Indexed OCR Text

Pages 1601-1620

١٦٠١
كتاب البيوع والإجارات
صلى الله عليه وسلم: ((من كانت له أرض فليزرعها أو ليحرثها
أخاه، وإلا فليدعها))(١).
وعنه قال: كنا في زمان [١٧٨ / أ] رسول الله صلى الله عليه
وسلم نأخذ الأرض بالثلث أو الربع بالماذيانات (٢)، فقام رسول الله
صلى الله عليه وسلم في ذلك فقال: ((من كانت له أرض فليزرعها،
فإن لم يزرعها فليمنحها أخاه، فإن لم يمنحها أخاه، فليمسكها))(٣).
وهذه الأحاديث متفق عليها وذهب إليها من أبطل المزارعة (٤).
=
القبطي، هكذا ضبطناه، وكذا ضبطه الجمهور، وهو المشهور ... وهو ما بقي
من الحبّ في السنبل بعد الدياس، ويُقال له: القُصارة. بضم القاف، وهذا
الاسم أشهر من القصري". ا. هـ.
(١) صحيح مسلم ٣/ ١١٧٧، في كتاب البيوع، ١٧ -باب کراء الأرض.
(٢) قال النووي في شرحه على صحيح مسلم ١٩٨/١٠: "هي مسايل المياه،
وقيل: ما ينبت على حافتي مسيل الماء. وقيل: ما ينبت حول السواقي، وهي
لفظة معربة وليست عربية".ا.هـ.
(٣) صحيح مسلم ٣/ ١١٧٧، في كتاب البيوع، ١٧ - باب كراء الأرض.
(٤) وهم بعض الفقهاء: عكرمة، ومجاهد والنخعي وأبو حنيفة، ورُوي عن ابن
عباس الأمران جميعاً.
انظر: المغني ٧/ ٥٥٥، والهداية ٤/ ٥٣-٥٤.
وعند الشافعية لا تجوز المزارعة على بياض لا شجر فيه.
انظر: المهذب ٣٩٣/١.

١٦٠٢
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وأما الذين صححوها، وهم فقهاء الحديث، كالإمام أحمد(١)،
والبخاري(٢)، وإسحاق(٣)، والليث بن سعد(٤)، وابن خزيمة(٥)، وابن
المنذر، وأبي داود(٦).
وهو قول: أبي يوسف، ومحمد (٧).
وهو قول: عمر بن عبد العزيز، والقاسم بن محمد، وعروة، وابن
سيرين، وسعيد بن المسيب، وطاووس، وعبد الرحمن بن الأسود، وموسى
بن طلحة، والزهري، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، ومحمد بن عبد الرحمن،
ومعاذ العنبري، وهو قول: الحسن، وعبد الرحمن بن يزيد(٨).
(١) انظر لمذهب الحنابلة: مسائل الكوسج مسألة رقم: ١٨٧٦، والمغني ٧/ ٥٥٥ - ٥٦١.
(٢) صحيح البخاري ١٣/٥-١٤ مع الفتح، في كتاب الحرث والمزارعة، ٨-باب
المزارعة بالشطر ونحوه.
(٣) انظر مسائل الكوسج المسألة رقم: ١٨٧٦.
(٤) سيأتي نص كلامه في الوجه الخامس من الأجوبة على حديث رافع.
(٥) انظر: معالم السنن للخطابي ٨١/٣، حيث قال: "وقد أنعم بيان هذا الباب
محمد بن إسحاق بن خزيمة وجوّزه، وصنف في المزارعة مسألة ذكر فيها علل
الأحاديث التي وردت فيها".
(٦) لم يظهر لي في كتاب السنن له أو في مسائل الإمام أحمد ص: ٢٠٠-٢٠١
شيء مما يدل على اختياره.
(٧) انظر لقولهما: الهداية ٥٣/٤-٥٤، والبحر الرائق ١٨١/٨.
(٨) انظر لأقوالهم في: مصنف عبد الرزاق ١٠٠/٨-١٠١، ومصنف ابن أبي شيبة
٣٧٧/٤-٣٧٩. وانظر ما سيأتي.
٠

١٦٠٣
كتاب البيوع والإجارات
قال البخاري في صحيحه: قال قيس بن مسلم عن أبي جعفر
ما بالمدينة أهل بيت هجرة إلا يزرعون على الثلث والربع(١).
قال البخاري: وزارع علي، وسعد (٢) بن مالك، وعبد الله بن
مسعود، وعمر بن عبد العزيز، والقاسم، وعروة، وآل أبي بكر، وآل
عمر، وآل علي، وابن سيرين. وعامل عمر الناس على: إن جاء
عمر بالبذر من عنده فله الشطر، وإن جاؤوا بالبذر(٣) ، فلهم كذا.
وقال الحسن: لا بأس أن تكون الأرض لأحدهما فيُنفقان(٤) جميعاً،
فما يخرج فهو بينهما، ورأى ذلك الزهري(6).
وحجتهم معاملة النبي صلى الله عليه وسلم أهل خيبر بشطر
ما يخرج منها من تمر أو زرع(٦)، وهذا متفق عليه بين الأمة.
(١) صحيح البخاري ١٣/٥ مع الفتح، في كتاب الحرث والمزارعة، ٨-باب
المزارعة بالشطر ونحوه.
(٢) في المطبوع: وسعيد. وهو تصحيف.
(٣) في المطبوع: هو بالبذر. وهي زيادة لا داعي لها.
(٤) في المطبوع: فيتفقان. وهو تصحيف.
(٥) صحيح البخاري ١٣/٥-١٤ مع الفتح، في كتاب الحرث والمزارعة، ٨-باب
المزارعة بالشطر ونحوه.
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه ١٤/٥ مع الفتح، في كتاب الحرث والمزارعة،
٨ -باب المزارعة بالشطر ونحوه.
ومسلم في صحيحه ١١٨٦/٣ في كتاب المساقاة، ١ - باب المساقاة والمعاملة
=

١٦٠٤
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
قال أبو جعفر: ((عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل
خيبر بشطر ما يخرج منها؛ من تمر، أو زرع، ثم أبو بكر، ثم عمر، ثم
عثمان، ثم علي، ثم أهلوهم إلى اليوم، يعطون الثلث والربع)) (١).
وهذا أمر صحيح مشهور، قد عمل به رسول الله صلى الله
عليه وسلم حتى مات، ثم خلفاؤه الراشدون من بعده حتى ماتوا،
ثم أهلوهم من بعدهم، ولم يبق بالمدينة أهل بيت حتى عملوا به،
وعمل به أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من بعده.
ومثل هذا يستحيل أن يكون منسوخاً؛ لاستمرار العمل به
من النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن قبضه الله، وكذلك استمرار
عمل خلفائه الراشدين به، فنسخ هذا من أمحل المحال.
وأما حديث رافع بن خديج(٢) فجوابه من وجوه:
أحدها: أنه حديث في غاية الاضطراب والتلون.
=
بجزء من الثمر والزرع.
كلاهما من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ٣٧٧/٤.
(٢) وهو حديثه في النهي عن كراء المزارع.
وقد أخرجه البخاري في صحيحه ٣١/٥ مع الفتح، في كتاب الحرث
والمزارعة، ١٩ - باب كراء الأرض بالذهب والفضة.
ومسلم في صحيحه ٣/ ١١٨٠ في كتاب البيوع، ١٧ - باب كراء الأرض.

١٦٠٥
كتاب البيوع والإجارات
قال الإمام أحمد: حديث رافع بن خديج ألوان(١). وقال
أيضاً: حديث رافع ضروب(٢).
الثاني: أن الصحابة أنکروہ علی رافع، قال زيد بن ثابت
-وقد حكي له حديث رافع -: أنا أعلم بذلك منه، وإنما سمع النبي
صلى الله عليه وسلم رجلين [١٧٨/ ب] قد اقتتلا، فقال: ((إن كان
هذا شأنكم فلا تكروا المزارع»، وقد تقدم(٣).
وفي البخاري عن عمرو بن دينار قال: قلت لطاووس لو
تركت المخابرة فإنهم يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى
عنها ، قال: إنّ أَعْلَمهم -يعني ابن عباس- أخبرني أن النبي صلى
الله عليه وسلم لم ينه عنه، ولكن قال: ((أن يمنح أحدكم أخاه(٤) ،
(١) مسائل أبي داود ص: ٢٠٠.
(٢) انظر: المغني ٧/ ٥٥٨.
(٣) عند أبي داود في سننه ٦٨٣/٣-٦٨٤ في كتاب البيوع والإجارات، ٣١ - باب
في المزارعة.
ورواه النسائي في المجتبى ٧/ ٦١-٦٢ في كتاب الأيمان، ٤٥ -ذكر الأحاديث
المختلفة في النهي عن كراء الأرض بالثلث والربع ... .
وابن ماجه في سننه ٢/ ٨٢٢ في كتاب الرهون، ١٠ -باب ما يكره من الزراعة.
وضعفه الشيخ الألباني في ضعيف سنن أبي داود برقم: ٧٣٦.
(٤) في المطبوع: أخاه أرضه. وهي من الزيادات !!

١٦٠٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
خيرٌ له من أن يأخذ عليها خراجاً معلوماً))(١).
فإن قيل: إن كان قد أنكره بعض الصحابة عليه، فقد أقره
ابن عمر ورجع إلیه(٢).
فالجواب: أن ابن عمر رضي الله عنهما لم يحرم المزارعة، ولم
يذهب إلى حدیث رافع، وإنما كان شديد الورع، فلما بلغه حديث
رافع، خشي أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدث في
المزارعة شيئاً لم يكن علمه، فتركها لذلك.
وقد جاء هذا مصرحاً به في الصحيحين: أن ابن عمر إنما
تركها لذلك، ولم يحرمها على الناس (٣).
الثالث: أن في بعض ألفاظ حديث رافع ما لا يقول به أحد،
وهو: النهي عن كراء المزارع على الإطلاق(٤).
(١) صحيح البخاري ١٨/٥ مع الفتح، في كتاب الحرث والمزارعة، ١٠ - باب.
ورواه مسلم في صحيحه ١١٨٤/٣ في كتاب البيوع، ٢١- باب الأرض تمنح.
(٢) سيأتي تخريجه.
(٣) صحيح البخاري ٢٨/٥ مع الفتح، في كتاب الحرث والمزارعة، ١٨ - باب ما كان من
أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يواسي بعضهم بعضاً في الزراعة والثمر.
وصحيح مسلم ١١٨١/٣ في کتاب البيوع، ١٧ -باب کراء الأرض.
(٤) صحيح مسلم ٣/ ١١٨٠ في كتاب البيوع، ١٧ -باب كراء الأرض. عن عبيد
الله بن نافع قال: "ذهبت مع ابن عمر إلى رافع بن خديج حتى أتاه بالبلاط،
فأخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن كراء المزارع".

١٦٠٧
كتاب البيوع والإجارات
ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه عن كرائها
مطلقاً، فدلّ على أنه غير محفوظ.
الرابع: أنه تارة يحدثه عن بعض عمومته(١)، وتارة عن
سماعه(٢)، وتارة عن ظهير بن رافع (٣)، (٤) مع اضطراب ألفاظه،
فمرة يقول: ((نهى عن الجعل)) (٥)، ومرة يقول: ((عن كراء
الأرض)» (٦)، ومرة يقول: ((لا يكاريها بثلث ولا ربع ولا طعام
مسمى))(٧)، كما تقدم ذكر ألفاظه.
وإذا كان حديث (٨) هكذا؛ وجب تركه، والرجوع إلى
(١) صحيح مسلم ٣/ ١١٨٠ في كتاب البيوع، ١٧ - باب كراء الأرض.
وأخرجه البخاري في صحيحه ٣١/٥ مع الفتح، في كتاب الحرث والمزارعة،
١٩ - باب كراء الأرض بالذهب والفضة. قال: "حدثني عماي".
(٢) صحيح مسلم ٣/ ١١٨٢ في كتاب البيوع، ١٧ - باب كراء الأرض.
(٣) في المطبوع: رافع بن ظهير. وهو خطأ.
(٤) صحيح البخاري ٢٧/٥ مع الفتح، في كتاب الحرث والمزارعة، ١٨ -باب ما كان من
أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يواسي بعضهم بعضاً في الزارعة والثمر.
وصحيح مسلم ١١٨٢/٣ في کتاب البيوع، ١٧ - باب کراء الأرض.
(٥) لم أجده.
(٦) وقد سبق تخريجه.
(٧) صحيح مسلم ٣/ ١١٨١ في كتاب البيوع، ١٧ - باب كراء الأرض.
(٨) في المطبوع: شأن الحديث. بزيادة "شأن"، دون داعٍ.

١٦٠٨
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
المستفيض المعلوم من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم
وأصحابه من بعده، الذي لم يضطرب ولم يختلف.
الخامس: أن من تأمل حديث رافع وجمع طرقه، واعتبر
بعضها ببعض، وحمل مجملها على مفسرها، ومطلقها على مقيدها،
علم أن الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك أمر بيّن
الفساد، وهو المزارعة الظالمة الجائرة، فإنه قال: ((كنا نكري الأرض على
أن لنا هذه، ولهم هذه، فربما أخرجت هذه، ولم تخرج هذه))(١).
وفي لفظ له: ((كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله
صلى الله عليه وسلم بما على الماذيانات، وإقبال الجداول، أو أشياء
من الزرع» (٢)، كما تقدم.
وقوله: ((ولم يكن للناس کراء إلا هذا، فلذلك زجر عنه،
وأما شيء معلوم مضمون فلا بأس))(٣).
وهذا من أبين ما في حديث رافع وأصحه، وما فيها مجمل أو
(١) صحيح مسلم ٣/ ١١٨٣، في كتاب البيوع، ١٩ - باب كراء الأرض بالذهب ....
والورق.
(٢) صحيح مسلم ١١٨٣/٣، في كتاب البيوع، ١٩ -باب کراء الأرض بالذهب
والورق.
(٣) صحيح مسلم ١١٨٣/٣، في كتاب البيوع، ١٩ -باب كراء الأرض بالذهب
والورق.

١٦٠٩
كتاب البيوع والإجارات
مطلق، أو مختصر، فيُحمل على هذا المُفَسّر المبيّن [١٧٩ / أ] المتفق
عليه لفظاً وحكماً.
قال الليث بن سعد: الذي نهى عنه رسول الله صلى الله
عليه وسلم أمر إذا نظر ذو البصيرة بالحلال والحرام؛ علم أنه لا
. (١)
يجوز
.
وقال ابن المنذر: قد جاءت الأخبار عن رافع، بعلل تدل
على أن النهي كان لتلك العلل(٢).
فلا تعارض إذن بين حديث رافع، وأحاديث الجواز بوجه.
السادس: أنه لو قدر معارضة حديث رافع لأحاديث الجواز،
وامتنع الجمع بينها، لكان منسوخاً قطعاً بلا ريب، لأنه لا بد من
نسخ أحد الخبرين، ويستحيل نسخ أحاديث الجواز لاستمرار العمل
بها من النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن توفي، واستمرار عمل
الخلفاء الراشدين، وهذا أمر معلوم عند من له خبرة بالنقل، كما
تقدم ذكره، فیتعین نسخ حديث رافع.
السابع: أن الأحاديث إذا اختلفت عن النبي صلى الله عليه
وسلم فإنه ينظر إلى ما عمل به أصحابه من بعده، وقد تقدم ذكر
عمل الخلفاء الراشدين، وأهلهم، وغيرهم من الصحابة بالمزارعة.
(١) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ١١٧/٣٠.
(٢) انظر: المغني ٥٥٨/٧.

١٦١٠
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
الثامن: أن الذي في حديث رافع إنما هو النهي عن كرائها
بالثلث أو الربع، لا عن المزارعة، وليس هذا بمخالف لجواز
المزارعة، فإن الإجارة شيء، والمزارعة شيء.
فالمزارعة من جنس الشركة يستويان في الغُنم والغُرم، فهي
كالمضاربة بخلاف الإجارة، فإن المؤجر على يقين من المغنم، وهو:
الأجرة، والمستأجر على رجاء، ولهذا كان أحد القولين
للمجوزين (١) المزارعة: أنها أحل من الإجارة، وأولى بالجواز، لأنهما
على سواء في الغنم والغرم، فهي أقرب إلى العدل(٢).
فإذا استأجرها بثلث أو ربع؛ كانت هذه إجارة لازمة، وذلك
لا يجوز.
ولكن المنصوص عن الإمام أحمد: جواز ذلك(٣).
واختلف أصحابه على ثلاثة أقوال في نصه:
فقالت طائفة: يصح ذلك بلفظ المؤاجرة، ويكون مزارعة،
فيصح بلفظ الإجارة، كما يصح بلفظ المزارعة.
قالوا: والعبرة في العقود بمعانيها وحقائقها، لا بصيغها
وألفاظها. قالوا: فتصح مزارعة، ولا تصح إجارة.
(١) هكذا في الأصل، ولعل الصواب: لجوزي.
(٢) انظر في هذا المعنى: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ١١٤/٣٠.
(٣) انظر: الهداية ١٧٨/١ -١٧٩، والمغني ٧/ ٥٧٢، ومجموع الفتاوى ١١١/٣٠.

١٦١١
كتاب البيوع والإجارات
وهذه طريقة الشيخ أبي محمد(١). (٢)
الثاني: أنها لا تصح إجارة ولا مزارعة.
أما الإجارة فلأن من شرطها كون العوض فيها معلوماً
متميزاً معروف الجنس والقدر، وهذا منتف في الثلث والربع.
وأما المزارعة: فلأنهما لم يعقدا عقد مزارعة، إنما عقدا
عقد إجارة.
وهذه طريقة أبي الخطاب(٣).
الثالث: أنها تصح [١٧٩ / ب] مؤاجرة ومزراعة.
وهي طريقة القاضي وأكثر أصحابه (٤).
(١) في المطبوع: أبي محمد المقدسي. بزيادة "المقدسي"، وهو وإن كان صواباً إلا أنه
تغيير لما في الأصل، ولكن يُبيّن ذلك في الحاشية. والمقصود به ابن قدامة
صاحب كتاب المغني.
(٢) اختار هذا ابن قدامة في المقنع.
انظر: المقنع مع الإنصاف ٤٦٧/٥-٣٦٨.
وهو اختيار أبي الخطاب في الهداية.
انظر: الهداية ١٧٩/١.
(٣) ووافقه على ذلك ابن قدامة في المغني.
انظر: المغني ٧/ ٥٧٢، ومجموع الفتاوى ١١١/٣٠، والإنصاف ٤٦٨/٥.
(٤) وتكون إجارة، وهو الصحيح من المذهب.
انظر: المغني ٧/ ٥٧٢، ومجموع الفتاوى ١١١/٣٠، والإنصاف ٤٦٨/٥.

١٦١٢
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
فحديث رافع إما أن يكون النهي فيه عن الإجارة دون المزارعة،
أو عن المزارعة التي كانوا يعتادونها، وهي التي فسرها في حديثه.
وأما المزارعة التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه
وخلفاؤه من بعده، فلم يتناولها النھي بحال.
التاسع: أن ما في المزارعة من الحاجة إليها والمصلحة وقيام أمر
الناس(١)، يمنع من تحريمها والنهي عنها؛ لأن أصحاب الأرض كثيراً ما
يعجزون عن زرعها، ولا يقدرون عليه، والعمال والأكرة يحتاجون إلى
الزرع ولا أرض لهم، ولا قوام لهؤلاء، ولا لهؤلاء، إلا بالزرع.
فكان من حكمة الشرع ورحمته بالأمة وشفقته عليها، ونظره
لهم أن جوز لهذا أن يدفع أرضه لمن يعمل عليها، ويشتركان في
الزرع: هذا بعمله، وهذا بمنفعة أرضه، وما رزقه الله فهو بينهما،
وهذا في غاية العدل والحكمة والرحمة والمصلحة.
وما كان هكذا؛ فإن الشّارع لا يحرّمه ولا ينهى عنه، لعموم
مصلحته وشدة الحاجة إليه، كما في المضاربة والمساقاة، بل الحاجة
في المزارعة آكد منها في المضاربة، لشدة الحاجة إلى الزرع إذ هو
القوت، والأرض لا ينتفع بها إلا بالعمل عليها، بخلاف المال.
فإن قيل: فالشارع نهى عنها مع هذه المنفعة التي فيها، ولهذا
(١) في المطبوع: الناس عليها. بزيادة "عليها". وكالعادة دون داع، ودون إشارة.

١٦١٣
كتاب البيوع والإجارات
قال رافع: ((نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر كان لنا
نافعاً))(١).
فالجواب: أن الشارع لا ينهي عن المنافع والمصالح، وإنما
ينهى عن المفاسد والمضار، وهم ظنوا أن(٢) ذلك المنهي عنه منفعة،
وإنما هو (٣) مضرة ومفسدة مقتضية للنهي.
وما تخيلوه من المنفعة فهي منفعة جزئية لرب الأرض،
لاختصاصه بخيار الزرع، وما سعد منه بالماء، وما على أقبال الجداول،
فهذا وإن كانت منفعة له، فهو مضرة على المزارع، فهو من جنس منفعة
المرابي بما يأخذه من الزيادة، وإن كان مضرة على الآخر.
والشارع لا يبيح منفعة هذا بمضرة أخيه، فجواب رافع أن هذا
وإن كان منفعة لكم، فهو مضرة على إخوانكم، فلهذا نهاكم عنه.
وأما المزارعة العادلة التي يستوي فيها العامل ورب الأرض،
فهي منفعة لهما، ولا مضرة فيها على أحد، فلم ينه عنها.
فالذي نهى عنه مشتمل على مضرة ومفسدة راجحة في
ضمنها منفعة مرجوحة جزئية.
(١) سبق تخريجه في حدیث رافع، وهذا القول هو لعمّه، وليس له.
(٢) في المطبوع زيادة بعد "أن": [قد كان لهم في ].
(٣) في المطبوع مكان "هو": [كان فيه عليهم ].
وهذا كلّه تغيير لما في المخطوط دون داعٍ ودون إشارة.

١٦١٤
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
والذي فعله صلى الله عليه وسلم وأصحابه [١٨٠/ أ] من
هذه مصلحة ومنفعة راجحة، لا مضرة فيها على واحد منهما.
فالتسوية بين هذا وهذا تسوية بين متباينين، لا يستويان عند
الله، ولا عند رسوله صلى الله عليه وسلم(١).
وکذلك الجواب عن حديث جابر سواء.
وقد تقدم في بعض طرقه أنهم كانوا يختصون بأشياء من
الزرع، من القصري ومن كذا ومن كذا. فقال صلى الله عليه وسلم:
((من كان له أرض فليزرعها أو ليخبرنها(٢) أخاه))(٣).
فهذا مُفسّر مبيّن ذكر فيه سبب النهي، وأطلق في غيره من
الألفاظ، فينصرف مطلقها إلى هذا المقيد المبين، ويدل على هذا أنه هو
المراد بالنهي.
واتفقت السنن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتألفت
وزال عنها الاضطراب والاختلاف، وبان أن لكل فيها وجهاً، وأن ما
نهى عنه غير ما أباحه وفعله، وهذا هو الواجب والواقع في نفس
الأمر، والحمد لله رب العالمين.
(١) في المطبوع زيادة بعد "رسوله": [ ولا عند الناس]. ولا أدري لماذا هذه الزيادة؟!
(٢) من المخابرة. كذا في الأصل.
والذي في صحيح مسلم: "فليُخْرثها".
(٣) صحيح مسلم ٣/ ١١٧٧ في كتاب البيوع، ١٧ - باب كراء الأرض.

١٦١٥
كتاب البيوع والإجارات
باب من زرع أرضاً بغير إذن صاحبها(١)
ذكر حديث الباب(٢) وتضعيفه(٣)، ثم قال الحافظ شمس
(١) سنن أبي داود ٦٩٢/٣-٦٩٣، الباب رقم: (٣٣). وترجمته الباب في: "باب
في زرع الأرض بغير إذن صاحبها".
(٢) وهو حديث شريك عن أبي إسحاق عن عطاء عن رافع بن خديج قال: قال
رسول الله صلی الله علیه وسلم: «من زرع في أرض قوم بغیر إذنهم، فليس
له من الزرع شيء، وله نفقته)».
وأخرجه الترمذي في جامعه ٦٤٨/٣ في كتاب الأحكام، ٢٩ - باب ما جاء
فيمن زرع في أرض قوم بغير إذنهم. وقال: "حديث حسن غريب لا نعرفه إلا
من حديث أبي إسحاق، إلا من هذا الوجه من حديث شريك بن عبد الله".
وقال: "سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: هو حديث حسن.
وقال: لا أعرفه من حديث أبي إسحاق إلا من رواية شريك".
وابن ماجه في سننه ٨٢٤/٢ في کتاب الرهون، ١٣-باب من زرع في أرض
قوم بغیر إذنهم.
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ٢٩٠٤.
(٣) مختصر سنن أبي داود للمنذري ٦٥/٥، حيث ذكر كلام الترمذي السابق
على الحديث ثم قال: "وقال الخطابي: هذا الحديث لا يثبت عند أهل المعرفة
بالحديث. وحدثني الحسن بن يحيى عن موسى بن هارون الحمال: أنه كان
ينكر هذا الحديث ويضعفه، ويقول: لم يروه عن أبي إسحاق غير شريك، ولا
رواه عن عطاء غير أبي إسحاق. وعطاء لم يسمع من رافع بن خديج شيئاً.
وضعفه البخاري أيضاً وقال: تفرد بذلك شريك عن أبي إسحاق. وشريك
یهم کثیراً أو أحياناً.
=

١٦١٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
الدين بن القيم رحمه الله: وليس مع من ضعف الحديث حجة، فإن
رواته محتج بهم في الصحیح، وهم أشهر من أن يسأل عن توثيقهم.
وقد حسنه إمام المحدثين أبو عبد الله البخاري، والترمذي
بعده، وذكره أبو داود ولم يضعفه، فهو حسن عنده، واحتج به
الإمام أحمد (١) وأبو عبيد(٢).
وقد تقدم شاهده من حديث رافع بن خديج في قصة الذي
زرع في أرض ظهير(٣) ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحاب
الأرض أن يأخذوا الزرع، ويردوا عليه نفقته، وقال فيه لأصحاب
الأرض «خذوا زرعكم» (٤).
=
وقال الخطابي أيضاً: وحكى ابن المنذر عن أبي داود قال: سمعت أحمد بن
حنبل يُسأل عن حديث رافع بن خديج فقال: عن رافع ألوان، ولكن أبا
إسحاق زاد فيه: ((زرع بغير إذنه))، وليس غيره يذكر هذا الحرف".ا. هـ كلام
المنذري.
(١) في مسائل أبي داود ص: ٢٠٠، قال: "سمعت أحمد سئل عن حديث رافع،
قال: عن رافع ألوان، ولكن ابن إسحاق زاد فيه: ((زرع بغير إذنه))، وليس
غيره يذكر الحرف. قال أحمد: وإذا كان غصب فحكمه حديث رافع" ا.هـ
(٢) في کتاب الأموال له ص: ٢٩٩ -٣٠٠.
(٣) في الأصل: "ظهر". وعُلّق عليه: لعله "ظهير".
والتصويب من سنن أبي داود والنسائي.
(٤) أخرجه أبو داود في سننه ٦٩١/٣ في كتاب البيوع والإجارات، ٣٣-باب في
=

١٦١٧
كتاب البيوع والإجارات
فجعله زرعاً لهم؛ لأنه تولد من منفعة أرضهم، فتولده في
الأرض کتولد الجنين في بطن أمه.
ولو غصب رجل فحلاً فنزا على ناقته، أو رمكته (١)، لكان
الولد لصاحب الأنثى دون صاحب الفحل، لأنه إنما يكون حيواناً
من أجزائها(٢)، ومني الأب لما لم يكن له قيمة أهدره الشارع، لأن
عسب الفحل لا يقابل بالعوض. ولما كان البذر مالاً متقوماً، رد
على صاحبه قیمته، ولم يذهب عليه باطلاً.
وجعل الزرع لمن یکون في أرضه، کما يكون الولد لمن يكون في
بطن أمّه ورمکته وناقته، فهذا محض القیاس، لو لم يأت فيه حديث،
فمثل هذا الحديث الحسن الذي له شاهد من السنة على مثله، وقد تأيد
بالقياس الصحيح من حجج الشريعة، وبالله التوفيق.
=
التشديد في ذلك.
والنسائي في المجتبى ٤٩/٧-٥٠ في كتاب الأيمان، ٤٥ -ذكر الأحاديث
المختلفة في النهي عن كراء الأرض بالثلث والربع ... .
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ٢٩٠٢.
(١) الرَّمكة: الفرس والبردونةُ التي تُتخذ للنسل.
لسان العرب ٤٣٤/١٠.
(٢) في المطبوع: حرثها. وهو تحريف.

١٦١٨
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
ثم ذكر الباب الذي بعده (١)، حديث النهي عن
المخابرة(٢).
ثم قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله: المخابرة التي
نهاهم عنها رسول الله صلى الله [١٨٠/ ب] عليه وسلم: هو الذي
كانوا يفعلونه من المخابرة الظالمة(٣) الجائرة، وهي التي جاءت مفسرة
في أحاديثهم، ومطلق النهي إنما ينصرف إليها، دون ما فعله هو
وخلفاؤه من بعده وأصحابه، كما بيناه(٤).
(١) سنن أبي داود ٦٩٣/٣-٦٩٤، الباب رقم: (٣٤). وهو: "باب في المخابرة".
ومختصر سنن أبي داود للمنذري ٦٥/٥-٦٦.
(٢) هو حديث جابر بن عبد الله قال: ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن
المحاقلة والمزابنة والمخابرة والمعلومة، وعن الثنيا، ورخّص في العرايا)).
وأخرجه مسلم في صحيحه ٣/ ١١٧٥ في كتاب البيوع، ١٦ -باب النهي عن
المحاقلة والمزابنة ... .
وابن ماجه مختصراً في سننه ٧٦٢/٢ في كتاب التجارات، ٥٤- باب المزابنة
والمحاقلة.
(٣) في الأصل: المظالمة. وهو سهو من الناسخ.
(٤) في الباب رقم: (٣٢).

١٦١٩
كتاب البيوع والإجارات
باب المساقاة(١)
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
قالت الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم : («أقسم بيننا وبين
إخواننا النخيل؟ قال: لا. فقالوا: تكفونا المؤنة، ونشرككم في
الثمرة، قالوا: سمعنا وأطعنا))(٢).
(١) سنن أبي داود ٦٩٥/٣ - ٦٩٩.
ومختصر سنن أبي داود للمنذري ٦٧/٥ - ٦٩.
وليس كلام ابن القيم على حديث بعينه، وإنما هو استدراك حديث في الباب.
(٢) صحيح البخاري ١١/٥ مع الفتح، في كتاب الحرث والمزارعة، ٥-باب إذا
قال اكفني مؤونة النخل ... .

١٦٢٠
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
باب في العبد یباع وله مال(١)
ذكر حديث ابن عمر (٢) إلى قوله: بقصة النخل (٣).(٤)
(١) سنن أبي داود ٧١٣/٣- ٧١٥، الباب رقم: (٤٤).
(٢) هو حديث الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«من باع عبداً وله مال، فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع، ومن باع نخلاً مؤبراً
فالثمرة للبائع إلا أن يشترط المبتاع».
وأخرجه البخاري في صحيحه ٥/ ٦٠ مع الفتح، في كتاب الشرب والمساقاة،
١٧ - باب الرجل يكون له ممر أو شرب في حائط أو نخل ....
ومسلم في صحيحه ٣/ ١١٧٣ كتاب البيوع، ١٥ - باب من باع نخلاً عليها ثمر.
والترمذي في جامعه ٥٤٦/٣ في كتاب البيوع، ٢٥- باب ما جاء في ابتياع
النخل بعد التأبیر ... ، وقال: "حديث حسن صحيح".
والنسائي في المجتبى ٧/ ٣٤٢ كتاب البيوع، ٧٦ - العبد يباع ويستثني المشتري ماله.
وابن ماجه في سننه ٧٤٦/٢ في كتاب التجارات، ٣١- باب ما جاء فيمن باع نخلاً
مؤبراً أو عبداً له مال.
(٣) قوله: "بقصة النخل"، هو حديث نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: ((من باع نخلاً قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع».
أخرجه البخاري في صحيحه ٣٦٩/٥-٣٧٠ مع الفتح، في كتاب الشروط،
٢ -باب إذا باع نخلاً قد أبرت.
ومسلم في صحيحه ١١٧٢/٣ كتاب البيوع، ١٥ - باب من باع نخلاً عليها ثمر.
وأبو داود في سننه ٧١٦/٣، في هذا الباب.
وابن ماجه في سننه ٧٤٥/٢ كتاب التجارات، ٣١ -باب ما جاء فيمن باع نخلاً مؤبراً.
(٤) انظر: مختصر المنذري ٧٨/٥ -٨٠ حيث ذكر حديث الزهري عن سالم عن
=