Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
كتاب صلاة السفر/ باب ٣٩٢
٥٤٩ - حدثنا هَنَّدُ بن السّرِيِّ حدّثنا أبو معاوية عن عاصمِ الأخوَلِ عن عِكْرِمَةَ عن
ابن عباسٍ قال: ((سافر رسولُ اللهِ وَ﴿ِ سَفَرًا، فصلَّى تسعةَ عَشّرَ يومًا ركعتينٍ ركعتين، قال
ابن عباسٍ: فنحن نصلّي فيما بيننا وبين تِسْعَ عَشْرَةً ركعتينٍ ركعتينٍ، فإذا أقمنا أكثرَ من
ذلك صلّينا أربعًا».
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ غريبٌ حسنٌ صحيحٌ(١).
ميلاً، فصلى ركعتين فقلت له: رأيت ابن عمر بن الخطاب يصلي بذي الحليفة ركعتين، فقلت
له: افعل كما رأيت رسول الله * يفعل وكانت أرضاً يقال لها دومين من حمص. الثالث: لا
خلاف (أن النبي * صلى الظهر بالمدينة أربعًا، وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين). الرابع:
روى الأئمة واللفظ للبخاري قال: وكان ابن عباس وابن عمر يقصران ويفطران في أربعة برد.
الخامس: روى البخاري وغيره عن نافع عن ابن عمر: (لا تسافر المرأة ثلاثًا إلا مع ذي محرم)،
وخرجوا عن أبي هريرة أن النبي 8# قال: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر
مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة).
الفقه: اختلف الناس في القدر الذي يكون به الرجل مسافرًا، فقيل: ثلاثة برد، وقيل:
أربعة، وقيل: يوم وليلة، وقيل: يومان، وقيل: ثلاثة، فإن قيل: فلم لا يكون الرجل مسافرًا
بنفس خروجه من البلد، فإنه في العربية من سفر إذا كشف؟ قلنا: وإن كان الاشتقاق مما
ذكرتم، لكن لا يكون عرفًا في العربية إلا ما أدركت فيه مشقة، وتكلف له مؤنة، وكانت فيه
رحلة وإقامة يوم تام، لأن الأقل من الشيء إنما يعرف بانفراده عن الشيء، وإذا اتفق له أن يخرج
بكرة ويعود ليلاً لم يكن سفرًا، فإذا لم يتفق له أن يعود فهو السفر التام الذي يبيت فيه عن أهله
ضرورة، وهو قوله 8 *: ((مسيرة يوم وليلة)، معناه: يوم تام لا بد فيه من المبيت بغير القرار.
وما روى ابن السمط ودحية لا حجة فيه، لأنه قال: رأيت النبي # يفعله، ولم ير النبي
يخرج إلى دومين قرية، ولا إلى قرية دحية قط، إنما رأى النبي # يقصر بذي الحليفة، وإنما
كان له حجة لو رجع منها. وأما وقد قصر وتقدم إلى سفره، فذلك لما كان بين يديه من النية
فيما وراءها من المسير، وهي مسألة خلاف، قال الشافعي يقصر إذا خلف بنيان البلد، وبه قال
مالك في قول، وقال: إذا كانت الجمعة في بلد لا يقصر حتى يتجاوز ما يلزمه فيه الجمعة،
والأول أصح، لأن بانفصاله عن البلد صار مسافرًا، فليس في ذلك حد، ولا دليل على الحد إلا
نفس الانفصال، وإذا لم يكن التقدير عربية أو شريعة عسر فيه طريق المعنى، ألا ترى إلى
اضطراب المالكية في هذه المسألة، في العتبية: يقصر في خمسة وأربعين ميلاً، وفي المبسوط:
في أربعين، وقال أيضًا في العتبية: في ستة وثلاثين ميلاً، وفي الموطأ: في أربع فراسخ، وهذا
(١) الحديث رواه البخاري (ج ٢ ص ٤٦٢ - ٤٦٣) ورواه أيضًا أحمد وابن ماجه.

٢٢
كتاب صلاة السفر/ باب ٣٩٣
٣٩٣ - باب ما جاء في التّطَوَّع في السَّفَرِ
[المعجم ٤١ - التحفة ٢٧٦]
٥٥٠ - هقائنا قُتَيْبَةُ بن سعيدٍ حدّثنا اللَّيْثُ بن سعدٍ عن صَفْوَانٌ بن سُلَيْمٍ عن أبي
بُسْرَةَ الغِفَارِيِّ عَنِ الْبَرَاء بن عازبٍ قال: ((صحبتُ رسول الله ◌ِلَّ ثمانية عَشَرَ سَفَرًا، فما
رأيته تَرَكَ الركعتين إذا زاغتِ الشمسُ قبلَ الظهرِ».
وفي الباب عن ابن عمر.
قال أبو عيسى: حديثُ البراءِ حديثٌ غريبٌ(١).
قال: وسألتُ محمدًا عنه فلم يعرفه إلاَّ من حديث الليث بن سعدٍ، ولم يَعرف اسمٌ
أبي بُسْرَةَ الغِفَّارِيِّ، ورَاءُ حَسَنًا.
ورُوِيَ عن ابن عمر: ((أن النبي ◌ِ﴿ كان لا يَتَطُوَّعُ في السَّفَرِ قبلَ الصلاةِ ولا
بعدها».
وَرُوِيّ عنه عن النبي ◌َّه: ((أنه كان يَتَطِّعُ في السفرِ».
ثم اختلف أهلُ العلم بعدَ النبي ◌َّ:
فرأى بعضُ أصحاب النبي ﴿ أن يتطوَّعَ الرجلُ في السفرٍ.
وبه يقولُ أحمدُ، وإسحقُ.
ولم تَرَّ طائفةٌ من أهل العلم أن يُصَلَّى قبلَها ولا بعدّها.
كله تحكم على التفصيل الذي نبهنا عليه. وهذا مالك على جلالة قدره يقول: في يوم، وفي
قول: يومان، ويمكن الجمع بينهما، فإن اليوم التام الجاد يومان في العادة والرفق، ولما لم يكن
في ذلك معنى يعول عليه لجأنا إلى فعل ابن عمر لعظيم اقتدائه وكثرة تحریه.
باب التطوع في السفر
(أبو بسرة الغفاري عن البراء بن عازب قال: صحبت النبي # ثمانية عشر شهرًا فما
رأيته ترك الركعتين إذا زاغت الشمس قبل الظهر). حديث ابن أبي ليلى عن عطية ونافع
(١) رواه أيضًا أبو داود (ج ١ ص ٤٧٢ - ٤٧٣).

٢٣
کتاب صلاة السفر/ باب ٣٩٣
ومعنَى مَن لم يتطوَّعْ في السفرِ قبولُ الرُّخْصَةِ، ومَن تطوّعَ فله في ذلك فضلٌ كَثِيرٌ.
وهو قولُ أكثر أهل العلم: يختارون التطوع في السفر.
٥٥١ - حقثنا عليّ بن حُجْرِ حدّثنا حفصُ بن غِيَاثٍ عن الحجّاجِ عن عطيّةً عن ابن
عمرَ قال: ((صلِيتُ مع النبيِّوَ ﴿ الظهرَ في السفر ركعتين وبعدها رَكْعَتَيْن)).
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ.
وقد رواه ابن أبي ليلَى عن عطيةً ونافعٍ عن ابن عمرَ.
٥٥٢- عقثنا محمد بن عُبَيْدِ المُحَارِيِيُّ يعني الكوفيّ حدّثنا عليّ بن هاشم عن ابن
أبي ليلَى عن عطيَّةً ونافعٍ عن ابن عمرَ قال: ((صلَّيتُ مع النبيِِّنَّهُ في الحَضَرِ والسفَرِ:
فصلِيتُ معه في الحَضَرِ الْظهرَ أربعًا وبعدها ركعتين، وصلَّيتُ معه في السَّفَرِ الظُّهْرَ ركعتين
وبعدها ركعتين، والعصرّ ركعتينٍ ولم يُصّلّ بعدَها شيئًا، والمغربَ في الحضرِ والسفرِ
سواءٌ، ثلاثَ ركعاتٍ، لا تَنقُصُ في الحضَرِ ولا في السفرِ، وهي وِتْرُ النهارِ، ويعدّها
رکیتین».
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ.
سمعتُ محمدًا يقولُ: ما رَوَى ابنُ أبي ليلَى حديثًا أعْجَبَ إليَّ مِن هذا، ولا أزْوِي
عنه شيئًا .
(عن ابن عمر قال: صليت مع النبي 14 في السفر ركعتين وبعدها ركعتين).
الإسناد: قال في حديث البراء: إنه غريب، وقال في حديث الحجاج، عن عطية، عن ابن
عمر: حسن، وفي بعض الروايات: صحيح، وقال عن البخاري إنه قال: ما روى ابن أبي ليلى
حديثًا أعجبه إليَّ من هذا. قال القاضي أبو بكر بن العربي رضي الله عنه: ترك أبو عيسى
الأحاديث الصحاح في هذا الباب، حديث حفص بن عاصم عن ابن عمر قال: صحبت
النبي * في السفر، فلم أره يسبح، ولقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة. وفي رواية عن
حفص عنه: صحبت رسول الله * فكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبا بكر وعمر. وقد
روي عن ابن عمر أنه قال: لو كنت مسبحًا لأتممت صلاتي، في هذا الحديث بعينه.
الفقه: أجمع الناس على أن النافلة في السفر جائزة، فإنها موقوفة على اختيار العبد ونظره
لنفسه، ولم يصح عن النبي غير أنه تنفل في السفر نهارًا في مسيره. قد تقدم حديث البراء وهو
مجهول والله أعلم.

٢٤
كتاب صلاة السفر/ باب ٣٩٤
٣٩٤ - باب ما جاء في الجَمْعِ بين الصلاتَيْنِ
[المعجم ٤٢ - التحفة ٢٧٧]
٥٥٣ - حقّثنا قُتَنِيَةُ بن سعيدٍ حدّثنا اللَّيْثُ بن سعدٍ عن يَزِيدَ بن أبي حَبِيبٍ عن أبي
الطُّفَيْلِ هو عامِرُ بن وَائِلَةً عن مُعَاذٍ بِن جَبَلٍ: (أن النبيِّ ◌ِ ﴿ كان في غزوةِ تَبُوكَ إذا ارْتَحَلَ
قبلَ زَيْغِ الشمسِ أخّرَ الظهرَ إلى أن يَجمعَها إلى العصرِ فيصلْيهما جميعًا، وإذا ارْتَحَلَ بعدٌ
زَبْغِ الشمسِ عجَّلَ العصرَ إلى الظهرِ، وصلَّى الظهر والعصرَ جميعًا، ثُمَّ سَارَ. وكان إذا
ارْتَحَلَ قبلَ المغرِبِ أَخَّرَ المغرِبَ حتى يصلْيهَا مع العشاءِ، وإذا ارْتَحَلَ بعدَ المَغرب عَجلَ
العشاء فصلاًها مع المغرب)).
قال: وفي الباب عن عليَّ، وابن عُمَّرَ، وأنسٍ، وعبدِ الله بن عَمْرٍو، وعائشةً،
وابن عباسٍ، وأسامةً بن زيدٍ، وجابر بن عبد الله.
قال أبو عيسى: والصحيحُ عن أُسَامَةَ.
ورَوّى عليّ بن المدينيّ عن أحمدَ بن حنبلٍ عن قُتَبِيَةً هذا الحديث.
باب جمع الصلاتين
فيه ذكر حديث معاذ المشهور في الجمع عند حد السير (عن قتيبة عن الليث عن يزيد بن
أبي حبيب عن أبي الطفيل عن معاذ. وذكر بعده حديث ابن عمر أنه استغيث على أهله نجد به
السير فأخّر المغرب فجمعها إلى العشاء).
الإسناد: حديث معاذ هذا علله البخاري، وقد رواه أحمد بن حنبل عن قتيبة، قال القاضي
أبو بكر رضي الله عنه: وهو أطول سند بيني وبين النبي #1: أخبرنا المبارك، أخبرنا أبو يعلى،
أخبرنا أبو علي، أخبرنا أحمد، أخبرنا محمد، أخبرنا عبد الصمد بن سليمان، أخبرنا زكريا
اللؤلؤي، أخبرنا أبو بكر الأعين، أخبرنا علي بن المديني، أخبرنا أحمد بن حنبل، أخبرنا قتيبة،
أخبرنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، عن معاذ. قال أبو داود وأبو عبد الله:
يشبه أن يكون هذا الكلام حديث معاذ من تفسير الليث، وقال: عن أبي داود اللؤلؤي ليس في
تقديم الوقت حديث قائم، ولم يحدث بهذا إلا قتيبة. وقد رواه المفضل بن فضالة أيضًا عن
الليث وأنكره أبو داود، وحديث ابن عباس في الباب صحيح: كان إذا زالت الشمس وهو في
منزله جمع بين الظهر والعصر في الزوال، وإذا سافر قبل الزوال أخّر الظهر حتى يجمع بينها
وبين العصر في وقت العصر، وليس له علة.

٢٥
كتاب صلاة السفر/ باب ٣٩٤
٥٥٤ - حدثنا عبدُ الصَّمد بن سليمانَ حدّثنا زكريًّا اللُّؤْلُوِيُّ حدثنا أبو بكرِ الأغيّنُ
حدّثنا عليّ بن المَدِينِيِّ حدّثنا أحمد بن حنبلٍ حدّثنا قتيبةُ: بهذا الحديث يعني حديثٌ
معاذٍ.
وحديثُ معاذ حديثٌ حسنٌ غريبٌ، تفرَّد به قتيبةُ، لا نَعرفُ أحدًا رواه عن اللَّيْثِ
غيره.
وحديثُ اللَّيثِ عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطُفَيِلِ عن مُعاذٍ حديثٌ غريبٌ.
والمعروفُ عند أهل العلم حديثُ معاذ من حديث أبي الزُّبَيْرِ عن أبي الطُّفَيْل عن
معاذٍ: ((أَنَّ النبيِِّلْ﴿ جَمَعَ في غزوة تَبُوكَ بين الظهرِ والعصرِ، وبين المغرب والعشاء).
رواه قُرَّةُ بن خالدٍ وسفيانُ الثوريُّ ومالكٌ وغيرُ واحدٍ عن أبي الزُّبير المكّيّ(١).
وبهذا الحديث يقولُ الشافعيّ. وأحمدُ وإسحقُ يقولان: لا بأسَ أن يَجْمَعَ بين
الصلاتين في السفر في وقت إحداهما.
الفقه: اختلف الناس في الجمع في السفر على خمسة أقوال: الأول: لا يجوز بحال، قاله
أبو حنيفة. الثانى: يجوز كما يجوز القصر، قاله الشافعي. الثالث: يجوز إذا جدّ به السير، قاله
مالك. الرابع: يجوز إذا أراد قطع الطريق، قاله ابن حبيب. الخامس: أنه مكروه، قاله مالك في
رواية المصريين عنه. وأما أبو حنيفة فتعلق بأن الأوقات ثبتت ضرورة فلا تترك بالظن، لا سيما
وفي الصحيح عن ابن مسعود: ما صلى رسول الله * قط صلاة لغير وقتها، إلا المغرب
والصبح بالمزدلفة، فإنه أخر المغرب حتى جمعها مع العشاء، وصلى الصبح قبل الفجر بها
للاشتغال بالنقل إذا جد به السير. فحديث أنس خرجه الصحيحان، قال: كان رسول الله (﴿ إذا
ارتحل قبل أن ترتفع الشمس أخّر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل فجمع بينهما، وإن زاغت
الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب، وزاد مسلم: إذا عجل به السير أخّر الظهر إلى أول
وقت العصر فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حتى يغيب الشفق،
فعلق الحكم بالجد في السير، وأما من قال إنه مكروه فلأجل تعارض الأدلة كان تركه أولى،
وأما قول ابن حبيب: إذا أراد قطع الطريق. فهو قول الشافعي، لأن السفر بنفسه إنما هو لقطع
الطريق، والصحيح قول الشافعي على نحو ما رواه أشهب وأن الجمع رخصة، فإنه إذا جاز طرح
(١) رواية مالك في الموطأ (١: ١٦٠ - ١٦١) ومسند أحمد (٥: ٢٣٧) ورواية قرّة بن خالد في المسند
(٥: ٢٢٨ - ٢٢٩) ورواية سفيان فيه (٥: ٢٣٠ و٣٣٦).

٢٦
كتاب صلاة السفر/ باب ٣٩٥
٥٥٥ - عقدنا مَنَّادُ بن السِّرِيِّ حدّثنا عَبْدَةُ بن سليمان عن عُبيد الله بن عُمَرٌ عن
نافعٍ عن ابن عُمرَ: ((أنه اسْتُغِيثَ على بعضِ أهلِهِ، فجَدَّ به السِّيْرُ، فأخّرَ المغرب حتى
غابَ الشّفَقُ، ثم نزَلَ فَجَمَعَ بينهما، ثم أخبرهم أن رسولَ اللهِ وَ﴿ كان يفعلُ ذلكَ إِذا جَدَّ
به السّیر».
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ(١).
وحديثُ الليث عن يزيد بن أبي حبيبٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ(٢).
٣٩٥ _ باب ما جاء في صلاة الاستسقاء
[المعجم ٤٣ - التحفة ٢٧٨]
٥٥٦ - هقثنا يحيى بن موسى حدّثنا عبد الرَّزَّاقِ أخبرنا مَعْمَرٌ عن الزهريّ عن
عَبَّادٍ بن تمِيم عن عمِّه: ((أن رسولَ اللهِ ﴿ه خَرج بالناس يَسْتَسْقِي، فصلَّى بهم ركعتين،
جَهَرَ بالقراءة فيهما، وحَوَّلَ ردَاءَهُ، وَرَفَعَ يديه واسْتَسْقَى، واستقبلَ القِبلةَ)).
قال: وفي الباب عن ابن عباس، وأبي هريرةَ، وأنس وآبي اللحمِ.
نصف الصلاة لضرورة السفر، فمثله طرح الوقت أو أقل منه. وأما قول أبي حنيفة إن الأوقات
ثبتت قطعًا فلا تترك بالظن، فالجواب: أن أطرافها ثبتت قطعًا، كالزوال بطلوع الفجر والشمس
تغيب الشفق والشمس، فأما تفصيل ما بينها فيثبت بأخبار الآحاد باتفاق، كما قلت في آخر وقت
الظهر وآخر وقت العصر المختارين. وما رواه أنس عن فعل النبي ول# حال وصورة، وما رواه
ابن عباس حال وصورة، وقد كان النبي ﴿ تختلف أفعاله بحسب اختلاف أحواله، والكل شرع
ثابت بصورته، والله الموفق للصواب.
صلاة الاستسقاء
(عباد بن تميم عن عمه عبد الله بن زيد بن عاصم أن رسول الله # خرج بالناس يستسقي
فصلى بهم ركعتين جهر بالقراءة فيها وحول رداءه ورفع يديه واستسقى واستقبل القبلة). حديث
(١) أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي. وقد أخرج المسند منه مسلم.
(٢) نقل الحافظ في التلخيص (ص ١٣٠) أن أبا داود قال: ((هذا حديث منكر)). وفي التلخيص أنه رواه
أيضًا أحمد وابن حبان والدارقطني والبيهقي. والحديث حديث صحيح ليست له علة، وقد صححه
أيضًا ابن حبان.

٢٧
كتاب صلاة الفر/ باب ٣٩٥
قال أبو عيسى: حديثُ عبد الله بن زيد حديثٌ حسنٌ صحيحٌ(١).
وعلى هذا العملُ عند أهل العلم.
وبه يقولُ الشافعيّ، وأحمدُ، وإسحقُ.
وعَمُّ عَبَّادِ بنِ تَمِيمٍ هو عبدُ الله بن زيد بن عاصم المازِيُّ.
٥٥٧ - هنشئا قُتَيْبَةُ حدّثنا الليثُ بن سعد عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي
هلالٍ عن يزيد بن عبد الله عن عمَيْرٍ مولى آبِي اللَخم عن آبي اللُّخْم: ((أنه رأى رسولَ
اللهِ وَ﴿ عِنْدَ أَخْجَارِ الزَّيْتِ يَسْتَسْقِي، وهو مُفْنِعْ بِكَفَّيْهِ يَذَعُو)».
قال أبو عيسى: كذا قال قتبيةُ في هذا الحديث ((عن آبِي اللَّخم)) ولا نَعرفُ له عن
النبيِّ وَّ إلاَّ هذا الحديثَ الواجدّ (٢).
وعُمَّيْرٌ مولى آبي اللَّخْمِ قد رَوَى عن النبيِّ أحاديثَ، وله صُحْبَةٌ.
٥٥٨ - حقئد قُتَيْبةُ حدّثنا حاتمُ بن إسماعيلَ عن هشام بن إسحقَ وهو ابْنُ
عبد الله بن كِنَانَةً عن أبيه قال: ((ارسَلَنِي الوليدُ بن عُقْبَةً، وهو أميرُ المدينة، إلى ابن
عباسٍ أسأله عن استسقاءِ رسول الله مَ﴾؟ فأتيته، فقال: إن رسول الله وَلَهَ خَرَجَ مُتَبَذْلاً
مُتَوَاضِعًا مُتَضَرَّعًا، حتى أتَى المصلَّى، فلم يَخْطُبْ خُطبتَكم هذه، ولكن لم يَزَلْ في
الدعاءِ والتضرَّعِ والتكبيرِ، وصلَّى ركعتين كما كان يصلّي في العيدِ».
هشام بن إسحق بن عبد الله بن أبي كنانة (عن أبيه أرسلني الوليد بن عقبة وهو أمير المدينة إلى
ابن عباس أسأله عن استسقاء رسول الله # فأتيته فقال: إن رسول الله# خرج متبدلاً متواضعًا
متضرعًا حتى أتى المصلى فلم يخطب خطبتكم هذه ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير
وصلى ركعتين كما كان يصلي في العيد) حديث يزيد بن عبد الله اليزني عن عمير مولى آبى
اللحم (عن أبى اللحم أنه رأى رسول الله ) عند أحجار الزيت يستسقي مقنعًا بكفيه يدعو)
حسنان صحیحان، وسكت عن حديث عمير.
(١) أخرجه أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي، وأخرجه مسلم ولم يذكر الجهر بالقراءة.
(٢) الحديث رواه النسائي (١: ٢٢٤ - ٢٢٥)، وأحمد عن قتيبة وذكر الحديث في مسند عمير. وفي
رواية أحمد وأبي داود من طريق حبوة وعمر بن مالك عن ابن الهاد.

٢٨
كتاب صلاة السفر/ باب ٣٩٥
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ(١).
٥٥٩ - هقثنا محمود بن غيْلاَنَ حدّثنا وكيعٌ عن سفيانَ عن هشامٍ بن إسحقٌّ بن
عبد الله بن كِنَّانَةً عن أبيه: فَذَكَّرَ نحوَه وزاد فيه (مُتَخَشِّعًا)).
الإسناد: آبي اللحم اختلف الناس في اسمه كثيرًا، فقيل: هو خلف أو عبد الله بن
عبد الملك، كان لا يأكل ما ذبح على النصب، وعمير له صحبة وله أحاديث، زاد البخاري في
حديث عباد: وحوّل ظهره للناس، وحول رداءه، وجعل اليمين على الشمال. وقال مسلم
والبخاري: وأنه لما أراد أن يدعو استقبل القبلة وحول رداءه. وروى أبو داود عن عائشة قالت:
شكا الناس إلى رسول الله* قحوط المطر، فأمر بمنبره فوضع في المصلى، ووعد الناس يوم
يخرجون فيه. قالت عائشة: فخرج رسول الله ## حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر
وكبّر وحمد الله، ثم أقبل على الناس فصلى ركعتين. قال القاضي أبو بكر بن العربي رضي الله
عنه: روى ابن شهاب عن أبي سلمة عن أبي هريرة: خرج نبي من الأنبياء ليستسقي، فإذا هو
بنملة رافعة بعض قوائمها إلى السماء، فقال: ارجعوا فقد استجيب لكم. زاد سفيان بن عيينة:
وحول الشمال على اليمين، وفي رواية عن ابن عباس: قلب رداءه، وجعل يمينه عن يساره،
ويساره عن يمينه، وصلى ركعتين كبّر في الأولى سبعًا وقرأ بسبح، وفي الثانية بهل أتاك حديث
الغاشية وكبّر خمس تكبيرات، وفي رواية شعيب عن الترمذي عن عبادة: ودعا الله قائمًا، وفي
آخره: فسقوا، وزاد في حديث ابن عباس سفيان أيضًا متوسلاً، وقال قتادة عن أنس: لم يكن
النبي 185 يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا في الاستسقاء حتى يرى بياض إبطيه.
العربية: قوله مبتذلاً، يريد في بذلته لم يجدد كسوة ولا استأنف لبسه كما يفعل في العيد،
متواضعًا متضرعًا متخشعًا، يريد: عليه أثر التذلل لله، حال المذنب الخائف، متوسلاً: يعني
بذلك كله إلى الله، فالوسيلة هو السبب الذي يحاول به المطلوب. وقوله: مقنعًا، يقال أقنع إذا
رفع رأسه وصوته ويديه في الدعاء، وقيل: أقنع إذا نصب رأسه لا يلتفت به إليه، وقوله: قحوط
المطر، يعني: قلته وانقطاعه، وزمان قاحط وعام قاحط. قال ابن الأعرابي: قحط المطر
والأرض وأقحط الناس يعني دخلوا في القحط.
الفقه: في مسائل:
الأولى: قوله: (خرج مبتذلاً) يعني لم يتجمل كما يتجمل للعيد، والحكمة فيه أن الرجل
يخرج في العيد بهيئته، وقد قدم عمله لِيَفِدَ به على مولاه، فيتجمل تجمل الوافد. والمستسقي
یری أنه معتوب، فيخرج خروج الذليل.
(١) الحديث أخرجه أبو داود والنسائي، وأخرجه أيضًا أبو عوانة وابن حبان والحاكم والدارقطني
والبيهقي، وصححه أيضًا أبو عوانة وابن حبان.

٢٩
كتاب صلاة السفر/ باب ٣٩٥
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وهو قولُ الشافعيِّ، قال: يُصلّي صلاة الاستسقاءِ نحوَ صلاة العيدين، يُكبِّرُ في
الركعةِ الأُولى سبعًا، وفي الثانية خمسًا، واخْتَجَّ بحديث ابن عَبَّاسٍ.
الثانية: الخروج للاستسقاء سنة، والصلاة والخطبة وتحويل الرداء. وقال أبو حنيفة: بدعة،
وما قلناه أصح، لأن النبي * ثبت عنه فعله مرارًا، أما أن أبا حنيفة له تعلق بأنه قد استسقى في
المسجد، ولو كان سنة لما كان إلا يبروز أبدًا كالعيد، قلنا: استسقاؤه في المسجد يحتمل أن
يكون قبل خروجه وخطبته وصلاته، ويحتمل أن يكون بعده، فلا تترك السنة بالاحتمال.
ويحتمل أن يكون ذلك دعاء مطلقًا في المسجد، فيكون هذا خروجًا مطلقًا للسنة.
الثالثة: قال أبو جعفر محمد بن علي: استسقى رسول الله # وحول رداءه ليتحول
القحط. قال القاضي أبو بكر بن العربي رضي الله عنه: هذه أمارة بينه وبين ربه لا على طريق
الفأل، فإن من شرط الفأل أن لا يكون بقصد، وإنما قيل له: حول رداءك فيتحول حالك، فإن
قال: لعل رداءه يلتقط فرده فكان ذلك اتفاقًا فيه، قلنا: الراوي الشاهد للحال أعرف، وقد قرنه
بالصلاة والخطبة والدعاء فدل ذلك على أنه من السنة، وهل جهل عظيم أن يفسر الفعل من لم
یشاهده بخلاف تفسیر شاهده.
المسألة الرابعة: قوله: (واستقبل القبلة) يريد الشروع في الصلاة، وإلا فليس في الدعاء
استقبال، إنما السماء قبلة الدعاء، والكعبة قبلة الصلاة. ويحتمل أن يكون الاستسقاء خص
بالاستقبالین تأکیدًا فيه.
الخامسة: قوله: (ولم يخطب خطبتكم هذه) لا حجة فيه لأبي حنيفة في إسقاط الخطبة،
لأنه لم يقل بشيء من هذا الحديث، فلا تعلق له ببعضه، وإنما أشار ابن عباس بذلك، إلى عادة
النبي * في أنه لم يكن أمره كله بتكلف ولا بتصنع، وإنما كان بحسب ما يقتضيه الحال وما
يحضره من المقال.
المسألة السادسة: قوله: (وصلى كهيئة صلاة العيد) يعني ركعتين. وقوله: (كبر) أمر تفرد
به بعض الرواة عن ابن عباس بضعف طريقه، ويحتمل أن يكون من تمام تفسير الراوي لصفة
صلاة العيد المجملة في سائر الطرق، فلا يكون فيها حجة.
السابعة: حديث أبي داود في الخروج بالمنبر ضعيف، فلم يكن للنبي * منير، أو لعله
أراد وضع له شيء مرتفع، وربما تعلق مروان في اتخاذه لهذا منبرًا للعيد والله أعلم.
الثامنة: قوله في الحديث: إن الله قد سقاكم بدعاء النملة دليل على أن البهائم لها عند الله
رزق ولها فيه سؤال، ولكنه يحتمل أن يكون ذلك أظهر للنبي آية، وجعلت له حجة ولأهل زمانه
- عبرة، ولا يكون ذلك على العموم والله أعلم.

٣٠
كتاب صلاة السفر/ باب ٣٩٦
قال أبو عيسى: ورُوِيّ عن مالك بن أنسٍٍ أنه قال: لا يكبِّرُ في صلاة الاستسقاءِ
کما يُحبّرُ في صلاة العیدین.
وقال النعمانُ أبو حنيفةً: لا تُصلّى صلاةُ الاستسقاءِ، ولا آمُرُهم بتحويل الرِّدّاء،
ولکن يدعُونَ ویرچِعون بجملتهم.
قال أبو عيسى: خالَفَ السُّنّةً.
٣٩٦ - باب ما جاء في صلاةٍ الكسُوفِ
[المعجم ٤٤ _ التحفة ٢٧٩]
٥٦٠ - هقثنا محمد بن بَشّارٍ حدّثنا يحيى بن سعيدٍ عن سفيانَ عن حَبيبٍ بن أبي
ثَابتٍ، عن طاوُسٍ عن ابن عبّاسٍ عن النبيِ وَ إِ: «أنّه صلَّى فِي كُسُوفٍ، فقرأْ ثُمَّ رَكَعَ،
ثم قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثلاث مَرَّاتٍ، ثم سَجَدَ سجدتين، والأُخْرَى مِثْلُها».
قال: وفي الباب عن عليٍّ، وعائِشةً، وعبد الله بن عَمْرٍو، والثّعْمَانِ بن بَشِيرٍ،
والمُغيرةِ بن شُعْبَةَ، وأبي مسعودٍ، وأبي بَكْرَةَ، وسَمُرَةً، وأبي موسى الأشعريِّ، وابن
مسعودٍ وأسماء بنتِ أبي بكر الصِّدِّيقِ، وابنِ عمّرَ، وَقَبِيصَةَ الهِلاَلَيِّ، وجابرِ بن عبد الله،
وعبد الرحمن بن سَمُرَة، وأُبيِّ بن كَعْبٍ.
التاسعة: قوله: (حتى يبدو بياض إبطيه) كان هذا من جماله #*، فإن كل إبط أسود من
سائر الناس لأنه مغموم مرواح مقفال، وكان منه أبيض متأرجًا عطرًا.
صلاة الكسوف
طاوس عن ابن عباس (صلى النبي # في كسوف فقرأ ثم ركع ثم قرأ ثم ركع ثم قرأ ثم
ركع ثلاث مرات ثم سجد سجدتين والأخرى مثلها) حسن صحيح. حديث عائشة وذكر الحديث
الصحيح المشهور: ركعتين في ركعة، وركعتين في ركعة، وأربع سجدات فيها.
الإسناد: روى الكسوف عن النبي # تسعة عشر رجلاً، وفي كيفية فعلها اختلاف، في
أصوله هاتان الروايتان التي ذكر أبو عيسى، وفي الصحيح عن أبي بكرة واللفظ للبخاري:
انكسفت الشمس، فقام النبي 98 يجر رداءه حتى دخل المسجد فدخلنا، فصلى بنا ركعتين حتى
انجلت الشمس. وفي حديث المغيرة فيه: يوم مات إبرهيم، فقال الناس: لموت إبراهيم. وفيه
من حديث ابن مسعود: فقال النبي : ((إن الشمس والقمر لا ينكسفان)) وفي رواية: ((لا

٣١
كتاب صلاة السفر/ باب ٣٩٦
قال أبو عيسى: حديثُ ابن عباسٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ(١).
وقد رُوِيَ عن ابن عباس عن النبي ◌َّ: («أنَّه صلّى في كُسُوفٍ أَرْبَعَ رَكَعاتٍ في
أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ)»(٢) .
وبه يقولُ الشافعيِّ، وأحمدُ، وإسحقُ.
قال: واختلف أهلُ العلم في القراءة في صلاة الكسوفِ:
فرأى بعضُ أهل العلم أن يُسِرَّ بالقراءةِ فيها بالنهارِ.
ورأى بعضُهم أن يَجْهَرَ بالقراءة فيه، كنّحْوٍ صلاة العيدين والجمعة.
وبه يقولُ مالكُ، وأحمدُ، وإسحقُ: يَرَوْنَ الجهرَ فيها.
وقال الشافعيُّ: لا يَجْهَرُ فیها.
ينخسفان لموت أحد ولا لحياته))، زاد أبو بكر: ((ولكن الله يخوف بهما عباده، ولكنهما آية من
آيات الله، فإذا رأيتموهما فصلوا))، وزاد المغيرة: ((فادعوا الله))، وفي رواية عائشة: «فكبروا
وتصدقوا»، وفي حديث أسماء: وأمر النبي ◌َّلتر بالعتاقة في كسوف الشمس، وكل ذلك في
الصحيح من لفظ البخاري. أبو عبد الرحمن: أخبرنا هلال بن بشر، أخبرنا عبد العزيز بن
عبد الصمد، عن عطاء بن السائب قال: حدثنا ابن السائب، أن عبد الله بن عمر حدثه قال:
انكسفت الشمس على عهد رسول الله #، فقام رسول الله # إلى الصلاة وقاموا الذين معه،
فقام قيامًا فأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم رفع رأسه وسجد فأطال السجود، ثم رفع
رأسه وجلس فأطال الجلوس، ثم سجد فأطال السجود، ثم رفع رأسه وقام فصنع في الركعة
الثانية مثل ما صنع في الأولى من القيام والركوع والسجود والجلوس، فجعل ينفخ في آخر
سجوده من الركعة الثانية ويبكي ويقول: ((لم تعدني هذا وأنا فيهم، لم تعدني هذا وأنا فيهم،
ونحن نستغفرك))، ثم رفع رأسه وانجلت الشمس، فقام رسول الله * فخطب الناس، فحمد الله
وأثنى عليه ثم قال: ((إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، فإذا رأيتم كسوف أحدهما فاسعوا
إلى ذكر الله، والذي نفس محمد بيده لقد أدنيت الجنة مني حتى لو سقطت يدي لتعاطيت من
قطوفها، ولقد أدنيت النار مني حتى جعلت أنفخها خشية أن تغشيكم، حتى رأيت فيها امرأة من
(١) الحديث رواه أيضًا مسلم (١: ٢٥٠).
(٢) الرواية الأخرى عن ابن عباس بركوعين في كل ركعة رواها البخاري (٢: ٤٤٧ - ٤٤٩) ومسلم (١:
٢٤٩)، ونقل الحافظ في التلخيص (ص ١٤٧) عن ابن حبان أنه قال في صحيحه: ((هذا الحديث
ليس بصحيح)). وانظر التلخيص (ص ١٤٦ و١٤٧) والفتح (٢: ٢٤٠ - ٢٤١).

٣٢
كتاب صلاة السفر/ باب ٣٩٦
وقد صَحَّ عن النبيِّ # كلْنا الروايتين:
صَحِّ عنه: ((أنه صلَّى أَزْبَعَ رَكْعَاتٍ في أربع سَجَدَاتٍ)).
وصحَّ عنه أيضًا: ((أنّه صلَّى سِتّ ركعات في أربع سجدات)).
وهذا عند أهل العلم جائزٌ على قّدْرِ الكسوفِ: إِنْ تَطَاوَلَ الكسوفُ فصلَّ سِتّ
ركعات في أربع سجداتٍ فهو جائزٌ، وإنْ صلّى أربعَ ركعاتٍ في أربع سجداتٍ وأطال
القراءةَ فهو جائزٌ.
ويَرَوْنَ أصحابُنَا أن تُصَلَّى صلاةُ الكسوف في جماعةٍ، في كسوفِ الشمس والقمرِ.
حمير تعذب في هرة ربطتها فلم تدعها تأكل من خشاش الأرض، فلا هي أطعمتها ولا هي
سقتها حتى ماتت، ولقد رأيتها تنهشها إذا أقبلت وإذا ولت تنهش إليتها، حتى رأيت فيها صاحب
السائبتين أخابني الدعداع يدفع بعصا ذات شعبتين في النار، حتى رأيت فيها صاحب المحجن
الذي كان يسرق الحاج بمحجنه متكئًا على محجنه في النار، يقول: إنما سرق المحجن))، وذكر
هذا الحديث بعد ذلك بسند آخر وقال فيه: ((ورأيت فيها سارق بدنتي رسول الله 858*، ورأيت
فيها أخا بني دعداع سارق الحجيج).
العربية: خسف النير ذهاب نوره، وخسف الأرض ذهابه إلى أسفل، والكسوف التغير
ويقال: كسف وخسف في الشمس والقمر جميعًا، وقد بوب البخاري عليه ردًا على ابن الزبير.
وقوله انجلت، يريد: ظهرت، ومنه الأمر الجلي أي: الظاهر.
الأصول: كسوف الشمس والقمر أمر يخلقه الله خلاف العادة لما يشاء من معنى، فتكون
آية. وقال طائفة: هو أمر معقول من جهة الحساب، فأما كسوف الشمس فإن القمر يحول بينها
وبين النظر، وأما كسوف القمر فإن الشمس تخلع نورها عليه، فإذا وقع في ظل الأرض لم يكن
له نور، وبحسب ما تكون المقابلة ويكون الدخول في ظل الأرض يكون الكسوف من كل أو
بعض، وهذا أمر يدل عليه الحساب ويصدق فيه البرهان، قلنا:
متى حاص حجراها وظل فؤادها
كذبتم وبيت الله لا تعرفونها
قد قلم بالبرهان إن الشمس أضعاف القمر في الجرمية بالعقد، فكيف يحجب الصغير
الكبير إذا قابله ولا يأخذ منه عشره؟ وجواب ثان: وذلك أن الشمس إذا كانت تغطيه بنورها،
فكيف يحجب نورها ونوره من نورها؟ هذا خباط. وجواب ثالث: إذا كان نور القمر قليلاً ونور
الشمس كثيرًا، فكيف يظلم الكثير بالقليل لا سيما وهو من جنسه أو من بعضه؟ وهو جواب
رابع. جواب خامس: قلتم إن الشمس أكبر من الأرض بسبعين ضعفًا أو نحوها، وقلم: إن
القمر أكبر منها بأقل من ذلك فكيف يقع الأعظم في ظل الأصغر؟ وكيف يحجب الأرض نور

٣٣
كتاب صلاة السفر/ باب ٣٩٦
٥٦١ _ هقثنا محمد بن عبد الملِكِ بن أبي الشّوَارِبِ حدّثنا يزيدُ بن زُرَيْعِ حدّثنا
مَعْمَرٌ عن الزُّهْرِيِّ عن عُرْوَةً عن عائشةً أنها قالت: ((خَسَفَتِ الشّمْسُ على عهد رسول
الله﴿، فصلَّى رسولُ اللهِ﴿ بالناس، فأطالَ القراءةَ، ثُمَّ ركع فأطال الركوعَ، ثم رَفْعَ
رأسَه فأطال القراءة، وهي دُونَ الأُولَى، ثم ركع فأطال الركوعَ، وهو دونَ الأَولِ، ثم رفع
رأسَه فسجدَ، ثم فعل مثلَ ذلكَ في الركعة الثانيةِ).
الشمس وهي في زاوية منها؟ جواب سادس: وذلك أنه إن كان كما قالوا إن الشمس تخلع عن
القمر نورها، فإذا كسفته رأيناه مظلمًا، فهذا يدل على أنه جرم مظلم والنور عرض يعلوه،
وعمدتهم أن القمر والشمس نوران محضان لا خلط فيهما، والعيان على قولهم يكذبه برؤية
جرمه أسود عند الكسوف. جواب سابع: وهو الذي يستقيم، وذلك أن الشمس لها فلك
ومجرى، والقمر له فلك ومجرى، ولا خلاف أن واحدًا لا يعد، ومجراه كل يوم إلى مثله من
العام فيجتمعان ويتقابلان، ولو كان الكسوف لوقوعه في ظل الأرض في وقت لكان ذلك الوقت
محدودًا معلومًا، لأن المجرى بينهما محدود معلوم، فلما كان يأتي في الأوقات المختلفة
والجري واحد والحسبان واحد، عُلم قطعًا فساد قولهم هذا. وأنت ترى القمر مثلثًا ومنصفًا وهو
مع الشمس في الأفق الأعلى، والأرض تحتهما، فعلم قطعًا أن هذا تخليط لا يقدر له قدر ولا
يقبل لقائله عذر، فإن قيل: ولم تصدقون في استخراجه؟ قلنا: قال الله تعالى: ﴿من يرد الله فتنته
فلن تملك له من الله شيئًا﴾ [المائدة: ٤١] وهؤلاء الذين يصدقون في استخراج الغيب من
الكهان في ذلك حجة له في التبري من البهتان.
الفقه: في مسائل:
الأولى: قام النبي#* في رواية فزعًا يجر رداءه، ولو كان حسابًا لما كان فيه فزع ولا جرّ
رداءه جزعان. وفي رواية أسماء في الصحيح: فأخذ درعًا حتى أدرك بردائه لشدة فزعه، وفي
رواية أبي موسى: خشي أن تكون الساعة، إلا أن يكون بذلك جاهلاً أو ملبسًا على الخليفة
وحاشا لله، هو المسير المكرم.
الثانية: إذا كان جر الرداء مع الغفلة لم تكتب سيئة، وإذا كان مع القصد كان من أعظم
السيئات.
الثالثة: قوله: (وصلى ركعتين) لا خلاف في أنها ركعتان في الأصل، ولكن اختلفت
الروايات هل كل ركعة من ركعة أو من ركعتين أو من ركعات؟ هي رواية عائشة التي ذكر أبو
عیسی: ثلاثًا في واحدة، وكذلك في صحيح مسلم، عن جابر، وفي رواية: إلى خمس ركعات،
وفي رواية أبي بكرة: صلى ركعتين، وبه قال أبو حنيفة، وفي رواية قبيصة: ((صلوا كأحدث
صلاة صليتموها))، وفي الرواية كلها: صلى حتى انجلت الشمس، فكانت صلاة في الطول
عارضة الأحوذي/ ج ٣/ م ٣

٣٤
كتاب صلاة السفر/ باب ٣٩٦
قال أبو عيسى: وهذا حديثٌ حسن صحيحٌ(١).
وبهذا الحديثِ يقولُ الشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحقُ: يَرَوْنَ صلاة الكسوف أربعَ
ركعاتٍ في أربعٍ سَجَدّاتٍ.
قال الشافعيُّ: يَقْرَأُ فِي الركعةِ الأُولَى بِأُمّ القُرْآنِ ونحوًا من سورة البقرة سِرًّا إنْ كان
بالنهارِ، ثم ركع ركوعًا طويلاً نحوًا من قراءته، ثم رَفَعَ رأسَه بتكبيرٍ وَثَبَتّ قائمًا کما هُوّ،
وقرأ أيضًا بِأُمّ القرآنِ ونحوًا من آلِ عِمْرَانَ، ثم ركع ركوعًا طويلاً نحوًا من قراءته، ثم
رفع رأسَه، ثم قال: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، ثم سجدَ سجدتينِ تامْتَيْنٍ، وَيُقِيمُ في كُلِّ
سَجْدَةٍ نحوًا مِمَّا أقامَ في ركوعه، ثم قام فقرأ بِأُمّ القرآنِ ونحوًا من سُورةِ النّسَاءِ، ثُم ركع
ركوعًا طويلاً نحوًا من قراءته، ثُمَّ رفع رأسَه بتكبير وثَبَتَ قائمًا، ثم قرأ نحوًا من سورةٍ
المائِدَةِ، ثم ركع ركوعًا طويلاً نحوًا من قراءته، ثم رَفَعَ فقالَ: سمعَ اللّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، ثم
سَجَدَ سجدتين، ثم تَشَهَّدٌ وسَلّمَ.
والقصر، وكثرة الركعات وقلتها بحسب طول الحال وقصرها، وفي رواية سمرة أنه سبْح وهلّل
وحمد وكبر ودعا حتى حسر عنها، فصلى ركعتين وقرأ بسورتين. والذي عندي أنها كانت أفعال
في أحوال لا يعلم المتأخر من المتقدم منها، فتكون سواء في العمل، أو يرجح الأكثر والله
أعلم. وفي صحيح مسلم عن ابن عباس: صلى ثمان ركعات، وفي الرواية اختلاف كثير.
الرابعة: قوله في رواية أبي معاوية عن هشام: فقال النبي 18: ((أما بعد»، كلمة تقولها
العرب الأول، وهو من أفصح ما انفردت به، وهو حرف وضع لتحديد المخبر عنه للخبر عما
سواء بعدما تقدمه، وما جعلت مقدمة له وفاتحة لسوقه.
الخامسة: قوله: (آيتان) قد تقدم.
السادسة: قوله: (لموت أحد ولا لحياته) إشارة إلى الرد على من يقول إنها موجبة لموت
وفزع وعزل ونازلة، سواء على من يتسرع بزعمه فيقول: إنها علامة. والأول كافر، وهذا مبتدع.
السابعة: قوله: (يخوف الله بها عباده) أما على رأي الحساب: فيخوف الله بها عباده الذين
لا يعقلون من العوام، وأما أهل الخصوص الذين أحاطوا بالسموات والأرض، فيسخرون منهم
سخر الله منهم ولهم عذاب أليم. وجه التخويف بها، فإن الشمس والقمر إذا أدركه التغير مع
علو شأنه وارتفاع مكانه، فكل شيء دونه أولى بذلك منه أو مثله، وفي الذي يصيبه من التغيير
(١) ورواه الشيخان وغيرهما.
٦سم

٣٥
كتاب صلاة السفر/ باب ٣٩٧
٣٩٧ - باب ما جاء في صفة القراءة في الكسوف
[المعجم ٤٥ - التحفة ٢٨٠]
٥٦٢ - عقثنا محمود بن غَيْلاَنَ حدثنا وكيعُ حدّثنا سفيانُ عن الأسْوَدِ بن قَيْسٍ عن
فَعْلَبَةً بن عِبَادٍ عن سَمُرَةً بن جُنْدُبٍ قال: ((صلَّى بِنَا النبيِّ ◌ِ﴿ فِي كُسُوفٍ لاَ نَسْمَعُ له
صوتًا».
قال: وفي الباب عن عائشةً.
قال أبو عيسى: حديثُ سَمُرَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ (١).
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا.
وهو قولُ الشافعيّ.
٥٦٣ - حدثنا أبو بكرٍ محمد بن أَبَانَ حدّثنا إبراهيمُ بن صَدَقَّةً عن سفيانَ بن حسينٍ
عن الزهريِّ عن عُزْوَةً عن عائشة: ((أن النبيَّ ◌َ﴿ صلَّى صلاة الكسوفِ، وجَهَرَ بالقراءة
فیها».
اليسير الآن علامة وإنذار مما يصيبه من الإفساد الكلي الذي لا يكون عند الحساب أبدًا، والحمد
الله على ما وهب من العلمين: العلم في الدين والعلم بمقدارهم في العلم.
الثامنة: قوله: (فإذا رأيتم ذلك) فذكر ستة خصال عامة وخاصة، اذكروا الله: ادعوا،
كبروا، وصلوا، تصدقوا، اعتقوا. فيا معشر الأصحاب ويا أولي الألباب، هذا الكلام كله لأن
رفع القمر في ظل الأرض بما اقتضاه الحساب، أو لأمر عظيم من أمر الله لا يدخل في حساب،
عوذوا بالله وعودوا إلى الله وسددوا بصائركم وأبصاركم، فسيمر بكم على الغرض الأقصد،
ویوردکم المورد الأحمد إن شاء الله.
التاسعة: لها اختلفت الرواية في الكسوف، وروي عن النبي ولو أنه قرأ نحوًا من كذا،
وهذا يقتضي أن القراءة كانت سرًا. وروى أبو عيسى عن سمرة أبين منه فقال: لا تسمع له
صوتًا. وروى صلاته عن الزهري عن عروة عن عائشة أنه جهر فيها بالقراءة، واختلف في ذلك
العلماء، واختلف قول مالك فروى المصريون أنه يسر، وروى المدنيون أنه يجهر، والجهر عندي
(١) الحديث رواه أيضًا أبو داود والنسائي وابن ماجه. ورواه أيضًا الحاكم في المستدرك بقصة طويلة
(١: ٣٢٩ - ٣٣١) وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. ونسبه الهيثمي في مجمع الزوائد
(٢٠٩:٢ - ٢١٠) لأحمد والطبراني في الكبير.

٣٦
کتاب صلاة السفر/ باب ٣٩٨
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ(١).
ورواه أبو إسحقّ الفزاريُّ عن سفيان بن حسينٍ: نحوّه.
وبهذا الحديث يقولُ مالكُ بن أنسٍ، وأحمدُ، وإسحقُ.
٣٩٨ - باب ما جاء في صلاة الخوف
[المعجم ٤٦ - التحفة ٢٨١]
٥٦٤ - هقتنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشّوَارِبِ حدثنا يزيد بن زُرّيع حدّثنا
مَعْمَرٌ عن الزهريِّ عن سالم عن أبيه: ((أن النبيِّ ◌َهَ صلَّى صلاةَ الخوف بِإحدَى الطائفَتَيْنِ
ركعةً، والطائفةُ الأُخْرَى مُّوَاجِهَةُ العدُوِّ، ثم انصرفوا، فقاموا في مَّقَامٍ أولئك، وجاء
أُولئِك فصلّى بهم ركعةً أخرَى، ثم سلْم عليهم فقامَ هؤلاء فَقَضَوْا ركعتَهم، وقام هؤلاء
فقضوا رکعتهم)).
أولى لأنها صلاة جماعة، ينادى لها كما ينادى للصبح: الصلاة جامعة، ويخطب لها كما في
بعض الروايات، وعند بعض العلماء كانت قراءتها جهرًا كالعيد والاستسقاء، ويحتمل أن يكون
النبي ## فعل الوجهين ليبين الجواز، والله أعلم.
صلاة الخوف
سابقة أن الله سبحانه وتعالى وله الحمد فرض فرائضه وشرع شرائعه، ورفع الحرج عن
عباده فيها، وأذن لهم بأن يقوموا حسب الإمكان عليها، ومن أعظمها وجوبًا الصلاة لم
يرخص في تركها، ولا حمل ما لا يستطاع صلى قائمًا، فإن لم يستطع فقاعدًا وعلى جنب،
فإن شق عليك الأربع فركعتان، فإن شقت القبلة فاتركها، أو تعذرت الطهارة فأسقطها، أو
انكشفت العورة فأعرض عنها، أو تغيرت الهيئة مع الخوف فاحتملها. ذكر أبو عيسى حديث
ابن عمر (أن النبي 18 صلى صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعة، والطائفة الأخرى مواجهة
العدو، ثم انصرفوا فقاموا مقام أولئك، فجاء أولئك فصلى بهم ركعة أخرى ثم سلم بهم،
فقام هؤلاء فقضوا ركعتهم، وقام هؤلاء فقضوا ركعتهم) صحيح. وذكر حديث سهل بن
أبي حثمة أنه قال: يقوم الإمام مستقبل القبلة، ويقوم طائفة منهم معه وطائفة من قِبَلٍ العدو
ووجوههم إلى العدو، فركع بهم ركعة ويركعون لأنفسهم ويسجدون، ويجيء أولئك فيركع
(١) الحديث أخرجه الطحاوي وأحمد والطحاوي والدارقطني والشيخان (البخاري ٢: ٤٥٤) و(مسلم !:
٢٤٧). ثم روى البخاري تعليقًا أن الأوزاعي رواه عن الزهري.

٣٧
کتاب صلاة السفر/ باب ٣٩٨
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ صحيحٌ. وقد رَوَى موسى بن عُقْبَةً عن نافعٍ عن ابن
عمرَ: مثلَ هذا(٩).
قال: وفي الباب عن جابر، وحُذَّيْفَةً، وزيد بن ثابتٍ، وابن عباسٍ، وأبي هريرة،
وابن مسعودٍ، وسَهْلٍ بن أبي حَثْمَةً، وأبي عَيَّاشِ الزُّرَقِيِّ، واسمه ((زيدُ بن صَامِتٍ)) وأبي
بكرةَ.
قال أبو عيسى: وقد ذّهَبٌ مالكُ بن أنسٍ في صلاةِ الخوفِ إلى حديثٍ سَهْلٍ بن
أبي حَثْمَةٌ.
وهو قول الشافعيِّ.
وقال أحمدُ: قد رُوِيّ عنِ النِبِيّ ◌َ﴿ صلاةُ الخوفِ على أوْجُهٍ، وما أعْلّمُ في هذا
الباب إلاَّ حديثًا صحيحًا، وَأخْتَارُ حديثَ سَهْلٍ بن أبي حَثْمَةً.
بهم ركعة ويسجد بهم سجدتين فهي له ثنتان ولهم واحدة، ثم يركعون ركعة ويسجدون
سجدتين.
الإسناد: حديث سهل في الموطأ وغيره أبسط وأبين مما ذكره أبو عيسى، إلا أنه ذكر من
روى صلاة الخوف، وقد رويت عن النبي 18 فيها روايات كثيرة، أصحها ستة عشر روايات هي
مختلفة كلها، وأقواها ما ذكره مالك والبخاري ومسلم، وأغربها ما روى مسلم عن جابر أن
النبي صلى بكل طائفة ركعتين، فكانت للنبي ﴿﴿ أربعًا ولهم ركعتان ركعتان، وذلك لأن
القصر والإتمام في السفر سواء في الإجزاء. ومن أغربها ما روى أبو داود عن حذيفة أن
النبي# صلى بكل طائفة ركعة، ثم سلم ولم يقضوا. وفي الصحيح عن ابن عباس: فرض الله
الصلاة في الخوف ركعة على لسان نبيكم *.
الأحكام: في مسائل:
الأولى: أن أبا يوسف قال: كانت صلاة الخوف مشروعة لحرمة النبي 88*، وميل كل أحد
بركة الاقتداء به، والاشتراك في العبادة معه، وأما بعد موته ففيم يرغب؟ وعضد هذا بقوله:
﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك﴾ [النساء: ١٠٢] فشرط كونه فيهم
بما فعله ربهم في الصلاة، فإذا زال الشرط بطل المشروط، وهذا مما يستحضره علماؤنا وهو
حمى دق لا يبرىء عليها إلا الصدق. الجواب عنه من ثلاثة أوجه: الأول: أن شرط كون
(١) الحديث رواه أصحاب الكتب الستة.

٣٨
کتاب صلاة السفر/ باب ٣٩٨
وهكذا قال إسحاق بن إبراهيم، قال: ثَبَتَتِ الروايات عن النبي # في صلاةٍ
الخوف. ورأى أنَّ كُلِّ ما رُوِيّ عن النبي # في صلاة الخوف فهو جائزٌ، وهذا على
قَدْرِ الخوفٍ.
قال إسحقُ: وَلَسْنَا نختارُ حديث سَهْل بن أبي حَثْمَةً على غيره من الرواياتِ.
٥٦٥ - حقثنا محمد بن بشّارٍ حدّثنا يحيى بن سعيد القطّانُ حدثنا يحيى بن سعيدٍ
الأنصاريُّ عنِ القاسم بن محمدٍ عن صالح بن خَوَّاتٍ بن جُبَيْرٍ عن سَهْلِ بْنِ أبِي حَثْمَةَ أنه
قال في صلاةِ الخوف، قال: ((يقومُ الإمامُ مستقبِلَ القِبلة، وتقومُ طائفةٌ معه، وطائفةٌ من
قِبَلِ العَدُوِّ، ووجوههم إلى العدوّ، فيركعُ بهم ركعةٌ، ويركعون لأنفسهم، ويسجدون
لأنفسهم سجدتين في مكانهم، ثم يَذْهَبُونَ إلى مَقَامٍ أُولئك، فيركعُ بهم ركعةٌ ويسجدُ بهم
سجدتينٍ، فهِي له ثِثْتَان وَلَّهُمْ واحدةٌ، ثم يركعون ركعةٌ ويسجدون سجدتينٍ.
النبي * إنما دخل لبيان الحكم لا لوجود، تقديره: بيّن لهم بفعلك فهو أدفع للإيضاح من
قولك، وهذا نفيس غريب. الثانى: أنه إذا جاز له فعل جاز لنا، وإذا فعله امتثلنا مثله واقتدينا،
إلا بما قبضنا عنه وقطعنا سيما، وهو الثالث: أن كل عذر طرأ على العبادة يستوي فيه النبي
والأمة، كالسفر والمرض.
الثانية: في صفة الصلاة. اختلفت الروايات عن علمائنا في تفصيلها في الأصل والوصف،
وعن سائر العلماء، فقال بعضهم في رواية: ما وافق نص القرآن، وهو اختيار ابن القاسم من
علمائنا، واختيار الليث وأشهب وأبو حنيفة، ورواية ابن عمر، واختار الشافعي رواية ابن خوات،
وقالت طائفة منهم أبو حنيفة: إذا لم يكن الصلاة إلا بالنبي ول ® ولم يصل، وقال أحمد: يصلي
لكل صفة صحت، وقالت طائفة: كل صفة صحت أنها بعد أخرى فالأولى منسوخة بالثانية،
للعلم بالتنازع ووجود التعارض الذي يمتنع الجمع، وقال طائفة: إنما هي صلاة ضرورة فتفعل
بحال الضرورة وحسب الإمكان، ولذلك اختلف فعل النبي # فيها، وهذا هو الذي أختار، فإذا
غلب الأمر فلا يخرج عن صفة من الصفات المروية. ويصلي ماشيًا وراكبًا، مقبلاً أو مدبرًا، كما
روي في الأحاديث، فإن غلب عن أن يؤديها منفردًا أو في جماعة فليتركها ولو خرج الوقت؛
كما فعل النبي 18 يوم الخندق حين شغله الحرب عنها، وكما روى البخاري عن أنس: حضرت
مناهضة حصن تستر عند إضاءة الفجر، واشتد اشتعال القتال فلم يقدروا على الصلاة إلا بعد
ارتفاع النهار، فصليناها ونحن مع أبي موسى ففتح لنا، قال أنس: وما سرني بتلك الصلاة الدنيا
وما فيها، وقال الأوزاعي: إن لم يقدروا على الإيماء أخروا الصلاة حتى ينكشف القتال، وهذا
علم حسن سدید.

٣٩
كتاب صلاة السفر/ باب ٣٩٨
٥٦٦ - حقثنا قال أبو عيسى: قال محمد بن بشّارٍ: سألتُ يحيى بن سعيدٍ عن هذا
الحديث؟ فَحَدَّثَنِي عن شعبةً عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن صالح بن خَوَّاتٍ
عن سَهْلٍ بن أبي حَثْمَةَ عن النبيِّ ﴾: بِمِثْلٍ حديث يحيى بن سعيد الأنصارِيِّ. وقال لي
يحيى: اكتُبْهُ إلى جَلْبِهِ، ولستُ أَحْفَظُ الحديثَ، ولكنَّه مِثْلُ حديث يحيى بن سعيدٍ
الأنصاريّ.
قال أبو عيسى: وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ(١).
لم يَرْفعه يحيى بن سعيد الأنصاريّ عن القاسم بن محمدٍ، وهكذا رَوَى أصحابُ
يحيى بن سعيد الأنصاريَّ موقوفًا، ورَفَعَهُ شعبةُ عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد.
٥٦٧ - وروى مالكُ بن أنسٍ عن يزيد بن رُومَانَ عن صالح بن خَوَّاتٍ عن من
صَلَّى مع النبي ﴿ صلاة الخوف: فذكر نحوَه.
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وبه يقولُ مالكٌ والشافعيَّ، وأحمدُ، وإسحقُ.
الثالثة: ظن ابن الماجشون أن النبي # إنما ترك صلاة الخوف يوم الخندق لأنه حصر،
وحكمها أن تكون في السفر وهو نظر ضعيف، ما جعل الله لها قط حكمًا في السفر ولا ذكرًا،
وإنما ورد الأمر مطلقًا، وترك النبي # لها إنما كان لعدم الإمكان، ودليل القرآن عام في كل
مكان فلا وجه لقوله، على أنه يحتمل حديث جابر: أن النبي 18 صلى أربعًا والقوم ركعتين، أنه
كان النبي 18 في غير حكم سفر وهم مسافرون. وقد قال علماؤنا: إذا كان الخوف في الحضر
ومعهم مسافرون يستحسن أن يكون الإمام مقرًا، لئلا يتغير حكم صلاتهم لأنهم يصلون ركعتين.
الرابعة: إذا رأوا سوادًا أو غير شيء فظنوه رجلاً فصلوا صلاة الخوف رعبًا أجزأهم، وبه
قال الشافعي. إلا أن محمد بن المواز استحب الإعادة، وقال أبو حنيفة: لا تجزيهم لأنهم لم
يروا عدوًّا وإنما جازت صلاة الخوف بالمعاينة، قلنا: قد عاينوا وقد لزمتهم الصلاة على تلك
الحالة، فالخطأ في العذر لا يوجب الإعادة كما قلنا في القبلة وغيرها من نحوها.
الخامسة: إذا كان الخوف عند صلاة المغرب صلى بالجماعة الأولى ركعة، وبالثانية
ركعتين، وقال أبو حنيفة: يصلي بالأولى ركعتين، وللشافعي القولان، لأن حكم التسوية أن
(١) الحديث رواه أيضًا مالك في الموطأ (١ ١٩٢) موقوفًا، عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن القاسم.
وكذلك رواه البخاري ومسلم وغيرهما. والمرفوع صحيح أيضًا.

٤٠
كتاب صلاة السفر/ باب ٣٩٩
وروّى عن غير واحدٍ: ((أن النبيِّ#﴾ صلَّى بإحدى الطائفتين ركعةٌ ركعةً، فكانت
للنبي ﴾ ركعتانِ، ولهم ركعةً ركعةٌ».
قال أبو عيسى: أبو عَيّاشِ الزَّرَقِيُّ اسمه ((زيد بن صَامِتٍ)).
٣٩٩ - باب ما جاء في سُجُودِ القرآنِ
[المعجم ٤٧ - التحفة ٢٨٢]
٥٦٨ - هقثنا سفيانُ بن وَكِيع حدّثنا عبدُ اللَّهِ بن وَهْبٍ عن عمرو بن الحُرِثِ عن
سعيد بن أبي هِلاّلٍ عن عُمَرَ الدمشقيِّ عن أُمَّ الدَّرْدَاءِ عن أبي الدِّزْدَاءِ قال: ((سَجَدْتُ مع
رسول الله# إحدّى عَشْرَةَ سَجْدَةٌ، منها التي في النَّجْمِ».
يكون الأولى ركعة ونصف ولا تنقص فكملت لها، قلنا له: وأين نظرك وهذا يلزمك في الطائفة
الثانية من حجتها مثله، والصحيح أن الطائفة الأولى فضلها النبي # لا بالانتظار وبالتشهد، وكما
قلنا صلاة على ليلة الهدير من ليالي صفين.
سجود القران
(عمر الدمشقي عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال: سجدت مع رسول الله وَّر إحدى
عشرة سجدة).
الإ :: ضعفه أبو عيسى وقطعه بأن رواه عن عمر الدمشقي، أخبرني مخبر، عن أم
الدرداء. وفي الصحيح واللفظ لمسلم: عن ابن عمر أن النبي # كان يقرأ القرآن فيسجد ونسجد
معه، حتى ما يجد أحدنا موضعًا لمكان جبهته، وأما في غير الصحيح فالإسناد المروي من غير
طريق أبي داود وغيره عن عمرو بن العاص: أقرأني رسول الله وَ# خمس عشرة سجدة، أخبرنا
أبو الحسين الأزدي، أخبرنا الطبري أخبرنا علي بن عمر الحافظ، حدثنا محمد بن أحمد بن
عمرو بن عبد الخالق، حدثنا أحمد بن محمد بن رشدين، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا نافع ابن
زيد، عن الحارث بن سعيد العتقي، عن عبد الله بن منير من بني عبد كلال، عن عمرو بن
العاص أن رسول الله ﴿ أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن، منها ثلاث في المفصل، وفي
سورة الحج سجدتان. وقال عطاء: سجود القرآن عشر في رواية عبد الرزاق عنه.
الأحكام في مسائل:
الأولى: اختلف العلماء في أعداد سجود القرآن على سبعة أقوال: الأول: أنها عشر، قاله
عطاء. الثاني: أنها إحدى عشرة، وفي رواية المصريين عن مالك مثله. الثالث: أنها أربع عشرة،