Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
کتاب الأدب / باب ٧٥
هذا حديثٌ خَسَنٌ صحيحٌ.
وفي الّابِ عَنْ جَابٍِ وَأَنَسٍ.
بالمعروف ولا يأتيه، وكما أن قرض اللسان أقعد بالخطيب من قرض الشفة، وقد يمكن في ذلك
حكمة من وجوه متعددة، ولكن الحديث غير صحيح.
تمّ كتاب الأدب
ويتلوه كتاب الأمثال

بسِبِ اللَّه الرحمن الرحيم
٤٥ - كتاب الأمثال
عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
١ - باب مَا جَاءَ في مَثَلِ اللَّهِ لِعِبَادِهِ
[المعجم ٧٦ _ التحفة ١]
٢٨٥٩ - عقدنا عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيِّ. حَدْثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الوَلِيدِ عَنْ بَجِيرِ بْنِ سَعِيدٍ
عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنِ التَّوَاسِ بْنِ سِمْعَانَ الكِلاَبِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ
بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب الأمثال
المَثّلُ بفتح الميم وَالمِثَلُ عبارة عن تشابه المعاني المعقولة، وَالمِثْلُ بكسر الميم وإسكان
الثاء عبارة عن تشابه الأشخاص المحسوسة، ويدخل أحدهما على الآخر، وقد أفضنا فيها في
المشكلين وفي قانون التأويل ما يكفي لكل امرىء له قلب في ريّ الغليل. وقد ضرب الله في
كتابه الأمثال، وضربها النبي عليه السلام، ورُويّ عن عبد الله بن عمر أنه قال: حفظت عن
رسول الله ﴿ ألف مثل، ولم يصح، ولم أرّ أحدًا من أهل الحديث صنف فأفرد لها بابًا غير أبي
عيسى، ولله درّه لقد فتح بابًا أو بنى قصرًا أو دارًا، ولكن اختطّ خطًا صغيرًا فنحن نقنع به
ونشكره عليه، وجملة ما ذكر أربعة عشر حديثًا.
الحديث الأول
روى جبير بن نفير عن النواس بن سمعان (أن الله سبحانه ضرب مثلاً

٢٢٣
كتاب الأمثال/ باب ١
اللَّهِ ،﴿: ((إنَّ اللَّهَ ضَرَبّ مَثَلاً صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، على كَتَفَي الصِّرَاطِ دَارَانِ لَهُمَا أَبْوَابٌ
مُفَتَّحَةٌ، على الأبْوَابِ سُتُورٌ وَدَاعٍ يَدْعُو على رَأْسِ الصَّرَاطِ وَدَاعٍ يَدْعُو فَوْقَهُ ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو
إلى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاء بى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥] وَالأَبْوَابُ التي عَلى
كَتَفَيِ الصِّرَاطِ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ يَقَعُ أحَدٌ في حُدُودِ اللَّهِ حتى يُكْشَفَ السِّتْرُ وَالَّذِي يَدْعُو مِنْ
فَوْقِهِ وَاعِظُ رَبِّهِ»(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: سَمِعْتُ زَكْرِيًّا بْنَ عَدِيٍّ يَقُولُ: قَالَ
أَبُو إِسْحَقَ الفَزَارِيُّ: خُذُوا عَنْ بَقِيَّةَ مَا حَدْتَكُمْ عَنِ الثَّقَاتِ وَلاَ تَأْخُذُوا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ
عَّاشٍ مَا حَدْثَكُمْ عَنِ الثَّاتِ وَلاَ غَيْرِ الثَّاتِ.
صراطًا مستقيمًا على كنفي الصراط دور فيها أبواب مفتحة على الأبواب ستور وداعٍ يدعو
على رأس الصراط وداع يدعو فوقه ﴿والله يدعو إلى دار السلام) الآية، والأبواب حدود الله
فلا يقع أحد في حدود الله حتى يكشف الستر والذي يدعو من فوقه واعظ ربّه). قال ابن
العربي رحمه الله: فضرب مثلاً لخمسة: صراط، أبواب، ستور، داع على رأس الصراط،
داعٍ من فوقه. فالأول: هو الصراط. مثل عن الطريق الجادّة لكل معنى مستقيم: كالهدى،
والدين، والإيمان بالله، والعدل، ونحو ذلك. وهو عبارة عمّا عليه من الكتاب والسُّنّة دليل
وليس للبدعة والمعصية إليه سبيل مما عليه سلف الأمة، وشهدت له شواهد العبرة يفضي
بصاحبه إلى التوحيد ويعينه في الطاعة على بذل المجهود. الثاني: الأبواب. وهي تحتمل في
التمثيل معاني كثيرة، لكنه قد فسرها بالحدود، فتعيّنت من جملة المحتملات في الحدود.
الثالث: قوله: (مفتحة)، وإنما وصفها بالفتح لأن الشهوات إليها شارعة والنفس نحوها نازعة
والسبل سهلة لينة، كما رُوِيّ أن الجنة حزن بربوة وأن النار سهل بشهوة. الرابع: الستور.
وهي مثل لكل حاجز عن الحرام حاجب عن المحظور من دين ومروءة وحياة وهمّة وعار
وعفّة. الخامس: الداعي. وهو مثل للنبي وخلفائه. السادس: الداعي الذي من فوقه. وهو
الواعظ إما من تهديد وإما من زجر باستيفاء الحدود، وإما من خوف اليوم المشهود.
(١) (النسائي في الكبرى) التفسير.

٢٢٤
كتاب الأمثال/ باب ١
٢٨٦٠ - حدّثنا قُتَيْبَةُ. حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلالٍ أَنَّ
جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأنْصَارِيِّ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِوَ يَوْمًا فَقَالَ: ((إنِّي رَأيْتُ في
المَّنَامِ كَأنَّ جِبْرِيلَ عِنْدَ رَأْسِي وَمِيكَائِيلَ عِنْدَ رِجْلَيَّ يَقُولُ أحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَضْرِبْ لَهُ
مَثَلاً، فَقَالَ أَسْمَعْ سَمِعَتْ أُذُنُكَ وَأَعْقِلْ عَقَلَ قَلْبُكَ، إِنَّمَا مَثَلُكَ وَمَثَلُ أُمَّتِكَ كَمَثَلِ مَلِكٍ
اتَّخَذَ دَارًا ثُمَّ بَنَّى فِيهَا بَيْتًا ثُمْ جَعَلَ فيها مَائِدَةً ثُمَّ رَسُولاً يَدْعُو النَّاسَ إلى طَعَامِهِ، فَمِنْهُمْ
مَنْ أجّابُ الرَّسُولَ وَمِنْهُمْ مَنْ تَرَكَهُ، فَاللَّهُ هُوَ الْمَلِكُ وَالدَّارُ الإِسْلاَمُ وَالْبَيْتُ الجَنَّةُ وَأَنْتَ يَا
مُحَمَّدُ رَسُولٌ، فَمَنْ أجَابَكَ دَخَلَ الإسْلاَمَ، وَمَنْ دَخَلَ الإسْلاَمَ دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ دَخَلَ
الجنَّةَ أَكْلَ مَا فِيهَا))(١).
وَقَدْ رُوِيَ هذا الحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ التِّبِيِِّ ﴿ بِإِسْنَادٍ أُصَحُّ مِنْ هذا.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ مُرْسَلٌ، سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلاَلٍ لَمْ يُذْرِكْ جَابِرَ بْنَ
عَبْدِ اللَّهِ.
وفي البَابِ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
الحديث الثاني
(حديث جابر في تمثيل الملائكة له المثل بالله والدار والبيت والمائدة). وفيه
فائدتان :
إحداهما: أن الله ضرب المثل تارة بالطريق إلى الإسلام وتارة بالدار، والمعنى متقارب لأن
الطريق سبب إلى الدار، والدار مشتملة على البيت، والبيت يحوي على المائدة وعلى كل
مقصود في المنفعة والبيت.
الثانية: أنه جعل المقصود المائدة وهو كل ما يؤكل ويشرب ردًا على الصوفية الذين
يقولون لا مطلوب في الجنة إلا الوصال، ونعم، لا وصل لنا إلا باقتضاء الشهوات الجسمانية
والنفسانية والمعقولة والمحسوسة، وفي الجنة جماع ذلك.
(١) (البخاري تعليقًا) الاعتصام بالكتاب والسُّنّة: باب الاقتداء بسُنن رسول الله ﴾.

٢٢٥
كتاب الأمثال/ باب ١
٢٨٦١ - حدثنا مُحَمِّدُ بْنُ بَشَارٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ أَبِي
تَمِيمَةَ الهُجَيْمِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: قَالَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ِ العِشَاءَ ثُمَّ
انْصَرَفَ فَأَخَذَ بِيَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ حتى خَرَجَ بِهِ إلى بَطْحَاءِ مَكّةَ فَأَجْلَسَهُ ثُمَّ خَطٍّ عَلَيْهِ
خَطَّا تُمْ قَالَ: ((لاَ تَبْرَحَنَّ خَطَّكَ فَإِنَّهُ سَيَنْتَهِي إِلَيْكَ رِجَالٌ فَلاَ تُكَلِّمُهُمْ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَلِّمُونَكَ))،
قَالَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ﴿ حَيْثُ أَرَادَ، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ فِي خَطَّيْ إِذْ أَتَانِي رِجَالٌ كَأَنَّهُمْ
الزَّطْ أَشْعَارُهُمْ وَأَجْسَامُهُمْ لَ أَرَى عَوْرَةٌ وَلاَ أرَى قِشْرًا وَيَنْتَهُونَ إِلَيَّ لاَ يُجَاوِزُونَ الحَظِّ ثُمّ
يَصْدُرُونَ إلى رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿، حتى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، لَكِنْ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴾ قَد
جَاءَنِي وَأَنَا جَالِسٌ، فَقَالَ: ((لَقَدْ أَرَانِي مُنْذُ اللَّيْلَةَ)) ثُمَّ دَخَلَ عَلَيَّ فِي خَطِّي فَتَوَسَّدَ فَخِذِي
فَرَقَدَ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا رَقَدَ نَفَخَ، فَبَيْنَا أَنَا قَاعِدٌ وَرَسُولُ اللَّهِ لهِ مُتَوَسِّدٌ فَخِذِي إِذَا
أَنَا بِرِجَالٍ عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ بِيضْ اللَّهُ أَعْلَمُ مَا بِهِمْ مِنَ الجَمَالِ فَانْتَهَوْا إِلَيَّ، فَجَلَسَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ
عِنْدَ رَأْسٍ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ وَطائِفَةٌ مِنْهُمْ عِنْدَ رِجْلَيْهِ ثُمَّ قَالُوا بَيْنَهُمْ: مَا رَأيْنَا عَبْدًا قَطْ أُوتِيَ
مِثْلَ مَا أُوتِيَ هذا النَّبِيُّ: إِنَّ عَيْنَيْهِ تَنَامَانِ وَقَلْبُهُ يَقْظَانُ، أَضْرِبُوا لَهُ مَثَلاَ مَثَلَ سَيِّدٍ بَنَى قَصْرًا
ثُمَّ جَعَلَ مَأْدُبَةٌ فَدَعَا النَّاسَ إلى طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ، فَمَنْ أَجَابَهُ أَكَلَ مِنْ طَعَامِهِ وَشَرِبَ مِنْ
شَرَابِهِ وَمَنْ لَمْ يُجِبْهُ عاقبَهُ أوْ قَالَ عَذْبَهُ ثُمَّ ارْتَفَعُوا، وَاسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ عِنْدَ ذلِكَ
فَقَالَ: ((سَمِعْتَ مَا قَالَ هَؤُلاءِ؟ وَهَلْ تَدْرِي مَنْ هَؤُلاَءِ»؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ:
الحديث الثالث
رواية ابن مسعود في الخروج مع النبي عليه السلام والخط الذي خط له. فوائده سبع:
الأولى: وضع النبي عليه السلام عليه الخط علامة للتحصين عليه من الجزع والضرر، فلم يقدر
أحد من الخلق على ضرّه ولا على البلوغ إليه. الثانية: منعهم من الكلام معهم لأنه حجر بينهم
وبينه، والكلام خلطة واتصال، وهو أول الضرر أو النفع. الثالثة: قوله: (كأنهم الزط أشعارهم
وأجسادهم لا أرى عورة) وكان هؤلاء الجن. والزط جيل من السودان من أهل السّنّة١٧ وتقول
فيهم تميم: سط، وهي كلمة أعجمية، وعلى هذه الهيأة رأى تميم الداري الجساسة، دابة أهلب
كثير الشعر لا يعرف قُبُلها من دبرها. الرابعة: دخل الرجال الحسان الخط لأنهم ملائكة لم
يحجز عنهم. الخامسة: المأدبة طعام يدعى إليه الناس ابتداء، والأطعمة معلومة، وقد بيّنّاها فيما
قبل بأسبابها السادسة: قوله: (ودعا الناس إلى طعامه وشرابه) وهذا مثل للثواب كما تقدم بيانه.
السابعة: قوله: (ومَن لم يجب عاقبه) قالت الحكماء مَن دعوناه فلم يجبنا فله الفضل علينا، فإن
(١) الزت معرب جت وهم قوم يعيشون الآن في بلاد البنجاب.

٠ ٢٢٦
كتاب الأمثال/ باب ٢
(هُمُ المَلاَئِكَةُ، فَتَذْرِي مَا المَثَلُ الَّذِي ضَرَبُوا))؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «المَثَلُ
الَّذِي ضَرَبُوا الرَّحْمَنُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَنَى الجَنَّةَ وَدَعَا إِلَيْهَا عِبَادَهُ، فَمَنْ أَجَابَهُ دَخَلَ الجَنَّةً
وَمَنْ لَمْ يُجِبْهُ عَاقَبَهُ أَوْ عَذْبَهُ».
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هذا الوَجْهِ، وَأَبُو تَمِيمَةَ هُوَّ
الهُجَيْمِيُّ وَاسْمُهُ طَرِيفُ بْنُ مُجَالِدٍ، وَأَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيَّ اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُلْ،
وَسُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ قَدْ رَوَى هذا الحَدِيثَ عَنْهُ مُعْتَمِرٌ وَهُوَ سُلَيْمَانُ بْنُ طَرْخَانَ، وَلَمْ يَكُنْ تَيْمِيًّا
وَإِنْمَا كَانَ يَنْزِلُ بَنِي تَيْمِ فَنْسِبَ إِلَيْهِمْ قَالَ عَلِيٍّ: قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: مَا رَأيْتُ أَخْوَفَ لِلَّهِ
تَعَالَى مِنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ.
٢ - باب مَا جَاءَ فِي مَثَلِ النَّبِيِّ لَهُ وَالأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ
[المعجم ٧٧ - التحفة ٢]
٢٨٦٢ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ. حَذِّثَنَا سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ
بَضْرِيُّ خَذْثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ عَنْ جَابِرٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيَُِّ﴿: ((إنَّمَا مَثَلِي
وَمَثَلُ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي ◌َكَرَجُلٍ بَتَى دَارًا فَأَكْمَّلَهَا وَأَحْسَنَهَا إِلَّ مَوْضِعُ اللَِّنَةِ»(١).
وفي البّابِ: عَنْ أَبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هذا الوَجْهِ.
جاءنا فلنا الفضل عليه، وهذا صحيح في النظر. فأما حكم العبد مع المولى فكما قال الله تعالى
في هذا المثل إنه إذا لم يجب الدعوى أستحق العقوبة.
الحديث الرابع
روى سعيد بن ميناء عن جابر بن عبد الله (حديث اللبنة). إذا تأمل المتفطن هذا الحديث
رأى أن قدر النبي الله : في الخلق أعظم رفعًا وأكرم فورًا من لبنة في حائط. والحديث صحيح
ومعناه مما تكررت على الأيام فيه بلقاء الأنام، ولم ألف عند أحد به طريقًا إلى الإعلام،
فرجعت إلى نفسي القاصرة فظهر إليَّ فيه والله أعلم أن اللبنة كانت من الأس، ولولا كون هذه
اللبنة في هذا الأس لأنقض المنزل، لأنها القاعدة والمقصود.
(١) (البخاري) المناقب: باب خاتم النبيين. (مسلم) الفضائل: باب ذكر كونه لر خاتم النبيين.

٢٢٧
كتاب الأمثال/ باب ٣
٣ - باب مَا جَاءَ في مَثَلِ الصَّلاَةِ وَالصِّيَّامِ وَالصَّدَقَّةِ
[المعجم ٧٨ - التحفة ٣]
٢٨٦٣ - عقدنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ. حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ. حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ
يَزِيدَ. حَدَّثَنَا يَحْيِى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ سَلاَّمٍ أَنَّ أَبَا سَلاَّمٍ حَدَّثَهُ أنّ الحَرِثَ الأَشْعَرِيَّ
حَدَّثَّهُ أنَّ النَّبِيَّ وَ قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ أمَرَ يَحْيِّى بْنَ زَكَّرِيًّا بِخَمْسٍ كَلِمَاتٍ أَنْ يَعْمَلَ بِهَا وَيَأْمُرَ
بَنِي إِسْرَائِيلَ أنْ يَعْمَلُوا بِهَا، وَإِنَّهُ كَادَ أَنْ يُبْطِىءَ بِهَا، فَقَالَ عِيسَى: إِنَّ اللَّهَ أَمْرَكَ بِخَمْسٍ
كَلِمَاتٍ لِتَعْمَلَ بِهَا وَتَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أنْ يَعْمَلُوا بِهَا، فَإِمَّا أَنْ تَأْمُرَهُمْ، وَإِمَّا أَنَا آمُرُهُمْ،
فَقَالَ يَحْيَى: أخْشَى إِنْ سَبَقْتَنِي بِهَا أنْ يُخْسَفَ بِي أَوْ أُعْذِّبَ، فَجَمَعَ النَّاسَ فِي بَيْتٍ
المَقْدِسِ، فَامْتَلاَ المَسْجِدُ وَتَعَدَّوْا على الشرَفِ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ أمَرَنِي بِخَمْسٍ كُلِمَاتٍ أنْ
أعْمَلَ بِهِنْ، وَآمُرَكُمْ أَنْ تَعْمَلُوا بِهِنَّ: أوَّلُهُنَّ أنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا. وَإِنَّ مَثَلَ
مَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ كَمَثَلِ رَجُلِ اشْتَرَى عَبْدًا مِنْ خَالِصِ مَالِهِ بِذَهَبٍ أوْ وَرِقٍ فَقَّالَ: هذِهِ دَارِي
وَهذا عَمَلِي فَاعْمَلْ وَأَدٌّ إِلَّيَّ، فَكَانَ يَعْمَلُ وَيُؤَدِّي إلى غَيْرِ سَيِّدِهِ، فَأَيُّكُمْ يَرْضَى أَنْ يَكُونَ
الحديث الخامس
حديث (الحارث بن الحارث الأشعري في أمر الله ليحيى بن زكريا بالعشر(١) كلمات). لم
يرو غيره، ولا رواه غيره. رواه عنه أبو منظور الحبشي حدّث به عنه زيد بن سلام حسن
صحيح. وقال ابن عبد البر: لم يحدّث به عن ابن سلام إلا معاوية بن سلام، والترمذي قد رواه
صحيحًا، كما ذكرناه: الكلمة الأولى: (أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا). وهي المبدأ والغاية
والفائدة في الخلقة والخليقة في الدنيا والآخرة، فما خلق الله الجن والإنس إلا ليعبدوه، وكذلك
كان، فإنه عبده جميعهم موحدهم وملحدهم مؤمنهم وكافرهم، كلُّ يسبح بحمده، ويكون فيما
سبق من عنده وينفذ قضاؤه في عبده والآدمي كله بذاته وصفاته وأفعاله كلها خلق الله، فإذا
وجدت فيه له أي موافقة لأمره فقد اطرد النظام. قام الحق على التمام، وإن وجدت لغيره أي
مخالفة لأمره فهي له من جهة قضائه وإرادته التكليف والثواب والعقاب، إنما يتعلق بالأمر والنهي
لا بالإرادة والقضاء، ولما كان وجود ذلك من المخالفات بذات العبد مذمومًا ضرب الله لها مثلاً
خدمة عبدك لغيرك، وهو تحت إحسانك ورفقك، وهو عند الناس مذموم فلم يكونون مع الله
كما يكرهون أن يكونوا مع غيره، فيجعلون لله ما يكرهون إن هذا إلا إفك افتروه وأعانهم عليه
(١) في المتن: بخمس كلمات. ولعل مراد المصنف الخمس التي أُمر يحيى بتبليغها إلى بني إسرائيل مع
الخمس التي أمر بها النبي أمته.

٢٢٨
كتاب الأمثال/ باب ٣
عَبْدُهُ كَذلِكَ؟ وَإِنَّ اللَّهَ أمَرَكُمْ بِالصَّلاَةِ، فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَلاَ تَلْتَفِتُوا فَإِنَّ اللّهَ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهٍ
عَبْدِهِ فِي صَلاَتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ. وَآمُرُكُمْ بِالصِّيَامِ، فَإِنَّ مَثَلَ ذلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ في عِصَابَةٍ مَعَهُ
صُرَّةٌ فِيهَا مِسْكٌ، فَكُلُّهُمْ يَعْجَبُ أوْ يُعْجِبُهُ رِيحُهَا، وَإِنَّ رِيحَ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ
رِيحِ المِسْكِ. وَآمُرُكُمْ بِالصَّدَقَةِ فَإِنَّ مَثَلَ ذلِكَ كَمَثَلٍ رَجُلٍ أسَرَهُ العَدُوُّ، فَأَوْثَقُوا يَدَهُ إلى
عُنُقِهِ وَقَدَّهُوهُ لِيَضْرِبُوا عُنُقَهُ، فَقَالَ أَنَا أَقْدِيهِ مِنْكُمْ بِالقَلِيلِ وَالكَثِيرِ، فَفَدَى نَفْسَهُ مِنْهُمْ،
وَآمُرُكُمْ أنْ تَذْكُرُوا اللَّهَ فَإِنَّ مَثَلَ ذلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ خَرَجَ العَدُوُّ في أثَرِهِ سِرَاعًا حتى إِذَا أَتَّى
الشيطان. الكلمة الثانية: (الصلاة). قد بيتا في التفسير من معاني الصلاة المتعلقة بها فوائد تكفي
الراغب فليرجع إليها وليعوّل في العرفان عليها، ومن فوائدها أنها مناجاة الله واستقباله، فمن
آدابها ألاّ يلتفت عند ذلك وليقبل على ما هو فيه، كان رسول الله وير يلتفت في الصلاة يمينًا
وشمالاً كما تقدم من غير أن يخرج عن القبلة. وكان أبو بكر الصديق لا يلتفت في صلاته مقبلاً
على ما كان بصدده وفيًّا بعهدة ما التزمه في إحرامه. واختلف في التفات النبي عليه السلام على
ثلاثة أقوال: الأول: أنه لم يصح. الثاني: أنه كان يفعل ذلك رفقًا بالأمة لعلمه بأنها ستلتفت في
صلاتها، فيكون ذلك تسلية لها. الثالث: أنه كان يلتفت تطلعًا إلى ما يفعل مَن معه، واعترض
على هذا لأنه قد قال * في الصحيح: (ولا تسبقوني) يعني بأفعال الصلاة (فإني أراكم من وراء
ظهري) وقيل: كان في بعض الأوقات تخلق له الرؤيا فيدرك ما وراءه كما يدرك ما أمامه، وفي
بعضها كان على حكم الآدمية فيلتفت حينئذ لتحصيل ما كانوا يفعلون. والثاني من هذه الأقوال
أقربها إلى المعنى. الكلمة الثالثة: (الصيام) تقدم في كتاب الصيام فيه بدائع، وقد ضرب يحيى
له مثلاً في طيبة المسك، وكذلك قال محمد : (لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ربح
المسك). والحكمة في ذلك والله أعلم أن الصائم مكتوم الفعل إذ الصوم فعل لا يعلم حقيقته إلا
الله سبحانه، فينشر الله عليه ريح المسك معلمًا ملائكته وأولياءه أنه صائم، مباهاة به وتكرمة له،
وهذا كله جارٍ على الأصل في الشريعة، فإن المكروه في الدنيا محبوب في الآخرة، ومضرّة
الدنيا منفعة الآخرة، ونصب الدنيا راحة الآخرة، وهكذا إلى آخر الرزمة خصلة خصلة وقصة
قصة. لكلمة الرابعة: (الصدقة). إن الله تعالى خلق للعبد بدنه وماله، وجعل المال تابعًا للبدن
خادمًا له، ومنفعة ورياشًا في المعاش ومعونة، وأعلم العبد ذلك قولاً، وأراه إياه معاينة في
نفسه، فلما استقرت هذه المعرفة عند العبد ركب فيه الحرص والطمع، وغشاء حجاب الأمل
والجشع، فقلب القوس ركوة وجعل البدن خادمًا للمال، فيسعى به في جمع المال وتأليفه
واختزانه، ويقطع الحظوظ منه والحقوق، فإذا به قد عاد عليه وِباله وساء لذلك مآله وحصل في
ربقة المطالبة وأسر المخالفة، فلا يحلّه من ذلك إلا بذله، ولا يفكّه إلا إعطاؤه. وقوله ولذلك
ضرب الله مثلاً مَن كان في أسْر العدو، فإنه يفدي نفسه بإخراجها من الأسْر بجميع ما في يديه
من ملك، وهو مع الحقوق إلى ذلك أحوج وهو عليه أوكد. الكلمة الخامسة: (أن تذكروا الله)،

٢٢٩
كتاب الأمثال/ باب ٣
على حِصْنٍ حَصِينٍ فَأَخْرَزَ نَفْسَهُ مِنْهُمْ، كَذلِكَ العَبْدُ لاَ يُحْرِزُ نَفْسَهُ مِنَ الشَّيْطَانِ إِلاَّ بِذِكْرٍ
اللَّهِ»، قَالَ النَّبِيِّ ◌َ﴿: ((وَأَنَا آمُرُكُمْ بِخَمْسِ اللَّهُ أَمَرَنِي بِهِنَّ: السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ وَالْجِهَادُ وَالِهِجْرَةُ
وَالْجَمَاعَةُ، فَإِنَّهُ مِنْ فَارَقَ الجَمَاعَةَ قِيدَ شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رَبْقَةَ الإِسْلاَمِ مِنْ عُنُقِهِ إِلاَّ أَنْ يَرْجِعَ،
وَمَّنِ اذَّعَى دَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّهُ مِنْ جُثَا جَهَنَّمَ))، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنْ صَلَّى
وذكره هو الثناء عليه بما هو أهله والتضرّع إليه فيما يؤمل منه، وأشرفه ذكره بكلامه. وقد
بيًّا من ذلك في كتاب التفسير ما لا يكاد يوجد له نظير، والآثار في ذلك كثيرة. هو شرف
الإنسان وعصمة من الشيطان إذا ذكر العبد ربه غفر على كل الأحوال ذنبه، وقد بالغ فيه
سبحانه حتى جعله خيرًا من الصدقة ومن الجهاد، وقال النبي عليه السلام: (وأنا آمركم
بخمس). الكلمة الأولى: (السمع). وليس المراد به الإدراك الحسيّ وإنما يراد به القبول،
كما قال تعالى: ﴿الذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون﴾ [الأنفال: ٢١] وهو أصل الدين
ومبدأ الخيرات. الكلمة الثانية: (الطاعة). فإن المخالفة تعمّ كل ذنب وتشمل كل كبير
وصغير من الخطايا، وهي فائدة القبول، فإنه إذا قبل الأمر والنهي كان علامة القبول وفائدته
الامتثال والانكفاف. الكلمة الثالثة: (الجهاد). وهو على قسمين: خاص وعام، ومن جهة
أخرى قاصر ومتعدُّ، فالخاص القاصر جهاد المرء لنفسه الأمّارة بالسوء وبكفّها عن الشهوات
والبطالات والمخالفات والغفلات، والعام المتعدي جهاد الأعداء، إما كافر يصرفه إلى دين
الإسلام وأما عاصٍ يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر. الكلمة الرابعة: (الهجرة). وقد بيّاها
في اسم المهاجر في تفسير القرآن، وهي على الأقسام المذكورة هنالك: الأولى: هجرة
الذنوب كفرًا وفسقًا. الثانية: هجرة الوطن، لأنه ذار كفر بأن يكون أسلم فيه، وإما أن
يكون دار خوف ظلم، وإما لأنه موضع غلب فيه الحلال الحرام، وإما لأنه مقر بدعة،
وإما لكثرة المناكير. الكلمة الخامسة: (الجماعة). وهي لزوم الطريقة التي يتمسك بها
الناس، ولا يكون المرء شاذًا خارجًا عن منهاجهم، وهذه الجماعة هي الصحابة والتابعون
والأخيار المسلمون في جادة الدين ومنهاج الحق المبين، وهي في جمع الكلمة واجتناب
الفرقة والاتفاق على أمر، فإذا كان كذلك والمخالف ولا ليس يلتفت إليه والخارج الآخر
لا يستبقي عليه بحال التوكيد، ثم أكد ذلك #* بقوله: (مَن اذعى دعوى الجاهلية فهو من
جثا جهنم) ودعوى الجاهلية وجوه: منها الاستنصار بالقبائل، كقولهم في غزوة المريسيع:
يا للمهاجرين يا للأنصار، فقال النبي عليه السلام: (ما بال دعوى الجاهلية؟ دعوها فإنها
منتنة)، ومنها الاستنان بسُنّتها، وقوله: (فإنه من جثا جهنم) يقال بالحاء المهملة من جثا
إذا غرف وضم، ويقال من جثا بالجيم جمع جثوة وهي الجماعة الذين سبق فيهم حكم
الله بالنار، وذلك وعيد ينفذ فيمن يعتقد ذلك دينًا، ومَن أتاه وهو يعتقد أنه معصية كان
في مشيئة الله إن شاء أن يعذبه فعل وإن شاء أن يعفو عنه تفضل، وقوله: (وإن صلّى

٢٣٠
كتاب الأمثال/ باب ٤
وَصَامَ؟ قَالَ: ((وَإِنْ صَلَّى وَصَامَ، فَادْعُوا بِدَغْوَى اللَّهِ الَّذِي سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ المُؤْمِنِينَ عِبَادَ
اللَّهِ)(١).
هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. قَالَ مُحمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الحَرِثُ الأشْعَرِيُّ لَهُ
صُحْبَةٌ وَلَّهُ غَيْرُ هذا الحَدِيثِ.
٢٨٦٤ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ. حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِيُّ. حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدٌ عَنْ
يَخْيَى بْنِ أبِي كَثِيرٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ سَلاَمٍ عَنْ أَبِي سَلاَّمٍ عَنِ الحَرِثِ الأشْعَرِيِّ عَنِ النَِّيِّ وَل
نَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. وَأَبُو سَلَّمِ الحَبَشِيَّ اسْمُهُ
مَمْطُورٌ، وَقَدْ رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ المُبَارَكِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أبِي كَثِيرٍ.
٤ - باب مَا جَاءَ في مَثَلِ المُؤْمِنِ القَارِئِ لِلْقُرآنِ وَغَيْرِ القَارِىءِ
[المعجم ٧٩ - التحفة ٤]
٢٨٦٥ - حقّدنا قُتَيْبَةُ. حَدَّثْنَا أبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةً عَنْ أَنَسٍ عَنْ أَبِي مُوسَى الأشْعَرِيِّ
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴾: «مَثَلُ المُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الأَتْرُجَّةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ
وَطَعْمُهَا طَيِّبْ، وَمَثَلُ المُؤْمِنِ الَّذِي لاَ يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الثَّمَرَةِ لاَ رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلْوٌ،
وَمَثَلُ المُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيْبٌ وَطَعْمُهَا مُرِّ، وَمَثَلُ المُنَافِقِ
الَّذِي لاَ يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الحَنْظَلَةِ رِيحُهَا مُرِّ وَطَعْمُهَا مُرٌ))(٢).
وصام) يريد أن هذه الكبيرة لا توازيها الصلاة والصوم في الموازنة.
الحديث السادس
قال أبو عيسى: روى أنس عن أبي موسى (قال رسول الله وَله: ((مثل المؤمن الذي يقرأ
القرآن والذي لا يقرؤه)) ضرب النبي عليه السلام المثل للمؤمن بالأترجّة لطيب طعمها وريحها
(١) (النسائي في الكبرى) السِّيّر والتفسير.
(٢) (البخاري) الأطعمة: باب ذكر الطعام. والتوحيد: باب قراءة الفاجر والمنافق وأصواتهم وتلاوتهم لا
تجاوز حناجرهم. وفضائل القرآن: باب فضل القرآن على سائر الكلام. وباب إثم مَن راءى بقراءة
القرآن أو تأکل به أو فجر به.

٢٣١
كتاب الأمثال/ باب ٤
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ رَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ أيْضًا.
٢٨٦٦ - حقثنا الحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الخَلاَّلُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ قَالُوا: حَدْثَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ
أَخْبَرَنَا مَعْمَرْ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِ﴾:
(مَثَلُ المُؤْمِنِ كَمَثَلِ الزَّرْعِ لاَ تَزَالُ الرِّيَاحُ تُفِيتُهُ، وَلاَ يَزَالُ المُؤْمِنُ يُصِيبُهُ بَلاَةٌ، وَمَثَلُ
المُنَافِقِ مَثَلُ الشِّجَرَةِ الأرزِ لاَ تَهْتَزُّ حتى تُسْتَحْصَدَ»(١).
هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
عبارة عن طيب الظاهر بالذكر والباطن بالاعتقاد، وضرب للمنافق مثلاً الريحان فظاهره طيب
ريحها وإذا اختبرت باطنها وجدت طعمها مرَّا، وضرب مثلاً للكافر الحنظلة التي ريحها مرّ لخبث
ريحها وطعمها. وفي رواية (طعمها مرّ ولا ربح لها) ومعنى نفي الريح ماهنا أي: لا ريح طيبة،
أما أن لها ريحًا قبيحًا فتارة أخبر بوجود الرائحة القبيحة وتارة أخبر عن عدم الريح الطيبة، وفي
وجود الريح الخبيثة عدم الريح الطيبة، فيخبر تارة عن العدم للحسن وتارة عن وجود القبيح،
ویکون الکل صحیحًا.
الحديث السابع
روى أبو عيسى لسعيد بن المسيب عن أبي هريرة (مثل المؤمن كمثل الزرع لا تزال الربح
تفيئه ولا يزال المؤمن يصيبه بلاء ومثل المنافق كمثل الأرزة تهتز حتى تستحصد) وفي رواية (مثل
المؤمن كمثل الخامة من الزرع تفيئها الريح مرة هاهنا ومرة هاهنا، ومثل المنافق كمثل الأرزة
المجزية حتى يكون انجعافها مرة).
غريبه: الخامة قصب الزرع الواحدة، وقوله: (تفيئها الريح) أي تردّها عن حالها وتردّها
إلى حالها عند مدافعتها. والأرزة شجرة الصنوبر وهو من أقواها. المجزية يعني الثابتة الأصل.
وانجعافها وقوعها عن القيام إلى الاضطجاع، وفيه روايات كثيرة.
المعنى: أن المؤمن يصيبه البلاء والغموم فينحرف عن حال السرور وطيب العيش إلى
النكد، وتارة يكون في حال عافية وفرح، والكافر والمنافق في صحة من بدنهما ورغد من
عيشهما، وتأتٍ من آمالهما حتى ينفذ القدر فيهما والريح لا تؤثر فيهما إلا إذا استحصدت أي
دنا فناؤها، وقد ضرب الله للمؤمنين مثلاً الزرع فقال: ﴿كزرع أخرج شطأه فآزره﴾
[الفتح: ٢٩] إلى قوله: ﴿الكفار﴾ فالزرع محمد رسول الله، والشطء فراخ الزرع حوله
أصحابه، ينمى الزرع ويغلظ ويستوي الكل على سوقه، حتى يعتدل جميعه في تمام الإيمان
(١) (مسلم) صفات المنافقين وأحكامهم: باب مثل المؤمن كالزرع، ومثل الكافر كشجر الأرز.
عارضة الأحوذي/ ج ١٠/ م ٣١

٢٣٢
كتاب الأمثال/ باب ٤
٢٨٦٧ - حقثنا إِسْحَقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ. حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَّرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴾ قَالَ: ((إنَّ مِنَ الشّجَرِ شَجَرَةٌ لاَ يَسْقُطُ
وَرَقُهَا وَهُوَ مَثَلُ المُؤْمِنِ حَدُثُونِي مَا هِيَ)؟ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي
وَوَقْعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((هِيَ النَّخْلَةُ، فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَقُولَ. قَالَ
وكمال الدين، فيعجب زارعه، وذلك من فعل الله ليغيظ بمحمد وأصحابه الكفار، فمن أبغض
الصحابة فهو كافر.
الحديث الثامن
عبد الله بن دينار عن عمر (قال رسول الله *: ((إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها
مثلها مثل المسلم خبروني ما هي))، فوقع الناس في شجر البوادي) الحديث.
الإسناد: حديث مشهور ثابت من طريق ابن عمر رواه عنه جماعة منهم مجاهد، وفيه
زيادات، من أغربها: ما أخبرناه أبو المعالي ثابت بن بندار البغال في منزلنا بنهر معلى، أنا
البرقاني، أنا الإسماعيلي بجرجان، نا الحسن بن سفيان، نا عباس بن الوليد، أنا ابن ناجية، نا
محمد بن الصباح الجرجاني وعلي بن مسلم، وذكر ثالثًا، وأخبرني عبد الله بن صالح، نا ابن
أبي عمر ومحمد بن قدامة الزعفراني، ونا عمران، نا عثمان قالوا، نا سفيان بن عيينة لم يسمعه
بعضهم، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: صحبت ابن عمر إلى المدينة فلم أسمعه يحدّث
عن النبي* إلا حديثًا واحدًا، قال: كنا عند النبي عليه السلام فأَتِيَ بحمار، فقال رسول
الله ◌َ: (إن من الشجر شجرة مثل المؤمن) وشبهها بالمؤمن أو نحو هذا، قال ابن عمر:
فأردت أن أقول: هي النخلة، فنظرت فإذا أنا أصغر القوم، (فقال رسول الله يخ ليه: هي النخلة)
الحديث. قال ابن ماجه في هذا الحديث: مثل المؤمن مثل النخلة إن جالسته نفعك، وإن
شاركته نفعك، وإن صاحبته نفعك، وإن شاورته نفعك، وكل شأن من شأنه منافع.
العربية: الجمار هو شحم النخلة الذي يؤكل بالعسل، ويقال له الجامور أيضًا.
الأصول: في مسألتين :
الأولى: أن الله ضرب المثل بالنخلة لكلمة التوحيد فقال: ﴿وضرب الله مثلاً كلمة طيبة
كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال
للناس لعلهم يتذكرون﴾ [إبراهيم: ٢٥]، وضرب النبي # لها مثلاً للمؤمن، وكلا المثلين
صحيح فصحيح مُعجِز للناس مبيِّن من المعارف ما يعمّ نفعه في الدين وتشمل بركته جميع
المسلمين، فأما وجه تشبيهه المؤمن بها فبيِّن، فإنه تشبيه جسم بجسم، وأما تشبيهه الكلمة الطيبة
بها ففيه خفاء، وذلك أن الموجودات على ضربين: جسم وعرض، فتشبيه الجسم بالجسم معتد

٢٣٣
كتاب الأمثال/ باب ٤
عَبْدُ اللَّهِ: فَحَدَّثْتُ عُمَرَ بِالَّذِي وَقَعَ فِي نَفْسِي. فَقَالَ: لأنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ
يُكُونَ لِي كَذَا وَكَذَا(١).
في البيان، وتشبيه العرض بالجسم متشبث بشيء من الإشكال وإن كان في كلا الوجهين معقول
ومحسوس، وكِلا المثلين بيِّن، إلا أن المعقول أخفى إلا على العلماء، وإنما المقصود منه
وهي:
الثانية: وجه التمثيل في المقصود بالخبر خاصته، ثم غيره من معانيه، فالعالم يقصر على
ذلك والغافل يريد أن يحمله على وجوهه فيزيغ، إن كان في الاعتقاد ويخطىء في غيره.
الفوائد: كثيرة بيّنًا منها في مختصر النّرين جملة، أمهاتها إحدى عشرة (٢): الأولى: فيه
دليل على تشبيه الشيء بالشيء مطلقًا، والمراد منه معنى واحد أو أكثر منه دون استيفاء جميع
المعاني. الثانية: اعلموا أن المؤمن لا يعادله شيء ولا يماثله حتى الكعبة التي يستقبلها في
العبادة، ولكن الأمثال تحتمل ذلك فلا شيء أعظم من الله سبحانه ورسوله بعده من خلقه، وقد
ضرب المثل بهما بما هو دونهما. الثالث: فيه حسن الحياء في الجملة حتى في الحق، وإن كان
الله لا يستحي من الحق، ولكن إذا تعيّن الأمر لم يحسن الحياء فيه، وقد يفوت بالحياء علم كثير
كما يفوت بالكبر فلا يتعلم العلم مَن يستحي ولا مَن يستكبر، والحياء محمود في الجملة وقد
بيّتاه في شرح الصحيحين. الرابعة: قوله: (فوقع الناس في شجر البوادي) يعني أنهم ذكروا:
الدوم، الرائج، الكاذي، الفوفل. فالدوم معلوم، والرانج جوز الهند، والكاذي شجر ببلاد عمان
يلقى طلعه في الدهن فيطيبه، والفوفل كالرانج يقطع كبائس كبائس فيها ثمر أمثال التمر، ولم
يذكروا الأترج، ولا النارنج، لأنها ليست من شجر البوادي. الخامسة: قوله: (لا يسقط ورقها)
وجه التمثيل في نفي سقوط الورق وجوه: أولاها بكم أن النخلة لا تعرى عن لباسها من الورق
كالمؤمن لا يعرى من لباس التقوى، فإن اللباس الظاهر يقي من آفات الدنيا والتقوى، فلباس
النفس الورع، ولباس القلب قطع الأمل ونفي الطمع، ولباس الروح حسم العلائق وحذف
العوائق وسلوك الصراط المستقيم دون سائر الطرائق، ولباس العابدين ترك الحرام، ولباس
العارفين مجانبة الآثام، ولباس المحبين نبذ الآنام. السادسة: قوله: (كمثل المسلم) قد بيّن
الإسماعيلي في الجملة والتفصيل ما يدل على التمثيل. السابعة: فيه ثبوت المؤمن على اعتقاده
كثبوت النخلة على أساسها، وعلو كلمته وعمله كعلو النخلة في السماء. الثامنة: أن النخلة ينتفع
بها بعد انجعافها في جمالها وسعفها وعثاكلها وجفها، وكذلك المؤمن لا ينقطع عمله بموته إذا
نظر في تكملة إيمانه وتوفير طاعاته لنفسه. التاسعة: قوله: (تؤتي أكلها كل حين) قد بيّنًا في
كتاب الأحكام بالغاية من البيان، فإن قلنا إنه في كل عام فالمؤمن يؤتي الزكاة كل عام ويحجّ
(١) (البخاري) العلم: باب الحياء في العلم.
(٢) نلاحظ بعد ذلك ورود ثلاثة عشر فائدة.

٢٣٤
كتاب الأمثال/ باب ٥
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وفي البَابِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
٥ - باب مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ
[المعجم ٨٠ - التحفة ٥]
٢٨٦٨ - هقدنا قُتَيْبَةُ. حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ الهَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي
سَلَّمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ◌ِ﴿ قَالَ: ((أَرَأيْتُمْ لَو أَنَّ نَهْرًا بِّابٍ
ويصوم، وإذا قلنا إنه كل وقت من خصب وجدب ومطر وقحط كذلك المؤمن، لا ينقطع عمله
في غنى أو فقر أو صحة أو مرض، وإن تعطشت لمزيد فلتنظر في السراج تبصر وتظفر.
العاشرة: روى أبو رافع عن أبي هريرة أن رسول الله * قال: (مثل المؤمن القوي مثل النحلة
ومثل المؤمن الضعيف كخامة الزرع). قال ابن العربي: إن صحّ فيحتمل أن يريد بالقوة هاهنا
القيام بأمر الله، وبالضعف هاهنا الاقتصار على أمر نفسه، ويحتمل أن يريد بذلك: الذي تدوم
عليه الصحة فهو كالنخلة، والذي يصيبه البلاء كخامة الزرع، وإذا رزق المؤمن الصحة دام على
الطاعة ولم يفتر، وإذا أصابه المرض قصر في الطاعة، والله يكتب له ثواب الصحيح برحمته.
الحادية عشر: رُوِيّ عن عمرو بن العاص أن رسول الله * قال: (مثل المؤمن كمثل النخلة
أكلت طيبًا ووضعت طيبًا). قال ابن العربي: فإن صحّ فالمعنى فيه والله أعلم أن المؤمن يسمع
القول فيتبع أحسنه، ويتحدّث بما سمع فيأتي بالحسن من الحسن، كالنحلة تأكل الزهر الطيب
وتضع الشراب الطيب. الثانية عشر: تكملة. روى مسلم في هذا الحديث (إن من الشجر شجرة
لا يسقط ورقها ولا ولا ولا. تؤتي أكلها كل حين) وأشكل على بعض المغاربة، وهو بيِّن معناه
أن النبي #* قال خصالاً بلفظ النفي، كما قال لا يسقط ورقها نسيها الراوي، فذكر أوائلها ليدلّ
على أنها مقولة فيقع البحث عنها، لعلها تكون متحصّلة، وإلى الآن من أيام طلبي لم أظفر بها.
الثالثة عشرة: أنا أبو المطهر الأثيري، أنا أبو نعيم، أنا ابن خلاد، نا كثير بن هشام، نا الحكم،
عن محمد بن رفيع، عن عبد الله بن عمر: كنا عند رسول الله وسلم ذات يوم فقال: (إن مثل
المؤمن كمثل شجرة لا تسقط لها أبلحة أتدرون ما هي)؟ قالوا: لا، قال: (هي النخلة لا تسقط
لها أبلحة ولا يسقط للمؤمن دعوة) ولأجل هذا تعبر الرؤيا في الأنامل عند المنام بالدعوات ردًا
وقبولاً وكمالاً ونقصانًا وإخلاصًا وإشراكًا.
الحديث التاسع
روى أبو سلمة عن أبي هريرة عن النبي 8$ (لو أن نهرًا بباب أحدكم

٢٣٥
کتاب الأمثال/ باب ٥
أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلِّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ»؟ قَالُوا: لاَ يَبْقَى مِنْ
دَرَيْهِ شَيْءٌ، قَالَ: ((فَذلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الخَطَايَ))(١).
وفي الّابِ: عَنْ جَابٍِ .
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ.
حَدَّثَنَا قُتَنْيَةُ. حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ القُرَشِيِّ عَنِ الهَادِ نَحْوَهُ.
يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقي ذلك من درنه قال فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو
الله بهنّ الخطايا) حسن صحيح.
الإسناد: روى هذا الحديث جابر كما قال أبو عيسى وسعد بن أبي وقاص، خرّجه
مالك بلاغًا عنه موقوفًا عليه، وهو باب مسند، ورواه عبد الله بن ربيعة السهمي ولم يخرجه
أبو عيسى، وريك أعلم هل يشذّ عن علمه أو رواه ونسيه، وفصله وطوّله سعد كما في
الموطأ من ذكر قصة الأخوين اللذين مات أحدهما بعد الآخر، وذكرت فضيلة الأول منهما،
وذكر الحديث إلى أن ضرب المثل بالنهر، وزاد فيه الغمر العذب، يريد الحلو الطيب
الكثير .
وجه التمثيل: أن المرء كما يتدنّس بالأقذار المحسوسة والأحوال المشاهدة في بدنه وثيابه
فيطهره الماء الكثير العذب إذا والى استعماله وواظب على الاغتسال به، فكذلك تطهر صلاة
العبد عن أقذار الذنوب حتى لا تُبقي له ذنبًا إلا أسقطته وكفرته، ويكون ذلك بالوضوء قبل
الصلاة، ويكون ذلك بالوضوء والصلاة كما تقدم بيانه في صدر هذا الكتاب وغيره، وإنما يكفّر
الوضوء الذنوب لأنه يُراد به الصلاة، فما ظنك بالمراد وهو الصلاة؟ ذلك أقوى في التكفير
وأولى بالإسقاط. كما يطهر الماء الوسخ فكذلك يذهب الهموم والغموم الداخلة على العبد
أيضًا، فإن الهموم أصلها الذنوب، فإذ ذهبت الذنوب التي هي أسباب الهموم ذهبت في نفسها
بذهاب أسبابها، ولذلك يقول المعبّر للرجل الذي يرى في منامه أنه يغتسل: إن كان عليك دَيْن
قضيته أو همّ زال عنك شغله.
(١) (البخاري) مواقيت الصلاة: باب الصلوات الخمس كفّارة. (مسلم) المساجد ومواضع الصلاة: باب
المشي إلى الصلاة تمحى به الخطايا وترفع به الدرجات.

٢٣٦
كتاب الأمثال/ باب ٦
٦ - باب
[المعجم ٨١ - التحفة ٦]
٢٨٦٩ - حدثنا قُتَبْيَةُ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ يَحْيِى الأَبَحُ عَنْ ثَابِتِ الْبُثَانِيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ: «مَثَلُ أُمْتِي مَثَلُ المَطَرِ لاَ يُذْرَى أَوْلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ» .
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَمَّارٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍوِ وَابْنِ عُمَرَ، وهذا حَدِيثٌ حَسَنٌ
غَرِيبٌ مِنْ هذا الوَجْهِ.
قَالَ: وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ أَنَّهُ كانَ يُثَبْتُ حَمَّادَ بْنَ يَحْيَى الْأَبَحِّ،
وَكَانَ يَقُولُ: هُوَ مِنْ شُيُوخِنَا.
الحديث العاشر
حديث ثابت البناني عن أنس قال رسول الله و#: (مثل أُمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير
أم آخره).
الإسناد: خرّجه أبو عيسى عن قتيبة عن حماد بن يحيى الأبح عن ثابت البناني عن أنس،
واختلف في حماد الأبح فقيل: ليس بشيء، وقال أبو عيسى: كان عبد الرحمن بن مهدي يثبت
حماد الأبح ويقول: كان من شيوخنا.
الأصول: اعترضوا على هذا الحديث فردوه لقوله تعالى: ﴿السابقون﴾ حيث وقع من
كتاب الله وبقوله: ﴿لا يستوي منكم مَن أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة﴾
[الحديد: ١٠] إلى قوله: ﴿وقاتلوا﴾، وقال ◌َله لبعض الصحابة في بعضهم وهو خالد بن الوليد
في عبد الرحمن بن عوف (لو أنفق أحدكم كل يوم مثل أُحُد ذهبًا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه)
فضلاً عن أن يستوي أول هذه الأمة وآخرها. قال ابن العربي: وقد بيًّا رواية أبي ثعلبة الخشني
(إن من ورائكم أيام الصبر للعامل فيهن أجر خمسين منكم قالوا بل منهم قال بل منكم قالوا لِمَ
يا رسول الله قال لأنكم تجدون على الخير أعوانًا وهم لا يجدون عليه أعوانًا) وقد بلغنا في
إيضاح ذلك في أقسام تفسير القرآن على التمام، وجملته الدالة على تفصيله أن الصحابة رضي الله
عنهم هم الذين أسسوا الدين وأسسوا قواعده، وعدلوا ميزانه، وأقاموا برهانه، وشدّوا أمرانه،
وألحبوا سبيله، وأطابوا مقيله، ومهدوا فراشه، وحاطوا رياشه، وأعذبوا حياضه، وأنضروا
رياضه، وأفنوا أعداءه، وأعفوا أولياءه، وشدّوا عماده، وأرسوا أوتاده، واقتعدوا هذه المراتب
بمناقب تساموا إليها واستولوا عليها، وتفاوتت درجاتهم فيها فمن سابق ولاحق وأول وآخر،
ويبعد كل البعد تساوي المبتدى مع المنتهى منهم، فما ظنك بمساواة مَن يأتي بعدهم لهم، هذا
لا يخطر ببال أحد. وإنما وجه الحديث على الاختصار أن معظم مقاصد الشريعة الأمر بالمعروف

٢٣٧
كتاب الأمثال/ باب ٧
٧ - باب مَا جَاءَ في مَثَلِ ابْنِ آدَمَ وَأَجَلِهِ وَأَمَلِهِ
[المعجم ٨٢ - التحفة ٧]
٢٨٧٠ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ. حَدَّثَنَا خَلاَّهُ بْنُ يَخْيَى. حَدَّثَنَا بَشِيرُ بْنُ
المُهَاجِرِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةً عَنْ أبِيْهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيَِِّ﴿: ((هَلْ تَدْرُونَ مَا هَذِهِ وَمّا
هذِهِ وَرَمَى بِخَصَاتَيْنِ)»؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أعْلَمُ، قَالَ: ((هذَاكَ الأَمَلُ وَهَذَاكَ الأَجَلُ)).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هذا الوَجْهِ.
والنهي عن المنكر، وحفظ القانون الذي تقوم به رياسة الدين لسياسة العالمين فرض دائم إلى يوم
القيامة، وتكثر المناكر في آخر الزمان ويقلّ المغيّرون لها، ويذهب المعروف ويعدم الداعي إليه
والآمر به، فإذا قام واحد بهذا أو مَن كان فله أضعاف ما كان للصحابة من الأخر في هذه
الخصلة وحدها، ويفضلون الخلق بسائر الخصال العظيمة التي نظامها الصحبة الكريمة، ومشاهدة
الغرّة الزاهرة، وتلقي الأخلاق الطاهرة، فهذا إن صحّ وجهه، ويشهد له قوله: (المتمسك بدينه
عند فساد الناس كالقابض على الجمر) والله أعلم. ويحتمل أن يكون المعنى أن الناظر إلى ظاهر
أول هذه الأمة وآخرها تتقارب أوصافهم وتتشابه أفعالهم لا يحكم بالتفضيل بينهم دون النظر إلى
الباطن، والأول أصح.
الحديث الحادي عشر
وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه قالت: قال النبي عليه السلام: (هل تدرون ما هذه وما هذه
ورمى بحصانين قالوا الله ورسوله أعلم قال هذاك الأمل وهذا الأجل) حسن غريب.
الإسناد: في الصحيح عن الربيع بن خثيم عن عبد الله واللفظ للبخاري قال: (خطّ النبي
عليه السلام خطًا مربعًا، وخطّ خطًّا في الوسط، وخطّ خططًا صغارًا إلى هذا الذي في الوسط
من جانبه، فقال: ((هذا الإنسان، وهذا أجله محيط به، وهذا الذي هو خارج أمله، وهذه الخطط
الصغار الأعراض، فإن أخطأه هذا نهشه هذا)، وفيه عن أنس (خطّ النبي عليه السلام خطوطًا
وقال: ((هذا الأمل وهذا الأجل)) فبينما هو كذلك إذ جاءه الخط الأقرب).
المعنى: قال ابن العربي: رحمه الله لم يتقن البخاري هذا الحديث، فإنه مهد ثلاثة معاني:
وهي الخط المربع واحد، والخط الذي في وسطه اثنان، والخطط الصغار ثلاثة، ثم قال: أُعطي
لكل ممهد مثاله، فقال: هذا الإنسان واحد، وهذا أجله محيط به اثنان، وهذا الذي هو خارج
أمله ثلاثة، وهذه الخطط الصغار الأعراض أربعة، وإنما صوابه ما رواه غيره، قال عبد الله:
(خطّ لنا رسول الله و ◌َ﴾ خطًا مربعًا وخطًا وسط الخط المربع وخط خطوطًا إلى جانب الخط
الذي في وسط المربع وخطًا خارج الخط المربع ثم قال أتدرون ما هذا قالوا الله ورسوله أعلم

٢٣٨
کتاب الأمثال/ باب ٧
٢٨٧١ - عقّثنا إِسْحَقُ بْنُ مُوسَى. حَذْثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ
عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنْ رَسُولَ اللّهِ ﴿ قَالَ: (إنَّما أجَلُكُمْ فِيمَا خَلاَ مِنَ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلاَةٍ
العَضْرِ إِلى مَغَارِبِ الشَّمْسِ وَإِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى كَرَجُلِ اسْتَعْمَلَ عُمَّالاً،
فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي إلى نِصْفِ النَّهَارِ على قِيرَاطٍ قِيرَاطِ؟ فَعَمِلَتِ الْيَهُودُ على قِيرَاطٍ
قال هذا الخط الأوسط الإنسان والخطوط التي إلى جانبه الأعراض والأعراض تنهشه من كل
مكان إن أخطأه هذا أصابه هذا والخط المربع الأجل المحيط به والخط الخارج البعيد الأمل).
وهذه صورته :
الأمل
الإنسان
1
-
وقد رُوِيَ عن أبي سعيد الخدري قال: (غرس * عودًا بين يديه وآخر إلى جانبه
وآخر بعده وقال أتدرون ما هذا قالوا الله ورسوله أعلم قال هذا الإنسان وهذا الأمل فتعاطى
الأمل فيختلجه الأجل دون الأمل) وهذه صورته: الإنسان الأمل الإنسان الأجل الأمل وهذه
صورته :
الإنسان
1
الأجل
الأمل
الحديث الثاني عشر
روى عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﴾ قال: (إنما أجلكم فيما خلا
من الأمم كما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس وإنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كرجل
استعمل عمالاً فقال مَن يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط قيراط فعملت اليهود على قيراط

٢٣٩
کتاب الأمثال/ باب ٧
قِيرَاطٍ، فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إلى العَصْرِ على قِيرَاطِ قِيرَاطٍ فَعَمِلْتٍ
النّصّارَى على قِيرَاطٍ فِيرَاطِ، ثُمَّ أَنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِنْ صَلاَةِ العَصْرِ إِلى مَغَارِبِ الشّمْسِ على
قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنٍ، فَغَضِبَتِ الَهُودُ وَالنَّصَارَى وَقَالُوا: نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَّلاً وَأَقَلُ عَطَاءَ، قَالَ:
هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقُّكُمْ شَيْئًا؟ قَالُوا: لا، قَالَ: فَإِنَّهُ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ))(١).
هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
قيراط ثم قال من يعمل لي من نصف النهار إلى العصر على قيراط قيراط فعملت النصارى على
قيراط قيراط ثم أنتم تعملون من صلاة العصر إلى مغارب الشمس على قيراطين قيراطين فغضب
اليهود والنصارى وقالوا نحن أكثر عملاً وأقل عطاء قال هل ظلمتكم من حقكم شيئًا قالوا لا قال
فإنه فضلي أُوتيه مَن أشاء) حسن صحيح.
الأصول: أخذ بعضهم من هذا الحديث تقدير الدنيا، وليس لتقديرها أصل في الدين لا
على التحقيق ولا على التخمين، لأن ذلك أمر لا يدرك بالنظر وإنما مدركه الخبر، ولا طريق إليه
على لسان بشر إلا على لسان سيدهم محمد *، وليس عنه في ذلك مسند لا صحيح ولا
ضعيف، وما يُروَى من ذلك عن الإسرائيليات مُحَرّف لا يصحّ منه حرف.
الفوائد: في أربع مسائل:
الأولى: قوله: (من صلاة العصر) يحتمل أن يريد به من أول صلاة العصر، ويحتمل أن
يريد به من آخر وقتها، وهو الظاهر، لأنه لو كان من أول الوقت لكان زمان المسلمين في العمل
أكثر من زمان النصارى، وظاهر الحديث يقتضي أن عمل النصارى أكثر، لقوله فيه: (نحن أكثر
عملاً) وكثرة العمل في الغالب تستدعي كثرة الزمان.
الثانية: قوله: (إلى مغارب الشمس) عدّده وهو واحد، وإنما أشار به والله أعلم إلى
اختلاف المغارب مع اختلاف الأزمنة، فإن وقت العصر يمتد من أوله إلى آخره في القيظ أكثر
مما يمتد في الشتاء، ويتوسط بينهما في الاعتدال، وعلى كل حال فإن نسبته على اختلافه إلى ما
مضى من اليوم واحدة، إذ مدته إنما تكون في الطول والقصر تابعة لليوم كله، فصار لكل زمان
قدر، فأشار هو إليه والله أعلم.
الثالثة: قوله في تقدير أجر اليهود (مَن يعمل على قيراط قيراط) وقال للمسلمين: (قيراطين
قيراطين) إخبار من الله عن كثرة عطائه لنا دون من قبلنا بفضله لا باستيجاب، إذ لا يجب عليه
شيء. ولذلك لما قالت اليهود والنصارى: (ما بالنا أكثر عملاً وأقل أجرًا) معناه: قال كل واحد
(١) (البخاري) الإجارة: باب الإجارة إلى العصر.

٢٤٠
كتاب الأمثال/ باب ٧
٢٨٧٢ - هقثنا الحَسَنُ بْنُ عَلِيَّ الخَلاَّلُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ قَالُوا: حَدِّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ.
أَخْبَرَنَا مَعْمَرْ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابنِ عُمَّرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لَه: ((إِنَّمَا النَّاسُ
كَإِلٍ مِائَةٍ لاَ يْجِدُ الرَّجُلُ فِيهَا رَاحِلَةٌ»(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
منهم، قال لهم سبحانه: هل ظلمتكم من حقكم؟ يعني: الذي شرطت لكم شيئًا؟ قال: لا،
قال: فذلك فضلي أُوتيه مَن أشاء.
الرابعة: قال أصحاب أبي حنيفة: إن وقت العصر لا يدخل حتى يصير ظل كل شيء مثليه
لقوله عن أهل الكتاب: (ما بالنا أكثر عملاً) وكثرة العمل تستدعي كثرة الزمان، وإن لم يكن
وقت العصر من هذا الحد كان زمان المسلمين أكثر، فيكون عملهم أكثر من عملنا، وذلك
خلاف ظاهر الحديث، فلنا عنه ثلاثة أجوبة.
قال أبو المعالي ابن الجويني: لا يتعلق في إثبات الأحكام بالأحاديث التي مساقها ضرب
الأمثال، فإن باب الأمثال مكان تجوّز وتوسّع.
قال ابن العربي: وهو وإن كان موضع تجوّز وتوسّع، فإن النبي عليه السلام لا يقول إلا
حقًّا تمثّل له وحقق. الثاني: أن قوله: (من صلاة العصر) يحتمل من أول الوقت أو آخره فلا
يقضي بأحد الاحتمالين. الثالث: أن القائل (ما بالنا أكثر عملاً) هو الطائفتان اليهود والنصارى،
فإن قيل: فكيف يكونون أقلّ أجْرًا ولهم قيراطان؟ قلنا: هذا بيِّن، فإن العملين إذا تباينا واستوى
أجْر الكثير والقليل كان صاحب الكثير أقلّ أجْرًا، والله أعلم.
الحديث الثالث عشر
الزهري عن سالم عن ابن عمر قال: قال رسول الله #: (الناس كابل مائة لا تكاد تجد
فيها راحلة أو لا تجد فيها إلا راحلة واحدة) حسن صحيح.
العارضة: إن الله خلق الخلق متفاوتين في الخلق والأخلاق متباينين في الصفات، وجعل
منها محمودًا ومذمومًا، ولم يجمع المحمود منها إلا في آحاد منه وهم المصطفون من الأنبياء
والأولياء، كما لم يجعل الأكثر من الصفات المحمودة إلا في قليل، قال الله سبحانه: ﴿إلا الذين
آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم﴾ [ص: ٢٤] فإذا نظر المرء إلى الخلق ليختار منهم من
ترضى أخلاقه ويحمد صفاته ويصلح للمقاصد الدينية والمصالح الدنياوية، لم يكد يجد في مائة
واحدًا أو إلا واحدًا على اختلاف الروايات، وقد قال حكيم في القول:
ولم أرّ أمثال الرجال تفاوتوا
إلى المجد حتى عد ألف بواحد
(١) (مسلم) فضائل الصحابة: باب قوله 198: ((الناس كإيل مائة لا تجد فيها راحلة)).