Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
كتاب الأشربة/ باب ١
وقيل: لا يشربها جزاء إنما يشربها تفضلاً بوعد آخر، وقيل: لم يشربها جزاء، ولمالك الجزاء
اقتضاؤه أو إسقاطه، وقد جاء إسقاطه في التخصيص، وسنزيده بيانًا. وعندي أن الأمر كذلك إياه
أعتقد، وبه أُشهد.
الرابعة: قال جبريل: (لو أخذت الخمر غَوَت أمتك) فهذا لم يأخذها وقد غوى مَن غوى
منها وغوى بما غوى، فكيف لو أخذها لم يبق منهم إلا غاو إلى غاو. والحكمة في جعل الخمر
دليلاً على الغيّ ما فيها من الشرّ، فإنه جرم ضار لا نفع معه، وقد قررنا ذلك في كتاب
الأحكام، ومتعلق الغي منه تأثيره في العقل الذي هو نور الهدى وآلة الرشد، ألا ترى إلى حمزة
لمّا زال عقله بها قال للنبي عليه السلام: هل أنتم إلا عبيد لآبائي، فجعل النبي عبدًا لكافر،
وهذا قول إذٌّ، وحديث إلى الكفر ممتد. وعذره النبي عليه السلام فيه لزوال عقله بما كان مُباحًا
حينئذ، ولو كان زوال العقل بمحرم لما عذره، ولهذا اعتبرنا أقوال السكران وأفعاله ورتبنا عليها
أحكامها لما زال عقله بمعصية.
الخامسة: قوله: (لو أخذت الماء غرقت أُمتك) بعني بما يحدث الله فيه من النماء
والزيادة، كما أحدث النماء في اللبن ما لم يكن في قدره وصفته.
السادسة: قوله: (يستحلّ ناس من أمتي الحر والحرير والخمر والمعازف) يحتمل أن يكون
قوله: (يستحلون الحر) وما ذكر معه حقيقة يعتقدون ذلك حلالاً، ويحتمل أن يكون مجازًا،
تقديره: يسترسلون فيه استرسال العبد في الحلال كأنه حلال، وقد سمعنا ذلك فيما تقدم ورأيناه
فیمن عاصرنا.
السابعة: وضع العلم يكون بوجهين: أحدهما: بإذهابه بذهاب يأتي بيانه في حديث
عبد الله بن عمرو، وقد يكون وضعه بإهانة أهله إذا لم يتقوا الله فيه، فيستعملهم البارىء
للأشرار ويجعلهم من أتباع الفجار، وذلك إذا ركنوا إليهم وسألوهم دنياهم وطعموا معهم
حلواهم.
الثامنة: قوله: (ويمسخ آخرين قردة وخنازير) فيه قولان: أحدهما يردّ صورهم كما فعل"
بالأمم قبلهم. الثاني: أنه يرة أخلاقهم أخلاق القردة والخنازير كقوله: (أما يخشى الذي يرفع
رأسه قبل الإمام أن يحوّل الله صورته صورة حمار).
التاسعة: تأول قدامة بن مظعون تأويلاً خالف النص فكان ساقطًا، وتأويلاً يخالف الإجماع
فلم يلتفت أحد إليه، فصار هذا أصلاً في إبطال هذين البابين.
العاشرة: قوله: (يسمّونها بغير اسمها) والحديث الصحيح كما قدّمنا فيه: (يستحلون
الخمر)» مطلقًا، وفي رواية: ((يسمّونها بغير اسمها))، يريد: يغيّرون صفتها، ويعدلون اسمها ويبقى

٤٢
كتاب الأشربة/ باب ١
معناها، وهذا أصل في أن الأحكام إنما تتعلق بمعاني الأسماء لا بألقابها ردًا على الجامدية على
الألفاظ، وقد بيًّا تفصيل ذلك في أصول الفقه.
الحادية عشرة. فإن قيل: فقد قلتم إنه إذا مات مَن يشرب الخمر غير تائب أن الله يجوز أن
يعفو له، فقوله: (ويسقى من طينة الخبال) قطع بدخوله النار وعقوبته فيها. قلنا: معناه يسقى من
طينة الخبال إن لم يغفر الله له، كما بيّنّاه في كتاب الوعيد، وذلك بقوله: (إن الله لا يغفر أن
يُشْرَك به ويغفر ما دون ذلك لمَن يشاء﴾ [النساء: ١١٦] فهذه هي الآية الحكيمة التي ترجع إليها
كل مشيئة.
الثانية عشرة: قوله: (لم تقبل له صلاة أربعين يومًا) بهذا وأمثاله تعلقت الصوفية في قولها
إنه يبقى البدن أربعين يومًا لا يطعم ولا يشرب، لاجتزائه بما تقدم من غذائه لهذه المدة بما
يقتضيه فضله وتوجبه منزلته، وقالت الغالية منهم: إن موسى لمّا تعلق باله بلقاء الله نسي نفسه
واشتغل بربه، فلم يخطر له طعام ولا شراب على بال. قال ابن العربي: وإن ذلك على الله غير
عزيز، لو كان يرد به خبر، وإلا فتعيين الجائزات من غير خبر من الله تعذّ على دينه. وأصحابنا
يقولون: إذا رضع جدي خنزيرًا يحبس أربعين يومًا ويؤكل، ولعلهم أنبطوا هذا من حديث الخمر
المتقدم الذكر، وهذا إسراف في الزهد.
الثالثة عشرة: قوله: (فإن عاد بعد التوبة الثالثة لم تُقبّل توبته) وهذا مما لم يثبت ولا
يُعَوّل عليه، فإن الله قد مدّ التوبة إلى المعاينة عند الموت، وثبت الخبر والإجماع على
قبولها قطعًا إلى ذلك الحدّ، فهذا الخبر وأمثاله لا يلتفت إليه. وقد قال العلماء من
العابدين: إن نكث التوبة دائمًا والاستخفاف بحقها مرة بعد مرة يورث القلب قسوة ربما لم
يقدر المرء على تليينها عند الخاتمة، وقد ضعف الحويل ووقع في البدن التبديل واشتغل بما
یری من التهاويل.
الرابعة عشرة: رُوِيَ عن عمر لما نزل تحريم الخمر قال عمر: اللَّهُمَّ بيّن لنا في الخمر بيانًا
شافيّا فنزلت ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيها إثم كبير﴾ [البقرة: ٢١٩] قال: فدعا عمر
فقرئت عليه، فقال: اللَّهِمَّ بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا فنزلت الآية التي في النساء ﴿لا تقربوا
الصلاة﴾ [النساء: ٤٣] فدعا عمر فقُرِئت عليه فقال: اللَّهمَّ بيْن لنا في الخمر بيانًا شافيًا فنزلت
﴿فهل أنتم منتهون﴾ [المائدة: ٩١] قال: انتهينا، والصواب ما رواه أبو عيسى أن عمر قال:
اللَّهِمَّ بيِّن لنا في الخمر بيان شفاء، فنزلت الآية الأولى حسب الحديث الأول، فأما قوله في
حديث أبي داود لما نزل تحريم الخمر قال عمر: اللَّهمَّ بيانًا، فكلام مختل المعنى، لأنه يقتضي
أن يكون هنالك تحريم قبل نزول هذه الآية ولم يكن، ولم يرووا في هذا الحديث أن صلاة
أربعين صباحًا تقابل شرب الخمر في التعويض عنها، طاعة بمعصية، وإن جاءت التوبة مّحَت

٤٣
كتاب الأشربة/ باب ٢
٢ - باب مَا جَاءَ كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ
[المعجم ٢ - التحفة ٢]
١٨٦٣ - عقثنا الأنْصَارِيُّ. حَدَّثَنَا مَعْنٌ. حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ
أبِي سَلَمَةً عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيِّ وَ سُئِلَ عَنِ البِتْعِ فَقَالَ: ((كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ))(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
الجملة والتوبة معروضة إلى الموت مقبولة، فهو أصح من حديث (فإن تاب لم يتب الله عليه)،
فلذلك وجّهنا تأويله.
الخامسة عشرة: روى أبو داود في حديث طينة الخبال (ومن سقيه صغيرًا لا يعرف حلاله
من حرامه كان حقًّا على الله أن يسقيه من طينة الخبال) وهذا دليل على أن مّن لا يجوز له الفعل
في نفسه لا يمكن غيره منه ممن لا يخاطبه فيه، ولذلك قلنا: إن الذمّيّ لا يضيف المسلم
بالخمر وإن قلنا: إنه غير مخاطب بتحريمها عليه، وهو أصل طويل بيانه في كتب الفروع.
الأحكام: في مسائل:
الأولى: قوله: (كل مُسكِر خمر وكل مُسكِر حرام) حسن صحيح، وفيه صورة أخرى فقهية
يستدل بها أصحابنا على أصحاب أبي حنيفة، إذ يقولون: كل مُسكِر خمر وكل خمر حرام،
وذلك أن العلماء اتفقوا على أن الخمر حرام قليلها وكثيرها، واختلفوا في قليل غيرها، فجعل
علماؤنا المتفق عليه أصلاً وهي الخمر، وقالوا: إذا كانت الخمر حرامًا وكل مُسكِر خمر فكل
مُسكِر حرام. وهذا لازم دليلاً عقليًّا وشرعيًّا، أن الخمر في جملة المُسكِر أو الخمر، إذ كان
نبيذًا فى الجملة.
الثانية: المتركبة عليها وجب شرعًا ولزم عقلاً أن يكون المبتدأ في الخبر الأول خبر في
المبتدأ في الجملة الثالثة، مثاله: كل مُسكِر خمر وكل خمر حرام فكل مُسكِر حرام، وهذا قطب
المسألة الذي تدور عليه. قال القوم: لا نسلم أن كل مُسكِر خمر، قلنا: الدليل عليه الأثر
والنظر، أما الأثر: فما تقدم من قول أنس: (عامّة خمرنا البسر والتمر)، وقال عمر على المنبر:
(إن من العنب لخمرًا، وإن من الزبيب لخمرًا، وإن من البرّ لخمرًا، وإن من الشعير لخمرًا،
والخمر ما خامر العقل)، وقد رواه أبو داود عن النعمان بن بشير عن النبي # 9. وفي الصحيح
وخرّجه أبو عيسى أن النبي * سُئِلَ عن البتع، وهو شراب العسل فقال: (كل شراب أسكر فهو
حرام) فأخبر عن الجنس ولم يعرج على القدر. وقد روى أبو داود وغيره أن النبي عليه السلام
(١) (البخاري) الأشربة: باب الخمر من العسل وهو البتع. (مسلم) الأشربة: باب بيان أن كل مُسْكِر
خمر وأن كل خمر حرام.

٤٤
كتاب الأشربة/ باب ٢
١٨٦٤ - هقثنا عُبَيْدُ بْنُ أَسْبَاطِ بْنٍ مُحمَّدٍ القُرّشِيُّ الْكُوفِيُّ، وَأَبُو سَعِيدِ الأشْجُ
قَالاَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إذرِيسَ عَنْ مُحمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَّمَةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ:
سَمِعْتُ النِّّ ﴾ِ يَقُولُ: ((كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ))(١).
قَالَ: وفي البّابِ عَنْ عُمْرَ وَعَلِيّ وَابْنٍ مَسْعُودٍ وَأَنَسٍ وَأَبِي سَعِيدٍ وَأْبِي مُوسَى
وَالأَشَجِّ العُصَرِيِّ وَدَيْلَمَ وَمَّيْمُونَّةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَقَيْسٍ بْنِ سَعْدٍ وَالثَّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ وَمُعَاوِيَّةَ
وَوَائِلٍ بْنِ حُجْرٍ وَقُرَّةَ المُزَنِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِغَفْلٍ وَأُمَّ سَلَمّةَ وَبُرَيْدَةً وَأَبِي هُرَيْرَةً وَعَائِشَةً.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أبي سَلَّمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنٍ
النَّبِيِّ :﴿ نَحْوُهُ وَكِلاَهُمَا صَحِيحٌ، رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةً عَنْ
أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النّبِيِّ نَّهُ نَحْوَهُ، وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ عُمَّرَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ.
قال: (الخمر من هاتين الشجرتين) يعني: النخلة والكرم، وهذا لا يعارض ما تقدم، والمقصد
به بيأن النبي عليه السلام ذلك لأهل المدينة إذ لم يكن عندهم مشروبًا إلا من هذين النوعين،
وكان عند غيرهم من كل مطعوم مما ذكر في حديث عمر، من الذرة عند قوم، ومن الأرز
عند آخرين، ولذلك قال: والخمر ما خامر العقل. فإن قيل قوله: (كل مُسكِر خمر) أراد:
مثل الخمر فحذف اختصارًا وذلك كثير، قلنا: إنما يُصار إلى ذلك للحاجة، فإن قيل: إنما
احتجنا إليه، فإن النبي و18 لم يبعث لبيان الأسماء، قلنا: بيان الأسماء من جملة الأحكام
ولا سيما لَمَن لا يعلمها، أو ليقطع تعلق المقصر بها، فإن قيل: لا حجة في إراقة الصحابة
نبيذ المدينة لأنه لم يرد أن النبي عليه السلام علم بذلك، قلنا: هذه هفوة، لا يجري مثل هذا
الحادث فلا يعلمه النبي عليه السلام في الحال ولا بعد ذلك، وقد مرّ بالديار والطرق، هذا لا
يتكلم به. جواب آخر: وذلك أنه إذا لم يكن هذا النبيذ خمرًا ونادى المنادي حُرِّمت الخمر لِمَ
أراقوا ما ليس بخمر وهم الفصح اللسن؟ فإن قيل: فقد قال ابن عمر: حُرُّمت الخمر وليس
بالمدينة منه شيء، قلنا: أراد الخمر الأهلية العامة دون ما يتبعها، كما يقال خبز لما يخبز،
والأصل البرّ أو البرّ والشعير. فإن قيل: هذا إثبات اسم بقياس، قلنا: إنما هو إثبات لغة
بلغة، فإن الصحابة عرب عرب فصح لسن، فهموا من الشرع ما فهموا من اللغة، فإن قيل:
فقد قال أبو الأسود الدؤلي:
دع الخمر يشربها الغواة فإنني
رأيت أخاها مغنيًا بمكانها
(١) (النسائي) الأشربة: باب تحريم كل شراب أسكر. وباب ذكر الأخبار التي اعتلّ بها مَن أباح شرب
السكر.

٤٥
كتاب الأشربة/ باب ٣
٣ - باب مَا جَاءَ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ
[المعجم ٣ - التحفة ٣]
١٨٦٥ - حدّثنا قُتَيْبَةُ. حَدْثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ. وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ. أخْبَرَنًا
إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ دَاوُدَ بْنِ بَكْرِ بْنِ أبِي القُرَاتِ عَنِ ابْنِ المُنْكّدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ قَالَ: (مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ» (١).
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ سَعْدٍ وَعَائِشَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرٌ وَخَوَّاتِ بْنِ جُبَيٍْ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثٍ جَاپٍِ.
١٨٦٦ - هقلنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الأعْلَى عَنِ هِشَامِ بْنِ
حَسَّانَ عَنْ مَهْدِيٌّ بْنٍ مَّيْمُونٍ. وحَدِّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ الجُمَّحِيُّ. حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ
عَيْمُونٍ، المَعْنَى وَاحِدٌ، عَنْ أبِي عُثْمَانَ الأنْصَارِيَّ عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ قالَتْ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ِ: ((كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ مَا أَسْكَرَ الفَرَقُ مِنْهُ فَمِلْءُ الكَفُّ مِنْهُ حَرَامٌ)) (٢).
قلنا: وقد قال عبيد بن الأبرص:
ـذئب يكنى أبا جعدة
هي الخمر تكنّى الطلاء كما الـ
وعنى أبو الأسود الأصلية في المنفعة والتجارة والطيب عندهم واللذّة، وجعل سائر الأنبذة
أخّا لها لعمله عملها، وأما المعاني فلا يحتاج إليها ولا نرى لأحد أن يخوض فيها، فهو أن
الخمر إنما حُرُّمت لما نبّه الله عليها من زوال العقل بشربها واسترسال العبد بمخالطتها، وهذا
المعنى موجود في كل شراب مُسكِر، وكما أن قليل الخمر لا يُسكِر، وهو محرّم كذلك غيرها
مثلها، ولا جواب عنه، فإن حرّم الله الخمر لعينها والسُّكْر من غيرها، قلنا: يعارضه (ما أسكر
کثیرہ فقليله حرام) وكلاهما لم يصح، وحديثنا أقوى قليلاً من حديثهم.
الثانية: روى أبو عيسى عن عائشة (ما أسكر الفرق فملء الكفّ منه حرام) وفي رواية
(فالحسوة منه حرام) فالفرق بكون الراء ثلاثة آصع، وقال ابن قتيبة: هو أربع وعشرون رطلاً
ويفتح الراء ستة عشر، به قال أحمد بن حنبل. والعرق بالعين وبفتح الراء خمسة عشر أو ستة
عشر صاعًا. وهو حديث، ومهدي وأبو عثمان لا يعوّل عليهما، وفي نفس الحديث ما يردّه لأن
(١) (أبو داود) الأشربة: باب النهي عن المُسْكِر. (ابن ماجه) الأشربة: باب ما أسكر كثيره فقليله حرام.
(٢) (أبو داود) الأشربة: باب ما أسكر كثيره فقليله حرام.

٤٦
كتاب الأشربة/ باب ٤
قَالَ أَبُو عِيسَى: قَالَ أَحَدُهُمَا في حَدِيثِهِ الحَسْوَةُ مِنْهُ حَرَامٌ، قَالَ: هذا حَدِيثٌ
حَسَنَّ، وَقَدْ رَوّاهُ لَيْتُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ وَالرَّبِيعُ بْنُ صَبِيحٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ الأنْصَارِيِّ نَحْوَ
رِوَايَةٍ مَهْدِيٍّ بْنِ مَّيْمُونٍ وَأَبُو عُثْمَانَ الأنْصَارِيُّ اسْمُهُ عَمْرُو بْنُ سَالِمٍ، وَيُقَالُ عُمَرُ بْنُ سَالِمٍ
أيضًا.
٤ - باب مَا جَاءَ فِي نَّبِيذِ الجَرِّ
[المعجم ٤ - التحفة ٤]
١٨٦٧ - حقثنا أحمّدُ بْنُ مَّنِيع. حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةً وَيَزِيدُ بْنُ مَارُونَ قَالاً: أَخْبَرَنًا
سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ عَنْ طَاؤُسِ أنَّ رَجُلاً أَتَى ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِلَهُ عَنْ نَبِيدٍ
الجَرِّ، فَقَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ طَاوُسٌ: وَاللَّهِ إِنِّي سَمِعْتُهُ مِنْهُ(١).
ثلاثة آصع وستة عشر رطلاً ليست في أول الإسكار ولا في آخره، فكيف يحد بها؟ والحسوة
ملء الكفّ ليس بأقل المشروب، بل نقطة أقله فلا يحدّ بها، فتهافت معناه وضعف سنده فسقط
في نفسه. وروى مسلم أن النبي # كان يشرب النبيذ ينقع له الزبيب فيشربه اليوم والغد وبعد
الغد إلى مسى الثالثة، ثم يأمر به فيُسقى أو يُراق، ورُوِيَ أنه كان يجعل له من الليل فيصبح
فيشرب يومه ذلك وليلته المستقبلة، ومن الغد حتى أمسى فشرب وسقى، فلما أصبح أمر بما بقي
منه فأُريق. قلنا: هذا صحيح سندًا ومتنًا بيِّن ظاهر، ومعنى (كان النبي عليه السلام يشرب حلوًا
فإذا تغيّر شيء من ريحه سقاء الخدم إن شاؤوه أو أراقه) وذلك قبل أن يصل إلى حدّ الإسكار.
فإن قيل: فكيف يعطي الخدم ما لا يرضى، قلنا: إذا رضوه جاز وكان خيرًا من إراقته، وكذلك
سواء من الناس يجوز ذلك له، وسوى النبيذ من الأطعمة والأشربة يجوز ذلك فيه، فإن قيل:
ففي الموطأ أن عمر أباح لأهل الشام أن يشربوا طبيخًا قد ذهب ثلثاه وبقي ثلثه وصار مثل طلاء
الإبل، وقد حدّه أبو حنيفة بذهاب الثلث، قال علماؤنا منهم محمد: ليس ذهاب الثلث أصلاً،
فإن البلاد في ذلك تختلف، وإنما المعوّل على أنه لا يُسْكِر، وذلك يختلف باختلاف الأعناب
في كثرة الماء فيها وقلتها، وقوّتها وضعفها وإنما أقتصر عمر على ما قالوا فيه إنه ذهب ثلثه لأنه
اختبره مع ذلك بيده حتى رآه أنه عسل لا ماء فيه يغيّر، فأقرّه حينئذ.
باب نبيذ الجزّ وغيرها
طاوس عن ابن عمر (نهى النبي عليه السلام عن نبيذ الجر).
(١) (مسلم) الأشربة: باب النهي عن الانتباذ في المزفت والدباء والحنتم والنقير وبيان أنه منسوخ وأنه
اليوم حلال ما لم يصر مُسكِرًا. (النسائي) الأشربة: باب ذكر الأوعية التي نهي عن الانتباذ فيها دون=

٤٧
کتاب الأشربة/ باب ٥
قَالَ: وفي البّابِ عَنِ ابْنِ أبِي أُوْفَى وَأَبِي سَعِيدٍ وَسُوَيْدٍ وَعَائِشَةً وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَابْنٍ
عَبَّاسٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ.
٥ - باب مَا جَاءَ فِي ◌َرَاهِيَةٍ
أَنْ يُتْبَذَ في الذَُّّاءِ وَالحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ
[المعجم ٥ - التحفة ٥]
١٨٦٨ - عقدنا أَبُو مُوسَى مُحمَّدُ بْنُ المُثَنَّى. حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ. حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةً قَالَ: سَمِعْتُ زَاذَانَ يَقُولُ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ عَمَّا نَهَى عَنْهُ
رَسُولُ اللَّهِ لَ﴿َ مِنَ الأَوْعِيَّةِ أَخْبِرْنَاهُ بِلُغَتِكُمْ وَفَسِّرْهُ لْنَاْ بِلُغَتِنَا، فَقَالَ: نَهَى رَسُولُ
اللَّهِ ﴿ عَنِ الحَتْتَمَّةِ وَهِيَ الجَرَّةُ، وَنَّهَى عَنِ الدُّبَّاءِ وَهِيَ القَّرَعَةُ، وَنَّهَى عَنِ النِّيرِ وَهُوَ
أَضْلُ النَّخْلِ يُنْقَرُ نَقْرًا أَوْ يُنْسَحُ نَسْحَا، وَنَهَى عَنِ الْمُزَفْتِ وَهِيَ المُقَيِّرُ، وَأَمَرَ أَنْ يُتْبَذَ
في الأسْقِيّةِ(١).
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عُمَّرَ وَعَلِيٍّ وَابْنٍ عَبَّاسٍ وَأَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةً
وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنٍ يَعْمُرَ وَسَمْرَةً وَأَنَسٍ وَعَائِشَةً وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَعَائِذٍ بْنِ عَمْرٍو
وَالحَكْمِ الغِفَارِيِّ وَمَيْمُونَةً.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
قال زادان: (سألت عمّارًا عن الذي نهى عنه رسول الله # من الأوعية أخبرناه بلغتكم،
وفسّره بلغتنا، فقال: نهى رسول الله # عن الخنتمة، وهي: الجزة، وهي: الدباء، وهي:
القرعة، وعن النقير، وهو: أصل النخل ينقر نقرًا أو ينسح نسخًا، ونهى عن المزفت، وهو:
المقير، وأمر أن ينتبذ في الأسقية).
= ما سواها مما لا تشتد أشريتها كاشتداده فيها باب النهي عن تمبيذ الجر. و(الكبرى) الوليمة: باب
نبيذ الجر.
(١) (مسلم) الأشربة: باب النهي عن الانتباذ في المزفت والدباء والحنتم والنقير وبيان أنه منسوخ وأنه
اليوم حلال ما لم يصر مُشْكِرًا. (النسائي) الأشربة: باب تفسير الأوعية.

٤٨
كتاب الأشربة/ باب ٦
٦ - باب مَا جَاءَ في الرَّخْصَةِ أَنْ يُتْبَذَ فِي الظُّرُوفِ
[المعجم ٦ - التحفة ٦]
١٨٦٩ - هذّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ وَالحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ وَمَحْمُودُ بْنُ غَيْلاَنَ قَالُوا: حَدَّثَنَا
أَبُو عَاصِم. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْتَدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةً عَنْ أَبِيهِ قالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿: ((إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ الظُرُوفِ، وَإِنَّ ظَرْفًا لاَ يُحِلُّ شَيْئًا وَلاَ يُحَرِّمُهُ،
وَكُلِّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ)»(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
١٨٧٠ - عقلنا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلاَنَ. حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدّ الحُفَرِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورٍ
عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَ عَنِ الُرُوفِ،
فَشَكَتْ إِلَيْهِ الأنْصَارُ، فَقَالُوا: لَيْسَ لَّنَا وِعَاءٌ قَالَ: ((فَلاَ إِذَنْ))(٢).
قَالَ: وفي أَلْبَابِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي سَعِيدٍ وَأْبِي هُرَيْرَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
ورُوِيّ عن سليمان بن بريدة عن أبيه أنه قال: (إني قد كنت نهيتكم عن الظروف وإن ظرفًا
لا يحلّ شيئًا ولا يحرّمه وكل مُسْكِر حرام) ورُوِيّ (أن الأنصار لمّا نهى رسول اللهِوَ﴾ عن
الظروف شكت إليه وقالوا ليس لنا وعاء قال فلا إذن) صحاح حسان.
العربية: تقول نسجت الثوب بالجيم إذا جمعت الخيوط في المرمة حتى يصير ثوبًا،
ونسحت بالحاء المهملة إذا نحت العود حتى يصير وعاءً ضابطًا لما يطرح فيه من طعام أو
شراب.
الأصول: ثبت النهي عن الانتباذ في هذه الظروف، فقيل: ذلك لعلة سرعة الإسكار
إليها، فنهى عن التذرّع بها إلى السُّكْر، ثم رخّص فيها للحاجة حين شكت إليه الأنصار
حاجتهم إلى الانتباذ فيها، وإذا نهى عن الشيء بعينه لم تؤثر فيه الحاجة، وإذا كان لمعنى في
(١) (مسلم) الجنائز: باب استئذان النبي* ربّه عزّ وجل في زيارة قبر أمه. والأضاحي: باب بيان ما
كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث في أول الإسلام وبيان نسخه وإباحته إلى متى
شاء.
(٢) (البخاري) الأشربة: باب ترخيص النبي في الأوعية والظروف بعد النهي. (أبو داود) الأشربة:
باب في الأوعية. (النسائي) الأشربة: باب الإذن في شيء منها.

٤٩
کتاب الأشربة/ باب ٧
٧ - باب مَا جَاءَ في الانْتِبَاذِ فِي السِّقَّاءِ
[المعجم ٧ - التحفة ٧]
١٨٧١ - حدثنا مُحَمِّدُ بْنُ المُثَنِى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ النَّقَفِيُّ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ
عَنِ الحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عَنْ أُمَّهِ عَنْ عَائِشَةً قَالَتْ: كُنَّا نَنْبِذُ لِرَسُولِ اللَّهِ وَه فِي سِقَاءٍ يُوكّاً في
أَعْلاَهُ لَهُ عَزْلاَءُ تَنْبِذُهُ غُدْوَةً وَيَشْرَبُّهُ عِشَاءً وَتَنْبِذُهُ عِشَاءً وَيَشْرَبُّهُ غُدْوَةٌ(١).
غيره أثّرت فيه الحاجة لارتفاع الشبهة معها، وللاختلاف في هذا الأصل توقف مالك كما يأتي
بيانه إن شاء الله.
الأحكام: في الأولى: ثبت أن النبي عليه السلام نهى عن الانتباذ في ظروف سمّاها لقوم
معينين سألوه أو أنشأ لهم القول معلّمًا، ثم ثبت النسخ وأذِنَ بالشرب في كل إناء، وعلّق النهي
بالشكر فقال: (وكل مُسكِر حرام) فلم يكن بعد ذالك معنى للنظر في ظرف بحرف، إذ الكلام
في المنسوخ عناء، وهذا فيما ثبت نسخه بلفظه لا بوقته، وبنصّه ولا بتاريخه، وإذا انتظم الناسخ
والمنسوخ في الذكر كان نصًا فيه رافعًا للخلاف معه.
الثانية: بيّن البخاري وأبو عيسى علّة النسخ بأن قالا: إن الأنصار شكت إلى النبي عليه
السلام أنهم لا يقدرون على وعاء، فرخص لهم ورفع النهي تخفيفًا عليهم ورفعًا للحرج عنهم.
الثالثة: روى أبو عيسى أنه كان للنبي عليه السلام سقاء ينتبذ له فيه يوكأ أعلاه، وفي أسفله
عرى، وهو فمه، وقد يكون منزلاً من أسفل ينتبذ له غدوة ويشربه عشية، وقد سبق من رواية
مسلم أنه كان يشرب منه يومين ويشرب منه ليلتين، وذلك والله أعلم بحسب الأهوية والأزمنة في
سرعة الغليان بزمن الحرّ والبرد.
الرابعة: اختلف العلماء في هذا اختلافًا كثيرًاً، رُوِيّ عن مالك منع ذلك، وبه قال أحمد
وإسحلق، وروى عنه إجازته الانتباذ في الظروف كلها إلا المقير والمزفت، ورُوِيّ عنه في الثالثة
أنه أجاز الانتباذ في أربع أواني: الدباء والنقير والمقير والمزفت. وقال ابن حبيب: يجوز الانتباذ
في الأواني كلها، وما روى أبو عيسى عن الحسن البصري عن أبيه عن عائشة: (كنّا نتبذ الرسول
الله ◌َ﴾ في سقائه) فقد توارد أبو عيسى وأبو داود على هذا الحديث سندًا ولفظًا، ورواه
يونس بن عبيد عن الحسن. وقد روى هذا الحديث شبيب بن عبد الملك عن مقاتل بن حيان
عن عمرة عن عائشة، كذا رويناه في كتاب أبي داود، ورويناه في تاريخ الجعفي: شبيب عن
(١) (مسلم) الأشربة: باب إباحة النبيذ الذي لم يشتد ولم يصر مُسْكِرًا. (أبو داود) الأشربة: باب في
صفة النبيذ.
عارضة الأحوذي/ ج ٨/ م ١٩

٥٠
كتاب الأشربة/ باب ٨
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ جَابِرٍ وَأَبِي سَعِيدٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثٍ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ إِلاَّ مِنْ هذا
الحَدِيثِ مِنْ غَيْرِ هذا الوَجْهِ عَنْ عَائِشَةَ أيْضًا.
٨ - باب مَا جَاءَ في الحُبُوبِ التي يُتَّخَذُ مِنْهَا الخَمْرُ
[المعجم ٨ - التحفة ٨]
١٨٧٢ - فقدنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ. حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ. حَدَّثَنَا
إبْرَاهِيمُ بْنُ مُهَاجِرٍ عَنْ عَامِرٍ الشّعْبِيِّ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴾: «إنَّ
مِنَ الحِنْطَةِ خَمْرًا، وَمِنَّ الشّعِيرِ خَمْرًا، وَمِنَ التّمْرِ خَمْرًا، وَمِنَ الزَّبِيبِ خَمْرًا، وَمِنَ العَسْلِ
خَمْرًا))(١).
قَالَ: وفي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
١٨٧٣ - هقشنا الحَسَنُ بْنُ عَلِيَّ الخَلاَّلُ. حَدْثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ عَنْ إسْرَائِيلَ نَحْوَهُ،
وَرَوَى أَبُو حَيَّانَ التَّْمِيُّ هذا الحَدِيثَ عَنِ الشّعْبِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ قَالَ: إِنَّ مِنَ
الحِنْطَةِ خَمْرًا فَذَكَرَ هذا الحَدِيثَ(١).
١٨٧٤ - حققنا بِذلِكَ أَحْمَّدُ بْنُ مَنِيع. حَدِّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إذْرِيسَ عَنْ أَبِي حَيَّانَ
التّيْمِيِّ عَنِ الشّغْبِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ: إِنْ مِنَ الحِنْطَّةِ خَمْرًا بهذا، وهذا
أُصَحُ مِنْ حَدِيثٍ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ المَدِينِيِّ: قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: لَمْ
يَكُنْ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُهَاجِرٍ بِالقَوِيِّ الحَدِيثَ، وَقَدْ رُوِيّ مِنْ غَيْرٍ وَجْهٍ أيْضًا عَنِ الشّغْبِيِّ عَنٍ
الثَّعْمَانِ بْنِ بَشِير(١).
مقاتل عن عمّته، واسمها أُم جبلة عن عائشة، ولا يصحّ من طريق. وقد روى أبو داود (وانتبذوا
في الشنان ولا تنتبذوا في القلال)، فإنه إذا تأخر عن عصره صار خلاً واشتد، وقد كان يبقى
النبيذ مدة، فإن بقيت فيه حلاوة سقاه الخدم وإلا أمر بإراقته، وكان لا يشرب إلا الحلو البارد،
(١) (أبو داود) الأشربة: باب الخمر مما هي؟ (النسائي في الكبرى) الوليمة: باب ذكر الأشربة
المحظورة. (ابن ماجه) الأشربة: باب ما يكون من الخمر.

٥١
كتاب الأشربة/ باب ٩
١٨٧٥ - حدّثنا أحمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبَارَكِ حَدْثَنَا الأوْزَاعِيُّ
وَعِكْرِمَّةُ بْنُ عَمَّارٍ قَالاَ: حَدْثَنَا أَبُو كَثِيرِ السُّحَيْمِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةً يَقُولُ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَهَ: ((الخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ النَّخْلَةُ وَالْعِنْبَةُ)(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَأبو كَثِيرِ السُّحَيْمِيَّ هُوَ العُبَرِيُّ،
وَاسْمُهُ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَانِ بْنِ غُفَيْلَةَ، وَرَوَى شُعْبَةُ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ هذا
الحدیثَ.
٩ - باب مَا جَاءَ في خَلِيطِ البُسْرِ وَالتَّمْرِ
[المعجم ٩ _ التحفة ٩]
١٨٧٦ - حدثنا قُتَيْبَةُ. حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ عَطاءِ بْنِ أَبِي رَبَّاحِ عَنْ جَابِرِ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ نَّهَى أَنْ يُنْبَذَ الْبُسْرُ وَالرُّطَبُ جَمِيعًا(٢).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وقد تقدم ذكره. رُوِيّ عن مالك أنه كره أن ينبذ في الإناء المقير، وينبذ في الزق والمقير، ولا
ينبذ في القرعة مقيرة كانت أو غير مقيرة، وهذه الروايات لا معنى لها، لأن النهي منسوخ فلا
يُعوِّل عليه.
باب الخليطين
عطاء بن أبي رباح عن جابر (أن رسول الله (# نهى عن أن ينبذ البسر والرطب جميعًا)
حسن صحيح.
(١) (مسلم) الأشربة: باب بيان أن جميع ما ينبذ، مما يتخذ من النخل والعنب يسمى خمرًا. (أبو داود)
الأشربة: باب الخمر مما هي؟ (النسائي) الأشربة: باب تأويل قول الله تعالى: ﴿ومن ثمرات النخيل
والأعناب تتخذون منه سكرًا ورزقًا حسنًا﴾. و(الكبرى) الوليمة: باب قوله جلّ ثناؤه: ﴿ومن ثمرات
النخيل والأعناب تتخذون منه سكرًا﴾. (ابن ماجه) الأشربة: باب ما يكون منه الخمر.
(٢) (مسلم) الأشربة: باب كراهة انتباذ التمر والزبيب مخلوطين. (أبو داود) الأشربة: باب في
الخليطين. (النسائي) الأشربة: باب خليط البسر والتمر. (ابن ماجه) الأشربة: باب النهي عن
الخلیطین.

٥٢
كتاب الأشربة/ باب ٩
١٨٧٧ - حدثنا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيع. حَدَّثْنَا جَرِيرٌ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ
أبِي سَعِيدٍ أنّ النَّبِيِِّ﴿ نّهَى عَنِ البُسْرِ وَالتَّمْرِ أنْ يُخْلَطَ بَيْتَهُمَا وَعَنِ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ أنْ
يُخْلَطَ بَيْنَهُمَا، وَنَهَى عَنِ الْجِرَارِ أَنْ يُنْبَذَّ فِيهَا (١).
وعن أبي نضرة المنذر بن مالك بن قطعة عن أبي سعيد الخدري (نهى عن البسر والتمر أن
يخلط بينهما وعن الزبيب والتمر أن يخلط بينهما وعن الجرار أن ينبذ فيها).
الإسناد: في البخاري عن أبي قتادة (نهى النبي عليه السلام أن يجمع بين التمر والزهو
والتمر والزبيب ولينبذ كل واحد منهما على حدة)، وهذا في الصحيح لمسلم، وفيه (نهى أن ينبذ
الزهو والرطب وفي كل حديث ولينبذ كلٌّ على حدته) وفيه عن أبي سعيد (مَن شرب النبيذ منكم
فليشربه زبيبًا فردًا أو تمرًا فردًا أو بسرًا فردًا).
الأحكام: في الأولى: حرّم الله الخمر وذلك لعلة ما يحدث عنها من السكر، وأجاز النبيذ
الحلو الذي لا يحدث عنه سكر، ونهى عن الانتباذ في الأوعية المعلومة المتقدم ذكرها، ونهى
عن خلط المنابذ المسماة، فأما النهي عن الانتياذ في الأوعية فقد ثبت النسخ فيه، وأما النهي عن
المتابذ فاختلف فيه العلماء، فقال أحمد وإسحق وأكثر أصحاب الشافعي: إن الخليطين المنبوذين
يحرم شربهما وإن لم يُشْكِرا. وقال سفيان وغيره من أهل الكوفة: يجوز شربه، واختلف علماؤنا
في التحريم والكراهة على قولين.
الثانية: واختلف أيضًا هل هذا النهي والتحريم هل يعقل معناه أو هو تعبّد محض؟ فقال
الليث: إنما نهى عنهما لأن أحدهما يشدّ الآخر، قال غيره: لأن الإسكار يسرع إليهما وهو معنى
واحد .
الثالثة: وجه التحريم مطلق النهي، فهو محمول عليه لتكرار النهي فيه، ولأنه ظاهره ووجه
النهي على الكراهة أنه لعلة معلومة، فإذا أمنت العلة زال الحكم.
الرابعة: قد روى أبو داود أن عائشة كانت تمرس للنبي عليه السلام الزبيب والتمر في الماء
فيشربه، فإن صحّ هذا فهو منسوخ لأنه معنى طارىء على الإباحة التي هي الأصل، وإن لم
يصح فلا تعويل عليه ويبقى أن يعمل في التحريم فيه .
الخامسة: الفقاع وهو الماء المنقوع فيه الخبز مع الأبزار، قال أصبغ: يجوز تحليته
بالعسل، ولا يكون من الخليطين لما فيه من الأبزار التي تمنعه من الإسكار. وقد اختلف في
(١) (مسلم) الأشربة: باب كراهة انتباذ التمر والزبيب مخلوطين. (النسائي في الكبرى) الوليمة: لعله
باب ذكر شراب الخليطين.

٥٣
كتاب الأشربة/ باب ٩
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ جَابِرٍ وَأَنَسٍ وَأَبِي قَتَادَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَمِّ سَلَّمَةَ وَمَعْبَدِ بْنِ كَعْبٍ
عَنْ أُمُّهِ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ.
قول مالك في العسل يطرح فيه العجين على المنع والجواز، فإن جاز فلأنه لا إسكار في العجين
وإنما الإسكار في القمح نفسه أو الشعير نفسه.
السادسة: لا خلاف أن العسل باللبن ليسا بخليطين، لأن أحدهما وهو اللبن لا ينتبذ.
السابعة: قال محمد بن عبد الحكم: لا يجوز خلط شرابي سُكّر كالورد والجلاب، وهذا
ضعيف، لأن النبي عليه السلام لم يَتْه عن الخليطين مطلقًا، فيجري على عمومه في كل شرابين،
وإنما نهى عن خليطين منصوص عليه، فما كان في معناه مما عسى إن لم ينص عليه فهو مثله،
وما أظنه يوجد والله أعلم.
الثامنة: ما تقدم ذكره مما نهى عن خلطه إذا قصد به صنعة الخل هل يحوز أم لا؟ فقال
مالك: يجوز، وقال محمد بن عبد الحكم: لا يجوز، وكذلك غيرهما من العلماء اختلفوا فيه،
فمَن أخذ بظاهر النهي منعه، ومَن نظر إلى معناه وهو أنه للشرب فخرج عن هذا المقصد خرج
عنده عن حدّ النهي. وتحقيق المسألة: أنه إن كانا لا يصيران خلاًّ إلاّ بعد أن يتخمّرا فلا يجوز
ذلك، وإن اتفق أن یکون منهما خل ولا يفتقر إلى مقدمة صيرورته خمرًا، فإن ذلك جائز.
التاسعة: فإن خلط فسَلِمَّ عن الإسكار فذكر علماؤنا فيه قولين، وهذا عندي لا يتصور،
لأنه على أحد وجهين إما أن يكون يصير خمرًا، وإما أن يفسد فلا يكون له مذاق ولا فيه منفعة،
فإن بقي فيه أدنى منفعة فإنه جائز استعماله كمَن جعل عصيرًا ليصير خمرًا فلم يتخمر، فإن كانت
فيه منفعة تُنوولت وإلا تركت.
العاشرة: قال مالك: أكره التربة أن يضرى بها النبيذ، وأجازه ابن القاسم وهو الصحيح،
لأنه لا إسکار فيها.
الحادية عشرة: هذا الباب عندي على أربع مراتب تجمع لك نثره: الأولى: أن يخلط بين
منصوص عليهما كالزبيب والتمر ونحوهما، فنبذهما حرام. الثانية: أن يخلط بين منصوص عليه
ومسكوت عنه، أو مسكوت عنهما، فإن كان كل واحد لانفراده مُسْكِرًا حرم قياسًا على ما نص
عليه، والأولى من هذه المرتبة أقوى من الثانية. الثالثة: إصلاح الخليطين بالدواء المانع من
الإسكار كره في المنصوص وجاز في المسكوت. الرابعة: فيما لا يسكر إذا خلط كشرابي
الطبيب والماء واللبن، ونحو ذلك هو جائز من غير شك.
مسألة: فإن أكل الخل بالنبيذ جاز، فإن نقع فيه الخبز أيامًا ثم شربه کره، وقد روینا
لسحنون كراهية خل الخليطين وغيره، ورُوِيّ عنه الجواز، وهو الصحيح.
۔

٥٤
كتاب الأشربة/ باب ١٠
١٠ - باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ الشُّرْبِ في آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ
[المعجم ١٠ - التحفة ١٠]
١٨٧٨ - هقائنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ. حَدَّثَنَا مُحَمِّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةٌ عَنِ الحَكْمِ
قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى يُحَدِّثُ أنَّ حُذَيْفَةَ اسْتَسْقَى فَأَتَاهُ إِنْسَانٌ بِإِنَاءٍ مِنْ فِضَّةٍ فَرَمَاهُ بِهِ
وَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ قَدْ نَهَيْتُهُ فَأَبَّى أَنْ يَنْتَهِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ نَهَى عَنِ الشَّرْبِ فِي آنِيَةِ الفِضَّةِ
وَالذَّهَبِ وَلُبْسِ الحَرِيرِ وَالدِّيَّاجِ وَقَالَ: ((هِيَ لَّهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الآخِرَةِ)(١) .
باب الشرب في آنية الذهب والفضة
ذكر حديث الحكم بن أبي ليلى أن حذيفة حدثه (أن رسول الله وَ* نهى عن الشرب في
آنية الفضة والذهب ولبس الحرير والديباج وقال هي لهم في الدنيا ولكم في الآخرة) حسن
صحيح.
الإسناد: أصل هذا الباب حديث مالك عن أم سلمة (الذي يشرب في آنية الفضة إنما
يجرجر في بطنه نار جهنم)، وفي مسلم من طريق ابن مسهر (الذي يشرب أو يأكل في آنية
الفضة والذهب فإنه يجرجر في بطنه نارًا من جهنم)، وقال مسلم عن البراء (مَن شرب فيها في
الدنيا لم يشرب فيها في الآخرة)، وفي مسلم عن حذيفة (لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا
تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا (من طريق أخرى منه) ولكم في الآخرة).
العربية: قوله: (جرجر) حقيقته الصوت، فهو يُروى برفع نار ونصبها، وقوله: (نار جهنم)
مجاز يعبر به عن عقاب الفعل فسُمّي باسم الفعل، فإنّ شرب الماء في الإناء المذكور يوجب
النار إن عوقب، فكأنه صوت الماء صوت النار، وإن كان جرجر صب كما قال بعضهم فهو
مثله، أي: إنما يصبّ في جوفه النار. واستشهد أبو عبيد بقول الشاعر:
جرجر في حنجرة كالجبّ
وهو إذا جرجر بعد العبّ
والشاهد الصحيح قول أبي كبشة:
إذا ساقه العود النباطي جرجرًا
وقوله: جرجر في هذا المنظوم يحتمل الصوت والصب، والصوت فيه أصله ثم يعبّر به
عن الصب، لأنه الذي ينشأ عنه.
(١) (البخاري) اللباس: باب لبس الحرير للرجال وقدر ما يجوز منه. (مسلم) اللباس والزينة: باب
تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء وخاتم الذهب والحرير على الرجل وإباحته
للنساء وإباحة العلم ونحوه للرجل ما لم يزد على أربعة أصابع.

٥٥
كتاب الأشربة/ باب ١٠
قَالَ: وفي الْبَابِ عَنْ أُمَّ سَلَمَةَ وَالبَرَاءِ وَعَائِشَةٌ.
-ـ
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
الأصول: في مسألتين: إحداهما: قال: (مَن شرب بها في الدنيا لم يشرب بها في الآخرة)
كقوله في الخمر: (مَن شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها لم يشربها في الآخرة) كذلك هذا
معناه إذا لم يتب منه على التفصيل المتقدم.
الثانية: قال النبي عليه السلام: (جنتان آنيتهما وما فيهما من ذهب، وجنتان آنيتهما وما
فيهما من فضة) فإذا لبس الذهب والفضة والحرير وأكل في آنية الذهب والفضة لم يدخل الجنة
إلا أن يتوب، فإن مَن حاول في الذهب والفضة والحرير الأكل والشرب واللباس فليس له في
الجنة على هذا الوعيد مستمتع، إذ ليس له فيه إلا ما أخبر أنه لا يناله، فيحمل الحديث على ما
يحمل عليه آيات الوعيد من أن ذلك مخصوص في شخص دون شخص، أو حال دون حال،
وقد توضحتم ذلك منّا في كتاب المشكلين على التمام، ومَن لم يره فلينظره في ذلك.
الأحكام: في مسائل:
الأولى: يحتمل أن يكون النهي عن الأكل والشرب في ذلك عبادة، ويحتمل أن يكون
معلّلاً بالشرب، وعلى أيّ الوجهين من شرب في قصد النظر لم يلزم الانتفاع بآنية الذهب
والفضة في غير الأكل والشرب المنصوص عليهما من تدهن أو تطيب أو بخور، لقوله: (هي
لهم في الدنيا ولنا في الآخرة)، فجعلها دارين ومنفعتين وفريقين، وعيّن لكل فريق في كل دار
منفعة.
الثالثة (١): إذا ثبت هذا، فما يصنع من الياقوت واللؤلؤ والمرجان لا يجوز استعمالها فيما
يمنع فيه استعمال الذهب والفضة، لأن ذلك أعلى من الذهب وأغلى فيكون تحريمه من باب
الأولى.
الرابعة (٢): إذا ثبت هذا فلا يجوز اتخاذ الأواني، لأن ما لا منفعة في صورته إلا فيما
يحرم لم تكن لها حرمة، فلا قيمة لها إن كسرت، ولا ضمان ولا تقويم فيها في زكاة، وغير
ذلك هراء في هراء.
الخامسة (٣): إذا وصلت الآنية بذهب أو فضة في تشعيب أو تضبيب لم يمنع ذلك من
استعمالها، لأنه تبع فلا يجري عليه حكم المقصود، وقال الشافعي: لا يستعمل الإناء المضبب
بالفضة. وقال لي بعضهم عن أبي حنيفة: إن كان تضبيبه في موضع الشرب لم يجز، وإن كان
(١) هي الثانية في الترتيب.
(٣) هي الرابعة في الترتيب.
(٢) هي الثالثة في الترتيب.

٥٦
كتاب الأشربة/ باب ١١
١١ - باب مَا جَاءَ في النَّهْي عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا
[المعجم ١١ - التحفة ١١]
١٨٧٩ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ أبِي عَدِيٌّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ
قَتَادَةً عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيِّ ◌َهُ نَهَى أَنْ يَشْرَبَ الرَّجُلُ قَائِمًا فَقِيلَ: الأكْلُ؟ قَالَ: «ذَاكَ
أشر)) (١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ.
في غيره جاز، والتضبيب عندهم التطويق. وفي الصحيح: أن أنسًا أخرج قدح النبي عليه السلام
وفيه صدع مسلسل بفضة من نضار، وقال أنس: لقد سقيت في هذا القدح رسول الله (8*، وقال
ابن سيرين إنه كان فيه حلقة من حديد، فأراد أنس أن يجعل مكانه حلقة من ذهب أو فضة،
فقال له أبو طلحة: لا تغيّر شيئًا صنعه رسول الله ﴾، فتركه. وكان محمله برّة من فضة.
السادسة(٢): حمل الشافعي في أول قوليه النهي عن ذلك على التنزيه، لما في ذلك من
التشبّه بالأعاجم. وفي الصحيح عن أم سلمة ما تقدم من أن الذي يأكل ويشرب إنما يجرجر في
بطنه نار جهنم، نص في تحريم ذلك لهذا الوعيد الشديد. ذكر الأكل فيه علي بن مسهر، عن
عبيد الله، عن نافع، عن زيد بن عبيد الله بن عمر، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر
الصديق، عن أم سلمة.
السابعة(٣): سواء في هذا الحكم الرجال والنساء، لأن الإذن إنما وقع في التحلّي خاصة،
وبقي التحريم في سوى ذلك.
الثامنة(٤): وأما اتخاذها فجملة المذهب على جوازه إذ حكموا بالقيمة على متلفه. وقال
بعض الشافعية: يحوز تزيين المجالس بها، وعندي أن اتخاذها يحرم ولا قيمة لصوغها لأنه لا
منفعة فيها، فلا قذر لصورتها. وقد بيّتّاها في مسائل الفقه، والله أعلم.
باب شرب الرجل وهو قائم
ذكر حديث قتادة عن أنس أن النبي عليه السلام (نهى عن الشرب قائمًا فقال فالأكل قال
ذلك أشر) صحيح.
(١) (مسلم) الأشربة: باب كراهية الشرب قائمًا. (ابن ماجه) الأشربة: باب الشرب قائمًا.
(٣) هي السادسة في الترتيب.
(٢) هي الخامسة في الترتيب.
(٤) هي السابعة في الترتيب.

٥٧
كتاب الأشربة/ باب ١٢
١٨٨٠ - هذثنا أبُوِ السَّائِبِ سَلْمُ بْنُ جُنَادَةٌ الكُوفِيُّ. حَدْثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاتٍ عَنْ
عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَّرَ عَنْ نَافِعِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنَّا تَأْكُلُ على عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ﴾﴿ وَنَحْنُ
نَمْشِي، وَنَشْرَبُ وَتَحْنُ قِيَامٌ(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثٍ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ
عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَرَوَى عِمْرَانُ بْنُ جَرِيرٍ هذا الحَدِيثَ عَنْ أَبِي الْيُرَزِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبُو
الیُرَزِيِّ اسْمُهُ يَزِيدُ بْنُ عَطَارِدٍ.
١٨٨١ - حدثنا حُمَّيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ. حَدَّثْنَا خَالِدُ بْنُ الحَرِثِ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةً عَنْ
أبِي مُسْلِمٍ عَنِ الجَارُودِ بْنِ المُعَلَّى أَنَّ النَّبِيِّ وََّ نَهَى عَنِ الشّرْبِ قَائِمًا.
قَالَ: وفي البّابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةً وَأَنَسٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ حَسَنٌ، وهكذا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ هذا الحَدِيثَ عَنْ
سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةً عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ عَنِ الجَارُودِ عَنِ النَّبِيِّ لَهُ، وَرُوِيّ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشّخَيرِ عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ عَنِ الجَارُودِ أَنَّ النَّبِيِّ وَّهِ قَالَ: ((ضَالَّةُ المُسْلِمِ حَرْقُ
النّار))، وَالجَارُودُ هُوَ ابْنُ المُعَلَّى الْعَبْدِيُّ صَاحِبُ النَّبِيِّ نَ، وَيُقَالُ الجَارُودُ بْنُ العَلاَءِ
أيْضًا. وَالصَّحِيحُ ابْنُ المُعَلَّى.
١٢ - باب مَا جَاءَ في الرُّخْصَةِ في الشُّرْبِ قَائِمًا
[المعجم ١٢ - التحفة ١٢]
١٨٨٢ - حقثنا أحمَدُ بْنُ مَنِيع. حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ. حَدْثَنَا عَاصِمٌ الأخْوَلُ وَمُغِيرَةُ عَنٍ
الشّغْبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيِّ ◌َ﴿ِ شْرِبَ مِنْ زَمْزَمَ وَهُوّ قَائِمٌ(٢) .
قَالَ: وفي البّابِ عَنْ عَلِيّ وَسَعْدٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَعَائِشَةً.
وذكر حديث نافع عن ابن عمر أنه قال: (كنّا نأكل ونحن نمشي ونشرب ونحن قيام).
وذكر عن الشعبي عن ابن عباس (أن النبي عليه السلام شرب من زمزم وهو قائم) صحّ الصحيح،
(١) (ابن ماجه) الأطعمة: باب الأكل قائمًا.
(٢) (البخاري) الحج: باب ما جاء في زمزم، والأشربة: باب الشرب قائمًا. (مسلم) الأشربة: باب في
الشرب من زمزم قائمًا.

٥٨
كتاب الأشربة/ باب ١٢
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
١٨٨٣ - حقئنا قُتَيْبَةُ. حَدَّثَنَا مُحَمِّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ حُسَيْنِ المُعَلِّمِ عَنْ عَمْرِو بْنِ
شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ يَشْرَبُ قَائِمًا وَقَاعِدًا.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وذكر حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال: (رأيت النبي ﴿﴿ يشرب قائمًا وقاعدًا).
الإسناد: وذكر مسلم أن القائل بالأكل قتادة لأنس، فقال له: ذلك أشرّ وأخبث. وذُكِرَ عن
أبي سعيد أن النبي عليه السلام (زجر عن الشرب قائمًا) وعن أبي هريرة (لا يشربنّ أحدكم
قائمًا، فمَن نسي فليستقىء)، زاد مسلم: ((فمَن نسي فليستقىء)) وزاد فإنه(١).
الأحكام: في الأولى: هذا نهي من قوله وجواز من فعله، وقد اختلف العلماء إذا تعارض
قول النبي عليه السلام وفعله على ثلاثة أقوال، قيل: يقدّم القول لأنه عام، وقيل: يقدّم الفعل
لأنه أقوى، وقيل: يسقطان ويطلب دليل آخر ولا تُبالي عرفت المقدم منهما والمتأخر، وتحقيق
بيانه في كتب الأصول.
الثانية: قالت طائفة: لا تعارض بين القول والفعل، لأن الفعل يقف عليه ولا صيغة له،
قلنا: هو أحال على فعله كما أحال على قوله، قال: (صلّوا كما رأيتموني أُصلّي)»، و«خذوا عني
مناسككم»، وقال: ((هلأ أخبرتيها أني أفعل ذلك» وغضب على مَن قال: لسنا مثل رسول
الله له، يحلّ الله لرسوله ما شاء.
الثالثة: قال الأخيار: النهي عن الشرب قائمًا ليس بنهي تشرع، وإنما هو نهي تطبب، وهو
يدخل في الشريعة على وجه ما، ويقصد ما، وذلك أنه يستحسن الشرب قاعدًا لأنه أمكن
للاستمراء، وأهناً لصب الماء، وأهدى في الاستقداء، وأبعد من الدّاء، وذلك بيِّن عند النظر،
وما يكون طريقة المنفعة للبدن لا يعد من مُبينات الشرع المختصّة به.
الرابعة: للمرء ثمانية أحوال: قائم، ماشٍ، مستند، رائع، ساجد، متكىء، قاعد،
مضطجع. كلها يتأتى الشرب فيها، وأهنؤها القعود، وأكثرها استعمالاً القعود والقيام، فنهى النبي
عليه السلام عنه قائمًا لما فيه من الاستعجال المؤذي للبدن، وجعله قاعدًا لأنه أهنأ وأسلم.
الخامسة: وأما شربه قائمًا فقال أهل الفطانة: إنه كانت حال ضرورة، إذ فعله في زمزم،
وهو موضع زحام لا يمكن فيه الجلوس إلا على صورة، ونادر أولاً لكل أحد أو أراد أن يبيّن
الجواز.
(١) هكذا بالأصل.

٥٩
كتاب الأشربة/ باب ١٣
١٣ - باب مَا جَاءَ فِي التَّنَفْسِ في الإنَاءِ
[المعجم ١٣ - التحفة ١٣]
١٨٨٤ - حدّثنا قُتَيْبَةُ وَيُوسُفُ بْنُ حَمَّادٍ قَالا: حَدَّثْنَا عَبْدُ الوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي
عِصَامٍ عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكِ أنَّ النَّبِيِّ ◌َ﴿ كَانَ يَتَنَفِّسُ في الإنَاءِ ثَلاَثًا وَيَقُولُ: ((هُوَ أَمْرَأْ .
وَأَزْوَىّ»(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَرَوَاهُ هِشَامٌ الدِّسْتَوَائِيُّ عَنْ أَبِي عِصَامٍ عَنْ
أَنَسٍ، وَرَوَى عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ عَنْ ثُمَامَةً عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََِّ كَانَ يَتَنَفْسُ فِي الإِنَاءِ ثَلَاثًا.
حَذَّثَنَا بِذَلِكَ مُحمّدُ بْنُ بَشَارٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ. حَذَّثَنَا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ
الأنْصَارِيُّ عَنْ ثُمَّامَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ أنَّ النَّبيِّ نَّهَ كَانَ يَتَنَفِّسُ في الإِنَاءِ ثَلاثًا.
قَالَ: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ.
١٨٨٥ - حدثنا أَبُو كُرَيْبٍ. حَدِّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ سِئَانِ الجَزَرِيِّ عَنِ ابْنٍ
لِعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((لاَ تَشْرَبُوا وَاحِدًا
السادسة: رُوِيّ أنه شرب بعرفة وهو قائم على بعيره، وهذا لا حجة فيه، لأن المرء على
بعيره قاعد غير قائم.
السابعة: يترجح حديث الجواز على حديث المنع من وجوه: الأول: أن الخلفاء عملوا
بالشرب قائمًا. الثاني: ثبوت الجواز في حجة الوداع وهو من آخر فعله، ويحتمل أن يكون النهي
قبله أو بعده فسقط. الثالث: يحتمل أن يكون النهي تحريمًا أو تأديبًا، مسألة كبيرة في الأصول،
فاشرب قاعدًا تأدّبًا، واعلم جوازه قائمًا، والله أعلم.
التنفس في الإناء
ذكر حديث أبي عصام واسمه خالد بن عبيد عن أنس عن النبي عليه السلام (كان يتنفس
في الإناء ثلاثًا ويقول هو أهنا وأمرأ)، وكذلك عن ثمامة عن أنس (أنه كان يتنفس ثلاثًا). وذكر
(عن ابن لعطاء بن أبي رباح عن أبيه عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَ﴾: لا تشربوا واحدًا
(١) (مسلم) الأشربة: باب كراهة النفس في نفس الإناء واستحباب التنفس ثلاثًا خارج الإناء. (أبو داود)
الأشربة: باب في الساقي متى يشرب. (النسائي في الكبرى) الوليمة.

٦٠
كتاب الأشربة/ باب ١٤
كَشُرْبٍ البَعِيرِ، وَلكِنِ اشْرَبُوا مَثْنَى وَثُلاَثَ، وَسَمُوا إِذَا أَنْتُمْ شَرِئْتُمْ، وَاحْمَدُوا إذا أُنْتُمْ
رَفَعْتُمْ)).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَيَزِيدُ بْنُ سِنَانِ الجَزَرِيُّ هُوَ أَبُو فَرْوَةً
الرماوِيُّ.
١٤ - باب مَا ذُكِرَ مِنَ الشُّرْبِ بِنَفَسَيْنِ
[المعجم ١٤ - التحفة ١٤]
١٨٨٦ - حدثنا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَم. حَدَّثْتَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ رِشْدِينَ بْنِ كُرَيْبٍ عَنْ
أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيِّ ◌ِ﴿َ كَانَ إِذَا شَرِبٌ تَنَفْسَ مَرْتَيْنِ (١).
كشرب البعير ولكن اشربوا مثنى وثلاث وسموا إذا شربتم واحمدوا إذا أنتم رفعتم) هذا حديث
غريب، وذكر حديث رشدين بن كريب (عن ابن عباس أن النبي عليه السلام كان إذا شرب تنفس
مرتين)، قال البخاري: رشدين بن كريب عنده مناكير.
الإسناد: ذكر أبو عيسى في باب بعده (إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء)، وزاد في
حديث أنس (فإنه أروى وأمراً وأبرأ) وزاد فيه (أن النبي عليه السلام كان يتنفس في الإناء ثلاثة).
العربية: الهناء خلوص الشيء من النصب والنكد، والاستمراء الملاءمة للذّة، وقوله: (أبرأ)
يعني أسلم من الدّاء على المعنى الذي بيتّه من قبل في الشراب قائمًا وقاعدًا.
الأحكام: النهي عن التنفس في الإناء نهي أدب بلا خلاف، لأن الماء بلطفه يقبل اللعاب
السائل من الفم، والنكهة المتغيّرة فيتغيّر من ساعته، فلا يقدم هو على شربه فإن اقتحمه لم يقدر
غيره عليه.
الثانية: الأمر بقطع الشرب إضرار أيضًا لأنه ألذّ وأبرأ للمعدة.
الثالثة: نهى عن التنفس وكان هو يتنفس، فقيل: معناه يتنفس في الإناء، أي: لا يعمه
بالشرب في نفس واحد، ولكنه يقطعه، وقيل: كان يتنفس فيه لأن ريقه كان ألذّ من الماء وأعطر
من المسك، فعدمت العلة التي نهى غيره عن ذلك لأجلها.
الرابعة: كان نهى عن النفخ في الشراب لمثل هذه العلة، ولم يصح، فإن كان حارًّا صبر
إلى أن يبرد، وإن كان قذاة أزالها بخلال، أو أمال القدح حتى تسقط، أو أبدل الماء إن استطاع.
(١) (ابن ماجه) الأشربة: باب الشرب بثلاثة أنفاس.