Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
كتاب السِّير/ باب ١٢
١٢ - باب في النَّقَلِ
[المعجم ١٢ - التحفة ١٢]
١٥٦١ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ. حَدْثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَارِثِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ أَبِي سَلاَّمَ عَنْ أَبِي أَمَامَةَ
عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ: أنَّ النَّبِيِّ ◌َ ﴿ كَانَ يُتَفِّلُ فِي الْبَدْأَةِ الرُّبُعَ وفي القُفُولِ الثُّلُثَّ (١).
وفي البَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَحَبِيبٍ بْنِ مَسْلَمَةً وَمَعْنٍ بْنِ يَزِيدَ وَابْنٍ عُمْرَ وَسَلَّمَةَ بْنِ
الأكوعِ.
باب النفل
ذكر حديث عبادة الذي يرويه (سليمان بن موسى أن النبي عليه السلام كان ينفل في البداءة
الربع وفي القفول الثلث).
الإسناد: حديث عبادة هذا قد رُوِيّ في المغازي بأكمل من هذا اللفظ عن سليمان بن
موسى، عن مكحول، عن أبي أمامة، ومن أوله: قال أبو أمامة الباهلي: سألت عبادة بن
الصامت عن الأنفال فقال: فينا نزلت معشر أصحاب بدر حين اختلفنا في النفل وساءت فيه
أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا وجعله لرسوله، فقسمه رسول الله وَ ل* بين المسلمين عن بواء (يقول
على السواء) فكان ذلك تقوى الله وطاعة رسوله وصلاح ذات البين. وقال أبو عيسى في حديثه
المختصر: حسن غريب، وخرّجه أبو داود، وخرّج أبو داود عن أبي هريرة، عن حبيب بن
مسلمة الفهري، قال: كان رسول الله * ينفل النفل الثلث بعد الخمس، وقال مرة أخرى: الربع
بعد الخمس، والثلث بعد الخمس إذا قفل، وفي الصحيح أن النبي عليه السلام قال لابني عفراء
في يوم بدر: ((كلاكما قتله)) يعني أبا جهل، وقضى بسلبه لأحدهما حين نظر إلى سيفيهما وهو
معاذ بن عمرو بن الجموح، وكان الآخر معاذ بن عفراء. وذكر أبو عيسى أيضًا الحديث الصحيح
في قصة أبي قتادة من الموطأ وغيره، وأن النبي عليه السلام قال يوم خيبر: ((مَن قتل قتيلاً له
عليه بيّنة فله سلبه))، وفي الحديث قصة وهي مشهورة.
العربية: النفل الزيادة، وهو موضع دلالة (ن ف ل) فيها، وقد زاد الله تعالى من فضله
رسوله فقام الليل نافلة، وزاد هذه الأمة الكريمة من فضله الغنائم ولم تكن حلّت لأحد قبلنا،
وسمّى عطاء رسول الله منها أيضًا، وقسمه لها وحكمه فيها نفلاً.
(١) (ابن ماجه) الجهاد: باب النفل.

٤٢
كتاب السّير/ باب ١٢
وَحَدِيثُ عُبَادَةً حَدِيثٌ حَسَنَّ. وَقَدْ رُوِيّ هذا الحَدِيثُ عَنْ أَبِي سَلاَّمٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ
أصْحَابِ النَّبِيِّ {8 *: حَدَّثَنَا هَنَّادٌ حَدْثَنَا ابْنُ أبِي الزَّنَادِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةً عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النّبِيِّ ◌ِ﴿ تَنَفِّلَ سَيْفَهُ ذَا الفَقارِ يَوْمَ بَدْرٍ وَهُوَ الَّذِي رَأَى
فِيهِ الرُّؤْيَا يَوْمَ أُحُدٍ، هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. إنّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ هذا الوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ
أپي الزّنَادِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ فِي النَّقَلِ مِنَ الخُمُسِ. فَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: لَمْ يَبْلُغْنِي أنَّ
رَسُولَ اللَّهِ:﴿ نَفِّلَ فِي مَغَازِيِهِ كُلِّهَا.
وَقَّدْ بَلَغَنِي أَنَّهُ نَفِّلَ في بَعْضِهَا وَإِنَّمَا ذِلِكَ على وَجْهِ الإِجْتِهَادِ مِنَ الإمَامِ في أوَّلِ
المَغْنَمِ وَآخِرِهِ. قَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ إِنَّ النَّبِيِّ ◌َ﴿ نَفِّلَ إِذَا فَصَلَ بِالرُّبُعِ بَعْدَ
الخُمُسِ وَإِذَا قَفَلَ بِالثُّلُثِ بَعْدَ الخُمُسِ؟ فَقَالَ: يُخْرِجُ الخُمُسَ ثُمَّ يَنْقَلُ مِمَّا بَقِيَ وَلاَ يُجَاوِزُ
هذا.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وهذا الحَدِيثُ على مَا قَالَ الْمُسَيِّبُ النَّفَلُ مِنَ الخُمُسِ، قَالَ إِسْحَقُ
كَمَا قَالَ.
الأحكام: في مسائل:
الأولى: أما تسمية الغنائم كلها نفلاً فقوله تعالى: ﴿يسألونك عن الأنفال قل الأنفال الله
والرسول﴾ [الأنفال: ١] وروى مسلم وأبو عيسى وأبو داود وغيرهم عن مصعب بن سعد عن
أبيه قال: نزلت فيَّ أربع آيات: أصبت سيفًا، قال مسلم: من الخمس، فأتى به النبي عليه السلام
فقال: نفلنيه فقال: ((رُدّه من حيث أخذتها مرارًا، فوضعه ثم نزلت ﴿يسألونك عن الأنفال﴾
فبعث إليه فقال له: إنك سألتني وليست لي، وإنها الآن لي فخذه، وذلك يوم بدر.
الثانية: اختلف الناس هل هذه الآية محكمة أو منسوخة؟ فمن الناس مَن قال: إنه نسخها
قوله: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خُمسه وللرسول﴾ [الأنفال: ٤١]، وهذا فاسد،
الأنفال لله ولرسوله، وذلك يحتمل أن يكون ملكًا ويحتمل أن يكون الحكم فيها لله وللرسول،
فبيّن ذلك مطلقًا في أول السورة ثم بيّن بعد ذلك تفصيل الحكم بالتخميس والتقسيم، ثم قال
النبي عليه السلام: ((ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم)).
الثالثة: إذا ثبت أن النفل هو الزيادة فالكلام فيه من أقسام: القسم الأول: في معناه: وهو
ما يُزاد المرء على سهمه. في الصحيح عن ابن عمر: كان النبي عليه السلام ينفل بعض مَن
يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة سوى قسم عامة الجيش، وقال نافع عن ابن عمر بعث النبي

٤٣
كتاب السّير/ باب ١٣
١٣ - باب مَا جَاءَ في مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً فَلَهُ سَلَيُهُ
[المعجم ١٣ - التحفة ١٣]
١٥٦٢ - هقلنا الأنْصَارِيُّ حَذَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ
عَنْ عُمَرَ بْنِ كَثِيرِ بْنِ أُقْلَحَ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِي قَتَادَةً قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ ﴾﴾: (مَنْ قَتَلَ قَتِيلَاً لَّهُ عَلَيْهِ بَيْنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ))(١).
عليه السلام سرية قبل نجد، وكنت فيهم فبلغت سهماننا اثني عشر بعيرًا ونفلنا بعيرًا بغيرًا فرجعنا
بثلاثة عشر بعير، ومنه ما يرضخ لمن لا يستحق سهمًا ولا يكون إلا أقل من سهم واحد لئلا
يزيد الرضخ على السهم. القسم الثاني: محله. وفيه أربعة أقوال: الأول: قال مالك: هو
الخمس، وأبو عبيد مثله. الثاني: قال أبو ثور: النفل قبل الخمس من رأس الغنيمة. الثالث:
قال الأوزاعي وأحمد وجماعة: بعد الخمس. الرابع: ما شذّ من العدو، قاله عطاء. وجه الأول:
أن الله جعل الغانمين شركاء في الغنيمة فلا يخرج عن صاحبه إلا بإذنه، ووجه الثاني: أن الإمام
إذا أعطاه لما رأى من عنايته(٢) ومنفعته التي عادت على جميع الغنيمة خمسها وباقيها وجب أن
يقدم على الكل، ووجه الثالث: أنه إذا زال الخمس وصاروا شركاء جعل للإمام أن يفضل مَن
رأى عناء»(٣) تحريضًا لغيره، ووجه الرابع: أن ما شذّ من العدو لم يكن لهم فيه عمل، فكان
للإمام أن یخصّ بعض من أراد.
والنظر فيه معانٍ: المعنى الأول: سلب القتيل. قال مالك: من النفل، قول الإمام: (مَن
قتل قتيلاً فله سلبه) وذلك بعد القتال، لأنه إن قاله قبله كان قتالاً على الدنيا. وقال الثوري: هو
جائز وهو قوي، فليس القتال إلا على الدنيا والآخرة، فالدنيا هي الغنيمة والآخرة هي الشهادة،
وينبغي للمرء أن يجمعهما، قال النبي عليه السلام: ((جعل رزقي تحت ظل رمحي))، فإن نوى
المغنم وحده لم يكن شهيدًا، وإن نوى إعلاء كلمة الله فهو أعلاهم، لأن الغنيمة تبع، وإن
نواهما جاز، لأن الجهاد لذلك بني، ويجوز للإمام أن يقوله قبل القتال وبعده، وقد قال ابن
مسعود والأوزاعي: ولا يكون إذا التقى الصفّان وإنما ذلك قبل وبعد، وليس بصحيح، فإن ابني
عفراء قتلا أبا جهل في معمعة القتال والصفّان متوازيان، وأعطاه النبي عليه السلام سلبه يوم بدر.
المعنى الثاني: حقيقة السلب. فيه أقوال: الأول: الفرس والدرع، قاله مال. الثاني: قال أحمد:
كل ما عليه إلا الفرس، وأشك في السيف، وذلك لأن الفرس ليس منه، وأما السيف فهو منه
(١) (البخاري) المغازي: باب قول اله تعالى: ﴿ويوم حُلّين إذا أعجبتكم كثرتكم فلم تُغْنٍ عنكم شيئًا
وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته﴾ - إلى قوله - ﴿غفور
رحيم﴾. (مسلم) الجهاد والسّيّر: باب استحقاق القاتل سلب القتيل.
(٢) في الأصول: غنایة.
(٣) وفيها: غناء.

٤٤
كتاب السِّير/ باب ١٣
قَالَ أَبُو عِيسَى: وفي الحَدِيثِ قِصَّةٌ: حَدْثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ حَدِّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ يَحْيَى بْنِ
سَعِيدٍ بهذا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ.
وفي البَابِ عَنْ عَوْفٍ بْنِ مَالِكٍ وَخَالِدِ بْنِ الوَلِيدِ وَأَنَسٍ وَسَمُرَةَ، وهذا حَدِيثٌ حَسَنٌ
صَحِيحٌ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ هُوَ نَافِعْ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ، وَالعَمَلُ على هذا عِنْدَ بَعْضٍ أهْلِ العِلْمِ مِنْ
أصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َ﴾ وَغَيْرِهِمْ وَهُوَ قَوْلُ الأوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَّدَ. وَقَالَ بَغْضُ أهْلٍ
العِلْمِ: لِلإِمَامِ أنْ يُخْرِجَ مِنَ السَّلَبِ الخُمُسَ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: النَّفَلُ أنْ يَقُولَ الإمَامُ مَنْ
أصَّابَ شَيْئًا فَهُوّ لَهُ وَمَنْ قَتَلَ قَتِيلاً فَلَّهُ سَلَبُهُ فَهُوَ جَائِزٌ وَلَيْسَ فِيهِ الخُمُسُ، وَقَالَ إِسْحَقُ:
السّلَبُ لِلْقَاتِلِ إلاَّ أنْ يَكُونَ شَيْئًا كَثِيرًا فَرَأى الإمَامُ أنْ يُخْرِجَ مِنْهُ الخُمُسَ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ بْنُ
الخطّابِ.
لأنه مرتبط بالمقاتل كارتباط الدرع. الثالث: قال الشافعي: كل ما عليه حتى الإسورة والذهب
والفضة، وهو الصحيح. العنى الثالث: قدر النفل. قال الشافعي: نصف السدس لحديث ابن
عمر أنهم نفلوا بعيرًا وسهمانهم اثنا عشر بعيرًا من اثني عشر بعيرًا نصف السدس، وقال
جماعة بالحديث المتقدم في الرابع والثلث وهو أكثره لا يُزاد عليه، فإن قيل: لم يصح
الحديث، قد طعن البخاري في أحاديث سليمان بن موسى وقال في هذا الحديث: لا يصح،
إنما رواه داود بن عمر عن سليمان بن موسى أبي سلام عن النبي عليه السلام، وسليمان منكر
الحديث روى حديث نافع عن ابن عمر: أن النبي عليه السلام كُفّن في ثلاثة أثواب، وروى
حديث نافع: ((إذا طلع الفجر فقد ذهب صلاة الليل والوتر، فأوتروا قبل الفجر))، وروى
حديث: ((أفشو السلام) إلى آخره ((وكونوا عباد الله إخوانًا))، وروى حديث: ((أيما امرأة نكحت
بغير إذن وليّها فنكاحها باطل)». قال أبو عيسى: سليمان بن موسى ثقة عند أهل الحديث، ما
نعلم أحدًا ذكره بسوء، وقد روينا الحديث من طرق كثيرة، وهذه الأحاديث التي أنكرها عليه
البخاري إما أن يكون انفرد بها أو أخطأ فيها، وذلك لا يسقط منزلته ولا يحطّ رتبته، وتنفيل
الربع في البدأة أصل وتنفيل(١) الثلث فضل حسن، لأن العدو يلقى أولاً على غرّة فالحذر منه
أقل، وفي الثانية على الحذر فإن رضخ لهم ليحرّضوا، وهذا الربع أو الثلث لا يخلو أن يكون
من الخمس أو بعد الخمس، ومُحال أن يكون من الخمس، لأن الشيء لا يكون محلاً لأكثر
منه وإنما هو من رأس الغنيمة أو بعد الخمس، وذلك محتمل. وفي كتاب أبي داود أنه نفلهم
الثلث بعد الخمس عن حبيب بن مسلمة الفهري، والله أعلم. والأقوى عندي أنه من رأس
الغنيمة .
(١) في الاصول وتنقيص.

٤٥
كتاب السِّير/ باب ١٤
١٤ - باب في كَرَاهِيَةِ بَيْعِ المَغَانِم حتى تُقْسَمَ
[المعجم ١٤ _ التحفة ١٤]
١٥٦٣ - حدثنا هَنَّادٌ حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ جَهْضَمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ
مُحَمَّدٍ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ زَيْدٍ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُذْرِيّ قَالَ:
نَهَى رَسُولُ اللَّهِ﴿ عَنْ شِرَاءِ الْمَغَانِمِ حتى تُقْسَمَ(١).
وفي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وهذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
المسألة الرابعة: لا يخمس السلب المعطى للقاتل، وقد رُوِيّ أنه إن كان كثيرًا بخمس،
والنبي عليه السلام لم يخمسه فصار أصلاً، فما كان من كثير أو قليل وقد جرى فيه حكم الشرع
فلا يتجاوز إلى غيره.
الخامسة: قال الشافعي: هو حق له، وقال مالك: ليس بحق، وقد بيّنّاه في مسائل
الخلاف. ولو كان حقًّا له ما أخذه النبي منه بعد أن أعطاه له في حديث عوف بن مالك في
كتاب مسلم على ما أوردناه في المسائل، فليُنظّر فيه.
باب كرامة بين المغانم حتى تقسم
ذكر فيه حديث (شهر بن حوشب أبي سعيد الخدري أن النبي # نهى عن بيع المغانم
حتى تقسم) وقال: هو غريب.
العارضة: الغنيمة لا تُباع ولا توهب وإنما تقسم بين أربابها، إلا أنه ينتفع بها بأن يؤكل
طعامها ويعلف على قدر الحاجة، ولا يخبأ ولا يدّخر ولا يحمل إلى بلاد الإسلام إلا أن يكون
يسيرًا جدًّا، قاله مالك وهو الصحيح، ولا يخمس إلا أن يكون كثيرًا فيكون غنيمة، وأكثر ما
يحتاج إليه الجيش مخصوص بإجماع من الفقهاء، كما خصّ منها الصفى(٢) للنبي عليه السلام
إجماعًا وسلب القتيل باختلاف، ومَن أكل زائدًا على الحاجة عدّ من ثمنه وصار في الغنيمة.
وقال الشافعي في أحد قوليه: ما أخذ من الطعام في دار الحرب فله ملكه وحمله إلى بلاده، وبه
قال الأوزاعي، وهذه أثرة إن جُوِّزت ذهب من الغنيمة جزء، وإنما أرخص في الطعام للضرورة
فيتقدر بقدر الضرورة ويعفى عن اليسير، وقد روى أبو داود أن الصحابة كانوا يرجعون من الطعام
(١) (ابن ماجه) التجارات: باب النهي عن شراء ما في بطون الأنعام وضروعها وضربة الغائص.
(٢) هكذا بالأصل.

٤٦
كتاب السّير/ باب ١٥ و١٦
١٥ - باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَّةً وَطْءِ الحَبَالَى مِنَ السَّبَايَا
[المعجم ١٥ - التحفة ١٥]
١٥٦٤ - حدثنا مُحَمِّدُ بْنُ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيُّ. حَدِّثْنَا أَبُو عَاصِمِ النَّبِيلُ عَنْ وَهْبٍ أبي
خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنْنِي أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ عِرْبَاضٍ بْنِ سَارِيَةَ أَنَّ أَبَاهَا أخْبَرَهَا أَنَّ رَسُولَ اللّهِ إِلَه
نَهَى أَنْ تُوطَأُ السََّايَا حتى يَضَعْنَ مَا فِي بُطُونِهِنٌ(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: وفي البَابِ عَنْ رُوَتْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ، وَحَدِيثُ عِرْبَاضِ حَدِيثٌ غَرِيبٌ،
وَالعَمَلُ على هذا عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ. وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ: إذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ الجَارِيَةَ مِنَ السَّنْي
وَهِيَ حَامِلٌ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ: لاَ تُوطَأُ حَامِلٌ حتى تَضَعَ. قَالَّ
الأَوْزَاعِيُّ: وَأَمَّا الحَرَائِرُ فَقَدْ مَضَتِ السُّنَّةُ فِيهِنَّ بِأنْ أُمِزْنَ بِأنَّ العِدَّةَ كُلُّ هذا. حَدَّثَنِي
عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنِ الأوْزَاعِيِّ.
١٦ - باب مَا جَاءَ في طَعَامِ المُشْرِكِينَ
[المعجم ١٦ - التحفة ١٦]
١٥٦٥ - حقثنا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ حَدْثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَيَالِسِيَّ عَنْ شُعْبَةً،
أخْبَرَنِي سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ قَبِيصَةَ بْنَ هِلْبٍ يُحَدِّثُ عَنْ أبِيهِ قَالَ:
بالشيء اليسير كالمخلاة من الجوز، وقد روى أبو داود عن معاذ بن جبل أن النبي عليه السلام
قسم فيهم غنمًا يعني للحاجة، وجعل بقيتها في المغنم. والأصل في غير الطعام حديث حنش
الصنعاني عن رويفع بن ثابت الأنصاري أن النبي عليه السلام قال: ((مَن كان يؤمن بالله واليوم
الآخر فلا يركب دابّة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردّها فيه، ومَن كان يؤمن بالله واليوم
الآخر فلا يلبس ثوبًا من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه ردّه فيه حتى نفد». قال الأوزاعي: لا
يلبس الثوب للبرد إلا أن يخاف الموت، وأما نحن فنقول: إذا احتاج إلى ذلك أخذه على قدر
الحاجة من غير إضرار.
باب في طعام المشركين
ذكر أبو عيسى حديث قبيصة بن هلب عن أبيه قال حديث حسن:
(١) مرَّ تحت رقم (١٤٧٤) الأطعمة: باب ما جاء في كراهية أكل المصبورة.

٤٧
کتاب السير/ باب ١٧
سَأَلْتُ النَّبِيَِِّ عَنْ طَعَامِ النَّصَارَى فَقَّالَ: ((لاَ يَتخَلْجَنَّ في صَدْرِكَ طَعَامٌ ضَارَعْتَ فِيهِ
النَّصْرَانِيَّةَ))(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنّ. قَالَ مَحْمُودٌ: وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى
عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ قَبِيصَةً عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ :﴿ مِثْلَهُ. قَالَ مَحْمُودٌ:
وقَّالَ وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ مُرِّيِّ بْنِ قَطَرِيٍّ عَنْ عَدِيٍّ بْنِ حَاتِمِ،
عَنِ النّبِيِّ:﴿ مِثْلَهُ وَالعَمَلُ على هذا عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ مِنَ الرُّخْصَةِ في طَعَامِ أَهْلٍ
الكِتَابِ.
١٧ - باب في كَرَاهِيَّةِ التَّقْرِيقِ بَيْنَ السَّنْي
[المعجم ١٧ - التحفة ١٧]
١٥٦٦ - حقلنا عُمَّرُ بْنُ حَقْصٍ بْنِ عُمَرَ الشَّيْبَانِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أُخْبَرَنِي
حُيَيُّ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحُبَلِيُّ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ لِ﴿ يَقُولُ:
(مَنْ فَرِّقَ بَيْنِ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا فَرِّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أحِبِّهِ يَوْمَ القِيَامَةِ»(٢).
قَالَ أَبُو عِيسَى: وفي البَابِ عَنْ عَلِيِّ، وهذا -َدِيثٌ غَرِيبٌ وَالعَمَلُ على هذا عِنْدَ
أهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِّ :﴿ وَغَيْرِهِمْ كَرِهُوا الْتّغْرِيقَ بَيْنَ السَّبْيٍ بَيْنَ الوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا
وَبَيْنَ الوَلَدِ وَالوَالِدِ وَبَيْنَ الإخْوَةِ.
(لا يتخلجن في صدرك طعام سارعت فيه النصرانية) وهو بيِّن في قول الله تعالى: ﴿وطعام الذين
أُوتوا الكتاب حِلِّ لكم﴾ [المائدة: ٥] فذكره عامًّا، وقد علم أنهم يزعمون أن الله له الولد
والصاحبة، تعالى عن قولهم علوًّا كبيرًا، وأنهم يذبحون لغيره، إذ مَن ذبح للرب الذي له الولد
والزوجة فلم يذبح لله، فكل طعامهم على الإطلاق، فإن الله قد سمح فيه لكم لشبهة الكتاب
الذي معهم، وقد بيّتّها في الأحكام وغيرها.
(١) (أبو داود) الأطعمة: باب في كراهية التقذّر للطعام. (ابن ماجه) الجهاد: باب الأكل في قدور
المشرکین.
(٢) مرَّ في البيوع: باب ما جاء في كراهية أن يُفرِّق بين الأخوين أو بين الوالدة وولدها في البيع.

٤٨
كتاب السِّير/ باب ١٨
١٨ - باب مَا جَاءَ في قَتْلِ الأَسَارَى وَالفِدَاءِ
[المعجم ١٨ - التحفة ١٨]
١٥٦٧ - حدثنا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ أَبِي السَّفَرِ وَاسْمُهُ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الهَمْدَانِيُّ
وَمَحْمُودُ بْنُ غَيْلاَنَ قَالاً: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدّ الحَفْرِيُّ حَدْثَنَا يَحْيِى بْنُ زَكْرِيَّاءَ بْنُ أبي زَائِدَةً
عَنْ سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ هِشَامٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ عُيَيْدَةَ عَنْ عَلِيِّ أنْ رَسُولَ اللَّهِ وَهـ
قَالَ: ((إنَّ جِبْرَائِيلَ هَبَطَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: خَيَّرْهُمْ) يَعْنِي أَصْحَابَكَ فِي أُسَارَى بَذْرٍ («القَتْلُ أَوِ
الفِدَاءُ على أنْ يُقْتَلَ مِنْهُمْ قَاتِلٌ مِثْلَهُمْ))، قَالُوا: الفِدَاءَ وَيُقْتَلُ مِنَّا(١).
وفي اليّابِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَنَسٍ وَأَبِي بَرَزَةً وَجُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ، لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ
حَدِيثٍ ابْنِ أبِي زَائِدَةَ. وَرَوَى أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنِ ابْنٍ سِيرِينَ عَنْ عُبَيْدَةً عَنْ عَلِيٍّ عَنٍ
النّبَِِّهَ نَحْوَهُ. وَرَوَى ابْنُ عَوْنٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ عُبَيْدَةً عَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ :﴿ مُرْسَلاً
وَأَبُوِ دَاوُدَ الحَفْرِيُّ اسمُهُ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ.
١٥٦٨ - حدثنا ابْنُ أبي عُمَّرَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ عَنْ عَمِّهِ عَنْ
عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنِ أَنَّ النَّبِيِّ ◌ََّ فَدَى رَجُلَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ بِرَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(٢).
باب المنّ والنداء على الأسارى
هذا الباب أصل في السير، وقد اختلف العلماء فيه اختلافًا كثيرًا، والأسارى على قسمين:
محاربون، وحشوة. والحشوة على أقسام يجمعها أحد عشر اسمًا: شيخ، مفند، راهب كنيسة،
راهب صومعة، زمن، مجنون، عسيف، أجير، مريض، صبي، امرأة. فأما المحارب فقد بيّنًا
في غير موضع أن الإمام مُخَيّر فيهم بين خمسة أمور: القتل، الفداء، ضرب الرق، ضرب
الجزية، المن. وقال أبو حنيفة ليس له إلا القتل أو الرقّ، ومعوّل القوم على أن الحق قد ثبت
في رقابهم فلا يجوز للإمام إسقاطه بالمنّ ولا بالفداء إلا برضاهم، وقد ثبت (أن النبي عليه
السلام قدى رجلين من الـ سلمين برجل من المشركين)، صححه أبو عيسى، وقد ذكر (حديث
عليّ أن النبي عليه السا.م خير الصحابة بين أن يكون الأسرى ببدر يقتلون أو يفدون ويقتل منهم
في العام المقبل مثلهم، واختاروا القداء والشهادة)، وقد أطلق النبي عليه السلام ثمامة بن أثال،
(١) (النسائي في الكبرى) السّيّر: باب قتل الأسارى.
(٢) (النسائي في الكبرى) السِّير: باب فداء الاثنين بالواحد.

ـة :
٤٩
كتاب السِّير/ باب ١٩
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَعَمُّ أَبِي قِلاَبَةٌ هُوَ أَبُو المُهَلَّبِ وَاسْمُهُ
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو وَيُقَالُ مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، وَأَبُو قِلاَّبَةَ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ
الجَزْمِيُّ، وَالعَمَلُ على هذا عِنْدَ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِِّ ﴿ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ للإمَامِ
أَنْ يَمُنَّ على مَنْ شَاءَ مِنَ الأَسَارَى وَيَقْتُلَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ وَيَقْدِي مَنْ شَاءَ. وَاخْتَارَ بَعْضُ
أهْلِ العِلْمِ القَتْلَ على الفِدَاءِ. وَقَالَ الأوْزَاعِيُّ: بَلَغَنِي أَنَّ هذه الآيَةَ مَنْسُوخَةٌ قَوْلُهُ تَعَالَى:
﴿فَإِمَّا مَثَّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءٌ﴾ [محمد: ٤] نَسَخَتْهَا ﴿فَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾
[البقرة: ١٩١]. حَدَّثَنَا بِذلِكَ هَنَّادٌ حَدْثَنَا ابْنُ المُبَارَكِ عَنِ الأوْزَاعِيِّ قَالَ إِسْحَقُ بْنُ
مَنْصورٍ: قُلْتُ لِأَحْمَّدَ: إِذَا أُسِرَ الأسيرُ يُقْتَلُ أوْ يُفَادَى أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: إِنْ قَدَرُوا أَنْ
يُقَادُوا فَلَيْسَ بِهِ بِأْسٌ وَإِنْ قُتِلَ فَمَا أَعْلَمُ بِهِ بَأْسًا. قَالَ إِسْحَقُ: الإِثْخَانُ أَحَبُّ إلَيَّ إلاَّ أنْ
يكُونَ مَعْرُوفًا فَأَطْمَعُ بِهِ الكَثِيرٌ.
١٩ - باب مَا جَاءَ في النَّهْي عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ
[المعجم ١٩ - التحفة ١٩]
١٥٦٩ - حدثنا قُتَيْبَةُ، حَدْثَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِع عَنِ ابْنِ عُمَرِ أَخْبَرَهُ أنّ امْرَأَةٌ وُجِدَتْ
في بَعْضٍ مَغَازِي رَسُولِ اللَّهِ ﴿ مَقْتُولَةٌ فَأَنْكَرَ رَسُوَّلُ اللّهِ وَ﴿ ذلك وَنَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ
وَالصِّبْيَانِ(١).
وقال النبي عليه السلام في أسارى بدر: ((لو كان المطعم بن عدي حيًّا وكلّمني في هؤلاء
النتنى لتركتهم له»، وقد من على الذين نزل فيهم ﴿وهو الذي كفّ أيديهم عنكم وأيديكم
عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم﴾ [الفتح: ٢٤]. وأما الشيخ والراهب في الصومعة
فقال الشافعي: يقتلان وقد قال الصديق: وستجد قومًا حبسوا أنفسهم فذرهم وما حبسوا
أنفسهم له. والشيخ والزّمِن والمريض والمفند والمجنون دونه، وأما العسيف والأجير الصانع
بيده فقد فرّ مالك من قتل العسيف، والشيخ والصانع مثله، وقال سحنون: النهي عن قتل.
العسيف لم يثبت، وصدق، وقال النسائي عن النبي عليه السلام: ((لا تقتلن ذرية ولا عسيفًا»
وحديث خالد في المرأة التي قتلت في جيشه فقال النبي عليه السلام: ((ما بالها قتلت وهي لا
تقاتل))؟ فبيّن العلّة، وهو حديث حسن. وخرج أبو داود الحديث الصحيح (عن ابن عمر أن
النبي عليه السلام نهى عن قتل النساء والصبيان)، فإن قاتلوا قتلوا في معمعة القتال بلا خلاف،
(١) (البخاري) الجهاد والسّيّر: باب قتل الصبيان في الحرب. (مسلم) الجهاد والسِّيّر: باب تحريم قتل
النساء والصبيان في الحرب.
عارضة الأحوذي/ ج ٧ / م ٤

٥٠
كتاب السِّير/ باب ٢٠
وفي البَابِ عَنْ بُرَيْدَةً وَرَبَاحِ وَيُقَالُ رَبَّاحُ بْنُ الرَّبِيعِ وَالأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ
وَالصَّعْبِ بْنِ جَتَامَةً.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ على هذا عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ
مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ﴾ وَغَيْرِهِمْ كَرِهُوا قَتْلَ النِّسَاءِ وَالوِلْدَانِ وَهُوّ قَوْلُ سُفْيَانَ الثُّوْرِيَّ
وَالشَّافِعِيِّ وَرَخْصَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ في البَيَاتِ وَقَتْلِ النِّسَاءِ فِيهِمْ وَالوِلْدَانِ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ
وَإِسْحَقَ وَرَخَّصَا فِي البَيَاتِ.
١٥٧٠ - حقثنا نَصْرُ بْنُ عَلِيَّ الجَهْضَمِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ
عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي الصَّعْبُ بْنُ جَثَّامَةَ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ
اللَّهِ: إِنَّ خَيْلَنَا أُوطِئَتْ مِنْ نِسَاءِ المُشْرِكِينَ وَأَوْلاَدِهِمْ قَالَ: ((هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ))(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
٢٠ - باب
[المعجم ٢٠ - التحفة ٢٠]
١٥٧١ - عقدنا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسارٍ عَنْ
أبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﴿ فِي بَعْثٍ فَقَالَ: ((إِنْ وَجَدْتُمْ فُلانًا وَفُلانًا لِرَجُلَيْنِ مِنْ
قُرَيْشٍ فَأَخْرِقُوهُمَا بِالنَّارِ))، ثمّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَه حِينَ أُرَدْنَا الخُرُوجَ: ((إِنِّي كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ
وقال ابن القاسم: وبعد ذلك، وقال أصبغ: إن قتلا في قتالهما، وليس بشيء، والصحيح قول
ابن القاسم، لأن العلة الموجبة للقتل قد وجدت فوجب حكمها، وإن نقصت كما في الرجل
منهم والراهب في الكنيسة، حكمه حكم الناس والمرأة إن ترهبت، رأى مالك أن لا تهاج،
والصحيح سبيها.
حديث: قال أبو عيسى (عن أبي هريرة: بعثنا النبي عليه السلام في بعث، فقال: ((إن
وجدتم فلانًا وفلانًا) لرجلين من قريش ((فحرقوهما بالنار)) ثم قال رسول الله له حين أردنا
(١) (البخاري) الجهاد والسِّيّر: باب أهل الدار يبيتون فيصاب الولدان والذراري. (مسلم) الجهاد والسّير:
باب جواز قتل النساء والصبيان في البيات من غير تعمّد.

٥١
كتاب السِّير/ باب ٢١
أنْ تَخْرِقُوا فُلانًا وَفُلاَنَا بِالنَّارِ وَإِنَّ النَّارَ لاَ يُعَذِّبُ بِهَا إِلاَّ اللَّهُ فَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمَا
فاقْتُلُوهُمَا))(١).
وفي البَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَحَمْزَةً بْنِ عَمْرٍو الأسْلَمِيِّ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أبي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَالعَمَلُ على هذا عِنْدَ
أهْلِ العِلْمٍ وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْتَحَقٌ بَيْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارِ وَبَيْنَ أَبِي هُرَيْرَةَ رَجُلاً في هذا
الحَدِيثِ وَرَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ مِثْلَ رِوَايَةِ اللَّيْثِ، وَحَدِيثُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ أَشْبَهُ وَأَصَحُ.
٢١ - باب مَا جَاءَ في الغُلُولِ
[المعجم ٢١ - التحفة ٢١]
١٥٧٢ - حققَيِي قُتَيْبَةُ، حَذْثَنَا أَبُو عَوَانَةً عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ أبي الجَعْدِ عَنْ
ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِع ◌َهَ: ((مَنْ مَاتَ وَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ ثَلاَثٍ: الكِبْرِ وَالغُلُولِ وَالدَّيْنِ
دَخَلَ الجَنْةِ)).
وفي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً وَزَيْدِ بْنِ خَالِدِ الجُهَنِيِّ.
الخروج: ((إن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموهما فاقتلوهما)))، قال أبو عيسى: حديث
حسن صحيح، وفي زمام المياومة أن سليمان بن يسار روى هذا الحديث عن أبي هريرة، وقد
صحّ سماعه منه فالحديث مسند وإن كان محمد بن إسحق لمّا رواه أدخل بين سليمان بن يسار
وبين أبي هريرة رجلاً، واسم الرجل هبار بن الأسود بن المطلب بن عبد العزى، خرج خلف
زينب بنت رسول الله * مع أبي سفيان وأهل مكة فروعها هبار بالرمح حتى أجهضت ذات بطنها
ونافع بن عبد القيس، والنار لا يعذب بها إلا الله سبحانه إلا أن يحرق رجل رجلاً بالنار فيحرق
بها قصاصًا، والحديث مرّ أنه لا يعذّب بالنار إلا الله، ثابت من رواية ابن عباس.
باب الغلول
ذكر فيه (حديث ثوبان مَن مات وهو بريء من ثلاث من الكبر والغلول والدين دخل الجنة)
وتارة رواه سالم بن أبي الجعد عن ثوبان وتارة رواه عن معدان بن طلحة عن ثوبان، وهو
أُصح.
(١) (البخاري) الجهاد والسّيْر: باب لا يُعَذِّب بعذاب الله. (أبو داود) الجهاد: باب في كراهية حرق
العدو بالنار. (النسائي في الكبرى) السّيّر: باب النهي عن إحراق المشركين بعد القدرة عليهم، وباب
الوداع، وباب توجيه السرايا.

٥٢
كتاب السِّير/ باب ٢١
١٥٧٣ - حقّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ حَدِّثَنَا ابْنُ أبي عَدِيٍّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةً عَنْ
سَالِمٍ بْنِ أبي الجَعْدِ عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَنْ
فَارَقَ الرُّوحُ الجَسّدَ وَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ ثَلاَثٍ: الكَثْزِ وَالغُلُولِ وَالدَّيْنِ دَخَلَ الجَنَّةَ. هكَذَا قَالَ
سَعِيدٌ الكَنْزَ. وَقَالَ أَبُو عَوَانَةً في حَدِيثِهِ الكِبْرَ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ مَعْدَانَ وَرِوَايَةُ سَعِيدٍ
أصْحُ(١).
١٥٧٤ - حقئنا الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الوَارِثِ حَدَّثَنَا
عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ حَدْثَنَا سِمَاكٌ أَبُو زُمّيْلِ الحَنَّفِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: حَدْثَنِي
عُمَّرُ بْنُ الخَطَّابِ قَالَ: قَيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ غُلاَنَا قَدِ اسْتُشْهِدَ. قَالَ: ((كَلاَّ قَدْ رَأيْتُهُ في
النَّارِ بِعَبَاءَةٍ قَدْ غَلُّهَا، قَالَ: قُمْ يَا عَلِيُّ فَنادِ إنّهُ لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلاَّ المُؤْمِنُونَ ثَلاَثًا))(٢).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.
الإسناد: الأحاديث الصحاح فيه حديث عبد الله بن عمر، وروى البخاري عن سالم بن
أبي الجعد عنه قال: كان على ثقل النبي * رجل يقال له كركرة فمات، فقال رسول وال﴾: ((هو
في النار))، فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءة قد غلّها. وحديث مدعم إذ قتله سهم عابر، فقال
الناس هنيئًا له الجنة، فقال النبي: ((كلا والذي نفس محمد بيده، إن الشملة التي أخذها لم
تصبها المقاسم لتشعل عليه نارًا)).
غريبه: الكبر رؤية فضل المنزلة للنفس على الغير. الغلول الخيانة بأخذ الشيء للغير على
الاختفاء، والفرق بينه وبين السرقة في الشريعة أنه مستعمل فيما له فيه حق شركة، الدين هو
مخصوص بحقوق الآدميين هنا، وهو في الأصل عبارة عن كل معنى يثبت في ذمة الغير للغير.
أصوله: الأولى: الكبر آفة عظمى منها كفر ومنها بدعة ومنها فسق، وأما الأمانة والتحزّز
من حقوق الآدميين يورث الجنة قطعًا والله يوفّق له.
الثانية: وروى فيه الكنز بالنون وقد تقدّم فسّره في كتاب الزكاة.
الثالثة: خبره عن كركرة ومدعم بأنهما في النار لأجل الغلول الذي وقعا فيه قاض بأن
بعض العصاة يعذب.
(١) (النسائي في الكبرى) السُيّر. (ابن ماجه) الصدقات: باب التشديد في الدين.
(٢) (مسلم) الجهاد والسُّر: باب غزوة النساء مع الرجال. (أبو داود) الجهاد: باب في النساء يغزون.
(النسائي في الكبرى) السّيّر والطب.

٥٣
کتاب السير/ باب ٢٢
٢٢ - باب مَا جَاءَ في خُرُوجِ النِّسَاءِ في الخَزْبِ
[المعجم ٢٢ _ التحفة ٢٢]
١٥٧٥ - حدثنا بِشْرُ بْنُ هِلاَلِ الصَّوَّافُ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمانَ الضُّبَعِيُّ عَنْ ثَابِتٍ
عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَغْزُو بِأُمَّ سُلَيْمٍ وَنِسْوَةٍ مَعَهَا مِنَ الأنْصَارِ يَسْقِينَ المَاءَ
وَيُدَاوِینَ الجرحى.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وفي البَابِ عَنِ الرُّبَيِّعِ بِئْتِ مُعَوِّدٍ وهذا حَدِيثٌ حَسَنَ صَحِيحٌ.
الرابعة: الغلول للنبي عليه السلام ليس كالغلول لغيره، وقال الله تعالى: ﴿وما كان لنبي أن
يغل﴾ [آل عمران: ١٦١] بضم الياء وفتح الغين يريد أن يخان، فمن خان النبي # خانه يوم
القيامة، وهذا عامّ في كل خيانة. عن أبي هريرة واللفظ للبخاري: قام النبي # يذكر الغلول
وعظمه وعظم أمره، فقال: (لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء)) وهو صوتها
((على رقبته فرس له حمحمة) يعني صهيلاً ((يقول يا رسول الله: أغثني، لا أملك لك من الله
(١) فيقول: يا
شيئًا، قد أبلغتك، على رقبته صامت فيقول: يا رسول الله أغثني، وهو
رسول الله فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا قد أبلغتك، على رقبته رقاع تخفق" يعني تضطرب
لحركته بها («فيقول: يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك من الله شيئًا قد أبلغتك))، وعجبًا لمَن
يرى هذا الحديث ويدخل سواه، وهو نص في عقاب مّن غلّ رسول الله 148، وأما غلول غيره
فلا يكون مثله ولكنه معصية كبيرة يتعلق بها حق الله والإمام وأهل الخمس والغانمين.
الخامسة: أنه قال عن كركرة ومدعم: ((إنهما في النار))، وعن هؤلاء "إني لا أملك لك من
الله شيئًا)) فيعني في حال دون حال، وذلك كله بما ثبت أن المعاصي لا توجب خلودًا وأن الله لا
يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمَن يشاء، ومَن زعم أن العاصي مخلد في النار فهو كافر،
وقد بيًّا ذلك في كتاب التكفير بالتأويل.
السادسة: قال بعضهم: إن معنى قوله: (ما كان لنبي أن يغل) أن يخون، ورووا في ذلك
حديثًا أنها نزلت في شملة، فقد قال قائل: أخذها النبي عليه السلام، وهذا باطل أو ضعيف،
وقد بيّنّاه في الأحكام، وما بعده يدل على أنه لغيره، ﴿ومَن يغلل يأتِ بما غلّ يوم القيامة)
[آل عمران: ١٦١] ولو كان كما رووا لكان: ومَن يغلل رسول الله يكون منه كذا وكذا.
أحكامه: مّن غلْ عوقب بالأدب على قدر اجتهاد الأمير من غير تحديد، ولا خلاف فيه
وإنما عقوبته في ماله، فقد رُوِيَ من طريق عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمرو عن النبي 185
(١) بياض بالأصل في النسختين.

٥٤
کتاب السير/ باب ٢٣
٢٣ - باب مَا جَاء في قُبُولِ هَدَايَا المُشْرِكِينَ
[المعجم ٢٣ - التحفة ٢٣]
١٥٧٦ - حدثنا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدِ الكِتْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ إِسْرَائِيلَ
عَنْ تُوَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِِّ ﴿ أَنَّ كِسْرَى أَهْدَى لَهُ فَقَبِلَ وَأنَّ المُلُوكَ أَهْدَوْا إِلَيْهِ
فَقَبِلَ مِنْهُمْ.
وفي البَابِ عَنْ جَابِرٍ، وهذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَتُوَيْرُ بْنُ أبي فَاخِتَةَ اسْمُهُ
سَعِيدُ بْنُ عِلَاقَةَ، وَتُوَّيْرٌ يُكْنَى أَبَّا جَهْمٍ.
أنه قال: ((إذا وجدتم الرجل قد غلّ فأحرقوا متاعه واضربوه" رواه أبو داود وغيره. وخرّج أبو
عيسى في كتاب الحدود عن سالم عن أبيه أن النبي 18 قال: ((مَن وجدتموه قد غلّ فأحرقوا
رحله متاعه)). قال صالح بن محمد بن [أبي] زائدة: فدخلت على مسلمة ومعه سالم بن عبد الله
فوجد رجلاً قد غلّ، فحدّث سالم بهذا الحديث فأمر به فأحرق متاعه، فوجد في متاعه مصحف
فقال سالم: بع هذا وتصدّق بثمنه، قال أبو عيسى: حديث غريب، وأبو واقد الليثي صالح بن
محمد بن أبي زائدة منكر الحديث، قاله البخاري وبوّب عليه، وقال الأوزاعي وأحمد وإسحق:
يحرق متاعه، ومثله عن الحسن إلا أن يكون مصحفًا أو حيوانًا. وقد رُوِيّ عن الأوزاعي أنه
يحرق متاعه الذي غزا به، يعني سرجه وإكافه دون ثيابه ونفقته وسلاحه، والحديث لم يصح،
فلا يعوّل عليه .
باب قبول هدايا المشركين
العارضة: قبول الهدايا سُنّة مستحبة تصل المودة وتوجب الألفة، ولم يصح (تهادوا
تحابوا»، ولكنه صحّ أن النبي # كان يقبل الهدية ويأكلها، وكان الناس يتحرّون بهداياهم
يوم عائشة. وأهدت له أم جعيل خالة ابن عباس، وقال في شاة بريرة ابتداء حين سأل
عنها: ((هو عليها صدقة ولنا هدية))، وكان لا يردّ الطيب. وقال أبو حميد: أهدى ملك أيلة
للنبي * بغلة بيضاء وكساه بُردًا وكتب له بتجرهم، وأهدت اليهود للنبي عليه السلام شاة
مسمومة فأكلها، وجاء في غزاته رجل مشعان بغنم يسوقها، فقال: ((أبيع أم عطية))؟ فقال
المشرك: بل بيع، قال أبو عيسى: (أهدى له كسرى والملوك فقبل)، وقال: حسن صحيح.
وكان لا يردّ الهدية إلا لعلّة، كما رد على الصعب بن جثامة الحمار وقال: ((إنّا لم نرذه
عليك إلا أنّا حُرُم))، وقال لعامله ابن اللتبية: ((هلّ جلس في بيت أبيه وأمه حتى ينظر أيهدى
له».

٥٥
کتاب السير/ باب ٢٤ و٢٥
٢٤ - باب في كَرَاهِيَّةِ هَدَايَا المُشْرِكِينَ
[المعجم ٢٤ - التحفة ٢٤]
١٥٧٧ - هذئنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ حَدَثَنَا أَبُو دَاوُدّ عَنْ عِمْرَانَ القَطَّانِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ
يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (هُوَ ابْنُ الشّخِّيرِ) عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ أَنَّهُ أَهْدَى لِلنَّبِيِّ : ﴿ هَدِيَّةً لَهُ أوْ
نَاقَّةٌ فَقَالَ النَّبِيِّ مَ: ((أَسْلِمْتَ))؟ قَالَ: لا، قَالَ: ((فَإِنِّي نُهِيتُ عَنْ زَبْدِ المُشْرِكِينَ)) (١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ: إِنِّي نُهِيتُ عَنْ زَبْدِ
الْمُشْرِكِينَ يَعْنِي هَدَايَاهُمْ، وَقَدْ رُوِيّ عَنِ النّبِيِّ ◌َِ﴿ أَنَّهُ كَانَ يَقْبَلُ مِنَ المُشْرِكِينَ هَدَايَاهُمْ
وَذُكِرَ في هذا الحَدِيثِ الكَرَاهِيَّةُ وَاحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ هذا بَعْدَ مَا كَانَ يَقْبَلُ مِنْهُمْ ثُمَّ نَّهَى عَنْ
هَدّايَاهُمْ.
٢٥ - باب مَا جَاءَ فِي سَجْدَةِ الشُّكْرِ
[المعجم ٢٥ - التحفة ٢٥]
١٥٧٨ - حدثنا مُحَمِّدُ بْنُ المُثَنِى حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم حَدَّثَنَا بَكْارُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ
أبي بَكْرَةً عَنْ أَبِهِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أنَّ النّبِيَّ :﴿ أَتَاهُ أمْرٌ فَسُرَّ بِهِ فَخَرَّ لِلَّهِ سَاجِدًا(٢).
وروى أبو عيسى وغيره (أن عياض بن حمار أهدى للنبي 8# هدية أو ناقة، فقال
النبي #: ((أسلمت))؟ قال: لا، قال: ((إني نهبت عن زبد المشركين))) يعني عطيتهم، حسن.
ويحتمل أن يكون ذلك قيل ثم نهى عنه، ويحتمل أنه فعل ذلك لمّا رجا من إسلامه إذا ردها،
وقيل: لأنه كان مشركًا ورخص في هدايا أهل الكتاب كما رخّص في طعامهم ونهى عن هدية
المشركين كما نهى عن طعامهم. وقد رُوِيّ عنه أنه قال: ((لقد هممت ألا أقبل الهدية إلا من
قرشي أو أنصاري دوسي أو ثقفي)) فقيل: ذلك لأنهم أهل بادية، وليس بشيء، والمعوّل على
ضعف الحديث، والأمر في الهدية يدور على حال المعطي والآخذ، والوجه الذي يعطى عليه
فما خلص لله تعالى والصلة قبل، وما لم يكن كذلك رُدّ.
باب سجود الشكر
قد بيًّا في كتاب الصلاة أنواع السجود، ومنه سجود الآيات، كما رُوِيّ أن أنس جاءه موت
(١) (أبو داود) الخراج والإمارة والفيء: باب في الإمام يقبل هدايا المشركين.
(٢) (أبو داود) الجهاد: باب في سجود الشكر. (ابن ماجه) الصلاة: باب ما جاء في الصلاة والسجدة
عند الشكر.

٥٦
کتاب السّير/ باب ٢٦
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ هذا الوَجْهِ مِنْ حَدِيثٍ
بَكْارِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، وَالعَمَلُ على هذا عِنْدَ أُكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ رَأوْا سَجْدَةَ الشُّكْرِ وَبَكَّارُ بْنُ
عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ مُقَّارِبُ الحَدِيثِ.
٢٦ - باب مَا جَاءَ في أَمَانِ العَبْدِ وَالمَرْأةِ
[المعجم ٢٦ _ التحفة ٢٦]
١٥٧٩ - هقشنا يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي حازِمٍ عَنْ كَثِيرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ
الوَلِيدِ بْنِ رَبَاحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النّبِيِّ ◌َ قَالَ: ((إنَّ المَرْأَةَ لْتَأْخُذُ لِلْقَوْمِ) يَعْنِي تُجِيرُ
على المُسْلِمِينَ.
وفي البَابِ عَنْ أُمّ ◌َانِىءٍ، وهذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ: وَسَألْتُ مُحَمَّدًا فَقَالَ هذا
حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَكَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ قَدْ سَمِعَ مِنَ الوَلِيدِ بْنِ رَبَاحِ وَالوَلِيدُ بْنُّ رَبَّاحِ سَمِعَ مِنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ وَهُوَ مُقَارِبُ الحَدِيثِ.
حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الدِّمَشْقِيُّ حَدِّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ أُخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدٍ
المَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي مُرّةَ مَوْلَى عَقِيل بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ أُمَّ هَّانِىءٍ أَنَّهَا قَالَتْ أَجَرْتُ رَجُلَيْنِ مِنْ
أحْمَائِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ: ((قَدْ أَمَّنَّا مَنْ أَمَّنْتِ)).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ، وَالعَمَلُ على هذا عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ
أُجَازُوا أمانَ المَرأةٍ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَإِسْحَقَ أَجَازَ أمَانَ المَرْأةِ وَالْعَبْدِ. وَقَدْ رُوِيّ مِنْ غَيْرٍ
ميمونة زوج النبي﴿ فخرّ ساجدًا، فقيل له، فقال: إن رسول الله * قال: ((إذا رأيتم آية
فاسجدوا))، وأيّ آية أعظم من موت أزواج النبي #. وروى أبو بكرة أن النبي# كان إذا جاءه
أمر سرور خرّ ساجدًا شكرًا له، خرّجه أبو داود وأبو عيسى، وقال: العمل عليه عند أكثر أهل
العلم، ولم يره مالك، ولِمَ لا يرى والسجود لله دائمًا هو الواجب؟ فإذا وجد أدنى سبب في
السجود له فلیغتنم.
باب أمان المرأة والعبد
ذكر حديث أم هانىء المشهور. وذكر حديث كثير بن زيد عن الوليد بن رباح (عن أبي
هريرة أن النبي عليه السلام قال إن المرأة لتأخذ للقوم يعني تُجِير على المسلمين) وقال: هو
حسن غريب. وسألت محمدًا عنه، فقال: هو صحيح. الوليد بن رباح مقارب الحديث، سمع

٥٧
کتاب السير/ باب ٢٧
وَجْهٍ وَأَبُو مُرَّةَ مَوْلى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَيُقَالُ لَهُ أيْضًا مَوْلَى أُمّ هَانِىْ أيْضًا وَاسْمُهُ يَزِيدُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَّرَ بْنِ الخَطَّابِ أَنَّهُ أَجَازْ أمَانَ العَبْدِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَالِبٍ
وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِِّ﴿ قَالَ: ((ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ)) .
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَمَعْنَى هذا عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ أنَّ مَنْ أعْطَى الأمَانَ مِنَ المُسْلِمِينَ فَهُو
جَائِزٌ على كُلُّهِمْ.
٢٧ - باب مَا جَاءَ في الغَذْرِ
[المعجم ٢٧ - التحفة ٢٧]
١٥٨٠ - حدثنا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلاَنَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ أَنْبأَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو
الفَيْضِ قَالَ سَمِعْتُ سُلَيْمَ بْنَّ عَامِرٍ يَقُولُ: كَانَّ بَيْنَ مُعَاوِيَّةً وَبَيْنَ أهْلِ الرُّومِ عَهْدٌ وَكَانَ يَسِيرُ
في بِلاَدِهِمْ حتى إِذَا انْقَضى العَهْدُ أَغَارَ عَلَيْهِمْ فَإِذَا رَجُلٌ على دَابّةٍ أوْ على فَرَسٍ وَهُوَ
من أبي هريرة، وكثير بن زيد سمع الوليد بن رباح، وذكر حديث علي وعبد الله منقطعًا: (ذمة
المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم).
وعارضة هذا الباب في مسألتين:
الأولى: أمان المرأة. وأكثر أهل العلم عليه، وقال عبد الملك من أصحابنا إن أجازه الإمام
جاز، وعليه يدل قوله: (قد أمّنَا مَن أمّنتِ) فذكره على الإمضاء، والتجويز له مختص بها، ولم
يبيِّن أنه شرع متقرر ولا حكم ثابت، وقد اتفقوا في حواز أمان الرجل والمرأة مثله، ولو كانت
حجرت عن هذا الأمر لأنكر النبي على أم هانىء دخولها في هذا.
الثانية: أمان العبد. وهي مسألة أصولية، قال أبو حنيفة: لا أمان للعبد لأنه محجور لا
يقاتل، قلنا: إذا كانت معمعة القتال أو أذِنّ له السيد قاتل وأمن، وله الأمان ابتداء بذمام
المسلمين، ولأنه من أدناهم. قال علماؤهم: لولا أنه يملك الأمان بدينه لما ملكه في الإذن
بالقتال، لأن الشيء لا يستفاد من ضدّه، واستيفاء الكلام في مسائل الخلاف.
تكملة: قال علماؤنا: حديث أم هانىء دليل على صحة مذهب مالك في أن مكة فتحت
عنوة، إذ لو كان الدخول صلحًا لكان الأمان عامًا، وشرح ذلك من الحديث كله مستوفى في
الكتاب الكبير.
باب الغدر
العارضة: فيه أن الغدر حرام في كل ملّة لم تختلف فيه شريعة، وقد أكده النبي عليه

٥٨
کتاب السير/ باب ٢٨
يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَفَاءٌ لاَ غَدْرٌ وَإِذَا هُوَ عَمْرُو بْنُ عَبْسَةَ فَسَأْلَهُ مُعَاوِيَةُ عَنْ ذلِكَ، فَقَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يَقُولُ: ((مَنْ كَانَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمِ عَهْدٌ فَلاَ يَحُلَّنَّ عَهْدًا وَلاَ يَشُدَّنَّهُ
حتى يَمْضِيَ أْمَدُهُ أَوْ يَنْبِذَ إِلَيْهِمْ على سَوَاءِ». قَالَ: فَرَجَعَ مُعَاوِيَةُ بِالنَّاسِ(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
٢٨ - باب مَا جَاءَ أنَّ لِكُلِّ غادِرٍ لِوَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ
[المعجم ٢٨ - التحفة ٢٨]
١٥٨١ - حدثنا أحمَدُ بْنُ مَنِيعِ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمٌ قَالَ: حَدّثَنِي صَخْرُ بْنُ
جُوَيْرِيَةً عَنْ نَافِعِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يَقُولُ: ((إِنَّ الغَادِرَ يُتْصَبُ لَهُ
لِوَاءٌ يَوْمَ القِيَامَةِ)(٢).
قَالَ: وفي الْبَابِ عَنْ عَلِيَّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَأْبِي سَعِيدِ الخُذْرِيِّ وَأَنَسٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَسَألْتُ مُحَمَّدًا عَنْ حَدِيثٍ سُوَيْدٍ عَنْ أَبِي
إِسْحَقَ عَنْ عِمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنِ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ:﴿ قَالَ: (لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ، فَقَالَ: لاَ
أعْرِفُ هذا الحَدِيثَ مَرْفُوعًا.
السلام بالحديث الذي أدخل أبو عيسى، وتمامه: قال النبي عليه السلام: (((ينصب لكل غادر
لواء) عند أسته بقدر غدرته، يقال: هذه غدرة فلان»، وذكر حديث عمرو بن عبسة أيضًا مع
معاوية إما بالأمر أو بأن ينبذ إليهم على سواء، يعني اعتدال، وهو واجب. وقد رُوِيّ عنه أنه
قال: ((ما خفر قوم بالعهد إلا سلّط عليهم العدو"، ومعنى قوله: (عند أسته) يريد من وراء
ظهره، وجاء ذكر العورة تحقيرًا له، ويعطى اللواء بقدر غدرته حتى يكون اشتهارًا له في
الموقف، وقد تكلمنا على نبذ العهد في سورة الأنفال من كتاب الأحكام بما فيه كفاية. وأبو
الفيص روى حديث عمرو بن عنبسة عن سليم بن عامر عنه، اسمه موسى بن أيوب(٣) وقوله:
(أو تنبذ إليهم على سواء) دليل على أن عهد الصلح مع العدو ليس بلازم، بل يحلّه الإمام متى
شاء. أما إنهم إذا أحدثوا جاز لهم غدرهم وإن لم يعلمهم، كما فعل النبي عليه السلام بقريش
حين نقضوا العهد فغزاهم يوم الفتح حين غدروا ولم ينبذ إليهم ولا أعلمهم.
(١) (أبو داود) الجهاد: باب في الإمام يكون بينه وبين العدو عهد فيسير إليه. (النسائي في الكبرى)
السِّير: باب الوفاء بالعهد.
(٢) (مسلم) الجهاد والسِّيّر: باب تحريم الغدر. (٣) لم يذكر اسمه في الأصول.

٥٩
كتاب السِّير/ باب ٢٩
٢٩ - باب مَا جَاءَ في النُّزُولِ على الحُكْم
[المعجم ٢٩ - التحفة ٢٩]
١٥٨٢ - حدّثنا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ: رُمِيَ يَوْمَ
الأخزّابِ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَطَعُوا أَكْحَلَهُ أوْ أَبْجَلَهُ فَحَسَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﴾﴿ بِالنَّارِ فَانْتَفَّخَتْ يَدُهُ
فَتَرَكَهُ فَتَزَفَهُ الدَّمُ فَحَسَمَهُ أُخْرَى فَانْتَفَخَتْ يَدُهُ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَالَ: ((اللَّهُمْ لاَ تُخْرِجْ نَفْسِي
حتى تُقِرَّ عَيْنِي مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ، فَاسْتَمْسَكَ عِزْقُهُ فَمَا قَطَرَ قَطْرَةً حتى نَزَلُوا على حُكْمٍ
سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، فَأَرْسَلَ إِلِيْهِ فَحَكَمَ أنْ يُقْتَلَ رِجَالُهُمْ وَيُسْتَحْيَى نِسَاؤُهُمْ يَسْتَعِينُ بِهِنَّ
الْمُسْلِمُونَ فَقَّالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ: ((أَصَبْتَ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ، وَكَانُوا أَرْبَعَمِائَةٍ، فَلَمَّا فَرَغُ مِنْ
قَتْلِهِمْ انْفَتَقَ عِرْتُهُ فَماتَ(١).
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَعَطِيَّةَ القُرِّيِّ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
باب النزول على الحكم
قد تقدم في أول الكتاب نهي النبي عليه السلام لبريدة أن ينزل أحدًا من المشركين على
حكم الله، ولينزلهم على حكمه، وأوضحنا المعنى فيه. وذكر هاهنا حديث سعد بن معاذ ونزول
قريظة على حكمه، وهو حديث صحيح مشهور، لفظه في الصحيح: أصيب سعد يوم الخندق،
رماه رجل من قريش يقال له حبان بن العرقة في الأكحل، قال الترمذي: (فقطعوا أكحله)، أو:
أبجله، الشك منه فقرّب له النبي عليه السلام خيمته في المسجد يعوده من قريب، فلما رجع
رسول الله 188 من الخندق ووضع السلاح فاغتسل أتاه جبريل وهو ينفض رأسه من الغبار، فقال:
قد وضعت السلاح، والله ما وضعته، اخرج إليهم، قال النبي عليه السلام: ((فأين))؟ فأشار إلى
بني قريظة، فأتاهم رسول الله ﴿ فنزلوا على حكمه، فرة الحكم إلى سعد، وفي رواية
الخدري: لمّا نزلت قريظة على حكم سعد بن معاذ بعث إليه رسول الله ﴾ وكان قريبًا منه،
فجاءه على حمار، فلما دَنّا قال رسول الله وَلير: ((قوموا إلى سيدكم))، فجاءه فجلس إلى رسول
الله * فقال له: إن هؤلاء نزلوا على حكمك، قال: فإني أحكم أن تقتل المقاتلة وأن تسبى
النساء والذريّة وأن تقسم أموالهم، قال غندر فيه عن الخدري: ((لقد قضيت بحكم الله وبحكم
الملك)) مرة قالت عائشة: إن سعدًا قال: اللَّهِمَّ إنك تعلم أنه ليس أحد أحبّ إليَّ أن أُجاهدهم
فيك من قوم كذبوا عى رسولك وأخرجوه، اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا
(١) (النسائي في الكبرى) السّيّر.

٦٠
کتاب السِّير/ باب ٢٩
١٥٨٣ - حقثنا أحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو الوَلِيدِ الدِّمَشْقِيُّ، حَذْثَنَا الوَلِيدُ بْنُ
مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ أَنَّ رَسُولَ
اللَّهِ ﴿ قَالَ: (اقْتُلُوا شُيُوخَ المُشْرِكِينَ وَاسْتَحْيُوا شَرْخَهُمْ) وَالشَّرْخُ الغِلْمَانُ الَّذِينَ لَمْ
يُئِثُوا(١).
وبينهم، فإن كان بقي من حرب قريش شيء فأبقني لهم حتى أجاهدهم فيك، وإن كنت وضعت
الحرب فافجرها واجعل موتي فيها، فانفجرت من لبته، فلم يرعهم وفي المسجد خيمة من بني
غفار إلا الدم يسير إليهم فقالوا: يا أهل الخيمة ما هذا الذي يأتينا من قبلكم؟ فإذا سعد يغذو
جرحه دمًا فمات منها.
العربية: الأكحل والأبجل عرقان في البدن مشهوران، زاد الترمذي: فحسمه، يريد كواه
ليقف الدم. قوله: (فنزفه) يعني أخلاه، يقال نزفت البئر ونزحتها إذا أخرجت ماءها حتى خلت،
والنزيف السكران لأنه خرج عقله عنه. واللبة هي موضع القلادة، وهي اللبب والمنحر.
(٢) فقالت عائشة: والله يا
الفوائد: الأولى: یُروی أن سعدًا كانت درعه مقلصة فرأته
أم سعد لوددت أن درع سعد أسبغ على بناته، قالت أم سعد: يقضي الله ما هو قاضٍ، وكانت
درعه مشمرة عن ذراعيه، فتناوش المسلمون والمشركون وجاء قبة رسول الله # فرمى حبان بن
العرفة سعد بن معاذ فأصاب أكحله، فقال: خذها وأنا ابن العرفة، فقال رسول الله والله: ((عرق
الله وجهه في النار))، ويقال: رماه أبو أسامة الجشمي وهو يرفل في درعه ويتمثل:
لبت قليلاً يلحق الهيجا حمل
وهو حمل بن مالك به يضرب المثل، وقال سعد بعد ذلك: اللَّهمّ إن كان بقي من حرب
قريش شيء فأبقني لهم حتى أجاهدهم فيك، وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فافجرها
واجعل موتي فيها، ثم قال: فانفجرت من لبّته، والذي يقتضيه هذا اللفظ والذي قبله أنه حكم
فيهم وبلغ الأمل وأُجيبت الدعوة.
الثانية: قوله: (ضرب النبي عليه الصلاة والسلام خيمة في المسجد) دليل على اختصاص
الرجل بموضع فيه إذا أوطنه لحاجة، وأعظم الحاجة القرب من رسول الله عليه السلام.
الثالثة: أن فيه دليلاً على أن الرجل يجوز له أن يترك منزله ويسكن المسجد ليلاً ونهارا
لحاجة إن عرضت، أو لاغتنام قربة فيه إن حضرت.
(١) (أبو داود) الجهاد: باب في قتل النساء.
(٢) بياض بالأصول.