Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
أبواب الطهارة/ باب ٨٢
قال أبو عيسى: وأبو الجَحَّافِ اسمه ((دَاوُد بنُّ أَبِي عَوْفٍ)).
وَيُرْوَى عن سفيان الثّوْرِيِّ قال: حدّثنا أبو الجحَّافِ وكان مَرْضِيًّا.
قال أبو عيسى: وفي الباب عن عثمانَ بنِ عَفَّانَ، وعليّ بنِ أبي طَالِبٍ، والزُّبَيْرِ،
وطلْحَةُ، وأبي أيُّوبَ، وأبي سَعِيدٍ: عن النّبِيَِّ﴿ أَنْهُ قال: ((الماءُ من الماءِ»(١).
٨٢ - باب ما جاء فيمن يستيقظ فَيَرِى بَلَلاً،
ولا يَذْكُرُ احتلامًا
[المعجم ٨٢ - التحفة ٨٢]
١١٣ - هذثنا أحمد بنُ مَنِيع حدّثنا حَمَّادُ بنُ خالدِ الخَيَّطُ عن عَبد الله بنِ عُمَرّ هو
العُمَرِيُّ عن عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ عن القاسم بنِ محمدٍ عن عائشةَ قالت: سُئِلَ رسول
اللهِ وَ﴿ عن الرَّجُلِ يَجِدُ الْبَلَلَ وَلاَ يَذْكُرُ احْتِلاَمًا؟ قال: ((يَغْتَسِلُ)). وعن الرَّجُلِ يَرَى أنَّهُ قدِ
الغسل. الثالثة عشر: إذا لفّ ذَكّرَه في خرقة فأولجه في فرج المرأة، قال لي شيخنا أبو بكر
محمد بن الوليد الفهري الزاهد: فيه ثلاثة أوجه مختلفة: أحدها لا يوجب الغسل، والثاني
يوجبه، والثالث إن كان في خرقة رقيقة أوجبه، وإن كانت كثيفة لم يوجبه. وهذا الأشبه بمذهبنا
والله أعلم. الرابعة عشر: إذا انتقل المني ولم يظهر لم يوجب غسلاً. وقال أحمد بن حنبل:
يوجب الغسل، لأن الشهوة قد حصلت بانتقاله فوجب الغسل، كما لو ظهر. وهذا ضعيف، لأن
الشهوة وإن كانت حصلت لم تكمل، ولأنه حدث، فلا تلزم الطهارة إلا بظهوره كسائر
الأحداث، الخامسة عشر: إذا جومعت بكر فحملت وجب الغسل عليها، لأن المرأة لا تحمل
حتى تنزل، أفادناها شيخنا الإمام الفهري، إشارة إلى وجوب الغسل بالتقاء الختانين، بالإضافة
إلى خروج الماء، كوجوب الوضوء لأن الذّكر بالإضافة إلى خروج البول، وعليه يركب حكمه.
ودليلاً واتفاقًا واختلافًا وتعليلاً وتفريعًا فهمه.
باب مَن يستيقظ فيرى بللاً ولا يذكر احتلامًا
القاسم بن محمد عن عائشة (سُئِلَ رسول اللهِ ﴾ عن الرجل يجد البلل ولا يذكر
احتلامًا؟ قال: يغتسل. وعن الرجل يرى أنه قد احتلم ولم يجد بللاً؟ قال: لا غُسْلِ
(١) لم يرد عنهم جميعًا الحديث بهذا اللفظ، وإنما أراد الترمذي أنهم رووا هذا المعنى أو ما يقاربه عن
النبي *. انظر البخاري في صحيحه (١: ٣٣٨ - ٣٤٠ فتح). وأحمد في المسند (٥: ١١٥).
والطحاوي في معاني الآثار (١: ٣٥ - ٣٦).

١٤٢
أبواب الطهارة/ باب ٨٢
احْتَلَمَ ولم يَجِدْ بَلَلاً؟ قال: ((لاَ غُسْلَ عليه)). قالتْ أُمُّ سَلَمَة: يا رسولَ اللَّهِ، هَلْ على
المرأةِ تَرَى ذلِكَ غُسْلٌ؟ قال: ((نَعَمْ، إِنَّ النِّسَاءَ شَقَائِقُ الرِّجَالِ))(١) .
قال أبو عيسى: وإنما رَوَى هذا الحدِيثِ عَبْدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ عن عُبَيْدِ اللَّهِ بن عُمْرَ:
حَدِيثَ عائشةَ في الرَّجُلِ يَجِدُ الْبَلَلَ ولا يَذْكُرُ احْتِلاَمًا. وعبدُ اللَّهِ بنُ عمر ضَعَّفَهُ يحيى بنُ
سعيدٍ من قِبَلٍ حِفْظِهِ في الحديث.
وهو قولُ غيرٍ واحدٍ من أهل العلم من أصحاب النبي ◌َ # والتابعين: إذا استيقظَ
الرجلُ فَرَأى بِلَةً أَنَّهُ يغتسِلُ. وهو قولُ سفيانَ الثوريَّ وأحمدٌ.
وقال بعضُ أهل العلم من التابعينَ: إنما يجبُ عليه الغسلُ إذا كانت البِلَّةُ بِلَّةَ نُطْفَّةٍ.
وهو قولُ الشافعيِّ وإسحقَ.
عليه. قالت أم سلمة: يا رسول الله، هل على المرأة ترى ذلك غُسْلٌ؟ قال: نعم، إن
النساء شقائق الرجال).
إسناده: قد بيّن أبو عيسى ضعفه، لأنه مخرج من طريق عبد الله بن عمر العمري وهو
ضعيف، لكن قد بيًّا ذلك من فعل عمر في الموطأ.
غريبه: الاحتلام رؤية الحلم في النوم، وهو الماء الذي يخرج من الرجل فيدلّ على كمال
حلمه وعقله.
أحكامه: من رأى في ثوبه بللاً فلا يخلو أن ينام فيه أو لا ينام، فإن لم ينم فيه فلا شيء
عليه، وإن نام فيه فلا يخلو أن يتيقن أنه احتلام أو يشك فيه: هل هو احتلام أم لا، وجب عليه
الغسل أو استحب على القول بإلغاء الشك واستعماله، وإن تيقن أنه احتلام فلا يخلو أن يذكر أنه
احتلم أو لا يذكر، فإن ذكر فلا خلاف أنه يغتسل، وإن لم يذكر احتلامًا فقد اختلف في ذلك
العلماء، فذهب جميع العلماء إلى أنه يحب عليه الغسل، وقال الشافعي: متى رأى الماء الدافق
ولم يذكر احتلامًا، فلا يجب عليه الغسل ولكنه يستحب. واختلف أصحابنا في تأويله، فمنهم
من قال: معناه أنه ثوب يلبسه هو وغيره، ومنهم مَن قال به مطلقًا، وكذلك يُروَى عن مجاهد.
والصحيح وجوب الغسل إذا لم يلبسه غيره، لأنه يقطع على أنه منه، والنسيان ممكن وعدم
الشعور أيضًا ممكن، فلا يترك يقين وجوب الغسل للشك في النسيان. وأما إذا لبسه هو وغيره
ممن يحتلم فلا يجب عليه الغسل، ولكنه يستحب بجواز أن يكون هو المحتلم.
(١) الحديث رواه أحمد في المسند (٦: ٢٥٦)، ورواه أبو داود (١: ٩٥ - ٩٦). ورواه الدارمي
(١: ١٩٥ - ١٩٦). ورواه ابن ماجه (١: ١١٠).

.
أبواب الطهارة/ باب ٨٣
١٤٣
وإذا رأى احتلامًا ولم يَرَ بِلَةٌ فلا غُسْلَ عليه عندَ عَامَّةِ أهل العلم.
٨٣ - باب ما جاء في المَنِيِّ والمَذي
[المعجم ٨٣ - التحفة ٨٣]
١١٤ - حقثنا محمد بنُ عَمْرِوِ السَّوَّاقُ البَلْخِيُّ حدّثنا مُشَيْمٌ عن يَزِيدَ بنِ أبي
زِيَاد ح قال: وحدّثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ حدّثنا حسينٌ الجُعْفِيُّ عن زائدةً عن يزيدَ بنِ أبي
زيَادٍ عن عبدِ الرَّحمْنِ بنِ أبِي لَيْلَى عن عليٍّ قال: سأَلْتُ النبيِّ ◌ِ﴿ عن المَذْىِ؟ فقال:
(مِنّ المَذْىِ الوُضُوءُ، وَمِنَ المَنِيِّ الغُسْلُ))(١) .
قال: وفي الباب عن المقْدَادِ بنِ الأسْوَدِ، وأُبَيِّ بنِ كَعْبٍ(٢).
تحقيق: لا يرى الشافعي بخروج المني من غير شهوة غسلاً، فلذلك أسقطه مهنا.
ولأصحابنا فيه خلاف.
باب في المني والمذي
عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي (سألت النبي ﴿ عن المَذي؟ فقال: من المَذْىِ
الوضوء، ومن المَنِيّ الغُسل) صحيح حسن.
غريبه: قال الأموي سعيد بن يحيى اللغوي: المذيّ والمنيّ والوديّ مشددات الياء. وقال
أبو عبيد: الصواب أن المني وحده مشدد الياء والباقيان مخفّفان. والمذي بذال معجمة، والودي
بدال مهملة، والفعل منه يقال: ودى بدال مهملة، ومذى وأمذى بذال معجمة، وأمنى من
المني، فالمذي أرقّ ما يكون من النطفة يخرج عند الممازحة والقبل، والمني الماء الدافق وهو
غاية اللذة: أبيض ثخين، وهو من المرأة أصفر رقيق، والودي ماء أبيض يخرج بأثر البول. ومني
معناه: هراق، من: منا، أي: أراق، فوزنه مفعول، ويجوز على لغة أمنى.
(١) الحديث رواه أحمد (رقم ٦٦٢ ج ١ ص ٨٧) (رقم ٨٦٩ ص ١٠٩ - ١١٠) رقم (٨٩٠) (رقم ٨٩١
ص ١١١) (رقم ٨٩٣ ص ١١١ - ١١٢ ورقم ٩٧٧ ص ١٢١). ورواه ابن ماجه (١: ٩٤).
(٢) حديث المقداد رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه، وحديث أبيّ بن كعب: «أخرجه ابن أبي شيبة
وغيره) وابن ماجه (١: ٩٤). وانظر أحمد في المسند (٤: ٣٤٢). ورواه أيضًا ابن سعد في
الطبقات (ج ٧ ق ٢ ص ١٩٣). وهذا الحديث روى الترمذي قطعة منه في مؤاكلة الحائض
(١: ٢٨ - ٢٩ طبعة بولاق و١: ١٢٥ شرح المباركفوري) وستأتي إن شاء الله برقم (١٣٣) ورواه
ابن ماجه (١: ١١٦) وروى ابن ماجه أيضًا قطعة منه في الصلاة في البيت (١: ٢١٤ - ٢١٥).
وروى أبو داود (١: ٨٥) وابن الجارود (ص ١٤) قطعة منه في المذي.

١٤٤
أبواب الطهارة/ باب ٨٤
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وقد رُوِيّ عن عليّ بن أبي طالب عن النبيِوَ﴾ من غَيْرِ وَجْهٍ: ((مِنَ المذي
الوُضُوءُ، وَمِنَ المَنِيِّ الغُسْلُ))(١).
وهو قولُ عامَّة أهل العلم من أصحاب النبي ﴿ والتابعين ومَن بَعْدهم وبه يقولُ
سفيانُ، والشافعيُّ: وأحمدُ، وإسحقُ.
٨٤ - باب ما جاء في المَذْي يُصيبُ الثَّوْبَ
[المعجم ٨٤ - التحفة ٨٤]
١١٥ - هقثنا هَنَّادٌ حدّثنا عَبْدَةُ عن محمد بنِ إسحقَ عن سَعِيدِ بنِ عُبَيْدٍ، هو ابنُ
السَّبّاق، عن أبيه عن سَهْلٍ بْنِ حُنَيْفٍ قال: كُنْتُ الْقَىْ مِنَ المَذْىِ شِدَّةً وَعَنَاءَ، فَكُنْتُ أُكْثِرُ
أحكامه: أفتى النبي 1 في المني والمذي، ولم يذكر الودي. ولما كان يخرج مع البول
أجراه العلماء مجرى البول، وأما المذي فأفتى فيه رسول الله * لعليّ بن أبي طالب، فتارة
رُوِيّ أنه قال: ((يتوضأ وضوءه للصلاة))، وقال به الشافعي وبعض أصحابنا في ظاهر المدوّنة،
وتارة رُويّ أنه قال له: ((اغسل ذَكَرَك وأنثييك)»، قال به أحمد وغيره، وتارة رُوِيّ أنه قال:
(غسل ذَكَرَك وتوضأ))، قال به مالك وغيره. ولا يشك في صحة الأمر بغسل الأنثيين والذكر،
ولكن من العلماء من قال الوضوء شُرعة، والغسل في الذِّكَر والأنثيين سعة، لأنه يبرد العضو
فيضعف المذي، والصحيح إذا صحّ حمله على الشرع والقول به، وتارة رُوِيّ: ((ينضح فرجه))،
قال محمد بن مسلمة: معناه قطع الشك بعد الوضوء، ويستثبت ما يخشى من تألمه إلى النضح
لا إلی مذي یعدل خروجه».
فرع: قال بعض أشياخنا: إذا قلنا بغسل الذّكّر فلا بدّ من نيّة، لأنه ليس من رأيه نجاسة،
إذ لا نجاسة فيه، وإنما هو عبادة فافتقر إلى النيّة.
باب في المذي يصيب الثوب
سهل بن حنيف قال: (كنت ألقى من المَذْي شدة وعناء، فكنت أكثر منه الغُسل.
(١) انظر أحمد في المسند (رقم ٨٦٨ ج ١ ص ١٠٩). وهذا الحديث رواه أيضًا أبو داود (١:
٨٣ - ٨٤). ورواه النسائي (١: ٤١). ورواه الطيالسي (رقم ١٤٥). ورواه أحمد أيضًا (رقم
٨٤٧ ج ١ ص ١٠٧). ورواه أحمد أيضًا (رقم ٨٥٦ ج ١ ص ١٠٨).

١٤٥
أبواب الطهارة/ باب ٨٤
مِنْهُ الغُسْلَ. فَذَكَرْتُ ذلِكَ لرسول اللهِ وَه وَسَألْتُهُ عنه؟ فقال: ((إنَّمَا يُجْزِئُكَ مِنْ ذُلِكَ
الوُضُوءُ)). فقلتُ: يا رسول الله، كَيْفَ بِمَا يُصِيبُ ثَوْبِي مِنْهُ؟ قال: ((يَكْفِيكَ أنْ تَأْخُذُ كَفّا
مِنْ مَاءٍ فَتَنْضَحَ بِهِ ثَوْبَكَ حَيْثُ تَرَى أَنَّهُ أُصّابَ مِنْهُ!(١).
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، ولا نعرفه إلاّ مِن حديث محمد بن
إسحقّ في المذيٍ مثل هذا.
وقد اختلَفَ أهلُ العلم في المذي يصيبُ الثوبَ. فقال بعضهم: لا يُجْزِىءُ إلاَّ
الغَسْلُ، وهو قولُ الشافعيِّ، وإسحقَ. وقال بعضهم: يُجْزِئُهُ النَّضْحُ. وقال أحمدُ: أَرْجُو
أنْ يُجزئَهُ النّضحُ بالماءِ.
فذكرت ذلك لرسول الله# وسألته عنه؟ فقال: إنما يجزئك من ذلك الوضوء. فقلت: يا رسول
الله، كيف بما يصيب ثوبي منه؟ قال: يكفيك أن تأخذ كفًا من ماء فتنضح به ثوبك حيث ترى
أنه أصاب منه).
إسناده: هذا حديث تفرّد به محمد بن إسحق، فكيف يقول فيه أبو عيسى إنه صحيح إلا
على رأي الأول.
غريبه: النضح بالحاء المهملة: البلل، ومَن اعتقد فيه أنه الوضوء فقد وهم.
أحكامه: أجمع العلماء على أن المذي نجس، واختلفوا في غسله ونضحه، فقال مالك
والشافعي وإسحلق: لا يجزيه إلا الغسل، وقال أحمد: أرى أن يجزيه النضح، ودليلنا: أنه
نجاسة، فوجب غسلها كسائر النجاسات، وهذا الحديث حجة لنا، لأنه قال؛ ((يكفيك أن تأخذ
كفّا من ماء فتتضح به ثوبك»، والنجاسات على قسمين: نجاسة كلون الماء وهو البول والوزي
ونحوهما، ونجاسة تخالف لون الماء، فإذا خالفت لون الماء وجب صبّ الماء حتى يذهب
عينها، فإذا وافقت لون الماء فالواجب أن يكاثر بالماء خاصة، إذ ليس لها عين، يزال وكفّ من
ماء على ما ورد في الحديث: أكثر من نقطة من مذي. وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله، فهي مما
يكاثر به النقطة من المذي.
(١) رواه أحمد (٣: ٤٨٥) والدارمي (١: ١٨٤) وأبو داود (١: ٨٤ - ٨٥) وابن ماجه (١: ٩٤).
عارضة الأحوذي/ ج ١ / ٢ ١٠

١٤٦
أبواب الطهارة / باب ٨٥
٨٥ - باب ما جاء في المنِيُّ يصيبُ الثوبَ
[المعجم ٨٥ - التحفة ٨٥]
١١٦ - حقثنا هَنَّادٌ حدّثنا أبو معاويةً عن الأعْمَشِ عن إبراهيمَ عن هَمَّامٍ بنِ الحرث
قال: ((ضّافَ عائشةَ ضَيْفٌ (١)، فَأَمَرَتْ له بِمِلْحَفَةٍ صَفْرَاءَ، فَنَامَ فِيهَا، فَاحْتَلَمَ، فَاسْتَحْيَا أنْ
يُرْسِلَ بِهَا وَبِهَا أَثَرُ الاخْتِلاَمِ، فَغَمَسَهَا في الماءِ، ثُمَّ أرْسَلَ بِهَا، فقالت عائشةُ: لِمَ أَفْسَدَ
عَلَيْنَا ثَوْبَنَا؟ إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَفْرُكَهُ بِأَصَابِعِهِ. ورُبَّمَا فَرَكْتُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسولِ اللهِ وَ
پأصابعي».
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وهو قولُ غيرٍ واحد من أصحاب النبيِّ :﴿ والتابعين وَمَنْ بَعْدَهُمْ من الفقهاء، مِثْلٍ
سفيانَ الثوريٍّ، والشافعيِّ، وأحمدَ، وإسحق. قالوا في المنيِّ يصيبُ الثَّوْبَ: يُجْزِئُهُ
الفَرْكُ وإِن لم يُغْسَلْ.
باب في المني يصيب الثوب
همام قال: (ضافَ عائشة ضيف، فأمرت له بملحقة صفراء، فنام فيها، فاحتلم، فاستحيا
أن يرسل بها وبها أثر الاحتلام، فغمسها في الماء، ثم أرسل بها، فقالت عائشة: لِمَ أفسد علينا
ثوبنا؟ إنما كان يكفيه أن يفركه بأصابعه. وربما فركته من ثوب رسول الله وَيؤثر بأصابعي).
إسناده: روى القشيري عن عبد الله بن شهاب الخولاني. قال: كنت نازلاً على عائشة
فاحتلمت على ثوبي، فغمستها في الماء، فرأتني جارية لعائشة فأخبرتها، فبعثت إليَّ عائشة
فقالت: ما حملك على ما صنعت بثوبيك؟ قال: قلت: رأيت مثل ما يرى النائم في منامه،
قالت: هله رأيت فيها شيئًا؟ قالت: فلو رأيت شيئًا غسلته، لقد رأيتني وإني أحكه من ثوب
رسول الله # يابسًا بظفري. قال علماؤنا رحمهم الله: روى أهل المدينة عن عائشة الغسل،
وروى غيرهم من أهل الأمصار عنها الفرك.
غريبه: الفرك بفتح الفاء: العرك والحكّ، ويكسرها البعض. وقد رُوِيّ بدل الفرك الحتّ،
وهو: الحكّ كما ورد في حديث عبد الله بن شهاب المذكور.
(١) هذا الضيف هو عبد الله بن شهاب الخولاني، فقد روى مسلم عنه (١: ٩٤) أنه نزل على عائشة
فاحتلم في ثوبه الخ. ولكن في رواية أبي داود (١: ١٤٣) ((أنه كان عند عائشة فاحتلم)) الخ.

١٤٧
أبواب الطهارة/ باب ٨٦
وهكذا رُوِيَ عن منصور عن إبراهيمَ عن هَمَّامِ بنِ الحُرِثِ عن عائشة: مِثْلَ رِوَايَةٍ
الأعمشِ.
وَرَوَى أَبُو مَعْشَرٍ هذا الحديثَ عن إبراهيمَ عن الأسْوَدِ عن عائشة.
وحديثُ الأعْمَشِ أَصَحُ(١).
٨٦ - باب غَسْلِ المنيّ من الثَّوْب
[المعجم ٨٦ - التحفة ٨٦]
١١٧ - حقثنا أحمد بنُ مَّنِيع قال حدّثنا أبو معاوية عن عَمْرٍو بنِ مَيْمُونِ بنِ مِهْرَانَ
عن سليمانَ بنِ يَسَارٍ عن عائشةَ: ((أنها غَسَلَتْ مَّنِيًّا مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِع ◌ِ﴿))(٢).
أحكامه: اختلف العلماء في المني على أربعة أقوال: الأول: قال مالك: إنه نجس يجب
غسله، وأحمد في إحدى روايتيه. الثاني: قال أبو حنيفة: إنه نجس يجزىء فركه. الثالث: قال
الشافعي: هو طاهر لا غسل فيه ولا فرك، إلا على معنى الاستحباب، لقباحة منظره، واستحياء
مما يدل عليه من حالته. الرابع: قال الحسن بن صالح بن حيي: لا يُعيد الصلاة من المني في
ثوبه، ويُعيدها من المني في البدن وإن قلّ. قال القاضي أبو بكر بن العربي رضي الله عنه: هذه
مسألة غريبة ونازلة عامة، وللعلماء فيه طريق من الأثر والنظر، فأما طريق الشافعي من الأثر، فما
تقدم من إنكار عائشة على مَن غسل ثوبه، وإخبارها أنها كانت تفركه من ثوب رسول الله ﴿*،
وهذا شأن الطاهرات. وأما طريقه من جهة النظر فمن ثلاثة أبواب: أحدها: أنه قال: نظرت،
فإذا المني يخلق منه البشر، وإذا الطين يخلق منه البشر، فألحقته به. وتحريره أن يقال: في
المني مبتدأ خلق بشر فكان طاهرًا كالطين. الثاني: أنه قال: نظرت المني، فإذا به في الآدميين
كالبيض في البهائم فألحقته به. وتحريره أن يقال: المني خارج من حيوان طاهر يخلق منه، مثل
أصله فكان طاهرًا كالبيض. الثالث: أنه قال: حرمة الرضاع إنما هي مشبّهة بحرمة النسب، ثم
المني الذي يحصل به الرضاع طاهر، فالمني الذي يحصل به النسب أولى. وأما طريق أبي حنيفة
من الأثر فأحاديث ضعاف، وربما تعلق بالفرك وهو ضعيف، إذ قال: يجزى دون الغسل. وأما
طريقه إلى النظر، فمن بابين: أحدهما أنه قال: إن خروج المني يوجب الطهارة، ولا تجب
الطهارة إلا عن خارج نجس، وهذا أصل ينفرد به دوننا. الثاني أنه قال: إن المني لا نتكلم في
(١) الحديث رواه مسلم (١: ٩٤) والنسائي (١: ٥٦). ورواه ابن ماجه (١ : ٩٩). ورواه ابن الجارود
(ص ٧١ - ٧٢). ورواه أبو داود (١: ١٤٣).
(٢) الحديث أخرجه الأئمة الستة.

١٤٨
أبواب الطهارة / باب ٨٦
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وفي الباب عن ابن عبّاسٍ.
وحديثُ عائشةَ: (أَنَّهَا غَسَلَتْ مَنِيًّا مِنْ ثَوْبٍ رَسُولِ اللَّهِ ﴿)»: ليس بِمُخَالِفٍ
الحديثِ الفركِ، لأنه وإنْ كان الفركُ يجْزِىءُ: فقد يُسْتَحَبُّ للرجُلِ أن لاَ يُرَى على ثوبه
أَثَرُهُ. قال ابن عباسٍ: المنيُّ بمنزلة المُخَاطِ، فَأَمِطْهُ عَنْكَ ولو بِإِذْخِرَةٍ.
أصله، إنما علينا النظر في فصله، وهو ينفصل من مخرج البول وهو نجس، فإذا مرّ على مجرى
نجس وجب أن يتنجس بنحاسة مجراه. وأما طريقة الحسن بن صالح فلأنه رأى الفرك يجزىء
في يابسه في الثوب، حسب ما ورد في عائشة، فدلّ ذلك على طهارته، ورأى أن الحديث
صحيح: أن النبي * كان إذا اغتسل من الجنابة غسل ما بفرجه من الأذى، فدل ذلك على
نجاسته. وأما طريقة مالك في الأثر والنظم، فسميع يشارك أبا حنيفة والحسن في بعض الطرق،
ويخالفهما في المناقضة. أما تعويله من طريق النظر: فعلى أنه خارج من مخرج البول فينجس
بنجاسة المجرى، فإن زعموا أن له مخرجًا آخر ويحكم بنسبة ذلك إلى أصل التشريح، لم
يتشعب معهم فيه، وإن كان الدعوى عريضة إنّا نقول إنهما عند أصل الثقب يجتمعان، وهو
نجس بما يخرج عليه، ولا جواب لهم عن هذا. ولا يصح لأصحاب أبي حنيفة التعلق به، فإنه
لبن الميتة عندهم طاهر مع نجاسة وِعائه، فهو تناقض ظاهر منهم. وأما تعويله على الأثر: فغسل
النبي * البدن منه والثوب، وهذا دليل على نجاسته، فإن الغسل حكم النجاسة المخصوص
بها، وأقرب دليل على الشيء خصيصته التي لا يشارك فيها، كالحلّ دال على النكاح وجودًا
وعدمًا، والملك على البيع نفيًا وإثباتًا، والنكتة العظماء في ذلك أن الأحاديث الصحاح ليس فيها
أكثر من أن عائشة قالت: كنت أفركه من ثوب رسول الله ◌َ*، والمراد إزالة عينه. فأما الصلاة
به لذلك، فليس بمروي فيها، بل المروي فيها غسله عنها: القشيري عن علقمة، والأسود
جميعًا: أن رجلاً نزل بعائشة فأصبح يغسل ثوبه، فقالت عائشة: إنما كان يجزيك إن رأيته أن
تغسل مكانه، فإن لم تره نضحت حوله، لقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله # فركًا فيصلي
فيه. وهذا الرجل الذي أصبح يغسل ثوبه لم يكن رأى فيه شيئًا، إنما شك هل احتلم أم لا، كما
قد بيّاه من رواية عبد الله بن شهاب الخولاني، ولذلك أنكرت عليه الغسل، ثم أخبرته أنه إنما
يجزيه الغسل إذا رآه، فإن لم يره نضحه، وهذا نص في الغسل، ثم قالت بعد: لقد رأيتني أفركه
من ثوب رسول الله فركًا فيصلّي فيه، معناه: أفركه فأغسله، بدليل رواية سليمان بن يسار
عنها، ولولا ذلك لنقض آخر كلامها أوله، لا سيما وحديث عائشة هذا بزيادة قوله: ثم يصلّي
فيه، من رواية علقمة، والأسود متكلّم عليه، فإن القشيري خرّجه عن يحيى بن يحيى، عن.
خالد بن عبد الله، عن خالد - يعني الحذاء، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود،
فذكره. وغمزه الدارقطني وغيره. فإذا كان حديث هذه الزيادة مغموزًا، فلم يبق إلا حديث الفرك
وحده دون صلاة فيه، فلا حجة فيه كما بيّاه، وهذه هي الغاية في المسألة.

١٤٩
أبواب الطهارة/ باب ٨٧
٨٧ - باب ما جاء في الجُنُبِ يَنَامُ قَبْلَ أنْ يَغْتَسِلَ
[المعجم ٨٧ - التحفة ٨٧]
١١٨ - حدثنا هَنَّادٌ حدّثنا أبو بكرٍ بنُ عَيَّاشٍ عن الأعْمَشِ عن أبي إسحقَ عن
الأسْوَدٍ عن عائشةَ قَالَتْ: ((كان رسولُ اللّهِ وَ﴿ يَنَامُ وَهُوَ جُنُبٌ وَلا يَمَسُ مَاءً.
١١٩ - حدثنا هَنَّاذُ حدّثنا وَكِيعٌ عن سفيانَ عن أبي إسحق: نَحْوَهُ(١).
قال أبو عيسى: وهذا قولُ سعيدِ بنِ المُسَيِّبِ وغيرِه.
وقد رَوَى غيرُ واحد عن الأسْوَدِ عن عائشة عن النبيّ وَّهِ: «أَنَّهُ كَانَ يَتَوَضَّأُ قَبْلَ أنْ
يَنّامَ)).
باب الجُنُب ينام أو يأكل قبل أن يغتسل وبعد الوضوء
يحيى بن معمر، عن عمار: أن النبي # رخّص للجُنُب إذا أراد أن يأكل، أو يشرب، أو
ينام أن يتوضأ وضوءه للصلاة، ضعيف مضطرب. الأسود عن عائشة (كان رسول الله وير ينام
وهو جُنُب لا يمس ماء). نافع عن ابن عمر عن عمر (أنه سأل النبي ◌َّير: أينام أحدنا وهو
جُنُب؟ قال: نعم، إذا توضأ) صحيح حسن.
إسناده: خرّج أبو عيسى هذا الحديث من رواية الأعمش، عن أبي إسحاق، عن الأسود.
ثم قال: الصحيح عن عائشة: أن النبي # كان يتوضأ قبل أن ينام. وقد غلط فيه أبو إسحاق
فيما رواه العلماء. قال القاضي أبو بكر بن العربي رضي الله عنه: تفسير غلط أبي إسحق هو أن
هذا الحديث الذي رواه أبو إسحق هلهنا مختصرًا اقتطعه من حديث طويل، فأخطأ في اختصاره
إياه، ونصّ الحديث الطويل ما رواه أبو غسان: حدّثنا زهير بن حرب، حدّثنا أبو إسحاق، قال:
أتيت الأسود بن يزيد وكان لي أخًّا وصديقًا، فقلت: يا أبا عمر، حدثني ما حدّثتك عائشة أُم
المؤمنين عن صلاة رسول الله *، فقال: قالت: كان رسول الله ول# ينام أول الليل ويحي
آخره، ثم إن كانت له حاجة قضى حاجته، ثم ينام قبل أن يمس ماء، فإذا كان عند النداء الأول
وثب، وربما قالت: قام، فأفاض عليه الماء، وما قالت: اغتسل، وإذا أعلم ما تريد، وإن نام
جُنُبًا توضأ وضوء الرجل للصلاة. فهذا الحديث الطويل فيه: وإن نام وهو جُنُب توضأ وضوء
الصلاة، فهذا يدلّك على أن قوله: فإن كانت له حاجة قضى حاجته، ثم ينام قبل أن يمسّ ماء،
أنه يحتمل أحد وجهين: إما أن يريد بالحاجة حاجة الإنسان من البول والغائط، فيقضيها ثم
(١) الحديث رواه الطيالسي (رقم ١٣٩٧). ورواه أحمد (٦: ٤٣). ورواه أيضًا (٦: ١٧١). ورواه أبو
داود (١: ٩٠). ورواه ابن ماجه (١: ١٠٦).

١٥٠
أبواب الطهارة/ باب ٨٨
وهذا أصحُ من حديث أبي إسحقّ عن الأسود.
وقد رَوَى عن أبي إسحقّ هذا الحديثَ شُعْبَةُ والثَّوْرِيُّ وغيرُ واحِدٍ. وَيَرَوْن أنَّ هذا
غَلَطْ من أبي إسحقَ.
٨٨ - باب ما جاء في الوضوء للجُنُبِ إذا أراد أن ينام
[المعجم ٨٨ _ التحفة ٨٨]
١٢٠ - هقثنا محمد بنُ المُثَنِى حدّثنا يحيى بنُ سعيدٍ عن عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ عُمّرّ عن
نافع عن ابْنِ عُمَرَ عن عُمَرَ: أَنَّهُ سَأَل النبيِِّلْهُ: أَيَنَامُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبُ؟ قال: «نَعَمْ، إذًا
تَوَضَّأَ)(١).
يستنجي ولا يمسّ ماء وينام، فإن وطىء توضأ كما في آخر الحديث، ويحتمل أن يريد بالحاجة
حاجة الوطىء، وبقوله: ثم ينام ولا يمسّ ماء، يعني الاغتسال، ومتى لم يحمل الحديث على
أحد هذين الوجهين تناقض أوله وآخره، فتوهم أبو إسحق أن الحاجة هي حاجة الوطىء، فنقل
الحديث على معنى ما فهم، والله أعلم.
أحكامه: قال أبو يوسف: يجوز للجُنُب أن ينام قبل أن يتوضأ، لحديث عائشة هذا الغلط.
وقال مالك والشافعي: لا يجوز للجُنُب أن ينام حتى يتوضأ. قال مالك: فإن فعل فليستغفر الله،
رواه عنه في المجموعة، وقال بعض أشياخنا: لا تسقط العدالة بتركه لاختلاف العلماء فيه. وقال
ابن حبيب: ذلك واجب وجوب الفرائض، لحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والظاهر
ذلك والله أعلم. ويتبع ذلك مسائل سبع:
الأولى: بأن ذلك ليس على الحائض، لأن حدثها لازم والجُنُب حدثه غير لازم.
الثانية: إذا أحدث بعد هذا الوضوء لم تنتقض، ولا ينتقض إلا بمعاودة الجماع، لأنه لم
يشرع لرفع حدث فينقضه الحدث، وإنما شرع في عبادة فلا ينقضه إلا ما أوجبه.
الثالثة: قال علماؤنا رحمهم الله: المعنى في إلزام الوضوء رغبة في النشاط لتعجيل
الغسل، ليس هذا غرض الحديث، ولا المفهوم من جواب سؤال عمر، وإنما قصد بهذا مَن قاله
حطّ رتبة الوضوء عن الوجوب إلى الندب.
الرابعة: إذا توضأ قدّم إزالة النجاسة عنه، فيغسل ذَكَّرَه وما أصاب من أذى، كما ورد في
الحديث عن عمر نصًا.
(١) الحديث رواه أحمد وأصحاب الكتب الستة. وانظر فتح الباري (١: ٣٣٥ - ٣٣٦).

١٥١
أبواب الطهارة/ باب ٨٩
قال: وفي البابِ عن عَمَّارٍ، وعائشةً، وجابرٍ، وأبي سعيدٍ، وأُمُّ سَلَمَّةً.
قال أبو عيسى: حديثُ عمرَ أحسنُ شيءٍ في هذا البابِ وَأُصَحُ.
وهو قولُ غيرٍ واحدٍ من أصحاب النبيِّ وَ﴿ والتابعينَ، وبه يقولُ سفيان الثوريّ،
وابنُ المبارَكِ، والشافعيَّ، وأحمدُ، وإسحقُ، قالوا: إذا أراد الجنبُ أن ينامَ توضّأَ قبلَ أن
ينامَ.
٨٩ - باب ما جاء في مُصَافَحَةِ الجُنُب
[المعجم ٨٩ - التحفة ٨٩]
١٢١ - حدثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ حدّثنا يحيى بنُ سعيدِ القَطّانُ حدّثنا حُمَّيْدٌ الطَِّيلُ
عن بُكْرِ بنِ عبد اللَّهِ المُزَنِيِّ عن أبي رافع عن أبي هريرةَ: أنَّ النبيَّ ◌َ لَقِيَهُ وَهُوَ جُنُبٌ،
قالَ: فَاذْبَجَسْتُ أَيْ فَانْخَتَسْتُ فَاغْتَسَلْتُ، ثُمَّ جِثْتُ، فقال: ((أيْنَ كُنْتَ))؟ أوْ: «أيْنَ
ذَهَبْتَ)»؟ قلتُ: إِنِّي كُنْتُ جُنْبًا. قالَ: ((إنَّ المُسْلِمَ(١) لاَ يَنْجُسُ).
الخامسة: قال عطاء بن حبيب: إذا ترك غسل رجليه في هذا الوضوء أجزأه، لأن ابن عمر
كان كذلك يفعل. وهذا ضعيف، لأن النبي # قد جمع وضوءه بين إزالة النجاسات ووضوء
العبادة في قوله: ((توضأ واغسل ذكّرَك)). ثم وقد روى مالك عن عائشة أنها كانت تقول: إذا
أصاب أحدكم المرأة ثم أراد أن ينام قبل أن يغتسل، فلا ينم حتى يتوضأ وضوءه للصلاة)).
السادسة: إذا أراد أن يطعم توضأ عند الشافعي وضوء الصلاة، لما رُوِيّ عن عمار بن ياسر
أن النبي 988 كان إذا أراد أن ينام أو يطعم توضأ وضوءه للصلاة. والحديث ضعيف مقطوع، قال
أبو داود: لم يلقَ يحيى بن معمر عمار بن ياسر، والصحيح فعل ابن عمر. وقد روى النسائي
عن عائشة أن النبي * كان إذا أراد أن يأكل وهو جُنُب غسل كفّيه، والغرض النظافة خاصة.
السابعة: إذا أراد أن يطأ يتوضأ، قاله بعض أصحاب الشافعي. وسيأتي إن شاء الله في
الباب بعده.
باب في مصافحة الجُنُب
أبو رافع عن أبي هريرة (أن النبي # لقيه وهو جُنُب، قال: فانبجست فاغتسلت، ثم
جئت، فقال: أين كنت؟ أو: أين ذهبت؟ قلت: إني كنت جُنُبًا. قال: إنَّ المسلم لا ينجس)
صحیح حسن .
(١) رواه البخاري (١: ٣٣٣ - ٣٣٤) ومسلم (١: ١١١). ورواه أيضًا أبو داود والنسائي وابن ماجه.

١٥٢
أبواب الطهارة/ باب ٨٩
قال وفي الباب عن حُذَيْفَةً، وابن عباس.
قال أبو عيسى: وحديثُ أبي هريرة أنّه لَقي النبيِّ وَّرِ وهو جُنُبٌ: حديثٌ حسنٌّ
صحيح.
إسناده: ليس يُجاب صحة هذا الحديث واتفاق الأئمة عليه، فلا معنى للإكثار فيه، لكن
أبو عيسى رواه من طريق مختصر، وتمامه: إني كنت جُنُبًا فكرهت أن أُجالسك.
غريبه: قوله: (إن المسلم لا ينجس) فيه روايات: رُوِيّ نجس ينجس بفتح العين في
الماضي، وضمها في المستقبل، ويقال بكسرها في الماضي، وفتحها في المستقبل، والأول
أفصح. وقوله: (فانبجست) بالنون ثم الباء المعجمة بواحدة بمعنى اندفعت منه، من قوله تعالى:
﴿فانبجست منه اثنتا عشرة عينًا﴾ [الأعراف: ١٦٠] أي: تفجرت واندفعت. ويُروَى فيه:
انخنست، أي: تأخرت، من قوله تعالى: ﴿الجَوارِ الْكُنْسِ﴾ [التكوير: ١٦]. ويُروى:
انتجست، بالنون ثم التاء المعجمة باثنين، المعنى: اعتقدت نفسي نجسًا، ومعنى (منه): من
أجله، أي رأيت نفسي نجسًا بالإضافة إلى طهارته وجلالته.
أحكامه: المؤمن لا ينجس حيًّا ولا ميتًا، حائضًا ولا جُنُبًا، محدثًا ولا طاهرًا، لقوله الإمام:
((إن المؤمن لا ينجس))، فذكر الإيمان وضعف في الحكم، وذكر الصفة في الحكم تعليل، فكأنه
قال: لإيمانه، كقوله: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ [المائدة: ٣٨]، أي لسرقتهما،
وإنما ينجس الكافر لقوله سبحانه: ﴿إنما المشركون نجس﴾ [التوبة: ٢٨]، وبهذا قال الشافعي
في قوله الجديد، وقال في القديم: ينجس بالموت، وهو قول أبي حنيفة، وعجبًا للشافعي في
قوله القديم ينفي حكم الإحرام بعد الموت، فيقول: المحرم إذا مات لا يمسّ طيبًا ولا يخمر
رأسه لبقاء حكم الإحرام، ويقول: لا يبقى حكم الإسلام من الطهارة بعد الموت، ودليلنا ما
تقدم، ولأنه مؤمن فلا ينجس بالموت كالشهيد، وقد وافقونا عليه. فإن قيل: لو لم ينجس
بالموت لما نجس طرفه الذي يقطع منه في الحياة، دليله السمك، عكسه البهيمة، قلنا: لو نجس
كالبهيمة والطرف لما طهر بالغسل، وهذا بيّن بديع فتأمله، فإذا ثبت هذا فاعلم أن الله سبحانه
سمّى المجامع جُنْبًا، والجنابة البعد، اعتقدت الصحابة رضي الله عنهم بأول الأمر بأنه ممنوع من
كل شيء، وانتظرت بعد ذلك الإباحة والتخصيص، أو الاستمرار على حكم العموم، فجاء
التخصيص في بعض الأحكام، وبقي البعض، فلذلك رُوِيّ عن عمار بن ياسر أنه قال: رخّص
رسول الله* للجُنُب إذا أراد أن ينام أو يشرب أو يأكل أن يتوضأ، فذكره بلفظ الرخصة،
اعتقادًا للعزيمة المتقدمة، وإذا ثبت هذا تفرّعت عليه في الجُنُب ست مسائل.
الأولى: أن مصافحة الجُنُب جائزة، وعليه مبني الحديث.
الثانية: إذا عرق لم ينجس عرقه.

١٥٣
أبواب الطهارة / باب ٩٠
وقد رَخّصَ غيرُ واحدٍ من أهل العلم في مصافحة الجُنُبِ، ولم يَرَوْا بِعَرَق الجُنُبِ
والحائضِ بأسّا.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: (فَانْخَتَسْتُ)) يعني: تَنَحَّيْتُ عَنْهُ.
٩٠ - باب ما جاء في المرأة تَرَى في المنام مِثْلَ ما يَرَى الرجلُ
[المعجم ٩٠ - التحفة ٩٠]
١٢٢ - حدثنا ابن أبي عَمَرَ حدّثنا سفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن هشام بن عُرْوَةً عن أبيه عن
زينب بنت أبي سَلَمَةَ عن أُمُ سَلَمَةَ قالت: ((جاءَتْ أُمُّ سُليْم بِنْتُ مِلْحَانَ إلى النبي ◌َّ
فقالت: يا رسولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الحقَّ، فهل على المَرْأَةِ - تَعْنِي غُسْلاً - إذًا
هِيَ رَأَتْ في المَنَامِ مِثْلَ مَا يَرَى الرَّجُلُ؟ قال: نَعَمْ، إذَا هِيَ رَأَتِ الماءَ فَلْتَغْتَسِلْ. قالت أُمّ
سَلَمّةَ: قُلْتُ لها: فَضَحْتِ النِّسَاءَ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ !! ))(١).
الثالثة: أنه إذا أدخل يده في الماء لم ينجس، لأنه عضو طاهر في الأصل، لم تعرض له
نجاسة .
الرابعة: إذا أدخل غير يده كرجله وغيره في الماء، قال أبو يوسف من أصحاب أبي
حنيفة: ينجس الماء بناء على أن الجُنُب نجس عنده، لأنه لا يدخل المسجد ولا يمسّ
المصحف، فكان نجسًا كما لو تلوّث بالنجاسة، ودليلنا: حديث أبي هريرة المتقدم، وما ذكره
ينتقض به إذا تلوّث بنجاسة، فإن يده ورجله سواء لا يجوز أن يدخله في الإناء.
الخامسة: أن فضلته طاهرة، وقد تقدم الكلام في الفضلة الباقية عن الوضوء والطهارة.
السادسة: أنه يجوز للرجل أو المرأة إذا تطهر أحدهما أن يستدفىء بالآخر وإن كان لم
يغتسل، إذا كان يده مبلولاً، لأنه طاهر. وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
باب في المرأة ترى في المنام مثل ما يرى الرجل
(عروة عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة قالت: جاءت أُم سُليم بنت ملحان
إلى النبي * فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة - تعني
غُسْلاً - إذا هي رأت في المنام مثل ما يرى الرجل؟ قال: نعم، إذا هي رأت الماء فلتغتسل.
قالت أُمُّ سلمة: قلت لها: فضحتِ النساء يا أم سليم !! ).
(١) الحديث رواه مالك في الموطأ (١: ٧٢ - ٧٣)، ورواه البخاري (١: ٣٣١ - ٣٣٣) (١: ٢٠٢ و٦:
٢٦١ و١٠: ٤٢١ و٤٣٥). ورواه مسلم (١: ٩٨).

١٥٤
أبواب الطهارة / باب ٩٠
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
إسناده: هذا حديث صحيح، وأصل ثابت متفق عليه، رواه أم سلمة وأنس وعائشة. أما
حديث أم سلمة فهو مقدّم وفي الصحيح بلفظه، وفيه زيادة: فقالت أم سلمة: وتحتلم المرأة؟
فقال: ((تَرِبَت يداكٍ، فبِمَ يشبهها ولدها). ورُوِيَ فيه قالت: قلت: فضحت النساء. وأما حديث
أنس، فقال أبو إسحاق بن أبي طلحة: حدثني أنس، قال: جاءت أم سليم وهي جدّة إسحق،
إلى رسول الله ## فقالت وعائشة عنده: يا رسول الله، المرأة ترى ما يرى الرجل في المنام،
فترى من نفسها ما يرى الرجل من نفسه، فقالت عائشة: يا أُم سليم، فضحت النساء. قوله:
تَرِبَت يمينك حين قال لعائشة: ((بل أنت تَرِبَت يمينك، نعم فلتغتسل يا أم سليم إذا رأت ذلك)).
وروى قتادة عن أنس أن أم سليم سألت النبي # عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل،
فقال رسول الله: ((إذا رأت ذلك المرأة فلتغتسل))، فقالت أم سليم: واستحييت من ذلك،
وهل يكون هذا؟ فقال النبي#: ((ومن أين يكون الشبه، إن ماء الرجل غليظ أبيض، وماء
المرأة رقيق أصفر، فمن أيّهم علا أو سبق يكون منه الشبه)). أما حديث عائشة فرواه عنها عروة،
قالت: إن أُم سليم أُم بني طلحة دخلت، فذكره. وقالت فيه: أُفِّ لك، أترى ذلك المرأة هكذا؟
رواه هشام، عن أبيه، عن عائشة. وعن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة. ورواه متبايع بن
عبد الله، عن عروة، عن عائشة: أن امرأة قالت لرسول الله له: هل تغتسل المرأة إذا احتلمت
وأبصرت الماء؟ فقال: ((نعم))، فقالت لها عائشة: تَرِبَت يداك والت، فقال رسول الله ولاغيره:
(دعيها، وهل يكون الشبه إلا من قبل ذلك؟ إذا علا ماؤها ماء الرجل أشبه الرجل أخواله، وإذا
علا ماء الرجل ماءها أشبه الولد أعمامه)).
غريبه: قوله: (تَرِبَت يمينك أو يداك) للعلماء فيه عشرة أقوال: الأول: معناه استغنيت،
قاله عيسى بن دينار. الثاني: معناه ضعف عقلك، قاله ابن نافع. الثالث: تَرِبت من العلم، قاله
ابن كيسان. الرابع: معناه تُرِبت يمينك إن لم تفعل هذا، قاله ابن عرفة. الخامس: أنه حثّ على
العلم، كقوله: ثكلتك أمك، ولا يريد أن تثكل. السادس: المعنى أنه إن كان اتّعظت فعظي،
قاله ابن الأنباري. السابع: أصابها التراب، قاله أبو عمر بن العلاء. الثامن: خابت، وهو
محتمل. التاسع: ثربت بالثاء المعجمة، بثلاث في أوله، قاله الداودي. العاشر: أنه دعاء
خفيف، قاله بعض أهل العلم.
ترجيح: أما قوله استغنيت فضعيف عندهم، فإن المعروف عندهم تَرِب الرجل إذا افتقر،
وأترب إذا استغنى، ولكن قال بعضهم: له وجه صحيح، وهو أن المعنى تراب، لأنه وجميع
الدنيا إلى التراب. قلت: والذي عندي أنه لا يحسن أن يريد به النبي و # افتقرت، لأن الفقر
مضرّة ومذموم، والغنى أيضًا الذي هو عرض الدنيا كذلك مذموم، ولذلك لم يختره النبي #
لنفسه ولا لأهل بيته، وإنما قال: ((اللَّهمَّ أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، اللَّهمَّ اجعل رزق آل
محمد قوتًا»، فكيف يدعو النبي ◌َر عليها وهي من أحب الخلق إليه؟ وأما قوله: معناه ضعف

١٥٥
أبواب الطهارة / باب ٩٠
وهو قولُ عَامَّة الفقهاء: أن المرأةَ إذا رَأَتْ في المنامِ مِثْلَ ما يَرَى الرجلُ فأنْزَلَتْ:
أن عليها الغسلَ. وبه يقول سفيانُ الثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ.
عقلك، قول ابن نافع مع قول ابن كيسان، فيجوز على معنى الاختيار، التقدير: قد تبيّن من قلة
علمك وضعف عقلك ما دلّ هذا القول عليه، ولا يجوز على معنى الدعاء، فإن فقد العقل
والعقل مضر في الدين، فكيف يدعو به أيضًا عليها؟ هذا بعيد، اللَّهمَّ إلا إن غضب النبي وَّل
فقد يجوز أن يدعو بضرّ، كما قال: ((إني عهدت ربي عهدًا، قلت: اللَّهمَّ إني بشر أغضب كما
يغضب البشر، فأيّ رجل سببته أو لعنته، فاجعل لعنتي صلاة عليه وبركة إلى القيامة». وأما قوله
تَرِبت يمينك إن لم تفعل، فمعناه صحيح، والتقدير: سلّط عليك هذا إن لم تفعل، أو خبر.
والتقدير: قد خابت إن لم تفعل هذا. وأما قوله هذا حثّ على العلم كقوله الآخر ثكلتك أُمك،
فهذا إن صخ قريب من قوله: (تَرِبت يمينك إن لم تفعل)). قال أبو بكر بن الأنباري: وهذا كثير
في لغة العرب يقولون: لا أُمَ لك، ولا أب، وقاتله الله، يريدون لله درّه. ومنه قول الشاعر:
وفي الغرّ من أنيابها بالقوادحِ
رمى الله في عيني منية بالقذى
وقال غيره:
وما يؤذي الليل حين يؤوبُ
هوت ◌ُمه ما بعث الصبح غادیًا
وتحقيقه على السلب، التقدير: أن العرب تذكر الإثبات موضع النفي، والنفي موضع
الإثبات، وقد حقّقناه في كتاب المشركين. وأما قوله أصابها التراب، فهو دعاء حقيقة، كما قال
بعض أهل العلم وحكيناه عنهم في العاشر، وهذا قريب. التقدير: نالت يداك التراب. وقوله
خابت، قريب من: أصابها التراب، وقول الداودي تصحيف، وكما قدّمناه ضعيف، وأجودها
قول ابن عرفة، وهو اختيار ابن السكيت، وعليه ينبغي أن يعوّل، فهو أسلم وأحمل. وقوله أوفٍ
لك فيه ثلاث لغات: تقول أَفَّ لك ينصب بلا نون، الثانية بعض العرب يقول: أُفَّ رفع بلا
نون، الثالثة أسد يقولون: أفن لك بالنون، وقيل غيرها. وقوله: تَرِبَت يداك والت، يُروى بفتح
الهمزة ويضمها، فإن كان بفتحها كان التقدير بكاء حزن من الأليل، وهو رفع الصوت بالبكاء.
قال ابن ميادة شعر:
له بعد لومات العيون بأليل
وقولا لها ما تأمرين بوامق
وإن كان بضمها كان معناه أصابتها الآلة، وهي الحربة. ومنه قولهم: آل وعلن توحيده.
قوله: (إن الله لا يستحي من الحق). قال الفقيه الإمام أبو بكر بن العربي رضي الله عنه: الحياء
بالمدّ صفة تقوم بالقلب، يكون عندها ترك الإقدام على المعنى الذي يريد أن يفعله، وهو تغيّر
من سمات الحدوث لا يجوز على الله تعالى، فإن عبّر به سبحانه عن نفسه عاد المعنى إلى
مجازه، وهو الإخبار عن ثمرته وهي التبرّك به، على ما بيناه في أصول الفقه من قسمي المجاز

١٥٦
أبواب الطهارة / باب ٩١
قال: وفي الباب عن أُمّ سُلَيْمِ، وخَوْلَةً، وعائشةَ، وأَنَسٍ.
٩١ - باب ما جاء في الرجل يَسْتَدْفِىءُ بِالمَرْأَةِ بَعْدَ الغُسْلِ
[المعجم ٩١ - التحفة ٩١]
١٢٣ - حدثنا هَنَادٌ حدّثنا وكيعٌ عن حُرَيْثٍ عن الشّعْبِيِّ عن مَسْرُوقٍ عن عائشةَ
قالت: ((رُبَّمَا اغْتَسَلَ النبيُّ ◌َ مِنَ الجَنَابَةِ ثُمَّ جَاءَ فَاسْتَدْفَأَ بِي فَضَمَمْتُهُ إِلَيَّ وَلَمْ
أَغْتَسِلْ))(١).
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ ليس بإسناده بَأْسٌ.
وهو قولُ غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبيّ ﴿ والتابعين: أنَّ الرجلّ إذا
اغتسل فلا بأسَ بأن يَسْتَذْفِىءَ بامرأته وينام معها قبل أن تَغْتَسِلَ المرأةُ وبه يقول سفيانُ
الثوريّ، والشافعيّ، وأحمدُ وإسحقُ.
الذي هذا أحدهما، وليس لهما ثالث بالتقدير: أن الله لا يترك ولا يمنع، أو ما أشبه ذلك من
التقديرات التي تجوز عليه سبحانه.
أحكامه: أما سبب وجوب الغسل على المرأة فخمسة أشياء: التقاء الختانين، وإنزال الماء،
وانقطاع دم الحيض، ودم النفاس، وخروج الولد. وأما التقاء الختانين فقد تقدم، وأما إنزال الماء
فهذه الأحاديث التي قدمنا آنفًا، وأما دم الحيض والنفاس فيأتي بيانهما في بابهما مع خروج الولد
إن شاء الله.
باب الرجل يستدفىء بالمرأة بعد الغُسْل
مسروق عن عائشة (قالت: ربما اغتسل النبي 18 من الجنابة ثم جاء فاستدفأ بي فضممته
إليّ ولم اغتسل) حديث ليس بإسناده بأس.
إسناده: هذا حديث لم يصح ولم يستقم، فلا يثبت به شيء ولا يعلم ويحتمل أن
يكون من وراء حائل، قاله الشافعي، ويحتمل أن يكون دون حائل، والملامسة عندنا تغيّر
شهوة لا تنقض الوضوء. ويقال دفىء الزمان فهو دفى، ودفأ الرجل فهو دفان إذا سخن
وذهب برده.
(١) رواه ابن ماجه (١: ١٠٥).

١٥٧
أبواب الطهارة/ باب ٩٢
٩٢ - باب ما جاء في التََّمُم لِلْجُتُبِ إذا لم يَجِدِ الماءَ
[المعجم ٩٢ - التحفة ٩٢]
١٢٤ - هقثنا محمدُ بن بَشَارٍ ومحمودُ بنُ غَيْلاَنَ قالا: حدّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرِيُّ
حدّثنا سُفْيَانُ عن خالد الحَذَّاءِ عن أبي قِلاَبَةً عن عَمْرِو بنِ بُجْدَانَ عن أبِي ذَرِّ أنَّ رسولَ
اللهِوَ﴿ قال: ((إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ طَهُورُ المُسْلِمِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدِ المَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدّ
المَاءُ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ، فَإِنَّ ذلِكَ خَيْرٌ)).
باب التيمم للجُنُب إذا لم يجد الماء
عمرو بن بجدان عن أبي ذر أن النبي 8* قال: (إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم
يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليُمِسَّه بشرته، فإن ذلك خير).
إسناده: قد ثبت عن النبي وهو في الصحيح أن رجلاً قال له: أصابتني جنابة ولا أجد ماءً،
فقال له: ((عليك بالصعيد، فإنه يكفيك»، من طريق عمران بن حصين. وحديث عمار في
الصحيح أيضًا، قال لعمر: أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ كنت أنا وأنت في سرية فأجنبنا، فأما أنا
فتمعكت التراب، وسألنا رسول الله# فقال: ((إنما يكفيك هذا»، وضرب الأرض بيديه فمسح
بهما وجهه وكفّيه؟ فقال له عمر: لا، فقال له: إن شئت أن لا أذكر ذلك فعلت، فقال: بل
نُوَلِّكَ من ذلك ما توليته، وهذا نص. قال بعضهم: وقد حُكِيَ عن عبد الله بن مسعود أنه لا
يجوز، وانعقد الإجماع بعد ذلك على جوازه بهذه النصوص. والذي صحّ عن ابن مسعود ما
رُوِيَ في الصحيح عن سفين، قال: كنت جالسًا مع عبد الله وأبي موسى، فقال أبو موسى: يا
أبا عبد الرحمن، أرأيت لو أن رجلاً أجنب ولم يجد الماء شهرًا، كيف يصنع بالصلاة؟ فقال
عبد الله: لا يتيمم، قال أبو موسى: فكيف بهذه الآية في سورة المائدة ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا
صعيدًا طيبًا﴾ [المائدة: ٦] فقال عبد الله: لو رخص لهم في هذه الآية، لأوشك ذا يرد عليهم
الماء أن يتيمموا بالصعيد، قال أبو موسى لعبد الله: ألم تسمع قول عمار: بعثني رسول الله اليوم
في حاجة فأجنبت فلم أجد الماء، فتمزغت كما تمرّغ الدابة، ثم أتيت رسول الله صل ر فذكرت
ذلك له، فقال: ((إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا))، ثم ضرب بيده الأرض ضربة واحدة، ثم
مسح الشمال على اليمين وظاهر كفّيه ووجهه؟ فقال له عبد الله: ألم ترَ إلى عمر لم يقنع بقول
عمار؟ الحديث، فتعيّن بهذا أن عبد الله إنما كان مقصده تمريض الأمر للعامة للتشديد عليهم،
مخافة أن يبنوا في الغسل ويميلوا إلى التيمم، وإلا فلا يخفى على عبد الله وغيره أن الشرع إذا
ثبت فيقال على وجهه، فمَن بدله فإنما إثمه عليه، ولكن للأحوال قراءتين لا يخفى وجه العمل
بها، وحديث عمرو بن بجدان هذا عن أبي ذر مختلف فيه، قتادة يرويه: أبو قلابة، عن
عمرو بن بجدان، وتارة: عن رجل من بني عامر، قال: دخلت في الإسلام فهمّني ديني،

١٥٨
أبواب الطهارة/ باب ٩٢
وقال محمودٌّ في حديثه: ((إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ)).
قال: وفي الباب عن أبي هريرة، وعبد الله بن عَمْرٍو، وعِمْرَانَ بن حُصَيْنٍ.
قال أبو عيسى: وهكذا رَوّى غيرُ واحد عن خالد الحذّاءِ عن أبي قِلاَبَةً عن
عَمْرِو بنِ بُجْدَانَ عن أبي ذَرِّ.
فأتيت أبا ذر فقال أبو ذر: إني اجتويت المدينة فأمر لي رسول الله ول# بذود نعم، فقال لي:
(شرب من ألبانها)). قال حماد، عن أيوب، عن أبي قلابة: أشك في أبوالها، فقال أبو ذر:
فكنت أغرب عن الماء ومعي أهلي، فتصيبني الجنابة فأصلي بغير طهور، فأمرني رسول
الله* بماء، فجاءت به جارية سوداء بعس يتخضخض ما هو ملآن، فتسترت إلى بعير
فاغتسلت ثم جئت، فقال رسول الله *: ((إن الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء
إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمِسَّهُ جلدَك))، قال أبو داود: رواه حماد بن زيد، عن
أيوب، لم يذكر أبوالها. قال أبو داود: بهذا ليس بصحيح، ليس في أبوالها إلا حديث أنس،
يقول به أهل البصرة.
غريبه: فيه خمسة ألفاظ: الأول: اجتويت. الثاني: بذود. الثالث: بعس. الرابع:
يتخضخض. الخامس: الصعيد. أما اجتويت فقد تقدم، وأما قوله: ذود فإنه ما بين الثلث إلى
التسع من الإناث دون الذكور، وأنشد:
ذود أصفايات النهار
بين ما بين تسع وإلى اثنتينٍ
وأما قوله: بعس، فهو القدح الضخم قدر حلب ناقة صفى، وأما قوله: يتخضخض
فمعناه: يضطرب الماء فيه ويتحرك، لقوله: لم يكن ملآن، والخضخضة تحريك الماء وغيره،
ومنه قول ابن عباس: الخضخضة خير من الزنا، يعني: الاستمناء باليد، وهو تحريك المني.
والخضخضة من وصف الماء فجعله من وصف العس، وذلك كثير في اللغة، تقديره: بعس
يتخضخض الماء فيه، ثم حذف قوله: الماء فيه، وبقي الفعل من وصف العس، وأما قوله:
الصعيد الطيب، فإن الصعبد قيل من صعد يصعد إذا علا، وهو وجه الأرض والطيب الطاهر،
وقال الشافعي: هو التراب الطاهر المنبت، وهذا تفسير فقهي على مذهبه، والأول الذي قدّمنا
أصوب وأجرى على اللغة. قال الله سبحانه: ﴿فتصبح صعيدًا زلقًا﴾ [الكهف: ٤٠].
أحكامه: إذا ثبت أن التيمم جائز للجُنُب عند عدم الماء، فاختلف العلماء رحمة الله عليهم
إذا تيمم هل يرفع الحدث أم لا، وتحزبوا في ذلك، وأطنب فيه المتأخرون وقالوا: أليس الحدث
عينًا وإنما هي أحكام، والتيمّم برفعها، وكلا القولين عندي محرز، والصحيح أن يقال إن الحدث
تنبت عنه أحكام، فاستعمال الماء يرفع السبب، ويرفع الأحكام بارتفاع مسبّبها، والتيمم يرفع
الأحكام رخصة مع بقاء مسببها، فلا يبقى حكم لكن السبب باقٍ، والدليل على أن الأمرين

١٥٩
أبواب الطهارة / باب ٩٢
وقد رَوَى هذا الحديثَ أيُّوبُ عن أبي قِلاَبَةَ عن رجلٍ من بَنِي عَامِرٍ عن أبي ذَرِّ،
ولم يُسَمَّهِ.
قال: وهذا حديثٌ حسنٌ صَحِيحٌ(١).
جميعًا وصحة هذا التوسط ظاهر. أما الدليل على ارتفاع الأحكام بالتيمم فبيِّن، فإن كل ما كان
ممنوعًا صار له جائزًا، وهذا نص. وأما الدليل على بقاء السبب فلزوم استعمال الماء عند
وجوده، من غير محدد حدث سوى الأول الذي كان التيمم منه، وعلى هذا فلا بد من ذكر
مسائل يسيرة تتعلق بهذا الباب من جهته، وإن كانت مسائل التيمم طويلة، نجعل عددها على
التقريب للطالب والتنبيه للراغب سبع مسائل:
الأولى: إذا تيمم الجُنُب فعل ما يفعل الطاهر، فإن أحدث الحدث الأصغر، لم يجز له أن
يفعل شيئًا مما كان يفعله إلا قراءة القرآن، فإنه لا يمنعها طريان جنابة أخرى، لأن الحدث
الأصغر إنما أبطل التيمم في أحكامه، كما أنه لا يبطل الطهارة الكبرى وإنما يبطل الصغرى،
وهذا دقيق فتأمله.
الثانية: لو نسي الماء في رحله وتيمم، فعن مالك في ذلك روايتان: إحداهما: يجزيه،
ويستحب له الإعادة في الوقت، والأخرى: لا يجزيه. وللشافعي قولان، والصحيح وجوب
الإعادة، لأن النسيان لا يؤثر في إسقاط امتثال المأمورات، وإنما تأثيره في العفو عن المنهيّات،
وهذه قاعدة لا تهدمها العبارات ولا الإشارات ولا الظواهر من الدلالات، ولا تعارض ولا
تظاهر .
الثالثة: إذا صلّى به فريضة أخرى، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: يجوز أن يصلي به
فريضة أخرى، وفي المذهب تفصيل أنت في غنى عنه، لأن المسألة بيّنة في أنه لا يجوز أن
يصلٌ بتيمم واحد إلا فرضًا واحدًا، فإن مَن يقول إنه يصلّي به فرضين عوّل أن يجعله كالوضوء،
ولا سبيل إليه، لأن الضرورة وحكمها لا يلحق بالاختيار، وحكمها أبدًا.
الرابعة: إذا وجد من الماء ما لم يكفه، لا يلزمه استعماله، وبه قال أبو حنيفة. وقال
الشافعي يستعمله فيما قدر ونيمم لما نقص، لقوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾
[النساء: ٤٣]، وهذا نفي في نكرة، والنفي في النكرة يعمّ، فهذا عامّ في القليل والكثير، وهذه
(١) الحديث رواه أحمد في المسند (٥: ١٨٠). ورواه أبو داود (١: ١٢٩ - ١٣٠ - ١٣١)
والحاكم (١: ١٧٦ - ١٧٧) والبيهقي (١: ٢١٢ و٢٢٠). ورواه الدارقطني (ص ٦٨). رواه
النسائي (١: ٦١). والروايات التي يشير إليها البيهقي منها ما رواه أحمد في المسند (٥: ١٤٦
و١٤٧ و١٥٥). وقد صحح الحاكم في المستدرك هذا الحديث، ووافقه الذهبي على تصحيحه.
ونقل الزيلعي في نصب الراية (١: ٧٧ - ٧٨) أن ابن حبان رواه أيضًا في صحيحه.

١٦٠
أبواب الطهارة / باب ٩٢
وهو قولُ عامَّةِ الفقهاء: أنَّ الجنبَ والحائضَ إذا لم يَجدَا الماءَ تيمَّمَا وصلَّيًّا.
ويُرْوَى عن ابنِ مسعودٍ: أنه كان لا يرَى التيممَ للجنُبِ، وإن لم يجد الماءَ.
ويُرْوَى عنه: أنهُ رَجَعَ عن قوله، فقال: يتيممُ إذا لم يجد الماء .
وبه يقولُ سفيانُ الثوريَّ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحقُ.
عمدتهم. وكل قول تردد إلى هذا يستبد، وهذا دليلنا بعينه، لكنهم لم يفهموه، فإن الله تعالى
أمر بالوضوء في الأعضاء المعروفة وبالغسل من الجنابة في جميع البدن، ثم قال: ﴿فلم تجدوا
ماء﴾ فكان تقديره ضرورة ما يستعمل في ذلك، لأنه لم يذكر ماء مطلقًا حتى قدم على ذلك ما
يحتاج إلى استعماله فيه، فلما قال بعد ذلك: ﴿فلم تجدوا ماء﴾ كان تقديره: تستعمله كيف
أمرت، ومَن لم يفهم هذا فلا يكلم، وإن شئت وكان مستندًا يستند إليه ومثالاً يعوّل عليه في
الاسترواح قلت: إن القصد من الوضوء حِلُّ الصلاة، ولا تحلّ إلا بغسل الأعضاء كلها والبدن،
فإذا لم يوجد ذلك لم يعد الحكم فلا يلزم الاستعمال منه، كالرقبة في الكفّارة لا يقوم بعضها
مقام كلها، ويرجع الكلام إلى النكتة الأولى. وأيضًا أنّى وُجِدَ الماء بدأ بغسل النجاسة التي
عليه، فإن فضلت فضلة استعملها إن كفت فيما قدّمناه، لأن النجاسة لا بدل لها والحدث بدل
الماء فيه التيمم.
الخامسة: إذا تيمم للحدث ناسيًا للجنابة، فيها روايتان وللشافعي قولان، وهذه المسألة
تبتني على أصل عظيم: وهو تحقيق حال النية وصحتها، وعندي فيها عجائب لا تحتملها
العارضة، والصحيح جوازه.
السادسة: قال أصحاب الشافعي: إذا بذل له الماء لزمه قبوله، لأنه لا مِنَّة فيه، وليس
كذلك بل فيه المنّة، ولا يلزمه حينئذ. السابعة: إذا كان جُنُب وحائض وميت، وقصر الماء إلا
عن واحد قدّم الميت لوجهين: أحدهما - لأنه يغسل به نجاسة، والنجاسة تقدّم على الحدث.
والثاني - أنه أخّر طهارته فقدّم لذلك، فصورتها إنما هذا إذا كان الماء لم يسع، فإذا وَسِعه قيل
له: الميت أولى.
فرع: فإذا كان لأحدهم قدّم نفسه. وقال بعض أصحاب الشافعي: يبيعه من الميت
ويتيمم، وهذا لغو فاعلم. فإن قيل: لو قيل لأن من عدم يلزمه ابتياعه فكيف يبيعه هذا قلب
الأحكام.
الثامنة: إذا اجتمع حائض وجُنُب اختلف فيه أصحاب الشافعي، فمنهم من قال: الجُنُب
أولى لأن غسله منصوص عليه، ومنهم مَن قال: الحائض أولى لأن أحكامها أكثر، ألا ترى أنها
تريد إباحة الوطىء، وبه أقول والله أعلم.