Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
كتاب البيوع/ باب ٤٧
أنَّ رَسُولَ اللَّهِنَ﴿ قَالَ: ((كَسْبُ الحَجَّامِ خِبِيثٌ. وَمَهْرُ الْبَغِيْ خَبِيثٌ. وَثَمَنُ الكَلْبِ
خَبِيثٌ))(١).
قَالَ: وفي البّابِ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي مَسْعُودٍ وَجَابِرٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنٍ
عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ رَافِعٍ حَدِيثٌ حَسَنَّ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ على هذا عِنْدَ أكْثَرِ أَهْلٍ
العِلم. ◌َكَرِمُوا ثَمَنَ الكَلْبِ. وَهُوّ قُوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحُقَ.
وَقَدْ رَخَّصَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ فِي ثَمَنِ كَلْبِ الصَّيْدِ.
١٢٧٦ - حقثنا قُتَيْبَةُ. حَدِّثَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. ح. وحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ المَخْزُومِيُّ وَغَيرُ وَاحِدٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةً عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبي
بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَ عَنْ ثَمّنٍ
الكُلْبِ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الكامِنِ(٢).
هذا حديثٌ حَسَنٌ صجیحٌ.
٤٧ - باب مَا جَاءَ في حَسْبِ الحَجَّامِ
[المعجم ٤٧ - التحفة ٤٧]
١٢٧٧ - هنئنا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ مُحَيِّصَّةً أُخِي
عشرين(٣): والثاني والحادي والعشرين(٣): قوله والإير: (كسب الحجام خبيث، ومهر البغي
خبيث، وثمن الكلب) ذكره عن رافع وقال: هو صحيح. فأما مهر البغي فلا كلام فيه، وأما
كسب الحجّام فقد وردت فيه ثلاثة أحاديث صحاح كلها، الأول: أن النبي ◌َلقدر حجم وأعطاه
النبي ﴾ صاعًا من طعام، ورُوِيَ: صاعين، ورُوِيّ: من تمر، ورُوِيّ: فأعطاه أجره. الثاني:
(١) أخرجه مسلم في: ٢٢ - كتاب المساقاة، حديث رقم ٤٠. وأخرجه أبو داود في: ٢٢ - كتاب
البيوع، ٣٨ - باب في كسب الحجام، حديث رقم ٣٤٢١.
(٢) أخرجه البخاري في: ٣٤ - كتاب البيوع، ١١٣ - باب ثمن الكلب، حديث ١١٢٢. وأخرجه مسلم
في: ٢٢ - كتاب المساقاة، حدیث ٣٩.
(٣) لعلها: الفوائد العشرون والحادية والثانية والعشرون.

٢٢٢
كتاب البيوع/ باب ٤٨
بَنِي حَارِثَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ النّبِيِّ :﴿ فِي إِجَارَةِ الحَجَّامِ فَتَهَاهُ عَنْهَا. فَلَمْ يَزَلْ يَسْألُهُ
وَيَسْتَأْذِنُهُ حتى قَالَ: ((أَعْلِفْهُ نَاضِحَكَ. وَأَطْعِمْهُ رَقِيقَكَ))(١).
قَالَ: وفي البّابِ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وَأَبِي ◌ُحَيْفَةً، وَجَابِرٍ، وَالسَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ مُحَيِّصَّةً حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالعَمّلُ على هذا عِنْدَ بَعْضٍ
أهلِ العِلْمِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ إِنْ سَأَلَنِي حَجَّامٌ نَهَيْتُهُ، وَآَخُذُ بهذا الحَدِيثِ.
٤٨ - باب مَا جَاءَ في الرُّخْصَةِ في كَسْبِ الحَجّام
[المعجم ٤٨ - التحفة ٤٨]
١٢٧٨ - عقدنا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ. أخبَرَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: سُئِلَ
أَنَسْ عَنْ كَسْبِ الحَجْامِ؟ فَقَالَ أَنَسٌ: احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿. وَحَجَمَهُ أَبُو طَيْبَةً. فَأَمْرَ لَهُ
بِصَاعَيْنِ مِنْ طَعَامِ وَكُلَّمَ أَهْلَهُ فَوَضَعُوا عَنْهُ مِنْ خَراجِهِ، وَقَالَ: ((إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ
الحِجَامَةُ)) و((إِنَّ مِنْ أَمْثَلِ دَوَائِكُمُ الحِجَامَةَ))(٢) .
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَلِيِّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ.
(أن النبي 18 نهى عنه، فلم يزل يستأذنه حتى قال: ((أصلفه نضاحك)) أو ((رقيقك)))، رواه ابن
محيصة الأنصاري عن أبيه. الثالث: هذا الذي تلوناه آنفًا، وكلها متعارضة وبعضها أخلف من
بعض. وأما قوله: ((كسب الحجام خبيث)؛ فهو نص في التحريم، قال سبحانه: ﴿ويحرم عليهم
الخبائث﴾ [الأعراف: ١٥٧]. وأما قوله: ((أعلفه نضاحك)) فكأنه مشتبه فنزّهه عنه في ذاته،
وأمره بإطعامه للإبل لا للرقيق، كما رواه يحيى، لأن ما لا يرضاه لنفسه في الطعام لا يرضاه
الرقيقه، لأنهم مكلّفون في الحلال والحرام والشبهة بمثل ما كُلْف به، بخلاف الإبل والبقر
والبهائم فإنه لا تكليف عليهم، فيجوز له أن يناولها ما لا يجوز له، وهي مسألة معلومة بيّاها في
موضعها. وإما إعطاءه إياه أجره فدليل على الحلّ المطلق، فإن النبي و# لا يدخل في شبهة لما
(١) أخرجه أبو داود في: ٢٢ - كتاب البيوع، ٣٨ - باب في كسب الحجام، حديث رقم ٣٤٢٢.
وأخرجه ابن ماجه في: ١٢ - كتاب التجارات، ١٠ - باب كسب الحجام، حديث رقم ٢١٦٦.
(٢) أخرجه البخاري في: ٧٦ - كتاب الطب، ١٣ - باب الحجامة من الداء، حديث ١٠٦٥. وأخرجه
مسلم في: ٢٢ - كتاب المساقاة، حديث رقم ٦٢.

٢٢٣
كتاب البيوع/ باب ٤٨
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَنَسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ رَخْصَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ
مِنْ أَصْحَابِ النّبِيِّ ◌ََّ وَغَيْرِهِمْ. في كَسْبِ الحَجَّامِ. وَهُوَ قَوْلُ الشّافِيِّ.
(١) في المتقدم منها من المتأخر،
هو عليه من رفيع المنزلة وواجب العصمة، ويثبت في
فتعيّن الترجيح أو التأويل. فأما التأويل فهو ردّ النهي فيه بأن يحمل على أنها كانت معاملة
(١) أو الجذاذ أو الحصاد، فيعطى معلومًا فيكون عوضًا عن عمل
يحتاجون إلى وقت
مجهول، أو مجهولاً فيكون عوضًا مجهولاً عن مجهول، فأعلمهم بتحريم ما اعتادوه وعرفوه
بينهم، وأعطاهم وَ معلومًا عن معلوم. وأما الترجيح: فإن الجواز أقوى من المنع للحاجة إليه،
فكان النبي ول﴿ منع منه، فلما رأى الحاجة إليه رخّص فيه، وقد يحمل النهي عن كسب الحجام
على ما حمل النهي من كسب الأمة، بأنها كانت في الجاهلية تكسب بفرجها، فرجع النهي إلى
ما لا يجوز، وإذا كسبت بيدها جاز، فكذلك كسب الحجام كان عندهم، مجهولاً فإذا تعاملوا
بمعلوم جاز، أما في احتجام النبي ◌َ# دليل على أن المراد ثمن أو دليل على أن ثمن المنافع
يجوز، أي: يجوز، أي: يجري فيه المتعاملان، فلا العادة والمروءة، فإذا عمل له إن أعطاه
أجره الواجب له جاز، وإن زاده شكر، وإن خاض به صبر مطلقًا، فبلغه حقه. وهي مأخوذة من
قاعدة العرب، إحدى القواعد العشر التي تتركب عليها أحكام المعاملات في المذهب المالكي،
وأما ثمن الكلب فقد تقدم القول في اقتنائه، وكل ما جاز اقتناؤه وانتفع به صار مالاً وجاز بذل
العوض منه. واختلف أصحابنا في بيعه هل هو محرم أو مكروه؟ وصرّح بالمنع مالك في
مواضع، والصحيح في الدليل جواز البيع، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعي: لا يجوز بيعه،
وظن بعضهم أن النهى عن بيع الكلب إنا هو في المأذون في اتخاذه، لأن المأمور بقتله لا ينهى
عن بيعه، قلنا: هذه غفلة، كان أمر بقتلها ثم نسخ الأمر بالقتل. وأذِنَ في الاتخاذ، وكان بعد
ذلك جواز البيع والنهي عنه. وقال بعضهم: إنه قرنه بحلوان الكاهن فدل على أنه حرام، ودليل
القرائن أضعف دليل لا يشتغل به المحقّقون، وقد حقّقنا المسألة في كتاب التلخيص والإنصاف
وغيره وهذا الباب. وقد روى أبو عيسى عن أبي المهزم يزيد بن سفيان (عن أبي هريرة أن
النبي 18 نهى عن ثمن الكلب إلا كلب الصيد)، ولم يصحّحه. وقد اتفق أرباب المذهب على
قيمته على مَن قتله، وما لزم قيمته كأنه مال، وترتب عليه جواز البيع. وأما حلوان الكاهن وهو:
الثالث والعشرون(٢): فمحرّم بإجماع الأمة، لأن ذلك من أكل الأموال بالباطل، فإنه مال بذل في
مقابلة فسق، أو قل: كفر، لأنه طلب غيبًا اتفرد الله بعلمه، وهو ما يكون في غد، وطلب معرفة
الغيب يكون بوجوه: منها مصادفة من غير واسطة، ومنها بواسطة، وقد كانت الجاهلية تتعرض
له بالوجهين وسيأتي الكلام عليه في موضعه بوجوهه وأحكامه إن شاء الله، وكانت العرب تسمّي
حذار الكاهن حلوانًا، كما كانت تسميّ الغراب عسبًا، كما كانت تسمي ثمن الفرج مهرًا.
(١) بياض بالأصل.
(٢) لعلها: الفائدة الثالثة والعشرون.

٢٢٤
كتاب البيوع/ باب ٤٩
٤٩ - بلب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةٍ ثَمَنِ الكَلْبِ والسِّنَّوْرِ
[المعجم ٤٩ - التحفة ٤٩]
١٢٧٩ - عقدنا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ قَالاً: أنْبَأَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنِ
الأعْمَشِ، عَنْ أبي سُفيّانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ و ◌َ﴿ عَنْ ثَمَّنِ الكَلْبِ
وَالسّوْرِ (١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ فِي إِسْنَادِهِ اضْطِرَابٌ. وَلاَ يَصِحَ فِي ثمّنِ السِّنَّوْرِ. وَقَدْ
رُوِيَ هذا الحَدِيثُ عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ بَعْضٍ أصْحَابِهِ، عَنْ جَابِرٌّ. وَاضْطَرَبُوا على الأعْمَشِ
في رِوَايَةٍ هذا الحَدِيثِ. وَقَدْ كْرِهَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ ثَمَنَ الهِرِّ. وَرَخَّصَ فِيهِ بَعْضُهُمْ.
وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَإِسْحَلْقَ. وَرَوَى ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنِ الأعْمّشِ، عَنْ أبي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي
هُزَيرَةَ، عَنِ النَّبيِّ ◌َ﴿ِ، مِنْ غَيْرِ هذا الْوَجْهِ.
١٢٨٠ - عقدها يَحْيِى بْنُ مُوسَى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أخبَرَنَا عُمَرُ بْنُ زَيْدِ الصَّنْعَانِيُّ
عَنْ أبي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابٍِ، قَالَ: نَهَى النَّبيِّ ◌َّهَ عَنْ أَكْلِ الهِرِّ وَثَمَتِهِ (٢).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. وَعُمَّرُ بْنُ زَيْدٍ، لاَّ نَعْرِفُ كَبِير أحَدٍ رَوَى عَنْهُ،
غَيْرَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ.
الخامس والعشرون(٣): مسألة السنور. خرّج أبو عيسى حديث جابر (عن طريق أبي سفيان عن
جابر، نهى النبي ( عن ثمن الكلب والسنور). وقال: فيه اضطراب. وخرّجه (من طريق أبي
الزبير عنه أنه نهى عن أكل الهرّ وثمنه)، وغرّبه ولم يُسَمِّ عمر بن زيد راويه. وقد رواه مسلم
وصححه، وبيّنًا معناه وأنه لما يراعى فيه أن يكون دائرًا في المنازل لا يأوي إلى أحد ولا تدخل
عليه يد ليعمّ نفعه، وقد نبّه النبي على هذه العلّة بقوله: ((إنها من الطوافين عليكم أو
(١) أخرجه أبو داود في: ٢٢ - كتاب البيوع، ٦٢ - باب في ثمن السنور؛ حديث رقم ٣٤٧٩. وأخرجه
ابن ماجه في: ١٢ - كتاب التجارات، ٩ - باب النهي عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن
وعسب الفحل، حديث ٢١٦١.
(٢) أخرجه أبو داود في: ٢٢ - كتاب البيوع، ٦٢ - باب في ثمن النور، حديث رقم ٣٤٨٠. وأخرجه
ابن ماجه في: ٢٨ - كتاب الصيد، ٢٠ - باب الهرة، حديث رقم ٣٢٥٠.
(٣) لعلها: الفائدة الخامسة والعشرون.

٢٢٥
كتاب البيوع/ باب ٥٠ ٥١٬
٥٠ - باب
[المعجم ٥٠ - التحفة ٥٠]
١٢٨١ - الهُبَوَذَا أَبُو كُرَيْبٍ، أَخْبَرَنًا وَكِيعٌ عَنْ حَمَّادِ بْنٍ سَلَمَةَ، عَنْ أبي المُهَزِّمِ،
عَنْ أبي هُرَيْرَةً قَالَ: نَهَى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ، إلاَّ كَلْبَ الصَّيْدِ (١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ لاَ يَصِحْ مِنْ هذا الوَجْهِ. وَأَبُو المُهَزِّمِ اسْمُهُ يَزِيدُ بْنُ
سُفْيَانَ. وَتَكْلِّمَ فِيهِ شُعْبَةُ بْنُ الحَجَّاجِ وَضَعْفَهُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَابٍِ، عَنِ النَّبِّ ◌َِه نحوُ هذا. وَلاَ يصِحُ إِسْنَادُهُ أيْضًا.
٥١ - باب مَا جَاءَ فِي ◌َرَاهِيَّةٍ بَيْعِ المُغَنِّيَّاتِ
[المعجم ٥١ - التحفة ٥١]
١٢٨٢ - عقدنا قُتَيْبَةُ. أخْبَرَنَا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ. عَنْ عَلِيِّ بْنِ
يَزِيدَ، عَنِ القَاسِمِ، عَنْ أبي أُمَامَةً، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ قَالَ: ((لاَ تَبِيعُوا القَيْئَاتِ وَلاَ
تَشْتَرُوهُنَّ. وَلاَ تُعَلَّمُوهُنَّ. وَلاَ خَيْرَ في تِجَارَةٍ فِيهِنَّ. وَثَمَّنُهُنَّ حَرَامٌ. في مِثْلٍ هذا، أُنْزِلَتْ
هذِهِ الآيَةُ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَّهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٦] إلى
آخر الآيةِ(٢).
العطوّافات)، فذكر عموم دورانها وجهة الاشتراك في منفعتها، فطلب الاستبداد بها طلب نقض
مصلحة، ولذلك حين خالف الناس ذلك إذا وقفوها بطل نفعها في طرد الفأر، أو قل: ولو
أرسلوها لطردته على المدينة، أو أجحرته حتى لا يظهر. السادس والعشرون(٣):
باب كراهية بيع المغنيات
ذكر حديث (أبي أمامة عن النبي ير قال لا تبيعوا المغنيات ولا تشتروهنّ ولا تعلّموهنّ ولا
خير في تجارة فيهنّ وثمنهنّ حرام في مثل ذلك نزلت ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث﴾
الآية) وقال: إن راويه علي بن يزيد ضعيف.
(١) لم يخرجه من أصحاب الكتب الستة أحد سوى الترمذي.
(٢) أخرجه ابن ماجه في: ١٢ - كتاب التجارات، ١١ - باب ما لا يحل بيعه، حديث ٢١٦٨.
(٣) هكذا بالأصل.
عارضة الأحوذي/ ج ٥/ م ١٥

٢٢٦
كتاب البيوع/ باب ٥٢
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أبي أُمَامَةَ، إِنَّمَا نعَرِفُهُ مِثْلَ هذا مِن هذا الوَجْهِ. وَقَدْ تَكَلِّمْ
بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ فِي عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ وَضَعْفَهُ. وَهُوَ شَامِيٌّ.
٥٢ - باب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الفَرْقِ بَيْنَ الأخَوَيْنِ،
أُ بَيْنَ الوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا فِي الْبَيْعِ
[المعجم ٥٢ _ التحفة ٥٢]
١٢٨٣ - عقثنا عُمَّرُ بْنُ حَفْصِ الشَّيْبَانِيُّ. أخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَني
حُيَيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أبي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحُبُلِيِّ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسولَ
اللَّهِ ﴿ يَقُولُ: ((مَنْ فَرِّقَ بَيْنَ الوَالِدَةِ وَوّلْدِهَا، فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ))(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
١٢٨٤ - هقائنا الحَسَنُ بْنُ قَزَعَةً. أخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ
قال ابن العربي: قد بيّنًا معنى الآية في كتاب التفسير، وهذا قول ضعيف، فأما منع بيع
المغنية فينبني على أن الغناء حرام أو حلال، وليس الغناء بحرام، فإن النبي * قد سمعه في بيته
وبيت غيره، وقد وقف عليه في حياته. وإن زاد فيه أحد على ما كان في عهد النبي ﴿﴿ عودًا
يصوّت عليه نغمة، فقد دخل في قوله: مزمار الشيطان في بيت رسول الله وَإ؟ فقال: ((دعهما،
فإنه يوم عيد»، وإن اتصل نقر طنبور به فلا يؤثّر أيضًا في تحريمه، فإنها كلها آلات تتعلق بها
قلوب الضعفاء وللنفس عليها استراحة وطرح لثقل الجدّ الذي لا تحمله كل نفس ولا يتعلق به
قلب، فإن تعلّقت به نفس فقد سمح الشرع لها فيه. وقد قال علماؤنا بجملتهم: أن مَن اشترى
جارية فظهر منها على أنها قينة فله الخيار، ولو كان عندهم بيعها غير جائز لحكموا بفسخه ولم
يجعلوا له خيارًا فيه، وإنما جعل الخيار له فيه لما عليه من المشقّة في حفظها والتكلّف لسعة
آمالها في قطع العلائق التي تربط بالغناء من فساد المقاصد والتشوّف إلى الخلطة، وعواقب ذلك
كله غير محمودة.
باب التفريق بين الوالدة وولدها في البيع والأخوين
ذكر حديث (أبي أيوب مَن فرّق بين والدة وولدها فرّق الله بينه وبين أحبّته) وهذا حديث
(١) لم يخرجه من أصحاب الكتب الستة أحد سوى الترمذي.

٢٢٧
كتاب البيوع/ باب ٥٢
سَلَّمَةَ، عَنِ الحَجَّاجِ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ مَّيْمُونِ بْنِ أبي شبِيبٍ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: وَهَبَ لِي
رَسُولُ اللَّهِن ◌َّهَ غُلاَمَيْنِ أَخَوَيْنٍ. فَبِعْتُ أَحَدَهُمَا. فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ وَلَ﴿هَ: ((يَا عَلِيُّأَ مَا
فَعَلَ غُلاَمُكَ))؟ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: ((رُدَّهُ، رُدَّهُ﴾(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنَّ غَرِيبٌ، وَقَدْ كَرِهَ بَعْضُ أهلِ العِلمِ مِنْ أَصْحَابِ
النّبِّ رَهُ وَغَيْرِهِمْ، التّفْرِيقَ بَيْنَ السِّنْيٍ فِي الْبَيْعِ.
وَرَخَّصَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ فِي التَّقْرِيقِ بَيْنَ الْمُؤَلَّدَاتِ الَّذِينَ وُلِدُوا في أرْضِ الإسْلاَمِ.
وَالقَوْلُ الأوَّلُ أُصَحُّ.
وَرُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ فَرِّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا فِي الْبَيْعِ. فَقِيلَ لَهُ في ذلِكَ؟
فَقَالَ: إِنِّي قَدِ اسْتَأْذَنْتُهَا بِذُلِكَ. فَرَضِيَتْ.
حسن غريب. وذكر حديث (علي بن أبي طالب قال وهب لي رسول الله 8# غلامين أخوين
فبعت أحدهما فقال رسول الله (8#9 با عليّ ما فعل غلامك فأخبرته فقال رذه ردّه) حسن غريب.
قال ابن العربي رحمه الله: مسألة غريبة شهرتها أوفى من أحاديثها، وهي تدور على ثلاثة
فصول :
الفصل الأول: في الأقوال فيها. وقد اختلف العلماء فيها على أربعة أقوال: الأول: أنه لا
يفرّق بين الوالدة وولدها، ولا بين الوالد وولده، ولا بين الأخوين والأختين، قاله أبو حنيفة.
الثاني: أنه يفرّق بين الوالد وولده، قاله ابن القاسم. الثالث: أن ذلك في الحربيات لا في
المولّدات الذين ولدوا في أرض الإسلام. الرابع: تجوز الفرقة إذا أذِنَت في ذلك الأُم، قاله
إبراهيم النخعي، وبه قال مالك وابن القاسم في أحد روايتيه، وروى عنه محمد وقال ابن
الماجشون : لا يجوز ذلك.
التوجيه: هذه المسألة تنبني على أن الجمع حق الأم أو حق الولد: في ذلك لعلمائنا ثلاثة
أقوال: الأول: أنه حق الولد. الثاني: أنه حق الأم. الثالث: أنه حق الله. فإن قلنا حق الولد
للرفق به، أو حق الله لم يعمل الرضا في إسقاطه، وإن قلنا حق الأم عمل الرضا ولم يشهد طعم
الحديث، فإنه رُوِيَ: ((لا توله والدة على ولدها»، أي لا تخرج إلى الوله وهو الحزن الذي
يخرج عن التحصيل بغلبته على المعقول. الثالث: وإن قلنا حق الأم فالأب مثلها، وإنما أمر
(١) أخرجه ابن ماجه في: ١٢ - كتاب التجارات، ٤٦ - باب النهي عن التفريق بين السبي، حديث
٢٢٤٩.

٢٢٨
کتاب البيوع/ باب ٥٣
٥٣ - باب مَا جَاءَ فِيمَنْ يَشْتَرِي العَبْدَ وَيَسْتَغِلْهُ ثُمَّ يَجِدُ بِهِ عَنْبًا
[المعجم ٥٣ - التحفة ٥٣]
١٢٨٥ - حقّدنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى. حَدَّثَنَا عُثمانُ بْنُ عَمْرٍو أبُو عَامِرِ العَقْدِيُّ. عَنِ
ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ مَخْلَدِ بْنِ خُفَافٍ، عَنْ عُرْوَةً، عَنْ عَائِشَةَ؛ أنَّ رَسُولَ اللَّهِفَهِّ قَضَى أَنَّ
الخَرَاجَ بِالضَّمَانِ(١).
عليه لما عندها من مزيد اللطف به، وأما الأخوات فحديث عليّ حجة عليه، وقال علماؤنا:
نحمله على الاستحباب، والحقيقة فيه أنه لو راعى المحرمية لَمّا جازت التفرقة بينه وبين الخالة،
لوجود المحرمية بينهم.
الفصل الثاني: في التفرقة. وفي ذلك خمسة أقوال: الأول: إذا تغر بالتاء المعجمة باثنين
فوقها يعني إذا سقط تغره(٢)، قال مالك. الثاني: إذا عرف ما يؤمر وينهى، قاله
(٣).
الثالث: إذا بلغ سبع سنين، قاله الشافعي. الرابع: إذا بلغ عشر سنين، قاله ابن وهب والليث.
الخامس: إذا بلغ، قاله أبو حنيفة وابن غانم عن مالك. السادس: لا يفرّق بينهما أبدًا، قاله ابن
عبد الحکم عنه.
التوجيه: أما مَن قال: يفرّق بينهما إذا أبدل أسنانه(٤)، فلأنه في تلك الحال يستغني عن
أُمه في معظم أحواله، فإنه يدبر في شأنه ويعتمل، ويقوم بالإعراب عن حاجته ويستقل. وأما مَن
قال: إنه يفرّق بينهما لسبع سنين، فإنها حالة معظم الأتفار(٥) ووقت يستقل فيه يميز الأمور
الكبار، ولأجله جاء في الحديث: ((مُروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر»، وهو وجه من
قال: العشرة الأعوام، والمعنى هو المعنى. وأما مَن قال: البلوغ، فلأنها الاستقلال التام وأجل
عمل التكليف العام، ويجري عليه قلم العقاب. وأما مَن قال: لا يفرّق بينهما أبدًا، فلأجل أنه
جعله حق الأم، وهو ظاهر الحديث المروي.
والصحيح هو الاتفار، فإنه إذا لم يكن بُدُّ من التفرقة فذلك أول الأوقات التي يستغني فيها
عنها وآخرها البلوغ وأوسطها العشر، فإما أن يتعلق الحكم بأول الأحوال وإما بأوسطها وإما
بآخرها، وهي مسألة أُصولية، والله أعلم.
(١) أخرجه أبو داود في: ٢٢ - كتاب البيوع، ٧١ - باب فيمن اشترى عبدًا فاستعمله ثم وجد به عيبًا،
حديث ٣٥٠٨. وأخرجه النسائي في: ٤٤ - كتاب البيوع، ١٥ - باب الخراج بالضمان.
(٣) بياض بالأصل.
(٢) هكذا بالأصل.
(٤) وهو معنى: سقط تغره، في القول الأول.
(٥) هكذا بالأصل، وهي لفظة غريبة.

٢٢٩
كتاب البيوع/ باب ٥٣
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ رُوِيَ هذا الحَدِيثُ مِن غَيْرِ هذا
الْوَجْهِ. وَالعَمَلُ على هذا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ.
١٢٨٦ - عقدنا أَبُو سَلَمَةً يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ. أخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيِّ المُقَدِّمِيُّ عَنْ
هِشَامٍ بْنِ عُزْوَةً، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أنَّ النَّبِيِّ ◌َهُ قَضَى أنَّ الخَرَاجَ بِالضَّمانِ(١).
قَالَ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ هِشَامٍ بُنِ عُزْوَةً.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَقَدْ رَوَى مُسْلِمُ بْنَّ خَالِدِ الزَّنْجِيِّ هذا الحَدِيثَ عَنْ هِشَامٍ بْنِ
عُزْوَةً. وَرَوَاهُ جَرِيرٌ عَنْ هِشَامٍ أيضًا. وَحَدِيثُ جَرِيرٍ، يُقَالُ تَدْلِيسٌ دَلْسَ فِيهِ جَرِيرٌ. لَمْ
يَسْمَعْهُ مِنْ هِشَامٍ بْنِ عُزْوَةً.
تركيب: فإن فرّق بين الوالدة وولدها رذ البيع. فما روى أبو داود عن عليّ أنه فرّق بين
جاريته وولدها فنهاه النبي # عن ذلك ورة البيع. وقد اختلف علماؤنا في جهة الجمع هل
يكون في ملك أو في حوز؟ بفروع وتوجيهات ليس لها موضع في العارضة، فأُرجئت إلى
موضعها إن شاء الله.
السابعة والعشرون (٢): نهى النبي ﴾ عن بيع المحاقلة والمزابنة والمخابرة والثني. قال
القاضي رحمه الله: الحديث صحيح، والمحاقلة والمزابنة قد تقدّما. وأما المخابرة فقال قوم:
معناه معاملة النبي # بخيبر، نهى عن ذلك لمعنيين: أحدهما أن ذلك مفسوخ، الثاني أنه كان
اليهود عبيدًا له، فأعطى ماله لعبيده على وجه لا يجوز مع غيرهم، لأن حكم السيد مع عبده في
ماله حكمه مع نفسه، قاله أصحاب أبي حنيفة، وهذا فاسد بيّنته في المساقاة إن شاء الله، وإنما
حقيقة المخابرة المزارعة، والخبر هو الإنكار لأنه يخبر الأرض أي يثيرها ويستخرج خباياها،
وبهذا احتجّ الشافعي على منع المزارعة، وقد زارع النبي# خيبر فبطل ما قاله الشافعي، وإنما
المخابرة المنهي عنها هي المزارعة المزارع في الأرض ببعض ما يخرج منها، فبذلك تنتظم
الأحاديث ويرتفع التعارض عنها. وأما الثني في العربية فعلى بضم الفاء من ثنى يثني إذا عاد إلى
الشيء مرة أخرى، ومعناها في الأحكام في البيوع والأيمان أن يذكر كلامًا يقتضي بعمومه معاني
أو معنى، ثم ثنى على ما ذكر فيخرج بعض المعاني من مقتضى لفظه، أو لفظه أحوال، المعنى:
فأذِنَ الشرع في ذلك في الأيمان والبيوع بتفصيل وشروط بيّاها في بابها.
الأحكام: في ثلاث مسائل:
(١) أخرجه ابن ماجه في: ١٢ - كتاب التجارات، ٤٣ - باب الخراج بالضمان، حديث ٢٢.
(٢) لعلها: الفائدة السابعة والعشرون.

٢٣٠
كتاب البيوع/ باب ٥٣
وَتَفْسِيرُ الخَرَاجِ بِالضَّمانِ، هُوَ الرَّجُلُ يَشْتَرِي العَبْدَ فَيَسْتَغِلُهُ ثُمْ يَجِدُ بِهِ عَيْبًا فَيَرُدُّهُ
على البَائِعِ. فَالغَلَّةُ لِلْمُشْتَرِي. لأنَّ العَبْدَ لَوْ هَلَكَ، هَلكَ مِنْ مَالِ المُشْتَرِي. وَنَحْوُ هذا
مِنَّ المَسائِلِ، يَكُونُ فِيهِ الخَرَاجُ بالضَّمانِ .
قَالَ أَبُو عِيسَى: اسْتَغْرَبّ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ هذا الحَدِيثَ، مِنْ حَدِيثٍ عُمَرَ بْنِ
عَلِيٍّ. قُلْتُ: تَرَاهُ تَدْلِيسًا؟ قَالَ: لاَ.
الأولى: اختلف الناس في المخرج بالثني من مقتضى القول، هل تبن الثني أنه لم يدخل
قطّ في الكلام أو دخل فيه ثم خرج؟ فأما دخوله في الكلام فيبني على مسألة أُصولية، وهي أن
العموم هل له صيغة أم لا؟ فإن قلنا: له صيغة، كان إخراجًا لما دخل في الكلام، وإن قلنا: لا
صيغة، لم نقل إنه دخل فيه، وإنما هو بيان لمقتضاه. وهبنا قلنا: إن العموم له صيغة، هل الأمر
منوط بقصد المتكلم؟ فإن كان لم يدخله في اللفظ فلم يتناوله اللفظ بحال، وإن كان دخل في
اللفظ بنيّة وقد أخرجه فيخرج بأحكام الظاهر ضرورة، وهل يخرج في أحكام الباطن أم لا؟
مسألة خلاف بين العلماء، ومثاله أن الرجل إذا قال: نسائي طوالق، ثم قال: إلا زينب، فقد
يحتمل أن يكون إخراج زينب بعد إرادتها بقلبه، فاستدرك فثنى عليها بالإخراج، ويحتمل أن
يكون قد عقد ذلك بأول نيّة، فإن كان قد عقد ذلك من أول نيّة وأعلن بذلك فلا يُلام، وإن
قال: ما بنيت عليها القول بالإخراج إلا بعد تمام الكلام وجزم النيّة، ثم عدت إليها فاستدركت
إخراجها، فقد وقع لمحمد أن الاستثناء في اليمين لا ينفعه إلا أن يكون معقودًا في نفسه مع
اليمين أو قبل تمامها في نفسه، ثم يظهر من ذلك ما أضمر، ومَن قال هذا فقد خَفِيّ عليه معنى
الاستثناء وفائدته في الشريعة، وقد بيّتًا ذلك في موضعه.
الثانية: إذا فهم هذا العقد فالثاني في البيع يكون على وجوه في أقوال، وأكثر ما وقعت
وأشكل ما نزلت في الثمار، وقد اختلف فيها السلف، فيُروَى عن عبد الله بن عمر جوازها
ومنعها، والمنع أسد والجواز أصح، هكذا في الجملة، وتفصيله أنه إذا استثنى فله أربعة صور:
الأولى: أن يقول: إلا ربعها، إلا ثلثها، إلا نصفها، إلا ثلثيها. الثانية: أن يقول: إلا صاعًا، إلا
كذا صاعًا. الثالثة: أن يقول: ثمرتي بمائة إلا واجب عشرة دراهم. الرابعة: أن يقول: أبيع
حائطي إلا هذه الشجرات. وأما الأول فلا خلاف في الثلث، واختلف فيما زاد عليه بناء على أن
استثناء الأكثر من الجملة كلام أو لعب، وعبد الملك من أصحابنا منعه لذلك. وأما إذا استثنى
آصعًا معلومة، فقال مالك: يجوز، إذ لم يجاوز الثلث، وعليه العمل بالمدينة. وقال الشافعي
وأبو حنيفة: لا يجوز، ورآه غررًا للجهالة التي فيه، إذ لا يعلم قدره ولا يُحاط به، وهذا يصح
لهم لو كانوا قالوا: لا يجوز بيع الثمرة إلا على الكيل، فإذا جاز بيعها في رؤوس النخل على
الجزاف فقد دلّ ذلك على أنها معلومة بالحوز، وذلك أمر مدرك بالمشاهدة والتجربة، فعلمت
الجملة علم التفصيل من أجزاء الجملة. فإن قيل: إذا كانت مصبرة أيجوز ذلك فيها؟ قلنا: قال

٢٣١
كتاب البيوع/ باب ٥٤
٥٤ - بلب مَا جَاءَ فِي الرُّخْصَةِ فِي أَكْلِ الثَّمَرَةِ لِلْمَارِّ بهَا
[المعجم ٥٤ - التحفة ٥٤]
١٢٨٧ - حقئنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ أبي الشّوَارِبِ. حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ سُلَیم،
عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: ((مَنْ دَخَلَ حَائِطًا
فَلْيَأْكُلْ وَلاَ يَتَّخِذْ خُبْنَةً»(١).
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَعَبَّادٍ بْنِ شُرَخْبِيلَ وَرَافِعِ بْنِ عَمْرٍو وَعُمَيْرٍ
مَوْلَى آبي اللَّحْمِ وَأَبِي هُرَيْرَةً.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ. لاَ تَعْرِفُهُ مِنْ هذا الوَجْهِ إِلاَّ مِنْ
حَدِيثٍ يَخيِّى بْنِ سُلَّيمٍ. وَقَدْ رَخَّصَ فِيهِ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ لايْنِ السَّبِيلِ في أكْلِ الثَّمَار.
وَكَّرِهَهُ بَعْضُهُمْ إِلاَّ بِالثّمَّنِ.
١٢٨٨ - عقدنا أبُو عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ مُوسَى عَنْ صَالِحِ بْنِ أبِي جُبَيْرٍ عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ رَافِعِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: كُنْتُ أرْمِي نَخْلَ الأنْصَارِ. فَأَخَذُونِي فَذَهَبُوا بِي إلى
النَّبِيََِِّّ. فَقَالَ: ((يَا رَافِعُ! لِمَ تَرْمِي نَخْلَهُمْ))؟ قَالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! الجُوعُ، قَالَ:
(لاَ تَرْمٍ. وَكُلْ مَا وَقَعَ. أَشْبَعَكَ اللَّهُ وَأَزْوَاكَ))(٢).
هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
ابن الماجشون عن مالك: لا يجوز أن يستثني من الصيرة شيئًا بحال، ولا جزءًا شائعًا، وروى
غيره جوازه، والأول أصح، لأن الصبرة يمكن كيلها وهذه لا يمكن ذلك فيها، ألا ترى إلى
اتفاقهم على بيع الصبرة كل قفيز بدرهم؟ ولا يجوز ثمرة الحائط على أن كل صاع بكذا في أصح
الأقوال، وأما إذا استثنى منه بدراهم معلومة فذلك جائز، ولا ينفي أن يكون منه خلاف منّا، لأن
تقدير الثمن تقدير المثمون، وأما إذا استثنى شجرات فجائز بلا كلام لانتفاء الغرر، وتعيين البيع
مما ليس بمبيع فارتفع الخلاف، ولو كان على أن يختارها فقد اختلف علماؤنا فيه، والصحيح أنه
لا يجوز ذلك، لأنه استثناء مجهول. وظن بعض أصحابنا أنه لم يجز لأنه ربما اختار منها شجرًا
ثم جعلها في غيرها، فيدخله التفاضل في الطعام، وهذا فرع على أنه جائز في الأصل، وإنما
(١) أخرجه ابن ماجه في: ١٢ - كتاب التجارات، ٦٧ - باب من مرّ على ماشية قوم أو حائط، هل
یصیب منه؟ حدیث ٢٣٠١.
(٢) لم يخرجه من أصحاب الكتب الستة أحد سوى الترمذي.

٢٣٢
کتاب البيوع/ باب ٥٥
١٢٨٩ - عقدنا قُتَيْبَةُ. حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ عَجْلاَنَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ
أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ؛ أنَّ النَّبِيِّ ◌َ﴿ سُئِلَ عَنِ الثَّمَرِ المُعَلَّقِ. فَقَالَ: ((مَنْ أَصَابَ مِنْهُ مِنْ ذِي
حَاجَةٍ، غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةٌ، فَلاَ شَيْءٍ عَلَيْهِ))(١) .
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
٥٥ - بلب مَا جَاءَ فِي النَّهْي عَنِ النُّنْيَا
[المعجم ٥٥ - التحفة ٥٥]
١٢٩٠ - حقتنا زِيّادُ بْنُ أَيُّوبَ البَغْدَادِيُّ. أخْبَرَنَا عَبَّادُ بْنُ العَوَّامِ قَالَ: أَخْبَرَنِي
سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُيَيْدٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ؛ أنْ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ نَهَى عَنِ
المُحَاقَّلَةِ وَالمُزَابَةِ وَالمُخَابَرَةِ وَالثُّنْيَا، إلاَّ أنْ تُعْلَمَ (٢).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، غَرِيبٌ مِنْ هذا الوَجْهِ، مِنْ حَدِيثٍ
يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ.
امتنع بالمآل وهو ممنوع أصلاً، لأنه غرر مجهول لا يتحصّل فلم يجز بيعه ابتداء ولا ثبّتناه
انتهاء .
الثالثة: إذا باعه عشرة أذرع وهي مائة، قال في مسائل الخلاف: صح، وقال أبو
حنيفة: لا يجوز، لأنه لمّا لم يعينها صارت مجهولة، والذي عندي فيه إن كانت مبنيّة
بثبوتها ومنافعها لم يجز بحال، لاختلاف المنافع والأغراض في كل عشرة، فلا يعلم المبيع،
وأما إن كانت مساحة فل يخلو أيضًا أن تكون متساوية الأطراف والجهات أو مختلفة، فإن
كانت مختلفة في ذلك لم يجز للغرر والجهالة، وإن كان ذلك سواء فيها جاز بيعها، وكان
ذلك كبيعه لعشرة أقفزة من هذه الصبرة، وهذا دستور الباب يدلّك على الباقي فإنه كثير
الفروع. الحادي والثلاثون (٣) :...
(١) أخرجه أبو داود في: ١٠ - كتاب اللقطة، حديث رقم ١٧١٠. وأخرجه النسائي في: ٤٦ - كتاب
قطع السارق، ١٢ - باب الثمر الذي يقطع بعد أن يؤويه الجرين.
(٢) أخرجه البخاري في: ٤٢ - كتاب الشرب والمساقاة، ١٧ - باب الرجل يكون له ممر أو شرب في
الحائط، حديث ٧٩٤. وأخرجه مسلم في: ٢١ - كتاب البيوع، حديث رقم ٨١.
(٣) هكذا بالأصل.

٢٣٣
كتاب البيوع/ باب ٥٦
٥٦ - باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَّةِ بَيْع الطَّعَامِ حتى يَسْتَوْفِيَّهُ
[المعجم ٥٦ - التحفة ٥٦]
١٢٩١ - عقدنا قُتَنْيَةُ. حَدِّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَّاوُسٍ، عَنِ
ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أنَّ النّبيَّنِ ﴿ قَالَ: (مَنِ ابْتَاعَ طعامًا فَلاَ يِيِعْهُ حتى يَسْتَوْفِيَهُ».
قَالَ ابْنُّ عَبَّاسٍ: وَأَحْسِبُ كُلَّ شَيءٍ مِثْلَهُ(١).
قَالَ: وفي البّابِ عَنْ جَابِرٍ وَابْنٍ عُمَرٌ وَأَبِي هُرَيْرَةً.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ على هذا عِنْدَ
أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. كَرِهُوا بَيْعَ الطَّعَامِ حتى يَقْبِضَهُ المُشْتَرِي. وَقَدْ رَخّصَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ
فِيمَنِ ابْتَاعَ شَيْئًا مِمَّا لا يُكَالُ وَلاَ يُوزّنُ، مِمَّا لاَ يُؤْكَّلُ وَلا يُشْرَبُ، أنْ يَبِيعَهُ قَبْلَ أنْ
يَسْتَوْفِيَهُ. وَإِنَّمَا التَّشْدِيدُ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ، في الطَّعَامِ. وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَإِسْحَقَ.
باب كراهية بيع الطعام قبل استيفائه
عمرو بن دينار عن طاوس (عن ابن عباس أن النبي # قال مَن ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى
يستوفيه قال ابن عباس وأظن كل شيء مثله). قال ابن العربي رحمه الله: أحاديث الباب قد تقدم
بعضها، ومنزلتها في الصحة والحسن، وفيه أحكام كثيرة جميعها في سبعة مسائل:
الأولى: في ذلك الأقوال وأن تدخله فيه (٢).
الثانية: وهو تصوير المُحال، وذلك أقوال. الأول: الطعام المعين الذي بقيت توفيته.
الثاني: الطعام الجزاف المعين. الثالث: طعام في الذمّة أو غيره. الرابع: كل مأكول، حتى
الملح وحَبّ الكزبرة وزريعة الفجل دون البصل والكراث. الخامس: التوابل كالكزبرة ونحو منه
الحلبة. السادس: العقار، فإذا كان في الطعام حقّ توفيه فلا خلاف في أنه لا يُباع حتى يقبض،
وغيره لا يباع إذا كان معينًا جزافًا. قال مالك: يستحب أن لا يباع حتى يقبض، وقال غيره: لا
يباع بحال حتى يقبض، فإن كان في الذمّة من قرض جاز بيعه قبل قبضه خاصة، والطعام
المأكول كله على حكم غيره كما تقدم ذكره لا يباع قبل استيفائه. واختلف علماؤنا في التأويل
على قسمين، وقال أحمد: لا يُباع شيء من الطعام حتى يقبض بحال من الأحوال، والعروض
(١) أخرجه البخاري في: ٣٤ - كتاب البيوع، ٥٤ - باب ما يذكر في بيع الطعام والحكرة، حديث رقم
١٠٨٠. وأخرجه مسلم في: ٢١ - كتاب البيوع، حديث رقم ٢٩.
(٢) هكذا بالأصل.

٢٣٤
كتاب البيوع/ باب ٥٧
٥٧ - باب ما جاءَ في النَّهيٍ عَنِ البَيعِ على بَنِعِ أَخِيهِ
[المعجم ٥٧ - التحقة ٥٧]
١٢٩٢ - عقدها قُتَيْبَةُ. حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِِّ﴿ قَالَ:
(لا يَبيعُ بَعْضُكُمْ على بَيْعِ بَعْض. وَلاَ يَخْطُبُ بَعْضُكُمْ على خِطْبَةٍ بَعْضٍ))(١).
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَسَمُرَّةً.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ حُسْنٌ صَجِيحٌ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِّ ◌َ ﴿ أَنَّهُ قَالَ: ((لاَ يَسُومُ الرَّجُلُ على سَوْمٍ أَخِيهِ) وَمَعْنَى الْبَيْعِ في
هذا الحَدِيثِ عَنِ النَّبِيْ ﴾، عِنْدَ بَعْضٍ أهْلِ العِلْمِ، هُوّ السَّوْمُ.
تُباع قبل القبض. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يُباع قبل القبض، وهو مذهب ابن عباس. وقال
عثمان وسعيد: كل مكيل وموزون لا يُباع قبل قبضه خاصة. وقال أبو حنيفة: يباع العقار وحده
قبل القبض. أصل هذه المسائل أن البيع قبل القبض هل هو معلّل أم لا؟ وقد تقدم من كلامنا
أنه غير معلّل، وإنما هو تعبّد، وقال أبو حنيفة: إنما لم يجز بيع ما لم يقبض للغرر، لأنه
يخشى أنفساخ العقد بهلاكه، فإذا باعه وهلك انفسخ البيع فدخل على غرر لا يدري هل يحصل
عليه أم لأمد وعندنا أن المبيع بنفس العقد دخل في قبضه وحصل في ضمانه إذا لم يكن فيه
علقة، فإن بقيت فيه علقة توفية فهو من ضمان بائعه، لأنه لم يقصد هذا بعد. وقال المخالفون
كذلك: لم يقبض العبد والدته فقد بقيت فيه علقة، فينبغي أن تكون من ضمان البائع. وقد
اختلف المالكية فيه إذا حبس البائع حتى يعطي الثمن فهلك هل يكون في ضمان البائع أو في
ضمان المشتري؟ وهذا يدلّ على أنه تحت يده وفي علقته إذا حكمنا بضمانه عليه، وهو ليس
بمتعدّ في حبسه، وإلى هذه النكتة أشار ابن عباس بقوله: وأحسب كل شيء مثله، وأشار أبو
حنيفة إلى أنه من جهة الغرر، وقال مالك: يجوز له حبسه عن ثمنه وليس بمتعدُّ فيه، والعمدة
لنا في أنه يضمنه بمجرد العقد الصحيح أن النبي ﴿ قضى أن الخراج بالضمان، فكلّ ما كانت
له فائدة العين فإنه من ضمانه، وتعلق القاضي أبو محمد بنكتته، وهو أن المشتري لو أتلف البيع
قبل القبض لكان من ضمانه، فكذلك إذا جاء التلف من غيره. وأما من قال ذلك مقصور على
الطعام، فتعلق بظاهر الحديث نهي عن بيع الطعام، وظن أن العلة هي كونها طعامًا، وليس
كذلك، وإنما العلة إذا بقيت فيه توفية. وأما مَن قال: إنه التوابل، فلأنها مصلحة الطعام فتدخل
(١) أخرجه البخاري في: ٣٤ - كتاب البيوع، ٥٨ - باب لا يبع على بيع أخيه، حديث ١٠٨٢. وأخرجه
مسلم في: ٢١ - كتاب البيوع، حديث رقم ٨.

٢٣٥
كتاب البيوع/ باب ٥٨ ,٥٩
٥٨ - باب مَا جَاءَ في بَيِعِ الخَمْرِ والتَّهي عَنْ ذِكَ
[المعجم ٥٨ - التحفة ٥٨]
١٢٩٣ - عقدها حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةً. حَدِّثَنَا المُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ لَيْئًا
يُحَدِّثُ عَنْ يَخْيَى بْنِ عَبّادٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّهُ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! إني اشْتَرِيْتُ
خَمْرًا لأيْتَامِ في حِجْرِي. قالَ: ((أَفْرِقِ الخَمْرَ وَاكْسِرِ الدِّنَانَ))(١).
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ جابِرٍ وَعَائِشَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَبِي طَلْحَةَ، رَوَى الثَّوْرِيُّ هذا الحَدِيثَ عَنِ السُّدِّيُ، عَنْ
يَخْيّى بْنِ عَبَّدٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ أنَّ أَبَا طَلْحَةَ كانَ عَنْدَهُ. وهذا أُصَحّ مِنْ حَدِيثِ اللّْثِ.
٥٩ - باب النّي أَنْ يُتَّخَذَ الخَمْرُ خَلاَّ
[المعجم ٥٩ _ التحفة ٥٩]
١٢٩٤ - عقدنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ. حَدَّثَنَا يَحْيِى بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ السُّدِّيِّ،
عَنْ يَخْيَى بْنِ عَبَّادٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ وَّهِ: أَيْتَّخَذُ الخَمْرُ خَلاَّ؟ قَالَ:
((لاَ)) (٢) .
مدخل الطعام في هذا الحكم كما دخلت مدخله في باب الربا، وأما من قال: العروض وكل
شيء، فهو الشافعي وأبو حنيفة ومَن ساعدهما، ومتعلقهم النهي عن بيع ما لم يقبض مطلقًا،
ولم يصح، وقد تقدمت النكتتان عليهم: الخبرية، وأن الخراج بالضمان والمعنوية، وهي إتلافه
قبل الضمان.
باب بيع الخمر
حديث (أبي طلحة أنه قال يا نبي الله إني اشتريت خمرًا لأيتام في حجري قال أهرق الخمر
واكسر الدنّان). وذكر حديث الثوري عن السدي عن يحيى بن عباد (عن أنس أن أبا طلحة كان
عنده) وهو أصح من الأول. وذكر عن السدي عن (يحيى بن عباد قال سُئِلَ النبي # أنتخذ
الخمر خلاً؟ قال: لا) وهو حديث حسن. وفي رواية عن المروزي عن أبي عيسى: صحيح.
(١) أخرجه أبو داود في: ٢٥ - كتاب الأشربة، ٣ - باب ما جاء في الخمر تخلل، حديث ٣٦٧٥.
(٢) أخرجه مسلم في: ٣٦ - كتاب الأشربة، حديث ١١.

٢٣٦
كتاب البيوع/ باب ٥٩
قَالَ ابُو عِيسَى: هذا حديث حسن صحيحٌ.
١٢٩٥ - عنشئا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أبا عَاصِمٍ عَنْ شَبِيبِ بْنِ بِشْرٍ،
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ وَ فِي الْخَمْرِ، عَشْرَةً: عَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا
وَشَارِبَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ وَسَاقِيهَا وَبَائِعَهَا وَآكِلَ ثَمَنِهَا وَالمُشْتَرِيَ لَّهَا وَالْمُشْتَرَاةَ
لَهُ(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثٍ أَنَس.
وَقَدْ رُوِيّ نحوُ هذا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّه ـ
وقد انسدّ باب الصحة عليه بكون السدي فيه. وروى حديث شعيب بن بشير عن أنس قال: لعن
رسول الله# في الخمر عشرة: عاصرها - ومعتصرها - وشاربها - وحاملها - والمحمولة إليه -
وبائعها - وآكل ثمنها - والمشتري لها - والمُشتراة له. وقال: هو غريب.
(٢) بالخمر،
الإسناد: روى مسلم عن أبي سعيد الخدري يقول: يا أيها الناس إن
فلعل الله أن ينزل فيها أمرًا، فمَن كان عنده منها شيء فليبعه ولينتفع به، قال فما لبثنا إلا يسيرًا
حتى قال : ((إن الله حرّم الخمر، فمَن أدركته هذه الآية وعنده منها شيء فلا يشرب ولا
يبع))، فاستقبل الناس بما عندهم منها في طرق المدينة فصبوها، خرّجه مسلم. وخرّج عن ابن
عباس أن رجلاً أهدى إلى النبي # راوية خمر، فقال له رسول الله #1: «ما علمت أن الله
حرّمها)؟ قال: لا، قال: فسارَّ إنسانًا، فقال له رسول الله #: ((بما ساررته))؟ قال؛ أمرته
ببيعها، قال: (إن الذي حرّم شربها حرّم بيعها))، ففتح المزادة حتى ذهب ما فيها. وروى
البخاري عن عاشة قالت: لما نزلت الآيات في آخر سورة البقرة في الربا وقرأها رسول الله (5#
حرّم التجارة في الخمر.
الأحكام: في الأولى: أدخل أبو عيسى حديث أبي طلحة وأنس في تحريم بيع الخمر
وليس بصحيح، وترك حديث أبي سعيد وحديث ابن عباس وعائشة، وأكاد أقطع على أنه قد
بلغته أو بعضها، وقع هذه الأحاديث الثلاثة يقطع العذر وتقوم الحجة فيها.
(١) أخرجه ابن ماجه في: ٣٠ - كتاب الأشربة، ٦ - باب لعنت الخمر على عشرة أوجه، حديث
٢٢٨١.
(٢) بياض بالأصل.

٢٣٧
كتاب البيوع / باب ٦٠
٦٠ - باب مَا جَاءَ في اختِلابِ المَوَاشِي بِغَيْرِ إِذْنِ الأرْبَابِ
[المعجم ٦٠ - التحفة ٦٠]
١٢٩٦ - حدثنا أَبُو سَلّمَةً يَخْيَى بْنُ خَلَفٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الأعْلَى عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ
فَتَادَةَ، عَنِ الحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ؛ أنَّ النَّبِيِّ ◌َ قَالَ: ((إذا أتى أحَدُكُمْ على
مَاشِيَّةٍ، فإنْ كانَ فِيهَا صَاحِبُهَا فَلْيَسْتَأْذِنْهُ. فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فَلْيَحْتَلِبْ وَلْيَشْرَبْ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا
أَحَدٌ فَلْيُصَوَّتْ ثَلاثَا. فَإِنْ أَجَابَهُ أحَدٌ فَلْيَسْتَأْذِنْهُ. فإِنْ لَمْ يُجِبْهُ أحَدٌ فَلْيَحْتَلِبْ وَلْيَشْرَبْ وَلاَ
يَحْمِلْ))(١).
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عُمَرَ وَأَبِي سَعِيدٍ.
الثانية: صبّها في الطريق، وقد قال ◌َله: (إماطة الأذى عن الطريق صدقة))، ووجهه أن
ذلك كان ضرورة، فإنه لم يكن بُدَّ من إراقتها بعد تحريمها، ونقلها وتلويث الحاملين لها
وتنجسهم أمر منكر، وكان تنجيس الطريق بها أقرب إلى الخلاص منها، وصار ذلك أصلاً في
صبّ النجاسات في الطريق عند الضرورة إلى ذلك، ولا سيما إن كان مطر فإنه يطهرها بعد
ذلك.
الثالثة: قوله: (ففتح المزادة حتى ذهب ما فيها) يعني في موضعه الذي كان فيه، لأنه لما
أعلمه بتحريمها ونجاستها صبّها في الموضع ولم يلتبس بها، ولم يقل النبي إنه: احملها إلى
موضع الرحاضات.
الرابعة: قال: (لما نزلت آية الربا حرّم التجارة في الخمر) فقد بيّنّاه في كتاب الأحكام
وغيره أن الربا هو بيع فاسد، يُغني عن إعادته ملهنا، وقد بيّنّاه في صدر كتاب البيوع مهنا
فلتجدّد به عهدًا في الموضعين تبين لكم إن شاء الله.
الخامسة: أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد الشاشي في الدرس، أخبرنا أبو إسحاق
إبراهيم بن علي الشيرازي في الدرس، أخبرنا أبو طلحة، سأل النبي 15 عن أيتام ورثوا خمرًا،
(٢) قال: ((لا))، ولو جاز ذلك لندب إليه
(٢) قال : أفلا
فقال: ((أهرقها)»، قال: أفلا
كما ندب إلى دباغ الجلد في شاة مولاة ميمونة، وكان أولى لأنه قال لأيتام وكثيرًا ما يقول أبو
(٢)، وأخبرنا أبو الحسن الأزدي، قرأ عليه وقرأته قال:
إسحلق الشيرازي على أحاديث
(١) أخرجه أبو داود في: ١٥ - كتاب الجهاد، ٨٥ - باب في ابن السبيل يأكل من التمر ويشرب من
اللبن، إذا مر به، حديث ٢٦١٩.
(٢) بياض بالأصل.

٢٣٨
كتاب البيوع / باب ٦٠
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ سَمُرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَالعَمَلُ على هذا عِنْدَ بَعْضٍ
أهْلِ العِلْمِ. وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ وَإِسْحَقُ.
حدّثنا الطيب الطبري، حدّثنا أبو الحسن الدارقطني، حدّثنا علي بن محمد المصري، حدّثنا
محمد بن عمر بن خالد، حدّثنا أبي، حدثنا موسى، عن أعين، عن ليث، عن يحيى بن حماد،
عن أنس بن مالك، قال: حدثني أبو طلحة أنه كان عنده مال ليتامى فاشترى به خمرًا، فنزل
تحريم الخمر قال: وما خمرنا يومئذ إلا من التمر، قال: فأتيت النبي ◌َ* فقلت: إنه عندي مال
يتيم فاشتريت به خمرًا قبل أن تحرّم الخمر، فأمرني أن أكسر الدنّان وأهرته، ويغلب على ظني
أن حديث أبي إسحق الشيرازي هو الذي ذكره أبو عيسى عن الثوري مقطوعًا. وأخبرني أبو
المطهر حامد بن رجاء الخطيب بن(١) أصبهان، أخبرنا أبو بكر الحجندي إمام الشافعية، قال لنا:
استهلاك الوصف مع بقاء الأصل لو كان مشروعًا لما أُبيح استهلاك الأصل، كجلد الميتة: لما
رأى النبي # أن فيها طريقًا إلى الصلاح بالدباغ نبّه عليه، وأحق المواضع بذلك كان في نازلة
أبي طلحة لأنهم أيتام، وكان أصحاب الجلد مالكين لأمر أنفسهم. فقال أبو حنيفة: تخليل الخمر
جائز وتحلّ، وربما قال بعضهم: إنه مندوب إليه، لأن فيه إصلاح فاسد. وقال مالك: هو
مكروه ويحلّ، وقال الشافعي: هو حرام ولا يحلّ، وأما الشافعي فاعتمد حديث أبي طلحة بأن
عوّلنا على أنه لا يصح الحديث، فلا كلام له، وإن سلمناه لهم وهو الأمثل في الجدل، فقلنا:
إن هذا الخبر بنصه يقتضي أنه كان في أول الحال، بل في يوم الحال، فأغلظ النبي # لهم في
مرق الخمر وكسر الدنّان، حتى يتقادم الزمان وتطمئن القلوب بالإيمان. ولأجل ذلك قال
الشافعي: إنه لا يقطع زقّ الخمر ولا يكسر دنّ، فالذي كسر الدنّان بذلك المقدار يسقط منع
التخليل. فإن قيل: لا نسلم أن التخليل منع لما ذكرتم، وإنما كان ذلك حكمًا يتعلق بالخمر
كالحد وتحريم البيع ولعن شاربها وعاصرها، وإن كان لما ذكرتم فالعلّة باقية فإنها مُشتهاة
مألوفة. قلنا: فلِمَ تجعلون كسر الدثّان من جملة الأحكام فتبقى مع الأيام؟ فإذا لم تفعلوا ذلك
دلّ على أن قولكم تحكّم. جواب آخر: وذلك أن قولكم إنها مشتهاة طبعًا مألوفة عادة فلأجل
ذلك حرّمنا تخليلها. قلنا: لا ينقل هذا الكلام بالتحريم، وإنما غايته الكراهة، وكلك نقول إنه
یکره، ولا يباح ولا يندب إليه كما قال أصحاب أبي حنيفة.
السادسة: لا فرق في حديث أبي طلحة بين قوله: (اشتريت) ولا بين قوله: (ورثوا) لأن
شراءه على ما رويناه كان قبل تحريمها، ويتصور الإرث في رجل عصر عنبًا ليطبخه رُبًّا فعاقه
عائق حتى تخمر فبقي في يده أوقات، فورث عنه. فالشافعي يقول: تجِب إراقته ولا يخلل، لأنه
فعل محظور فلم يبح لفاعله، وإلا أفاده مقصوده من الحلّ، أصله ربح المحرم. قلنا: هذا
القياس لا يشبه نظر الشافعي ولا الأئمة من أصحابه، أما قولهم: فعل محظور، فهو مسألة
(١) هكذا بالأصل، ولعلها: الخطيب بأصبهان.

٢٣٩
کتاب البيوع/ باب ٦١
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ المَدِينِيِّ: سَمَاعُ الحَسَنِ مِنْ سَمُرَةَ صَحِيحٌ. وَقَدْ
تَكْلْمَ بَعْضُ أهْلِ الحَدِيثِ فِي رِوَايَةِ الحَسَنِ، عَنْ سَمُرّةَ، وَقَالُوا: إِنَّمَا يُحَدِّثُ عِنْ صَحِيفَةِ
سَمُرَةً.
٦١ - باب مَا جَاءَ فِي بَيْعِ جُلودِ المَيْئَةِ وَالأَضْنَام
[المعجم ٦١ - التحفة ٦١]
١٢٩٧ - حدثنا قُتَيْبَةُ. حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدٌ بْنِ أبي حَبِيبٍ عَنْ عَطَّاءِ بْنِ أبي
رَبّاحٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ وَهَ، عَامَ الفَتْحِ وَهُوَ بِمَكّةَ، يَقُولُ:
الخلاف، ولا يجعله محظورًا فكيف يجعل أحد محل الخلاف دليلاً؟ فإن قالوا: الدليل على أنه
محظور قول النبي # لأبي طلحة في خمر الأيتام: ((لا تخللها))، ولحديث أنس: نهى النبي ◌َ﴾
أن يتخذ الخمر خلاً، قلنا: قد بيّنًا أن ذلك لم يصح، وإن صخ فنحمله على الكراهة، وإنما
ذلك إنما قصد به الردع في أول الحال كما قلت أنت في كسر الدنّان، وأما قوله: (كذبح
المحرم) فإن ربح المحرم لا يفيد مقصوده، لأن العلة التي حزمته موجودة وهي المحرمية يكون
في المحرم، أو إحرام وهي الموجودة في حال المحاولة، وهلهنا العلة الخمرية، وإذا زالت
ورجعت خلاَّ عادت إلى الحلّ فلم يبقَ شيء يحرمها، ولا خلاف أنه إذا زالت العلة زال الحكم.
فإن قيل: إذا طرح فيها ما يخللها نجس، فإذا تخلّلت بقي ذلك الخلط نجسًا فنجسها، لأنه قد
نجس علاقاتها. قلنا: هذا كلام فاسد، لأنك لا تقدر جزءًا من أجزاء الخمر لقي جزءًا من
الخلط إلا وقد استحال خلاًّ فزالت العلة كلها، كالدن إذا صارت الخمر خلاًّ طهر، لأنك لا
تقدر جزءًا من أجزاء الخمر يقتضي نجاسة إلا وقد زال فقد صار الدنّ طاهرًا.
السابعة: قوله: (إن رجلاً أهدى إلى النبي (8* راوية خمر) يعني مزادة، وهي زقٌّ كبير،
فإذا عظمت جعل فمها من أسفل وتسمى الغزلاء، وأصل هذا الاسم للنعبة من الماء أو الشربة،
فإنها هي التي يخلق الله عند شربها الريّ فتسمى راوية مجازًا، ويقال للماء مرو مجازًا أيضًا،
والمروي هو خالق الريّ كالزارع خالق الزرع ﴿النتم تزرعونه أم نحن الزارعون﴾ [الواقعة: ٦٤]
وقولهم: (راوية) أي ذات ريّ، فهو مجاز ثانٍ، وتسمى الراية لقرب الماء، وقريته راوية لأنها
تحمل الراوية فهو مجاز ثالث، وتوهم بعض الغفلة أن الراوية هي الراية، ولم يفهم هذا لمزيد
ضعفه في العربية والحقائق.
الثامنة: قول النبي #9: ((إن الذي حرم شربها حرّم بيعها)) ظن القائل أنها محرّمة الشرب
خاصة وغاب عنه علم عظيم، وذلك أنه لا منفعة فيها مقصودة إلا الشرب، وإذا حزم مقصور
الشيء لم يجز بيعها، وضرب النبي # للتحذير مثلاً اليهود بقوله في الحديث الصحيح: ((لعن

٢٤٠
كتاب البيوع / باب ٦١
(إِنَّ اللَّهِ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الخَمْرِ وَالمَيْتَةِ وَالخِتْزِيرِ وَالأَصْنَامِ». فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأيْتَ
شُحُومَ المَيْتَةِ؟ فإنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفْنُ وَيُذْهَنُ بِها الجُلُودُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ قالَ: ((لا.
هُوَ حَرَامٌ)).
ثُمُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ عِنْدَ ذلِكَ: (قَاتَلَ اللَّهُ اليَّهُودَ. إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْهِمُ الشُحُومَ
فَأَجْمَلُوهُ ثمّ باعُوهُ فَأَكُلُوا ثَمَنَهُ))(١).
قَالَ: وفي البّابِ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ جَابِرٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ على هذا عَنْدَ أَهْلِ
العِلْمِ.
الله اليهود، حُرْمت عليهم الشحوم فجعلوها فباعوها وأكلوا ثمنها، وإن الله إذا حزّم شيئًا حرّم
ثمنه».
التاسعة: قوله: (جملوها) يعني: أذابوها ليزول عنها اسم الشحم وتصير ودكًا، فكأنهم لم
يبيعوا شحمًا ورأوا تعليق الحكم باسمها كما تفعل الطائفة السخيفة، وكما فعلت الحنفية في
(٢) عنه بزعمها اسم الخمرية وتشربه باسم آخر، وهم الذين أنذر النبي صل* فيهم
الخمر فإنها
في الحديث الذي يُروى: ((يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها، خرّجه البخاري كاملاً.
العاشرة: إبطال الجملة لإحلال المحرم إذا خالفت الشريعة.
الحادية عشر: في ذلك كله دليل على أن النبي # إذا حرّم لذاته لم يجز تصريفه للانتفاع
به، وإذا حرم لمعنى أو في حالة انقسم الحكم فيه واختلف الحال عليه، دليله قول النبي و9 في
الحديث الصحيح عن جابر: أنه سمع رسول الله # عام الفتح وهو بمكة يقول: ((إن الله
ورسوله حزّم بيع الخمر والميتة ، الخنزير والأصنام))، وبذلك تمّت خمس وثلاثين
(٢) فقيل
يا رسول الله أرأيت شحوم الميته؟ فإنه تُطلى بها السفن، وتُدهَن بها الجلود، وتستصبح بها
الناس، قال: ((لا، هو حرام»، ثم قال رسول الله }: (قاتل الله اليهود. إن الله حزّم عليهم
الشحوم، فجملوها فباعوها ثم أكلوا ثمنها)، وقد خرّجه أبو عيسى بعد هذا، أما أنه استثنى من
الميتة جلدها في الدباغ بما نبّه عليه في الشاة التي تذكر فيها ميمونة، وكذلك حزّم بيع الخنزير
لأنه لا يؤكل، وقد عيّن في التحريم قرآنًا وسُنّة، بيد أن مالكًا وغيره إذا نوى في الانتفاع بشعره
(١) أخرجه البخاري في: ٣٤ - كتاب البيوع، ١١٢ - باب بيع الميتة والأصنام، حديث ١١٢١. وأخرجه
مسلم في: ٢٢ - كتاب المساقاة، حديث رقم ٧١.
(٢) بياض بالأصل.