Indexed OCR Text

Pages 1341-1360

١٣٤١
كتاب الجهاد
ومعلوم أن إذن الشرع أقوى من إذن المالك، فما أذن فيه
الشرع؛ أَحَلُّ مما أُذِنَ فيه المالك، ولهذا كانت الغنائم من أحل
المكاسب وأطيبها، ومال الولد بالنسبة إلى الأب من أطيب المكاسب
وإن لم يأذن الولد (١).
وأيضاً: فإنه من المستحيل أن يأذن النبي صلى الله عليه وسلم
فيما حرمه الله ومنع منه، فَعُلم أن الآية لا تتناول محل النزاع أصلاً.
وبهذا خرج الجواب عن الدليل الثاني، وهو كونه(٢) مال
يتيم مع أن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً﴾(٣)
يدل على أنه إنما يستحق الوعيد من أكلها أكلاً غير مأذون فيه
شرعاً، فأما ما أذن فيه الشارع منها؛ فلا يتناوله الوعيد.
ولهذا كان للفقير أن يأكل منها أقل الأمرين من حاجته، أو
قدر عمله، لمّا إ(٤) يكن ذلك ظلماً؛ لإذن الشارع فيه.
وهذا هو بعينه الجواب عن قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن
دماءكم وأموالكم عليكم حرام))، فإن التحريم إنما (٥) يتناول مالم
(١) في المطبوع: له الولد.
(٢) في المطبوع: "وهو كونه مثل". بزيادة: "مثل"، وهي زيادة لا داعي لها.
(٣) سورة النساء، الآية رقم: ١٠.
(٤) في المطبوع: (ولم)، مكان: (لما لم).
(٥) ساقطة من المطبوع.

١٣٤٢
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
يقع فيه الإذن من الشارع، ولا المالك(١)، وأما ما أذن فيه منه (٢)
فلیس بحرام.
ولهذا يُنتزع منه الشقص المشفوع (٣) بغير رضاه؛ لإذن الشارع(٤).
ويُنتزع منه ما تدعو إليه ضرورة من طعام أو شراب، إما
مجاناً على أحد القولين، أو بالمعاوضة على القول الآخر.
(١) في المطبوع: ولا من المالك.
(٢) في المطبوع مكانها: منهما أو من أحدهما.
وهو تحريف وزيادة لا داعي لها.
(٣) في المطبوع: المشفوع فيه.
(٤) جاء ذلك في حديث جابر بن عبد الله قال: ((قضى النبي صلى الله عليه وسلم
بالشفعة في كلّ ما لم يُقسم».
أخرجه: البخاري في صحيحه ٥٠٩/٤ مع الفتح، في كتاب الشفعة، ١- باب
الشفعة فيما لم يُقسم ....
وروى جابر أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الجار أحق بشفعة
جاره، يُنتظر بها وإن كان غائباً، إذا كان طريقهما واحداً)).
أخرجه: أبو داود في سننه ٣/ ٧٨٧-٧٨٩ في كتاب البيوع والإجارات، ٧٥-
باب في الشفعة.
والترمذي في جامعه ٦٥١/٣ في كتاب الأحكام، ٣٢ - باب ما جاء في الشفعة
للغائب. وقال: "حديث غريب".
وابن ماجه في سننه ٢/ ٨٣٣ في كتاب الشفعة، ٢ - باب الشفعة بالجوار.
والحديث صححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ٣٠٠٤.

١٣٤٣
كتاب الجهاد
ويُكره على إخراج ماله لأداء ما عليه من الحقوق.
وغير ذلك.
وهذه الصور وأمثالها ليست مستثناة من هذه النصوص، بل
النصوص لم تتناولها ولا أريدت بها قطعاً.
وأما حديث ابن عمر: ((لا يَحلبنّ أحدُكم ماشية أخيه بغير
إذنه))، فحدیث صحیح، متفق على صحته.
وقد اختلفت الرواية عن الإمام أحمد في جواز احتلاب
الماشية للشرب، ولا خلاف في مذهبه أنه لا يجوز احتلابها لغيره(١)،
وهو كالخبنة في الثمار(٢).
فمنعه في إحدى الروايتين أخذاً [١٥٠/أ] بحديث ابن عمر،
وجوّزه في الأخرى أخذاً بحديث سمرة.
ومن رجّح المنع قال: حديث ابن عمر أصح؛ فإن حديث
سمرة من رواية الحسن عنه وهو مختلف في سماعه منه.
وأما حديث ابن عمر فمن رواية الليث وغيره عن نافع عنه،
ولا ريب في صحته.
قالوا: والفرق بينه وبين الثمرة أن اللبن مخزون في الضرع،
(١) أي لغير الشرب.
(٢) انظر: المغني لابن قدامة ٣٣٦/١٣، والإنصاف ٣٧٩/١٠.

١٣٤٤
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
كخزن الأموال في خزانتها.
ولهذا شبهها النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وأخبر أن
استخراجها من الضروع كاستخراج الأموال من الخزائن بكسرها.
وهذا بخلاف الثمرة؛ فإنها ظاهرة بادية في الشجرة غير مخزونة،
فإذا صارت إلى الخزانة حرم الأكل منها إلا بإذن المالك.
قالوا وأيضاً: فالشهوة تشتد إلى الثمار عند طيبها، لأن
العيون تراها والنفوس شديدة الميل إليها، ولهذا جوّز النبي صلى الله
عليه وسلم فيها المزابنة في خمسة أوسق أو دونها في العرايا لما شكوا
إليه شهوتهم لها (١)، وأنه لا ثمن بأيديهم(٢).
بخلاف اللبن؛ فإنه لا يُرى، ولا تشتد الشهوة له(٣) كاشتدادها
إلى الثمار.
(١) في المطبوع: إليها.
(٢) روى أبو هريرة: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم رخّص في بيع العرايا في
خمسة أوسق أو دون خمسة أوسق)).
رواه البخاري في صحيحه ٤ /٤٥٢ مع الفتح في كتاب البيوع، ٨٣- باب بيع
الثمر على رؤوس النخل، بالذهب أو الفضة.
ومسلم في صحيحه ١١٧١/٣ في كتاب البيوع، ١٤ - باب تحريم بيع الرطب
بالتمر إلا في العرایا.
(٣) في المطبوع: إليه.

١٣٤٥
كتاب الجهاد
قالوا: وأيضاً فالثمار لا صُنع فيها للآدمي بحال، بل هي
خلق الله سبحانه لم تتولد من كسب آدمي ولا فعله.
بخلاف اللبن فإنه يتولد من عين مال المالك، وهو العلف،
وإن كانت سائمة فلا بدّ من قيامه عليها ورعيه إياها، ومراعاته(١)
لها كل وقت.
وهذا وإن كان في الثمار، إلا أنه بالنسبة إلى الماشية قليل
جداً، فإنه لا يحتاج أن يقوم على الشجر كل يوم، فمؤنتها أقل من
مؤنة الماشية بكثير، فهي بالمباحات أشبه من ألبان المواشي.
إلا أن اختصاص أربابها بأرضها وشجرها أخرجها عن
حكم المباحات المشتركة التي يسوغ أكلها ونقلها، فعُمل الشبه في
الأكل الذي لا يجحف بالمالك دون النقل المضر له.
فهذه الفروق إن صحت بطل إلحاق الثمار بها في المنع، وكان
المصير إلى حديث المنع في اللبن أولى.
وإن كانت غير مؤثرة ولا فرق بين البابين، كانت الإباحة
شاملة لهما، وحينئذ فيكون حديث النهي متناولاً للمحتلب غير
الشارب، بل محتلبه (٢) كالمتخذ خبنة من الثمار، وحديث الإباحة
(١) في المطبوع مكان (ومراعاته): "ولا بد من إعالته". وهو تحريف للأصل !!!
(٢) في الأصل: يحتلبه. والمثبت موافق للسياق.

١٣٤٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
متناول للمحتلب الشارب فقط دون غيره.
ويدل على هذا التفريق قوله صلى الله عليه وسلم في حديث
سمرة ((فليحتلب وليشرب، ولا يحمل)»، فلو احتلب للحمل؛ كان
حراماً عليه، فهذا هو الاحتلاب المنهي عنه في حديث ابن عمر،
والله أعلم.
ويدل عليه أيضاً أن في حديث المنع ما يُشعر بأن النهي إنما
هو عن نقل اللبن دون شربه [١٥٠/ ب]، فإنه قال: (( أيحب أحدكم
أن تؤتى مشربته فيكسر باب خزانته فيُنتقل طعامه»(١).
ومما يدل على الجواز، حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن
جده أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الثمر المعلق فقال:
((من أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خبنة؛ فلا شيء عليه».
وهو من رواية محمد بن عجلان عن عمرو، ومحمد بن
عجلان احتج به مسلم، والحديث حسن أخرجه أهل السنن(٢).
فإن قيل: فهذا دليل على جواز أكل المحتاج، ونحن نقول: له
أن يأكل عند الضرورة، وعليه القيمة، وقوله: ((لا شيء عليه))، هو
نفي للعقوبة لا للغرم.
(١) وقد سبق تخريجه.
(٢) وقد سبق تخريجه.

١٣٤٧
كتاب الجهاد
فالجواب: أن هذا الحديث روي بوجهین:
أحدهما: ((وإن أكل بفيه ولم يأخذ، فيتخذ خبنة فليس عليه
(١)
شيء))(١).
وهذا صريح في أن الأكل لا شيء عليه، وإنما يجب الضمان
على من اتخذ خبنة. ولهذا جعلهما قسمين.
واللفظ الثاني: قوله «ومن أصاب بفيه من ذي حاجة، غیر
متخذ خبنة؛ فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه، فعليه غرامة
مثليه والعقوبة))(٢).
وهذا صريح في أن الأكل منه لحاجة لا شيء عليه، وأن
الضمان إنما يجب على المخرج منه غير ما أكله.
والمنازعون لا يفرقون، بل يوجبون الضمان على الآكل
والمخرج معاً، ولا يفرقون فيه بين المحتاج وغيره.
وهذا جمع بين ما فرق الرسول صلى الله عليه وسلم بينه،
والنص صريح في إبطاله؛ فالحديث حجة على اللفظين معاً.
فإن قيل: فالجوزون لا يخصون الإباحة بحال الحاجة، بل
يجوزون الأكل للمحتاج وغيره، فقد جمعوا بين ما فرق الشارع بينه.
(١) رواه البيهقي في السنن الكبرى ٣٥٩/٩.
(٢) هو ما أخرجه أهل السنن، وقد سبق تخريجه.

١٣٤٨
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
قيل: الحاجة المسوغة للأكل أعم من الضرورة، والحكم
معلق بها، ولا ذكر للضرورة فيه، وإنما الجواز دائر مع الحاجة.
وهو نظير تعليق بيع العرايا بالحاجة، فإنها الحاجة إلى أكل
الرطب، ولا تعتبر الضرورة اتفاقاً فكذلك هنا.
وعلى هذا فاللفظ قد خرج مخرج الغالب، وما كان كذلك
فلا مفهوم له اتفاقاً.
ومما يدل على الجواز أيضاً حديث رافع بن عمرو الذي ذكره
أبو داود في الكتاب وقد صححه الترمذي(١).
ولا يصح حمله على المضطر لثلاثة أوجه:
(١) هو حديث رافع بن عمرو الغفاري قال: كنت غلاماً أرمي نخل الأنصار،
فأتي بي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((يا غلام لم ترمي النخل؟)) قال:
آكل. قال: ((فلا ترم النخل وكُلْ مما يسقط في أسفلها)) ثم مسح رأسه فقال:
«اللهم أشبع بطنه».
أخرجه أبو داود في سننه ٩٠/٣-٩١ في كتاب الجهاد، ٩٤ -باب من قال إنه
يأكل مما سقط - واللفظ له.
والترمذي في جامعه ٥٨٤/٣ في كتاب البيوع، ٥٤- باب ما جاء في الرخصة
في أكل الثمرة للمّار بها. وقال: حسن غريب.
وابن ماجه في سننه ٢/ ٧٧١ في كتاب التجارات، ٦٧ - باب من مرّ على ماشية
قوم أو حائط هل يصيب منه؟.
وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود برقم: ٥٦٤.

١٣٤٩
كتاب الجهاد
أحدها: أن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق له الأكل، ولم
يقل: "كل إذا اضطررت، واترك عند زوال الضرورة" كما قال تعالى في
الميتة، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم للذي سأله عن ركوب
هديه ((اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها، حتى تجد ظهراً))(١).
الثاني: أنه لو كانت الإباحة إنما هي لأجل الضرورة فقط،
لثبت البدل في [١٥١ / أ] ذمته كسائر الأموال، والنبي صلى الله عليه
وسلم لم يأمره ببدل، وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع.
الثالث: أن لفظ الحديث في كتاب أبي داود ليس فيه
للضرورة ذكر، فإنه قال: (( يا غلام لِمَ ترمي النخل؟))، قال: آكل،
فقال: (( لا ترم النخل، وكل ما يسقط(٢)))(٣).
فأخبره أنه يرميها للأكل لا للحمل، فأباح له أكل (٤)
المتساقط(٥) ومنعه من الرمي لما فيه من كثرة الأذى.
ورواه الترمذي ولفظه قال: « يا رافع لم ترمي نخلهم؟ قال:
٠٠
(١) أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ٩٦١ في كتاب الحج، ٦٥ -باب جواز ركوب
البدنة المهداة لمن احتاج إليها. من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
(٢) في المطبوع: سقط.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) ساقطة من المطبوع.
(٥) في المطبوع: الساقط.

١٣٥٠
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
قلت يا رسول الله الجوع، قال: لا ترم، وكل ما وقع، أشبعك الله)).
فهذا اللفظ ليس معارضاً للأول. وكلاهما يدل على إباحة
الأكل، وأن الإباحة عند الجوع أولى.
ومما يدل على الجواز أيضاً: حديث عباد بن شرحبيل، وقد
ذكره أبو داود في الباب، وهو صحيح الإسناد(١).
والاستدلال به في غاية الظهور.
وقد تكلّف بعض الناس رده بأنه لم يُحدّث به إلا (٢) عن أبي
(١) هو حديث عباد بن شرحبيل، قال: أصابتني سَنَة، فدخلت حائطاً من حيطان
المدينة، ففركت سنبلاً فأكلت وحملت في ثوبي، فجاء صاحبه فضربني وأخذ
ثوبي، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: «ما علّمت إذ كان
جاهلاً، ولا أطعمت إذ كان جائعاً))، أو قال: ((ساغباً))، وأمره فردّ عليّ ثوبي،
وأعطاني وسقاً أو نصف وسق من طعام.
أخرجه أبو داود في سننه ٨٩/٣-٩٠ في كتاب الجهاد، ٩٣ -باب في ابن
السبيل يأكل من التمر ويشرب من اللبن إذا مرّ به. وهذا لفظه.
والنسائي في المجتبى ٦٣١/٨ في كتاب آداب القضاة، ٢١-الاستعداء.
وأخرجه ابن ماجة في سننه ٢/ ٧٧٠ -٧٧١ في كتاب التجارات، ٦٧ -باب من
مرّ على ماشية قوم أو حائط هل يصيب منه؟.
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ٢٢٨١.
(٢) كلمة: "إلا" مكتوبة في الحاشية، دون علامة الإلحاق، إلا أن السياق يقتضيها
في هذا الموضع، والله أعلم.

١٣٥١
كتاب الجهاد
بشر جعفر بن إياس.
وهذا تكلّف بارد، فإن أبا بشر هذا من الحفاظ الثقات الذي
لم تغمز قناتهم.
وتكلّف آخرون ما هو أبعد من هذا، فقالوا: الحديث رواه
ابن ماجه والنسائي، ولفظه: (( فأقره النبي صلى الله عليه وسلم فرد
إليه ثوبه، وأمر له بوسق من طعام)) (١).
قالوا: فالمأمور له بالوسق هو الأنصاري صاحب الحائط،
وكان هذا تعويضاً من النبي صلى الله عليه وسلم له عن سنبله.
وهذا تناكدّ(٢) بيّن، فإنّ المأمور له بالوسق إنما هو آكل
السنبل عبّاد بن شرحبيل، والسياق لا يدل إلا عليه، والنبي صلى
الله عليه وسلم ردّ إليه ثوبه وأطعمه وسقاً.
ولفظ أبي داود صريح في ذلك فإنه قال: ((فرد علي ثوبي
وأعطاني وسقاً))(٣).
ومما يدل على الجواز أيضاً: ما رواه الترمذي حدثنا ابن أبي
الشوارب حدثنا يحيى بن سُليم عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن
(١) سبق تخريجه آنفاً. إلا أنه جاء في المطبوع من سنن النسائي: ((فأمر لي)).
(٢) في المطبوع: "خطأ". وهو خطأ وتحريف لا داعي له.
(٣) سبق تخريجه.

١٣٥٢
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من دخل حائطاً
فليأكل ولا يتخذ خبنة))(١).
وهذا الحديث وإن كان معلولاً: قال الترمذي في كتاب العلل
الكبير له: سألت محمداً عن هذا الحديث، فقال: يحيى بن سليم
يروي أحاديث عن عبيد الله يهم فيها.(٢) تم كلامه.
وقال يحيى بن معين: هذا الحديث غلط.
وقال أبو حاتم الرازي: يحيى بن سليم هذا محله الصدق،
وليس بالحافظ ولا يحتج به(٣).
وقال النسائي: ليس به بأس، وهو منكر الحديث عن عبيد الله
(٤) (٥)
ابن عمر(4).1
(١) جامع الترمذي ٥٨٣/٣ في كتاب البيوع، ٥٤- باب ما جاء في الرخصة في
أكل الثمرة للمار بها. وقال: حديث غريب، لا نعرفه من هذا الوجه إلا من
حدیث یحیی بن سُلیم.
وأخرجه ابن ماجه في سننه ٧٧٢/٢ في كتاب التجارات، ٦٧ -باب من مرّ
على ماشية قوم أو حائط هل يصيب منه؟
والحديث صححه الألباني في صحيح سنن الترمذي برقم: ١٠٣٤.
(٢) علل الترمذي الكبير ٥١٦/١.
(٣) انظر: الجرح والتعديل ٩/ ١٥٦.
(٤) في الأصل: عمرو، وهو خطأ.
(٥) انظر: لسان الميزان ٧/ ٤٣٢، وتهذيب التهذيب ١٩٨/١١.

١٣٥٣
كتاب الجهاد
ولكن لو حاكمنا منازعينا من الفقهاء إلى أصولهم، لكان هذا
الحديث حجة على قولهم؛ لأن يحيى بن سُليم من رجال
الصحيحين، وهو لو انفرد بلفظة أو رفع أو اتصال خالفه غيره فیه،
لحكموا له ولم يلتفتوا إلى من خالفه، [١٥١/ ب] ولو كان أوثق
وأکثر فکیف إذا روی ما لم يُخالف فيه بل له أصول ونظائر؟!
ولكنا لا نرضى بهذه الطريقة فالحديث عندنا معلول وإنما
سقناه اعتباراً لا اعتماداً. والله أعلم
فإن قيل: فما تصنعون بالحديث الذي رواه أبو عبيد
القاسم (١) في الغريب عن ابن جريج عن عطاء قال: (( رخص
رسول الله صلى الله عليه وسلم للجائع المضطر إذا مر بالحائط أن
يأكل منه، ولا يتخذ خبنة)) (٢).
وهذا التقييد يبيّن المراد من سائر الأحاديث.
قيل: هذا من المراسيل التي لا يُحتج بها، فضلاً عن أن
يُعارض بها المسندات الصحيحة.
ثم ولو كان حجة؛ فهو لا يخالف ما ذكرنا من الأحاديث،
بل منطوقه يوافقنا، ومفهومه يدل على أن غير المضطر، يخالف
(١) في المطبوع: "أبو عبيد القاسم بن سلام". وهي زيادة لا داعي لها !!
(٢) غريب الحديث لأبي عبيد ١٦٠/٤ طبع مجمع اللغة العربية-مصر.

١٣٥٤
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
المضطر في ذلك، وهذا حق والمفهوم لا عموم له، بل فيه تفصيل.
ومما يدل على الجواز(١) حديث أبي سعيد وقد تقدم،
وإسناده على شرط مسلم (٢).
ورواه ابن حبان في صحيحه(٣).
وأما تعليل البيهقي له بأن سعيداً الجريري تفرد به وكان قد
اختلط في آخر عمره، والذي رواه عنه يزيد بن هارون وإنما روى
عنه بعض الاختلاط فجوابه من وجهين:
أحدهما: أن حماد بن سلمة قد تابع يزيد بن هارون على
روايته، ذكره البيهقي أيضاً(٤). وسماع حماد منه قديم(٥).
الثاني: أن هذا إنما يكون علة إذا كان الراوي ممن لا يميّز
حديث الشيخ صحيحه من سقيمه، وأما يزيد بن هارون وأمثاله إذا
رووا عن رجل قد وقع في حديثه بعض الاختلاط، فإنهم يميزون
(١) في المطبوع: الجواز أيضاً.
(٢) وسبق تخريجه.
(٣) صحيح ابن حبان ٨٧/١٢ مع الإحسان.
(٤) سنن البيهقي الكبرى ٩/ ٣٦٠.
ورواه الإمام أحمد في مسنده ٣/ ٧.
(٥) انظر: الجوهر النقي ٣٦٠/٩ بحاشية السنن الكبرى للبيهقي، والكواكب
النيرات ص: ٤١.
٠

١٣٥٥
كتاب الجهاد
حديثه وينتقونه.
هذا مع أن حديثه موافق لأحاديث الباب، كحديث(١)
سمرة، ورافع بن عمرو، وعبد الله بن عمرو، وعباد بن شرحبيل،
وهذا يدل على أنه محفوظ وأن له أصلاً.
ولهذا صححه ابن حبان وغيره.
(١) في المطبوع: كأحاديث.

١٣٥٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
باب الطاعة(١)
ذكر حديث: (( لو دخلوا فيها ما خرجوا منها))(٢).
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله: وقد استشكل
قوله صلى الله عليه وسلم: ((ما خرجوا منها أبداً))، و((لم يزالوا
فيها))، مع كونهم لو فعلوا ذلك، لم يفعلوه إلا ظناً منهم أنه من
الطاعة الواجبة عليهم، وكانوا متأولين.
والجواب عن هذا: أن دخولهم إياها معصية في نفس الأمر،
(١) سنن أبي داود ٩٢/٣-٩٣، الباب رقم: (٩٦). وترجمة الباب فيه: باب في
الطاعة. ومختصر سنن أبي داود للمنذري ٤٢٨/٣. عند الحديث الآتي.
(٢) هو حديث علي رضي الله عنه: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث
جيشاً، وأمّر عليهم رجلاً، وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا، فأجّج ناراً وأمرهم أن
يقتحموا فيها، فأبى قوم أن يدخلوها، وقالوا: إنما فررنا من النار، وأراد قوم أن
يدخلوها، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لو دخلوها أو دخلوا فيها
لم يزالوا فيها، وقال: لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف)).
وأخرجه البخاري في صحيحه ٧/ ٦٥٥ مع الفتح في کتاب المغازي، ٥٩-باب
سرية عبد الله بن حذافة السهمي.
ومسلم في صحيحه ١٤٦٩/٣ في كتاب الإمارة، ٨-باب وجوب طاعة
الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية.
والنسائي في المجتبى ١٧٩/٧ في كتاب البيعة، ٣٤-جزاء من أمر بمعصية
فأطاع.

١٣٥٧
كتاب الجهاد
وكان الواجب عليهم أن لايبادروا، ويتثبتوا (١) حتى يعلموا هل ذلك
طاعة لله ورسوله أم لا؟ فأقدموا على الهجوم والاقتحام من غير تثبت
ولا نظر، فكان (٢) عقوبتهم أنهم لم يزالوا فيها. [١٥٢/أ]
وقوله: ((أبداً)) لا يعطي خلودهم في نار جهنم؛ فإن الإخبار
إنما هو عن نار الدنيا، والأبد كثيراً ما يراد به أبد الدنيا، قال تعالى في
حق اليهود: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً﴾(٣).
وقد أخبر عن الكفار أنهم يتمنون الموت في النار، ويسألون
ربهم أن يقضي عليهم (٤).(6)
(٤) (٥)
وقد جاء في بعض الروايات أن هذا الرجل كان مازحاً،
وكان معروفاً بكثرة المزاح (٦).
(١) في المطبوع: وأن يتثبتوا.
(٢) في المطبوع: فكانت.
(٣) سورة البقرة الآية رقم: ٩٥.
(٤) في المطبوع: "عليهم بالموت". بزيادة "بالموت".
(٥) وذلك في قوله تعالى: ﴿وَنَّادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧].
(٦) جاء كونه مازحاً في حديث أبي سعيد الخدري، لا حديث علي.
أخرجه: ابن ماجه في سننه ٢/ ٩٥٥ - ٩٥٦ في كتاب الجهاد، ٤٠ - باب لا طاعة
في معصية الله.
وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه برقم: ٢٣١٢.

١٣٥٨
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
والمعروف أنهم أغضبوه حتى فعل ذلك(١).
وفي الحديث دليل على (٢) عقوبة (٣) من أطاع ولاة الأمر في
معصية الله(٤)، وأن ذلك لا يمهد له عذراً عند الله، بل إثم المعصية
لاحق له، وإن كان لولا الأمر لم يرتكبها، وعلى هذا يدل هذا
الحدیث وهو وجهه، وبالله التوفيق.
(١) وهو المتفق عليه من حديث علي. وقد سبق تخريجه.
(٢) في المطبوع: على أن.
(٣) ساقطة من المطبوع.
(٤) في المطبوع: "معصية الله كان عاصياً". فتكون العبارة في المطبوع: "وفي الحديث
دليل على أن من أطاع ولاة الأمر في معصية الله كان عاصياً".
وهو تحریف لما في الأصل غريب عجيب، وشتان بين العبارتين. فلا أدري ما
الداعي إلى مثل هذه التحريفات؟ !!.

١٣٥٩
كتاب الجهاد
باب على مَ يقاتل(١)
ذكر حديث: ((فأمر لهم بنصف العقل)) (٢).
ثم قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه الله: قال بعض
أهل العلم: إنما أمر لهم بنصف العقل بعد علمه بإسلامهم، لأنهم
قد أعانوا على أنفسهم بمقامهم بين ظهراني الكفار، فكانوا كمن
هلك بجناية نفسه وجناية غيره.
وهذا حسن جداً.
(١) هذا الباب هو الباب رقم: (١٠٤) في سنن أبي داود ١٠١/٣-١٠٤. وترجمة
الباب فيه: باب على ما يُقاتل المشركون؟
إلا أن الحديث الذي تكلم عليه ابن القيم، إنما هو موجود في المطبوع من
نسخة السنن ١٠٤/٣-١٠٥ في الباب رقم: (١٠٥)، وترجمته: باب النهي عن
قتل من اعتصم بالسجود.
ومختصر سنن أبي داود للمنذري ٤٣٦/٣.
(٢) هو حديث جرير بن عبد الله قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى
خثعم، فاعتصم ناس منهم بالسجود، فأسرع فيهم القتل، قال: فبلغ ذلك النبي
صلى الله عليه وسلم فأمر لهم بنصف العقل، وقال: ((أنا بريء من كل مسلم يقيم
بين أظهر المشركين)). قالوا: يا رسول الله، لم؟ قال: ((لا تراءى ناراهما».
وأخرجه الترمذي في جامعه ١٣٢/٤-١٣٣ في كتاب السير، ٤٢ - باب ما جاء
في كراهية المقام بين أظهر المشركين. ورجح إرساله. ونقله عن البخاري.
وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود رقم ٢٣٠٤: "صحيح دون جملة العقل".

١٣٦٠
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وقوله: ((لا تترايا ناراهما)) ذكر المنذري فيه أقوالاً(١).
قال الحافظ شمس الدين: والذي يظهر من معنى الحديث أن
النار هي شعار القوم النزول(٢) وعلامتهم، وهي تدعو إليهم،
والطارق يأنس بها فإذا أتم بها جاور أهلها وسالمهم.
فنار المشركين تدعو إلى الشيطان وإلى نار الآخرة فإنها إنما توقد في
معصية الله، ونار المؤمنين تدعو إلى الله وإلى طاعته وإعزاز دينه.
فکیف تتفق الناران وهذان شأنهما؟!
وهذا من أفصح الكلام وأجزله، المشتمل على المعنى الكثير
الجليل بأوجز عبارة.
وقد روى النسائي من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن
جده قال: ((قلت: يا رسول الله ما أتيتك حتى حلفت أكثر من
(١) لا توجد هذه الأقوال في المطبوع من مختصر سنن أبي داود، والتي كان من
المفترض وجودها في ٣/ ٤٣٨.
وقد ذكر الخطابي في معالم السنن ٢٣٥/٢-٢٣٦ ثلاثة أقوال:
الأول: معناه لا یستوي حکماهما.
الثاني: معناه: أن الله قد فرّق بين داري الإسلام والكفر، فلا يجوز لمسلم أن
یساکن الكفار في بلادهم.
الثالث: معناه لا يتّسم بسيمة المشرك، ولا يتشبه به في هديه وشكله، والعرب
تقول: "ما نار بعیرك"، أي ما سمته.
(٢) في المطبوع: عند النزول.