَّا حَمَلَتْ حَوَّاءُ طَافَ بِهَا إِبْلِيسُ وَكَانَ لاَ يَعِيشُ لَها وَلَدٌ، فَقَالَ: سَمِّيهِ عَبْدَ الحَرِثِ، فَعَاشَ ذَلِكَ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ وَخِي الشَّيْطَانِ وَأَمْرِهِ» . السادسة عشرة: قال الحارث في روايته: (فيومئذ أمر بالكتاب والشهود) يعني للتوثق على الحقوق ومع البينة عليها، ولم ينزل الإيجاب فيها، وقد مهّدنا ذلك في التفسير. السابعة عشرة: رُوِيّ أن الله تعالى أبقى على آدم عمره، وكمل لداود زيادته فضلاً من الله ونعمة، والله علیم حکیم. الثامنة عشر: من الثابت في طرق هذا الحديث عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة (أن آدم لمّا رأى منهم القوي والضعيف، والغني والفقير، والصحيح والمبتلى قال: يا رب ألا سويت بينهم؟ قال: أردت أن أَشكر) يعني: على النّعَم التي منها القوة، والصحة، والغنى، فصار حظ النعمة أوقع في المقادير من حظ الابتلاء. التاسعة عشرة: قال الجاثليق لعمر: معاذ الله أن يضلّ الله أحدًا، قال له عمر: لو تأوّلت في عهدك لضربت عنقك، إن الله لمّا خلق آدم نثر ذريته في كفّيه، فقال: هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار. فانظروا رحمكم الله إلى علم عمر، وفقهه، وحسن عبارته، وفصاحته في التعبير عن خلقه سبحانه لهم، وجمعهم بقوله: نثرهم في كفّيه، لأنهم كانوا صنفين قد أخرجتهم قدرة، وجمعتهم في حيّزین إرادة وحكمة، وكان هذا التعبير أحسن عبارة وأبلغ في البيان. الموفية عشرين: في حديث ابن عباس (أخرج الله الذرية من ظهر آدم كهيئة الذر فسماهم هذا فلان وهذا فلان ثم قبض قبضتين فقال للتي في يمينه ادخلوا الجنة بسلام وقال للتي في الأخرى ادخلوا النار ولا أُبالي). حديث: (لما حملت حواء طاف بها أبليس وكان لا يعيش لها ولد) وذكر الحديث عن الحسن عن سمرة عن النبي *، ورُوِيّ موقوفًا. قال ابن العربي: هذا تفسير قوله: ﴿جعلا له شركاء فيما آتاهما﴾ [الأعراف: ١٩٠] بالمد، أو شركًا بكسر الشين، وذلك تسميته ١٥٠ كتاب التفسير/ باب ٩ من سورة الأنفال قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، لاَ نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إلاَّ مِنْ حَدِيثِ عُمّرَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ قَتَادَةَ. وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ وَلَمْ يَرْفَعْهُ، عُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ شَيْخٌ بضْرِيٍّ. ٣٠٧٨ - عقدنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. حَدَّثَنَا أَبُو نَعِيم. حَدْثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ مِ﴿هَ: ((لمّا خُلِقَ آدَمُ))، الحَدِيثَ. ٩ - باب ((ومن سورة الأنفال)) [المعجم ١ - التحفة ٩] ٣٠٧٩ - عقدنا أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ عَاصِمٍ بْنِ بَهْدَلَّةَ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أبِيهِ قَالَ: لمَّا كانَ يَوْمُ بَذْرٍ جِئْتُ بِسَيْفٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ قَدْ شَفَى صَدْرِي مِنَ المُشْرِكِينَ؛ أوْ نَحْوَ هذا، هَبْ لِي هذا السَّيْفَ. فقَالَ: ((هذا لَيْسَ لِي وَلاَ لَكَ))، فَقُلْتُ: عَسَى أنْ يُعْطَى هذا مَنْ لاَ يُبْلَى بَلاَئِي، فَجَاءَنِي الرَّسُولُ عبد الحارث، فلم يقدر الشيطان على أكثر من نسبة العبودية لغير الله، وهو الملعون يطالب العبد بأعظم ما يقدر عليه معه وأدناه، فلما يئس من حوّاء في غير هذا القدر اقتصر عليه، وحوّاء أيضًا لم تتّعظ بما كان سبق بينها وبينه. وتفرّ من أقواله وإشاراته، وذلك كله من الله لتنفذ المقادير ويتم التقدير، والشرك على أنواع: شرك بالله، وشرك في الأعمال وهو الرياء، وشرك في الأسماء وهو موضع خفاء. قال ابن العربي: وهذا كله على قول مَن يرى أن الآية نزلت في آدم وحواء، ومن يرى أنها في جميع الآباء والأبناء أشار إلى ما كان ينسب العبودية في أبنائهم إلى الأصنام، وعليه انبنى آخر الآية في قوله: ﴿أيشركون ما لا يخلق شيئًا﴾ [الأعراف: ١٩١] إلى آخرها، وقد أوضحناها في التفسير. سورة الأنفال قال ابن العربي: فيها تسع مسائل: الأولى: رُوِيّ أن سعد بن أبي وقاص قال: نزلت في ثلاثة آيات: النفل، وبرّ الوالدين، والثلث. وروى (مصعب بن سعد عن أبيه قال: إذا كان يوم بدر جئت بسيف، فقلت: يا رسول الله إن الله قد شفى صدري من المشركين، نحو هذا، هب لي هذا السيف، فقال: هذا ليس لك ولا لي، فقلت: عسى أن يعطى هذا مَن لا يبلي بلائي، فجاءني الرسول ١٥١ كتاب التفسير/ باب ٩ من سورة الأنفال فقّالَ: ((إِنَّكَ سَألْتَنِي وَلَيْسَتْ لِي، وَقَدْ صَارَتْ لِي وَهُوَ لَّكَ)) قَالَ فَزَّلَتْ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأتْفَالِ﴾ [الأنفال: ١] الآيَةَ(١). فقال: إنك سألتني وليس لي ولقد صار لي وهو لك فنزلت ﴿يسألونك عن الأنفال قل الأنفال [الأنفال: ١]) قال الترمذي: هو صحيح، وروى سعيد بن جبير أن سعد بن أبي وقاص ورجلاً من الأنصار خرجا يتنفلان نفلاً فوجدا سيفًا ملقى، يقال كان لأبي سعيد بن العاصي، فخرًا عليه جميعًا، فقال سعد: هو لي، وقال الأنصاري: هو لي، فتنازعا في ذلك، فقال الأنصاري: يكون بيني وبينك، رأيناه جميعًا وخررنا عليه جميعًا، فقال: لا أسلمه إليك حتى تأتي رسول الله، فلما عرضا عليه القصة قال: (ليس لك يا سعد ولا الأنصاري، ولكنه لي) فنزلت ﴿يسألونك عن الأنفال) الآية (فاتق الله، السيف إليه) ثم نسخت بقوله: ﴿واعلموا أنما غنمتم﴾ [الأنفال: ٤١] الآية. المسألة الثانية: النفل في اللغة هو الزيادة، ومنها نقل الصلاة، وهو: الزيادة على فرضها، وولد الولد نافلة، لأنه زيادة على الولد، والغنيمة نافلة لأنها زيادة فيما أحلّ لهذه الأمة مما كان محرّمًا على غيرها، ثبت عن النبي و# أنه قال: (أُحلّت لي الغنائم)، وروى أبو هريرة قال: (فُضِّلت على الأنبياء بستّ: أُعطيت جوامع الكَلِم، ونفرت بالرعب، وأُحِلْت لي الغنائم، وجُعِلَت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأُرسلت إلى الخلق كافّة، وختم بي النبيّون). وروى البخاري عن همام بن منبه عن أبي هريرة قال رسول الله وله: (غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبتني بها ولمّا يبنِ بها، ولا أحد بنى بيوتًا ولم يرفع سقوفها، ولا أحد اشترى غنمًا أو خلفات وهو ينتظر ولادها، فغزا فدنا من القرية أو قريبًا من ذلك فقال للشمس إنك مأمورة وأنا مأمور اللَّهمَّ احبسها علينا فحبست حتى فتح الله بجمع الغنائم فجاءت النار لتأكلها فلم تطعمها فقال إن فيكم غلولاً فليبايعني من كل قبيلة رجل فلزقت يد رجل بيده فقال فيكم الغلول فلتبايعني قبيلتك فلزقت يد رجلين أو ثلاثة بيده فقال فيكم الغلول فجاؤوا برأس مثل رأس بقرة من الذهب فوضعوها فجاءت النار فأكلتها ثم أحلّ الله لنا الغنائم، ورأى ضعفنا وعجزنا فأحلّها لنا). المسألة الثالثة: قال ابن القاسم وابن وهب عن مالك: كانت بدر في سبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان، وروى ابن وهب أنها كانت بعد عام ونصف من الهجرة، وذلك بعد تحويل القبلة بشهرين، وقد سُئِلَ مالك في رواية ابن وهب عن عدة المسلمين فقال: كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر على عدة أصحاب طالوت، وروى أيضًا ابن وهب عن مالك قال: سأل رسول (١) (مسلم) فضائل الصحابة: باب فضل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه. والجهاد والسّيّر: باب الأنفال. (أبو داود) الجهاد: باب في النفل (النسائي في الكبرى) التفسير. وانظر رقم (٣١٨٩). ١٥٢ كتاب التفسير/ باب ٩ من سورة الأنفال قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ رَوَاهُ سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ عَنْ مُصْعَبٍ أيْضًا. الله ** عن عدة المشركين يوم بدر (كم يطعمون كل يوم)؟ فقيل له: يومًا عشرًا ويومًا تسع جزائر، فقال: (القوم ما بين الألف إلى التسعماية). وروى ابن القاسم عن مالك قال: لمّا كان يوم بدر قال رسول الله ﴾: (أشيروا عليَّ) فقام أبو بكر فتكلم، ثم قعد، ثم قال: (أشيروا عليّ) فقام عمر فتكلم ثم قعد، ثم قال رسول الله 9: (أشيروا عليّ) فقام سعد بن معاذ فقال: كأنك إيّانا تريد يا رسول الله، لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اذهب أنت وربك فقائلا إنّا ماهنا قاعدون﴾ [المائدة: ٢٤] ولكن اذهب أنت وربك إنّا معكما متّبعون، لو أتيتت اليمن لسللنا سيوفنا واتبعناك، فقال رسول الله صل: (خذوا مصافكم). المسألة الرابعة: قال علماؤنا رحمهم الله: هاهنا ثلاثة أسماء: الأنفال، الغنائم، الفيء. فالنفل الزيادة كما بيّنا، وتدخل فيه الغنيمة، فإنها زيادة الحلال لهذه الأمة، والغنيمة ما أخذ من أموال الكفّار بقتال، والفيء ما أخذ بغير قتال، لأنه رجع إلى موضعه الذي يستحقه وهو انتفاع المؤمن به. المسألة الخامسة: في محل الأنفال. اختلف الناس فيها على ثلاثة أقوال: الأول: محلها الخمس. الثاني: محلها ما عار من المشركين أو أخذ بغير حرب. الثالث: رأس الغنيمة حسبما يراه الإمام. قال القاسم بن محمد: قال ابن عباس: كان ابن عمر إذا سُئِلَ عن شيء قال: لا آمرك ولا أنهاك، فكان ابن عباس يقول: والله ما بعث الله محمدًا إلا محلّلاً أو محرّمًا. قال القاسم: فسلّط على ابن عباس رجل فسأله عن النفل، فقال ابن عباس: الفرس من النفل والسلاح من النفل، وعاد عليه الرجل فقال له مثل ذلك حتى أغضبه، فقال ابن عباس: أتدرون ما مثل هذا؟ مثل صبيع الذي ضربه عمر بالدرة حتى سالت الدماء على عقبيه أو على رجليه، فقال الرجل: أما أنت فقد انتقم الله منك لابن عمر، وقال السدي وعطاء: هي ما شذّ من · المشركين. وعن مجاهد: سُئل للنبي ) عن الخمس بعد الأربعة الأخماس، فقال المهاجرون: لمَن يدفع هذا الخمس لم يخرج منّا؟ فنزلت ﴿يسألونك عن الأنفال﴾، والصحيح أنه من الخمس، كما رُوِيّ في صحيح مسلم أن الإمام يعطي منه ما شاء من سلب أو غير، خلافًا للشافعي ومَن قال بقوله من فقهاء الأمصار، فأما هذا السؤال مهنا فإنما هو عن أصل الغنيمة التي نفل على ما أنزل الله لنا من الحلال على الأمم. المعنى: يسألك أصحابك يا محمد عن هذه الغنيمة التي نفلتكها، قل لهم: هي لله وللرسول، فاتقوا الله ولا تختلفوا، وأصلحوا ذات بينكم لئلا يرفع تحليلها عنكم باختلافكم. وقد رُوِيَ عن ابن عباس أنه * قال يوم بدر: (مَن فعل كذا وكذا فله كذا وكذا) فتسارع إلى ذلك ١٥٣ كتاب التفسير/ باب ٩ من سورة الأنفال وفي البَابِ: عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ. الشبّان وثبت الشيوخ تحت الرايات، فلما فتح عليهم جاؤوا يطلبون شرطهم، فقال الشيوخ: لا تستأثروا به علينا، كنّا ردةًا لكم لو انهزمتم لانحزتم إلينا، فأبى الشبّان وقالوا: قد جعله رسول الله لنا، فتنازعوا فأنزل الله ﴿يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله﴾. ورُوِيّ أنهم اختلفوا فيها على ثلاث فِرَق، فقال قوم: هو لنا، حرسنا رسول الله ®، وقال آخرون: هو لنا، اتبعنا أعداء رسول الله، وقالت أخرى: نحن أولى بها، أخذناها، فنزلت ﴿يسألونك عن الأنفال﴾ الآية. وروى أبو أمامة الباهلي قال: سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال فقال: فينا أصحاب بدر حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا فجعله إلى رسوله، فقسمها رسول الله ◌َ* بين المسلمين على براء، أي: على السواء. المسألة السادسة: قال علماؤنا: فسلّموا لرسول الله الأمر فيها، فأنزل الله ﴿واعلموا أنما غنمتم﴾ [الأنفال: ٤١] الآية، ثم قال رسول الله): (ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم) فلم يكن بعد هذا أن يكون النفل من حق أحد، وإنما يكون من حق رسول الله وهو الخمس، والدليل عليه الحديث الصحيح عن ابن عمر: خرجنا في سرية قبل نجد فأصبنا إيلاً فقسمناها، فبلغت سهماننا أحد عشر بعيرًا، ونفلنا بعيرًا بعيرًا. فأما: المسألة السابعة: وهي سَلَب القتيل، فإنه من الخمس عندنا، وبه قال أبو حنيفة إذا رأى ذلك الإمام، لغناء في المعطي، أو منفعة تجلب، أو ائتلاف يرغب. وقال الشافعي: هو من رأس المال، وظاهر القرآن يمنع من ذلك. فأما الأخبار في ذلك فمتعارضة: رُوِيَ في الصحيح أن النبي ◌َّ قضى بسلب أبي جهل لمعاذ بن عمرو بن الجموح، وقال يوم حُنين (مَن قتل قتيلاً له عليه بيّنة فله سلبه) فأعطى السلب لأبي قتادة بما أقام من الشهادة، وقضى بالسلب أجمع لسلمة بن الأكوع يوم قرد، قلنا: هذه الأخبار ليس فيها أكثر من إعطاء السلب للقاتل، وهل إعطاء ذلك من رأس مال الغنيمة أو من حق النبي وهو الخمس؟ ذلك إنما يؤخذ من دليل آخر، وقد قسم الله الغنيمة قسمة حق على الأخماس، فجعل خمسها لرسول الله وأربعة أخماسها لسائر المسلمين، وهم الذين قاتلوا وقتلوا، فهم فيها شرع سواء لاشتراكهم في السبب الذي استحقوها به، والاشتراك في السبب يوجب الاشتراك في المسبب، ويمنع من التفاضل في المسبب مع الاستواء في السبب، هذه حكمة الشرع وحكمه، وقضاء الله في خلقه، وعلمه الذي أنزله عليهم. والذي يدلّ على صحة ما ذهبنا إليه ما روى مسلم أن عوف بن مالك قال: قتل رجل من حمير رجلاً من العدو فأراد سلبه، فمنعه خالد وكان واليًا عليهم، فأخبر عوف رسول الله ◌َو فقال لخالد: (ما منعك أن تعطيه سلبه) قال استكثرته يا رسول الله، قال: (ادفعه إليه) فلقي عوف خالدًا، فجزّ بردائه وقال: هل أنجزت ما ذكرت لك من رسول الله ( 18؟ فسمعه رسول الله ﴾ فاستغضب فقال: (لا تعطه يا خالد، هل أنتم تاركو لي إمرتي) ولو كان السلب حقًّا له من رأس ١٥٤ كتاب التفسير/ باب ٩ من سورة الأنفال [المعجم ٢ - التحفة تابع ٩] ٣٠٨٠ - حدثنا عَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ. حَدِّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ الغنيمة ما ردّه رسول الله *، لأنها عقوبة في الأموال، وذلك أمر لا يجوز بحال. وقد ثبت أن ابن المسيب قال: ما كان الناس ينفلون إلا من الخمس، ورُوِيّ عنه أنه قال: لا نفل بعد رسول الله، ولم يصح. المسألة الثامنة: قال علماؤنا: النفل على قسمين جائز ومكروه، فالجائز بعد القتال، كما قال النبي له يوم حُنَين (مَن قتل قتيلاً له عليه بيّنة فله سلبه)، والمكروه أن يقال قبل القتل (مَن فعل كذا وكذا فله كذا وكذا) وإنما كره هذا لأنه يكون القتال للغنيمة، قال رجل للنبي 190: الرجل يقاتل للمغنم، ويقاتل ليرى مكانه، مَن في سبيل الله؟ قال: (مَن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) ويحق للرجل أن يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا وإن نوى في ذلك الغنيمة، وإنما المكروه في الحديث أن يكون مقصده المغنم خاصة. المسألة التاسعة: قال علماؤنا: قوله: ﴿قل الأنفال الله والرسول﴾ [الأنفال: ١]. قوله: ﴿الله﴾ استفتاح كلام وابتداء بالحق الذي ليس وراءه مرمى، الكل الله. وقوله بعد ذلك ﴿والرسول﴾ قيل؛ أراد به ملكًا، وقيل: أراد به ولاية قسم وبيان حكم، والأول أصح لقوله: (ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم)، وليس يستحيل أن يملكه الله لنبيه تشريفًا وتقديمًا بالحقيقة، ويردّه رسول الله وغير تفضلاً على الخليقة. قوله تعالى: ﴿وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين﴾ الآية فيها خمس مسائل: المسألة الأولى: روى ابن عباس: لما أخبر رسول الله 18 بأبي سفيان أنه مقبل من الشام ندب المسلمين إليهم، وقال: (هذه عير قريش فيها الأموال فأخرجوا إليها لعل الله أن ينفلكموها) فانتدب الناس فخفّ بعضهم وثقل بعضهم، لأنهم لم يظنوا أن رسول الله يلقى حربًا، وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتجسس الأخبار ويسأل مّن لقي من الركبان تخوّفًا على أموال الناس، حتى أصاب خبرًا من بعض الركبان أن محمدًا قد استنفر لك، فحذر عند ذلك واستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري وبعثه إلى مكة، وأمره أن يأتي قريشًا يستنفرهم إلى أموالهم ويخبرهم أن محمدًا قد عرض لها في أصحابه، فمضى ضمضم، وخرج النبي ول﴿ في أصحابه، وأتاه الخبر عن قريش بخروجهم ليمنعوا عيرهم فاستشار النبي و# الناس وأخبرهم عن قريش، فقام أبو بكر فقال فأحسن، وقام عمر فقال فأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله أمضٍ لما أمرك الله، فنحن معك، والله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل: ﴿اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا ههنا قاعدون﴾ [المائدة: ٢٤] ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون، ١٥٥ كتاب التفسير/ باب ٩ من سورة الأنفال عِكْرِمَةً عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا فَرَغْ رَسُولُ اللَّهِ* مِنْ بَدْرٍ قِيلَ لَهُ عَلَيْكَ العِيرَ لَيْسَ دُونَهَا شَيْءٌ، قَالَ: فَتَادَاهُ العَبَّاسُ وَهُوَ فِي وَثَاقِهِ: لاَ يَصْلُحُ، وَقَالَ: لأنَّ اللَّهَ وَعَدَكَ إِحْدَى الطّائِفَتَيْنِ وَقَدْ أَغْطَاكَ مَا وَعَدَكَ، قَالَ: ((صَدَقْتَ)). قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ. والذي بعثك بالحق لو سرت إلى برك الغماد، يعني: مدينة الحبشة، لجالدنا معك من دونه، ثم قال الأنصار بعد: أن امضِ يا رسول الله لما أمرت، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، فمضى رسول الله * حتى التقى المشركين ببدر، فمنعوا الماء، والتقوا ونصر الله النبي وأصحابه، فقتل من المشركين سبعين وأَسِرّ منهم سبعين، وغنم المسلمون ما كان معهم. المسألة الثانية: روى (عكرمة عن ابن عباس قال قالوا للنبي 88في حين فرغ من بدر: عليك العير ليس دونها شيء، فناداه العباس وهو في الأسرى: لا يصلح هذا، فقال النبي 85: لِمَ؟ قال: لأن الله وعدك إحدى الطائفتين، وقد أعطاك ما وعدك، قال النبي 8 *: صدقت) وعلم ذلك العباس مَن تحدّث أصحاب النبي # بما كان من شأن بدر، فسمع ذلك في أثناء الحديث. المسألة الثالثة: خروج النبي# ليتلقى العير بالأموال دليل على جواز النفر للغنيمة، لأنه كسب حلال، وما جاء في الحديث أن (مَن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) دون مَن يقاتل للغنيمة يُراد به إذا كان ذلك قصده وحده ليس للدين فيه حظ. المسألة الرابعة: قال ابن القاسم وابن وهب عن مالك في قول الله تعالى: ﴿وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودّون أن غير ذات الشوكة﴾ [الأنفال: ٧] فقال مالك: قال رسول الله وَ﴿ لأهل قليب بدر من المشركين: (قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًّا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًّا)؟ قالوا: يا رسول الله إنهم أموات، أفيسمعُون؟ فقال رسول الله وَّة: (إنهم ليسمعون ما أقول) قال قتادة: أحياهم الله له، وهذه مسألة بديعة بيتاها في كتاب المشكلين، وحقّقنا أن الموت ليس بعدم محض ولا فناء صرف، وإنما هو تبدل حال وانتقال من دار إلى دار، والروح إن كان جسمًا فينفصل بذاته عن الجسد، وإن كان عرضًا فلا بد من جزء من الجسد يقوم به يفارق الجسد معه، ولعله عجب الذنب الذي ورد في الحديث الصحيح (إن كل ابن آدم تأكل الأرض إلا عجب الذنب منه خلق وفيه يركب)، والروح هي السامعة الواعية العالمة القائلة، إلا أن الباري لا يخلق الإدراك إلا كما يشاء، فلا يخلق إدراك الآخرة لأهل الدنيا، ولا يخلق إدراك الدنيا لأهل الآخرة، فإذا أراد سبحانه أسمع أهل الآخرة حال أهل الدنيا، وقد ورد في الحديث (إن الميت إذا انصرف عنه أهله وإنه ليسمع خفق نعالهم إذ أتاه ملكان) الحديث، وقد ثبت أن النبي ◌َّي قيل له في أهل بدر: أتكلم قومًا قد جيفوا، فقال: (ما أنتم بأسمع لما أقول منهم غير أنه لم يؤذن لهم في الجواب). ١٥٦ كتاب التفسير/ باب ٩ من سورة الأنفال [المعجم ٣ - التحفة تابع ٩] ٣٠٨١ - هذانا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ. حَدَّثْنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ اليَمَامِيُّ. حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ. حَدْثَنَا أَبُو زُمَيْلٍ. حَدَّثَنَا عَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ. حَذْثَنَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ قَالَ: نَظَرَ نَبِيُّ اللَّهِ وَ﴿ إلى المُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ وَأَصْحَابُهُ ثَلاَثُمِائَةٍ وَبِضْعَةُ عَشَرَ رَجُلاً، فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللّهِ ﴿َ القِيْلَةَ ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ وَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي. اللَّهُمَّ آتِنِي مَا وَعَذْتَنِي. اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هذِهِ العِصَابَةً مِنْ أَهْلِ الإسْلاَمِ لاَ تُعْبَدْ فِي الأرْضِ، فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ، مَاذَا يَدَيْهِ، مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ حتى سَقَطَ رِدَاؤُهُ مِنْ مَنْكِبَيْهِ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَلْقَاهُ على مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ كَفَاكَ مُنَاشّدَتُكَ رَبَّكَ، إنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أنِّي مُمِدُكُمْ بِأَلْفِ مِنَ المَلائِكَةِ مُزْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩](١). قَالَ: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، لاَ نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثٍ عُمَرَ إلاَّ مِنْ حَدِيثٍ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي زُمَيْلٍ، وَأَبُو زُمَّيْلٍ اسْمُهُ سِمَاكٌ الحَنَفِيِّ، وَإِنَّمَا كانَ هذا يَوْمَ بَذْرٍ . المسألة الخامسة: قال مالك: بلغني أن جبريل عليه السلام قال للنبي ريل9: كيف أهل بدر فيكم؟ قال: (خيارنا) فقال جبريل: إنهم كذلك فينا، وفي هذا من الفقه أن شرف المخلوقات ليس بالذوات وإنما هو بالأفعال، وللملائكة أفعالها الشريفة من المواظبة على التسبيح الدائم، ولنا نحن أفعالنا بالإخلاص في الطاعة، وتتفاضل الطاعات بتفضيل الشرع لها، وأفضلها الجهاد وأفضل الجهاد يوم بدر، فأنجز الله لرسوله وعده، وأعزّ جنده، وهزم الأحزاب وحده، وصرع صناديد المشركين وانتقم منهم للمؤمنين، وشفى صدر رسوله وصدورهم من غيظهم، وفي ذلك يقول حسان: كخط الوحي في الورق القشيب عرفت ديار زينب بالكثيب من الوسمي منهمر سكوب تداولها الرياح وكل جون يبابًا بعد ساكنها الحبيب ـ، ربعها خلفًا وأمست فأمسى . ورو حرارة الصدر الكتيب فدع عنك التذكر كل يوم (١) (مسلم) الجهاد والسِّيّر: باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم. (أبو داود) الجهاد: باب في فداء الأسير بالمال مختصرًا. ١٥٧ كتاب التفسير/ باب ٩ من سورة الأنفال [المعجم ٤ - التحفة تابع ٩] ٣٠٨٢ - هقدنا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَّيْرٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ عَنْ عَبَّادِ بْنٍ يُوسُفَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلّ: ((أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيَّ أمَانَيْنٍ لِأُمَّتِي ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] إذًا مَضَيْتُ تَرَكْتُ فِيهِمُ الإِسْتِغْفَارَ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ». هذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ مُهَاجِرٍ يُضَعَّفُ في الحَدِيثِ. [المعجم ٥ - التحفة تابع ٩] ٣٠٨٣ - حدثنا أحمَدُ بْنُ مَنِيعٍ. حَذْثَنَا وَكِيعٌ عَنْ أَسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ وخبر بالذي لا غيب فيه بما صنع المليك غداة بدر غداة كأن جمعهم حرّاء فلاقيناهم منّا بجمع أمام محمد قد وازروه بأيديهم صوارم مرهفات ينو الأوس الغطارف وازرتها فغادرنا أبا جهل صريعًا وشيبة قد تركنا في رجال يناديهم رسول الله لما ألم تجدوا كلامي كان حقًّا فما نطقوا ولو نطقوا لقالوا بصدق غير أخبار الكذوب لنا في المشركين من النصيب بدت أركانه جنح الغروب كأسد الغاب مردان وشيب على الأعداء في لفح الحروب وكل مجرد حاظي الكعوب بنو النجار في الدين الصليب وعتبة قد تركنا بالجبوب ذوي حسب إذا نسبوا حسيب قذفناهم كباكب في القليب وأمر الله يأخذ بالقلوب صدقت وكنت ذا رأي مصيب قوله تعالى: ﴿وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة﴾ فيها تسع مسائل: المسألة الأولى: أمر الله سبحانه وتعالى بإعداد القوة للأعداء بعد أن أكّد في تقدمة التقوى، فإن الله تعالى لو شاء لهزمهم بالكلام. والتفل في الوجوه وحفنة من تراب، كما فعل رسول الله﴾، ولكنه أراد أن يبلي بعض الناس ببعض بعلمه السابق وقضائه النافذ، فأمر بإعداد القوى والآلة في فنون الحرب التي تكون لنا عدة وعليهم قوة، ووعد على الصبر والتقوى بإعداد الملائكة العليا. ١٥٨ كتاب التفسير/ باب ٩ من سورة الأنفال كَيْسَانَ عَنْ رَجُلٍ لَمْ يُسَمِّهِ عَنْ عُقْبَةً بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَ﴿ قَرَأْ هذِهِ الآيَةَ على المِثْرِ ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] قَالَ: ألاَ إِنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ ثَلاَثٌ مَرَّاتٍ، ((ألاَ إِنَّ اللَّهَ سَيَفْتَحُ لَكُمُ الأرْضَ، وَسَتُكْفَوْنَ المُؤْنَةَ، فَلاَ يَعْجِزَنَّ أَحَدُكُمْ أنْ يَلْهُوَ بِأَسْهُمِهِ. المسألة الثانية: روى الطبري وغيره عن عقبة بن عامر قال: قرأ رسول الله 18 على المنبر: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل﴾ [الأنفال: ٦٠] فقال: (ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي ثلاثًا). وروى البخاري عن أحمد عن سلمة بن الأكوع قال: مر النبي وهي على نفر من أسلم ينتضلون بالسهام، فقال النبي وَّر: (ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميًا وأنا مع بني فلان) قال: فأمسك أحد الفريقين بأيديهم، فقال رسول الله: (ما لكم لا ترمون)؟ قالوا: وكيف نرمي وأنت معهم؟ فقال: رسول الله: (ارموا وأنا معكم كلكم)، زاد الحاكم في رواية: فلقد رموا عامّة يومهم ذلك، ثم تفرقوا على السواء ما نضل بعضهم بعضًا. وروى البخاري عن عليّ قال: ما رأيت رسول الله يفدي رجلاً بعد سعد، سمعته يقول: (ارمٍ فداك أبي وأمي). وروى الترمذي وأبو داود والنسائي عن عقبة بن عامر قال: (سمعت رسول الله وسلم يقول: ((إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة: صانعه يحتسب في صنعته الخير، والرامي به، ومنضله))). وفي رواية (والممدّ به فارموا واركبوا ولأن ترموا أحبّ إليّ من أن تركبوا ليس من اللهو إلا ثلاث تأديب الرجل فرسه وملاعبته أهله ورميه بقوسه ونبله ومَن ترك الرمي بعد ما علمه رغبة عنه فإنها نعمة كفرها)، وقد شاهدت القتال مرارًا فلم أرّ في الآلة أنجع من السهم ولا أسرع منفعة منه. المسألة الثالثة: قوله: ﴿ومن رباط الخيل﴾ [الأنفال: ٦٠]. الرباط هو حبس النفس في سبيل الله، حراسة للثغور أو ملازمة للأعداء، وقد تقدم بيان في شيء منه في سورة آل عمران. وقد روى البخاري وغيره عن سهل بن سعد أنه قال: (رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها وموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها والروحة يروحها العبد في سبيل الله والغدوة خير من الدنيا وما فيها)، وروى الترمذي عن فضالة بن عبيد عن رسول الله# قال: (كل ميت يختم على عمله إلا الذي يموت مرابطًا في سبيل الله فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة ويأمن من فتنة القبر). المسألة الرابعة: وأما رباط الخيل فهو فضل عظيم ومنزلة شريفة، روى الأئمة عن أبي هريرة أن رسول الله وَّار قال: (الخيل ثلاثة: لرجل آخر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر. فأما الذي هي عليه وزر فرجل ربطها رياءً وفخرًا ونواء لأهل الإسلام فهي عليه وزر، وأما الذي هي عليه ستر فرجل ربطها تغنيًّا وتعفّفًا ولم ينسَ حق الله في ظهورها، فهي عليه ستر، وأما الذي هي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله فأطال لها في مرج أو روضة، فما أكلت من ذلك المرج ١٥٩ كتاب التفسير/ باب ٩ من سورة الأنفال قَالَ أَبُو عِيسَى: وَقَدْ رَوَى بَعْضُهُمْ هذا الحَدِيثَ عَنْ أُسَامَةٌ بْنِ زَيْدٍ عَنْ صَالِحٍ بْنِ كَيْسَانَ، رَوَاهُ أَبُو أُسَامَةَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَحَدِيثُ وَكِيعٍ أَصَحُ، وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ لَمْ يُدْرِكْ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ، وَقَدْ أَذْرَكَ ابْنَ عُمَّرَ. أو الروضة من شيء إلا كتب الله له عدد ما أكلت من ذلك المرج أو الروضة من شيء إلا كتب الله له عدد ما أكلت حسنات، وكتب له أرواثها وأبوالها حسنات، ولا يقطع طولها فتستنّ شرفًا أو شرفين إلا كتب الله له ذلك حسنات، ولا مرّ بها صاحبها على نهر فشربت منه ولا يريد أن يسقيها إلا كتب الله له عدد ما شربت حسنات). وروى البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله قال: رأيت رسول الله* يلوي ناصية فرس بأصبعيه وهو يقول: (الخير معقود في نواصي الخيل إلى يوم القيامة). وثبت عن أنس أنه قال: لم يكن شيء أحبّ إلى رسول الله * بعد النساء من الخيل، خرجه النسائي. المسألة الخامسة: المستحب من رباط الخيل الإناث قبل الذكور، قاله عكرمة وجماعة، وهذا صحيح، فإن الأنثى بطنها كنز، وظهرها عزّ، وفرس جبريل أُنثى. المسألة السادسة: يستحب من الخيل ما روى أبو وهب الجشمي، وكانت له صحبة، قال رسول الله ير: (عليكم بكل كميت أغرّ محجل، أو أدهم أغرّ محجل، أو أشقر أغرّ محجل) خرّجه أبو داود والنسائي، وروى الترمذي عن أبي قتادة (أن النبي واز قال خير الخيل الأدهم الأقرح المحجل الأرثم، ثم الأقرح المحجل مطلق اليمين، فإن لم يكن أدهم فكميت على هذه الهيئة). المسألة السابعة: روى مسلم والنسائي أنه يكره الشكال من الخيل، وثبت عن النبي 1849 من رواية عبد الله بن عمر أنه قال: (إنما الشؤم في المرأة والفرس والدار)، وقد بيّنا تحقيق ذلك في شرح الحديث. المسألة الثامنة: قوله: ﴿ترهبون به عدو الله وعدوكم﴾ [الأنفال: ٦٠] يعني تخيفون بذلك أعداء الله وأعداءكم من اليهود وقريش وكفار العرب ﴿وآخرين من دونهم﴾ [الأنفال: ٦٠] يعني فارس والروم. وقد رُوِيّ عن النبي ◌َ * أنه قال: (أما فارس فنطحة أو نطحتان ثم لا فارس بعدها، وأما الروم ذوات القرون فكلما هلك قرن خلفه آخر إلى يوم القيامة). المسألة التاسعة: قوله: ﴿ومن رباط الخيل﴾ [الأنفال: ٦٠] عامّ في الخيل كلها، وأجودها وأعظمها أجرًا. وقد قال ابن القاسم وابن عبد الحكم عن مالك: قال الله: ﴿وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل﴾ فأرى البراذين من الخيل إذا أجازها الوالي، وكذلك قال سعيد بن المسيب. ١٦٠ كتاب التفسير / باب ٩ من سورة الأنفال [المعجم ٦ - التحفة تابع ٩] ٣٠٨٤ - هقثنا هَنَّادٌ. حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً عَنِ الأعْمَشِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةً عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ مَسْعُودٍ قَالَ: لَمَّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ وَجِيءَ بِالأَسَارَى قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَ﴿َ: مَا تَقُولُونَ في هَؤُلاءِ الأسارَى، فَذَكَّرَ في الحَدِيثِ قِصَّةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((لاَ يَنْفَلِتَنَّ مِنْهُمْ أَحَدٌ إلاَّ بِفِدَاءٍ أوْ ضَرْبٍ عُنُقٍ))، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلاَّ سُهَيْلَ بْنَ بَيْضَاءَ فَإِنِّي قَدْ سَمِعْتُهُ يَذْكُرُ الإِسْلاَمَ قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ قَالَ: فَمَا رَأيْتُنِي فِي يَوْمِ أَخْوَفَ أَنْ تَقَعَ عَلَيَّ حِجَارَةٌ مِنَ السَّماءِ مِنِّي في ذلِكَ اليَوْمِ. قَالَ: حتى قَّالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴾: ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض فيها أربع مسائل: المسألة الأولى: في سبب نزولها. قال ابن عباس: ﴿حتى يثخن في الأرض﴾ [الأنفال: ٦٧] ذلك يوم بدر والمسلمون قليل، فلما كثروا قال الله: ﴿فإما منَّا بعد وإما فداء﴾ [محمد: ٤] فخيّرهم الله تعالى، وهكذا قال كثير من المفسّرين بعده. (وعن عبد الله قال: لمّا كان يوم بدر وجيء بالأسرى قال رسول الله وَله: ما تقولون في هؤلاء الأسرى؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله قومك وأهلك فاستبقهم، لعل الله أن يتوب عليهم، قال عمر: يا رسول الله كذبوك وأخرجوك، قدّمهم واضرب أعناقهم، وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله انظر واديًا كثير الحطب فأدخلهم فيه ثم أضرمه عليهم نارًا، فقال له العباس: قطعت رحمك، فسكت رسول الله 18 فلم يجبهم، ثم دخل. فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس يأخذ بقول عمر، وقال ناس: يأخذ بقول عبد بن رواحة، ثم خرج عليهم رسول الله * فقال: إن الله ليلين قلوب قوم حتى تكون ألين من اللبن ويشد قلوب قوم حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم إذ قال: ﴿فَمَن تبعني فإنه منّي ومن عصاني فإنك غفور رحيم﴾(١) ومثل عيسى حين قال: ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك﴾ (٢) الآية ومثلك يا عمر مثل نوح إذ قال: ﴿ربّ لا تذر على الأرض من الكافرين ديارًا﴾(٣) ومثل موسى إذ قال: ﴿ربنا اطمس على أموالهم﴾(٤) الآية. ثم قال رسول الله : أنتم اليوم عالة فلا يفلتن رجل منهم إلا بفداء أو ضربة عنق، فقال عبد الله: يا رسول الله، إلاّ سهيل بن بيضاء، فإني سمعته يذكر الإسلام، فسكت النبي ول# فما رأيتني في يوم أخوف أن تقع عليَّ الحجارة من السماء مني في ذلك اليوم، حتى قال رسول (١) سورة إبراهيم، الآية: ٣٦. (٣) سورة نوح، الآية: ٢٦ . (٢) سورة المائدة، الآية: ١١٨. (٤) سورة يونس، الآية: ٨٨.