Indexed OCR Text
Pages 1681-1700
١٦٨١ كتاب البيوع والإجارات قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن من اشترى طعاماً فليس له بيعه حتى يقبضه(١). وحَكى ذلك عن (٢) غير واحد من أهل العلم إجماعاً (٣). وأما ما حكي عن عثمان البتي من جوازه؛ فإن صح لم يعتد به (٤). فأما غير الطعام فاختلف فيه الفقهاء على أقوال عديدة: أحدها: أنه يجوز بيعه قبل قبضه مكيلاً كان أو موزوناً. وهذا مشهور مذهب مالك(٥)، واختاره أبو ثور(٦) وابن المنذر. والثاني: أنه يجوز بيع الدور والأرض قبل قبضها، وما سوى العقار فلا يجوز بيعه قبل القبض. وهذا مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف(٧). (١) انظر قوله هذا في: المغني ٦/ ١٨٣ بنحوه. (٢) هكذا في الأصل، ولعلها زائدة. والله أعلم. (٣) انظر: التمهيد لابن عبد البر ٣٣٤/١٣، وبداية المجتهد ١٧٢/٢، وشرح النووي على صحيح مسلم ١٠/ ١٧٠ . (٤) حكاه عن عثمان البتي: ابن عبد البر في التمهيد ٣٣٤/١٣، والمازري في المعلم ١٦٥/٢، وابن قدامة في المغني ١٨٨/٦-١٨٩، والنووي في شرح مسلم ١٠/ ١٧٠. (٥) انظر: التمهيد ٣٢٦/١٣-٣٢٧، والقوانين الفقهية ص: ١٧١. (٦) انظر: بداية المجتهد ١٧٢/٢. (٧) انظر: الهداية ٥٩/٣، والبحر الرائق ١٢٦/٦. ١٦٨٢ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية والثالث: ما كان مكيلاً أو موزوناً؛ فلا يصح بيعه قبل القبض، سواء أكان مطعوماً أم لم يكن. وهذا يروى عن عثمان رضي الله عنه(١) وهو مذهب ابن المسيب والحسن والحكم وحماد والأوزاعي(٢)، وإسحاق(٣)، وهو المشهور من مذهب أحمد بن حنبل(٤). والرابع: أنه لا يجوز بيع شيء من المبيعات قبل قبضه بحال. وهذا مذهب ابن عباس(٥) والشافعي(٦) ومحمد بن الحسن(٧) وهو إحدى الروايات عن أحمد(٨). وهذا القول هو الصحيح الذي تختاره. (١) انظر: التمهيد لابن عبد البر ٣٣٠/١٣، والمغني ١٨٩/٦. (٢) انظر ذلك عنهم في: التمهيد ٣٣٠/١٣، والمغني ١٨٩/٦. (٣) انظر مسائل الكوسج المسألة رقم: ١٧٨٩. (٤) انظر مسائل الكوسج المسألة رقم: ١٧٨٩، والمغني ١٨٩/٦. (٥) انظر: التمهيد ٣٣١/١٣، والمغني ١٨٩/٦. (٦) ساقطة من المطبوع. وانظر في مذهب الشافعية: الوسيط ١٤٨/٣، وشرح النووي على صحيح مسلم ١٦٩/١٠ - ١٧٠، وروضة الطالبين ٥٠٦/٣. (٧) انظر: الهداية ٥٩/٣، والبحر الرائق ٦/ ١٢٦. (٨) انظر: الروايتين والوجهين -المسائل الفقهية- ٣٢٦/١-٣٢٧، والمغني لابن قدامة ١٨٩/٦. ١٦٨٣ كتاب البيوع والإجارات وقد اختلف أصحاب أحمد في منعه من بيع المكيل والموزون قبل قبضه، على ثلاثة طرق: أحدها: أن المراد ما تعلق به حق التوفية بالكيل أو الوزن كرطل من زُبرة أو قفيز من صبرة، وهذه طريقة القاضي وصاحب المحرر وغيرهما(١). وعلى هذا فمنعوا بيع ما تعلق به حق توفية، وإن لم يكن مكيلاً ولا موزوناً، كمن اشترى ثوبا على أنه عشرة أذرع أو قطيعاً کل شاة بدرهم. والطريقة الثانية: أن المراد به ما کان مکیل الجنس وموزونه، وإن اشتراه جزافاً كالصبرة وزُبرة الحديد ونحوهما(٢). والطريقة الثالثة: أن المراد به المكيل والموزون من المطعوم والمشروب، نص عليه في رواية مهنا، فقال: كل شيء يباع قبل قبضه، إلا ما كان يكال أو يوزن مما يؤكل ويشرب(٣) [١٩٠/أ]. فصار في مذهبه أربع روايات: (١) انظر: المحرر ٣٢٢/١، والمغني ١٨١/٦، وقواعد ابن رجب ص: ٧٥ القاعدة الثانية والخمسون. (٢) انظر: المغني ٦/ ١٨١، وقواعد ابن رجب ص: ٧٥ القاعدة الثانية والخمسون، والإنصاف ٤ / ٤٦٠-٤٦١. (٣) انظر: الروايتين والوجهين -المسائل الفقهية - ٣٢٦/١، والمغني ١٨٢/٦. ١٦٨٤ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية أحداها: أن المنع مختص بما يتعلق به حق التوفية. الثانية: أنه عام في كل مكيل أو موزون مطعوم. الثالثة: أنه عام في كل مكيل أو موزون مطعوماً كان أو غيره. الرابعة: أنه عام في كل مبيع. والصحيح هو هذه الرواية لوجوه: أحدها: حدیث حكيم بن حزام قلت يا رسول الله إني أبتاع هذه البيوع فما يحل لي منها وما يحرم علي ؟ قال: ((يا ابن أخي لا تبع شيئاً حتى تقبضه)). وقد ذكرنا الكلام علیه. الثاني: ما ذکره أبو داود في الباب من حدیث زید بن ثابت «نھی رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تباع السلع حيث تبتاع»(١). وإن كان فيه محمد بن إسحاق فهو الثقة الصدوق، وقد استوفينا الكلام عليه في الرد على الجهمية من هذا الكتاب. فإن قيل: الأحاديث كلها مقيدة بالطعام سوى هذين الحديثن، فإنهما مطلقان أو عامان، وعلى التقديرين فنقيدهما بأحاديث الطعام، أو نخصمها بمفهومهما جمعاً بين الأدلة، وإلا لزم إلغاء وصف الحكم، وقد علق به الحكم. (١) سنن أبي داود ٣/ ٧٦٥ في هذا الباب رقم: (٦٧). وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ٢٩٨٨. ١٦٨٥ كتاب البيوع والإجارات قیل: عن هذا جوابان: أحدهما: أن ثبوت المنع في الطعام بالنص وفي غيره، إما بقياس النظير كما صح عن ابن عباس أنه قال: ((ولا أحسب كل شيء إلا بمنزلة الطعام))(١). أو بقياس الأولى، لأنه إذا نهى عن بيع الطعام قبل قبضه مع كثرة الحاجة إليه وعمومها، فغير الطعام بطريق الأولى. وهذا مسلك الشافعي ومن تبعه. الجواب الثاني: أن اختصاص الطعام بالمنع إنما هو مستفاد من مفهوم اللقب، وهو لو تجرد لم يكن حجة، فكيف وقد عارضه عموم الأحاديث المصرحة بالمنع مطلقاً، والقياس المذكور، حتى لو لم ترد النصوص العامة لكان قياسه على الطعام دليلاً على المنع. والقياس في هذا يمكن تقديره من طريقين: أحدهما: قياس بإبداء الجامع، ثم للمتكلمین فیه طريقان: أحدهما: أنه قياس تسوية. والثاني: أنه قياس أولوية. والثاني من الطريقين الأولين: قياس بإلغاء الفارق، فإنه لا فارق بين الطعام وغيره في ذلك، إلا ما لا يقتضي الحكم وجوداً ولا عدماً، فافتراق المجلس فيها عديم التأثير، يوضحه أن المسالك التي اقتضت المنع من بيع الطعام قبل قبضه، موجودة بعينها في غيره، كما (١) وقد سبق تخريجه في الباب السابق، وهو عند مسلم. ٠٫٢٠ ١٦٨٦ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية سيأتي بيانه. قال المخصصون للمنع: تعليق النهي عن ذلك بالطعام يدل على أنه هو العلة؛ لأن الحكم لو تعلق بالأعم لكان الأخص عديم التأثير، فكيف يكون المنع عاماً فيعلقه الشارع بالخاص؟! قال المعممون: لا تنافي بين الأمرين [١٩٠/ ب] فإن تعليق الحكم بعموم المبيعات مستقل بإفادة التعميم، وتعليقه بالخاص يحتمل أن یکون لاختصاص الحکم به، فیثبت التعارض. ويحتمل أن يكون لغرض دعا إلى التعيين من غير اختصاص الحكم به، إما لحاجة المخاطب، وإما لأن غالب التجارة حينئذ كانت بالمدينة فيه، فخرج ذكر الطعام مخرج الغالب، فلا مفهوم له. وهذا هو الأظهر، فإن غالب تجاراتهم بالمدينة كانت في الطعام، ومن عرف ما کان علیه القوم من سيرتهم عرف ذلك، فلم یکن ذکر الطعام لاختصاص الحكم به. ولو لم يكن ذلك هو الأظهر لكان محتملاً فقد تعارض الاحتمالان والأحاديث العامة لا معارض لها، فتعين القول بموجبها. قال المخصصون: لا يمكنكم القول بعموم المنع، فإنه قد ثبت بالسنة جواز التصرف في غير الطعام قبل قبضه بالبيع، وهو الاستبدال بالثمن قبل قبضه والمصارفة عليه(١). (١) کما سبق في حديث ابن عمر، في الباب السابق. ١٦٨٧ كتاب البيوع والإجارات قال المعممون: الجواب من وجهين: أحدهما: الفرق بين الثمن في الذمة والمبيع المتعين من وجوه ثلاثة: أحدها: أن الثمن مستقر في الذمة لا يتصور تلفه والبيع لیس كذلك، نعم لو كان الثمن معيناً لكان بمنزلة المبيع المتعين. الثاني: أن بيع الثمن ها هنا إنما هو ممن في ذمته ليس تبعاً لغيره، فلو باع الثمن قبل القبض لغير من هو في ذمته، لم يجز في أحد قولي الشافعي(١)، وهو الذي رجحه الرافعي وغيره من أصحابه(٢). الثالث: أن العلل التي لأجلها امتنع العقد على المبيع قبل قبضه منتفية في الثمن بأسرها، فإن المآخذ ثلاثة: إما عدم استقرار المبيع وكونه عرضة للتلف وانفساخ العقد. وهذه العلة مأمونة بكون الثمن في الذمة. وإما أن علق البائع لم تنقطع عن المبيع. وهذه العلة أيضاً منتفية ها هنا. وإما أنه عُرضَة للربح، وهو مضمون على البائع فيؤدي إلى ربح ما لم يضمن. وهذه العلة أيضاً منتفية في الثمن، فإنه إنما يجوز له (١) انظر: روضة الطالبين ٥٠٧/٣. (٢) انظر: فتح العزيز للرافعي ٤٢٠/٨ مع المجموع للنووي. ١٦٨٨ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية الاستبدال به بسعر يومه كما شَرَطه النبي صلى الله عليه وسلم لئلا پربح فیما لم یضمن. ولا يمكن أن يقال مثل هذا في السلع؛ لأنه إنما اشتراها للربح فلو منعناه من بيعها إلا بمثل الثمن، لم يكن في الشراء فائدة بخلاف الأثمان، فإنها لم توضع للربح(١) وإنما وضعت رؤوساً للأموال لا مورداً للكسب والتجارة. قال المخصصون: قد سلمتم نفوذ العتق [١٩١/أ] قبل القبض (٢) وهو تصرف يزيل الملك، فما الفرق بينه وبين البيع الناقل للملك؟! قال المعممون: الفرق بينهما أن الشارع جعل للعتق من القوة والسراية والنفوذ، ما لم يجعل لغيره حتى أدخل الشقص الذي للشريك في ملك المعتق قهراً، وأعتقه عليه قهراً، وحتى أعتق عليه ما لم يعتقه لقوته ونفوذه(٣)، فلا يصح إلحاق غيره من التصرفات به. (١) في المطبوع: لذلك. وهو تصحيف. (٢) انظر: روضة الطالبين ٣/ ٥٠٦، والمغني ٦/ ٤٨٢. (٣) وذلك في حديث عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أعتق شركاً له في عبد، فكان له مال يبلغ ثمن العبد، قُوّم عليه قيمة العدل، فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق)). أخرجه البخاري ي صحيحه ١٧٩/٥ مع الفتح، في كتاب العتق، ٤- باب إذا = ١٦٨٩ كتاب البيوع والإجارات قال المخصصون: قد جوزتم بيع الملك قبل قبضه في صور: أحدها: بيع الميراث قبل قبض الوارث له. الثانية: إذا أخرج السلطان رزق رجل(١) فباعه قبل أن يقبضه. الثالثة: إذا عزل سهمه فباعه قبل أن يقبضه. الرابعة: ما ملكه بالوصية فله أن يبيعه بعد القبول وقبل القبض. الخامسة: غلة ما وقف عليه له أن يبيعها قبل أن يقبضها. السادسة: الموهوب للولد إذا قبضه ثم استرجعه الوالد فله أن یبیعه قبل قبضه. السابعة: إذا أثبت صيداً (٢) ثم باعه قبل القبض جاز. الثامنة: الاستبدال بالدين من غير جنسه هو بيع قبل القبض. نص الشافعي على الميراث والرزق يخرجه السلطان وخرج الباقي على نصه(٣). = أعتق عبداً بين اثنين أو أمة بين الشركاء. ومسلم في صحيحه ١٢٨٦/٣ في كتاب الأيمان، ١٢ -باب من أعتق شركاً له في عبد. (١) هو ما يخرجه السلطان من بيت المال لشخص ثم يبيعه. انظر ما سيأتي من المصادر. (٢) وكما إذا وقع في الشبكة المنصوبة للصيد، وهذه الصورة ضعيفة عند الشافعية. انظر ما سيأتي من المصادر. (٣) انظر فيما سبق من هذه الصور وغيرها في: = ١٦٩٠ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية التاسعة: بيع المهر قبل قبضه جائز(١)، وقد نص أحمد على جواز هبة المرأة صداقها من زوجها قبل قبضه(٢). العاشرة: إذا خالعها على عوض، جاز التصرف فيه قبل قبضه، حكاه صاحب المستوعب وغيره(٣). وقال أبو البركات في المحرر: هو كالمبيع(٤)،(٥) يعني في عدم جواز التصرف فيه قبل القبض الحادية عشر: إذا أعتقه على مال جاز التصرف فيه قبل = فتح العزيز للرافعي ٤٢٢/٨-٤٢٨، وروضة الطالبين ٥٠٩/٣، والأشباه والنظائر لابن الوكيل ٣٣٢/٢-٣٣٣، والحاوي ٢٢٩/٥ -٢٣٠. (١) انظر: المغني ١٢٨/١٠، والإنصاف ٢٦٢/٨. قال ابن قدامة: "وحكم الصداق حكم البيع، في أن ما كان مكيلاً أو موزوناً لا يجوز لها التصرف فيه قبل قبضه، وما عداه لا يحتاج إلى قبض". (٢) انظر: المغني ١٢٨/١٠. (٣) انظر: المغني ١٢٨/١٠، ٢٨٧/١٠، والإنصاف ٢٦٢/٨. قال ابن قدامة: "والعوض في الخلع كالعوض في الصداق والبيع إن كان مكيلاً أو موزوناً لم يدخل في ضمان الزوج. ولم يملك التصرف فيه إلا بقبضه، وإن كان غيرهما دخل في ضمانه بمجرد الخلع وصح تصرفه فيه". (٤) في المطبوع: كالبيع. وهو تصحيف. (٥) المحرر ٣٢٣/١. ١٦٩١ كتاب البيوع والإجارات قبضه، حكاه صاحب المستوعب(١). الثانية عشر: إذا صالحه عن دم العمد بمال جاز التصرف فيه قبل قبضه، وكذلك إذا أتلف له مالا وأخرج عوضه(٢). ومنع صاحب المحرر من ذلك كله وألحقه بالمبيع (٣). قال المعممون: الفرق بين هذه الصور وبين التصرف في المبيع قبل قبضه أن الملك فيه غير مستقر، فلم يسلط على التصرف في ملك مزلزل بخلاف هذه الصور فإن الملك فيها مستقر غير معرض للزوال، على أن المعاوضات فيها غير مجمع عليها، بل مختلف فيها کما ذكرناه. وفيها طريقان لأصحاب أحمد: إحداهما: طريقة صاحب المستوعب وهي أن كل عقد ملك به العوض فإن كان ينتقض بهلاك العوض قبل قبضه كالإجارة والصلح عن المبيع، فحكمه في جواز التصرف فيه حكم العوض المتعين بعقد البيع. وإن كان العقد لا [١٩١/ ب] ينتقض بهلاك العوض المتعين به كالمهر وعوض الخلع والعتق والصلح عن دم العمد فحكمه (١) انظر: قواعد ابن رجب ص: ٧٧ القاعدة الثانية والخمسون. (٢) انظر: قواعد ابن رجب ص: ٧٧ القاعدة الثانية والخمسون. (٣) انظر المحرر ٣٢٣/١. ١٦٩٢ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية حكم المملوك بعقد البيع، وما ملك بغير عوض كالميراث والوصية والهبة؛ فالتصرف فيه جائز قبل قبضه (١). قال المخصصون: قد ثبت في صحيح البخاري عن عمرو بن دينار عن ابن عمر قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فكنت على بكر صعب لعمر، فكان يغلبني فيتقدم أمام القوم، فيزجره عمر ويرده، ثم يتقدم فيزجره ويقول لي: أمسكه لا يتقدم بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((بعنيه يا عمر))، فقال: هو لك يا رسول الله، قال: ((بعنيه))، فباعه منه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((هو لك یا عبد الله فاصنع به ما شئت»(٢). فهذا تصرف في المبيع غير المكيل والموزون، قبل قبضه. قال المعممون: لا ريب أن هذا تصرف فيه بالهبة لا بالمعاوضة. ونحن لنا في مثل هذا التصرف قبل القبض خلاف: فمن أصحابنا من يجوزه ونفرق بين التصرف فيه بالبيع (١) انظر: قواعد ابن رجب ص: ٧٧ القاعدة الثانية والخمسون. ولم يذكر ابن القيم الطريقة الثانية للأصحاب. (٢) صحيح البخاري ٣٩٢/٤ مع الفتح، في كتاب البيوع، ٤٧ - باب إذا اشترى شيئاً فوهب من ساعته .... و٢٦٩/٥ مع الفتح، في کتاب الهبة، ٢٥-باب من أهدي له هدية وعنده جلسائه فهو أحق. ١٦٩٣ كتاب البيوع والإجارات والتصرف بالهبة، ونلحق الهبة بالعتق، ونقول: هي إخراج عن ملكه لا يتوالى (١) فيه ضمانان(٢)، ولا يكون التصرف بها عرضة لربح ما لم يضمن، بخلاف البيع (٣). ومن أصحابنا من منعها، وقال: العلة المانعة من بيعه قبل قبضه: عدم استقرار الملك وضعفه، ولا فرق في ذلك بين تصرف (٤) وتصرف(٤). فإن صح الفرق بطل البعض(٥)، وإن بطل الفرق (٦) سوينا بین التصرفات. وعلى هذا فالحديث لا دلالة فيه على التصرف قبل القبض إذا قبض ذلك البعير حصل بالتخلية بينه وبين مع تميزه وتعينه، وهذا كاف في القبض. وقد ذکر للمنع من بیع ما لم يقبض علتان: (١) في المطبوع: تتوالى، وهو تصحيف. (٢) في المطبوع: ضمانات. وهو تصحيف. (٣) انظر: المغني ٢٤١/٨، وقواعد ابن رجب ص: ٧٩ القاعدة الثانية والخمسون. (٤) انظر: الإنصاف ٧/ ١٢١. (٥) في المطبوع: القبض. وهو تصحيف. والمراد بالبعض هنا: البيع. (٦) في المطبوع: القبض. وهو تصحيف. ١٦٩٤ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية إحداهما: ضعف الملك لأنه لو تلف انفسخ البيع. والثانية: أن صحته تفضي إلى توالي الضمانين، فإنا لو صححناه كان مضموناً للمشتري، الأول على البائع الأول، والمشتري الثاني على البائع الثاني، فكيف يكون الشيء الواحد مضموناً لشخص مضموناً عليه؟! وهذان التعليلان غير مرضيين: أما الأول: فيُقال: ما تعنون (١) بضعف الملك؟ إن (٢) عنيتم به أنه لو طرأ عليه سبب يوجب فسخه ينفسخ به، أو أمراً آخر؟ فإن عنيتم الأول فلم قلتم إنه مانع من صحة البيع؟! وأي ملازمة بين الانفساخ بسبب طارىء، وبين عدم الصحة شرعاً أو عقلاً. وإن عنيتم بضعف الملك أمراً آخر فعليكم بيانه لننظر فيه. وأما [١٩٢ / أ] التعليل الثاني فكذلك أيضاً، ولا تظهر فيه مناسبة تقتضي الحكم فإن كون الشيء مضموناً على الشخص بجهة، ومضموناً له بجهة أخرى غير ممتنع شرعاً ولا عقلاً. ويكفي في رده أنه لا دليل على امتناعه كيف وأنتم تجوزون للمستأجر إجارة ما استأجره(٣)؟! والمنفعة مضمونة له على المؤجر (١) في المطبوع: تعندون. (٢) في المطبوع: هل. (٣) انظر: الإنصاف ٦/ ٣٤. ١٦٩٥ كتاب البيوع والإجارات وهي مضمونة عليه للمستأجر الثاني. وكذلك الثمار بعد بدو صلاحها إذا بيعت على أصولها، فهي مضمونة على البائع إذا احتاجت إلى سقي اتفاقاً، وإن تلفت بجائحة فهي مضمونة عليه وله(١). ولهذا لما رأى أبو المعالي الجويني ضعف هذين التعليلين قال: لا حاجة إلى ذلك والمعتمد في بطلان البيع إنما هو الأخبار. فالشافعي يمنع التصرف في المبيع قبل قبضه ويجعله من ضمان البائع مطلقاً، وهو رواية عن أحمد. وأبو (٢) حنيفة كذلك إلا في العقار. وأما مالك وأحمد في المشهور من مذهبه فيقولان: ما يمكن المشتري من قبضه وهو المتعين بالعقد فهو من ضمان المشتري، ومالك يجوز التصرف فيه وأحمد (٣)، ويقولان: الممكن من القبض جار مجرى القبض على تفصيل في ذلك. فظاهر مذهب أحمد أن الناقل للضمان إلى المشتري هو التمكن من القبض لا نفسه، وكذلك ظاهر مذهبه أن جواز (١) انظر: الإنصاف ٧٤/٥. (٢) في المطبوع: وأبي. وهو تصحيف. (٣) العبارة في المطبوع حُرّفت إلى: (ومالك وأحمد يجوزان التصرف فيه). ولا داعي لمثل هذا التغيير، ودائماً دون الإشارة إلى التغيير في الأصل !! ١٦٩٦ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية التصرف فيه ليس ملازماً للضمان ولا مبنياً عليه، ومن ظن ذلك من أصحابه فقد وهم، فإنه يجوز التصرف حيث يكون من ضمان البائع كما ذكرنا في الثمن ومنافع الإجارة، وبالعكس أيضاً كما في الصبرة المعينة(١). وقد نص الخرقي على هذا وهذا فقال في المختصر: وإذا وقع المبيع على مكيل أو موزون أو معدود فتلف قبل قبضه، فهو من مال البائع(٢). ثم قال: ومن اشترى ما يحتاج إلى قبضه (٢) لم يجز بيعه حتى يقبضه(٤). ثم قال: ومن اشترى صبرة طعام لم يبعها حتى ينقلها(٥). فالصبرة مضمونة على المشتري بالتمكن والتخلية اتفاقاً ومع هذا لا يبيعها حتى ينقلها(٦)، وهذا منصوص أحمد (٧). (١) وانظر أيضاً قواعد ابن رجب ص: ٧٤ -٧٥ القاعدة الثانية والخمسون، حيث قرر ذلك. (٢) انظر: مختصر الخرقي ٦/ ١٨١ مع المغني. (٣) في المطبوع: بيعه. وهو تحريف. (٤) مختصر الخرقي ١٨٨/٦ مع المغني. (٥) مختصر الخرقي ٦/ ٢٠١ مع المغني. (٦) في المطبوع: يقبضها. وهو تحريف. (٧) انظر: المغني ٦/ ٢٠٢. ١٦٩٧ كتاب البيوع والإجارات فالمأخذ الصحيح في المسألة أن النهي معلل بعدم تمام الاستيلاء وعدم انقطاع علاقة البائع عنه، فإنه يطمع في الفسخ والامتناع من الإقباض إذا رأى المشتري قد ربح فيه ويغره الربح وتضيق عينه منه، وربما أفضى إلى التحيل على الفسخ ولو ظلماً، وإلى الخصام والمعاداة والواقع شاهد بهذا. فمن محاسن الشريعة الكاملة الحكيمة منع المشتري من التصرف فيه حتى يتم استيلاؤه عليه، وتنقطع علق(١) البائع وينفطم عنه [١٩٢/ب]، فلا يطمع في الفسخ والامتناع من الإقباض، وهذا من المصالح التي لا يهملها الشارع، حتى إن من لا خبرة له من التجار بالشرع یتحری ذلك ويقصده، لما في ظنه من المصلحة وسد باب المفسدة. وهذه العلة أقوى من تینك العلتين، وعلى هذا فإذا باعه قبل قبضه من بائعه جاز على الصحيح لانتفاء هذه العلة. ومن علّل النهي بتوالي الضمانين يمنع بيعه من بائعه لوجود العلة فبيعه من بائعه يشبه الإقالة. والصحيح من القولين جواز الإقالة قبل القبض وإن قلنا هي بيع، وعلى هذا خرج حديث ابن عمر في الاستبدال بثمن المبيع والمصارفة عليه قبل قبضه، فإنه استبدال ومصارفة مع العاقد لا مع غيره. (١) في المطبوع: عن. وهو تصحيف. ١٦٩٨ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية باب في الرجل یبیع ما لیس عنده(١) ذكر حديث: ((لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع)) الحديث(٢)، ثم قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله: هذا الحديث أصل من أصول المعاملات وهو نص في تحريم الحيل الربوية وقد اشتمل على أربعة أحكام: الحكم الأول: تحريم الشرطين في البيع، وقد أشكل على أكثر الفقهاء معناه من حيث إن الشرطين إن كانا فاسدين، فالواحد حرام، فأي فائدة لذكر الشرطين وإن كانا صحيحين لم يحرما. فقال ابن المنذر: قال أحمد وإسحاق فيمن اشترى ثوباً واشترط على البائع خياطته وقِصَارته، أو طعاماً واشترط طحنه (١) سنن أبي داود ٧٦٩/٣-٧٧٥، الباب رقم: (٧٠). ومختصر سنن أبي داود للمنذري ١٤٤/٥ -١٤٥. (٢) هو حديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يحلّ سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم تضمن، ولا بيع ما ليس عندك)». وأخرجه الترمذي في جامعه ٥٣٥/٣-٥٣٦ في كتاب البيوع، ١٩ - باب ما جاء في کراهیة بیع ما ليس عندك، وقال: "حديث حسن صحيح". والنسائي في المجتبى ٧/ ٣٤٠ في كتاب البيوع، ٧١-سلف وبيع. وابن ماجه في سننه ٧٣٧/٢ -٧٣٨ في كتاب التجارات، ٢٠ - باب النهي عن بيع ما ليس عندك وعن ربح ما لم يضمن. مختصراً. وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ٢٩٩٢. ١٦٩٩ كتاب البيوع والإجارات وحمله: إن شرط أحد هذه الأشياء؛ فالبيع جائز، وإن شرط شرطين؛ فالبيع باطل(١). وبهذا فسره القاضي أبو يعلى وغيره(٢). وعن أحمد في تفسيره رواية ثانية حكاها الأثرم، وهو أن يشتريها على أن لا يبيعها من أحد ولا يطأها(٣). ففسره بالشرطين الفاسدين. وعنه رواية ثالثة حكاها إسماعيل بن سعيد الشالنجي عنه هو أن يقول: إذا بعتها فأنا أحق بها بالثمن، وأن تخدمني سنة (٤). ومضمون هذه الرواية أن الشرطين يتعلقان بالبائع، فيبقى له فيها علقتان علقة قبل التسليم وهي الخدمة، وعلقة بعد البيع وهي کونه أحق بها. فأما اشتراط الخدمة فيصح، وهو استثناء منفعة المبيع مدة، کاستثناء ركوب الدابة ونحوه(٥). وأما شرط كونه أحق بها بالثمن، فقال في رواية المروذي هو في (١) انظر: المغني ٣٢٢/٦. (٢) فسرّه بذلك القاضي في شرحه. كذا في المغني ٣٢٢/٦. (٣) انظر هذه الرواية في المغني ٣٢٢/٦. (٤) انظر هذه الرواية في المغني ٣٢٢/٦. (٥) انظر: المغني ١٦٦/٦، والفروع ٦٠/٤. ١٧٠٠ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية معنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم ((لا شرطان في بيع)» (١).(٢) يعني لأنه شرط أن يبيعه إياه وأن يكون البيع بالثمن الأول فهما شرطان في بيع. وروى عنه إسماعيل بن سعيد جواز هذا البيع (٢). وتأوله بعض أصحابنا على جوازه مع فساد الشرط، وحمل رواية المروذي على فساد الشرط وحده (٤). وهو تأويل بعيد ونص [١٩٣ / أ] أحمد يأباه. قال إسماعيل بن سعید: ذكرت لأحمد حديث ابن مسعود أنه قال: ((ابتعت من امرأتي زينب الثقفية جارية وشرطت لها إن(٥) بعتها فهي لها(٦) بالثمن الذي ابتعتها به، فذكرت ذلك لعمر فقال: لا تقربها ولأحد فيها شرط))(٧)، فقال أحمد: البيع جائز ولا (١) الحدیث سبق تخريجه. (٢) انظر: الروايتين والوجهين -المسائل الفقهية - ٣٥١/١، والمغني ٦/ ١٧١. (٣) انظر: المغني ٦/ ١٧١. (٤) انظر المغني ٦/ ١٧١. (٥) في الأصل: أني. والتصويب من المغني. (٦) في الأصل: لي. والتصويب من المغني. (٧) روى هذا الأثر: مالك في الموطأ ٦١٦/٢، وعبد الرزاق في المصنف ٥٦/٨، وسعيد بن منصور في سننه ٢/ ١٣٣، والبيهقي في السنن الكبرى ٣٣٦/٥. كلهم من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عبد الله =