Indexed OCR Text
Pages 1241-1260
١٢٤١ كتاب الصيام صوم العشر(١) قال مذيلاً: وفي مسند أحمد (٢) وسنن النسائي(٣) عن حفصة (١) سنن أبي داود ٨١٥/٢، الباب رقم: (٦١)، وترجمة الباب فيه: باب في صوم العشر. ومختصر سنن أبي داود للمنذري ٣٢٠/٣-٣٢١. ذكر أبو داود في هذا الباب: -حديث هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر: أول اثنين من الشهر والخميس)). وأخرجه النسائي في المجتبى ٥٢٠/٤ في كتاب الصيام، ٧٠ -صوم النبي صلى الله عليه وسلم. والحديث صححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ٢١٢٩. -حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام» یعني أيام العشر، قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ((ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء)). وأخرجه البخاري في صحيحه ٢/ ٥٣٠ مع الفتح في کتاب العیدین، ١١ - باب فضل العمل في أيام التشريق. وابن ماجه في سننه ١/ ٥٥٠ في كتاب الصيام، ٣٩ -باب صيام العشر. (٢) مسند أحمد ٢٨٧/٦. (٣) المجتبى للنسائي ٥٣٨/٤ في كتاب الصيام، ٨٣-کیف یصوم ثلاثة أيام من كل شهر. وضعفه الألباني في ضعيف سنن النسائي برقم: ١٤١. ١٢٤٢ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية قالت: ((أربع لم يكن يدعهن رسول الله صلى الله عليه وسلم صيام عاشوراء، والعشر، وثلاثة أيام من كل شهر، والركعتين قبل الغداة». وفي مسند أحمد أيضاً عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من أيام أعظم عند الله، ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد(١))). (١) مسند أحمد ٢/ ٧٥. ١٢٤٣ كتاب الصيام في صوم عرفة بعرفة(١) قال بعد ذكر حديث الباب: وقد ورد في النهي عن صيام يوم عرفة بعرفة آثار: منها ما رواه النسائي عن عمرو بن دينار عن عطاء عن عبيد بن عمیر قال: كان عمر ينهى عن صوم يوم عرفة (٢).(٣) [١٣٩/ ب] ومنها ما رواه أيضاً عن أبي السوار قال: سألت ابن عمر عن صوم يوم عرفة؟ فنهاني (٤). والمراد بذلك بعرفة؛ بدليل ما روى نافع قال: سئل ابن عمر عن صوم يوم عرفة بعرفة فقال: لم يصمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان(٥). (١) سنن أبي داود ٨١٦/٢، الباب رقم: (٦٣). وترجمة الباب فيه: باب في صوم يوم عرفة بعرفة. ومختصر سنن أبي داود ٣٢١/٣. عند حدیث عکرمه قال: کنا عند أبي هريرة في بيته، فحدثنا «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم يوم عرفة بعرفه)). وأخرجه: ابن ماجه في سننه ١/ ٥٥١ في كتاب الصيام، ٤٠ - باب صيام يوم عرفة. وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود برقم: ٥٢٨. (٢) في المطبوع: عرفة بعرفة. وهو تصرف من الطابع لا داعي له. (٣) السنن الكبرى للنسائي ٢/ ١٥٤. (٤) السنن الكبرى للنسائي ٢/ ١٥٤. (٥) أخرجه النسائي في السنن الكبرى ١٥٤/٢، وأحمد في المسند ٢/ ٧٢، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٧٢/٢. ١٢٤٤ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية وعن عطاء قال: دعا عبدُ الله بن عباس الفضل بن عباس يوم عرفة إلى الطعام، فقال: إني صائم، فقال عبد الله: لا تصم؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرب إليه حلاب فيه لبن يوم عرفة؛ فشرب منه فلا تصم، فإن الناس يستنوون بكم. رواهما النسائي(١). ثم قال(٢): وقد أخرجا في الصحيحين من حديث كريب عن ميمونة بنت الحارث أنها قالت: ((إن الناس شكوا في صيام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة، فأرسلت إليه - يعني ميمونة- بحلاب اللبن(٣) وهو واقف في الموقف، فشرب منه والناس (١) السنن الكبرى ١٥٤/٢. ورواه أحمد في مسنده ٣٢١/١، ٣٦٧، وعبد الرزاق في مصنفه ٢٨٣/٤. (٢) بعد الحديث الآخر الذي أخرجه أبو داود في سننه ٢/ ٨١٧، وهو حديث أم الفضل بنت الحارث أن ناساً تماروا عندها يوم عرفة في صوم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم. فأرسلت إليه بقدح لبن وهو واقف على بعيره بعرفة فشرب. وأخرجه البخاري في صحيحه ٥٩٥/٣ مع الفتح في کتاب الحج، ٨٥-باب صوم يوم عرفة. ومسلم في صحيحه ٧٩١/٢ في كتاب الصيام، ١٨ -باب استحباب الفطر للحاج يوم عرفة. (٣) في المطبوع: لبن. وهو تغيير للأصل لا داعي له، إذ هي هكذا في صحيح مسلم: "اللبن". ١٢٤٥ كتاب الصيام ينظرون))(١). فقيل: يحتمل أن تكون ميمونة أرسلت، وأم الفضل أرسلت، كل منهما بقدح، ويحتمل أن يكونا مجتمعين، فإنها أختها، فاتفقتا على الإرسال بقدح واحد، فنسب (٢) إلى هذه وإلى هذه. فقد صحّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أفطر بعرفة، وصح عنه أن صيامه يكفر سنتين(٣). فالصواب أن الأفضل لأهل الآفاق صومه، ولأهل عرفة فطره؛ لاختياره صلى الله عليه وسلم ذلك لنفسه، وعمل خلفائه بعده بالفطر، وفيه قوة على الدعاء الذي هو أفضل دعاء العبد، وفيه أن يوم عرفة عيد لأهل عرفة، فلا يستحب لهم صيامه. وبعض الناس يختار الصوم. (١) صحيح البخاري ٣٧٨/٤ مع الفتح في كتاب الصوم، ٦٥ - باب صوم يوم عرفة. وصحيح مسلم ٢/ ٧٩١ في كتاب الصيام، ١٨ - باب استحباب الفطر للحاج يوم عرفة. (٢) في المطبوع: فينسب. (٣) أخرج مسلم في صحيحه ٨١٨/٢-٨١٩ في كتاب الصيام، ٣٦ -باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر ... ، من حديث أبي قتادة وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: ((صيام يوم عرفة، أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله، والسنة التي بعده)). ١٢٤٦ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية وبعضهم(١) الفطر (٢). وبعضهم يفرق بين من يضعفه ومن لا يضعفه، وهو اختيار قتادة(٣). ۔ والصيام اختيار ابن الزبير وعائشة (٤). وقال عطاء: أصومه في الشتاء ولا أصومه في الصيف(٥). وكان بعض السلف لا يأمر به، ولا ينهي عنه، ويقول: من شاء صام ومن شاء أفطر. (١) في المطبوع: وبعضهم يختار. (٢) وهو قول أكثر أهل العلم. انظر: المغني لابن قدامة ٤٤٤/٤. (٣) ذكره عنه ابن قدامة في المغني ٤/ ٤٤٤. وروى عنه عبد الرزاق في المصنف ٢٨٤/٤ أنه قال: لا بأس بصيام يوم عرفة. (٤) رواه عنهما: ابن أبي شيبة في مصنفه ٣٤١/٢ و١٩٦/٣، ١٩٧. (٥) رواه عبد الرزاق في مصنفه ٢٨٤/٤. ١٢٤٧ كتاب الصيام (١) ما روي أن عاشوراء اليوم التاسع قال الحافظ المنذري: اختلف في معناه، وهو يحتمل معنيين: أحدهما: نقل صيام عاشوراء إلى التاسع لأجل مخالفة أهل الكتاب. وهذا مقتضى المنقول عن ابن عباس. (١) سنن أبي داود ٨١٨/٢ - ٨٢٠، الباب رقم: (٦٥). وترجمة الباب فيه: باب ما روي أن عاشوراء اليوم التاسع. وذكر أبو داود في هذا الباب حدیثین: -حديث عبد الله بن عباس يقول: حين صام النبي صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمرنا بصيامه قالوا: يا رسول الله، إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فإذا كان العام المقبل، صُمنا يوم التاسع)). فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ٧٩٧ -٧٩٨ في كتاب الصيام، ٢٠ - باب أيّ یوم یصام في عاشوراء. -حديث الحكم بن الأعرج قال: أتيت ابن عباس وهو متوسد رداءه في المسجد الحرام، فسألته عن صوم يوم عاشوراء، فقال: إذا رأيت هلال المحرم فاعدد، فإذا كان يوم التاسع فأصبح صائماً. فقلت: كذا كان محمد صلى الله عليه وسلم يصوم؟ فقال: كذلك كان محمد صلى الله عليه وسلم يصوم. وأخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ٧٩٧ في كتاب الصيام، ٢٠ - باب أي يوم يصام في عاشوراء. والترمذي في جامعه ١٢٨/٣ في كتاب الصوم، ٥٠- باب ما جاء في عاشوراء أي يوم هو. ١٢٤٨ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية وقيل: معناه أن يصوم التاسع معه لتحصل المخالفة، فتوفي عليه الصلاة والسلام، ولم يبيّن مراده فكان الاحتياط صوم التاسع (١) والعاشر (١). قال الشيخ الحافظ المذيل: والصحيح أن المراد صوم التاسع مع العاشر لا نقل اليوم، لما روى أحمد في [١٤٠ / أ] مسنده من حديث ابن عباس يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((خالفوا اليهود، صوموا يوما قبله أو(٢) يوماً بعده))(٣). وقال عطاء عن ابن عباس: ((صوموا التاسع والعاشر وخالفوا اليهود))، ذكره البيهقي (٤). وهذا(6) يبيّن أن قول ابن عباس: ((إذا رأيت هلال المحرم فاعدد، فإذا كان يوم التاسع فأصبح صائماً))، أنه ليس المراد به (١) كلام المنذري هذا غير موجود في المطبوع. والذي كان من المفترض أن يكون في ٣٢٤/٣-٣٢٥. (٢) في الأصل: "و". والتصويب من مسند الإمام أحمد. (٣) مسند أحمد ٢٤١/١. وصححه ابن خزيمة فأخرجه في صحيحه ٢٩٠/٣-٢٩١. وضعفه الألباني في تعليقه على صحيح ابن خزيمة مرفوعاً، وصححه موقوفاً. (٤) رواه البيهقي في السنن الكبرى ٢٨٧/٤ من طريق عبد الرزاق، وهو عنده في المصنف ٤/ ٢٨٧. (٥) في المطبوع: وهو. ١٢٤٩ كتاب الصيام أن عاشوراء هو التاسع؛ بل أمره أن يصوم اليوم التاسع قبل عاشوراء. فإن قيل: ففي آخر الحديث: ((قيل: كذلك كان يصومه محمد صلى الله عليه وسلم، قال: نعم)). فدلّ على أنّ المراد به نقل الصوم، لا صوم يوم قبله. قيل: قد صرّح ابن عباس بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لئن بقيت إلى قابل؛ لأصومن التاسع))، فدل على أن الذي كان يصومه هو العاشر، وابن عباس راوي الحديثين معاً. فقوله: ((هكذا كان يصومه محمد صلى الله عليه وسلم))، أراد به والله أعلم، قوله: ((لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع)). فلما (١) عزم عليه وأخبر أنه يصومه إن بقي، قال ابن عباس: «هكذا كان يصومه)). وصدق رضي الله عنه هكذا كان يصومه لو بقي، فتوافقت الروايات عن ابن عباس، وعُلم أن المخالفة المشار إليها ترك إفراده، بل يُصام يوم قبله، ويوم(٢) بعده. ويدلّ عليه أن في رواية الإمام أحمد قال رسول الله صلى الله (١) ساقطة من المطبوع. (٢) لعل الصواب: "أو يوم". والله أعلم. ١٢٥٠ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية عليه وسلم: ((لئن بقيت إلى قابل، لأصومن التاسع -يعني لصوم عاشوراء - وخالفوا اليهود،؛ فصوموا قبله يوماً، وبعده يوماً))(١). فَذِكْرُ هذا عقب قوله: ((لأصومن التاسع))، يبين مراده، وبالله التوفيق. (١) لم أقف عليه هكذا. وفي مسند أحمد ٢٤١/١ جاء بلفظ: ((صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا فيه اليهود، صوموا قبله يوماً، أو بعده يوماً)). وصححه ابن خزيمة بإخراجه له في صحيحه ٣/ ٢٩٠-٢٩١. إلا أن الألباني ضعفه في تعليقه على صحيح ابن خزيمة. ١٢٥١ كتاب الصيام باب في فضل صومه(١) ذكر حديث ((صمتم يومكم هذا؟! قالوا: لا. قال: ((فأتموا بقية يومكم واقضوه))(٢). قال الشيخ شمس الدين: قال عبد الحق: ولا يصح هذا الحديث في القضاء (٣). قال: ولفظة: ((اقضوه)) تفرد بها أبو داود، ولم يذكرها النسائي(٤). قال: واختلف الناس في يوم عاشوراء، هل كان صومه واجباً أو تطوعاً؟ - فقالت طائفة: كان واجباً. وهذا قول أصحاب(٥) أبي حنيفة(٦)، وروي عن أحمد(٧). (١) سنن أبي داود ٢/ ٨٢٠، الباب رقم: (٦٦). والمقصود صوم عاشوراء. ومختصر سنن أبي داود للمنذري ٣٢٥/٣. (٢) هو حديث عبد الرحمن بن مسلمة عن عمه أن أسلم أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: فذكره. وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود برقم: ٥٢٩. (٣) إلى هنا ينتهي كلام عبد الحق في الأحكام الوسطى ٢٤٥/٢. (٤) السنن الكبرى للنسائي ١٦٠/٢. (٥) ساقطة من المطبوع. (٦) انظر لمذهب الحنفية: شرح معاني الآثار ٧٣/٢-٧٤، والبحر الرائق ٢٧٩/٢ .. (٧) انظر لهذه الرواية عن الإمام أحمد: المغني ٤٤٢/٤، والإنصاف ٣٤٦/٣. ١٢٥٢ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية - وقال أصحاب الشافعي: لم يكن واجباً، وإنما كان تطوعاً (١). واختاره القاضي أبو يعلى، وقال: هو قياس المذهب(٢). واحتج هؤلاء بثلاث حجج: أحدها: ما أخرجا في الصحيحين عن حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية بن أبي سفيان خطيباً بالمدينة - يعني في قدمة قدمها خطبهم يوم عاشوراء - فقال: أين علماؤكم يا أهل المدينة؟ سمعت [١٤٠/ ب] رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لهذا اليوم: ((هذا يوم عاشوراء ولم يكتب الله عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن أحب منكم أن يصوم؛ فليصم، ومن أحب منكم أن يفطر؛ فليفطر))(٣). الحجة الثانية: ما في الصحيحين أيضاً عن سلمة بن الأكوع قال: ((بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من أسلم يوم (١) انظر لمذهب الشافعية: اختلاف الحديث للشافعي ص: ١٠٣، وفتح الباري لابن حجر ٤ /١٢٤. (٢) وهذا ما عليه المذهب الحنبلي. انظر: المغني ٤٤١/٤-٤٤٢، والإنصاف ٣٤٦/٣. (٣) صحيح البخاري ٤/ ٢٨٧ مع الفتح، في كتاب الصوم، ٦٩ - باب صيام يوم عاشوراء. وصحيح مسلم ٢/ ٧٩٥ في كتاب الصيام، ١٩ - باب صوم يوم عاشوراء. ١٢٥٣ كتاب الصيام عاشوراء، فأمره أن يؤذن في الناس: من كان لم يصم فليصم)) (١). قالوا: فهذا أمر بإنشاء الصيام من (٢) النهار، وهذا لا يجوز إلا في التطوع؛ وأما الصيام الواجب فلا يصح إلا بنية قبل الفجر. الحجة الثالثة: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر المفطرين فيه إذ ذاك بالقضاء. واحتج الأولون بحجج: أحدها: ما خرجا في الصحيحين عن عائشة قالت: كانت قريش تصوم عاشوراء في الجاهلية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه، فلما هاجر إلى المدينة صامه، وأمر بصيامه، فلما فرض شهر رمضان قال: ((من شاء صامه، ومن شاء تركه))(٣). في صحيح البخاري عن ابن عمر قال: ((صام النبي صلى الله عليه وسلم عاشوراء، وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان تُرك))(٤). (١) صحيح البخاري ٢٨٨/٤ مع الفتح في كتاب الصوم، ٦٩ - باب صيام يوم عاشوراء. وصحيح مسلم ٧٩٨/٢ في كتاب الصيام، ٢١- باب من أكل في عاشوراء فلیکف بقية يومه. (٢) في المطبوع: أثناء. (٣) صحيح البخاري ٢٨٧/٤ مع الفتح، كتاب الصوم، ٦٩ - باب صيام يوم عاشوراء. وصحيح مسلم ٢/ ٧٩٢ في كتاب الصيام، ١٩ - باب صوم يوم عاشوراء. (٤) صحيح البخاري ٤/ ١٢٣ مع الفتح، كتاب الصوم، ١ -باب وجوب صوم رمضان. ١٢٥٤ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية قالوا: ومعلوم أن الذي تُرك هو وجوب صومه، لا استحبابه؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرغّب فيه، ويخبر أن صيامه كفارة سنة(١). وقد أخبر ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصومه إلى حين وفاته، وأنه عزم قبل وفاته بعام؛ على صيام التاسع(٢)، فلو كان المتروك مشروعيته لم يكن لقصد المخالفة بضم التاسع إليه معنى، فعُلِم أن المتروك هو وجوبه. الحجة الثانية: أن في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من كان أكل بأن يمسك بقية يومه(٣)، وهذا صريح في الوجوب؛ فإن صوم التطوع لا يتصور فيه إمساك بعد الفطر. الثالثة(٤): ما في الصحيحين أيضاً عن عائشة قالت: ((كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية))، فذكرت الحديث إلى أن قالت: «فلما فرض رمضان، كان هو الفريضة)»، الحديث. وهذه اللفظة في(٥) سياق البيهقي(٦). (١) وقد سبق تخريجه في الباب السابق. (٢) وقد سبق تخريجه في الباب السابق. (٣) كما في حديث سلمة بن الأكوع السابق. (٤) في المطبوع: الحجة الثالثة. بزيادة: "الحجة". (٥) في المطبوع: (وهذا اللفظ من)، مكان: (وهذه اللفظة في)، وهو تحريف. (٦) سبق تخريجه من حديث عائشة عند البخاري ومسلم. ١٢٥٥ كتاب الصيام فقولها: ((كان هو الفريضة))، دل على أن عاشوراء كان قبله(١) واجباً، وأن رمضان صار هو الفرض، لا عاشوراء؛ وإلا لم يكن لقولها: ((كان هو الفريضة))، معنی. قال الموجبون: وأما حديث معاوية، فمعناه: ليس مكتوباً عليكم الآن، أو لم يكتبه بعد نزول رمضان. [١٤١/أ] أو إنما نفى فيه(٢) الكتب، وهو الفرض المؤكد الثابت بالقرآن، ووجوب عاشوراء إنما كان بالسنة. ولا يلزم من نفي كتبه وفرضه، نفي كونه واجباً؛ فإن المكتوب أخص من مطلق الواجب، وهذا جارٍ على أصل من يفرّق بین الفرض والواجب. وقد نصّ أحمد في إحدى الروايتين عنه على أنه لا يُقال: فرض، إلا لما ثبت بالقرآن، وأما ما ثبت بالسنة؛ فإنه يسميه واجباً (٣). = وأما البيهقي ففي السنن الكبرى له ٢٨٨/٤. وهذه اللفظة جاءت في سياق أبي داود في سننه أيضاً ٢/ ٨١٧ في كتاب الصوم، ٦٤ - باب في صوم يوم عاشوراء. وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ٢١٣٣. (١) ساقطة من المطبوع. (٢) ساقطة من المطبوع. (٣) انظر المسودة لآل تيمية ص: ٤٥. ١٢٥٦ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية قالوا: وأما تصحيحه بنية من النهار (١)، فالجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن هذا حجة لمن يقول بجواز صوم الفرض بنية من النهار. قالوا: وهو عمدتنا في المسألة، فليس لكم أن تنفوا وجوبه، بناءاً على بطلان هذا القول؛ فإنه دور ممتنع ومصادرة باطلة، وهذا جواب أصحاب أبي حنيفة (٢). قال منازعوهم: إذا قلتم إنه كان واجباً، فقد ثبت نسخه اتفاقاً، وأنتم إنما جوزتم الصوم المفروض بنية من النهار بطريق الاستنباط منه، وأن ذلك من متعلقاته ولوازمه. والحكم إذا تُسخ نسخت لوازمه ومتعلقاته ومفهومه وما ثبت بالقياس عليه، لأنها فرع في(٣) الثبوت على ثبوت(٤) الأصل، فإذا ارتفع الأصل امتنع بقاء الفرع بعده. قال الحنفية: الحديث دل على شيئين: أحدهما: إجزاء الصوم الواجب بنية من النهار. والثاني: تعيين الصوم الواجب بأنه يوم عاشوراء. (١) وهي الحجة الثانية للقائلين بأن صوم عاشوراء لم يكن واجباً. (٢) انظر: شرح معاني الآثار ٢/ ٧٣-٧٤، والبحر الرائق ٢٧٩/٢. (٣) ساقطة من المطبوع. (٤) ساقطة من المطبوع. . ١٢٥٧ كتاب الصيام فتُسخ تعيين الواجب برمضان، وبقي الحكم الآخر لا معارض له؛ فلا يصح دعوى نسخه، إذ الناسخ إنما هو لتعيين الصوم وإبداله بغيره، لا لإجزائه(١) بنية من النهار. الجواب الثاني: أن ذلك الصوم إنما صح بنية من النهار، لأن الوجوب إنما ثبت في حق المكلفين من النهار، حين أمر النبي صلى الله عليه وسلم المنادي أن ينادي بالأمر بصومه، فحينئذ تحدد الوجوب، فقارنت النية وقت وجوبه، وقبل هذا لم يكن واجباً؛ فلم تکن نية التبيت واجبة. قالوا: وهذا نظيره(٢) الكافر يُسلم في أثناء النهار، أو الصبي يبلغ؛ فإنه يُمسك من حین یثبت الوجوب في ذمته، ولا قضاء عليه، كما قاله مالك(٣) وأبو ثور(٤) وابن المنذر(٥) وأحمد في إحدى الروایتین عنه(٦). (١) في المطبوع: إجزاؤه. (٢) في المطبوع: نظير. (٣) انظر لمذهب المالكية: الفواكه الدواني ١/ ٣٠٧، وحاشية العدوي ٥٥٩/١. (٤) ذكره عنه ابن قدامة في المغني ٤/ ٤١٥. (٥) ذكره عنه ابن قدامة في المغني ٤ / ٤١٥. (٦) هذه رواية. والمذهب أنه يمسك ولا قضاء عليه. انظر: المغني ٤ /٤١٥، والإنصاف ٢٨٢/٣. ١٢٥٨ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية ونظيره أيضاً: إذا أثبتنا الصوم تطوعاً بنية من النهار، ثم نذر إتمامه؛ فإنه يجزئه بنية عند مقارنة الوجوب. قالوا: ولا يرد علينا إذا (١) قامت البينة برؤية هلال رمضان في أثناء النهار؛ حيث يلزم القضاء لمن لم يكن قد بيّت الصوم، لأن الوجوب هنا كان ثابتاً، وإنما خفي على بعض الناس، وتساوي المكلفين في العلم بالوجوب لا يشترط، بخلاف ابتداء الأمر بصيام عاشوراء، فإنه حينئذ ابتدء وجوبه. فالفرق بين (٢) ابتداء الوجوب والشروع [١٤١/ ب] في الإمساك عقبه، وبين خفاء ما تقدم وجوبه ثم تجدد سبب العلم بو جوبه. فإن صحّ هذا الفرق؛ وإلا فالصواب التسوية بين الصورتين، وعدم وجوب القضاء، والله أعلم. وذكر الشافعي هذه الأحاديث في کتاب مختلف الحديث، ثم قال: وليس من هذه الأحاديث شيء مختلفٌ عندنا، والله أعلم؛ إلا شيئاً ذكره في حديث عائشة، وهو مما وصفت من الأحاديث التي يأتي بها المحدّث ببعض دون بعض. فحديث ابن أبي ذئب عن عائشة ((كان رسول الله صلى الله (١) في المطبوع: ما إذا. (٢) في المطبوع: إنما هو بين. ١٢٥٩ كتاب الصيام عليه وسلم يصوم عاشوراء، ويأمرنا بصيامه)) (١)، لو انفرد؛ كان ظاهره أن عاشوراء كان فرضاً. فذكر هشام عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم صامه في الجاهلية، وأمر بصيامه، فلما نزل رمضان؛ كان الفريضة، وترك عاشوراء (٢). قال الشافعي: لا يحتمل قول عائشة: ((ترك عاشوراء)) معنى يصح، إلا ترك إيجاب صومه إذ علمنا أن كتاب الله بيّن لهم أن شهر رمضان المفروض صومه، وأبان لهم ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو ترك استحباب صومه، وهو أولى الأمور عندنا؛ لأن حديث ابن عمر ومعاوية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله لم يكتب صوم يوم عاشوراء على الناس)) (٣). ولعلّ عائشة إن كانت ذهبت إلى (٤) أنه كان واجباً ثم نسخ، (١) سبق الدليل الأول للقائلين بأن عاشوراء كان واجباً، وأن البخاري ومسلم أخرجاه، إلا أنهما لم يخرجاه من طريق ابن أبي ذئب، وقد أخرجه من طريق ابن أبي ذئب عن الزهري عن عروة عن عائشة: إسحاق بن راهويه في مسنده ٣١١/٢، والدارمي في مسنده ٢/ ١١٠٤ وغيرهما. (٢) سبق قريباً. (٣) سبق تخريج حديث معاوية. أما حديث ابن عمر بهذا المعنى فإني لم أقف عليه. والله أعلم. (٤) في الأصل: إليه. والتصويب من اختلاف الحديث. ١٢٦٠ تهذيب السنن لابن قيم الجوزية قالته لأنه يحتمل أن تكون رأت النبي صلى الله عليه وسلم لما صامه وأمر بصومه، كان صومه فرضاً ثم نسخه ترك أمره، من شاء أن يدع صومه. ولا أحسبها ذهبت إلى هذا، ولا ذهبت إلا إلى المذهب الأول؛ لأن الأول هو الموافق للقرآن، أن الله فرض الصوم، فأبان أنه شهر رمضان. ودلّ حديث ابن عمر ومعاوية عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل(١) معنی القرآن؛ بأن لا فرض في الصوم إلا رمضان، وکذلك قول ابن عباس: ((ما علمت رسول الله صلى الله عليه وسلم صام يوماً یتحری فضله على الأيام؛ إلا هذا اليوم)» (٢)، - يعني يوم عاشوراء - كأنه يذهب بتحرى فضله في (٣) التطوع بصومه، آخر كلامه(٤). قالوا: وأما حجتكم الثالثة بأنه لم يأمرهم بالقضاء، فجوابه (٥) (١) في اختلاف الحديث: على مثل. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه ٤/ ٢٨٧ مع الفتح في كتاب الصوم، ٦٩ - باب صيام يوم عاشوراء. ومسلم في صحيحه ٢/ ٧٩٧ في كتاب الصيام، ١٩ -باب صوم يوم عاشوراء. (٣) في المطبوع: إلى. (٤) اختلاف الحديث ص: ١٠٣. (٥) في المطبوع: فجوابها.