Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
کتاب الجهاد/ باب ٢٢
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
المسيب أنه قال: ليس برهان الخيل بأس إذا دخل فيه محلّل، فإن سبق أخذ السبق وإن سبق لم
يكن عليه شيء. وقاله مالك وهو الأول، وأنكر ذلك ولم يعرف المحلل وهو الثاني، ولكن
يجعل أحدهما السبق فمّن سبق أخذه. الثالث إن دخل بينهما محلّل جاز أن يجعل السبق كل
واحد منهما ولا يجعل المحلّل شيئًا، وبذلك سُمِّي محلّلاً، وفي ذلك للعلماء تفصيل طويل
وكيفية بيانها في كتب الفقه، ويسابق بالإبل، فقد رُوِيّ أن العضباء سابق بها، وأنها سبقت فقال
النبي : ((حقٌّ على الله أن لا يرفع شيئًا من الدنيا إلا وضعه))، خرّجه جماعة، والسبق بالرمي
جائز، قال مالك: وبالخيل أفضل، والذي عندي أن محاولة الخيل ليس بأفضل من محاولة
الرمي، ولكن لم يُرو في الرمي حديث. أخبرنا أبو الحسين الأزدي، أخبرناالطبري، أخبرنا
الدارقطني، حدّثنا محمد بن نوح الجنديسابوري، وأبو بكر الأزرق يوسف بن يعقوب بن
إسحاق بن البهلول، قال: حدّثنا حميد بن الربيع، حدّثنا معن بن عيسى، حدّثنا مالك بن أنس،
عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: كانت ناقة رسول الله القصواء
لا تدفع في سباق إلا سبقت، قال سعيد بن المسيب: فجاء رجل يسابقها فسبقها، فوجد الناس
من ذلك أن سبقت ناقة رسول الله # وبلغ ذلك النبي ولا، فقال: ((إن الناس لم يرفعوا شيئًا من
الدنيا إلا وضعه الله))، وطرقه كثيرة، وفي بعضها: العضباء. أخبرنا المبارك، أخبرنا طاهر،
أخبرنا علي بن عمر، حدّثنا أحمد بن محمد بن زيد القطار، أخبرنا الحسن بن شبيب
المعمري، قال: سمعت محمد بن صدران السلمي، يقول: حدّثنا عبد الله بن ميمون المرئي،
أخبرنا عوف، عن الحسن، أو: خلاس عن عليّ، شك ميمون أن النبي و18 قال لعليّ: ((يا علي
قد جعلت إليك هذه السبقة بين الناس))، فخرج عليّ فدعا سراقة بن مالك فقال: يا سراقة قد
جعلت إليك ما جعل النبي عليه السلام في عنقي من هذه السبقة في عنقك، فإذا أتيت الميطار،
قال أبو عبد الرحمن: الميطار مرسلها من الغاية، فصفْ الخيل ثم ناد هل من مصل للجام، أو
حامل لغلام، أو طارح لحبل؟ فإذا لم يجبك أحد فكبّر ثلاثًا ثم خلها عند الثالثة يسعد الله بسبقه
مَن شاء من خلقه، وكان عليّ يقعد عند منتهى الغاية ويخطّ خطًا يقيم رجلين متقابلين عند طرف
الخط طرفه بين إبهامي أرجلهما، وتمرّ الخيل بين الرجلين، ويقول لهما: إذ خرج أحد الفرسين
على صاحبه بطرف أُذنه أو أُذُن أو عذار فاجعلوا السبقة له، فإن شككتم فاجعلوا سبقهما نصفين،
فإذا قرنتم ثنيتين فاجعلوا الغاية من غاية أصغر الثنيتين، ولا جلب ولا جنب ولا شغار في
الإسلام. قال ابن العربي: جعل على السبق بالإذن صحيح، كنت في بني مرداس ببلاد العرب
فذكروا شجعانهم وفرسانهم فقالوا: ما بين نصر بن خالد وثعلبة بن مرداس، ففضلوا ثعلبة لأن
رمحه كان يزيد على رمح نصر بأصبع، فقلت لهم: وما مقدار أصبع، قال: إذا تطاعنا سبق
أحدهما الآخر بذلك الزائد، فصرعه قبل أن يأخذ الآخر، وأما ذكر المحلّل فقد روى سعيد بن
المسيب عن أبي هريرة ما أخبرناه أبو بكر محمد بن الوليد: أخبرنا أبو علي التستري، أخبرنا

١٤٢
كتاب الجهاد/ باب ٢٣
٢٣ - باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ أَنْ تُتْزَى الحُمُرُ على الخَيْلِ
[المعجم ٢٣ - التحفة ٤٩]
١٧٠١ - حقثنا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمٌ، حَذَّثَنَا أَبُو جَهْضَمِ
مُوسَى بْنُ سَالِم، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ
اللَّهِ وَّ عَبْدًا مَأَمُورًا مَا اخْتَصَّنَا دُونَ النَّاسِ بِشَيْءٍ إِلاَّ بِثَلاَثٍ: أمَرَنَا أنْ نُسْبِغَ الوُضُوءَ، وَأنْ
لاَ تَأْكُلَ الصَّدَقَةَ، وَأَنْ لاَ تُنْزِي حِمَارًا على فَرَسٍ(١).
الهاشمي، أخبرنا اللؤلؤي، أخبرنا السجستاني، أخبرنا مسدد، أخبرنا حصين بن نمير، أخبرنا
سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: مَن أدخل فرسًا بين
فرسين وهو آمن أن يسبق فهو قمار، وهذا التفصيل يفتقر إلى نظر طويل، لأنه ليس في الخبر منه
شيء وإنما هو معنى يدرك بالنظر فلا يمكن في هذه.
العارضة: المختار في السبق إذا جعل أحد المتسابقين السبق، فإذا جاء سابقًا أخذ سبقه
الناس فأكلوه من حضر، وإن سبق أخذه السابق، وإن كانت خيلاً كثيرة فسبق فخرج السبق أخذه
المصلّي، وقد قال مالك: إذا سبق مخرج السبق أخذ سبقه، وإن سبق أخذه الناس، وبه أقوال،
فإن المسألة مستثناة من القمار فهذا قمار جائز، والله أعلم.
تكملة: قد تقدم حديث: ((لا جلب ولا جنب"، والجلبة في العربية هي الأصوات المتصلة
المرتفعة، نهوا أن يستعينوا بها في السباق، وإنما أذِنَ في الضرب والركض والحثّ بالأشايير
والمهاميز، والجنب أن يحمل معه فرسًا مفردًا حتى إذا أحسّ من الذي يركب فتورًا ركب غيره،
فهذا كله غير جائز، وله معانٍ أُخَر بيانها في موضعها.
باب كراهية أن تنزى الحُمُر على الخيل
ذكر حديث ابن عباس صحيحًا في أمر النبي عليه السلام لهم خاصة أن لا تنزى الحُمُر
على الخيل، لأنه قطع لنسل الجنس الذي يقع به النصر، وتجلب به الغنائم، ويكون به الكرّ
والفرّ، وبه الهيبة على العدو والجيف، وإن كان فيه منفعة الحمل ولكنه حظ من الزينة، فكان
لأجل ذلك مكروهًا ولم يكن حرامًا. وقد روى أبو داود عن عليّ أنه قال للنبي عليه السلام: لو
حملنا الحُمُر على الخيل؟ فقال رسول الله *: ((إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون)) مختصرًا، لما
(١) (أبو داود) الصلاة: باب قدر القراءة في صلاة الظهر والعصر. (النسائي) الطهارة: باب الأمر بإسباغ
الوضوء والخيل: باب التشديد في حمل الحمير على الخيل. (ابن ماجه) الطهارة وسُننها: باب ما
جاء في إسباغ الوضوء. يذكر إسباغ الوضوء فقط.

١٤٣
كتاب الجهاد/ باب ٢٤
-
قَالَ أَبُو عِيسَى: وفي البَابِ عَنْ عَلِيٍّ، وهذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَرَوَى سُفْيَانُ
الثّوْرِيُّ هذا عَنْ أَبِي جَهْضَمٍ فَقَالَ: عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
قَالَ: وَسَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَقُولُ: حَدِيثُ الثَّوْرِيّ غِيْرُ مَّحْفُوظٍ وَوَهِمَ فِيهِ الثّوْرِيُّ: وَالصَّحِيحُ مَا
رَوَى إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ وَعَبْدُ الوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي جَهْضَمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
٢٤ - باب مَا جَاءَ في الاِسْتِفْتَاحِ بِصَعَالِيكِ المُسْلِمِينَ
[المعجم ٢٤ - التحفة ٥٠]
١٧٠٢ - هقتنا أحمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ مُوسَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبَارَكِ قَالَ:
أُخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَرْطَاةَ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُقَيْرٍ، عَنْ أبي
الدِّزْدَاءِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيِّ ◌َ ﴿ يَقُولُ: ((أَبْغُونِي ضُعَفَاءَكُمْ فَإِنَّمَا تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ
بِضُعَفَائِكُمْ))(١).
=
-
قدّمنا من فوات المعاني التي نتهنا عليها، فإن قيل: فلِمَ رَكِبّ النبي عليه السلام البغلة في حضره
وسفره وغزوه؟ وكيف أخذ الناقص الذي لم يره لغيره؟ أجاب عن هذا بعضهم: بأن النهي لم
يصح، فإن الله قد امتنّ بها وعظم النعمة فيها ومدحها بالحمولة والزينة، وهذا يدلّ على أنها
ليست بمكروهة وقلنا: إنما خصّ النبي عليه السلام بالنهي عن ذلك بعضًا دون بعض، وقال
لعلي: ((إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون)): وجه الكمال والأولى، وهذا وإن كان أنقص ففيه
منفعة، ولا بدّ لعمارة الزمان من كمال قضاء الله فيها من فعل الخلق الناقص والكمال، فيعرف
بنقصه ويصرف في طاعة الله كالدنيا، وقد قال بعضهم: إن النبي عليه السلام إنما نهى عن حمل
الحُمُر على الخيل، وأما حمل الخيل على الحُمُر فهو أخف، وهذه جهالة والله أعلم، وأحكم
من ذلك والتضمير هو التجويع حتى يجفّ البطن بعد الشبع، وقد قيل إن التضمير هو إطعام
اللحم وسقي اللبن في أيام التضمير والسبق بإسكان الباء وبفتحها: اسم الشيء الذي يجعل
للسابق والنصل، ويقال فيه: نصل، والنصال هو المرماة بالسهام.
باب الاستفتاح بصعاليك المهاجرين
ذكر قوله فيها: (ابغوني في ضعفائكم فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم) صحيح. قال
(١) (أبو داود) الجهاد: باب في الانتصار برذل الخيل والضعفة. (النسائي) الجهاد: باب الاستنصار
بالضعيف.

١٤٤
كتاب الجهاد/ باب ٢٥
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
٢٥ - باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَّةِ الأجْرَاسِ على الخَيْلِ
[المعجم ٢٥ - التحفة ٥١ ]
١٧٠٣ - حدّثْنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِعَلِ قَالَ: ((لاَ تَصْحَبُ المَلائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا كَلْبٌ وَلاَ
(١)
جَرَسٌ))(١).
ابن العربي: من حكمة الله العظمى أنه أمر بالعدّة للعدو وأخذه بالقوة، وأخبر أن النصر بعد
ذلك يكون بالضعفاء ليعلم الخلق فيما أمروا به من الاستعداد، وقدر العبادة من النظر في
العادة، وليرجعوا إلى الحقيقة وأن النصر من عند الله يلقيه على يد الأضعف، فالاستعداد
للعبادة والعلم بجهة النصر في الضعيف للتوحيد، وأن الأمر كله لله عادة، وحقيقة يديرها كيف
أخبر.
باب كراهية الأجراس على الخيل
ذكر حديث أبي هريرة (لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب ولا جرس) صحيح حسن.
العارضة: قد رُوِيّ أن أبا بشر الأنصاري واسمه قيس بن عبيد روى أن النبي عليه السلام
أرسل في بعض أسفاره يقول: ((لا تبقين في عنق بعير قلادة من وتد أو قلادة إلا قطعت))، رواه
مالك وغيره. وهذه المعاليق فيها كلام طويل، مختصره أن مَن علّق في عنق دابته علاقة فلا
يخلو أن يقصد بها الجمال أو يقصد بها دفع المضرّة من عين أو غيره، فإن قصد بذلك الجمال
لم يكن عليه في ذلك حرج إذا كان في ذلك غير مضر بالدابّة، فقد رُوِيّ أن النبي عليه السلام
إنما أمر بقطع الأوتار لئلا تُختَق عند عَذوها، فإن كانت متّسعة لم يمنع من ذلك على هذا، أو
لئلا يتعلق بشجرة، فلو كانت من غير وتد بحيث إن تعلقت بشيء قطعته لم يمنع أيضًا، وإن كان
إنما علّقها من العين فقد قالوا: إن ذلك لا ينبغي ولا يجوز تعليق شيء على جهة التقية قبل
نزول المرض، وقيل: لا يجوز بعد نزول المرض. [و] في جامع ابن وهب عن الحسن: قال
رسول الله *: ((مَن تعلّق شيئًا وُكُّل إليه)). قال ابن العربي: الذي يصحّ من هذا أن النبي ◌َله
كان يرفي قبل نزول البلاء ويأمر بالاستعاذة تقية أن ينزل، وكان لا يعلّق شيئًا ولا يأمر به، فإن
علّقه على نفسه من أسماء الله يعني الصريحة فذلك جائز، لأن مّن وكّل إلى أسماء الله فقد أخذ
الله بيده، وأما الأجراس فلا تجوز بحال لأنها أصوات الباطل وشِعار الكفر، وأما صحبته فكان
(١) (مسلم) اللباس والزينة: باب كراهة الكلب والجرس في السفر.

١٤٥
کتاب الجهاد/ باب ٢٦
قَالَ أَبُو عِيسَى: وفي البَابِ، عَنْ عُمَرَ وَعَائِشَةَ وَأُمّ حَبِيبَةَ وَأُمُّ سَلّمَةَ، وهذا حَدِيثٌ
حَسَنٌ صَحِيحٌ.
٢٦ - باب مَا جَاءَ مَنْ يُسْتَعْمَلُ على الخَرْبِ
[المعجم ٢٦ - التحفة ٥٢]
١٧٠٤ - حقّدها عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبي زِيَادٍ. حَدَّثَنَا الأَخْوَصُ بْنُ الجَوَّابِ أَبُو الجَوَّابِ،
عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحْقَ، عَنْ أبي إسْحَقٌّ عَنِ البَرَاءِ أَنَّ النَّبِيِّ ◌َ﴿ بَعَثَ جَيْشَيْنٍ وَأَمَّرّ
على أحَدِهِمَا عَلِيَّ بْنَ أبِي طَالِبٍ وعلى الآخَرِ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ فَقَالَ: إِذا كَانَ القِتَالُ فَعَلِيٍّ،
قَالَ: فَافْتَتَحَ عَلِيَّ حِصْنَا فَأَخَذَ مِنْهُ جَارِيَّةً، فَكَتَبَ مَعِي خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ إلَى النَّبِيِّ ﴿﴿ يَشِي
بِهِ، فَقَدِمْتُ على النَّبِيِّ ◌َِ فَقْرَأَ الكِتَابَ فَتَغَيِّرَ لَوْنُهُ ثُمَّ قَالَ: مَا تَرَى فِي رَجُلٍ يُحِبُّ اللّهَ
ذلك عند النهي عن اتخاذها، فإن احتيج إليها جاز ذلك ولم يمنع من صحبتها. وقد رُوِيَ عن
أبي وهب الجشمي واسمه (١) وكانت له صحبة أنه قال: قال رسول الله #: ((قلّدوا الخيل، ولا
تقلّدوها الأوتار)»، فقيل: لشدتها فتخاف مضرّتها وغيرها لا مضرّة فيه، وقيل: لا تطلبوا عليه وتر
الجاهلية، وهو تأويل بعید.
باب مَن يستعمل على الحرب
ذكر حديث عليّ في إرساله مع خالد وأخذه للجارية.
والعارضة: فيه أنه يجوز للإمام أن يبعث جيشين مشتركين على كل واحد أمير ويردّ الأمر
عند الحاجة إلى أحدهما، كما رد النبي عليه السلام الحال عند القتال إلى عليّ. وأما أخذ عليّ
الجارية من الخمس فذلك للعامل، لأن الإمام لما قدّمه نفذ حكمه، وإذا كان الخمس له أخذه
والنظر فيه، جاز له أن يقطع تحت يده حقه من ذلك، فأخذ على الجارية بحق القربى التي
أوجبت له السهم في الخمس، وأنكر خالد أن يأخذ ذلك لنفسه حتى أعلمه النبي # أن ذلك
جائز، وانظروا إلى حكم رسول الله #، فإن عليًّا اتخذ الجارية على ابنته فلم ينكر ذلك ولا
غار له، ولما أراد أن يتزوج بنت أبي جهل قال: ((والله لا تجتمع بنت رسول الله وينت عدو الله
عند رجل واحد أبدًا» وذلك بغضًا لأبي جهل، ولئلا تسامي فاطمة وهي بنت مَن كان يسامي
رسول الله 185، فقطع الله هذه العلاقة بالحق الذي هو حكمه، ولما بلغ البراء ذلك إلى رسول
(١) لم يذكر اسمه في الإصابة والاستيعاب واقتصرا على كنيته.
عارضة الأحرضي/ ج ٧/ ٢ ١٠

١٤٦
کتاب الجهاد/ باب ٢٧
وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟ قَالَ: قُلْتُ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ غَضّبِ اللَّهِ وَغَضَبٍ رَسُولِهِ، وإِنَّمَا
أَنَا رَسُولٌ فَسَكَتَ(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: وفي البَابِ. عَنِ ابْنِ عُمَّرَ، وهذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لاَ نَغْرِفُهُ إِلاَّ
مِنْ حَدِيثِ الأخْوَصِ بْنِ جَوَّابٍ: قَوْلُهُ يَشِي بِهِ يَعْنِي النَّمِيمَةَ.
٢٧ - باب مَا جَاءَ في الإمَامِ
[المعجم ٢٧ - التحفة ٥٣]
١٧٠٥ - عقدنا قُتَِّيَةُ. حَدَّثَنَا اللَّيْتُ عَنْ نَافِعِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ :﴿ قَال: ((ألاَ
كُلْكُمْ رَاعْ وَكُلْكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالأَمِيرُ الَّذِيّ على النَّاسِ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ،
وَالرَّجُلُ رَاعٍ على أهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مُسْؤُولٌ عَنْهُمْ، وَالمَرْأةُ رَاعِيَةٌ عَلى بَيْتِ بَعْلِهَا وَهِيَّ
مَسْؤُولَةٌ عَنْهُ وَالعَبْدُ رَاعٍ على مَّالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْهُ، أَلاَ فَكُلُكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ
عَنْ رَعِيَّتِهِ (٢).
الله * ورأى غضبه قال: (أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله) وهذا كقول النبي عليه
السلام في سجوده: ((أعوذ بك منك))، وإنما يستعاذ بالله من الله، لأن الأمر كله لله، وقوله:
(إنما أنا رسول) دليل سكوت النبي عليه السلام أن الرسول لا حرج عليه في تبليغ ما يكره إذا
احتمل أن يكون ذلك الخبر بما يفتقر إلى النظر، لا أن يكون باطلاً محضًا ومضرّة خالصة، فإنه
لا يجوز تبليغه بحال، ويعاقب مُبلغه بحسب ما يظهر.
باب ما جاء في الإمام
ذكر حديث ابن عمر (كلكم راعٍ ومسؤول عن رعيته فالإمام راعٍ على الناس وهو مسؤول
عنهم) هذا حديث صحيح متفق عليه.
الأصول: فيه أن الله لمّا خلق الخلق أخيافًا، يتقاطعون تدابرًا واختلافًا، ويتناحرون على
الحطام ألفافًا، فصبّ لهم الوالي حاجزًا وأقامه فاصلاً وجعله حائطًا مُراعيًا، يعدل في القضية
ويرعى بالسّوِيّة ويسير بالسيرة الرضيّة، وذلك قوله: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾
(١) سيأتي ذكره في المناقب: الباب الثامن من أبواب مناقب علي بن أبي طالب رضي الله عنه تحت رقم
(٣٧٢٣).
(٢) (مسلم) الإمارة: باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر والحثّ على الرفق بالرعية والنهي عن
إدخال المشقّة عليهم.

١٤٧
كتاب الجهاد/ باب ٢٧
قَالَ أَبُو عِيسَى: وفي البَابِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَسٍ وَأَبِي مُوسَى، وَحَدِيثُ أبِي
مُوسَى غَيْرُ مَحْفُوظٍ وَحَدِيثُ أَنَسٍ غَيْرُ مَحْفُوظٍ وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحْ
قَالَ: حَكَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشّارِ الرَّمَادِيُّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةً عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ أبي
بُرْدَةَ عَنْ أَبِي بُرْدَةً عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النّبِيِّ ◌َ﴿َ، أَخْبَرَنِي بِذلِكَ ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ: وَرَوَى غَيْرُ
وَاحِدٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةً عَنِ النَّبِيِِّ﴿ مُرْسَلاً وهذا أَصَحُ. قَالَ مُحَمَّدٌ:
[البقرة: ٣٠] وقوله: ﴿يا داود إنّا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق﴾
[ص: ٢٦] أي خليفة بعد مَن تقدّمك من الأنبياء، لأن الخليفة الأول في الأرض كان آدم،
وقيل إن قوله: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ يريد بعد من تقدّمك من الأمم، ولم يثبت
شيء من ذلك فلا تعوّلوا عليه، وإنما هو خليفة لله، لأن الأمر والحكم له فخلفه وأجرى على
يديه ما شاء من تدبيره، وسمّاه بما أجرى على يديه من ذلك خليفة، وجعله إمامًا لذريّته
يقتدون به، قال النبي عليه السلام: ((كلكم راع، فالإمام راع)، فبدأ به لأنه الأول وعمّاله منه،
ثم ((الرجل راع في أهله)) يعينهم ويقيمهم علىّ الطاعة بالأمر والنهي والأدب والزجر، قال الله
تعالى: هويا أيها الذين آمنوا قُوا أنفسكم وأهليكم نارٌ﴾ [التحريم: ٦] يعني يأمرهم بطاعة الله
ويجبرهم عليها من زوجة وولد وعبد، حتى قال بعضهم: إنه يقيم الحدّ على مملوكه من هذا
الحديث، وليس بصحيح، لأنه لو أعطته قوة اللفظ هذا في العبد لأعطته في الزوجة والولد،
ولكن العبد ثبت ذلك فيه بحديث، ودليله الذي يأتي بيانه في موضعه، والمرأة راعية في بيت
زوجها)) تحفظ متاعه وصيانة ما يحوي بيته وتدبير نفقته وترتيب معاشه ورم خلله وتربية بنيه،
وفي صحيح البخاري: ((والمرأة راعية في بيت زوجها وولده)). وفي الصحيح واللفظ للبخاري
عن أبي هريرة، قال رسول الله : ((خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريش، أحناه على
ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده»، وتعلق بها قوم في أنها إذا سرقت من ماله
لا تقطع، وهذا صحيح، فيما جعله في يدها لأنها ليست بسارقة وإنما هي خائنة، لا همّ إن
فيما أحرزه عنها، فإن العلماء اختلفوا فيه. صلّيت يومًا الجمعة في روضة من رياض الجنة،
وإلى جنبي شيخنا الإمام عبد الرحمن السمنكاني الخراساني، ورد علينا حاجًا عظيم من عظماء
الشافعية فتذاكرت معه قطع الزوجة بسرقة مال الزوج، فقال لي: استدل على بعض الحنفية فيها
بأن قال لي إن الزوجية توجب بينهما اتحادًا وبعضية، بدليل حلّ الوطء واختلاط الماءين
ووجود الولد، وذلك يُخرجها عن حكم الأجنبية فتكون كأنها سرقت مالها، فقلت له: إن هذا
الاتحاد والاختلاط والبعضية لم يؤثّر في محله وهو البدن، حتى لو قطع يدها لقطعت يده،
فإذا لم ينتصب النكاح شبهة في محله وهو البدن، فأولى أن لا ينتصب شبهة في المال.
والعبد راعٍ في مال سيده لأنه يلزمه نصحه في جميعه ما جعل ذلك في يده وما لم يجعله عليه
حفظه، والنظر بالمصالح فيه، قال النبي عليه السلام: ((ثلاثة يؤتون أجّرهم مرتين)) فذكر عبدًا

١٤٨
کتاب الجهاد/ باب ٢٨
وَرَوَّى إِسْتَحْقُ بْنُ إِبْرَاهِيمٌ عَنْ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَِّيِّ ◌َ﴾:
(إِنَّ اللَّهِ سَائِلٌ كُلِّ رَاعٍ عَمَّا اسْتَرْعَاهُ)، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَقُولُ هذا غَيْرُ مَحْفُوظٍ، وَإِنَّمَا
الصَّحِيحُ عَنْ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أَبِهِ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الحَسَنِ عَنِ النَّبِيِّ لَّ مُرْسَلاً.
٢٨ - بلب مَا جَاءَ في طَاعَةِ الإمَامِ
[المعجم ٢٨ - التحفة ٥٤]
١٧٠٦ - عقدنا مُحَمِّدُ بْنِ يَخْيَى النَّيْسَابُورِيُّ، حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا
يُونِسُ بْنُ أَبِي إِسْحَقَ عَنِ العَيْزَارِ بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ أُمَّ الحُصَيْنِ الأخْمَسِيَّةِ قَالَتْ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللَّهِ ﴾﴿ يَخْطُبُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ قَدِ الْتَفْعَ بِهِ مِنْ تَحْتِ إِبْطِهِ قَالَتْ: فَأَنَا
أَنْظُرُ إِلى عَضَلَةِ عَضُدِهِ تَرْتَجُ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ أُمْرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ
حَبّشِيٍّ مُجَدَّعْ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا مَا أَقَامَ لَكُمْ كِتَابَ اللَّهَ)(١).
أذى حق الله وحق مواليه، زاد البخاري: ((والابن راع في مال أبيه وهو مسؤول عنه) وهي
زيادة مليحة صحّت واللفظ للبخاري، قال في الحديث: ((والرجل راع في مال أبيه))، فإن كان
بنون فالمراد والرجل راع في مال ولده فهو الأصل، لأن النظر إليه في بدنه يبط ويشق في
جسده فماله أولى أن ينظّر فيه، ويكون الحكم إليه في تصريفه، وإن كان بياء معجمة باثنتين
. من تحتها فإنه لحقيق بذلك، لأن ماله إليه ونفقته فيه، وهو جزء منه، قال النبي عليه السلام:
((إن من أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبها.
نكتة: لما كان الرجل راعيًا لكل مّن في بيته كان عليهم الرجوع إلى قوله فيما ينقل إليهم
من الشرائع ويخبرهم به عن الدين، وفي ذلك آثار كثيرة بيانها في الكتاب الكبير.
باب في طاعة الإمام
ذكر حديث أم الحصين الأحمسية (قالت سمعت رسول الله 858* يخطب في حجة الوداع
وعليه بُزد وقد التفع به من تحت إبطه قالت فأنا أنظر إلى عضلة عضده ترتج سمعته يقول يا أيها
الناس اتقوا ربكم وإن أَمْرَ عليكم عبد حبشي مجدع فاسمعوا له وأطيعوا ما أقام لكم كتاب الله)
حسن صحيح.
(١) (مسلم) الحج: باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا وبيان قوله وله: ((لتأخذوا مناسككم))
عن زيد بن أبي حارثة عن يحيى بن حصين عن جذّته أم الحصين.

١٤٩
کتاب الجهاد/ باب ٢٩ و٣٠
قَالَ أَبُو عِيسَى: وفي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً وَعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةً، وهذا حَدِيثٌ حَسَنٌ
صَحِيحٌ، وَقَدْ رُوِيّ مِن غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أَمِّ حُصَيْنٍ.
٢٩ - باب مَا جَاءَ لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الخَالِقِ
[المعجم ٢٩ - التحفة ٥٥]
١٧٠٧ - حدّثنا قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَّرَ عَنْ نَافِعِ عَنِ ابْنِ عُمَرٌ
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَه: ((السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ على المَرْءِ المُسْلِمِ فِيمَا أَحَبِّ وَكَرِهَ مَا لَمْ
يُؤْمِّرْ بِمَعْصِيَّةٍ، فَإِنْ أَمِرَ بِمَعَصِيَةٍ فَلاَ سَمْعَ عَلَيْهِ وَلاَ طَاعَةً»(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: وفي البّابِ عَنْ عَلِيَّ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَالحَكْمِ بْنِ عَمْرٍو
وَالغِفَارِيّ، وهذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
٣٠ - باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ التَّخرِیشِ
بَيْنَ البَهَائِمِ وَالضَّرْبِ وَالوَسْم في الوَجْهِ
[المعجم ٣٠ - التحفة ٥٦]
١٧٠٨ - حدثنا أبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ عَنْ قُطْبَةَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ عَنِ
الأعْمَشِ عَنْ أَبِي يَحتّى عَن مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ﴾ْ عَنِ التَّحْرِيشِ
(٢)
بَيْنَ الْبَهَائِمِ (٢).
١٧٠٩ - حدثنا مُحمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيّانَ عَنٍ
الأعْمَشِ عَنْ أَبِي يَخْيَى عَنْ مُجَاهِدٍ أنّ النّبِيِّ وَهِ نَّهِى عَنِ الَّحْرِيشِ بَيْنَ البَهَائِمِ، وَلَمْ
يَذْكُرْ فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَيُقَالُ هذا أَصَحُ مِن حَدِيثٍ قُطْبَةً. وَرَوَى شَرِيكُ هذا الْحَدِيثَ
عَنِ الأعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ نَحْوَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ أَبِي
يَخْبَى، حَدَّثَنَا بِذَلِكَ أَبُو كُرَيْبٍ عَنْ يَحْيِىُ بْنِ آدَمَ عَنْ شَرِيكٍ. وَرَوَى أَبُو مُعَاوِيَّةً عَنٍ
(١) (مسلم) الإمارة: باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية. (النسائي في
الكبرى) السِّيّر: باب الطاعة في المعروف. (ابن ماجه) الجهاد: باب لا طاعة في معصية الله.
(٢) (أبو داود) الجهاد: باب في التحريش بين البهائم.

١٥٠
كتاب الجهاد/ باب ٣١
الأعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿﴿ نَحْوَهُ وَأَبُو يَخْيَى هُوَ العَتَّاتُ الكُوفِيُّ، وَيُقَالُ اسْمُهُ
زَاذَانٌ(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: وفي البَابِ عَنْ طَلْحَةً وَجَابِرٍ وَأْبِي سَعِيدٍ وَعِكْرَاسٍ بْنِ ذُؤَيْبٍ.
- باب كراهية الوسم في الوجه والضرب
[المعجم ٣١ - التحفة تابع ٥٦]
١٧١٠ - حدثنا أحمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عْبَادَةً عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ
عَنْ جَابِرِ أنّ التِّّ ◌َِ﴿ِ نَّهَى عَنِ الوَسْمِ في الوَجْهِ (٢) .
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَجِيحٌ.
٣١ - باب مَا جَاءَ في حَدِّ بُلُوغ الرَّجُلِ وَمَتَّى يُفْرَضُ لَهُ
[المعجم ٣٢ - التحفة ٥٧]
١٧١١ - حقثنا مُحمَّدُ بْنُ الوَزِيرِ الوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ يُوسُفَ الأزْرَقُ عَنْ
سُفْيَانَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: عُرِضْتُ على رَسُولِ اللَّهِ﴾ في
جَيْشٍ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ فَلَمْ يَقْبَلْنِيْ ثُمَّ ◌ُرِضْتُ عَلَيْهِ مِنْ قَابِلٍ فِي جَيْشٍ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ
عَشْرَةَ فَقَبِلَنِي، قال نَافِعٌ: فَحَدَّثْتُ بهذا الحَدِيثِ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ، فَقَالَ: هذا حَدَّ مَا
بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ، ثُمَّ كَتَبَ أنْ يُفْرَضَ لِمَنْ بَلَغَ الخَمْسَةَ عَشْرَةَ. حَدَّثَنَا ابْنُ أبِي عُمَرٌ،
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةً عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ نَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ إلا أنَّهُ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ:
هذا حَدُّ مَا بَيْنَ الذَّرِّيَّةِ وَالمُقَاتِلَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ كَتَبَ أنْ يُفْرَضَ(٣).
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ إِسْحَقَ بْنِ يُوسُفَ حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثٍ
سُفْيّانَ الثّوْرِيِّ.
(١) انظر ما قبله.
(٢) (مسلم) اللباس والزينة: باب النهي عن ضرب الحيوان في وجهه ووسمه فيه.
(٣) مرّ في الأحكام: باب ما جاء في حدّ بلوغ الرجل والمرأة.

١٥١
كتاب الجهاد/ باب ٣٢ و ٣٣
٣٢ - باب مَا جَاءَ فِيمَنْ يُسْتَشْهَدُ وَعَلَيْهِ دَیْنٌ
[المعجم ٣٣ - التحفة ٥٨]
١٧١٢ - حقثنا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أبِي سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ أنَّهُ سَمِعَهُ يُحَدْثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلِ أَنَّهُ قَامَ فِيهِمْ،
فَذَكَرَ لَهُمْ أنَّ الجِهَادَ في سَبِيلِ اللَّهِ وَالإِيمَانَ بِاللَّهِ أَفْضَلُ الأعْمَالِ، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ أَرَأيْتَ إِنْ قُتِلْتُ في سَبيلِ اللَّهِ يُكَفِّرُ عَنِي خَطَايَايَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ عِل:
((ثَعَمْ إِنْ قُتِلْتَ في سَبِيلِ اللَّهِ وَأَنْتَ صابِرٌ مُحْتَسِبٌ مُقْبِلٌ غَيْرُ مُذْبِرٍ))، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ ﴾: (كَيْفَ قُلْتَ))؟ قُلْتُ: أَرَأيْتَ إِنْ قُتِلْتُ في سَبِيلِ اللَّهِ، أَيُكَفْرُ عَنْي خَطَايَايَ؟
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((نَعَمْ وَأَنْتَ صَابِرٌ مُخْتَسِبٌ مُقْبِلٌ غَيْرُ مُذْبِرٍ إِلاَّ الدِّيْنَ فَإِنَّ جِبْرِيلَ
قَالَ لِي ذلِكَ))(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: وفي البّابِ عَنْ أَنَسٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ جَخْشٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وهذا حَدِيثٌ
حَسَنْ صَحِيحٌ. وَرَوَى بَعْضُهُمْ هذا الحَدِيثَ عَنْ سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً عَنٍ
النَّبِيِِّ﴿ نّخْوَ هذا. وَرَوَى يَحْيِى بْنُ سَعِيدِ الأنْصَارِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، هذا عَنْ سَعِيدٍ
المَقْبُرِيّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ، وهذا أُصَحُ مِنْ حَدِيثٍ سَعِيدٍ
المَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً.
٣٣ - باب مَا جَاءَ فِي دَقْنِ الشُّهَدَاءِ
[المعجم ٣٤ _ التحفة ٥٩]
١٧١٣ - حدثنا أَزْهَرُ بْنُ مَرْوَانَ البَصْرِيُّ، حَدِّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ
أيُوبَ عَنْ حُمّيْدٍ بْنِ هِلاَلٍ عَنْ أَبِي الدَّهْمَاءِ عَنْ هِشَامٍ بْنِ عَامٍِ قَالَ: شُكِيَ إلى رَسُولِ
باب دفن الشهداء
ذكر حديثًا حسنًا صحيحًا عن أبي الدهماء قرفة بن بهيس عن هشام بن عامر قال: (شكي
(١) (مسلم) الإمارة: باب مَن قتل في سبيل الله كفّرت خطاياه إلا الدِّين. (النسائي) الجهاد: باب مَن
قاتل في سبيل الله تعالی وعليه دين.

١٥٢
کتاب الجهاد/ باب ٣٤
اللّهِ ﴿ه الجِرَاحَاتُ يَوْمَ أُحُدٍ فَقَال: ((أحْفِرُوا وَأُوْسِعُوا وَأَحْسِنُوا وَادْفِنُوا الإِثْنَيْنِ وَالثّلاثَةَ في
قَبْرٍ وَاحِدٍ وَقَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا»، فَمَاتَ أَبِي فَقُدِّمَ بَيْنَ يَدَيْ رَجُلَيْنِ (١).
قَالَ آبُو عِيسَى: وفي البّابِ عَنْ خَبَّابِ وَجَابِرٍ وَأَنَسٍ، وهذا خَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَرَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ هذا الحَدِيثَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلاَلٍ عَنْ هِشَامٍ بْنِ
عَامِرٍ وَأَبُو الدَّهْمَاءِ اسْمُهُ قِرْفَةُ بْنُ بُهَيْسٍ أَوْ بَيْهَسٍ.
٣٤ - باب مَا جَاءَ في المَشُورَةِ
[المعجم ٣٥ - التحفة ٦٠]
١٧١٤ - حقثنا هَنَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً عَنِ الأعْمَشِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةً عَنْ أَبِي
إلى النبي و8 الجراحات يوم أُحُد فقال احفروا وأوسعوا وأحسنوا وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر
وقدموا أکثرهم قرآنًا فمات أبي فقدم بين يدي رجلين).
العارضة: الدفن فرض، وإنما جمعوا لكثرتهم وضعف الناس عن القيام بهم من تعب
الحرب وكثرة الجراح، وهكذا يفعل متى كانت ضرورة، وليس منها هذه الضرورات التي تحدث
في سني المجاعات والوباء، فيكثر موت الناس، فإن ذلك لا يجوز جمعهم في قبر، فإن الخلق
أكثر منهم والفرض متوجّه عليهم في غسلهم وكفنهم وحملهم ودفنهم، ولكنهم فرّطوا والله
الموعد وإنما قدّم إلى القِبلة أكثرهم قرآنا، لأنه كان علامة العلم حينئذ، ومنه يؤم القوم أقرؤهم
لكتاب الله، يعني: أعلمهم بكتاب الله ودينه، وإن كان لا يقيم حروفه، وكان في ذلك اليوم قد
جاءت عمّة جابر لتأخذ أخاما أباه لتدفنه في مقابرنا، فنادى منادي رسول الله 38: ردّوا القتلى
إلى مضاجعها، كذلك ذكره أبو عيسى صحيحًا. قال جابر عن أبيه في الصحيح: فكان أول
قتيل، فكفّن أبي وعمي في نمرة واحدة، وفي رواية: ودفنت معه رجلاً آخر في قبره، ثم لم
تطب نفسي أن أتركه مع آخر، فاستخرجته بعد ستة أشهر فإذا هو كيوم وضعته غير هنية عند
أذنه، يعني: تصغير هنة، وهو تغيّر يسير كان عند الأَذَّن، فجعلته في قبر على حِدَة، وهذا الفعل
يدلّ على جواز إخراج الميت من القبر إذا لم يتغيّر، لأنه فعله بحضرة النبي عليه السلام ولم
ینکر عليه.
باب ما جاء في المشورة
ذكر حديث أبي عبيدة عن أبيه عبد الله بن مسعود حسنًا، إذ لم يسمع منه، قال:
(١) (أبو داود) الجنائز: باب في تعميق القبر. (النسائي) الجنائز: باب دفن الجماعة في القبر الواحد.
(ابن ماجه) الجنائز: باب ما جاء في حفر القبر.

١٥٣
کتاب الجهاد/ باب ٣٤
عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَمّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ وَجِيءَ بِالأُسَارَى، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: (مَا
تَقُولُونَ في هؤلاء الأُسَارَى))؟ فَذَكَرَ قِصَّةً في هذا الحَدِيثِ طَوِيلَةٌ(١).
(لمّا كان يوم بدر جيء بالأسرى) قال: وفي الحديث قصة.
الإسناد: أما القصة التي أشار إليها فهي طويلة، لبابها ما رواه أبو عيسى في التفسير بالسند
بعينه قال: لمّا كان يوم بدر جيء بالأسرى، (قال رسول الله له): ((ما تقولون في هؤلاء الأسرى))
وذكر قصة) رسول الله 8 *: ((لا يفلتني أحد منهم إلاّ بفداء أو ضرب عنق))، فقلت: يا رسول الله
إلا سهل بن البيضاء، فإني قد سمعته يذكر الإسلام، فسكت رسول الله وإر، فما رأيت في يوم
أخوف أن تقع عليّ حجارة من السماء منّي في ذلك اليوم، حتى قال رسول الله وله: ((إلاّ
سهل بن البيضاء))، وأنزل القرآن بقول عمر ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في
الأرض﴾ [الأنفال: ٦٧] وقد بيّنّها في الأحكام فلتُنظَر هناك.
الفوائد: من منافع الحرب، ومقدماته المشورة، ففيها بركات، منها الإقدام على معلوم،
ومنها تخليص الحق من احتمالات الخواطر، ومنها استخراج عقول الناس، ومنها تأليف قلوبهم
على العمل، وكذلك فعل النبي عليه السلام في بدر مرتين: الأولى حين خرج إلى العير فبلغه
أنهم قريش فقال للناس: ((ما ترون)»؟ فقال أبو بكر فأحسن، وقال عمر فأحسن، وتكلم
المقداد بن عمرو فأحسن، فقال النبي عليه السلام: ((أيها الناس أشيروا عليَّ))، وإنما يريد رسول
الله# الأنصار، وكان يظن أن الأنصار لا ينصرونه إلا في الدار، فقام سعد بن معاذ فقال: أنا
أُجيب عن الأنصار، كأنك يا رسول الله تريدنا؟ قال: ((أجل))، قال: إنك عسى قد خرجت في
أمر قد أُوحي إليك في غيره، فإنّا قد آمنًا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به حق، وأعطينا
مواثيقنا وعهودنا على السمع والطاعة، فامضٍ يا نبي الله لما أردت، فالذي بعثك بالحق لو
استعرضت هذا البحر فخضته لخضناه معك ما بقي منّا رجل، وقل ما شئت واقطع مَن شئت،
وخذ من أموالنا ما شئت فهو أحبّ إلينا مما بقي، والذي نفسي بيده ما سلكت هذا الطريق قطّ
وما لي بها من علم، وما نكره أن يلقانا عدوّنا غدًا، إنّا لصبر عند الحرب صدق عند اللقاء،
لعل الله يُربك منّا بعض ما تقرّ به عينك، إنّا قد خلفنا من قومنا قومًا ما نحن بأشدّ حبًّا لك منهم
ولا أطوع لك منهم، لهم رغبة في الجهاد ومِنّة، ولو ظنوا يا رسول الله أنك مُلاقٍ عدوًّا ما
تخلفوا، ولكن ظنوا أنها العِير، نبني لك عريشًا فتكون فيه ونعدّ عندك رواحلك، ثم نلقى
عدوّنا، فإن أعزّنا الله وأظهرنا على عدوّنا كان ذلك ما أحببنا، وإن تكن الأخرى جلست على
رواحلك فلحقت من وراءنا، فقال له النبي # خيرًا، وقال: ((أو يقضي الله خيرًا من ذلك يا
سعد))، فلما قضى سعد مقالته قال النبي *: ((سيروا على بركة الله))، وذكر الحديث العجيب.
(١) سيأتي في كتاب التفسير: باب تفسير سورة الأنفال.

١٥٤
كتاب الجهاد/ باب ٣٤
قَالَ أَبُو عِيسَى: وفي البَابِ عَنْ عُمَرَ وَأَبِي أَيُّوبَ وَأَنَسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وهذا حَدِيثٌ
حَسَنٌ وَأَبُو عُبَيْدَةٌ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ. وَيُرُوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَال: مَا رَأيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ
مَشُورةً لأَصْحَابِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﴾.
قال ابن العربي: رحمة الله على الجميع، ولقد أنصف سعد فقضى نحب ربّه ونحب
نفسه، وجاء بالقول الأشد من القلب الأشد والرأي الأسعد الجدّ، فرضي الله عنه وأرضاه،
والمرة الثانية من قول الحباب قد تقدمت، ولما نزل العدو عليه بالمدينة يوم الخميس لخمس
خلون من شوّال ورأى النبي عليه السلام رؤياه ليلة الجمعة المعلومة، فلما أصبح ظهر النبي على
المنبر فخطب وذكر رؤياه، فقال: ((أشيروا علي))، رأى رسول الله أن لا يخرج من المدينة
لهذه الرؤيا، فرسول الله * يجب أن يوافق على ما رأى من الرؤيا وعبرها، فكان رأي
عبد الله بن أبيّ المقام، وقال له في كلام: إن أقاموا أقاموا بشرّ مجلس، وإن رجعو رجعوا
خائبين، نقاتل بأسيافنا في السكك، إن قريتنا عذراء ما فُضَّت علينا، وما خرجنا إلى عدو قطّ إلا
أصاب منّا، وهذا رأي ورثته من أكابر قومي، فقال رسول الله ـ: ((امكثوا))، وكان فتيان
أحداث لم يشهدوا بدرًا طلبوا من رسول الله الخروج إلى عدوّهم ورغبوا في الشهادة: اخرج بنا
إلى عدونا، وقال حمزة وسعد بن عبادة والنعمان بن مالك بن ثعلبة في غيرهم من الأوس
والخزرج: أما تخشى يا رسول الله أن يظن عدونا أنّ كرهنا الخروج إليهم جُبْنًا، فيكون هذا جرأة
منهم علينا، وتكلم قوم من الأنصار بمثل ذلك، وقال حمزة: والذي أنزل عليك الكتاب لا أطعم
اليوم حتى أجالدهم بسيفي، وقال له النعمان بن مالك: إن البقر المذبحة قتلى من أصحابك،
وأنا منهم، فلِمَ تحرمنا الجنة؟ والله الذي لا إله إلا هو لندخلتها، قال: ثم قال: فإني أُحب الله
ورسوله ولا أفرّ يوم الزحف، وتكلم بعض بني عبد الأشهل بمثله، وقال له أبو سعد خيثمة بن
خيثمة نحوه في كلام حسن، وغيره مثله، فلما أبوا إلا الخروج صلّى رسول الله و 8 الجمعة، ثم
وعظ الناس وأمرهم بالجدّ والجهاد، وأخبرهم أن النصر لهم ما صبروا، وفرحوا بذلك، ودخل
رسول الله* حجرته، ودخل معه أبو بكر وعمر فعمّماه وألبساه، وصفّ الناس له ما بين
حجرته إلى منبره ينتظرون خروجه، فقال لهم سعد بن معاذ وأسيد بن حجر: استكرهتم رسول
الله* على الخروج، والأمر ينزل عليه من السماء، فرذوا الأمر إليه فما أمركم فافعلوه وما
رأيتم له فيه رأي فأطيعوه، فبعضهم يقول: القول ما قال سعد، وبعضهم على البصيرة في
الخروج إذ خرج النبي عليه السلام قد لبس لأمته، وقد لبس الدرع فأظهرها، وحزم وسطها
بمنطقة من حمائل سيف من أدم كانت عند آل أبي رافع مولى رسول الله رَعليه، واعتمّ وتقلّد
بالسيف، فلما خرج رسول الله * ندموا جميعًا على ما صنعوا ورجع مَن أشار عليه بالخروج،
فقال رسول الله : ((وقد دعوتكم إلى هذا الحديث فأبيتم، ولا ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن
يضعها حتى يحكم الله بينه وبين أعدائه، امضوا على اسم الله فلكم النصر ما صبرتم))، وقد
استوفينا القول في ذلك في مواضعه، وهذا القدر كافٍ في العارضة.

١٥٥
كتاب الجهاد/ باب ٣٥ و٣٦
٣٥ - باب مَا جَاءَ لاَ تُفَادَى حِيفَةُ الأسِيرِ
[المعجم ٣٦ _ التحفة ٦١]
١٧١٥ - حدثنا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلاَنَ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ ابْنٍ أبي
◌َيْلَى عَنِ الحَكَمِ عَنْ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أنَّ المُشْرِكِينَ أرَادُوا أَنْ يَشْتَرُوا جَسَدَ رَجُلٍ مِنْ
المُشْرِكِينَ فَأَبَى النَّبِيُّ وَ أَنْ يَبِيِعَهُمْ إِيَّهُ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌّ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ حَدِيثِ الحَكَمِ. وَرَوَاهُ
الحَجَّاجُ بْنُ أرْطَاةَ أيْضًا عَنِ الحَكِّمِ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: ابْنُ أَبِي لَيْلَى لَاَ يُخْتَجُ
بِحَدِيثِهِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: ابْنُ أَبِي لَيْلَى صَدُوقٌ وَلِكِنْ لاَ نَعْرِفُ صَحِيحَ حَدِيثِهِ
مِنْ سَقِيمِهِ وَلاَ أزْوِي عَنْهُ شَيْئًا وابْنُ أَبِي لَيْلَى صَدُوقٌ فَفِيهُ وَإِنَّمَا يَهِمُ في الإِسْنَادِ. حَدَّثَنَا
نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ قَالَ: قُقَهَاؤُنَا ابْنُ أبِي لَيْلَى
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شُبْرُمَةً.
٣٦ - باب مَا جَاءَ في الفِرَارِ مِنَ الزَّحْفِ
[المعجم ٣٧ - التحفة ٦٢]
١٧١٦ - هقلنا ابْنُ أبي عُمَرَ، حَذْثَنَا سُفْيَانُ عَنْ يَزِيدَ بْنٍ أَبِي زِيَادٍ عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنِ ابْنِ عُمَّرَ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِوَ﴿ فِي سَرِيَّةٍ فَخَاصَ النَّاسُ
باب لا تُفادَی جیفة الأسير
خرج عن مقسم عن ابن عباس (أن المشركين أرادوا أن يشتروا جسد رجل من المشركين
فأبى النبي عليه السلام أن يبيعهم) حسن، رواه الحكم عن مقسم، ورواه ابن أبي ليلى عن
الحكم، وقال أحمد بن حنبل: لا يحتجّ بحديث ابن أبي ليلى، وقال البخاري: لا يعرف صحيح
حديثه من سقيمه. قال ابن العربي: كلما تقلّده العدل فهو صحيح على مذهب مالك، وهو
(١) واختلف فيه قول
الصحیح، وقد بيناه في أصول الفقه، وقد رُوِيّ أن ذلك كان يوم
العلماء.
باب الفرار من الزحف
ذكر عن ابن عمر (قال بعثنا رسول الله وَ ل18 بعثًا فخاص الناس حيصة فقَدِمنا المدينة
(١) بياض بالأصل بقدر كلمة.

١٥٦
كتاب الجهاد/ باب ٣٧
حَيْصَةً فَقَدِهْنَا المَدِينَةَ فَاخْتَبَيْنَا بِهَا وَقُلْنَا مَلَكْتَا، ثُمَّ أَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ إِله، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ
اللَّهِ نَحْنُ الفَرَّارُونَ قَالَ: بَلْ أَنْتُمُ العَكْارُونَ وَأَنَا فِتَتُكُمْ(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ حَدِيثٍ يَزِيدَ بْنِ أبِي زِبَادٍ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ فَحَاصَ النَّاسُ حَيْصَةٌ: يَعْنِي أَنَّهُمْ فَرُوا مِنَ القِتَالِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ بَلْ أَنْتُمُ
العَكَّارُونَ. وَالعَكْارُ الَّذِي يَقِرُّ إلى إمَامِهِ لِيَنْصُرَهُ لَيْسَ يُرِيدُ الفِرَارَ مِنَ الزَّحْفِ.
٣٧ - باب مَا جَاءَ في دَفْنِ القَتِيلِ فِي مَقْتَلِهِ
[المعجم ٣٨ - التحفة ٦٣]
١٧١٧ - حقشنا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلاَنَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنِ
الأسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ نُبَيْحًا العَنَزِّ يُحَدِّثُ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ
جَاءَتْ عَمَّتِي بِأبِي لِتَذْفِئَهُ في مَقَابِرِنَا فَتَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﴿َ رُدُوا القَتْلَى إلى
مضاجعهم(٢).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ، وَنُبَيْحُ ثِقَةٌ.
فاختبأنا بها وقلنا هلكنا ثم لقينا رسول الله 8# فقلنا نحن الفرّارون فقال بل أنتم المكارون
وأنا فتتكم) حسن فرد، من حديث ابن أبي ليلى. فسر العكار بأنه الذي يرجع إلى إمامه،
وفسر حاص بمعنى فرّ، قلت: حقيقة حاص زال عن حاله أو مكانه، ومنه قوله تعالى: ﴿ما
لنا من محيص﴾ [إبراهيم: ٢١]. وأما العكر فهو الاجتماع والاختلاط، فمعناه اجتمعتم
بفئتكم.
العارضة: يحتمل أن يكون القوم فرّوا في موضع الفرار، فلذلك لم يلمهم النبي عليه
السلام، ويحتمل أنهم فرّوا في غير موضعه فعفا النبي عليه السلام عنهم، والأول أظهر، وكانت
القصة قد جرت فيما روى (٣).
(١) (أبو داود) الجهاد: باب في التولّي يوم الزحف. والأدب: باب في قبلة اليد. (ابن ماجه) الأدب:
باب الرجل يقبل يد الرجل ببعضه.
(٢) (أبو داود) الجنائز: باب في الميت يحمل من أرض إلى أرض وكراهة ذلك. (النسائي) الجنائز:
باب أين يُدفَن الشهيد. (ابن ماجه) الجنائز: باب ما جاء في الصلاة على الشهداء ودفنهم.
(٣) بهامش التونسية كتب كلمة نقص.

١٥٧
کتاب الجهاد/ باب ٣٨ و٣٩
٣٨ - باب مَا جَاءَ فِي تَلَقِّي الغَائِبِ إِذَا قَدِمَ
[المعجم ٣٩ - التحفة ٦٤]
١٧١٨ - حقثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ المَخْزُومِيِّ قَالاً: حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيَّ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ مِنْ تَبُوكَ
خَرَجُ النَّاسُ يَتَلَّقُّوْنَهُ إِلَى ثَنِيّةِ الوَّدَاعِ قَالَ السَّائِبُ: فَخَرَجْتُ مَعَ النَّاسِ وَأَنَّا غُلاَمٌ(١).
قَالَ أبُو عِیسی: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَچیح.
٣٩ - باب مَا جَاءَ في الفَيْءٍ
[المعجم ٤٠ - التحفة ٦٥]
١٧١٩ - هذهنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ
شِهَاب، عَنْ مَالِكِ بْنٍ أوْسٍ بْنِ الْحَدَثَانِ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ يَقُولُ: كَانَتْ أَمْوَالُ
بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أفَاءَ اللَّهُ على رَسُولِهِ مِمَّا لَمْ يِوجِفِ المُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ،
باب تلقّي الغائب إذا قَدِمَ
ذكر حديث السائب بن يزيد (لمّا قَدِمَ النبي عليه السلام من تبوك خرج الناس يتلقونه إلى
ثنية الوداع فخرجت مع الناس وأنا غلام) صحيح حسن، ولفظ البخاري: خرجت مع الصبيان،
وذكر في الصحيح توديع المسافر عن أبي هريرة واللفظ للبخاري، بعثنا رسول الله 18 في بعث
وقال لنا: ((إن لقيتم فلانًا ففلانًا" لرجلين من قريش سمّاهما ((فحرقوهما بالنار)» ثم أتيناه نودعه
حين أردنا الخروج فقال: ((إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلانًا وفلانًا بالنار، وإن النار لا يعذّب بها
إلا الله فإن أخذتموهما فاقتلوهما)). وقيل: إذا سافر الرجل وقع إخوانه في منازلهم، وإذا جاء
تلقّوه، والتشبيع سُنّة، روى (٢) وشيّع أبو بكر يزيد بن أبي سفيان، على ما ذكر في الموطأ.
باب ما جاء في الفيء
ذكر (حدثنا ابن أبي عمر أخبرنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن ابن شهاب عن
مالك بن أوس بن الحدثان قال سمعت عمر بن الخطاب يقول: كانت أموال بني النضير مما أفاء
الله على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب).
(١) (البخاري): باب كتاب النبي # إلى كسرى وقيصر. (أبو داود) الجهاد: باب في التلقّي.
(٢) سقط في الأصول.

١٥٨
كتاب الجهاد/ باب ٣٩
وَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﴾ خَالِصًا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﴾﴿ يَعْزِلُ نَفَقَةَ أَهْلِهِ سَنَةً،
:
الإسناد: قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، قلت: وغريب من رواية عمرو بن
دينار عن ابن شهاب، وقد رواه عن ابن شهاب، وقد رواه معمر عن ابن شهاب، وقد رواه
إسحلق بن عبد الله الفروي وبشر بن عمر عن مالك عن ابن شهاب مطوّلاً، وقد بيّتاه في كتاب
التفصي عن عهدة التقصي لما في الموطأ من الأخبار والآثار ونصه (١).
غريبه: قوله: (متع) معناه مضت منه مدة طويلة يتمتع بها. الرمال نسج حبال بين أعواد
ينام عليه - الأدم الجلد - (يا مال) ترخيم مالك (وإن شئت الرضخ) عطاء غير مقدّر، وقوله:
(تيدكم) يعني التزموا رفقكم وتؤدكم، وهو الترسّل قرأته برفع(٢) اللام على الأصل، وإن شئت
أجريته مجرى المفرد، فرفعت اللام وترك الاستعجال والتثبّت حتى تتبيّن الحال، وقوله:
(أنشدكم) أي: أطلب منكم حق الله في القول بالحق.
الأحكام والفوائد: في مسائل:
الأولى: قول الجلساء أو بعضهم لعمر: اقض بينهما وأرحهما، دليل على أنه يجوز للعالِم
أن يرشد الحاكم ويعين عنده بقول الحق يذكره له وإن كان رشيدًا.
الثانية: قال أبو داود في رواية بشر بن عمر: قال مالك بن أوس: خُيُلَ إليَّ أنهما قدّما
أولئك النفر، يريد: فيجوز للخصم أن يرغب لأهل الفضل في أن يحضروا قصته.
الثالثة: قوله: (لا نورث ما تركنا صدقة) قد تقدّم أن النبي عليه السلام لم يترك مالاً، إنما
ترك كتاب الله وسُنّته، كما رواه مالك في الموطأ، فاعترفوا بذلك كلهم لعمر كما اعترفوا لأبي
بكر.
الرابعة: لم يأتِ عليّ والعباس يطلبان ميراثًا، وإنما جاءا يطلبان نصفة في هذا المال بأن
يكون بيد علي نصفه وبيد العباس نصفه، كذلك قال أبو داود، وكان عليّ يغلب العباس على
الكل أو الأكثر، وعباس يطلب النصفة .
الخامسة: قوله: (إن الله خصّ رسوله في هذا الفيء بشيء لم يعطه غيره من الناس) فقال:
﴿ما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب﴾ [الحشر: ٦].
قال ابن العربي: خصّ الله هذه الأمة بالغنائم من بين سائر الأمم، وخصّ رسوله الذي
خصّت في حرمته بخصائص، منها هذا الذي ذكره عمر كان قد بثها فيهم، ثم عمد إلى بعضها
(١) في الكتانية وكتب بهامش التونسية (كما في الأصل انظر في الورقة).
(٢) لعله بكسر اللام.

١٥٩
كتاب الجهاد/ باب ٣٩
ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ في الكُرَاعِ وَالسَّلاَحِ عُدَّةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ(١) .
فكان يأخذ منها قُوته وقُوت عياله، (ثم يجعل الباقي عدة في السلاح والكراع).
السادسة: لا أسخف ممّن يقول إن هذين جاءا إلى عمر يطلبان الميراث، وقد جرى ما
جرى وشهدا على أنفسهما ما شهداً عند أبي بكر، ثم عند عمر من أن رسول الله # لا يورث،
وإنما معنى ذكر نصيب المرأة ونصيب العمّ القسمة بالنصف التي لو كانت ميراثًا كان يكون
كذلك، فأراد أن يكون النظر يجري على نحو الميراث، فأبى عمر القسمة لئلا يظن أحد فيها
ملكًا على تقادم الزمان، وكان عمر قد عمل فيها بما عمل رسول الله 88* وأبو بكر سنتين من
إمارته، ثم قَدِمَ لها عليًّا والعباس لينظرا فيها، بذلك أخبرنا ابن يوسف ببغداد بدار الخلافة:
أخبرنا ابن بشران، أخبرنا أبو عمرو النحوي، أخبرنا ثعلب، عن ابن الأعرابي، قال: كان أول
خطبة خطبها أبو العباس أمير المؤمنين العباسي في قرية يقال لها العباسية من نظر الأنبار، فلما
حمد الله وتشهد بالله ورسوله قام رجل من العلوية في عنقه مصحف، قال: أنشدك الله الذي
ذكرت إلا ما أنصفتني من خصمي بما في هذا المصحف، قال: ومَن خصمك؟ قال: أبو بكر
الذي منع فاطمة ميراثها من فدك (٢)، قال: وهل كان بعده أحد؟ قال: نعم، قال: ومن بعده؟
قال: عمر، قال: ما فعل؟ أقام على ظلمكم؟ قال: نعم، قال: ومَن بعده؟ قال عثمان، قال:
وأقام على ظلمكم؟ قال: نعم، قال: وهل بعده أحد؟ قال: نعم، قال: مَن؟ قال: أمير
المؤمنين عليّ بن أبي طالب، قال: فأقام على ظلمكم؟ فأسكت الرجل وجعل يلتفت إلى ما
وراءه يطلب مخلصًا، فقال: والله الذي لا إله إلا هو لولا أنه أول مقام قمته لم أكن تقدّمت فيه
إليك لأخذت الذي فيه عيناك، اقعد. وتمادى على خطبته.
قال ابن العربي: ولله درّ أبي العباس، لقد أزال البأس وأوجب لهم اليأس، وقد فاوضت
في ذلك رؤساء الشيعة مرارًا، فقال بعض رؤسائهم: إنما سكت عليّ مغلوبًا على التقية، إذ غلبه
الظلم، وتمادى حتى أفضى إليه الأمر، فلو غيّر ما فعل أولئك لتفرّق عنه مَن اجتمع إليه ونفر
عنه مَن كان منهم أنس به. قلت له: إن كان أبو بكر ظالمًا فلِمَ بايعه؟ قال: مكرهًا خافيًا تقية،
قلت: فلِمَ غزا في بعوثه؟ قال: مكرهًا خائفًا متقيًّا، قلت: فلِمَ أخذ سهمه في الفيء؟ قال:
مثله، فإنه لو رذه خاف على نفسه، قلت: فلِمَ وطىء الحنفية سرًّا حتى أولدها، فبهت.
السابعة: الذي اختص به رسول الله ( قرى عربية وفدك وما حولها وقيل وسهمه من
خيبر.
(١) انظر رقم (١٦١٠).
(٢) ورد في كتب التاريخ أن حديث فدك موضوع وزعموا أن الجاحظ قال وضعت أنا وأبو العيناء حديث
فدك.

١٦٠
کتاب الجهاد/ باب ٣٩
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَّحِيحٌ، وَرَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةٌ هذا الحَدِيثَ
عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ.
الثامنة: تفرّد أبو عيسى على الفيء، وذكر في رسول الله # خاصة وسائر فيء
المسلمين، فلم يفرد عليه، وما كان من فيء المسلمين مما لم يوجف عليه، أو جاء من
المصالح، فإن كان منقولاً قسم بين أربابه الأحياء، وإن كان عقارًا فقد جعله في حكم بقائه لمَن
حضره ولمّن جاء بعده، وجعل عمر هذا في الغنائم العقارية، وقد بيّنًا المسألة في الأحكام
ومسائل الخلاف.