Indexed OCR Text

Pages 1161-1180

١١٦١
كتاب الصيام
وأحسن منه أن يقال: إنها ليست بزائدة، بل هي على بابها (١).
والمعنى: أن الصوم في السفر ليس من البر الذي تظنونه
وتنافسون(٢) عليه، فإنهم ظنوا أن الصوم هو الذي يحبه الله ولا
يحب سواه، وأنه وحده البر الذي لا أبر منه، فأخبرهم أن الصوم في
السفر ليس من هذا النوع الذي تظنونه، فإنه قد يكون الفطر أحب
إلى الله منه؛ فیکون هو البر.
قالوا: وأما كون الفطر كان آخر الأمرين من رسول الله صلى
الله عليه وسلم فالمراد به واقعة معينة وهي غزاة الفتح، فإنه صام حتى
بلغ الكديد (٣) ثم أفطر(٤)، فكان فطره آخر أمريه لا أنه حرم الصوم.
(١) في المطبوع: حالها. وهو تحريف.
(٢) في المطبوع: وتتنافسون.
(٣) الكُديد: موضع على ثلاثة أميال من المدينة. انظر المغانم المطابة ٨٣٨/٢،
وقال المحقق: الكديد يعرف اليوم باسم (الحَمْض)، بين عسفان وخليص على
مسافة ٩٠ كلم من مكة المكرمة، على طريق المدينة المنورة. وأحال على: المعالم
الأثيرة ص: ٢٣١.
(٤) أخرجه: البخاري في صحيحه ٢١٣/٤ مع الفتح في كتاب الصوم، ٣٤-باب
إذا صام أياماً من رمضان ثم سافر.
ومسلم في صحيحه ٢/ ٧٨٤ في كتاب الصيام، ١٥ - باب جواز الصوم والفطر
في شهر رمضان للمسافر.
كلاهما من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

١١٦٢
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
ونظير هذا قول جابر: ((كان آخر الأمرين من رسول الله
صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست(١) النار))(٢).
إنما هو في واقعة معينة دعي لطعام فأكل منه ثم توضأ وقام
إلى الصلاة، ثم أكل منه وصلى ولم يتوضأ (٣)، فكان آخر الأمرين
منه ترك الوضوء مما مست النار.
وجابر هو الذي روى هذا وهذا فاختصره بعض الرواة
واقتصر منه على آخره. ولم يذكر جابر لفظاً من(٤) النبي صلى الله
(١) في المطبوع: مسته. وهو خطأ.
(٢) رواه النسائي في المجتبى ١١٦/١-١١٧ في كتاب الطهارة، ١٢٣ - باب ترك
الوضوء مما غيرت النار. عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
ورواه أبو داود في سننه ١/ ١٣٣ في كتاب الطهارة، ٧٥ -باب ترك الوضوء مما
مست النار، عن جابر بلفظ: ((كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه
وسلم ترك الوضوء مما غيّرت النار)).
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ١٧٧ .
(٣) أخرجه أبو داود في سننه ١٣٣/١ في كتاب الطهارة، ٧٥ -باب ترك الوضوء
مما مست النار عن جابر، قبل الحديث السابق.
والترمذي في جامعه ١١٦/١-١١٧ في أبواب الطهارة، ٥٩- باب في ترك
الوضوء مما غيّرت النار.
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ١٧٦ .
(٤) في المطبوع: عن.

١١٦٣
كتاب الصيام
عليه وسلم إن هذا آخر الأمرين مني.
وكذلك قصة الصيام، وإنما حكوا ما شاهدوه أنه فعل هذا
وهذا، وآخرهما منه الفطر وترك الوضوء.
وإعطاء الأدلة حقها يزيل الاشتباه والاختلاف عنها.
وأما قصة دحية بن خليفة الكلبي فإنما أنكر فيها على من صام
رغبة عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم وظناً أنه لا يسوغ الفطر، ولا
ريب أن مثل هذا قد ارتكب منكراً، وهو عاص بصومه.
والذين أمرهم الصحابة بالقضاء وأخبروا أن صومهم لا
يجزيهم؛ هم هؤلاء، فإنهم صاموا صوماً لم يشرعه الله، وهو أنهم ظنوا
أنه حتم عليهم كالمقيم، ولا [١٢٩/ أ] ريب أن هذا حكم لم يشرعه الله
فلم يمتثلوا ما أمروا به من الصوم فأمرهم الصحابة بالقضاء.
هذا أحسن ما حمل عليه قول من أفتى بذلك من الصحابة،
وعليه يحمل قول من قال منهم: ((الصائم في السفر كالمفطر في
الحضر))، وهذا من كمال فقههم ودقة نظرهم رضي الله عنهم.
قالوا: وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم ((عليكم برخصة
الله التي رخص لكم؛ فاقبلوها)) فهذا يدل على أن قبول المكلف
الرخصة الله واجب، وهذا حق، فإنه متى لم يقبل الرخصة ردها ولم
يرها رخصة، وهذا عدوان منه ومعصية، ولكن إذا قبلها فإن شاء
أخذ بها، وإن شاء أخذ بالعزيمة.

١١٦٤
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
هذا مع أن سياق الحديث يدل على أن الأمر بالرخصة؛ لمن
جهده الصوم وخاف على نفسه، ومثل هذا يؤمر بالفطر، فعن جابر
((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر برجل في ظل شجرة يُرشّ
عليه الماء، قال: ما بال صاحبكم هذا؟ قالوا يا رسول الله صائم، قال:
إنه ليس من البر أن تصوموا في السفر، وعليكم برخصة الله التي
رخص لكم فاقبلوها)). رواه النسائي(١).
قالوا: وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم ((أولئك العصاة))
فذاك في واقعة معينة أراد منهم الفطر، فخالفه بعضهم، فقال هذا.
ففي النسائي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر قال: خرج
رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة عام الفتح في رمضان، فصام
حتى بلغ كراع الغميم (٢)، فصام الناس معه، فبلغه أن الناس شق
عليهم الصيام، فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشرب والناس
ينظرون، فأفطر بعض الناس وصام بعض، فبلغه أن ناساً صاموا،
فقال: ((أولئك العصاة))(٣).
(١) سنن النسائي المجتبى ٤٨٦/٤-٤٨٧ في كتاب الصيام، ٤٧-العلة التي من
أجلها قيل ذلك .... وصححه الألباني في صحيح النسائي برقم: ٢١٣٢.
(٢) كراع الغميم: موضع قرب المدينة بين رابغ والجُحفة. المغانم المطابة ٩٨٨/٣.
(٣) سنن النسائي المجتبى ٤٨٨/٤ في كتاب الصيام، ٤٩-ذكر اسم الرجل.
ورواه مسلم في صحيحه ٧٨٥/٢ في كتاب الصيام، ١٥ - باب جواز الصوم
والفطر في شهر رمضان للمسافر ....

١١٦٥
كتاب الصيام
فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما أفطر بعد العصر ليقتدوا به،
فلما لم يقتد به بعضهم، قال: ((أولئك العصاة))، ولم يرد بذلك تحريم
الصيام مطلقاً على المسافر.
والدليل عليه ما روى النسائي أيضاً، عن أبى هريرة قال:
((أُتيَ النبي صلى الله عليه وسلم [بطعام] (١) بمر الظهران(٢) فقال
لأبي بكر وعمر: ((ادنيا فكلا))، فقالا: إنا صائمان. فقال: ((أرحلوا
لصاحبيكم (٣) اعملوا لصاحبيكم(٤))(٥)، وأعله بالإرسال(٦).
ومرّ الظهران أدنى إلى مكة من كراع الغميم، فإن كراع
الغميم بين يدي عسفان بنحو ثمانية أميال، وبين مكة وعسفان ستة
وثلاثون میلاً.
(١) ساقطة من المخطوط، واستدركتها من سنن النسائي المجتبى.
(٢) مر الظهران: واد بين مكة وعُسفان. واسم القرية المضافة إليه: مَرُّ بفتح الميم
وتشديد الراء. النهاية لابن الأثير ١٦٧/٣.
(٣) في الأصل: لصاحبكم. والتصويب من سنن النسائي المجتبى.
(٤) في الأصل: لصاحبكم. والتصويب من سنن النسائي المجتبى.
(٥) سنن النسائي المجتبى ٤٨٩/٤ في كتاب الصيام، ٤٩-ذكر اسم الرجل.
وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي برقم: ٢١٣٧.
(٦) فقد رواه النسائي مرسلاً عقب الحديث السابق.
وقال في السنن الكبرى ١٠١/٢: "هذا خطأ، لا نعلم تابع أبو داود على هذه
الرواية، والصواب مرسلاً".
٠

١١٦٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
قالوا: وأما احتجاجكم بالآية، وأن الله أمر المسافر بالعدة(١)،
فهي فرضه الذي لا يجوز غيره، فاستدلال باطل قطعاً، فإن الذي
أنزلت عليه هذه الآية، وهو أعلم الخلق بمعناها والمراد منها، قد صام
بعد نزولها بأعوام في السفر، ومحال أن يكون المراد منها ما ذكرتم، ولا
يعتقده مسلم فعلم أن المراد بها غير [١٢٩/ ب] ما ذكر تم.
فإما أن يكون المعنى: فأفطر فعدة من أيام أخر؛ كما قال
الأکثرون(٢).
أو يكون المعنى: فعدة من أيام أخر تجزي عنه وتقبل منه،
ونحو ذلك.
فما الذي أوجب تعيين التقدير بأن عليه عدة من أيام أخر،
أو ففرضه ونحو ذلك.
وبالجملة ففعل من أنزلت عليه يفسّرها ويبيّن(٣) المراد منها،
وبالله التوفيق.
(١) في المطبوع: بعدة من أيام أخر.
(٢) انظر: تفسير الطبري ١٥٤/٢، وتفسير البغوي ١٤٩/١، وتفسير القرطبي
١٨٨/٢، وأحكام القرآن للجصاص ٢٦٥/١، وزاد المسير لابن الجوزي
١٨٥/١، والتبيان في إعراب القرآن للعكبري ١/ ٨٠، والبرهان في علوم
القرآن للزركشي ١٥٨/٣، ٢٠٥، وتفسير الواحدي ١/ ١٥٠.
(٣) في المطبوع: (تفسيرها وتبيين) مكان: (يفسرها ويبين)، وهو تحريف لا داعي له.

١١٦٧
كتاب الصيام
وهذا موضع يغلط فيه كثير من قاصري العلم؛ يحتجون
بعموم نصٍ على حكمٍ ويغفلون عن عمل صاحب الشريعة وعمل
أصحابه الذي يبين مراده، ومن تدبّر هذا علم به مراد النصوص
وفهم معانيها.
وكان يدور بيني وبين المكيين كلام في الاعتمار من مكة في
رمضان وغيره، فأقول لهم: كثرة الطواف أفضل منها.
فيذكرون قوله صلى الله عليه وسلم: ((عمرة في رمضان
تعدل حجة))(١).
فقلت لهم في أثناء ذلك: محال أن يكون مراد صاحب الشرع
العمرة التي يخرج إليها من مكة إلى أدنى الحل وأنها تعدل حجة، ثم
لا يفعلها هو مدة مقامه بمكة أصلاً، لا قبل الفتح ولا بعده، ولا
أحد من أصحابه، مع أنهم (٢) أحرص الأمة على الخير وأعلمهم
بمراد الرسول صلى الله عليه وسلم وأقدرهم على العمل به.
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ٧٠٥/٤ مع الفتح، في كتاب العمرة، ٤-باب
عمرة في رمضان.
ومسلم في صحيحه ٢/ ٩١٧ كتاب الحج، ٣٦ - باب فضل العمرة في رمضان.
كلاهما من حديث عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم : ((فإن عمرة فيه تعدل حجة)). هذا لفظ مسلم.
(٢) في المطبوع: أنهم كانوا. وهي زيادات لا داعي لها.

١١٦٨
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
ثم مع ذلك يرغبون عن هذا العمل اليسير والأجر العظيم،
يَقْدر أن يحج أحدُهم في رمضان ثلاثين حجة أو أكثر، ثم لا يأتي
منها بحجة واحدة؟! وتختصون أنتم عنهم بهذا الفضل والثواب
حتى يحصل لأحدكم ستون حجة أو أكثر، هذا مما لا يظنه من له
مسكة عقل.
وإنما خرج كلام النبي صلى الله عليه وسلم على العمرة
المعتادة التي فعلها هو وأصحابه، وهي التي أنشأوا لها السفر من
أوطانهم، وبها أمر أمّ معقل وقال لها: ((عمرة في رمضان تعدل
حجة))(١).
ولم يقل لأهل مكة: اخرجوا إلى أدنى الحل فأكثروا من
الاعتمار، فإن عمرة في رمضان تعدل حجة، ولا فهم هذا أحد
منهم، وبالله التوفيق.
(١) وهو الحديث السابق.

١١٦٩
كتاب الصيام
باب فیمن اختار الصوم(١).
(٢) قال الشيخ الحافظ شمس الدين: واختلف أهل العلم في
الأفضل من الصوم والفطر:
(١) سنن أبي داود ٧٩٨/٢ - ٧٩٩، الباب رقم: (٤٤). وترجمة الباب فيه: باب
من اختار الصوم.
ومختصر سنن أبي داود ٢٨٩/٣ -٢٩٠.
وذكر أبو داود في الباب:
-حديث أبي الدرداء قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض
غزواته في حرّ شديد، حتى إن أحدنا ليضع يده على رأسه، أو كفّه على رأسه من
شدة الحر، ما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة.
وأخرجه البخاري في صحيحه ٢١٥/٤ في كتاب الصوم، ٣٥- باب.
ومسلم في صحيحه ٢/ ٧٩٠ في كتاب الصيام، ١٧ - باب التخيير في الصوم
والفطر في السفر.
وابن ماجه في سننه ٥٣١/١-٥٣٢ في كتاب الصيام، ١٠ - باب ما جاء في
الصوم في السفر.
-حديث سلمة بن المحبّق قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من
کانت له حمولة تاوي إلی شیع فلیھم رمضان حیث أدركه».
وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود برقم: ٥٢٠-٥٢١.
(٢) في المطبوع يوجد تنبيه هنا حيث قيل: "من أول هذه الملزمة لم يشترك
أخونا المحقق: الأستاذ أحمد محمد شاكر في التصحيح، لأنه سافر إلى الرياض،
ردّه الله سالماً" أ.هـ
1

١١٧٠
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
- فذهب عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس(١) وسعيد بن
المسيب والشعبي والأوزاعي(٢) وإسحاق(٣) وأحمد(٤) إلى أن
الفطر أفضل.
- وذهب أنس وعثمان بن أبى العاص إلى أن الصوم
أفضل(٥)، وهو قول الشافعي(٦) وأبي حنيفة(٧) ومالك(٨).
- وذهب عمر بن عبدالعزيز ومجاهد وقتادة(٩) إلى أن أفضل
(١) انظر ذلك عنهما في: مصنف عبد الرزاق ٥٦٤/٢ -٥٦٥، ٥٦٧-٥٦٨،
ومصنف ابن أبي شيبة ٢٧٩/٢.
(٢) ذكر ذلك عنهم: ابن قدامة في المغني ٤٠٨/٤، والخطابي في معالم السنن
١٠٦/٢. ورواه عبد الرزاق في مصنفه ٥٦٦/٢ عن سعيد بن المسيب.
(٣) انظر مسائل الكوسج المسألة رقم: ٦٨٣.
(٤) انظر لمذهب الحنابلة: مسائل الكوسج المسألة رقم: ٦٨٣، ومسائل ابن هانئ
١٢٩/١، ١٣٥، والمغني ٤ /٤٠٧، والإنصاف ٢٨٧/٣.
(٥) انظر ذلك عنهما فيه: مصنف ابن أبي شيبة ٢/ ٢٨٠، وشرح معاني الآثار ٢/ ٦٧.
(٦) انظر لمذهب الشافعية: المهذب ١٧٨/١، والوسيط ٢٥٠/٢.
(٧) انظر لمذهب الحنفية: شرح معاني الآثار ٦٩/٢، والهداية ١٢٦/١.
(٨) انظر لمذهب المالكية: الفواكه الدواني ٢٧١/٢، ومواهب الجليل ٤٤٥/٢.
(٩) رواه عبد الرزاق في مصنفه ٥٦٨/٢، ٥٧١ عن عمر بن عبد العزيز، وعن مجاهد.
وذكره عن قتادة: ابن قدامة في المغني ٤/ ٤٠٨، والخطابي في معالم السنن ٢/ ١٠٦.
وروي هذا القول عن ابن عباس.
انظر: مصنف ابن أبي شيبة ٢٧٩/٢، وشرح معاني الآثار ٢/ ٦٦.

١١٧١
كتاب الصيام
الأمرين أيسرهما، لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ
الْعُسْرَ﴾(١). [١٣٠/أ]
- وذهبت طائفة إلى أنهما سواء، لا يرجح أحدهما على
الآخر(٢).
- وذهبت طائفة إلى تحريم الصوم في السفر وأنه لا يجزي(٢).
وقد علمت أدلة كل فريق مما تقدم.
(١) سورة البقرة الآية رقم: ١٨٥.
(٢) روي هذا القول عن ابن عباس. انظر: شرح معاني الآثار ٦٧/٢.
(٣) وقد سبق ذكر من قال به في الباب السابق.
١

١١٧٢
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
باب متى يفطر المسافر إذا خرج (١)
قال الشيخ ابن القيم رحمه الله: وقد روى الترمذي عن محمد
ابن كعب قال: أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد سفراً،
وقد رُحِلت له راحلته ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل، فقلت
له: سنة ؟ فقال: سنة. ثم ركب(٢).
قال الترمذي: هذا حديث حسن.
وفيه حجة لمن جوّز للمسافر الفطر في يوم سافر في أثنائه.
(١) سنن أبي داود ٧٩٩/٢ - ٧٨٠، الباب رقم: (٤٥).
ومختصر سنن أبي داود للمنذري ٢٩٠/٣ -٢٩٢.
عند حديث عبيد بن جبر قال: كنت مع أبي بصرة الغفاري صاحب النبي
صلى الله عليه وسلم في سفينة من الفسطاط في رمضان، فرفع، ثم قرّب
غداءه، قال جعفر في حديثه: فلم يجاوز البيوت حتى دعا بالسفرة، قال:
اقترب. قلت: ألست ترى البيوت؟ قال أبو بصرة: أترغب عن سنة رسول الله
صلی الله عليه وسلم؟ قال جعفر في حديثه: فأكل.
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود رقم: ٢١٠٩.
(٢) جامع الترمذي ٣/ ١٦٣ في كتاب الصوم، ٧٦ - باب من أکل ثم خرج یرید
سفراً. ثم قال: حديث حسن.
والحديث صححه الألباني في رسالة مفردة سماها: تصحيح حديث إفطار
الصائم قبل سفره بعد الفجر.

١١٧٣
كتاب الصيام
وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد (١) وقول عمرو بن
شرحبيل(٢) والشعبي(٣) وإسحاق وحكاه عن أنس(٤)، وهو قول
داود(٥) وابن المنذر (٦).
وقال مالك(٧) والشافعي(٨) وأبو حنيفة(٩): لا يفطر. وهو
قول الزهري والأوزاعي ومكحول(١٠).
وفي المسألة قول شاذ جداً، لا يلتفت إليه؛ وهو إنه إن دخل
عليه الشهر وهو مقيم ثم سافر في أثنائه، لم يجز له الفطر، ولا يفطر
حتى يدخل عليه رمضان مسافراً.
(١) وعليها المذهب. انظر: المغني ٣٤٦/٤، والإنصاف ٢٨٩/٣.
(٢) ذكره عنه ابن قدامة في المغني ٤ /٣٤٦.
(٣) رواه عبد الرزاق في مصنفه ٤/ ٢٧٠.
(٤) مسائل الكوسج، المسألة رقم: ٦٩٢.
(٥) ذكره عنه: ابن قدامة في المغني ٣٤٦/٤، وابن عبد البر في التمهيد ٢٢/ ٥٠.
(٦) حكاه عنه ابن قدامة في المغني ٣٤٦/٤.
(٧) انظر لمذهب المالكية: التمهيد ٢٢/ ٥٠، ومواهب الجليل ٤٤٥/٢.
(٨) انظر لمذهب الشافعية: المهذب ١٧٨/١، وحلية العلماء ١٤٥/٣.
(٩) انظر لمذهب الحنفية: البحر الرائق ٣١٢/٢، والمبسوط للسرخسي ٦٨/٣.
(١٠) حكاه عن الثلاثة: ابن قدامة في المغني ٣٤٧/٤. وحكاه ابن عبد البر في
التمهيد ٢٢/ ٥٠ عن الزهري والأوزاعي.

١١٧٤
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
وهذا قول عبيدة السلماني(١) وأبى مجلز وسويد بن
غفلة (٢) (٣)
وقد صح ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى
الفتح في رمضان، فصام وأفطر)) (٤).
(١) رواه عبد الرزاق في مصنفه ٢٦٩/٤.
(٢) في الأصل: علقمة. والتصويب من المغني.
(٣) ذكره عنهم: ابن قدامة في المغني ٤ /٣٤٦.
ورواه عبد الرزاق عن عبيدة كما سبق.
(٤) وقد سبق تخريجه ص: ١١٦١.

١١٧٥
كتاب الصيام
باب مسیرة ما يفطر فيه(١)
ذكر حديث دحية (٢)، ثم قال الشيخ شمس الدين: قال
المجوزون للفطر في مطلق السفر: هب أن حديث دحية لم يثبت، فقد
أطلق الله تعالى السفر ولم يقيده بحدّ كما أطلقه في آية التيمم.
فلا يجوز حدّه إلا بنصّ من الشّارع أو إجماع من الأمة،
وكلاهما مما لا سبيل إليه، كيف وقد قصر أهل مكة مع النبي صلى
الله عليه وسلم بعرفة ومزدلفة؟!
ولا تأثير للنسك في القصر بحال، فإن الشارع إنما علّق (٣)
القصر بالسفر، فهو الوصف المؤثر فيه.
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمى مسيرة
(١) سنن أبي داود ٢/ ٨٠٠-٨٠١، الباب رقم: (٤٦)، وترجمة الباب فيه: باب
قدر مسيرة ما يفطر فيه.
ومختصر سنن أبي داود للمنذري ٢٩٢/٣.
(٢) وهو أن دحية بن خليفة خرج من قرية من دمشق مرة إلى قدر قرية عقبة من
الفسطاط، وذلك ثلاثة أميال، في رمضان، ثم إنه أفطر وأفطر معه ناس، وكره
آخرون أن يفطروا، فلما رجع إلى قريته قال: والله لقد رأيت اليوم أمراً ما
كنت أظن أني أراه، إن قوماً رغبوا عن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم
وأصحابه، يقول ذلك للذين صاموا، ثم قال عند ذلك: اللهم اقبضني إليك.
وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود برقم: ٥٢٢.
(٣) في المطبوع: علل.

١١٧٦
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
البريد سفراً في قوله: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن
تسافر بريداً، إلا مع ذي محرم))(١).
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ
مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾(٢).
وهذا يدخل فيه کل سفر طويل أو قصير.
وقال صلى الله عليه وسلم: (إذا سافرتم في الخصب فأعطوا
الإبل حقها من الأرض، وإذا سافرتم [١٣٠/ ب] في الجدب فبادروا
بها نقيّها»(٣).
وهذا يعمّ كلَّ سفر، ولم يفهم منه أحد اختصاصه باليومين
فما زاد.
ونهى أن يُسافر بالقرآن إلى أرض العدو(٤)، ونهى أن يسافر
(١) رواه أبو داود في سننه ٢/ ٣٤٧ في كتاب المناسك، ٢- باب في المرأة تحج بغير
محرم.
وقال عنه الألباني في ضعيف سنن أبي داود رقم: ٣٧٩: "شاذ".
(٢) سورة النساء الآية رقم: ٤٣.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه ١٥٢٥/٣-١٥٢٦ في كتاب الإجارة، ٥٤-باب
مراعاة مصلحة الدواب في السير ... ، من حديث أبي هريرة، وفيه: ((في
السنة)» مکان «في الجدب)»، وهما بمعنی واحد.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه ٦/ ١٥٥ مع الفتح في كتاب الجهاد والسير،
١٢٩ - باب كراهية السفر بالمصاحف إلى أرض العدو.
=

١١٧٧
كتاب الصيام
الرجل وحده (١)، وأخبر أن دعوة المسافر مستجابة(٢)، وكان يتعوذ
من وعثاء السفر (٣)، وكان إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه(٤).
ومسلم في صحيحه ١٤٩٠/٣ في كتاب الإمارة، ٢٤ - باب النهي أن يسافر
بالمصحف إلى أرض الكفار ... .
كلاهما من حديث عبد الله بن عمر.
(١) عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الوحدة، أن يبيت
الرجل وحده، وأن يسافر وحده. رواه أحمد في مسنده ٢/ ٩١.
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠٤/٨: "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح".
(٢) في حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ثلاث دعوات
مستجابات لا شك فيهن: دعوة الوالد، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم)).
رواه أبو داود في سننه ١٨٧/٢ في كتاب الصلاة، ٣٦٤ -باب الدعاء بظهر
الغيب. واللفظ له.
والترمذي في جامعه ٢٧٧/٤ في كتاب البر والصلة، ٧-باب ما جاء في دعوة
الوالدين.
وابن ماجه في سننه ٢/ ١٢٧٠ كتاب الدعاء، ١١ -باب دعوة الوالد ودعوة المظلوم.
وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: ١٣٥٩.
(٣) فكان صلى الله عليه وسلم يقول في الدعاء الوارد في السفر: ((اللهم إني أعوذ
بك من وعثاء السفر)).
أخرجه: مسلم في صحيحه ٩٧٨/٢ في كتاب الحج، ٧٥ - باب ما يقول إذا
ركب إلى سفر الحج وغيره. من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه ٢٥٧/٥ مع الفتح في كتاب الهبة، ١٥ - باب هبة
=

١١٧٨
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
ومعلوم أن شيئاً من هذه الأسفار لا يختص بالطويل، ولو (١)
سافر دون اليومين أقرع (٢) بين نسائه، ولم یقض للمقيمات.
فما الذي أوجب تخصيص اسم السّفر بالطويل بالنسبة إلى
القصر والفطر دون غيرهما؟!
قالوا: وأين معنا في الشريعة تقسيم الشارع السفر إلى طويل
وقصير، واختصاص أحدهما بأحكام لا يشاركه فيها الآخر؟!
ومعلوم أن إطلاق السفر لا يدل على اختصاصه بالطويل،
ولم یبیّن النبي صلى الله عليه وسلم مقداره، وتأخير البيان عن وقت
الحاجة ممتنع، فسكوته عن تحديده من أظهر الأدلة على أنه غير
محدود شرعاً.
قالوا: والذين حددوه مع كثرة اختلافهم وانتشار أقوالهم
ليس معهم نص بذلك، وليس حد بأولى من حد، ولا إجماع في
المسألة، فلا وجه للتحدید، وبالله التوفيق.
=
المرأة لغير زوجها ... .
ومسلم في صحيحه ٢/ ٢١٣٠ في كتاب التوبة، ١٠ - باب في حديث الإفك ....
كلاهما من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.
(١) في المطبوع: ولا أنه لو.
(٢) في المطبوع: لم يقرع. وهو تحريف يغير المعنى.

١١٧٩
كتاب الصيام
النهي أن يخص يوم الجمعة بصوم(١)
قال الشيخ شمس الدين: وقد أخرجا في الصحيحين عن
محمد بن عباد بن جعفر قال: سألت جابراً أنهى النبي صلى الله عليه
وسلم عن صوم يوم الجمعة؟ قال: نعم(٢).
وروى البخاري في صحيحه عن جويرية بنت الحارث أن
النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوم الجمعة، وهي صائمة،
فقال: ((أصمتِ أمس؟)) قالت: لا. قال: ((تريدين أن تصومي
(١) سنن أبي داود ٢/ ٨٠٥، الباب رقم: (٥٠).
ومختصر سنن أبي داود للمنذري ٢٩٦/٣-٢٩٧.
عند حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يصم
أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله بيوم أو بعده)).
وأخرجه البخاري في صحيحه ٢٧٣/٤ مع الفتح في كتاب الصوم، ٦٣ - باب
صوم يوم الجمعة.
ومسلم في صحيحه ٨٠١/٢ في كتاب الصيام، ٢٤ - باب كراهة صيام يوم
الجمعة منفرداً.
والترمذي في جامعه ١١٩/٣ في كتاب الصوم، ٤٢- باب ما جاء في كراهية
صوم يوم الجمعة وحده. وقال: حديث حسن صحيح.
وابن ماجه في سننه ٥٤٩/١ في كتاب الصيام، ٣٧ - باب في صيام يوم الجمعة.
(٢) صحيح البخاري ٢٧٣/٤ مع الفتح، كتاب الصوم، ٦٣ - باب صوم يوم الجمعة.
وصحيح مسلم ٨٠١/٢ في كتاب الصيام، ٢٤ - باب كراهة صيام يوم
الجمعة منفرداً.

١١٨٠
تهذيب السنن لابن قيم الجوزية
غداً؟)) قالت: لا. قال: ((فأفطري))(١).
وفي صحيح مسلم عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: ((لا تخصوا (٢) ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا
تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام؛ إلا أن يكون في صوم
يصومه أحدكم)»(٣).
وروى الإمام أحمد في مسنده عن أبى هريرة عن النبي صلى
الله عليه وسلم: ((يوم الجمعة يوم عيد، فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم
صيامكم؛ إلا أن تصوموا قبله أو بعده))(٤).
وعند النسائي عن عبد الله بن عمرو القاري قال سمعت أبا
هريرة يقول: ما أنا نهيت عن صيام يوم الجمعة محمد صلى الله عليه
وسلم ورب البيت، نهى عنه(٥).[١٣١/ أ]
وروى النسائي أيضاً عن محمد بن سيرين عن أبى الدرداء قال: قال
(١) صحيح البخاري ٢٧٣/٤ مع الفتح، كتاب الصوم، ٦٣ -باب صوم يوم الجمعة.
(٢) في صحيح مسلم: تختصوا.
(٣) صحيح مسلم ٢/ ٨٠١ كتاب الصيام، ٢٤ - باب كراهة صيام يوم الجمعة منفرداً.
(٤) مسند أحمد ٣٠٣/٢.
وفي سنده مجهول. انظر مستدرك الحاكم مع تلخيص الذهبي ١ / ٤٣٧.
(٥) السنن الكبرى للنسائي ١٤٠/٢.
وصححه ابن خزيمة إذ أخرجه في صحيحه ٣١٤/٣-٣١٥، وأخرجه ابن
حبان أيضاً في صحيحه ٣٧٤/٨ مع الإحسان.