Indexed OCR Text

Pages 1881-1900

١٨٨١
كتاب العتاق
فيه السعاية(١).
وقال أبو بكر المروذي: ضعّف أبو عبد الله حديث سعيد(٢).
وقال الأثرم: طعن سليمان بن حرب في هذا الحديث
وضعفه(٣).
وقال ابن المنذر: لا يصح حديث الاستسعاء، وذكر همام أن
ذكر الاستسعاء من فتيا قتادة، وفرّق بين الكلامين الذي هو من
قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وقول(٤) قتادة، قال بعد ذلك:
فكان قتادة يقول: "إن لم يكن له مال، استسعى العبد"(٥). (٦)
وقال ابن عبد البر (٧) أيضاً: حديث أبي هريرة يدور على
(١) انظر كلام الإمام أحمد هذا في: المغني ١٤/ ٣٥٩.
(٢) انظر كلام الإمام أحمد هذا في: المغني ١٤/ ٣٦٠.
(٣) انظر كلام الأثرم هذا في المغني ١٤/ ٣٥٩.
(٤) في المطبوع: (والذي هو من قول). بزيادات لا داعي لها، ودون الإشارة إلى
ذلك.
(٥) أخرجه الدارقطني في سننه ١٢٧/٤، والبيهقي في السنن الكبرى ٢٨٢/١٠
من طريق الدارقطني، والخطابي في معالم السنن ٦٤/٤-٦٥، والحاكم في
معرفة علوم الحديث ص: ٤٠.
(٦) انظر كلام ابن المنذر هذا في السنن الكبرى للبيهقي ٢٨٢/١٠، والمغني لابن
قدامة ١٤/ ٣٦٠.
(٧) في المطبوع: ابن المنذر. وهو تحريف ظاهر متعمد !!!

١٨٨٢
تهذيب السنن لابن القيم الجوزية
قتادة، وقد اتفق شعبة وهشام وهمام على ترك ذكره، وهم الحجة
في قتادة، والقول قولهم فيه عند جميع أهل العلم بالحديث إذا
خالفهم غیرهم(١).
وقال الشافعي: سمعت بعض أهل النظر والقياس منهم
والعلم بالحديث يقول: لو كان حديث سعيد بن أبي عروبة في
الاستسعاء منفرداً لا يخالفه غيره، ما كان ثابتاً (٢).
يعني فكيف وقد خالفه شعبة وهشام.
قال الشافعي: وقد أنكر الناس حفظ سعيد (٣).
قال البيهقي: وهذا كما قال، فقد اختلط سعيد بن أبي
عروبة في آخر عمره، حتى أنكروا حفظه(٤).
وقال يحيى بن سعيد القطان: شعبة أعلم الناس بحديث قتادة
ما سمع منه، وما لم يسمع، وهشام [ أحفظ وسعيد أكثر (٥).
قال البيهقي: وقد اجتمع ها هنا شعبة مع فضل حفظه
(١) انظر: التمهيد ٢٧٦/١٤ -٢٧٧.
(٢) اختلاف الحديث ص: ٢٩٣.
(٣) انظر كلام الشافعي هذا في: معرفة السنن والآثار ٧/ ٤٨٩.
(٤) معرفة السنن والآثار ٧ / ٤٩٠.
(٥) انظر كلام يحيى القطان هذا في: السنن الكبرى للبيهقي ٢٨٢/١٠، ومعرفة
السنن والآثار ٧/ ٤٩١.

١٨٨٣
كتاب العتاق
وعلمه بما سمع من قتادة، وما لم يسمع، وهشام ](١) مع فضل
حفظه، وهمام مع صحة كتابته وزيادة معرفته بما ليس من الحديث،
على خلاف ابن أبي عروبة ومن تابعه في إدراج السعاية في الحديث.
وفي هذا ما يضعف ثبوت الاستسعاء بالحديث(٢).
فهذا كلام هؤلاء الأئمة الأعلام في حديث السعاية.
وقال آخرون: الحديث صحيح، وترك ذكر شعبة وهشام
للاستسعاء لا يقدح في رواية من ذكرها، وهو سعيد بن أبي عروبة،
ولا سيما فإنه أكبر أصحاب قتادة ومن أخصهم به، وعنده عن
قتادة ما ليس عند غيره من أصحابه، ولهذا أخرجه أصحاب
الصحيحين في صحيحيهما (٣)، ولم يلتفتا إلى ما ذكر في تعليله.
وأما الطعن في رواية سعيد عن قتادة ولو لم يخالف، فطعن
ضعیف؛ لأن سعیداً عن قتادة حجة بالاتفاق، وهو من أصح الأسانيد
المتلقاة بالقبول التي أكثر منها أصحاب الصحيحين وغيرهم، فكيف
ولم ينفرد سعيد عن قتادة [٢١٤/ أ] بالاستسعاء، بل قد رواه عن
(١) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، واستدركته من السنن الكبرى للبيهقي
١٠/ ٢٨٢، ومعرفة السنن والآثار له أيضاً ٧/ ٤٩١.
والظاهر أنه قد حصل للناسخ سبق نظر فسقط ما بين هشام وهشام.
(٢) السنن الكبرى ٢٨٢/١٠، ومعرفة السنن والآثار ٧/ ٤٩١.
(٣) وقد سبق تخريجه.

١٨٨٤
تهذيب السنن لابن القيم الجوزية
قتادة جرير بن حازم وناهيك به؟!
قال البخاري في صحيحه: باب إذا أعتق نصيباً في عبد وليس
له مالٌ اسْتُسعي العبد غير مشقوق عليه على نحو الكتابة.
حدثني أحمد بن أبي رجاء حدثنا يحيى بن آدم حدثنا جرير بن
حازم قال سمعت قتادة.
ح وحدثنا مسدد حدثنا يزيد بن زريع حدثنا سعيد عن قتادة عن(١)
النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال: ((من أعتق نصيباً أو شقيصاً في مملوك فخلاصة
عليه في ماله إن كان له مال، وإلا قوم عليه فاستُسعيَ غير مشقوق عليه)).
قال البخاري: وتابعه حجاج بن حجاج(٢)، وأبان(٣)،
وموسى بن خلف (٤) عن قتادة، اختصره شعبة (٥). (٦)
(١) جملة (ح وحدثنا مسدد حدثنا يزيد بن زريع حدثنا سعيد عن قتادة عن)
أسقطت من المطبوع من تهذيب السنن.
(٢) قال ابن حجر في فتح الباري ١٨٧/٥: "فأما رواية حجاج، فهو في نسخة
حجاج بن حجاج عن قتادة، من رواية أحمد بن حفص، أحد شيوخ البخاري،
عن أبيه عن إبراهيم بن طهمان عن حجاج، وفيها ذكر السعاية" ا. هـ.
(٣) سيأتي تخريج روايته قريباً.
(٤) وصله الخطيب البغدادي في كتابه الفصل ٣٥٥/١.
(٥) وقد سبقت رواية شعبة، وأن مسلماً أخرجها.
(٦) صحيح البخاري ١٨٥/٥-١٨٦ مع الفتح، في کتاب العتق، الباب رقم: ٥.
=

١٨٨٥
كتاب العتاق
وقال النسائي في سننه: حدثنا محمد بن عبد الله بن المبارك
حدثنا أبو هشام حدثنا أبان حدثنا قتادة حدثنا النضر بن أنس عن
بشير بن نهيك عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: ((من أعتق شقيصاً له في عبد؛ فإن عليه أن يعتق بقيته إن كان
له مال، وإلا استسعى العبد غير مشقوق عليه»(١).
فقد برىء سعيد من عهدة التفرد به؛ فهؤلاء خمسة رووه عن قتادة:
سعید وجرير بن حازم وأبان وحجاج بن حجاج، وموسى بن خلف.
ثم لو قُدّر تفرّد سعيد به لم يضرّه، وسعيد وإن كان قد
اختلط في آخر عمره، فهذا الحديث من رواية يزيد بن زريع وعبدة
وإسماعيل والجلة(٢) عن سعيد، وهؤلاء أعلم بحديثه(٣).
=
وفي صحيح البخاري قد أكمل السند الأول، وذكر طرف الحديث، ثم ذكر
السند الثاني بلفظه کما هنا.
وأخرج راوية جرير أيضاً: مسلم في صحيحه ٢/ ١١٤١ في كتاب العتق، ١ -
باب ذکر سعایة العبد.
(١) السنن الكبرى للنسائي ١٨٥/٣.
وأخرجه أبو داود في سننه ٢٥٤/٤ في هذا الباب.
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ٣٣٣٣.
(٢) أي معظم التلاميذ، فالجُلّة أي: المعظم. انظر: لسان العرب ١١٦/١١.
(٣) رواية يزيد بن زريع عند البخاري كما سبق في كلام المصنف.
=

١٨٨٦
تهذيب السنن لابن القيم الجوزية
ولم يرووا عنه إلا ما كان قبل اختلاطه، ولهذا أخرج
أصحاب الصحيح حديثهم عنه.
فالحدیث صحیح محفوظ بلا شك.
وقد رواه مسلم في صحيحه كما ذكره البخاري من رواية
جرير بن حازم(١).
وأما تعليله برواية همام، وأنه ميّز كلام قتادة من المرفوع:
قال أبو بكر الخطيب في كتاب الفصل له: رواه أبو عبد الرحمن
المقري عن همام، وزاد فيه ذكر الاستسعاء، وجعله من قول قتادة وميزه
من كلام النبي صلى الله عليه وسلم (٢).
فهذا علة لو كان الذي رفعه دون همام، وأما إذا كان مثله
وأكثر عدداً منه، فالحكم لهم. والله أعلم.
وقد عورض حديث أبي هريرة في السعاية بحديث عمران بن
حصین وحديث ابن عمر:
=
ورواية عبدة بن سليمان، عند إسحاق بن راهويه في مسنده ١/ ١٦٠.
ورواية إسماعيل بن إبراهيم عند مسلم في صحيحه ٢/ ١١٤٠ في كتاب
العتق، ١ - باب ذکر سعایة العبد.
(١) صحيح مسلم ٢ / ١١٤١ في كتاب العتق، ١ - باب ذكر سعاية الهبد.
(٢) الفصل ٣٥٠/١.

١٨٨٧
كتاب العتاق
أما حديث عمران، فقال الشافعي في مناظرته لبعض
أصحاب أبي حنيفة في المسألة: ومع(١) حديث نافع حديث عمران
ابن حصين بإبطال الاستسعاء(٢).
ومراده بذلك أن الرجل(٣) لما أعتق الستة المملوكين، لم يكمل
النبي صلى الله عليه وسلم عتقهم بالسعاية، بل أعتق ثلثهم ولم
یستسع باقیھم(٤).
وهذا لا يعارض حديث الاستسعاء، فإن الرجل أعتق العبيد
وهم كل [٢١٤/ ب] التركة، وإنما يملك التبرع في ثلثها، فكمل النبي
صلى الله عليه وسلم الحرية في عبدين مقدار الثلث، وكأنهما هما
اللذان باشرهما بالعتق، والشارع حجر عليه ومنعه من تبعيض
الحرية في جميعهم وکملها في اثنین.
فأي منافاة في هذا لحديث السعاية؟!
بل هو حجة على من يبعّض العتق في جميعهم، فإنه إن لم
(١) في المطبوع: وصح. وهو تحريف.
(٢) اختلاف الحديث ص: ٢٩٣.
(٣) في المطبوع: الرجل في حديث عمران بن حصين. بزيادة لأجل التوضيح،
ولكن دون الإشارة إلى أنها ليست في الأصل.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه ١٢٨٨/٣ في كتاب الأيمان، ١٢ - باب من أعتق
شرکاً له في عبد.

١٨٨٨
تهذيب السنن لابن القيم الجوزية
يقل بالسعاية نقض (١) أصله، وإن قال بها وأعتق الجميع ناقض
الحديث صريحاً، ولا اعتراض بمناقضته على حديث أبي هريرة في
السعاية.
وأما حديث ابن عمر فهو الذي نذكره في هذا الباب.
(١) في المطبوع: بعض. وهو تصحيف.

١٨٨٩
كتاب العتاق
باب فیمن روی أنه لا يُستسعی(١)
ذكر المنذري حديث ((وإلا فقد عتق منه ما عتق)) (٢)، إلى
(١) سنن أبي داود ٢٥٦/٤ - ٢٥٧، الباب رقم: (٦).
(٢) هو حديث مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: ((من أعتق شركاً له في مملوك أقيم عليه قمية العدل، فأعطي شركاءه
حصصهم، وأُعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق)).
وأخرجه البخاري في صحيحه ١٧٩/٥ مع الفتح في كتاب العتق، ٤- باب إذا
أعتق عبداً بین اثنین أو أمة بين شرکاء.
ومسلم في صحيحه ١١٣٩/٢ في کتاب العتق، في بدايته قبل الباب الأول.
وابن ماجه في سننه ٨٤٤/٢-٨٤٥ في كتاب العتق، ٧ - باب من أعتق شركاً
له في عبد.
ثم روى أبو داود هذا الحديث عن أيوب عن نافع عن ابن عمر عن النبي
صلى الله عليه وسلم بمعناه، قال: وكان نافع ربما قال: ((فقد عتق منه ما
عتق))، وربما لم يقله.
وفي رواية: قال أيوب: فلا أدري هو في الحديث عن النبي صلى الله عليه
وسلم أو شيء قاله نافع «وإلا عتق منه ما عتق)).
وأخرجه البخاري في صحيحه ٥/ ١٨٠ مع الفتح، في کتاب العتق، ٤- باب إذا
أعتق عبداً بین اثنین أو أمة بين شركاء.
ومسلم في صحيحه ١٢٨٦/٣-١٢٨٧ في كتاب الأيمان، ١٢ -باب من أعتق
شركاً له في عبد.
والترمذي في جامعه ٦٢٩/٣ في كتاب الأحكام، ١٤ - باب ما جاء في العبد
=

١٨٩٠
تهذيب السنن لابن القيم الجوزية
قوله: "ويحيى بن أيوب احتج به مسلم واستشهد به البخاري"(١).
يكون بين الرجلين فيعتق أحدهما نصيبه. وقال: حديث حسن صحيح.
ورواه النسائي في المجتبى ٣٦٦/٧ في كتاب البيوع، ١٠٦ -الشركة في الرقيق.
دون عبارة الشك.
(١) مختصر سنن أبي داود للمنذري ٤٠٤/٥-٤٠٥ حيث قال: "وقد رواه الإمام
مالك رضي الله عنه عن نافع کما قدمناه، ولم يشك.
وقد رواه أيضاً عبيد الله بن عمر العمري عن نافع، كما قدمناه ولم يشك.
وقد رواه أيضاً: جرير بن حازم عن نافع، وفيه: ((وإلا فقد عتق منه ما عتق))،
ولم يشك. وأخرجه مسلم في صحيحه.
وقال الإمام الشافعي: لا أحسب عالماً بالحديث ورواته يشك في أن مالكاً
أحفظ لحديث نافع من أيوب؛ لأنه كان ألزم له من أيوب. ولمالك فضل حفظه
لحديث أصحابه خاصة، ولو استويا في الحفظ، فشك أحدهما في شيء، ولم
يشك فيه صاحبه، لم يكن في هذا موضع لأن يُغلّط به الذي لم يشك. إنما يُغلّط
الرجل بخلاف من هو أحفظ منه، أو يأتي بشيء في الحدیث یشرکه فیه من لم
يحفظ منه ما حفظ منه. ثم هم عدد وهو منفرد. وقد وافق مالكاً في زيادة
«وإلا فقد عتق منه ما عتق)) يعني غيره من أصحاب نافع.
وقال البيهقي: وقد تابع مالكاً على روايته عن نافع: أثبت آل عمر في زمانه
وأحفظهم: عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب. هذا
آخر كلامه.
وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه: وزاد فيه بعضهم: ((ورُقّ منه ما رُقّ)).
وهذا الحديث -الذي أشار إليه الإمام الشافعي -: أخرجه الدارقطني في سننه.
=

١٨٩١
كتاب العتاق
قال الشيخ شمس الدين بن القيم رحمه الله تعالى: قالوا: وقد
قال البخاري: أصح الأسانيد كلها: مالك عن نافع عن ابن عمر (١).
وقال أيوب السختياني: كانت لمالك حلقة في حياة نافع(٢).
وقال ابن المديني: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يقدم على
مالك أحداً (٣).
وقال عثمان بن سعيد الدارمي: قلت ليحيى بن معين: مالك
أحب إليك في نافع أو عبيد الله بن عمر؟ قال: مالك. قلت: فأيوب
السختياني؟ قال: مالك(٤).
وقال الإمام أحمد ويحيى بن معين: كان مالك من أثبت
=
وقال في کتاب الأفراد: تفرد به إسماعيل بن مرزوق عن يحيى بن أيوب عنه،
يعني عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر هذا آخر كلامه.
وإسماعيل -هذا- مرادي مصري، کنیته: أبو يزيد. روى عنه محمد بن عبد الله
ابن عبد الحکم.
ويحيى بن أيوب: احتج به مسلم، واستشهد به البخاري" ا.هـ كلام المنذري.
(١) رواه عنه الحاكم في معرفة علوم الحديث ص: ٥٣، والخطيب البغدادي في
الکفایة ص: ٣٩٨.
(٢) رواه البيهقي في السنن الكبرى ٢٧٩/١٠.
(٣) رواه البيهقي في السنن الكبرى ٢٧٩/١٠.
(٤) رواه البيهقي في السنن الكبرى ٢٧٩/١٠.

١٨٩٢
تهذيب السنن لابن القيم الجوزية
الناس في حديثه(١).
قال الشافعي لمناظره في المسألة -وقد احتج عليه بحديث أبي
هريرة في الاستسعاء -: وعلينا أن نصير إلى أثبت الحديثين. قال: نعم.
قلت: فمع حديث نافع حديث عمران بن حصين بإبطال الاستسعاء.
فقال بعضهم: نناظرك في قولنا وقولك. فقلت: أو للمناظرة موضع مع
ثبوت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بطرح الاستسعاء في حديث
نافع وعمران؟ قال: إنا نقول إن أيوب قال إنما قال نافع: ((فقد عتق منه
ما عتق))، وربما لم يقله، وأكبر ظني أنه شيء كان يقوله نافع برأيه(٢).
فذكر ما تقدم من حفظ مالك، وترجيح حديثه على أيوب.
قال أصحاب السعاية: مالك ومن معه رووا الحديث كما
سمعوه، ولا ريب أن نافعاً كان يذكر هذه الزيادة متصلة بالحديث،
فأداه أصحابه كما سمعوه يذكرها.
وأما أيوب فاطلع على زيادة علم لم يذكروها ولا نفوها،
وإنما أدوا لفظ نافع كما سمعوه يسوق الحديث سياقة واحدة، فأدوا
ما حفظوه، وأيوب اطلع على تفصيل وتمييز في الحديث، فكلهم
صادق في روايته، والحكم لمن فصّل وميّز، وهذا الشك منه هو عين
(١) رواه البيهقي في السنن الكبرى ٢٧٩/١٠.
(٢) اختلاف الحديث للشافعي ص: ٢٩٣ -٢٩٤.

١٨٩٣
كتاب العتاق
الحفظ، فإنه سمع كما سمعه الجماعة، وفصّل الزيادة وميزها فقال:
[٢١٥/ أ] "أكبر ظني أنه شيء كان يقوله نافع برأيه"، وسمعه مرة أو
مراراً يذكره متصلاً بالحديث، فشك هل هو من قوله، أو من قول
النبي صلى الله عليه وسلم؟
وإنما يفيد تقديم عبيد الله ومالك عليه في الحفظ أن لو
خالفهم، فإذا أدى ما أدوه وروى ما رووه بعينه واطلع على زيادة
لم يذكروها، كان الأخذ بروايته أولى؛ لأنهم لم يقولوا: قال نافع قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((وإلا فقد عتق منه ما عتق))، وإنما
أدرجوها في الحديث إدراجاً كما سمعوه، وفصل أيوب هذا
الإدراج فحفظ شيئاً لم يحفظوه.
قالوا: وعلى تقدير الجزم بأنها من كلام النبي صلى الله عليه
وسلم لا تناقض حديث الاستسعاء، فإن قوله: ((وإلا فقد عتق منه
ما عتق)) معناه: وإن لم يكن لمعتق البعض مال يبلغ ثمن باقيه، عتق
من العبد بإعتاقه القدر الذي أعتقه.
وأما الجزء الباقي فمسكوت عنه لم يذكر حكمه، فجاء بيان
ذکر حکمه في حديث أبي هريرة.
فتضمن حديث أبي هريرة(١) ما في منطوق حديث ابن عمر،
(١) الذي فيه ذکر الاستسعاء، وقد سبق.

١٨٩٤
تهذيب السنن لابن القيم الجوزية
وزيادة بیان ما سكت عنه، ولا تنافي بین الحدیثین.
وهذا ظاهر على أحد القولين؛ لأن باب السعاية أنه لا يعتق
جميعه (١) بعتق الشريك، وإنما يعتق بعد الأداء بالسعاية، بخلاف الجزء
الذي قد أعتقه فإنه قد تنجز عتقه، وعتق الجزء الآخر منتظر
موقوف على أداء ما استسعى عليه كالكتابة(٢).
ومعلوم أن قوله: ((وإلا فقد عتق منه ما عتق)) لا ينافي عتقه
بالسعاية على هذا الوجه، فغاية حديث ابن عمر أن يدل بمفهومه.
فإن قوله: ((عتق ما عتق)) منطوقه وقوع العتق في الجزء
المباشر به، ومفهومه انتفاء هذا العتق عن الجزء الآخر، والمفهوم قد
يكون فيه تفصيل، فيعتق في حال ولا يعتق في حال.
وكذا يقول أصحاب السعاية في أحد قوليهم: يعتق بأداء
السعاية ولا يتنجز عتقه قبلها.
قالوا: وعلى هذا فقد وفّينا جميع الأحاديث مقتضاها،
وعملنا بها كلها ولم نترك بعضها لبعض.
قالوا: وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى امتناع الشركة
(١) ساقطة من المطبوع.
(٢) انظر: شرح فتح القدير ٤٦١/٤، والتمهيد لابن عبد البر ٢٧٨/١٤، والمغني
٣٦٠/١٤.

١٨٩٥
كتاب العتاق
بين الله وعبده في رقبة المملوك، بقوله: ((ليس لله شريك))(١).
وهذا تعليل لتكميل الحرّيّة، ولهذا أخرج الجزء(٢) المملوك
عن مالكه قهراً، إذا كان الشريك المعتق موسراً لرغبته في تكميل
الحرية المنافية للشركة بين الله وعبده في رقبة المملوك.
فإيجاب السعاية على العبد لتكميل حريته إذا كان قادراً
عليها أولى؛ لأن الشارع إذا أوجب على غير مالكه أن يستفك
بقيته(٣) من الرق الذي هو أثر الكفر؛ فلأن يوجب على العبد أن
يستفك(٤) بقية رقبته مع كسبه وقدرته [٢١٥/ ب] على تخليص
نفسه أولى وأحری.
وهذا في غاية الوضوح، وهو شبه الأسير إذا قدر على
تخليص نفسه من الأسر، بل هذا أولى لأنه قد صار فيه جزء الله لا
(١) وذلك في حديث أبي المليح أن رجلاً أعتق شقصاً له من غلام، فذكر ذلك
للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((ليس لله شريك)). زاد ابن كثير -أحد
الرواة -: فأجاز النبي صلی الله عليه وسلم عتقه.
رواه أبو داود في سننه ٢٥١/٤، في كتاب العتق، ٤- باب فيمن أعتق نصيباً له
من مملوك.
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ٣٣٢٩.
(٢) في المطبوع: الحر. وهو تصحيف.
(٣) في المطبوع: (يفك بقية رقبته)، مكان: (يستفك بقيته). وهو تحريف وزيادة.
(٤) في المطبوع: يفتك. وهو تحريف.

١٨٩٦
تهذيب السنن لابن القيم الجوزية
يملكه أحد، وقد أمكنه أن يصيّر نفسه عبداً محضاً لله.
والشارع متطلع إلى تكميل الأملاك للمالك الواحد، ورفع ضرر
الشركة، ولهذا جوز للشريك انتزاع الشقص المشفوع من المشتري قهراً،
ليكمل الملك له ويزول عنه ضرر الشركة مع تساوي المالكين (١).
فما الظنّ إذا كان الخالق سبحانه مالك الشقص، والمخلوق
مالك البقية، أليس هذا أولى بانتزاع ملك المخلوق وتعويضه منه
ليكمل ملك المالك الحق؟
ولا سبيل إلى إبطال الجزء الذي هو ملك الله، فتعيّن انتزاع
حصة العبد وتعويضه عنها.
فهذا مأخذ الفريقين في المسألة من جهة الأثر والنظر، والله
الموفق للصواب.
(١) وذلك فيما ورد من أحاديث الشفعة، ومنها حديث جابر بن عبد الله رضي
الله عنهما قال: ((قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يُقْسم،
فإذا وقعت الحدود وصرفت الطّرق فلا شفعة».
أخرجه البخاري في صحيحه ٥٠٩/٤ مع الفتح، في كتاب الشفعة، ١ - باب
الشفعة فيما لم يُقْسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة، واللفظ له.
ومسلم في صحيحه ١٢٢٩/٣ في كتاب المساقاة، ٢٨ - باب الشفعة.

١٨٩٧
كتاب العتاق
باب فيمن ملك ذا رحم محرّم منه(١)
ذكر كلام المنذري على حديث ((من ملك ذا رحم محرم فهو
حر))(٢) إلى آخره(٣).
ثم قال الشيخ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
هذا الحدیث له خمس علل:
إحداها: تفرد حماد بن سلمة به فإنه لم يُحدث به غيره.
الثانية: أنه قد اختلف فيه حماد وشعبة عن قتادة، فشعبة أرسله (٤)،
(١) سنن أبي داود ٢٥٩/٤ -٢٦٠، الباب رقم: (٧). وترجمة الباب فيه: "باب
فیمن ملك ذا رحم محرم".
(٢) هو حديث حماد بن سلمة عن قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله
علیه وسلم قال: ((من ملك ذا رحم محرم فهو حرّ)).
وأخرجه الترمذي في جامعه ٦٤٦/٣ في كتاب الأحكام، ٢٨ - باب ما جاء
فیمن ملك ذا رحم محرم. وقال: "هذا حديث لا نعرفه مسنداً إلا من حديث
حماد بن سلمة".
وابن ماجه في سننه ٨٤٣/٢ في کتاب العتق، ٥-باب من ملك ذا رحم محرم
فهو حرّ.
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ٣٣٤٢.
(٣) مختصر سنن أبي داود للمنذري ٥/ ٤٠٧ -٤٠٨.
(٤) انظر: مختصر سنن أبي داود للمنذري ٤٠٨/٥. ونصب الراية ٢٧٩/٣،
والتلخيص الحبير ٢١٢/٤.

١٨٩٨
تهذيب السنن لابن القيم الجوزية
وحماد وصله(١)، وشعبة شعبة(٢).
الثالثة: أن سعيد بن أبي عروبة خالفهما فرواه عن قتادة عن
عمر بن الخطاب قوله(٣).
الرابعة: أن محمد بن بشار رواه عن معاذ عن أبيه عن قتادة
عن الحسن قوله(٤).
وقد ذکر أبو داود هذین الأثرین.
العلة الخامسة: الاختلاف في سماع الحسن من سمرة.
(١) وهو حديث الباب.
(٢) في المطبوع: هو شعبة. بزيادة "هو" دون داعٍ، ودون إشارة.
(٣) رواه أبو داود في سننه ٢٦١/٤ في هذا الباب.
وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود برقم: ٨٥٠.
(٤) رواه النسائي في السنن الكبرى ١٧٤/٣.
ورواه أبو داود في سننه ٢٦١/٤ في هذا الباب عن محمد بن سليمان عن عبد
الوهاب عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن قوله. وعن أبي بكر بن
أبي شيبة عن أبي أسامة عن سعيد عن قتادة عن الحسن قوله.
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ٣٣٤٣ -٣٣٤٤.

١٨٩٩
كتاب العتاق
ثم ذكر حديث النسائي كما ذكره المنذري(١)، وكلام
المنذري إلى آخر الباب(٢).
ثم زاد الشيخ ابن القيم رحمه الله: وقال الإمام أحمد عن ضمرة
(١) هو حديث ذکره المنذري في المختصر، وليس في سنن أبي داود. وهو حديث
عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((من ملك ذا رحم عتق)».
أخرجه النسائي في السنن الكبرى ١٧٣/٣.
وابن ماجه في سننه ٢/ ٨٤٤ کتاب العتق، ٥-باب من ملك ذا رحم محرم فهو حر.
كلاهما من حدیث ضمرة بن ربيعة عن سفيان الثوري عن عبد الله بن دینار به.
واللفظ المذكور للنسائي، ولفظ ابن ماجه: ((من ملك ذا رحم محرم فهو حرّ».
وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه برقم: ٢٠٤٧.
(٢) مختصر سنن أبي داود للمنذري ٤٠٩/٥-٤١٠، حيث يقول: "وقال النسائي:
هذا حديث منكر، ولا نعلم أحداً رواه عن سفيان غير ضمرة، والله أعلم.
وقال الترمذي: ولم يُتابع ضمرة بن ربيعة على هذا الحديث، وهو حديث خطأ
عند أهل الحديث.
وذكر البيهقي أنه وهم فاحش خطأ. والمحفوظ بهذا الإسناد حديث ((النهي عن
بيع الولاء وعن هبته».
وضمرة بن ربيعة لم يحتج به صاحبا الصحيح. هذا آخر كلامه.
وضمرة بن ربيعة: هو أبو عبد الله الفلسطيني، وثقه يحيى بن معين وغيره. ولم
يخرج البخاري ومسلم من حديثه شيئاً كما ذكر. والوهم حصل له في هذا
الحديث، كما ذكر الأئمة" ا.هـ كلام المنذري.

١٩٠٠
تهذيب السنن لابن القيم الجوزية
إنه ثقة، إلا أنه روى حديثين ليس لهما أصل، أحدهما هذا الحديث(١).
وقد روى الإمام البيهقي وغيره من حديث أبي صالح عن ابن
عباس قال: جاء رجل يقال له صالح بأخيه ((فقال: يا رسول الله إني
أريد أن أعتق أخي هذا؟ فقال: إن الله أعتقه حين ملكته))(٢).
ولكن في هذا الحديث بليتان عظيمتان: العرزمي عن الكلبي،
کسیر عن عُوير(٣).
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: ((لا يجزي ولد عن والده، إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقه))(٤).
وهذا مشترك الدلالة.
(١) انظر كلام الإمام أحمد هذا في: المغني ١٤ / ٣٧٥.
(٢) رواه الدارقطني في سننه ١٢٩/٤- ١٣٠، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى
١٠/ ٢٩٠ من طريق عبد الرحمن العرزمي عن الكلبي عن أبي صالح به.
ثم قال الدارقطني: "العرزمي تركه ابن المبارك ويحيى القطان وابن مهدي. وأبو
النضر هو محمد بن السائب الكلبي، المتروك أيضاً، هو القائل: كلما حدثت عن
أبي صالح كذب "ا.هـ.
(٣) وهاتان لفظتان من ألفاظ التجريح النادرة (كسير، عوير)، والإتيان بهما
مركبتان كما فعل ابن القيم هنا أندر وأندر، وهما مأخوذتان من: الكسر
والعور، ولا شكّ أنهما كلمتا ذمٍ.
(٤) صحيح مسلم ١١٤٨/٢ في كتاب العتق، ٦ - باب فضل عتق الوالد، بلفظه:
((لا يجزي ولدٌ والداً))، ولفظ: «ولدّ والده)).